الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 




مبتدأ

عندما كان الكاتب خلفان الزيدي يهم بالرحيل، ميمما شطره نحو أي من جهات الكرة الأرضية، ممتطيا بعض أحلام صباه، متأبطا كتابا وحيدا، كانت تتزاحم أسئلته في رأسه، فتسعفه الظروف أحيانا، تمهله بعض وقتها للبحث عن إجاباتها، لكنه في الأغلب الأعم، كان يحيل أمرها إلى تفاصيل رحلته.
يبحث الزيدي عن سراييفو، وموقعها على الخارطة، ويتابع خط الرحلة الذي سيأخذهم من مسقط إلى الكويت، ومن هناك في طائرة إلى سراييفو، ليشهدوا جميعا دورة مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، ونسي في خضم البحث مناخ سراييفو، وأجواءها، وبدت أمامه صور بديعة، رغم الألم المتخفي، والحزن البادي على معالمها، بعد حرب طاحنة، لم تبق فيها شجرا أو حجرا إلا أتت عليه، وجعلته كالرميم، نسي ملابسه الثقيلة، كما نسى صديقه جواز سفره.
كانت رحلته هذه المرة مغايرة، فلم تترك له أجواؤها ولا الصحبة فرصة البحث عن أجوبته، وقد تعاظمت بهجة السفر أكثر، حيث كان برفقة أديب وشاعر، احتار من أي زهرة ينهل، وعلى أي بستان فكر يحط، مؤكدا أنه لن تنتهي دهشته، فرفيقه الرابع هو زميل مهنة ومشاكس صحفي جميل.
هي بحق رحلة مغايرة، لأن الزيدي بدل أن يبدأها بتساؤلاته المعتادة، جاء بالخبر اليقين "الحمام لا يطير في سراييفو".
تتبدل دلالة بعض الكلمات، ثم تشيع بين الناس على غير الصورة التي عرفت بها في الأصل، وقد تلزم حالة معينة من التخصيص والحصر، تصبح معها نابية في الاستعمال، غير مقبولة في المجتمع، بل ربما كان توجيهها مدعاة إلى الخصام. وللاطلاع على الألفاظ التي تغير مفهومها بسبب تداول الناس لها في غير محلها ومعناها، يقدم لنا الدكتور أحمد بن عبدالرحمن بالخير نافذته اللغوية تحت عنوان "تحية".
وفي العدد الجديد من "أشرعة" تقرأ
الحمار "ماركو" ... وديمقراطيات "الامتطاء" و"التيك أويه"!
للدكتور وليد أحمد السيد.
"معزوفة الحياة"
للشاعر هلال بن سيف الشيادي.
"بكاء على كوكب زحل"
للكاتبة السهاد البوسعيدية.
"إطلالة وراق"
للدكتور إبراهيم بن حسن البلوشي.
وفي العدد الجديد من "أشرعة" العديد من الموضوعات الثقافية والفنية التي تستحق القراءة.




المحرر



أعلى





الحمام لا يطير في سراييفو (1 ـ 2)

ان تسافر إلى بلاد بعيدة لم تعرفها من قبل حق معرفتها، وتكتشف ديارا لم تطأها سابقا، وأنت تجوس في المطارات، وتحلق بين العواصم والمدن، منية تبهج النفس، وتسعد الخاطر، لكن بهجة السفر وفوائده تتعاظم، إذا كنت بصحبة ناسك يضيء حكمة وتجربة، وتنهل من فيض فكره وأدبه.. وتتعاظم بهجة السفر أكثر اذا كان برفقة أديب وشاعر آخر لتحتار من أي زهرة تنهل، وعلى أي بستان فكر تحط.. ولن تنتهي الدهشة، حين تعلم إن الرفيق الرابع هو زميل مهنة ومشاكس صحفي جميل..
لن تقول لي عن سراييفو الكثير، فالابحار في عوالم أديب وشاعر وصحفي، يحتاج إلى صفحات طويلة، ويكاد المرء لا يقوم من مجلس أحدهم، وهو راغب في ذلك، فليت الزمان بحضرتهم يطول..
ابحث عن سرايفو، وموقعها على الخارطة، وأتابع خط الرحلة الذي سيأخذنا من مسقط، إلى الكويت، ومن هناك في طائرة خاصة استأجرتها مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، إلى سراييفو، لنشهد جميعا دورة المؤسسة ....
لكني في خضم البحث نسيت مناخ سراييفو، واجوائها، وبدت أمامي صورا بديعة، رغم الألم المتخفي، والحزن البادي على معالمها، بعد حرب طاحنة، لم تبق فيها شجرا أو حجرا إلا أتت عليه، وجعلته كالرميم، نسيت ملابسي الثقيلة، كما نسى الصديق عاصم الشيدي جواز سفره، وأقفل إلى سيارته يبحث عنه.. وكأني وعاصم ونحن بصحبة استاذنا أحمد الفلاحي وشاعرنا هلال العامري، نسينا السفر، بل نسينا انفسنا..
في الطائرة إلى الكويت، جلست وعاصم نحسد انفسنا على هذه الصحبة الجميلة، فيما جلس أحمد الفلاحي وهلال العامري معا.
كان امامنا أربع ساعات أو تزيد على موعد الرحلة إلى سراييفو، لذلك لجأنا إلى مقهى ستار بوكس، لتمضية هذه الساعات، والبدء في حديث طال شجنه..
كان الراحل غازي القصيبي الحاضر الغائب في جلستنا هذه، كنت انصت لـ أبو فلاح، وهو يقرأ قصيدته "حديقة الغروب"، ويسرد حكاياته مع الراحل مذ ان تعرف عليه في البحرين، وما تلى ذلك من مواقف وحكايات.
قادنا القصيبي، لأحاديث وحكايات متفرعة، لم يقطع حبالها، غير نداء الصعود إلى الطائرة، والاستعداد لرحلة تمتد ثماني ساعات، حتى الوصول إلى سراييفو.. وكانت امامنا افكار عديدة للحديث بين السماء والأرض، يمكن أن تقصر المسافات، وتطوي البعد، لكن أبو فلاح، "حوصر" بحديثه عن غازي القصيبي، فأخذ مكانه في وسط الطائرة، أما أنا وأبو ليث وعاصم، فأخترنا مكاننا في آخر الطائرة، لنكون معا، بعد إن انفرطت حبة ثمينة من عقدنا.. وتلألأت نورها بعيدا عن مجلسنا.
في آخر الطائرة أخذنا موضعنا، وعزاء النفس ـ كما قال عاصم ـ إننا قريبون من خدمات المضيفات، ونحن أول الركاب من يتلقى الخدمة، فالأقربون أولى بالمعروف..
كان أثر الرحلة الأولى باديا علينا، وما بارحنا إرهاقها، وقد بلغ التعب منا مبلغه، لم يكن امامنا حينها فسحة للحديث، فقد صمتنا عن الكلام المباح، واسترسلنا في غفوة، ما لبثنا أن قمنا بعدها، نتساءل: كم لبثنا؟!.
مرت الساعة.. والساعتين، ونحن نجوس في سماء فسيحة، كطائر رآن إلى عشه، ولم يفارقه بعد، كانت اصوات الركاب تتزاحم في نقاشات وحوارات حول مواضيع شتى، وآخال إن أحمد الفلاحي جمع حوله مريدي القصيبي، واستمتعوا بحديثه عنه، كما استمتع هو بالاقتراب والتعرف على شخوصهم، والتحاور معهم، فيما يحب.
كنت أريد أن تمضي الساعات الثماني بين السماء والأرض سراعا، لأصافح الأرض التي سمعت عنها، واشتقت لنسيمها، للأرض الحاضرة في كل مشهد، وأنا البعيد عنها، في كل حين، الأرض الطيبة التي ضربت مثالا للنضال والتضحية من أجل الكرامة والحرية، أرض لم تطء رأسها رغم الموت والدمار، لكنني بعدئذ، وددت لطال السفر..
نصل سراييفو والليل يرسل نسيمه البارد، فترتعش الأجساد وهي ترتجف من البرد، لكن سماء المدينة تدثرنا، نشعر بالدفء، ونحن نعبر الطرقات، ونجتاز القرى الواصلة إليها، وبعد ساعة من الزمن أو اقرب إلى ذلك، كنا في فندق هولييود الواقع بالقرب من المنطقة الخضراء في ايليدزا.. نفتش عن حقائبنا، ونستلم مفاتيح الغرف المخصصة لنا..
وكمن عرف صاحبه فتقدم، وجدت حقيبتي ترقد تحت قدمي، قرب كومة من الحقائب، شرعت بعدها في مساعدة اصدقاء الرحلة، وانتشال حقائبهم، اتفقنا على اللقاء صباح اليوم التالي باكرا، لتناول وجبة الافطار، والحديث عن مشاعر الوصول.
يتكون فندق هولييود، من مبنيين متحاذيين، لكل مبنى مصاعده وسلالمه الخاصة، ويتصلان معا في الطابق الثاني، عبر بهو يصل غرف المبنى الأول، بقاعات المبنى الثاني، وللوصول إلى هذا البهو، يحتاج النزيل إلى خارطة ترشده، إلى مداخل الخروج من غرف المبنى الاول، وقاعات المبنى الثاني..
كان من سعد حظي، إن الغرفة التي حصلت عليها في المبنى الأول، تقع على الممر المؤدي إلى مدخل المبنى الثاني، ولذلك لم تكن عملية انتقالي لقاعة الندوات والمؤتمرات ذي عسر، ففي لحظات معدودة، انتقل بين هذا المبنى وذاك، دون ان أكشف السر لرفاق الرحلة، سيما وإن غرفة الاستاذ أحمد الفلاحي كانت في الطابق الخامس من المبنى الثاني، وكنت والشيخ هلال العامري وعاصم الشيدي في المبنى الأول، مع اختلاف الطوابق بيننا، ولن أكشف سرا آخر، حول اختلاف مساحات الغرف، والشرفات التي تطل منها على المساحات الخارجية، وتكشف وجه المدينة البهي.
لم أعرف عن تباعد غرفنا إلا لاحقا، فقد طلبت أنا وأحمد الفلاحي وحقائبنا مصعد المبنى الأول، بحثا عن الغرف، رافقتنا في المصعد فتاة جميلة، بادرها أحمد الفلاحي بالسؤال عما إذا كانت ضمن المشاركين في احتفالية البابطين، فاخبرتنا إنها غادة شبير.
وهنا سألها الفلاحي ما اذا كانت شاعرة أو ناقدة.. فتطوعت رفعا للحرج عنها، بالقول إنها مطربة معروفة، وستحيي حفلة غنائية ضمن برنامج الاحتفالية..
ادرك احساس أحمد الفلاحي بالحرج، كون كينونة غادة شبير التبس عليه، وهي المطربة الشهيرة، ذائعة الصيت، وقد عرفت بادائها الغناء الشرقي والموشحات، ولذلك بادرها بالاعتذار، متمنيا ان تكون ليلة غنائها، كليلة من ألف ليلة وليلة..
في الغرفة التي وضعت حقيبتي فيها، وتأهبت لنفض عثاء السفر الطويل، اتصل بي الأستاذ أحمد الفلاحي، وهو يسألني عن حقيبته التي فقدها، دون ان يعرف اين حدث فعل الفقد هذا، قال إنه عاد إلى المصعد فما وجدها، ولا وجد غادة شبير.. وضحكت أنا، بعدما قلت للأستاذ: إن غادة هي السبب، لقد افقدتنا حقائبنا، بعد ان طارت بعقولنا.. ومن ذا الذي يكون مع غادة شبير، ولا يفقد حاله ومآله..
كان البحث عن الحقيبة، هاجسا تداعت له هواتف غرف الاصدقاء هلال العامري وعاصم الشيدي، وانضم إلى الركب موظفي الفندق، وعدد من المنظمين والمدعوين، فحقيبة الفلاحي، كما آخالها، مليئة بالكتب والمؤلفات النفيسة، التي يصحبها الأستاذ في سفراته، لتكون رفيقته الدائمة، وهديته إلى من يتعرف عليهم.. كان الفلاحي موقنا إن الحقيبة التي تاهت في زحمة الناس، ستعود إليه، ولسانه حالها: ما الحب إلا للحبيب الأول، وصدق حدسه، فقد جاءت الحقيبة منقادة إليه، لا تريد حبيبا غيره.
ومضت ليلتنا الأولى، في سهاد وهيام بسرايفو، وعشق ما له آخر للمدينة التي طال شوق الوصول إليها، في تلك الليلة لم أفتح نافذة غرفتي لأطل على ليل سراييفو كما اعتدت في رحلاتي، ولم أجول الغرفة واقلب محتوياتها، أو أفتح جهاز التلفاز وانظر صورة البلاد في احد قنواتها، ولم افعل كل ذلك، فقد وجدتني مرميا على سرير وثير واسع، يسمع شخير التعب الساكن جسدي..
حتى الاحلام مضت سراعا، ولم استطع ان امسك بخيط منها اتبع حكايته، واستعيد قصته، كل ما اعرفه تاليا، إن هاتف الغرفة ظل يصرخ لدقائق قبل أن انتبه له، وارفع السماعة لأجد الاستاذ أحمد الفلاحي على الخط يطمئن علي، ويسأل عن ميعاد لقائنا على مائدة الافطار..
هي دقائق عشر أو تزيد قليلا، كنا بعدها نستعيد ذكريات ليلة الأمس، وحكاية الغادية التي طارت بعقل حقيبة الفلاحي، فظلت طريقها، كانت طاولتنا بما حوت من شخوص مزارا للكثير من الادباء والمثقفين والاعلاميين المدعوين للاحتفالية.. وكنا في كل مرة نمد ايادينا نصافح وجوه نعرف اسماءها وشخوصها، وقد نعرف اسماءها دون شخوصها، وقد لا نعرف هذا أو ذاك.
كان الحديث ينساب بألقه وجمالياته، وكان الشعر يسجل حضوره البديع، يقرأ علينا أحمد الفلاحي من ذاكرته الثرية، ويعيد هلال العامري استكمال بيت القصيد، ثم يتلو عاصم ما حفظه هو كذلك..
كانت معلقة الاعشى تحضرني في تلك اللحظة، وكأني به ينظر لحالنا في بلاد كلها غيد وحسان..
ودع هريرة إن الركب مرتحل... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل؟.
لم أود أن أكمل الابيات التالية، فقد يجري الفهم على غير معناه، كانت غادة شبير حاضرة بحسنها ودلالها، في حديثنا، وهي من صافحت اعيننا للحظات معدودة، ولم تكن هي الكاعب دون غيرها من نساء في مدينة كل نسائها جميلات..
تذكرت ما قاله أحد المسافرين للصديق عاصم الشيدي حين عهد على نفسه أن يقدم وردة حمراء اعطيت له في الطائرة، إلى اجمل امرأة في سراييفو، قال له: إذا ستحجب الوردة، لأن الكل يستحقها، ولن تجد امرأة غير حسناء هنا.
كان ما قاله المسافر حقيقة، تمثلت امامنا، فنساء سراييفو، حسناء قد غنيت بحسن صفاتها... عن دملج وقلادة ووشاح.
وكان حديثنا الصباح، مطرزا بالذكريات البديعة والحكايات الجميلة التي ساقها أحمد الفلاحي..
ولم يذهب هلال العامري بعيدا عنه، فقد كانت ذكريات تأسيس النادي الثقافي، ومشاريع الملتقي الأدبي، والاسماء التي برزت على الساحة الثقافية العمانية، وذاعت إبداعاتها محليا وخارجيا حاضرة في الأحاديث الممتدة حتى ساعة الانتقال إلى مكان افتتاح الدورة الثانية عشرة لجائزة مؤسسة البابطين التي خصصت هذه المرة للاحتفاء بالشاعر العربي خليل مطران والشاعر البوسني ماك درداز.
في حفل الافتتاح الذي حضره مفكرون وسياسيون واعلاميون وادباء من انحاء المعمورة، ابهرني الرئيس البوسني الدكتور حارث سيلاجيتش، بكلمته الطويلة المرتجلة التي قدمها بدءا بلغته البوسنية، ثم تحول إلى اللغة العربية التي يجيدها تماما, بفصاحة وحسن اختيار المفردات.
قال سلايجيتش، وهو ينظر إلى جمعنا، ومشاربنا المتباينة، وإلى اعراقنا المختلفة: ان مشروع الحوار الحضاري هو ضرورة لبقاء الكون البشري نقيا من الاحقاد والصراعات والحروب.
كانت صورة البوسنة، تتجسد امامنا، كمدلول لهذا المعنى، البوسنة التي قسوانا عليها بالصمت المخجل، فقط اطلقنا حناجرنا لها، نردد اسمها في طوابير الصباح المدرسية، أو في هتافات لا تبلغ أرنبة انوفنا، تخاذلنا عن نجدتها يوم تداعى الجمع، وكادوا يقتلونها..
البوسنة.. ايها الاصدقاء، هي قدسنا الساكنة غرب وطننا العربي، القدس التي صممنا آذاننا عن آناتها، واغمضنا جفوننا عن مأساتها، وحتى الساعة لم تقم بعد قيامتنا في القدس، لكن البوسنة استطاعت ان تداوي جراحها، وتقوم من جديد، وهانحن بشملنا والتئم جمعنا، باطيافنا ومذاهبنا.. بمشاربنا وافكارنا نجتمع في هذه الأرض لنتحاور، ونتفاهم، ويمكن لنا أن نتجادل، لكن الأيادي ستكون ممدودة للسلام لا للسلاح.
في بهو الفندق، وبعيد انتهاء افتتاح المؤتمر، كان عالم الدين الاسلامي الشيخ يوسف القرضاوي وأحد الحاخامات اليهود، يجلسان جنبا بجانب، وكان عالم الدين المسيحي يتحدث إلى كليهما، فتشعر إن الأديان السماوية تجمعت في نقطة ضيقة جدا، احتضنتها البوسنة.
تشجع الصديق عاصم الشيدي، لتصوير المشهد، وراح كما الكثير من الموجودين يخلد هذه اللحظة، وانضم إليهم يلتقط الصورة تلو الأخرى، وهو يتساءل: ترى من جلس منهما قرب الآخر؟؟.
لا يهم يا عاصم!.
فنحن لسنا في صدد، البحث عمن جاء أولا، ومن سبق الآخر إلى هذا الفضل، ـ إن صح تسمية التسامح بهذا المعنى ـ، فنحن لم نكتشف المدينة بعد، ولم نخرج للشوارع الفسيحة، والميادين الممتدة، والانهار التي تجري من تحتها، لأؤلئك البشر الذين يجوبون الطرقات ذهابا وأيابا، الذين يكتبون تاريخا جديدا لسرايفو ـ، تكون الطيور آمنة في التغريد، والزهور رحيقا للفراشات..
كنا بحاجة إلى اكتشاف المدينة أكثر، والاقتراب مما يجاورنا.. لنقول عن التسامح الذي يغلفها، قول العين، وليس قول الأذن فحسب.
كنا نريد أن نرى كيف يمشي المسلمون على أرض يقاسمهم ظلالها وسمائها، اليهود والنصارى.. وكيف يلتقي المسلم مع ابناء الذين هتكوا اعراضه، وسفحوا دماءه، وكيف ينظر اليهودي إلى النصراني، وكيف ينظران كليهما إلى المسلم.
ولذلك انسللنا أنا وعاصم قبيل الغروب، للتسكع في المنطقة المحيطة بالفندق، خرجنا نتبع هوانا حيثما شاء أن يقذفنا، كانت سراييفو قد بدأت تسكن قبل حلول المساء، رأينا خلق كثير يقصد محطة الحافلات للتنقل إلى وجهته الأخيرة قبل ان يسدل الليل ستاره، كانت المحطة متسعة لوقوف عشر حافلات او تزيد في زمن واحد، ولكل حافلة جدولها ومواعيدها الخاصة، ويتم استقلالها من خلال تذاكر تقطع عبر نافذة كشك صغير في الجوار.
كان الجميع يلتزم ترتيبه، ويحسن الحراك، نحو نافذة التذاكر، ثم ينتظر دوره للصعود إلى الحافلة.
في تلك الساعة الليلة، كان البرد يكنس الطرقات من البشر، والمحلات التجارية أخذت تغلق الواحد تلو الآخر، وصولا إلى ساعة السبات، التي غالبا ما تكون عند العاشرة مساء، وحدها الملاهي الليلية والبارات من تواصل صخبها حتى ساعات متأخرة من الليل.
في أحد البارات التي مررنا قربها، كان البرد يجمع حبيبين على باب البار، وهما يتقاسمان لسعة البرد، ويتدفئان باجسادهما شبه العارية، اختلسنا نظرة، ومرقنا سريعا، تاركين العاشقين لحال سبيلهما.. كان الليل يمضي وحيدا، إلا من غريبين يذرعان طريقا مجهولا لا يعرفان إلى أين يقودهما.
كنا بحاجة إلى شراب ساخن، يبث في اوصالنا الدفء، ولما لم نعثر على بغيتنا قفلنا عائدين من حيث اتينا..
لم يصعب علينا الاهتداء إلى الفندق، بعدما سلكنا دربا آخر اوصلنا إليه، وهناك كانت الحياة مشتعلة بالنزلاء الذين اخذوا مواقعهم في بهو الفندق، وكانت جلسات فكر وثقافة، وذكريات..
كان التعب قد بدأ يأخذ مبتغاه منا، والليل اوشك أن ينتصف.. فقررنا الايواء إلى غرفنا، وفي الصباح نكتب حكاية جديدة في سراييفو.

بقية التجوال الأحد القادم

خلفان الزيدي


أعلى





بوح ..
اللقب بين الفرض والمنح

* شكر وتقدير ..
بداية نتقدم بالشكر الجزيل للدكتورة عائشة الدرمكية على تعقيبها الذي نشر في العدد الماضي على المقال المنشور في هذه الزاوية بعنوان "اصول الحكايات الشعبية المنسي من التدوين" وقد اثرت "الدرمكية" بردها هذه القضية وقدمت لها توضيح شامل برؤية المتخصص إضافة إلى تقديمها سلبيات وإيجابيات القضية الأساسية إضافة إلى رؤيتها للموضوع بشكل احترافي جميل افاد الموضوع نفسه وعزز المعلومات لنا متابعين و للقاريء عموما فشكرا جزيل الشكر والإمتنا للدكتورة عائشة الدرمكية على تواصلها.

* الإستاذ الشاعر ..

كنت قد تواصلت الأسبوع الماضي مع احد الأخوة الشعراء الأعزاء الذي تربطي به علاقة اخوية قبل "الشعر" وناقشته تحديدا حول وضع لقب "شاعر" قبل اسمه ، وتفاجأت بصراحة من أسلوب الرد اولا ، وإستسهال الأمر ثانيا .. وقد توقفت عن النقاش ليس هروبا انما لقناعتي بأن اخي الشاعر مقتنع تمام الأقتناع بوجهة نظره بما لا يدع مجالا للنقاش ، وعززها بقوله انه يجب البحث عن امور اكثر فعالية للنقاش غير مسألة الأسماء والألقاب هذه .
في الحقيقة اجد في نفسي ان من اهم القضايا التي يتوجب ان تأخذ مساحتها من النقاش هي "الألقاب" كونها ترتبط بشكل مباشر بموضوع "التواضع" و"الغرور" ، وليست قضية الألقاب هذه قضية هامشية من تكوين الشاعر لانها بإختصار تعطي إنطباعا مباشرا مع المتلقي بغض النظر عن القصد الحقيقي وراء ذلك.
بدأ الحديث حول لماذا يكتب الشاعر في اي وسيلة كانت تعريفه بنفسه واعني هنا حينما يكتب " الشاعر فلان الفلاني" ، في الواقع لا يقبل الشاعر الحقيقي ان يطلق على نفسه شاعرا بل يتركها ليمنحه الجمهور إياها وليس في عملية حذف التعريف التقليل ايضا من أهمية الشاعر او دحض الشاعرية عنه، انما فقط لتعطي الإنطباع الإيجابي امام المتلقي، فالإنطباع الأولي من كتابة اللقب امام الأسم من قبل الكاتب نفسه يعطينا إنطباعا سلبيا للموضوع المكتوب، فالنسبة الكبيرة التي تتجه إلى هكذا تصرف تجد نصوصها الشعرية وكتاباتها النثرية ضعيفة جدا ـ الا ما ندر.
يجب كذلك ان نفرق بين اللقب الذي تمنحه الشهادة العلمية كالدكتور والمهندس وغيره ، وبين الألقاب الهلامية التي يمنحها الجمهور دون ملكية، وحتى الألقاب العلمية كحرف "د" مثلا يجب ان لا يكون الشغل الشاغل في النصوص المنشورة بقدر النص نفسه ، فالدرجة العلمية هي حق يجب ان يتواجد امام اسم المستحق ، ولكن إن سقط سهوا فلا يستعدي الضجيج ، وهناك حالات عظيمة من البشر تستحق الانحناء والتقدير والإحترام شكرا لمواقفها النبيلة الإنسانية تجاه هذه الألقاب.
ليست المسألة بلاهة لطرح الموضوع، ولا المسألة كيدية لذات البعض ، وليس الامر تجاذب في العناد بين هذا وذاك، ابدا .. المسألة يجب ان تكون " مبدأ"، هذا المبدأ يجب ان يقوم على احترام الشاعر لكلمته في النص في تطويرها وتقديم رؤية متجددة في روح النص نفسه في افكاره وصوره وغيرها ، لنبتعد كثيرا ـ ليس قليلا ـ عن ذواتنا .. لتتخص من الأنا في داخلنا ، لأننا بإختصار حينما نكتب فأننا لا نكتب لأنفسنا .. نعم نكتب من انفسنا ولكن من المؤكد ليس لأنفسنا ، لذا فأن من يحكم علينا هو الجمهور ، هو من يطلع الألقاب علينا سلبية كانت ام إيجابية ، ليس بخسا في حقنا ان نعرّف بأنفسنا ولكن متى نعرف ؟ وكيف نعرف ؟ هذا الامر الذي يجب ان نتنبه له ، حينما نقول "الشاعر فلان الفلاني" لا شك انها تختلف اختلافا كليا حينما نكتب " فلان الفلاني الشاعر والكاتب" تختلف بين ان نكتبها لأنفسنا وبين ان يكتبها غيرنا لنا ، تختلف ايضا بين ان نعرّف بأنفسنا او نعرف لأنفسا.
وانا اطرح هذا الموضوع وقد طرحتها شفاهيا سابقا وجدت ان الكثير من الأخوة الشعراء قد وضعوا هذه الألقاب فقط للتعريف دون الأنتباه للبعد الآخر في هذه الوضعية وقد قام الكثير منهم بحذف ذلك ، وبالتأكيد ان هذا الامر لم يبخس اي حق من حقوقهم بل ان الكثير من المتابعين احترموا هذا التصرف وزاد ثقتهم في هؤلاء الشعراء الذين يكتبون الشعر للشعرـ لا اكثر ولا اقل ـ ، يجب على الشعراء ان لا يتجاهلوا هذا الأمر حتى وإن كان يراه البعض لا يحمل العمق المتصور ، على العكس تماما من هنا تبدأ وجهة النظر تجاه الأشخاص وعليه يتم تتبع نتاجهم من اجل استخلاص النتائج وبالتالي الحكم .. الشاعر يجب ان يكون القدوة.

فيصل بن سعيد العلوي

أعلى





يؤكد أن الصورة أكثر ثباتا في الذهن من لقطات الفيديو العابرة
ربيع المغربي: الحروب الأخيرة قاسية وحضور الصحفي فيها محدود

حوار ـ شميسة النعمانية:ربيع المغربي .. ابتدأ دراسته العلمية مهندسا وانتهى مصورا صحفيا.. خاض الحروب بكاميرته التوثيقية.. وسجل للعالم مشاهد تستعصي على النسيان .. عمل في وكالة الأنباء الفرنسية من عام 1986 حتى 2007.. تدرج فيها من مصور في لبنان إلى مسؤول التصوير في مكتب عمان وبغداد، ثم مسؤول التصوير في منطقة الخليج.. استضافته جامعة السلطان قابوس في ندوة "فوتوغرافية الحدث" ليتحدث عن واقع التصوير الصحفي في العالم .. وكان لنا معه هذا الحوار ،،
* مررت في حياتك العملية بكثير من المهن منذ الصغر .. كيف استقرت بك الرحال على التصوير الصحفي دون بقية المهن، وإلى أين وصلت فيه؟
** تعودت منذ صغري على الاشتغال في أي مهنة بسيطة خلال أشهر الصيف الثلاثة كي أوفر مصروف المدرسة ووضع عائلتي المادي أقرب إلى أن يكون أقل من المتوسط. وصلت المهن التي عملت فيها إلى عشرين مهنة، ومنها دهن الجدران وتجارة الأقمشة وبيع الأدوية والبيع في محل شوكولاته وهكذا.. ولما تخرجت من المدرسة دخلت معهدا لدراسة الهندسة التي كانت أقرب التخصصات إلي، واحتجت أن أعمل لتوفير مصاريف المعهد. فأشار علي زوج خالتي الذي يعمل في وكالة يونايتد برس بأن أعمل في الوكالة في "الدارك روم" مقابل راتب مناسب يساعد على دفع مصاريف الدراسة، وقضيتُ فيها ستة أشهر. ولأني أحببت هذا التخصص الصحفي تركت الدراسة في الهندسة وعملت في الجريدة اللبنانية النهارية "لسان الحال" وفي هذه الفترة تكونت شخصيتي وصقلني العمل الصحفي بما فيه من الاختلاط بالمسؤولين وتغطية الفعاليات ومتابعة الأحداث وغيرها من مهام المصور الصحفي، بعدها نشبت الحرب اللبنانية في الثمانينات وتسببت في تدمير مبنى الجريدة وإغلاقها. ثم عملت بالقطعة مع وكالات الأنباء الأجنبية، كما عملت مع مجلة لبنانية باللغة الانجليزية. ونتيجة لقلة المصورين في لبنان فقد كان المصور يعمل بأكثر من جريدة.. وفي 1986 طلبتني وكالة الأنباء الفرنسية للعمل فيها، ولم تكن تريد العمل باللغة الفرنسية فاضطررت لأتعلم اللغة الانجليزية. في الوكالة تعرفت على طريقة عمل تختلف عن الجرائد المحلية، حيث إن العمل له أهمية كبيرة وكذلك الوقت والجودة. عملت مراسلا للوكالة في بيروت حتى نشوب حرب الخليج 1991، وحينها ارتأت الوكالة أن نقيم مقرا ثابتا في عمًّان والخروج منه لتصوير الحرب في بغداد ثم العودة إلى المقر في عمان. صورت خلال تلك الفترة الانتفاضة الفلسطينية وأحداث غزة وغيرها، وظللت في عمان حتى 1996، بعدها عرضوا علي أن أنتقل إلى منطقة الخليج لضعف الصور التي تصل للوكالة منها، إضافة إلى التحولات التي شهدها الخليج كإقامته لفعاليات رياضية عالمية وغيرها من الأحداث التي تضطر الوكالة إلى إرسال مراسلين أجانب. لذا رغبت وكالة الصحافة الفرنسية في تخفيف التكاليف الباهظة التي تخسرها بسبب المراسل الأجنبي من مصاريف تذكرة وفندق ونقل وما شابه. انتقلت إلى دبي وأقمت مقرا وطفت كل دول الخليج لاختيار المصور الأكفأ وشكلت فريقا لمنطقة الخليج. وبعد 13 سنة قررت الأنباء الفرنسية نقلي إلى دولة أخرى لا تناسبني وعائلتي. لذا تركت وكالة الأنباء الفرنسية ووافقت على عرض من المجموعة العربية للإعلام "A M G" لرئاسة قسم التصوير في المؤسسات الصحفية التي تضمها المجموعة وهي "البيان" و"الإمارات اليوم" و "24/7". طورت القسم بشكل جميل رغم انصدامي الكبير بالمستوى الصحفي الضعيف. وعملت أقل من سنتين في المجموعة ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية وتدمرت هذه المؤسسة تماما، وتم تسريح 300 موظف بيوم واحد، وبعد شهرين جاء تسريحي ضمن رؤساء الأقسام الذين كانت رواتبهم كبيرة، وأبقوا على الأشخاص الذين يمكن أن يديروا العمل برواتب بسيطة. بعدها أخذت رخصة من الميديا سيتي في دبي، لأعمل ذاتيا في المهنة، أصور إعلانات لشركات، ثم عرضت علي وكالة هولندية تدريب مصورين، والآن أعمل مع مدارس في الإمارات لتقديم حصص تصوير ، وهو مجال مناسب لعمري وخبرتي.
* ما الأسباب التي دعت وكالة الأنباء الفرنسية إلى التعاقد معك؟
** وكالة الصحافة الفرنسية كغيرها من الوكالات كانت تبعث بمصورين من الخارج إلى لبنان، ولكن في فترة ما صار هنالك حرب على الأجانب ويتم اختطافهم، لذا اضطرت الوكالة أن تتعاقد مع مصورين يعرفون الشارع اللبناني والرجل اللبناني أي "أبناء البلد"، خوفا من خطف مراسليهم وتكلفهم مصاريف التأمين وغيره. أضف إلى ذلك أني أعمل بشكل احترافي، ولي سمعتي المهنية الجيدة، وهذا ما ساعدني للاستمرار في أجواء عمل عالمية تتسم بالاحترافية والدقة.
* أثناء عملك في وكالة الصحافة الفرنسية قمت بتغطية الحرب اللبنانية وحرب الخليج والانتفاضة الفلسطينية وغيرها.. كيف تصف هذه التجربة التي تحفها مخاطر كثيرة؟
** كانت تجربة ثرية ومحفوفة بالخطر، حيث لا بد أن نرتدي بدلة ضد الرصاص بوزن عشرة كيلو جرام وخوذة أيضا، ونحمل كاميرات كثيرة ذات أوزان ثقيلة.. كنا نعمل ونخاف لا سيما أننا نحمل ثروة مالية ضخمة تتمثل في الكاميرات التي تصل إلى آلاف الدولارات. أما الحروب الأخيرة فهي قاسية لذا شكل حضور الصحفي فيها حضورا محدودا. إضافة إلى أن حرب الشوارع مخيفة، فالشاب ابن 15 سنة الذي يحمل سلاحا يمكنه أن ينهي حياة الصحفي دون أن يفكر، لذا فإن سيد الحروب الأخيرة هو الهاتف.. التصوير بالهاتف استطاع أن يحمي المصور الصحفي من تخلف الجماهير التي قد تقضي على الصحفي لا لذنبٍ سوى أنه صحفي ويحمل كاميرات تدل عليه.
* بلا شك أن ثمة تنافسا كبيرا بين وكالات الأنباء العالمية.. كيف تصف لنا هذا التنافس؟
** إن التنافس بين وكالات الأنباء لا سيما بين رويترز والفرنسية على الدقيقة والثانية. فكل وكالة تسعى إلى تأمين حاجات مشتركيها، وإلى أن تتصدر واجهات الصحف العالمية، فحينما تختار المجلات والجرائد على مستوى العالم نشر صورة لـ أ ف ب فإن هذا يعني للوكالة الشيء الكثير. وانتقاء الصورة يخضع إلى معيارين: جودتها ووصولها مبكرا. وفي التسعينات وبداية الألفية كان يكتنف الصورة الكثير من المشاكل والتأخير، بدءا بالتحميض ثم إخراج الصورة وانتهاءً ببعثها إلى باريس. كانت الصورة تأخذ ساعتين حتى تصل، بينما الآن لا تحتاج إلا دقائق معدودة. والوكالات تطالب مراسليها بالسرعة والمنافسة وجودة العمل.
* وصفت التغطية الرياضية بأنها التغطية الصحفية الأصعب، لماذا؟
** أقصد بالأصعب أنها تحتاج إلى تفكير وتكنيك، فالتكنيك يمكن أن يلتقط المصور اللقطة وربما لا.. التصوير الرياضي يعتمد على التكنيك الفكري السريع الذي لا يستطيع أن يبرع فيه أي مصور صحفي.. كما أن المصور الرياضي لا بد أن تكون لديه ثقافة رياضية، فلا يمكن تصوير أي لعبة عالمية دون المعرفة بقواعدها وأنظمتها. أضف إلى ذلك أن أحداث التصوير الرياضي تحتل على مستوى العالم، لأن الرياضة مستمرة طوال المواسم الأربعة عكس أحداث الحروب وما شابه.
* ما معايير اختيار الوكالات العالمية لأعضائها من المصورين؟
** قديما لم تكن الوكالات تهتم بالثقافة للمصور، أما الآن فالمصور مطالب بمعرفة لغات أخرى غير لغته الأم لا سيما اللغة الانجليزية، وكذلك إجادة استخدام الحاسوب وشبكة المعلومات العالمية (الويب) وبرنامج الفوتوشوب.

* كيف تصف عملك مع الوكالة الفرنسية؟
** هناك ميزات كثيرة يتصف بها العمل الصحفي في الوكالة، ومن أهمها متابعة الوكالة للموظف ولإنجازاته حتى يشعر أنه مهم، فمثلا حينما تُنشر صورة له في الجرائد العالمية تصله رسالة من الوكالة: "مبارك .. لقد نشرت صورتك على الصفحة الأولى في جريدة كذا أو مجلة كذا"، فضلا عن اشتراط الوكالة لحقوق الملكية الفكرية للمصور، وتفرض شروطها على المشتركين فيها. لذا فإن الوكالة تكرم مصوريها بهذا الاهتمام، وحتى لو أعيد نشر الصورة يتم الإشارة مرة أخرى إلى اسم صاحبها. كما أنني كنت اشعر بكثير من السعادة لأن اسمي كان ينزل على الصفحة الأولى على جريدة التايمز والتربيون وغيرها من أهم الجرائد على مستوى العالم.
* أيهما أهم من وجهة نظر الوكالات: السبق الصحفي أم التأكد من مصداقية الخبر؟
** الوكالات تفضل التأكد من المعلومة على السبق، فقد مررت بتجارب سبق صحفي ونشر أخبار دون التأكد منها، ثم يصل نفي لها، ما تترتب عليه مشاكل كبيرة ومزعجة، لذا لا ضير في التأخر دقيقتين ما دام أن هذا التأخر هو لصالح التأكد من مصداقية الخبر وثبوته. ثم إن الوكالات تبذل جهدا كبيرا لتحقيق السبق الصحفي من خلال توسيع شبكة المراسلين والمصورين المنتشرين في كل مكان لا سيما في المناطق الساخنة والتي تتميز بوجود أحداث دائمة، ومحط أنظار العالم.. ولما يحدث حدث ما في العالم، فإن الوكالات تقيس مدى ضخامة هذا الحدث وتهتم به بناء على تقديراتها لأهميته. إضافة إلى الصدفة، فربما يشاهد شخص ما حدثا مهما ويصوره دون أن تكون له أي علاقة بالصحافة، وينقل الصورة إلى الصحفي. وكذلك ظاهرة تسريب الأخبار إلى الوكالة.. فحينما يرغب شخص مسؤول أو حتى مسؤول في تسريب خبر ما فإنه يسربه إلى الوكالة لأنه سيحظى بانتشار أكبر مما لو تم تسريبه إلى جريدة.
* عانت وكالة الصحافة الفرنسية من أحداث تزييف صورة الطائرة الاسرائيلية التي تلقي بالونات هوائية على الأراضي اللبنانية، ما الأحداث التي رافقت هذه القضية؟
** تم تزييف كثير من الصور، لكن ثمة فرقا أن يُضرب ابن عامل بسيط، وبين أن يُضرب ابن وزير، فالأول لن يعلم عنه أحد، أما الثاني تقوم الدنيا بأكملها مطالبة بحقوقه والاعتذار له.. لذا حينما قام مصور ما ببعض التعديلات على صورة عن اسرائيل قامت الدنيا بسبب قوة اللوبي الصهيوني في العالم. وبعد التحقق من التعديلات التي قام بها المصور وأدت إلى تزوير في الصورة تم طرده وطرد المسؤول عن صور الشرق الأوسط مع الاعتذار للجماهير. وأصبحت الوكالة تتحرى الدقة أكثر في الصور التي تأتيها من الشرق الأوسط.. مثلا هناك تزييف أيضا في عالم الرياضة، كأن يلتقط المصور لقطة رائعة لكنها تفتقد إلى الكرة، فيضيف إليها الكرة بالفوتوشوب! وغيرها من الأحداث التي عندما تكتشفها الوكالة توبخ صاحبها كثيرا وقد يصل الأمر إلى طرده.
* إلى أي مدى يحتاج الوطن العربي إلى مؤسسات تهتم بتدريس التصوير الصحفي؟
** يحتاج إلى مؤسسة بالطبع .. منذ خمس سنوات أو أكثر قليلا بدأ تعليم التصوير، ففي لبنان يتم منح شهادات ماجستير للتصوير، وهناك دور تصوير تقوم بتدريب مصورين، كما أن تلاميذ التصوير كثر في الجامعات اللبنانية، ذلك لأن لبنان تحتاج إلى عدد كبير من المصورين لكثرة الجرائد فيها، ولتمركز وكالات الأنباء والإعلان فيها من بين دول الشرق الأوسط. لذا فإن سوق الصورة في لبنان سوق مزدهر.. حتى إن اللبناني المغترب يعود إلى لبنان ليصور زواجه ثم يسافر ثانية.
* إلى متى سيظل حق المصور غائبا في اختيار الصورة الأنسب للصحف من وجهة نظره؟
** في الوكالات الأجنبية هناك ديسك تحرير لمحرري الأخبار وديسك للمصورين، ديسك المصورين هو الذي يختار الصور المناسبة ويرسلها إلى المشتركين، وديسك التحرير ينظم الأخبار ويرسلها. وأود أن أشير هنا إلى أن عدد ونوع الصور التي تبعثها الوكالة إلى مشتركيها تكون بناء على ضخامة الحدث، إضافة إلى مراعاة حاجات الجرائد والمجلات من حيث الصور الطولية والعرضية. أما في الجرائد العربية لا يزال المحرر هو الشخص الأساسي، وهو الذي يختار الصور.. لكن نتوقع أن يتغير الوضع في السنوات القادمة في ظل ثورة الحقوق العربية والمطالبة بالتغيير.
* لقد أثر ظهور التقنية الحديثة على كل شيء .. أترى أن ثمة خطورة على الصورة من انتشار استخدام الفيديو والوسائط المتعددة؟
** لا يمكن أن يقضي الفيديو على الصورة، الصورة أكثر ثباتا في الذهن، بدلا من الفيديو الذي تمر فيه اللقطات بشكل عابر.. بمجرد أن يرى الشخص صورة معبرة في أي مكان فإنه يحتاج وقتا طويلا لينساها.. فمثلا صورة بها وجه رجل يبكي أو امرأة كبيرة في السن وهي تبكي .. مثل هذه الصورة المعبرة والتي تركز على حدث معين أو لقطة معينة لا يمكن نسيانها بعكس الفيديو التي يعرض الكثير من اللقطات وبالتالي لا تتميز لقطة ما بتأثير أكثر من البقية.


أعلى





خفايا هجوم طرابيشي على الجابري
وآراء محايدة حول الخلاف بينهما

في عام 1996، أصدر الباحث جورج طرابيشي، الجزء الأول من كتابه الذي سماه [ نقد نقد العقل العربي.. (نظرية العقل)] ،وقام الكاتب موريس أبو ناضر، بعرض للكتاب بجريدة الحياة اللندنية، وأشار فيه إلى ما قاله طرابيشي في المقدمة، " ثم اندفعت أتحرى عن شواهد الجابري وأتحقق منها واحد واحدا، سواء أكانت عربية أم أجنبية، فانفتح عندئذ أمامي باب اكبر للذهول: فليس بين مئات شواهد الجابري في "تكوين العقل العربي". سوى قلة قليلة ما أصابها تحريف أو تزييف ، أو توظيف بعكس منطوقها".! واستغرب الكثير من الباحثين والكتاب هذا الكلام الذي قاله طرابيشي في حق الجابري، بان كل ما قاله الجابري أصابه التحريف والتزييف، أو بعكس منطوقه ؟! وهذا ما معناه أن كل ما كتبه الجابري في هذا الكتاب، مجرد زيف وبهتان! وكتبت مقالة بجريدة الحياة اللندنية بتاريخ 15 أكتوبر 1996، انتقدت فيه هذا الكلام الذي قاله طرابيشي في تعميمه، فهذا لم يكن نقدا، وإنما تجريحا، وجاء ردي في هذا الصدد على الكاتب محمد علي فرحات، الذي انتقد الجابري وفق ما طرحه طرابيشي في هذا الكتاب، ومما قلته: إن الحوار المنطقي العقلاني المؤسس على الاختلاف والتباين في الطرح صفة محمودة وضرورية ـ كما نوه ـ الجابري في مناقشته لقضية النقد, إذ بدونه لن تتحقق شروط النهضة, ولن نستطيع أن نضع الدواء على الجرح, وهذا النقد الذي نقصد نقد ذاتي داخلي, لان النهوض لن يتحقق من استنساخ الأفكار واستجلاب القيم .. وتوطينها. وصب الواقع القائم في قوالب جاهزة, وهذا ما استهدفه محمد عابد الجابري في نقده "للعقل العربي" وهذا ما جعل الباحث جورج طرابيشي يتحفز لنقد الجابري، ويتعدى ذلك إلى الاتهام بالقصور والسقطات والسرقات أيضا، وهذه في الواقع تتجاوز حدود النقد ومنطوقه
التقويمي. كما أن طرابيشي كما قال، إن الشاهد الأجنبي الذي وظفه الجابري لبناء نظريته حول "تكوين العقل العربي" يعود على ما يوضح طرابيشي إلى بول فوكييه صاحب مؤلف (معجم اللغة الفلسفية) وليس ( لالاند )، لان لا وجود له لدى (لالاند) لا في كتابه "العقل والمعايير " حصرا . ثم إن تعريف الجابري الإضافي للعقل المكون بأنه (منظومة القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما) والتي تعطى لها خلال تلك الفترة قيمة مطلقة "على ما يوضح جورج طرابيشي لا وجود له هو الآخر لدى (لالاند) بحرفه "وان كان في معناه لا يتعارض مع نظرية (لالاند)"! إذا أين هو مكمن الاكتشاف الرهيب الذي قال به الأستاذ / طرابيشي, والذي عبر عنه بقوله ' ثم اندفعت أتحرى عن شواهد الجابري وأتحقق منها واحداً واحداً, سواء كانت عربية أو أجنبية, فانفتح عندئذ أمامي باب اكبر للذهول , فليس من بين مئات شواهد الجابري في "تكوين العقل العربي" سوى قلة قليلة ما أصابها تحريف أو تزييف أو توظيف بعكس منطوقها"! فإذا كان الجابري أتى بمفهوم ( لالاند ) في نظرية العقل بالمعنى أو أخذه من مصدر آخر محرفا , لماذا يتهم طرابيشي الجابري بالتحريف والتزييف أو كما قال أبو ناضر ' بالسرقات والسقطات , ؟!
إن الإحالة التي نسبها الجابري في كتابه " تكوين العقل العربي " إلى كتاب (لالاند) إذا كانت صحيحة ليست هي صلب الموضوع المطروح أو جوهره , ولا يفيد هذا النقد النقد الآخر, بل إن هذا التوظيف اقرب إلى المماحكة اللفظية التي لا تطرح قضية، ولا تشغل فكرا , وهذا ما يؤكده طرابيشي في السطور التالية بقوله : " إن الجابري لم يطلع على نظرية (لالاند) في مصدرها الأصلي أي "كتاب العقل والمعايير" وإنما أخذها عن فوكييه"!! إذن هذا التحريف والتزييف والتوظيف بعكس المنطوق، لسبب أن الجابري، لم يأخذ بعض المصادر عن صاحبها، وإنما نقلها عنه من مصدر آخر!. لكن الرد على ما قاله طرابيشي، جاء من احد الباحثين المرموقين، الذي يقتربون فكريا من جورج طرابيشي، وهو الأكاديمي اللبناني د/ علي حرب، يقول حرب في كتابه [ الماهية والعلاقة.. فصل قراءات تحويلية ص179،178] (والحال فإن طرابيشي، منذ كتابه "مذبحة التراث"، أنكر على الجابري ما
أنجزه في مشروعه الفكري حول "نقد العقل العربي"، بعد أن اتهمه بارتكاب مجزرة بحق التراث العربي والإسلامي. ومفردة "المذبحة" بالغة الدلالة في هذا الخصوص، إذ هي مشحونة بمعاني الإقصاء والعنف الرمزي. فالواحد منا عندما يقول لدارس التراث الذي حفر ونقب وحرك الفكر الراكد على ساحة الفكر التراثي، إنك لم تفعل في دراساتك سوى الإجهاز على ذخائر التراث وروائعه ، فإنه يقوم بنفيه والإجهاز عليه على الصعيد الفكري والمعرفي. هذا ما فعله طرابيشي منذ بداية علاقته بالجابري، وعلى نحو بدا معه أن النفي مطلوب لذاته. وكلام النهاية يُفسر الموقف منذ البداية، أعني كلام طرابيشي الآن عن التصفية والتحطيم والمحو. ولا شك في أن ذلك ظلما كبيرا للجابري وفكره، فإن هذا الناقد للعقل العربي، قد أتى بالجديد والمبتكر في قراءاته للنصوص التراثية." ـ مضيف فقرة أخرى ـ وهكذا فإن طرابيشي وقف موقف النفي والإعدام الفكري من أعمال الجابري، بقدر ما أراد " تصفية الحساب" معه، بعدما كان قد قرأه وتأثر به. والتصفية، أكانت مع الغير أم مع الذات، هي إعدام الموجود، في حين أن النقد المنتج والبنّاء، هو على الأقل إخراج الممكن مخرج الوجود، بالبحث عن شروطه أو بالاهتداء إلى المنهج المفضي إليه. أما نقد النقد فهو تغيير لعبة الممكن بخلق عالم فكري جديد تتغير معه جغرافية المعنى وأنظمة المعرفة، بقدر ما تتغير علاقات القوة وخارطة الأشياء. بهذا المعنى كل نقد هو تفكيك لأبنية الواقع وروابطه، من أجل إعادة تركيبها على نحو جديد).
وهذا النقد الذي جاء من علي حرب يبرز أن طرابيشي تحامل على الجابري، ووصف نقده بانه يدخل في باب التصفية والنفي، والإعدام الفكري والمحو،" وتصفية الحساب معه" وهذا لا يدخل في باب النقد الذي قال عنه طرابيشي في نقد نقده للجابري. أيضا الأكاديمي والباحث العراقي، يحيى محمد في كتابه[ نقد العقل العربي في الميزان] أن (السلوك الذي اتبعه الناقد ـ جورج طرابيشي ـ في تجاوز ماأطلق عليه بالعقبة الابستمولوجية لم يكن سلوكًا ابستيمياً بقدر ما هو عبارة عن نزعة جدلية اتهامية أيدلوجية، فالاتهام بكل ما ينطوي عليه من حدة وتحامل هو "الإشكالية" العامة التي تحدد موضوعات الكتاب ومضامينه النقدية. والمبرر الأساس لهذه الإشكالية هو كما يقول الناقد إنه لم يجد من بين مئات الشواهد التي وظفها الجابري في كتابه (تكوين العقل العربي) سوى قلة قليلة لم يصبها تحريف أو تزييف أو توظيف بعكس منطوقها، لذلك انه عمد إلى ذكر شواهد من نصوص الجابري ليفككها ويعرضها إلى شتى ألوان النقد والاتهام ولو عبر لفيف من الدوران والغوص في سجل التفصيلات الهامشية التي لا علاقة لها بالنقد مباشرة. مع هذا فمن المفارقة والطرافة أن نجد هذه التهم التي تكال ضد الجابري هي نفسها قد انزلق بها الناقد - كثيراً - أثناء تعرضه لإدانة خصمه ونقده. وعليه فإن نقدنا وتقويمنا لكتاب طرابيشي، إنما يمر من خلال هذين الممرين ، حيث سنجد أن أغلب ما سطره الناقد من نقد واتهام لم يكن موفقًا، أو أنه يمكن الرد عليه، إما على نحو كلي أو جزئي. وباعتقادنا أن ذلك يعود إلى كونه لم يتبع السلوك الابستيمي والتعامل مع الجابري كظاهرة مركبة تحتاج إلى تفكيك جميع عناصرها دون الاقتصار على أجزاء منها لرميها بشتى الاتهام والتنكيل، حيث في هذه الحالة يصبح الناقد مخترعًا لصورة هي أبعد ما تكون عن حقيقة الظاهرة كواقع موضوعي. اتهم الناقد الجابري إنه يقوم بعملية هجاء واحتقار للعقل العربي في قبال العقلين اليوناني والأوروبي الذين ضمنهما المديح الكامل. وقد انطلق الناقد في اتهامه هذا من التضاد الذي أبداه الجابري بين العقل العربي من جهة والعقلين اليوناني والأوروبي من جهة أخرى، خاصة وأن هذا الأخير يوحد في ماهية العقلين الأخيرين. لكن يلاحظ أن ما قصد إليه الجابري بمسألة ( الضدية) ليس بأكثر من معنى الاختلاف كما هو صريح لفظه، بخلاف ما صوره الناقد واتهمه به. والإنصاف ان الناقد بهذا يمارس نفس الدور من التغييب لما في نظرية الجابري من حضور. فرغم أن الجابري يصرح أحيانًا بتغييب بعض القضايا المتهم عليه، إلا أنه لا يغيبها تغييبًا مطلقًا، فهو بالنسبة إلى الطبيعة في العقل العربي يراها غائبة نسبيًّا، وعلى ما يبدو أن هذا التغييب النسبي ينحصر عنده في النظام البياني الذي عم وساد لدى الغالب من الثقافة العربية".
مضيفا في هامش الكتاب (ص237) وتجدر" الإشارة أنه لابد من التأني بالحكم، ذلك أن الناقد ـ طرابيشي ـ هو نفسه كثيرًا ما يمارس التحريف في تعبيره عن آراء الجابري أو أقواله، ناهيك عن إدراكه للشبه بين نصوص الجابري وبين نصوص غيره ممن يراه مصدرًا لهذه المفكر العربي يعد إدراكًا ضعيفًا قائمًا على الربط لأدنى مناسبة، كما سيمر علينا نماذج من ذلك أثناء ذكره للشواهد التي يدين بها الجابري. وعلى العموم تجد عدم التأني والتحامل وسرعة الاتهام، مع عدم إيراد المحتملات الممكنة مهما كانت قوية ومبررة؛ هي من العلامات الوافرة في كتاب (نظرية العقل). وهناك الكثير من النقد من هذا الباحث لطرابيشي، لا يتسع المجال لسردها، ذكرها يحيى محمد، وكلها تؤكد ، كما قلنا في مقالات سابقة، التحامل الواضح دون مبررات تذكر من طرابيشي للجابري.
أيضا الكاتب والباحث العربي علاء الاعرجي، في أحد أبحاثه[ خواطر في نظرية العقل.. مابين طرابيشي والجابري]، نشرت بجريدة (القدس العربي ـ 17 يوليو2000) ويقول الاعرجي: (يقدم طرابيشي إلى القارئ العربي سيلاً هائلاً من المعلومات وخلاصة أفكار عدد كبير من المؤلفين العرب والأجانب، من خلال الإشارة إلى مئات المراجع المهمة. إلا أنه قد أغفل في مراجعه تثبيت اسم المؤلف والناشر، بالإضافة إلى العنوان، باللغة الأصلية لا باللغة العربية فقط، وهذا نقص يعاب عليه، وهو الذي يعيب على الآخرين عدم دقتهم في الاقتباس والرجوع. وهو بذلك يفوت على المتتبع فرصة التأكد من مراجعته هو بالذات، لصعوبة الحصول على المرجع دون معرفة اسم المؤلف والناشر باللغة الأصلية. ـ مضيفا في فقرة أخرى من البحث ـ ناقدا فيها ما قاله طرابيشي، أن الجابري يشكل عقبة أبستمولوجية: لا أعتقد أن الجابري يشكل "عقبة ابستمولوجية" بل على العكس فإنه كان ولا يزال يشكل زخمًا ابستمولوجيًّا عظيمًا. فقد نعتبره من أوائل الذين عرفوا القارئ العربي على معنى ومغزى تعبير الـ"ابستمولوجيا" بالذات، من خلال العديد من كتاباته، وخاصة كتابه الرائد: "مدخل إلى فلسفة العلوم"، الذي وضع لأول مرة أمام القارئ العربي خلاصة مبادئ الفكر العلمي العالمي، بما فيها مفهوم الـ"ابستمولوجيا" باعتبارها تقترب من مفهوم "فلسفة العلوم" أو تمثل باختصار "شروط المعرفة البشرية وقيمتها وحدودها". ولئن لاحظنا أن الجابري كان واضحاً في موقفه إزاء التراث، خاصة من حيث الاتجاه العلمي الابستمولوجي منه، فإننا لم نفهم في الواقع موقف طرابيشي الصريح من ذلك التراث ، لا من خلال كتابيه المذكورين أعلاه اللذين يرد فيهما على الجابري (ويقصد نظرية العقل، وإشكاليات العقل العربي)، ولا من صفحات كتابه الهام "المثقفون العرب والتراث".ومع ذلك فإن قارئ كتابه الأخير هذا ـ كما يقول الاعرجي ـ قد يخرج على الأرجح بنتيجة، تكاد تكون حتمية، مفادها أن مؤلف كتاب "المثقفون العرب والتراث، التحليل النفسي لعصاب جماعي" مفكر يعادي التراث ، بوجه عام، ويعتبره عقبة حقيقية في فكر هذه الأمة وبالتالي تطورها من خلال أخذها بسبيل الحضارة الحديثة. وبغض النظر عما نسمعه من الحزازات الشخصية، بين طرابيشي والجابري، كنا نود أن يكون مفكرنا المحترم الأول أقل حسمًا وأكثر تواضعًا وأشد احترامًا لمفكر رائد مثل الجابري. ولا بأس أن ينتقده أو بالأحرى ينقده بقساوة بل بصرامة علمية شديدة، كما فعل أحيانًا، ولكن دون أن يشوه نقده بعبارات هجاء وسخرية صريحة ونابية في بعض الحالات. وبذلك يرفع من قيمة نقده ويعزز مكانة الناقد والنقد، ويقدم للقارئ العربي صورة مثالية لما ينبغي أن يكون عليه النقد المنزه من المهاترات التي قد تكون شخصية أكثر مما تكون موضوعية). والواقع ان ما سردناه من هؤلاء الباحثين الثلاثة، من ملاحظات وانتقادات شديدة، واتهام بالتحريف والتزييف، وغيرها من الاتهامات لطرابيشي، في ما قاله عن الجابري، ينطبق عليه المقولة الشهيرة (يتهمون غيرهم بما هو فيهم)!! والحقيقة أنني ما كنت أود أن أسرد أقوال هؤلاء الباحثين، لكنني اضطررت إلى ذلك، عندما وجدت البعض، يكرر ما قاله طرابيشي، وكأنها حقائق مقدسة، لا تقبل المراجعة أو النسبية، أو الأخطاء، وهذه أزمة فكرية، ورؤية أحادية، تمنيت أن لا تكون مدار نقاشاتنا الماضية، حول الأفكار والرؤى التي تقال من البعض، ومع ذلك فان هؤلاء الباحثين الثلاثة، لم يسلموا الراية للجابري، دون نقد وملاحظات على مشروعه في نقد العقل العربي، فهم بقدر ما امتدحوا الجابري، في هذا المشروع، انتقدوه في بعض الجوانب، منه، على سبيل المثال ما قاله البرهان المغربي، والعرفان المشرقي، وهو ما اعتبر انحيازا للمغرب على المشرق، تجاهله لمنتقديه بحسب تعبير علي حرب، وما قاله الجابري أنه مستهدف بعض المسيحيين العرب وغيرها من الملاحظات
والانتقادات ، لكن لم يقل أي منهم، مثلما قال طرابيشي عن الجابري ، في مسألة التحريف والتزييف والتوظيف غير المنطوق به، والتحامل الواضح عليه، وهو ما ذكروه في الصفحات السابقة.
ثم إن طرابيشي لم يسلم من اللف والدوران فيما يقوله في مؤلفاته،ويناقضها، في أحاديثه ومقابلاته، وبالعكس.. ففي لقاء له مع الكاتب المصري محمد بركات، نشر على عدة حلقات في مجلة (الوطن العربي) المهاجرة، بتاريخ 27 مارس 1998م قال طرابيشي ما نصه: (كان علي ألا أعود فقط إلى الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، بل وجدت أنني لابد أن أغوص في عوالم البيانيين وعلماء الكلام وعلماء البلاغة. وقد قادني هذا كله إلى أن أقف طويلاً وعميقاً عند اللحظات التأسيسية في الحضارة العربية، وهي اللحظات التي مثلها رجال كمالك في " الموطأ " ، والشافعي في " الرسالة " ..فمثل هؤلاء العباقرة هم الآباء المؤسسون في العقل العربي والإسلامي .)!! هذا الكلام الذي قاله طرابيشي عن الإمام الشافعي، والإمام مالك، ناقضهما تمام المناقضة في كتابه[ من إسلام القران إلى إسلام]، ووصف الشافعي، بأنه انقلب على العقل ،وجعله وراءه، لا أمامه، وليس كما قال عنه بأنه أحد (العباقرة المؤسسين في العقل العربي)! ويقول طرابيشي في هذا الكتاب عن الشافعي (الواقع أن ما جرى في التاريخ، وبعد تسفيه الشافعي النظري لهوى العقل، أن الرأي، من حيث هو حكم العقل من عند نفسه، قد استؤصلت شأفته بصورة جذرية وفظه من حقل الفقه أولا، ثم من سائر الحقول المعرفية للحضارة الإسلامية.) ص271، ويقول أيضا في عنوان ( تهميش العقل) أن ما يقوله الشافعي "من أحكام نوازل الدنيا ليست جزافية، بل متعينة من قبل الشافعي، شعوريا ، أو لا شعوريا معا، باستراتيجيته اللاهوتية والابستمولوجية القائمة على جوهرا وأساسيا على تهميش العقل وحشره في أضيق زاوية ممكنة.)!! ص249،248. انظروا إلى هذه التناقضات في الأقوال والتلاعب
بالحجة ونقيضها، إذ تحول الإمام الشافعي من أب مؤسس للعقل، إلى مهمش ورافض للعقل ومغيب له! وما قاله عن الشافعي، قاله أيضا عن الإمام مالك، لكن بأقل حدة، والذي أعتبره في أحد الآباء المؤسسين للعقل العربي، يقول طرابيشي في الكتاب نفسه عن مالك (أما مالك نفسه، الذي كان رائداً في تأسيس المنظومة الحديثية، فقد بدا، من خلال التطور اللاحق الذي سيطرأ على هذه المنظومة ومن خلال التفنن في وصل ما تركه منقطعاً، وكأنه السجان الذي أمسى أسير سجنه .فهامش الحرية الذي تركه لنفسه في مداورة أسانيد الحديث كان لابد أن يلغى . وبإلغائه تحدد المسار النهائي للعقل الفقهي الإسلامي كعقل يحكمه ميل وسواسي قهري إلى إغلاق الدوائر وسد كل الثغرات التي قد تتأدى إلى قدر من عدم الانضباط في الدوران داخل مدارات المركز"!ص149 .
وفي إطار حملته على الجابري، ومناقضته، فيما كتبه، ومات دام الجابري، حمل على أبو حامد الغزالي ، انحيازا لأبن رشد، فان طرابيشي في مقابلة مع مجلة ( العالم) المهاجرة التي تصدر في لندن،بتاريخ 8 أكتوبر ، عدد( 594) ،1997 قال عن الغزالي ما نصه: (ما أتعرض له في الجزء الثاني من كتابي (قيد العمل) ـ ويقصد كتاب [ إشكاليات العقل العربي] ـ ومع أننا لم نر شيئا يذكر عن الغزالي في هذا الكتاب ـ هو موقف الجابري من الغزالي، فهو يحمل عليه ـ كما قال ـ حملة حنبلية، ويتهمه بأنه قتل الفلاسفة وكفّرهم في ثلاث مسائل و"بدعّهم" في سبع عشرة مسألة. أولا. أنا سأدافع عن الغزالي، لأنه أعاد احتضان الفلسفة بعد أن طردها من الباب، فادخلها من باب المنطق ومن نافذة التصوف.)!! وهذا الدفاع عن الإمام الغزالي من طرابيشي، لا يمثّل مصداقية حقيقية منه، لأبو حامد الغزالي، لأن غالبية العلمانيين، يهاجمون الغزالي، ويعتبرونه، هو الذي دمّر الفلسفة، وأزاحها من الوجود، ونهاها من الفكر العربي الإسلامي، بعد كتابه [ تهافت الفلاسفة]، فلماذا يقول طرابيشي ما قاله عن الغزالي؟!! إذن.. فمادام الجابري انتقد الغزالي، وانحاز إلى ابن رشد، فلا بد أن يكون هو مع الغزالي، ضدا على الجابري!!، وهذا في اعتقادي أقرب إلى السفسطة منها إلى المنطق بحسب رؤية طرابيشي للغزالي، والمذهب الأشعري في كثير من آرائه، وهذا ما قاله عن الغزالي في كتابه (من إسلام القرآن..) فقد وصف الغزالي، بأنه ضخم الأحاديث الموضوعة، وانفلاتها من كل قيد، ومما قله طرابيشي بالنص عن الغزالي، (فان حشوه كتابه بآلاف الأحاديث الصحيحة والموضوعة، على حد سواء إنما يترجم عن انئساره لظاهرة العصر الكبرى المتمثلة بغلبة الحديث وأهله.) ، وهذا ما يعني أن الغزالي ساهم في إهمال وتغييب العقل والتفكير العقلي، وجمد الاجتهاد، وليس كما قال في المقابلة الصحفية، وبهذه التناقضات، كأنه (يدافع عن الحجة ونقيضها)!. وهذه الأقوال المتضاربة لطرابيشي، تجعلنا نتأكد من أن هجومه على الجابري ينطلق من ردت فعل لما قاله الجابري عن العلمانية في مناسبات عديدة، وفي مؤلفاته، وهذا ما قاله في مقابلة مع
جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 27 يونيو 2004 أجرته الكاتبة الصحفية سوسن الأبطح، أنه كان أحد المعجبين بـ محمد عابد الجابري " ثم صدمني ـ أي الجابري ـ حين كتب مقالة في مجلة " اليوم السابع " التي كانت تصدر في باريس أواسط الثمانينات يقول فيها "فلنسحب هذه الكلمة ـ يقصد العلمانية ـ من قاموس الفكر العربي" هنا شعرت أن كل الآمال التي علقتها عليه باعتباره رائد ثورة معرفية ـ لا ثورة أيديولوجية ـ سقطت وتهاوت". من هنا يبرز سر نقده الشديد والعنيف للجابري في كتاباته ومنها كتابه [ نقد نقد العقل العربي ] بأجزائه الأربعة. والحقيقة أن هناك الكثير والكثير التي يمكن أن نقولها في هذا المضمار، وتكشف الكثير من الخفايا والالتباسات، في الآراء التي طرحناها، لكن المساحة، لا تتسع لكل ما نريد طرحه،في قضية الاختلاف بين الجابري وطرابيشي، وقضية العقل العربي عموما. ولله في خلقه شؤون .

عبد الله بن علي العليان


أعلى





"التصوير في عمان.. التصوير والثقافة الإسلامية" بطبعة متجددة
عبدالله السوطي: التصوير ليس ضد الإسلام ولكن مواضيعه تصنف صالحة وغير صالحة

تصفحت الكتاب ـ إيمان بنت يوسف المحروقية :يخضع التصوير في المجتمعات الإسلامية لضوابط معينة تختلف من دولة لأخرى فبعضها شديد التحفظ وما يزال في مرحلة تقبل هذه التكنولوجيا وغيرها قطع أشواطا جيدة في الارتقاء بمجال التصوير وفق تقاليد محددة الأمر الذي يستدعي أن يكون السائح الأجنبي مطلعا على هذه الضوابط والتقاليد حتى تجنبه الوقوع في مواقف محرجة أثناء تجواله بآلة التصوير ومن هنا لمس عبدالله بن خلفان السوطي رئيس قسم التصوير الضوئي بمركز تقنيات التعليم في جامعة السلطان قابوس الحاجة إلى وجود كتاب يجمع بين الثقافة الإسلامية والتصوير فاتخذ خطوته بإصدار كتابه "التصوير في عمان.. التصوير والثقافة الإسلامية" باللغة الإنجليزية. وإلى جانب إصداره هذا الكتاب فإن له مشاركات وإنجازات عديدة في مجال التصوير الضوئي أبرزها حصوله على جائزة سُجلت باسمه عام 2001م في معرض التصوير الفوتوغرافي بمهرجان مسقط كما أن له مشاركات في معارض عدة داخل الجامعة وخارجها.
ستة فصول
عندما يرغب الشخص في تأليف كتاب أيا كان موضوعه لا بد من وجود أسباب ودوافع وراء ذلك وهذا هو حال السوطي، وحول الأسباب التي دفعته لتأليف هذا الكتاب يقول: "ما دفعني لتأليف هذا الكتاب هو عدم وجود إصدار باللغة الإنجليزية يوضح العلاقة بين التصوير والإسلام ويجمع بينهما إذ حاولت في هذا الكتاب توظيف التصوير لخدمة الإسلام كما وضحت من خلاله للغرب التصوير الفوتوغرافي من وجهة نظر إسلامية. ويشير السوطي إلى أن الكتاب يتضمن ستة فصول إذ يتناول الفصل الأول التصوير في الإسلام والآراء المتعلقة بهذا الجانب. فيما يحتوي الفصل الثاني على تصوير الوجوه كمحور من محاور التصوير مع التركيز على سلبيات هذا النوع من التصوير وإيجابياته بالإضافة إلى القوانين الإسلامية الخاصة به. ويتناول الفصل الثالث محورا آخر من محاور التصوير وهو تصوير المناظر الطبيعية وأهمية تصوير الطبيعة في السلطنة باعتباره تصويرا ناجحا بحكم تنوع البيئات الطبيعية فيها. أما الفصل الرابع فيركز على تصوير الطبيعة الصامتة وسهولته للمرأة المصورة مقارنة بأنواع التصوير الأخرى نظرا لأنه يمكنها ممارسته وهي في منزلها، ويتطرق الفصل الخامس إلى التصوير بالأبيض والأسود باعتباره في كثير من المواضيع التصويرية الأكثر جمالا. وفي الفصل الأخير تم تقديم شرح لاستخدامات التصوير الرقمي ومنافسته للتصوير التقليدي وتأثيره في الثقافة الإسلامية والعلم والتربية والطب وغيرها من المجالات الأخرى .
الإضافة والتجديد
يذكر السوطي أن الكتاب الصادر في 2011م يعد الطبعة الثانية إذ صدرت الطبعة الأولى سنة 2006م وفيما يتعلق بالأسباب التي جعلته يصدر طبعة أخرى يقول: "التجديد هو الذي دفعني لإصدار طبعة ثانية للكتاب نفسه فكما هو معروف فإن التقنيات تمر بتغيرات سريعة وكثيرة ولا بد من مجاراتها والأمر نفسه ينطبق على مجال التصوير الضوئي" ويضيف: "الطبعة الثانية أخرجتها بشكل يُمكّنها من الاستمرار لمدة طويلة إذ أنها تناسب العشر سنوات القادمة تقريبا". ويرى أن التصوير لم ينل القبول التام في المجتمعات الإسلامية على الرغم من أن مجال التصوير ليس ضد الإسلام ولكن المواضيع يمكن تصنيفها على أنها صالحة وغير صالحة ويقول :" المسألة لا تتعلق بالتصوير الفوتوغرافي نفسه بل تتعلق باختيار المواضيع ومازالت هناك فئة من الأشخاص تنظر إلى مجال التصوير بنظرة دونية فنجد أنهم يعارضون تخصص أبنائهم في هذا المجال وهذه النظرة ليس لها علاقة بالجانب الشرعي وإنما تتعلق بالثقافة."
النسخة الإلكترونية
كما يذكر السوطي بأنه يوجد في الغرب إقبال على الكتاب وهذا الاقبال يتزايد على النسخة الإلكترونية نظرا لسعره المناسب إذ توجد للكتاب نسخ إلكترونية تُمكن الراغب في اقتنائه من شرائه عبر شبكة الإنترنت من موقع الناشر. وفيما يخص الجانب الترويجي يقول:" قد أكون أهملت الجانب الترويجي للكتاب على الرغم من أنه جاءتني عروض من جانب وسائل الإعلام لعرض تجربتي في التأليف والمتمثل في هذا الكتاب ولكن اعتذرت لأن الطبعة الثانية لم تكن قد ظهرت بعد وكنت في انتظار صدورها." وأما عن سبب اختياره لصورة نساء يرتدين (البرقع) للغلاف يقول :"لأوضح أنه إذا كان لابد من تصوير المرأة فإنه ينبغي أن يكون بهذا الشكل في حالة المجتمعات التي لا تقبل أن تظهر المرأة وهي كاشفة عن وجهها وبشكل عام تصوير المرأة في مجتمعاتنا لأغراض معينة يجب أن يتم بعد قبول المرأة ورضاها كما يجب أن يتم إظهارها بطريقة تحترمها وتليق بها."
تخصص مستقل
ويشير عبدالله بن خلفان السوطي رئيس قسم التصوير بمركز تقنيات التعليم في الجامعة إلى أن مجال التصوير في السلطنة يشهد تطورا جيدا مقارنة بالعشر أو الخمس عشرة سنة الماضية وفي مهرجان مسقط يتضح ذلك بشكل كبير إذ نجد مئات المصوريين بالإضافة إلى نادي التصوير في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية والذي يعكس اهتمامات السلطنة ومبدعيها بهذا المجال كذلك فجامعتنا تمثل دليلا كبيرا على هذا التقدم في مجال التصوير وذلك باهتمامها الدائم بهذا المجال من خلال المعارض والجماعات والمشاركات الداخلية والخارجية . كما يؤكد كذلك على ضرورة الاهتمام بتخصص التصوير في المؤسسات الإعلامية وأن يتم تدريسه كونه مجالا مستقلا حتى نرى في المستقبل شبابا عمانيين يشغلون المجالات ذات العلاقة بالتصوير.

أعلى





توثيق الموروثات الشعبية العمانية..
التاريخ المروي نشأته ومراحل تطوره

إن دراسة الماضي ومعرفته من خلال الروايات الشفهية ليس أمرا جديدا فقد وجدت المصادر المدونة والمصادر الشفهية المروية جنبا إلى جنب عبر التاريخ وحتى العصور الحديثة، إذ لم يكن مرهونا بمعرفة القراءة والكتابة، ويمكن القول بان التاريخ المروي يقوم بتوثيق الأحداث والحكايات من الاختفاء والتلاشي فموت الشاهد يعني موت الحكاية التاريخية وتفاصيلها وموت جزء من الحقيقة باعتباره مصدر من مصادر توثيق التاريخ ، وربما يكون هوميروس هو أول مؤرخ شفهي معروف ومثله هيرودوت فأعمالهما جمعت باستخدام الرواية الشفهية من الرواة والمشاهدات العينية للإحداث من خلال الرحلات والبحث والتحقيق، واعتمد المؤرخون الإغريق والرومان في مراحل لاحقة على التقاليد والرواية الشفهية من خلال ملاحظاتهم الشخصية حول الأحداث المعاصرة لهم أو التي وقعت في فترة ليست بعيدة عن زمنهم الذي عاشوا فيه.
وإبان العصور الوسطى في أوروبا استمر المؤرخون في الاعتماد على المصادر الشفهية ولهذا السبب يعد كتاب بوميزداي" Bomesday Book" أول مصدر في تاريخ انجلترا الاجتماعي والاقتصادي في الفترة النورماندية، وكانت الروايات التي قدمت مشافهة هي عماد هذا الكتاب .
وعلى الجانب الآخر كان العرب يعتمدون في تدوين تاريخهم على الشعر وهو الركيزة الأساسية التي انتقل فيها التاريخ إلينا، وكذلك عن طريق الرواة الذين عايشوا الأحداث، وعند بزوغ فجر الإسلام اعتمد المؤرخون المسلمون بشكل مباشر على المادة التاريخية الشفهية والمصادر المدونة على حد السواء وان كان للثقافة الإسلامية خصوصية الثقة أو تفضيل الشهود على المصادر المدونة، ويتضح ذلك جليا في سلسلة أسانيد الرواة التي يسردها المؤرخ قبل كتابة الخبر الذي نقلة عنهم ومراعاة الدقة في تسجيل الحوادث وتاريخها بالسنة والشهر واليوم ولذلك أشار المستشرق مارجليون إن الحرص على معرفة السنة عند الرواة المسلمين كان من شأنه أن يعلي مكانة الحفاظ ويجعل الحاجة ماسة إليهم، ونتيجة لذلك أوجد المؤرخون المسلمون علم الجرح والتعديل وعلم الإسناد وعلم الرجال وغير ذلك من العلوم ليتثبتوا من صدق الرواية، وظل هذا النمط ساريا إذ لم يعمد المسلمون إلى تدوين القرآن إلا بعد موت حفظته في حروب الردة وتعتبر هي البداية الحقيقية التي انطلق منها المؤرخون المسلمون لنقل معارفهم إلى من يليهم من الأجيال، ومثال ذلك أرخ البلاذري والطبري للفتوحات الإسلامية اعتمادا على الرواية الشفهية وشهود الأعيان، وفيما بعد حدث تطور بالغ الدلالة في كتابة التاريخ عند العرب متمثلا في كتاب ابن خلدون "المقدمة" لاستخدامه الأدلة الوثائقية لتدعيم مصادرة الشفهية وبذلك فتح آفاقا جديدة للكتابة التاريخية عند العرب لم تكتمل أو تتطور لظروف مرتبطة بالاضطراب السياسي في المنطقة العربية في تلك الفترة وما تلاها.
أما في العصر الحديث فقد نشطت حركة الاستفادة من المأثور الشفهي في ميدان التاريخ منذ القرن الثاني عشر الميلادي حتى القرن السادس عشر الميلادي في أوروبا، ونتج عن ذلك كتب تاريخية كنظام الحوليات ومؤلفات عن تاريخ المدن وتاريخ الأسر الحاكمة ثم ضعفت الحركة في القرن التاسع عشر الميلادي.
أما في أميركا فقد استمر الاهتمام بتراث المروي لأنه يشكل المصدر شبه الوحيد لسكان المحليين والمهاجرين على حد السواء، وبحلول القرن العشرين زاد الاهتمام بالمأثور الشفهي ففي أواخر عقد الستينات برزت حركة علمية قوية بقيادة يان فانسينا وآخرين من المؤرخين والانثروبولوجيين والفلكلوريين تدعو إلى اعتماد المأثور الشفهي مصدرا من مصادر التاريخ.
ولقد كان للتطور التكنولوجي وما واكبه من سهولة إمكانية التسجيل السمعي والمرئي للأشخاص والأحداث دور بارز في أحيا التاريخ الشفهي عقب الحرب العالمية الثانية، وقد اختلف توقيت ذلك الإحياء وشكله في أماكن مختلفة من العالم فقد ظهرت إرهاصات الاهتمام بتاريخ الشفهي في معظم بلدان العالم، ففي عام 1948م تبنت جامعة كولومبيا مشروعا للتاريخ الشفهي، وكانت الريادة للمؤرخ بول طومسون حيث إنشاء جمعية التاريخ الشفهي البريطاني " British Oral History Society " في أوائل السبعينات من القرن الماضي واسهم في تطوير حركة التاريخ الشفهي العالمية ويعتبر كتابة "The Voice Of The Past : Oral History " مرجعا أساسيا للمهتمين بالتاريخ الشفهي.
وبالرجوع إلى العالم العربي وخاصة في بلدان الخليج العربي نجد إن استعمال التراث الشفهي باعتباره مصدرا في دراسة التاريخ في هذه البلدان حديث العهد إذ كان معظم المؤرخين والإخباريين يركنون إلى المصادر المدونة مثلهم مثل نظرائهم في العالم العربي. ومن أوائل المهتمين بالتاريخ الشفهي في المنطقة الدكتور سيد حامد حريز الذي اختار أربع مخطوطات تاريخية تشكل في ظنه أهم الوثائق الشفهية لتاريخ عمان وقد دونت في أوقات مختلفة وهي (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة) لسرحان بن سعيد الازكوي و(الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين) و(الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان ومالهم من العدل والشأن) وكلاهما لمحمد بن رزيق، وكتاب (الجوهر والآلي في تاريخ عمان الشمالي) لعبدلله بن صالح المطوع وفي الواقع كان اختياره موفق لان محتويات تلك الوثائق التاريخية كانت لوقت قريب مما يتناوله الناس مشافهة كما إنها أضافت للتاريخ المدون حقائق وتفسيرات جديدة وان تدوين التراث الشفهي واستعماله كمصدر تاريخي أمر مطروح للمناقشة فقد ثبتت أهميتها لكل متابع.
ولقد أصبحت هذه القضية محل اهتمام العالم، لذلك فطنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" منذ عام 1984م لأهمية التراث الشفهي والمحافظة عليه، ولذلك أعلنت في خطتها آنذاك ضرورة المحافظة على التراث الشفهي أيا كان نوعه، وجاءت الدورة الثانية والثلاثين للمنظمة المنعقد في مقر اليونسكو بباريس بتاريخ 29 سبتمبر 2003م ليتم اعتماد الاتفاقية الدولية لصون التراث غير المادي، وكان أحد أهدافها تقديم الدعم والتوعية على الصعيد المحلي والدولي.
وتواكبا مع هذا الاهتمام العالمي بهذا التراث، ونظرا لثراء السلطنة الثقافي وتنوعه، وإدراكا من لدن مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظة الله ورعاه ـ بأهمية العناية بالتراث الثقافي والفكري للشعب العماني بصفته القاعدة الأساسية للانطلاق نحو التطوير والتحديث، وجعل هذا التراث من محفزات التنمية الوطنية الشاملة.
جاء المرسوم السلطاني رقم 56/2005م الصادر بتاريخ 15 جمادى الأول 1426هـ الموافق 22 يونيو 2005م لتصدق السلطنة على الاتفاقية الدولية لصون التراث غير المادي.
فانعكس ذلك الاهتمام من خلال العمل على إنشاء قسم للتراث الثقافي غير المادي عام 2005م يتبع دائرة الفنون الشعبية بوزارة التراث والثقافة يعمل على إيجاد البرامج والخطط الكفيلة بجمع وحفظ التراث غير المادي، ومن مجالات التراث غير المادي التاريخ المروي الذي سعت الوزارة من خلال دائرة الفنون الشعبية على تنفيذ مشروع جمع التاريخ المروي في مختلف ولايات ومناطق السلطنة، لذلك كانت طباعة الموروث الثقافي العماني ونشرة يساهم في نقل المعارف والثقافات العمانية الأصيلة من جيل إلى جيل عبر الرواة الذين يحملون ذلك التاريخ لغرسه في نفوس الناشئة من أبناء هذا الوطن بجانب توفير تلك الكتب للباحثين والدارسين للتاريخ المروي العماني والثقافة الشعبية العمانية، ولقد صدرت للوزارة العديد من الإصدارات تناولت عدة جوانب من المأثورات العمانية تنوعت على حسب المواضيع المتعلقة بها بمنتهى الموضوعية والمصداقية، فكانت هذه المكتبة المتكاملة تشمل المعلومات والتحليل والنقد كما إنها تعد وثيقة هامة لتوثيق الموروثات الشعبية العمانية، ومن أمثلة هذه الكتب:
ـ كتاب عادات وتقاليد الزواج في ولاية قريات، والكتاب احتوى على نتائج بحث ميداني للعادات والأفكار والمعتقدات المتعلقة بالزواج في ولاية قريات، ويعتبر هذا الإصدار بداية المشاريع الهادفة إلى جمع الموروث الشعبي الشفهي من مناطق ومحافظات السلطنة، وصدر الكتاب ضمن برنامج مسقط عاصمة للثقافة العربية 2006م.
ـ كتاب الخنجر العماني الذي تناول الخنجر العماني بالبحث والتوثيق فبجانب المراجع والمصادر المدونة تم الرجوع إلى مراجع شفهية لممارسين وصناع الخنجر العماني والكتاب صدر بالغتين العربية والانجليزية.
ـ كتاب التاريخ المروي لعادات الموت في ولاية قريات الإصدار عبارة عن جمع ميداني لعادات ومعتقدات المجتمع المتعلقة بالوفاة، وكما احتوى هذا الكتاب على بعض القصص والحكايات المتعلقة بمعتقدات الناس نحو السحر والجن.
ـ كتاب فن البرعة وصدر هذا الكتاب بمناسبة إدراج فن البرعة في القائمة التمثيلية للتراث غير المادي للإنسانية، وقد صدر الكتاب باللغتين العربية والانجليزية واحتوى على صور لفن البرعة.
ـ كتاب العادات والتقاليد لمرحلة الميلاد ولاية سمائل تناول الإصدار العادات المتعلقة بالميلاد في مجتمع الداخلية، ومن خلال الجمع الميداني تم توثيق العديد من أغاني الأطفال وألعابهم.
ـ كتاب التاريخ المروي المصان بولاية جعلان بني بو حسن نموذجا.
ـ كتاب عادات ميلاد الإنسان في ولاية قريات تناول هذا الإصدار العادات والأفكار المتعلقة بمرحلة الميلاد في ولاية قريات بمحافظة مسقط من خلال المقابلات المباشرة مع سكان المنطقة.
ـ وأخيرا وليس آخرا كتاب "من قصصنا الشعبية" فقد كان الهدف منه التعريف بهذه القصص والحكايات الشعبية، وتذكير الآباء والأمهات، بما يمكن أن يقدموه للأطفال، من حكايات تذكرهم بماضي المجتمع وتاريخه.
واستكمالا للمشروع تقوم الوزارة حاليا بالعمل على جمع التاريخ المروي لولايات المصنعة وبركاء والرستاق ووادي المعاول بمحافظة جنوب الباطنة، وكذلك العمل جار على طباعة كتاب عن التاريخ المروي البحري لولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية وتم الانتهاء من الجمع الميداني للمادة، وحاليا في مرحلة التقييم والإعداد للنشر، وكتابان عن فني البرعة والعازي طبعا بمناسبة إدراج هذين الفنين في القائمة التمثيلية للتراث غير المادي، وهناك أيضا كتابان تحت الطبع عن فني العيالة والميدان ليكونا من ضمن جهود السلطنة المبذولة في هذا المجال لتكون ملفات مشتركة مع دولة الإمارات العربية الشقيقة لتسهيل تسجيلهما في القائمة التمثيلية للتراث غير المادي.
إن التاريخ المروي والمحافظة علية يعد أمرا مهما لإبراز الخصوصية الثقافية التي تعد من القضايا الرئيسية في حياة الشعوب، ونتيجة للجهود الحكومية وغيرها فليس من المستغرب أن نجد المواطن العماني غيورا على حفظ تاريخه المروي، فالذاكرة العمانية المخضرمة تحتفظ بالكثير من مفردات هذا التاريخ، فنحن معنيون بحفظ هذا الموروث وإعادة إحيائه من جديد، اما عن طريق دراسته دراسة أكاديمية بحثية حتى نتعرف على مكنونات هذا الموروث ومكوناته، أو عن طريق توثيقه بكل الوسائل المتاحة، لكي تتعرف الأجيال القادمة على تراثها الشفوي وتكيفها له وفقا لروح عصره، وهذا لن يتم إلا بما نقوم به نحن الآن تجاه هذا الكنز الثقافي.

فهد بن محمود الرحبي

أعلى





بين سلطة الحب وسلطة الملك "النبهاني أنموذجا"

إن ما للملك من سمات وصفات وخصائص، مختلفة عن أفراد الرعية، تجعل منه إنسانا ملتزما ببعض الضوابط والتشريعات التي تجنبه الوقوع ما يقع فيه عامة الناس، فالله تعالى خلق البشر أجناسا متنوعة، وخص بعضهم منازل ودرجات، فالملوك ضمن قائمة البشر الأوائل بعد الأنبياء والرسل والعلماء، ولما كانت هذه الصفات والسمات قائمة في كل الحضارات البشرية فقد خرج بعضهم عن القاعدة تحت سلطة أخرى موجودة في كل البشر ألا وهي سلطة الحب، فالحب فطرة ربانية غرسها الله في سائر المخلوقات، ولما خلق للإنسان عقل، جعله بذلك مميزا عن سائر هذه المخلوقات، بتفعيل طاقاته، وتنظيم فطرته كمتحكم رئيسي لا يمكن تعطيله بأي حال من الأحوال؛ ونقرأ لديك أيها القارئ العزيز أنموذجا جميلا ورائعا لهذا التوافق الفطري المحكوم بالعقل، ونقترب سويا من عالم الملوك وكيف مازجوا بين الفطرة والعقل، وبين سلطة الحب وسلطة الملك ؟! وأيهما كان أقوى العاطفة أم العقل ؟! وكيف حافظوا على غرائزهم وفطرتهم دون أن ينقص من هيبتهم وجبروتهم الملكية؟! وهذا الأنموذج للشعر العماني الملك سليمان النبهاني.
وهو سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني الأزدي، ولد في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (الرابع عشر الميلادي)، وتوفي (915- 1510م( كان ينتمي إلى بني نبهان القبيلة الأزدية، وكانت قبيلتهم قد حكمت عمان لفترات طويلة بعد دولة اليعاربة ، نشأ نشأة ملوك، وقد كان أبوه وجده من قبله ملوكا؛ وقد ظهر هذا الترف في كثير من شعره، فهو قد اعتاد على الحياة المترفة الناعمة، فقد كان يصور لنا من خلال أشعاره حياته الناعمة المليئة بالترف وما يدور بها في مجالس الأنس والطرب؛ مصورا أيضا البيئة الطبيعة الجميلة التي عاش فيها.
تعلم الشاعر في صباه القراءة والكتابة والحساب في بلدته بهلاء، وأخذ العربية والأدب من علماء الرعية النبهانية، وكذلك اطلع إطلاعا واسعا على الكثير من الكتب و المؤلفات العديدة ، وعلى شعر فحول الجاهلية والإسلام، وقام بدراسة الصرف والنحو والبلاغة وغيرها من علوم اللغة، وقد قرض شاعرنا الشعر وهذا بمساعدة سليقته العربية وحفظه الكثير من مختارات الشعر الإسلامي والجاهلي.
و هو إلى جانب كونه شاعرا كان ملكا وقد سجل في شعره مفاخره، فقد كان أشبه ما يكون بالملك الضلّيل "امرؤ القيس" وقد ورث عنه جزالة ألفاظه، وقوة معانيه وانحراف مزاجه واعتداده اللامتناهي بنفسه، و لعل ما في ديوانه الضخم غرض الغزل، أما الفخر فقد ذهب فيه مذهبا بعيدا، وبالغ فيه مبالغات كثيرة.
والمطالع لمعظم قصائد ديوان النبهاني ـ الذي طبعته وزارة التراث والثقافة عام 1984م- يجد أنها تمتاز بالجزالة وجلجلة الألفاظ والتراكيب القوية وخاصة قوة فخره ورقة تغزله ، وقد قال الكثير من القصائد والأبيات الشعرية الغزلية الرائعة في حبيبته " راية " فهي التي سكنت قلبه وأسرت لبه فجعلته هائما متيما في عشقها ، ونقرأ من هذه القصائد قصيدة نادرة نفرد لها التحليل لما لها من حيثيات سلطة الملك وحيثيات سلطة الحب قال النبهاني:
لراية وجه يكسف الشمس والبدرا
ولدن قوام يخجل الصَّعدة السمرا
وثغر كممطور الأقاحيّ واضح
وسلسال ريق يفضح الشهد والخمرا
وجيد كجيد الرِّيم حال مطوق
يزين الجمان واليواقيت والشذرا
غزالية خوطية جؤذرية
خدلَّجة غرَّاء ممكورة عذرا

والملك يقف بين سلطتين قويتين لا يمكن الفرار منهما ولا يمكن أن يختار واحدة من تلك السلطتين لأنه غير قادر على فرض السلطة الملكية ، وفي ذات الوقت يتبع نداء القلب ويقع تحت سلطة الحب قال شاعرنا الملك النبهاني:

إذا نظرت أصمت قلوبا وإن مشت
مشى الشَّوق في أحشاء عاشقها جهرا
هراقت دمي يوم الصُّفيحة إذ بدت
تخاطبني سرا وتلحظُني شزرا
وأذكت لظى قلبي وأجرت مدامعي
ولمَّا أجد عنها سلوا ولا صبرا
وبحتُ بسرّي في الغرام وعادني
هوىً عذريٌّ فاضح يهتك السترا

والنبهاني دائما ما يستعين بالقصة الشعرية أو بعنصر من عناصرها وذلك للتشويق والإثارة وكذلك ليجعل من الحوار فنا أسلوبيا لتعريف القارئ أو السامع بما يدور في نفسه من تنازع لتك السلطتين المتمركزتين في خلجاته بين الغزل والفخر والاعتداد بنفسه وأهله وملكه وكذلك حبه قال شاعرنا الملك النبهاني:

فقلن لها أترابُها مذ رأين ما
دهاني منها كي يُحطن به خُبرا
قتلتِ لك الويلاتُ نفسا زكية
لقد جئت شيئا يا مهاة الخبا نُكرا
فقالت ألا أنبأتنيه من الفتى
وما اسمه فانصعن يخبرنها جهرا
ألا إنه مولى السلاطين كلها
وأشرفها نفسا وأجزلها فخرا

فلاحظ معي أيها القارئ العزيز القدرة اللغوية الخارقة التي يتمتع بها النبهاني ولاحظ كيف ينحرف بالخطاب والمخاطب وكأن القارئ يجد ما يريد إيصاله النبهاني مقدما له برسائل إلى العقل الباطن المتضمن لتلك النصوص الشعرية المحملة بالقوة الخارقة للمعاني ونجده هنا يصل إلى وضع النقاط في الحروف والتعريف الصريح للشخصية المتضمنة في القصة من خلال الحوار السابق ، قال الملك النبهاني:

فجاءت وقالت ما اسمه قلن ذو الوفا
سليمانُ يعني البدرَ والبحرَ والدَّهرا
سليلُ سليمانَ ابن نبهانَ فانثنت
تنهَّدُ من حُزن وتستعظمُ الأمرا
وقامت ودقت صدرها بيمينها
واذرت دموعا بلَّت النَّحر والصدرا
وقالت ألا واحسرتا وافضيحتا
لقد لقد جئتُ شيئا في مليكِ الورى إمرا

ونلاحظ هذا الأسلوب الذي يستخدمه النبهاني يحاول أن يجعل من سلطة الملك ذات نفوذ على سلطة الحب ، وفي نفس الوقت ينتظر من الحبيب وصلا حتى يرتشف معنى الحب والوصل المنتظر الذي يجعله متشوقا إليه أيما شوق ليفئ بظلاله اللذيذ وبعناقه الرائع ، وبحبه وعشقه المفضل، قال الشاعر الملك النبهاني:

وقالت كُفيتنَّ الأسى ما دواؤُهُ
وهل من دواءٍ أو علاجٍ به يبرا
فقلن لها ما إن لداءِ مُتيَّمٍ
سوى الوصل قالت سوف نسأله العذرا
فقالت فدتكَ النفس يا تاجَ يعربٍ
أقلني ولا تحمل عليَّ بذا إصرا
ففِئْنا إلى خدْر أنيقٍ ومضجع
عبيقٍ يُعيرُ الرَّوضَ من نَشرِه نشرا

ناصر الحسني


أعلى





نافذة لغوية (33)
تحية

تتبدل دلالة بعض الكلمات ثم تشيع بين الناس على غير الصورة التي عرفت بها في الأصل، وقد تلزم حالة معينة من التخصيص والحصر، تصبح معها نابية في الاستعمال، غير مقبولة في المجتمع، بل ربما كان توجيهها مدعاة إلى الخصام والمنازعة أحياناً، من ذلك مثلا لفظة (الحيوان) التي قد يذهب الظن ببعض الناس إلى أنها بمعنى الدَّابَّة ، وما هي كذلك ، إنما الحيوان في اللغة هو تلك الحركات الجيّاشة كالفَيَضَان والغَلَيَان والثَّوَرَان والجَيَشَان نفسه ، وعلى هذه الصورة جاءت دلالة الكلمة في التنزيل حيث قال تعالى : ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (. فالحيوان على ذلك يعني حركيّة الحياة ، أو حيويّتها المناقضة للسكينة والجمود . وفي اللغة على جهة التعميم والإطلاق الحيوان : اسم يطلق على كل شيء حي . وكل ذي روح حيوان ، الجمع والواحد فيه سواء . ومما أخذ من هذه المادة اللغوية وتغيرت دلالته قولهم :
أحيا الليل أو الليلة ، فإحياء الليل : السهر فيه بالعبادة وترك النوم ، ومرجع الصفة إلى صاحب الليل ، ووجه تغير الدلالة هنا قول المحدثين على التشبيه البعيد طبعا : تقام على مسرح كذا حفلة ساهرة تحييها الفنانة فلانة ... وسواء أكان فنها الغناء أم الرقص أم اللعب على آلة موسيقية فقد أطلقوا عليها صفة الإحياء لما يلازم الحالة من ترك النوم ومن الحركة والتنبه والمشاركة أي الحيوان والميلان والميسان والدوران ، وبهذا تختلف عن الحارس الذي يمضي ليله من غير نوم ، وإلا لقلنا عليه يحيي ليلة حارسة ، أي محروسا فيها !
وقال بعض اللغويين إن التحية المشتقة من هذه المادة هي من استقبال المحيا وهو الوجه ، كالمصافحة والتصافح من صفحة راحة اليد ، ولكن المرجح أن التحية من الحياة ، أي البقاء ، وحياك الله : أي أبقاك .
وقال بعضهم : إن معنى ( التحيات لله ) أي البقاء ، وعلى ذلك لا تكون التحية من المحيا ( أي الوجه ) بل ربما كانت التحية من ( الحيا ) أي الغيث والمطر ؛ لأن به سبب الحياة ، ومن هنا شاع دعاء السقيا في كلام العرب منذ القديم حتى خصوا به القبور والأطلال قال عنترة :
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْد أُمِّ الَهيَثْمِ
أي سقيت الحيا . واشتقاق الحية في هذه المادة اللغوية من الحياة ؛ لأنها تحيا ، أي تعمر طويلا ، وللعرب أمثال كثيرة في الحية ، من ذلك قولهم : هو أبصر من حية لحدة بصرها ، ويقولون : هو أظلم من حية ؛ لأنها تأتي جحر الضب فتأكل حِسْلَها وتسكن جحرها . ويقال : رأسه رأس حية إذا كان متوقدا شهما عاقلا ، ومن ذلك في شعر طرفة بن العبد قوله :
أَنا الرجلُ الضَّرْبُ، الذي تَعْرِفُونَهُ
خَشاشٌ كرأْسِ الـحَيَّةِ الـمُتَوَقِّدِ
أي ماض نافذ في شجاعة وشهامة . ولا يخفى أن مادة ( خش ) بمعنى دخل فصيحة الأصل في العربية كما يفهم من البيت .

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة



أعلى





معزوفة الحياة

إن الحياة تراتيل وألحان
هل لحن عمرك آهات وأشجان؟
أم أنه فرح في لحنه رقصت
في نغمة السعد ساعات وأحيان؟
اترك حياتك تعزف لحنها طربا
كي تنتشي منك في الأقدار آذان
فهل رأيت لمن مروا وقد عزفوا
لحن الحياة وفي آثارهم زانوا
وهل سمعت إلى صوت الخشوع وقد
سرى إلينا ففي الآفاق رهبان
وفي رحاب السماوات العلا نطقت
روح المعالي لها في الأرض فرسان
الزقزقات التي في ثغر عالمنا
فإنما هي أخلاق وإيمان
وهذه الشمس هل ترنو لبسمتها
سراجها الحب والإخلاص ميزان
وإنها بحداء الرحمة اشتعلت
فضاء في الكون إيناس وتحنان
وهل رأيت لموج البحر منتشيا
فإنه بلحون الذكر نشوان
تلك الجبال التي تسمو بجبهتها
يعلو بها لسماء الله قرآن
وجه السما الليلكي اللون ذاب هوى
لما غشته من السجاد سبحان
وللنجوم شعاع لامع خجلا
لما جرى في نشيج الدمع غفران
ذاك الجمال الذي في البدر مؤتلقا
عزف سرى وله في النفس ميدان
والذكر في سبحات الليل هينمة
يصغي لها في جنان الخلد رضوان
أصخ لهدهدة الام الحنون على
وليدها فبها للطف أحضان
وهل رأيت لود الناس بعضهم
الحب طير وحسن الوصل أغصان
وذلك الفلج الشادي ترقرقه
خريره العذب إيثار وإحسان
أطلق فؤادك قيثارا تحركه
أنامل العزم والإيقاع إيقان
ومن حواليك كل الناس دندنة
فصُغ نشيدك إن الناس أوزان
لا تجعل الآهة الحرى نشيدك في
وقت الجراح فما للآه عنوان
نوح الحمام على أغصانها أمل
ما كل نوح على الأغصان أحزان
فكن غناء إذا اشتد العناء وكن
عند الشقاء سقاء فيه ريان
كم أنة من فم المكلوم رتلها
فهل بها لجلاء الهم إيذان؟
لون حياتك إنْ غيم الهموم همى
فكم زهت بعد وقع الغيث ألوان
صوت القلوب ترانيم نرددها
ومن صداها انتشت روح وريحان
أما سمعت إلى عزف الرياح لنا
تلك المشاعر حاديهن مرنان
وللحفيف الخفيف الوقع نبرته
همس يردده للعقل لقمان
فاسمع صداح النشيد العذب من لغة
بنغمة الضاد بالتبيان تزدان
هذي الحياة أهازيج نرددها
معزوفة نحن من كورالَها كانوا
يقودنا الحب نحو الله في نغم
يشجي الوجود فيرقى فيه وجدان
الروح نغمتها والنبل أحرفها
إيقاعها فرح واللحن إنسان

هلال بن سيف الشيادي


أعلى





بكاء على كوكب زحل

أعلنها صراحة أمامها في لحظة انكسار واستسلام قائلا لها: لقد فقدت أعصابي يا شريفة بسبب حلم طائش ساعديني على تجاوز المحنة لقد انهزمت أمام تفاصيلك البسيطة افترش حزني ان حديثي مع كل خلية في جسدي يا شريفة هي أطول مما تتوقعين حتى سولت لي نفسي بفقع قزحية عيني عقابا لي لكي لا أرى سواك مرة أخرى، ولكن بلحظة تذكرت بأن جمالا كجمالك حرام بأن يغيب لحظة عن ناظري بعد اليوم، هل لديك متسع من الوقت يا شريفة لتسمعيني؟
بلحظة شعرت شريفة بأن حواره ما هو سوى مفترق لطريق السافلين، نظرت إليه متظاهرة بقوة الأنثى التي داست على عاطفتها لتختزل وقتها بعيدا عن عالم الارض مبتدئة حياة أخرى على كوكب زحل، وحتى لا تسقط دمعة من عينيها أمامه سحبت نفسا عميقا مصحوبا بابتسامة لم يستطع ترجمتها، وجلست على الأريكة وكأنها تشعل أطراف النهايات على نوافذ أغلقت بإحكام بعيدا عن عين العاصفة حين فاجأته بقولها تعبت مساماتي من رجل يغرق في الملذات، لقد بكا ليلي على خاصرته وجعا من صراخ طفلين ينتظران والدهما وحمى احدهما مرتفعة وصراخ الآخر يتلوى جوعا، تعبت أنثى شرقية تجوب شوارع فوكلاند تحمل طفلين بمنتصف الليل باحثة عن طبيب حتى كاد جسدها تنهشه كلاب الشوارع وخنازير ستانلي الفوكلندية دون ان تملك جنيها فوكلنديا بيدها لقد جعلتني في جسد العذابات، نظر إليها بقلب أرهقه الألم بعد ان تعب من الوقوف لنصف ساعة واسند جسمه على عامود بوسط صالة الجلوس بينما هي تحدث نفسها في ذهول فلم يحتمل ان يقف ربع ساعة هكذا، فكيف بمن كانت تقف لساعات طويلة تغسل صحون المطاعم في الفنادق من اجل تربية أطفالها وتكملة دراستهم، تلك هي ام نذرت نفسها بأن تسخرها لابنائها فقط، وفي اللحظة التي رفع فيها رأسه سبقه بصره لصورة كانت تعلق على الجدار لم يشعر إلا عيناه قد غرقت بدمع الحسرة والندم حين شعر بأنه ضيع أوقاتا قضاها بعيدا عن ابنه وابنته ممتهنا كرامته يرقص على أجساد الساقطات، أخذ يقترب من الصورة فوقف حائرا يسترجع الذكريات قبل خمسة عشر عاما حين دخل عليها الغرفة وهي نائمة بمنتصف الليل تفوح منه رائحة الخمر معربدا يطلب العشاء ومن صراخه أيقظ أطفاله من ألذ نومتهم، حاصره الندم حين استرجع الماضي لحظة ان انهال عليها ضربا عندما نطقت بشفاه يتيمة لا يوجد ما نأكله وقفت شريفة تسحب أنفاس الغربة لتنظر إليه وهو يعيش الألم حين نزلت منها الدمعة التي حاولت مكابرة أن تخفيها، لقد نظر إليها مطرقا رأسه وهو يقول: إنني كنت ميتا بلى إحساس، وعلى غير موعد دخلت نسرين تعلن بصوت سرقته!! ليالي اليتم لتجيبه: من الأفضل إذا أن نستخرج لك شهادة وفاة نزل كلامه عليها كصاعقة دمرت ما تبقى من نصفه الآخر كرجل له كبريائه، وبلحظة ذهول طلبت منها والدتها ان تصمت، لكنها صرخت مقاطعة وهل تظنيني يا أمي اني استطيع كتمان صوتي؟ أم أن جرحي من غيابه التئم؟ دعي يوسف يتكلم او جوزيف كما يناديه الفوكلنديون بلغتهم أمي، لقد دوى بكاء فتاة تنتحب كل ركن من زوايا المنزل تسترجع ذكرى طفلة في الخامسة من عمرها يغمرها جدول من الحزن في لحظة يتم، غيبت ملامح اب غارق في مستنقع الخطيئة في غربة أدخلتها فصل الخريف قبل اوانها، وفي هذيان طفلة كادت ذكرياتها تسقطها أرضا وكعادته يوسف او جوزيف امسك بها محتضنا آلامها مضمدا جراحها النازفة رغم ان كيانه يتألم كعربي مسلم عاش في بلد غير بلده رأى والده تجرفه ملذات بلد غربي تسحبه في حاناتها، وقف يتأمل الثلاثة معا بلحظة انكسار وخيبة أمل، وكأن الزمن غدر به حين لم يصارحه بردة فعل عائلته عند رؤيته لهم بعد سنين من الغياب، هز يوسف رأسه بكبرياء امام والده مقطبا حاجبيه يمشي كطفل في بداية خطواته ممسكا بكتف أمه وأخته كرجل أرهقه الصمت فأصبح السكوت من طبعه، حينها قال والده: لقد تعدى جرحي صرختي فاغفريها لي يا شريفة، وهو لم يدرك بأن نسرين في إعياء وكأن التصدي لها اكبر من الآهات وهي في صراخها تتشنج حين بترت من لسانها كلمة ابي لتعلن بأن جرحها ولد لحظة ان رأته قبل ساعة، حاول ان يذكرها بتلك الطفلة التي يلعب معها لحظة عودته للمنزل لقد مزقتها ذكريات الطفولة فلم تعد تتذكر غير شواطئ المستحيل بلحظة يتم خيم فيه على عالمها اليأس، كان يتمنى ان ترحمه شريفة فتتقمص دور ملاك الرحمة او القاضي الرحيم مدافعة عنه امام أبنائها، ان نسرين تحاول غسل ما بداخلها كفتاة غضة تتمنى ان تريح نفسها لترميها على أحضان اب سجنته الدنيا عن عينيها سنين طويلة ولكن طبعها ان تخرج ما بداخلها، فقلبها يدمي على أنفاس محكمة الحياة حين باغتته بطعنة اخرى لوكانت بخنجر لاحتملها حين قالت له : لي صديقة والدها احن علي من نسيم البحر منذ ان كنت طفلة اذكره يقول يا ابنتي متى أراك عروسا على ضوء القمر تزفين لبيت زوجك ؟ شعر بأن أسرته التي كان بعيدا عنه لم تكن تعيش في غربة فقد بنت لهم شريفة قصرا على كوكب الزهرة يضيء بالمحبة وأن الغربة هو من كان يمشي عليها ويسكن فيها حين تخيل بأنه يسكن قصرا على كوكب زحل لحظة تخليه عن هويته واستبدالها بهوية غربية ومزق جواز سفره وسفر زوجته فحكم عليهاان تعيش خلف أسوار يملأها الحزن فتشرق عليها الشمس دون ان تتنفس رائحة الوطن أحست شريفة بدخلته عليهم بحنين لوطنها تخيلت نكهة القهوة ولذتها فأبحرت في عالم ليس فيه حدود جغرافية للمكان حين تذكرت منزل والدها بلبنان وهي تجلس على الشرفة المطلة للبحر بعد صلاة المغرب حيث تجتمع العائلة على ضوء القمر في نسمات الجو الباردة ورائحة البن والقهوة تعطر أجواء المكان وفي لحظة ملامسة الشفاه للفنجان يجلجل صوت فيروزي بمطاعم الروشة بلبنان لا يسكتها الا رائحة الخزامى تعطر المكان وآخر جرعة من قطرات القهوة المتبقية في الفنجان شعر يوسف ونسرين بخوف شديد على والدتهما حين لبست ثوب الصمت تحدق بعينيها دون ان ترمش على منظر البحر بلبنان في تلك الصورة من الحائط التي تقابلها سيناريوهات من الزمن ، إن ما مر على شريفة في تلك اللحظة جعلها تشعر بأنها ارتكبت خطيئة بحق نفسها حين قبلت بصلاح زوجا ان نفسه الخبيثة على النقيض من اسمه فهو اسم على غير مسمى معجون بدم الغواية خدعها بعبارات الحب الزائفة واستغل قلبها كأي أنثى متعطشة لكلام الغزل كان حلمها ان تخرج لأي دولة خارج لبنان لتكتشف ماذا يوجد في آخر العالم ، لقد صادف قدرها بأن صلاح يستعد للسفر بحثا عن العمل وسيأخذها معه الى فوكلاند حينها فرحة العروس انستها حضن والدتها وابتسامة أبيها والقهوة العذبة في لبنان، تاهت في عالم من الأحلام حدوده على ميناء سان كارلوس ونهايته بمرتفعات ويكهام وجبل اسبورن حزمت حقائبها معلنة الرحيل فقلبها لم يعد يتسع لحظات الانتظار فتلك فرصة لا تأتي غير مرة واحدة في العمر لم تنس لحظة وصولها لتلك الأرخبيل الفوكلندية حين استقبلتهم فتاة بملامح شقراء وعينان خضر ما ان شاهدتها حتى بدأ خيالها يتشتت وما ان لمحت ابتسامة صلاح حتى هدأت واطمأنت لم تستطع نسيان تلك اللحظات حين اصبحت أم لطفلين ارتبطت مشاعرها بهما لقد اصبحا يؤنساها في وحدتها الصامتة الخالية من اي روح سوى روحيهما ، فمنذ الشهر الاول لوصولهما بدأ غيابه عنها بحجة العمل وهي صابرة في انتظاره من اجل ان تقوم بواجبات زوجة عربية تربت على قيم احترام الحياة الزوجية، وفي لحظة من الانتظار الصعبة علمت بزواجه من تلك الفتاة البريطانية الشقراء فقط اصبحت كمن تلقى صدمة قوية صفعتها وبددت أحلامها، وحين طال بها الوقت واليأس فكرت بالعودة لأهلها فلم تجد جواز سفرها، حينها فقط غادرت روحها الحياة وتلمست الواقع من الخيال حين بدت رحلتها مع الحرمان تبحث عن عمل لتستطيع العيش في غربة بعيدا عن الأهل ، عملت في غسل الصحون لسنتين ثم في وكالة السيارات المستعملة تقوم بتنظيف المكتب وخدمة الزبائن لمدة اربع سنوات اكتسبت خلالها خبرة لا بأس بها فقررت بنفسها ان تخوض تلك التجربة وحين لمس صاحب الوكالة حنكتها في مجال البيع عينها مندوبة مبيعات لديه، وعندما أرادت ان تفتح مكتبها وقف بجانبها كنوع من رد الجميل، ومع مضي أيامها امتلكت شريفة اكبر وكالة لبيع السيارات بفوكلند انستها سنين الغربة والعذاب مع زوج حطم أحلامها وجعلها تدوس على قلبها وحتى مشاعرها، بقيت رغبة الحب وطريق الحلم تحتضن به أطفالها، حولتها الأيام والغربة وظروفها القاسية الى بقايا أنثى اشد من الماء في حزنها وقسوتها، وفي تلك الأثناء أدرك صلاح بأن عودته لأسرته أصبحت ما هي سوى أبواب احكم إغلاقها، لقد اختار ميعاده بدون فصول، ظل حائرا ينظر اليهم منتظرا جوابهم لعله يرق قلب احدهم عليه ويخشع لكن شريفة باغتته حين رأت ارتعاش يديه وزرقة شفتيه يوغلها صمت الأنثى في حين يعلوها بكاء رجل ميت الإحساس وهي تشير إليه بالعودة إلى كوكب زحل يحمله عاره تحت سماء بعيدة ، فالأيام لن تنسيها إحساس الارملة رغم وجود الزوج، ولا بكاء اليتامى رغم وجود الأب، لحظة مرور ايامها في غربة من الروح قبل غربة الوطن، فما عادت الزهرة بسذاجة فتاة مراهقه تحركها دمعة رجل ورعشة شفتيه يحاول ان يسكنها ببكائه كوكب زحل.

السهاد البوسعيدية


أعلى





الحمار "ماركو"... وديمقراطيات "الامتطاء" و"التيك أويه"!

الحمار "ماركو" والديمقراطية
لم يكن من قبيل المصادفة أن "جورج أورويل" اختار شخصية الحمار "بنجامين" في رائعته "مزرعة الحيوانات" ليرسم شخصية فريدة تجمع بين الصبر, والسخرية اللاذعة, والتهكم, ومزيج من الفلسفة اللامكترثة. فكان يمثل الشخصية النائية عن الواقع, طوعا واختيارا, بسلبية مفرطة, تعبر عن بؤس الحياة وتناقضاتها بانتشار الظلم والفساد والديكتاتورية "المقنّعة" برداء الحرية التي جاءت بها الثورة. فشخصية "بنجامين" جاءت مفعمة بالغموض, تحمل الكثير من الجمل "المشفّرة" التي تحتاج لجيش عرمرم, من الأطباء البيطريين وعلماء النفس, لفهمها. فالحمار "بنجامين" لم تتغير نظرته أو تفاعله مع المحيط, قبل الثورة أو بعدها: نفس المجهود, وذات النظرة المتشائمة: ردوده ورأيه حول الثورة لم تخل من الغموض, والسخرية المرّة, والإيحاءات المبطّنة, التي حملتها ردوده مثل: "الحمير تعيش عمرا طويلا, هل عمركم رأيتم حمارا ميتا؟", أو إجابة: "الحياة ستستمر بعد الثورة, كما كانت قبلها, يعني شاقة وسيئة". وبالرغم من أن "بنجامين" كما قدم "أورويل" شخصيته على أن بوسعه أن يقرأ, إلا أن "بنجامين" لم يكن يمارس "موهبته" أبدا معللا "بأنه ليس هناك شيء يستحق القراءة" - وبخاصة في "جمهورية" الحيوانات التي كان مرشحها الوحيد هو "الدكتاتور" الذي ركب الديمقراطية والثورة!
وبرغم "تناحة" الحمار بنجامين, إلا أن شخصيته الساخرة لافتة للإنتباه, في الرواية الخيالية, كما في واقع الحياة؛ فهو صبور, يحمل, ويتحمّل, دون تذمر, يعمل بلا كلل, يمتطى وينقل, مطيع ولو قلّ الطعام, أو زادت ساعات العمل, والأهم من ذلك كله أنه كان "واضحا" - لا يعرف اللف والدوران, أو المناورة أو المواربة. ولعل كل هذه الصفات "الحميدة", المذمومة من البشر, الذين يصفونه بأقذع الأوصاف, ويقرن اسمه "كشتيمة", قد حدا بسكان مدينة "بافاريا" ببلغاريا, في نوفمبر الماضي, بعد 66 عاما من رواية "مزرعة الحيوانات" إلى ترشيح الحمار "ماركو", سليل "بنجامين" أورويل, للإنتخابات لمنصب "عمدة" المدينة! ففي حادثة غير مسبوقة قبلت لجنة انتخابات البلديات في بلغاريا ترشيح الحمار "ماركو" لمنصب عمدة المدينة البلغارية، كمنافس "لكيريل يوردانوف", بمؤهلاته حيث يتمتع, الحمار, يشخصية قوية تعمل بجد, ولا يكذب أو يسرق ولا تحوم حوله شبهات الفساد؛ لذا فهو, برأيهم, المرشح الأمثل لشغل منصب العمدة, رغم أن السلبية الوحيدة للحمار "ماركو" هي أنه كان "مطيّة" لسيده، إلا ان هذا الامر لا يعيبه كثيراً, فالعمدة الحالي, والكثير من المرشحين في كافة الديمقراطيات البشرية, وكما يرى الحزب الذي رشح الحمار, أن "يوردانوف", كان خادما مطيعا و"مطيّة" لرئيس وزراء بلغاريا. وإمعانا في السخرية والتهكم فقد ذكر الحزب أن الحمار "ماركو" ولد في 10 نوفمبر 1989م، وهو اليوم الذي سقط فيه حكم الديكتاتور الشيوعي البلغاري "تيودور جيفكوف" وبذلك يزيد عمره عن 20 عاماً، هي السن القانونية للترشح.
وعلاقة "الحمار" بالديمقراطية, هي علاقة تاريخية, وجدلية بامتياز. فقد ألهم الحمار بعض الأحزاب في العالم الثالث, حيث دشن حزب سياسي في اقليم كردستان بالعراق, يدعى "حزب الحمير"، تمثالا من البرونز يجسد حمارا، تكلف ألفين وخمسمائة جنيه استرليني. ووضع التمثال في شارع "نالي" بالسليمانية، وهو شاعر كردي كتب قصيدة شهيرة عن الحمير. وذلك تخليدا لدوره في حركة التحرير حين كان الصديق الوحيد للمقاتلين في الجبال خلال الصراع, الذي تبعه تأسس "حزب الحمير" والاعتراف به رسميا عام 2005. والهيكل التنظيمي للحزب يركز على حياة الحمار، ويحمل مقره الرئيس وفروعه أسماء الاماكن التي تؤوي الحمير، كما أن مراتبه الحزبية للاعضاء تتراوح ما بين "جحش" الى "حمار". وتم افتتاح محطة اذاعة تسمى "زارين" وهي الكلمة الكردية المقابلة لصوت الحمار "نهيق". ويتوالى تصدر الحمار للمشهد الديمقراطي وما حوله, ففي واقعة غريبة، ذهب نائب في برلمان الجمهورية التركية بشمال قبرص، مؤخرا إلى مقر البرلمان على ظهر ''حمار''، كنوع من الاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود, ولمعارضته قرار الحكومة شراء سيارات جديدة للوزراء. ولذلك فقد علّق النائب على رقبة الحمار الذي "امتطاه" لوحة سيارات معدنية!

***

ديمقراطية "الامتطاء" وديمقراطيات "التيك أويه"
من هنا نجد أن "الحمار" لا يني يتصدر المشهد الديمقراطي, المعاصر, وديمقراطيات ما بعد الثورات, وبخاصة في العالم الثالث, والعربي, الذي بات يقدم للعالم المتحضر نماذج "بديعة" من أنماط "غير مسبوقة" من مفاهيم أنتجها الأخير, وقام الأول "مزهوا" بإعادة إنتاجها وتدويرها بطريقة "ممسوخة" ومشوهة - وواحدتها وليس آخرها هي "الديمقراطية". فالديمقراطية في العالم العربي, والثالث, يمكن تقديمها بعدة توصيفات منها "ديمقراطية التيك أويه" (Take Away), أو ديمقراطية المرشح الفائز\"غير المنتخب", أو ديمقراطية "الإمتطاء", أو ديمقراطية "المرشح المتسلق"! أو "العرس" الديمقراطي كما وصفه أحد المرشحين في انتخابات نقابة المهندسين الأردنيين مؤخرا (وفي العرس ما فيه من "زغاريد" وأهازيج ودبكات "واختلاط"!). وفي كل من هذه الديمقراطيات التي تبعث على الرثاء, يتقدم أنماط من المرشحين؛ إما "مطيّة" لحزبه الذي يمثله, ينفذ أوامر من وراء الكواليس, كمغفل أو مستغفل. أو هو نفسه ينوي "امتطاء" مصالح الهيئات العامة, أو كلاهما: يعني "يُمتطى" (على وزن يتمسكن) حتى "يمتطي" (على وزن يتمكّن)! وكل هؤلاء أدنى شأنا من "ماركو" الصادق الصبور الطيب الذي ترشح تحت شعار "الجزرة بدون عصا"!
من أمثلة هذه الديمقراطيات العالمثالثة "الحية" ما يجري على مستوى "القمة" (الترشح للرئاسة), وأخرى تجري على مستوى "القاع" (وأمثلتها متعددة منها انتخابات البرلمانات وأدناها النقابات المهنية). وانتخابات "القمة" و"القاع" تشتركان في العديد من الصفات, ويمكن ببساطة توصيفها بديمقراطية "الإمتطاء" أو ديمقراطيات "التيك أويه". فعلى مستوى "القاع" ثمة ديمقراطيات, أو "أعراس" ديمقراطية, تدور رحاها, دوريا, في مجمعات النقابات المهنية, يتعاقب فيها على "امتطاء" مصالح الناخبين, مرشحون مستقلون, وحزبيون, من أقصى اليمين إلى اليسار - وما بينهما. هذا "العرس" الديمقراطي "الإمتطائي", يشارك فيه "الممتطون" من الأحزاب, السياسية, بقوائم, وفرق, ومؤخرا, كما يجري في بعض النقابات, كالأردن مثلا من معايشة واقعية لكاتب هذه السطور, بتحالف "براغماتي" على شكل "قائمة موحدة" مع مرشحين من قوائم ذات لون فكري, مختلف, ومتلوّن. ومن اللافت أن هذه المجالس باتت في السنوات الأخيرة "منتخبة" من نسبة لا تزيد عن 10% من الهيئات العامة, في ضوء إحجام أكثر من 90% لا تمارس حقها بالتصويت, فضلا عن أن الفائزين في غالب الأحيان لم يجاوزوا حاجز النصف لمن حضر التصويت. وهذا يشير لأن هذه "الديمقراطيات" المزعومة لم تعد كونها إنتاجا لإحدى تمظهرات "اللامبالاة" أو ما يسمى بلغة الديمقراطية الغربية (apathy) - وهي "لامبالاة" أشد وأنكى من "لامبالاة" بنجامين جورج أورويل, الساخرة والنائية عن مرارة الواقع!
وبعيدا عن هذه المقدمة, بسخريتها المريرة, فاللامبالاة رغم أنها حق ديمقراطي, إلا أن لها قصة تاريخية في الوعي الغربي, وهي ممارسة, ممقوتة, تقرع أجراس الإنذار في المجتمعات التي تؤمن بالفكر المستقل, والإيجابي, للفرد, ضمن مجتمعه. فضلا عن أنها, كأحد احتمالات الديمقراطية بجانب التصويت بنعم أو لا, تعتبر, كفعل استنكاف, ممارسة "سلبية". واللامبالاة في العرف الديمقراطي لها قصة تاريخية تعود لإحدى بلديات بلغاريا حين أحجم السكان عن الذهاب لصناديق الإقتراع لاختيار العمدة. وهي قصة تقرع وجدان الناخب الغربي, وتكرس الحس بأهمية صناعة المجتمع الذي يعيش فيه. ففي إحدى قرى بلغاريا, قديما, استنكف أهلها عن المشاركة في انتخاب عمدة بلدتهم الجديد, إذ تساءلوا بينهم عن جدوى اختيار مرشح سيفوز قطعا. وفي صبيحة اليوم التالي قادهم الفضول لسؤال عابر "غير مكترث" عن عمدة بلديتهم الجديد, فخرج لهم العمدة السابق "بحمار" وأخبرهم أنه كان ما تمخض عنه الإقتراع بالأمس. فعجبوا واستهجنوا ما سمعوه من العمدة, فصاح بهم: إن لم تكترثوا بممارسة حقكم في الإقتراع فلم تعجبون من النتيجة! ولذلك فحينما لم تجاوز عام 2001 نسبة الناخبين في الإنتخابات العامة في بريطانيا حاجز 59% من الشعب البريطاني, حين لم يروا بين حزب العمال الحاكم وبين حزب المحافظين أو حكومة الظل فرقا, قامت الدنيا ولم تقعد, وأظهرت الصحافة البريطانية ميلا لأن عدم اكتراث الشعب بالاقتراع, يبدو كحكم "مسبق" وغير مباشر على النتيجة و"شرعية" الحزب الحاكم وما تمخضت عنه النتيجة "المنقوصة" بغياب ثلث الشعب عن صناديق الإقتراع.
وبرغم أن الاستنكاف عن ممارسة الحق الديمقارطي أمر ممكن, وله حدود, ولكن حين يستنكف أكثر من 90% من الناخبين, لا يمكن اعتبار ذلك ضمن مصطلح "اللامبالاة" في الديمقراطيات المعروفة, بل قد يصبح, وبخاصة مع تكراره, ممارسة لا تعريف لها في أية "ديمقراطية" في العالم, وترمي بالعملية كلها في أتون غير معرّف وغير صالح للاستهلاك البشري المنطقي الديمقراطي؟ ومن هذا المنطلق كيف يمكن اعتبار مرشح فائز بحوالي 400 صوتا ممثلا لأكثر من 7000 أو 15000 ناخب من الهيئة العامة؟ ألا يمكن أن تعني هذه النتيجة أن الهيئة العامة تعبر ضمنيا عن رفضها للعملية برمتها وما يتمخض عن قانون انتخاب تم وضعه في الستينيات, عصر التواصل بالحمام الزاجل, أيام كان عدد الهيئة العامة التي لا يجاوز بضع مئات, حين كان الإستنكاف ليس ذي أثر ملموس مهما كانت نسبته بين 700 عضو آنذاك؟
فالديمقراطية هي استحقاق كامل, تؤخذ كمنظومة لا بانتقائية منقوصة. والديمقراطية هي عملية منهجية لها مراحل متراكبة, وبها نظام مراقبة ومحاسبة صارم يضع كل شيء تحت الشمس. أما أن تؤخذ كشكل من أشكال "الأعراس" الموسمية, فقد يشي هذا التوصيف, وهو الواقع, بأنها "ديمقراطية" على مبدأ أقرب لمفهوم "تيك أوي" (take away), أو "أدل بصوتك أيها الناخب مرة كل ثلاث سنوات ومع السلامة". ولذا فمن أجل أن تكتمل "الديمقراطية", كعملية كاملة, لا بد من جهة رقابية, مستقلة, أو منافسة, تضبط إيقاع الفائز وتحسب عليه حركاته وتحصي عليه أنفاسه, والأهم هو ضرورة أن يقدم المجلس المنتخب مع نهاية "خدمته" للهيئة العامة التي انتخبته "كشف حساب" بالأعمال والإنجازات والهفوات, والغفوات, والسهوات, وما اختلط بين "العام" وبين "الخاص" - أو بين الإمارة والتجارة والشطارة. وبغير ذلك, وفي غياب وجود نظام محاسبة ومراقبة عن كثب وضمن مراحل على مدى فترة الإنتخاب, فسيكون من السهل اختلاط المصالح (conflict of interests), وتجيير المنافع. والسؤال الذي يطرح وبقوة: كيف يمكن لمجلس منتخب من 10% من الناخبين, وفي غياب لجنة مراقبة محايدة أن يكون هو القاضي والحكم بين الخصومات المهنية, وأعضاء المجلس مزاولون للمهنة ولهم مصالح مهنية خاصة في السوق المحلي؟
ومقابل هذه الأطروحة والتساؤلات, قد يقول قائل: "فما هو الحل إذن؟" والإجابة البسيطة هي أنه لكي تكون هناك "ديمقراطية" حقّه, وكي نأخذها على وجهها الممارس في العالم الغربي, وللعالم الغربي باع وذراع وخبرة تاريخية, ينبغي ويتوجب وجود "منافس", أو "حكومة ظل", أو "مجلس ظل للشعب". وذلك يعني بكلمات مبسطة, أن الفائزين السبعة الأوائل يشكلون "مجلس الشعبة", والسبعة الذين يلونهم في عدد الأصوات يشكلون ما يسمى "بمجلس الظل", وللمجلس الأخير صلاحيات ومهام منها مراقبة أداء "مجلس الشعبة" ووضعه تحت المجهر وأمام الهيئة العامة بشكل دوري, فضلا عن ضرورة المساءلة المستمرة أسبوعيا أو شهريا على غرار الديمقراطيات في العالم, كي يعرف هؤلاء المرشحون للعمل العام هو تكليف ومساءلة لا تشريف واستئثار بسلطة القانون باسم الديمقراطية!
وقد يقول قائل إن التنافس في عالمنا العربي لم يصل لدرجة الإقرار أو "الإعتراف" بوجود "الآخر" أصلا, وقد تدخل فيه المصالح والأهواء الشخصية, فثقافة الديمقراطية العربية قد تعني, التربص, والكيدية, والشخصنة, والإفتراء, والتجني, وبخاصة بين أفراد أو فئات متضادة الفكر والمعتقد تعتمد عموما "ثقافة الإقصاء", وانتقاص وازدراء الآخر, ومحاولة طمسه وتهميشه, وتسفيه برامجه وفكره, والأنكى أن كل ذلك يجري في غياب قواعد ناظمة, مهنية, وأخلاقية تضبط إيقاع اللعبة, وتحترم أصولها. والحقيقة أن في هذا الطرح واقعية مريرة, ولذلك هناك مدرسة أخرى تنادي بالأطروحة التالية, الراديكالية الجذرية التي ملخصها "إلغاء فكرة تمثيل مجلس للشعبة واعتماد فكرة التمثيل "الشخصي" لكل فرد من أفراد الهيئة العامة ضمن نظام استفتاء منتظم ودوري عبر التواصل الإلكتروني, واعتماد تمثيل الفرد لنفسه والتصويت على القرارات التي يرفعها أكثر من 10 اشخاص من الهيئة العامة لموظفين دائمين قوام توظيفهم يعتمد الخبرة المهنية المحضة وليس الإنتماء الفكري أو الحزبي". وهذا الطرح يتماشى مع توجه العالم, كما في سويسرا مثلا, والطرح الفكري النظري الغربي الذي يستشرف المستقبل, الذي بات يسعى إلى "إلغاء" طبقة صناعة القرار البراغماتية تاريخيا والتي أثبتت أنها طبقة غير مرغوب بها ما فتئت تتحكم بمصائر مجتمعات قلدتها ثقتها استنادا لمبادئ الديمقراطية الحالية. ولذلك فبحسب مرسوم هذه الأطروحة هناك توجه لخلق مجتمعات ذكية, أقرب منها للتجانس من المفهوم التقليدي الذي يكرس فروقات مهنية اعتمادا على مبدأ تقسيم الوظائف بالمجتمع (division of labour), والذي يتلاشى نسبيا في مجتمعات ذكية مصغرة ضمن المجتمع الكلي. ولذلك فحتى تفويض مجموعة "مجمع" عليها بنسبة "الأغلبية" للقيام بمجموعة من الوظائف نيابة عن الأغلبية من المجتمع لأسباب تتراوح بين "القدرة النسبية", والتفرغ, والثقة, حسب نظام الإستفتاء الحالي, لا يجب ولا ينبغي أن يلغي حق "الأغلبية", بعد إعطاء صوتها لمرشح ما, من الرجوع لها "باستفتاء" عام وشعبي في مسائل تخصها وتعتبر مفصلية في تقرير مصيرها.
وسواء اعتبرت المجالس "المنتخبة" والتي هي فعليا "غير منتخبة" ممن استنكف عن التصويت, شرعية أم غير شرعية, فلا بد من العمل على تعديل القانون الأساسي الذي ينظم عملية هذا "العرس الديمقراطي" لحل "أزمة" استنكاف الفئة الغالبة من الهيئة العامة, وكذلك النظر بأثر رجعي لكل القرارات التي صدرت, ومحاسبة المجالس على أدائها. أما في الوقت الحالي على الأقل فيتوجب, وبشكل عاجل, تحجيم صلاحيات "لجان الشعب المنتخبة", وتحديدها بما يتناسب مع عدد الناخبين الحالي الذين صوتوا لصالحهم مقابل نسبة الهيئة العامة التي استنكفت والتي سيؤثر فيها أي قرار يصدر عن هذه المجالس "المنتخبة"\ "غير المنتخبة".
وإلى أن يأتي اليوم الذي يتحقق فيه حلم "إقصاء" وإلغاء هذه المجالس بقوانين عصرية ومتطورة تعيد للهيئة العامة قدرتها على تمثيل نفسها, سيكون من الحتمي والضروري تعديل القانون الحالي على الأقل, "قانون ما قبل الحمام الزاجل", في الوقت الذي نعيش فيه في عصر الإنترنت وعولمة الإتصالات التي تصل لكل فرد في الهيئة العامة عبر البريد الإلكتروني في أي بقعة من هذا العالم المتضائل. ألا تجبى الضرائب والرسوم منهم أيا كان موقعهم لتثبيت عضويتهم, أليس من العدل أن يتم التواصل معهم واحترام صوتهم وصون مصالحهم بعيدا عن شكوك البراغماتية والوصولية على حساب الكثرة العامة منهم؟ فالحمار "ماركو", وجدّه "بنجامين", رغم غموض الأخير, يظلان "أوضح" من غالبية المرشحين "الفائزين" \غير المنتخبين الساعين "لامتطاء" ظهور الهيئات العامة لحساب مصالحهم الخاصة, الفردية والحزبية, سواء بسواء!

د. وليد أحمد السيد



أعلى





إطلالة وراق
جحا المحترم

يتبادل الناس في مجالسهم، ويتناولون في مجلاتهم طرائف جحا، بل ويخترع الكثيرون حكايا مضحكة ويلصقونها بشخصية جحا، وهم لا يعلمون بصدق من هو جحا، ولا يتثبتون من تلك الحكايا الساخرة من حيث صحتها أو انتحالها.
وفي هذه الإطلالة نقف موقف المنصف لهذه الشخصية التي من عرفها، لم يملك إلا التوقف عن تداول الحكايا الكاذبة عليه، بل ويكن له التبجيل والاحترام.
ان كتب التاريخ والأدب والتراجم تثبت ان جحا شخصية حقيقية لا خيالية بل هو تابعي جليل، واحد رجال الحديث ونقلة السنة النبوية.
ولد جحا سنة ستين من الهجرة (60هـ) وعاش أكثر عمره في الكوفة وتوفي سنة (160هـ) في خلافة أبي جعفر المنصور بالكوفة.
ترجم له الامام الذهبي ـ رحمه الله ـ بقوله (أبو الغصن صاحب النوادر دجين بن ثابت اليربوعي، رأى دجين أنسا ـ ابن مالك رضي الله عنه ـ قال عباد بن صهيب: حدثنا أبو الغصن جحا ـ وما رأيت أعقل منه).
واما ابو الفرج ابن الجوزي فوصفه بقوله (روي عنه ما يدل على فطنة وذكاء، الا ان الغالب عليه التغفيل، وقد قيل: إن بعض من كان يعاديه وضع له حكايات والله أعلم، عن مكي بن ابراهيم البلخي (ت 215هـ) انه كان يقول: رأيت جحا رجلا كيسا ظريفا، وهذا الذي يقال عنه مكذوب عليه، وكان له جيران مخنثون يمازحهم ويمازحونه فوضعوا عليه).
وترجم له أمير المؤمنين في الحديث الامام البخاري ـ رحمه الله ـ وغيره من أهل الحديث.
وقد ألف جلال الدين السيوطي (911هـ) كتابا عن جحا سماه : (ارشاد من نجا الى نوادر جحا)، ذكر فيه جوابا عن مستفسر بشأن الحكايا المأثورة عن جحا، فقال: (وغالب ما يذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصل له) واثبت انه كان تابعيا وكانت أمه خادمة لأم أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ وقال: (فلا ينبغي لأحد ان يسخر به اذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة، بل يسأل الله ان ينفعه ببركاته) ونقلوا عنه علوما جمة وكرامات.
وللعلم فإن هنالك أكثر من شخصية عرفت بجحا، ولكنهم كلهم أصحاب فضل وعلم فهنالك جحا الأتراك وهو نصر الدين خوجة فقد كان معلما وفقيها وقاضيا، ولد عام (605هـ) في قرية خورتو بتركيا، وكان قاضيا وخطيبا واماما، كما أنه كان معروفا بالكرم، فقد كان يحرث ويحتطب بيده ويستقبل الضيوف ويكرم الغرباء والفلاحين.
وكان من كبار علماء الأحناف وله أكثر من ثلاثمائة تلميذ، وعرف بمواعظه وارشاداته المؤثرة والتي كان يأتي بها في قالب النوادر والنكات الظريفة التي لم تزعزع مكانته في قلوب عامة الناس.
وله مواقف جريئة في التصدي لتيمورلنك، توفي عام (683هـ) وقبره معروف في آق شهر الكبرى.
والجدير بالذكر ان اول من ذكر جحا في مؤلفاته هو الجاحظ، ذكره في كتاب البغال.
وأيا كان فينبغي علينا توقير رجال الدين والمصلحين، سواء كان جحا الكوفي أم جحا البصري أم جحا التركي أم جحا المصري أم جحا العماني فإن من أخلاق المسلمين عدم السخرية، يقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم).
وقال احدهم أظن أن جحا من أصحاب الجنة، لكثرة مغتابيه والساخرين منه، لأنه يأخذ من حسناتهم ويطرح عليهم من سيئاته.
وان الحديث عن جحا يجرنا للحديث عن شخصية أشعب المعروف بالطامع وكونه طفيليا وصاحب نوادر ومجون.
وهو الملقب بأشعب الطامع، ذكر الخطيب البغدادي ان اسمه أشعب ابن أم حميدة مولى عثمان وكنيته أبو العلاء وأمه جعدة كانت مولاة لأسماء بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ وكان من أهل المدينة النبوية وأدرك زمن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وكان له نوادر مأثورة وأخبار مستطرفة، فلذا كان يلقب بالمُلحي لكثرة مُلحه وطرائفه.
ولما قيل له: لقد طلبت العلم فحدثنا، فقال: سمعت عكرمة يقول: سمعت عبدالله بن عباس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (خلتان لا يجتمعان في مؤمن) ثم سكت، فقالوا له: ما الخلتان؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة، ونسيت أنا الأخرى.
وكان خال الأصمعي، وخال الواقدي صاحب السير.
ومن طرائفه أنه أتى بيت سالم بن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لما سمع انه رجع من منتزه ومعه طعام، فوجد الباب مغلقا فتسور الحائط فقال له سالم: ويلك يا أشعب معي بناتي وحرمي، فقال: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد، فأعطاه سالم من الطعام ما أكل وحمل الى منزله.
ومن طرائفه ما ذكره الامام الشافعي ـ رحمه الله ـ أن اشعب مر في طريق فأزعجه الصبيان والتفوا حوله فأراد ابعادهم عنه فكذب عليهم وقال: في منزل فلان يوزع الطعام والجوز فركض الصبيان الى المنزل الذي قال لهم، فلما رآهم مسرعين قام يسرع ويركض معهم، عسى ان تكون الكذبة صدقا.
ومر أشعب برجل يصنع صحنا فقال له: اجعله واسعا لعلهم يهدون إلينا فيه.
ونقل ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق عن أشعب انه قال: ما خرجت في جنازة قط فرأيت اثنين يتساران إلا ظننت ان الميت قد أوصى لي بشيء.
ونقل ابن خلكان في وفيات الأعيان انه قيل لأشعب: هل رأيت أطمع منك، قال: نعم شاة كانت لي على سطح فنظرت الى قوس قزح فظنته حبل قت فأهوت إليه واثبة من السطح فأندق عنقها.
وذكر ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ان أشعب توفي سنة (154هـ).
وبالمناسبة نذكر قراقوش الذي يتناقل الناس عنه مضرب المثل في الجور في الاحكام، وينسبون له الجهل والغباء، وفي الحقيقة انه شخصية محترمة، كان له دور كبير في التاريخ، حيث انه ساعد صلاح الدين الأيوبي في انجازاته، وذكر المقريزي أنه بنى قناطر الجيزة التي هي من عجائب البنيان، وقام بتجديد بناء جامع قيدان وجدد حوض السبيل فيه خارج القاهرة.
وقد كان الساعد الأيمن لصلاح الدين فبعد فتح عكا أمر قراقوش بتعميرها بذكائه وفهمه، وعندما أسر قراقوش من قبل الفرنج فداه صلاح الدين بعشرة آلاف دينار كما ذكر ابن تغري بردي، ثم اصبح نائبا لحاكم مصر على القاهرة، وتوفي سنة
(597هـ).
وسبب تشويه سمعة قراقوش هو قرينه الحاسد له وهو ابن مماتي الذي ألف كتابا سماه (الفاشوش في أحكام قراقوش).
فأنبرى بعض المؤرخين لبيان الحقيقة المشرقة، ومنهم العماد الأصفهاني في كتابه (فتح القسي في الفتح القدسي) ووصفه بأنه قائد الجيوش. وكذلك ألف احد المعاصرين وهو صالح محمد الجاسر كتابا سماه (قراقوش المظلوم حيا وميتا).
وهكذا نجد الكثير من الجنايات على شخصيات تاريخية بسبب صراع الأقران او الحسد او غير ذلك من الاسباب، وممن ظلم ايضا الخليفة الصالح هارون الرشيد، وكذلك معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين وذو النورين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنهما ـ وصدق ابن الوردي إذ قال في لاميته:
لا يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة على رأس جبل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
فالإنصاف الانصاف والعدل العدل.

د. إبراهيم بن حسن البلوشي



أعلى





كعب بن معدان الأشقري


هو كعب بن معدان الأشقري، والأشاقر : قبيلة من أزد عُمان، وأمه من عبدالقيس، شاعر فارس خطيب معدود في الشجعان، من أصحاب المهلب والمذكورين في حروبه للأزارقة، وأوفده المهلب إلى الحجاج، وأوفده الحجاج إلى عبد الملك.وعن قتادة قال: سمعت الفرزدق يقول: شعراء الإسلام أربعة: أنا وجرير، والأخطل، وكعب الأشقري..وروى المتلمس أيضا عن الفرزدق أنه قيل له: يا أبا فراس، أشعرت أنه نبغ من عُمان شاعر من الأزد يقال له كعب? فقال الفرزدق: إي والذي خلق الشعر. وعن أبي عبيدة قال:كان عبد الملك بن مروان يقول للشعراء:تشبهوني مرة بالأسد،ومرة بالبازي،ومرة بالصقر،ألا قلتم كما قال كعب الأشقري في المهلب وولده:


براك الله حين براك بحراًوفجّر منك أنهاراً غزارا بنوك السابقون إلى المعاليإذا ما أعظم الناس الخطارا كأنهم نجوم حول بدرتكمل إذ تكمل فاستداراملوك ينزلون بكل ثغرإذا ما الهام يوم الروع طارا رزان في الأمور ترى عليهممن الشيخ الشمائل والنجارا نجوم يهتدى بهم إذا ماأخو الظلماء في الغمرات حارا


أعلن ما تسر من الوجدلسعيد بن عبدالرحمن


أبائنةٌ سعدى ولم توف بالعهد
ولم تشف قلباً تيمته على عمد
نعم أفمودٍ أنت إن شطت النوى
بسعدى وما من فرقة الدهر من رد
كأن قد رأيت البين لا شيء دونه
فم الآن أعلن ما تسر من الوجد
لعلك منها بعد أن تشحط النوى
ملاقٍ كما لاقى ابن عجلان من هند
فويل ابن سلمى خلةً غير أنها
تبلغ مني وهي مازحةٌ جدي
وتدنو لنا في القول وهى بعيدةٌ
فما إن بسلمى من دنو ولا بعد
ومهما أكن جلدا عليه فإنني
على هجرها غير الصبور ولا الجلد
إذا سمت نفسي هجرها قطعت به
فجانبته فيما أسر وما أبدي
كأني أرى في هجرها أي ساعةٍ
هممت به موتى وفي وصلها خلدي
ومن أجلها صافيت من لا تردني
عليه له قربى ولا نعمةٌ عندي
وأغضيت عيني من رجالٍ على القذى
يقولون أقوالاً أمضوا بها جلدي
وأقصيت من قد كنت أدني مكانه
وأدنيت من قد كنت أقصيته جهدي
فإن يك أمسى وصل سلمى خلابةً
فما أنا بالمفتون في مثلها وحدي
فأصبح ما منتك ديناً مسوفاً
لواه غريمٌ ذو اعتلالٍ وذو جحد
تجود بتقريب الذي هو آجلٌ
من الوعد ممطولٌ وتبخل بالنقد
وقد قلت إذ أهدت إلينا تحيةً
عليها سلام الله من نازح مهدي
سقي الغيث ذاك الغور ما سكنت به
ونجداً إذا صارت نواها إلى نجد


لأنه أعطى على جهدروى الهيثم بن عدي قال: تمارى ثلاثة نفر في الأجواد، فقال رجل: أسخى الناس في عصرنا هذا عبد الله بن جعفر، فقال الآخر: أسخى الناس: قيس بن سعيد بن عبادة، فقال الآخر: بل أسخى الناس اليوم عرابة الأوسي، فتنازعوا بفناء الكعبة، فقال لهم رجل: لقد أفرطتم في الكلام، فليمض كل واحد منكم إلى صاحبه يسأله حتى ننظر بما يعود، فنحكم على العيان، فقام صاحب ابن جعفر فوافاه، وقد وضع رجله في ركاب راحلته يريد ضيعة له، فقال الرجل: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سبيل ومنقطع به، قال: فأخرج رجله، وقال: ضع رجلك واستو على الناقة، وخذ ما في الحقيبة، وكان فيها مطارف خز وأربعة آلاف دينار،ومضى صاحب قيس، فوجده نائماً فقالت له جارية قيس: ما حاجتك، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، فقالت له الجارية: حاجتك أهون من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس اليوم غيرها، وامض إلى معاطن الإبل، فخذ راحلة من رواحله، وما يصلحها، وعبداً، وامض لشأنك، قيل: إن قيساً لما انتبه أخبرته الجارية بما صنعت، فأعتقها، ولو لم تعلم أن ذلك يرضيه ما جسرت أن تفعله، فخلق خدم الرجل مقتبس من خلقه، قال بعض الشعراء:


وإذا ما اختبرت ود صديقفاختبر وده من الغلمان


ومضى صاحب عرابة، فوجده قد خرج من منزله يريد الصلاة، فقال: يا عرابة ابن سبيل ومنقطع به. وكان معه عبدان، فصفق بيده اليمنى على اليسرى، وقال: أواه أواه، والله ما أصبح ولا أمسي الليلة عند عرابة شيء، ولا تركت له الحقوق مالاً، ولكن خذ هذين العبدين، فقال الرجل: والله ما كنت بالذي يسلبك عبديك، فقال: إن أخذتهما، وإلا فهما حران لوجه الله تعالى، فإن شئت، فأعتق، فأخذ الرجل العبدين ومضى،ثم اجتمعوا وذكروا قصة كل واحد، فحكموا لعرابة لأنه أعطى على جهد.


آفة العقل!!قال أبو عثمان البصري ‏:‏ كان أخوة ثلاثة أبو قطيفة ،والطبلي ، وأبو كلير ... وهم ولد غياث بن أسيد، فأما أحدهم فكان يحج عن حمزة بن عبد المطلب ويقول‏:‏ استشهد قبل أن يحج ، والآخر يضحي عن أبي بكر وعمر ويقول‏:‏ غلطا في ترك الأضحية ، والآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق ويقول‏:‏ غلطت في صوم أيام العيد فمن صام عن أبيه فأنا أفطر عن أمي عائشة‏.‏


إياك وهذه النذورالمدائني قال: قدم المهلب من بعض غزواته، فلقيته عجوزٌ من الأزد فقالت: أيها الأمير، أسألك بالله والرحم إلا وقفت فوقف، فدنت وقبلت يده وقالت: هذا نذرٌ كان علي، إني نذرت علي لله أن أقبل يدك إن قدمت سالماً وتهب لي أربعمائة درهم وجارية صغديةٌ تخدمني. فضحك وقال: أما نحن فقد وفينا بنذرك؛ ادفعوا إليها ذلك، وإياك يا أماه وهذه النذور؛ فليس كل أحد يفي لك بها وينشط لتحليلك منها.


أي حزم
كان رجل له مال كثير، وكان لا يقدر أحد على أن يأتي عليه في أمر؛ لشدة حزمه، وكان يقول لمن عليه أمر: ضيعت الحزم، فاتفق جماعة على أن يفعلوا معه أمراً يقولون له بسببه: ضيعت الحزم، فأتوا داره ليلاً، وأخذوا خادمه وربطوها، وقالوا لها: إن لم تصيحي على سيدك، وتقولي له: أصابني وجع، وأنا أجد الموت فاخرج لي، وإلا قتلناك، ففعلت الخادم وجعلت تصيح به، فقالت له زوجته: اخرج إليها، وانظر ما دهاها، فقال: لا أفعل، فقالت: دعني أنا أخرج إليها، قال: لا يفتح بابي بالليل، قالت: فدعني أناولها معجوناً من تحت الباب، قال: افعلي، فأخرجت يدها من تحت الباب بالمعجون، فقبضوا على يدها، وأوثقوها بشريط، فاستغاثت بزوجها، فقال لها: ألم أقل لك: ضيعت الحزم، فقالوا له: إن لم تعطنا كذا وكذا، وإلا قطعنا يدها، فقال لهم: إن أعطيتكم ما طلبتم وزيادة، والله أنكم تطلقونها؟ قالوا: نعم، قال: فاذهبوا إلى الموضع الفلاني فاحفروا، فذهب بعضهم وحفر، فوجد إناء فيه ألف دينار كما طبعت، فأخذوها، وأطلقوا يد المرأة، واقتسموا الدنانير وانصرفوا، وكان هو قد صنع تلك الدنانير مدلسة، وأعدها لمثل ما جرى له، فلما أصبح الصباح انتظروه يعلم الناس بما جرى له، فيقولون له: ضيعت الحزم، فلم يعلم أحد بذلك، ثم ذهبوا، وتصرفوا في تلك الدراهم، واشتروا بها أسباباً وحوائج، ووقع الناس على دلسها، فرفعوا إلى الحاكم، ودخلت ديارهم، فوجدوا باقي الدراهم بها، فضربوا وطوفوا فلقيهم، وقال لهم: ضيعتم الحزم، فلا حملتم الميلق معكم؟ فعلموا أنه لا يقدر له أحد؛ لشدة حزمه.




أعلى





رَوَانْ

إلى الطلفة روان
من غديتي نبض قلبي .. والحكايه ..
ما لها آخر.. وتتنفس هَواك
يا روان الحُبّ يا غاية مُنايه
يا روان العشق من أعشق سَواك !
في هجيري البرد في بردي دفايه
ومن قيود الحزن تعتقني شفاك
يا قمر يَغْسِل ضَيا نورك سَمايه
يا زهر تتعطّر الدُّنيا بْشذاك
ما لغيرك شوقها تْبوح المرايه
من عَطاك السَّحر هَذا من عَطاك ؟!
في وطن ذاتي غَريب ..وكنت تايه
وْداخلي اتْشجّر وَطَن لمّا لقاك
ياحَنين الْوَرْق يا عَبْرات نايه
يا رجا الملهوف من أقصاه جاك
يا عسى عُمرك إلى مَا لا نهايه
وكُل غالي يا نَسم روحي فداك
تضحك الدنيا إذا صرتي مَعايه
وفي يديني تْذوب يا أحلى مَلاك
يا روان أنتي على هَالكون آيه
يا عَساك العمْر كُلّه يا عساك ..

بدر الشحيمي





أعلى





جناح

* رساله الى الشاعر حمد بن هدوب الهاشمي

سلامِلك من الركن البعيد بمعبد الرهبان
من اروقة الظلام وليلها الساري مع البارق
من اجنحة القصيدة وغيمها الراكض على الكثبان
بأخيلة اللياليالمؤنساتونجمها الطارق
واما بعد ،، من فيض امنيات الشاعر الانسان
يكون انسان دون اية محافل له سناء فارق
يكون ان غاب في فم اغتيابه له حضور الشان
وله في طلته شمسِ تزاحم صبحها الشارق
تميل ان مالت اغصان الكتابهوتنشد الجدارن
عن الظلِ المسافر في تجّهم حزنه الوارق
عن البوح السخيّ الناذر لمرثية القيفان
حمايم من وجع صمت الحنين السافر المارق
صديقي كل ريشة من قصايدنا لها جنحان
توصل كل ما يرمي الخفوق بصمتها الناطق
بدون اوتار لا تطلق غناي لبحة الآذان
انا طول المدى يمتد فيني هالوطن شاهق
تموجنا الشعور وقلت هذا التيه له عنوان
زبد ملح الكلام ولا وجدنا تبرنا الغارق
على اية وجهة تمضي السفينة دونما ربان
تشبث في السماء غيمٍ او امطر لونك الغامق
عرائس فجرنا هذا الضحوك توصد البيبان
وكراس الفضاء ينهل بياضه حزننا الزارق
تعال انثال كالليل السديم ولطخّ الحيطان
تلاقي لك وطن يقرأ بعيونك مهمة عاشق
يحدق في سما هذا التجرد مايشوف الوان
تكون الغامض المبهم تكون لشرفته غالق
تطلّوتبتهج عين التصورّ داخل الاغصان
تطير وما تفارق في ضميرك طيننك العالق

خالد الداؤدي



أعلى





بحار

رزقك على الله ياطير
يالله بصباح الخير
بحار اسمي يا بحر
اسمي بيوت افحارتك
دوست خطاوي افسكتك
مليون صوت ابزجرتك
امن الصغر جيتك بحر
حطمت امواج وصخر
وقضت في صدري مراكب من طموح
لجل اغرق أفبحرك ومر
جيتك بدايات العمر
جيتك نهايات العمر
جيت البس اثيابك فخر
جيت اشتري لـْوقتي حقيبة مدرسة
واصطاد لأيامي حصص
وأجمل فرص
***
بحار اسمي يابحر
انسج خيوط البرد ساعة مولده
وإن زاد يلقاني رياح
الصيف جلدي وساعدي
ساعة صفاي وموعدي
ماينكسر مجدافي مع كل الظروف
ما يعتريني أي خوف
الخوف يشرب من بحر
بحار اسمي يابحر
سيره على مليون فم
من يشبه احساسي نغم
كل الوجوه اتسافر لـْوجهي بلا أية تذاكر
كل الوجوه اتشدني حنظل لجل تورق معابر
كل الصباحات الجميلة اتودني
كل الفصول اتودني
حتى الطيور اتودني
الساكن ابعرض السواحل والمواني
الساكن ابوسط الضماير والمحاني
المفتشي عزف وأغاني
***
من يوم وأنا فريخ بحار
أصافح الموجه وأهلي
صبحي برفقة خيط ميدار
وبحاضنة ليخي وغلي
مسجون في رزنامة اسفار
يا مال يا سنيار علي
علي شراع ودن بالطار
واعزف على نوتي وشلي
واسري معا طلعات لقمار
وقت التسامر والتسلي
هوبيس لاتخلق لك أعذار
لا ترخي الزانه وتفلي
وانا خويّك حافظ اسرار
وياك في بحري وجبلي
وياك دامني بهالكار
دام البحر ساكن بضلي
ما بنكسر لو دامت اخطار
ما بنكسر مهما حصل لي
هذا هوايه بكل لعمار
قوتي بهالدنيا وشغلي
***
حد منا في الهوى يرسي
وحد منا أيعيش غربالي
يا طويل البال والحسي
هاك عيني وجود بوصالي
البحر ثابر ومتمسي
والمراكب عز وإجلال لي
ما يجند كيفي وحدسي
غير صوت الهول يا مالي
ما يخرجني من الحبسي
غير زولك يا هوى بالي
في وصالك يكتمل عرسي
وبغيابك تثقل أحمالي
بتبعك لو هو على نفسي
بالغبيب ووسط لوحالي
راعني واقطع ضيا نحسي
وأصل أحبالك مع أحبالك
راعني وأرفق ولا تقسي
لا تشمت دوم عذالي

عبدالعزيز بن عبيد البوسعيدي



أعلى





رحلة الخيرين

أتعبني الحال من فعل الحياة والسنين
والعمر بآخر مطافه وكل وقتي تعب
ويني أنا من سوالف رحلة الخيرين
غاب اللقاء ما هو مثل اللي أحيدة عجب
وأنا كذا في أواخر عقدي الأربعين
عندي نفس باقين للسير أو أنسحب
حلاوة الشوق لا منه غزاك الحنين
للعام اللي شهد ميلاد من به تحب
أواااه ذاك الزمن قفا وراحوا لوين ؟
عهد الزمالة أكل من معطياته وشرب
عادت بي الذاكرة نشوى وحب الحنين
يحثني أرتحل والشوق طبعه غلب
ما هو سهل تفتقد ربعك بعد هالسنين
عشرة عمر رتمها ما بين طيب وطرب
جيل الثمانين لك "ف" القلب حبٍ دفين
علامة فارقة تبقى ووقتك ذهب
يروق لي أتذكر ربعي المخلصين
دايم أعيد الشريط وذكر من هو أحب
بعض الأماكن تجي "ع " البال في كل حين
ذكرى جميلة بوسط الروح ما تنسحب
ذكرى مرورن خلت في "عقبة الياسمين"
ذكرى زمان بجبل "عقبة طريق الحطب"

سعيد بن خميس الرحبي


أعلى





رهين الوعد

سفينة والشراع إنسان وتيار الزمن عاصف
ولو ثار البحر كسّر وبلل حبل طياته
ولكن للأسف وقفه ورهن القيد له واقف
إذا كان الاسف يكفي كفارة بعض سيئاته
أمل باقي حكاياته على حبل الرجا التالف
لعل الوقت تنبيهه يعيد الروح في ذاته
ضجيج وصمت ترجيحه يعادل برق يتناصف
أماني عالقه تسمو بقلبٍ ضاقت أوقاته
اساطيل الوجع تجنح على مرسى أمل خاطف
جريحة لو تشبها كعمرٍ فاقد حياته
حجب عنها الألم أجمل زمان أشواق وعواطف
حرمها الحب والبسمه ونودٍ طيب نفحاته
ترى أكثر سبايبها من اللي دربها كاشف
هجرها والهجر أصعب على أول محطاته
رهين الوعد لو عنها نظر عينه بدا صارف
أخاف أسباب تبريره تعيده لين هفواته

أحمد بن مستهيل عبيدات الشحري




أعلى





أَكثرْ من مُجرد أرقام ...

(1)
أرقامٌ تزدحم بها ورقة التقويم المعلقة على ذلك الحائط , أرقام تعج بها دفاتر الدراسة, وأرقام تجمعها وتطرحها وتضربها وتقسمها الآلة الحاسبة لتخرج إلى الوجود في النهاية أرقاما جديدة تبوح بأسرار حياتية قد تتعلق بي أنا وقد تتعلق بالشخص الآخر أو بالبقية الباقية من الناس الذين يؤكدون على عشقهم وولعهم بالأرقام ولكل واحد منهم سبب أو مجموعة من الأسباب ..
(2)
فهو يبدي تفاؤله وولعه بالرقم 3 ولما؟ ربما لأنه ولد في مثل هذا اليوم والأخرى تعشق الرقم 10 لأنه شهد يوم زفافها والآخر يتفاءل برقم معين لأنه شهد حدوث حدث سعيد بالنسبة إليه وكما يتفاءل البعض بأرقام معينة يتشاءم الآخر من أرقام معينة لأنها قد تذكرهم بأحداث مؤسفة حزينة كوفاة أحد الأعزاء أو وقوع حادث سير مؤسف (وتعددت الأسباب والمكروه واحد)..
(3)
وأينما ولينا وجوهنا سنجد الأرقام في مواجهتنا في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي كل زاوية من زوايا الأمكنة التي تمثل الأرقام أحد أبطال الحكايات التي وقعت هنا أو هناك في هذه القرية أو في تلك, في هذا الزمان أو في زمن غابر, وللأرقام كذلك مقدرة غريبة على التعبير عن فكرة معينة أو مجموعة من الأفكار بشكل مختصر وموجز من دون ذكر مجموعة كبيرة من الجمل ومن المفردات..
(4)
فالأرقام وسيلة من وسائل التعبير البسيطة والمهمة في الوقت ذاته في عصرنا الحالي الذي تعد لغة الأرقام فيه لغة هامة في جميع أشكال التعامل بين الناس الذين يصبحون ويمسون وهم يسردون أو يذكرون رقما معينا أو مجموعة من الأرقام على ألسنتهم فاليوم هو اليوم الأول من الشهر وغدا سيرحل الرقم 1 ويحل محله الرقم 2 وبعد غد سيعلن القدر رحيل الرقم 2 وميلاد الرقم 3 وهكذا دواليك يرحل رقم ويولد رقم آخر من رحم المعاناة ..
(5)
ويرحل رقم ويحل رقم آخر محله وفق نظام متناسق متسق لا يختل ولا يتغير يسير وفق آلية منظمة تسير بدقة متناهية, تلك الدقة التي تثير عنصر الإعجاب في عقولنا لترتفع حدة العشق والولع بالتعلق من قبلي أنا أو من قبلها هي أو من قبل الآخرين لذلك الرقم أو لرقم آخر مماثل أو مختلف عنه وهذا العشق الجارف إنما يعبر عن العلاقة الوطيدة والتعلق الكائن بين بني البشر وبين جمع الأرقام التي غدت تمثل عنصرا حاضرا وبقوة في سيناريوهات جميع الحكايات والروايات..

يَعقُوبْ البُوسعيدي..



أعلى





طريقٌ وصوتُ مغنٍّ ضرير

* تحية إلى سالم سالم


طريقٌ تخيَّرنا صاحبيْن
وصوتٌ لأعمى يُغنِّي نبوءاتِنا القادمةْ
سمعتُ على الجسر ما قلتَ للنهر
يا صاحبي في المساء البعيد:
بلادٌ تئنُّ على وقع أقدامنا
سنسقطُ في لُجَّةِ الخوف عمّا قريبٍ
فاخرجْ تُعِرْكَ البلادُ أناشـيدَها
وكانت موسيقاكَ من شرفة الفجر تصدحُ
وشايُكَ ذو الهال والزعفران يضيءُ لنا الصالةَ المُعتمةْ
وكان الرفاقُ يجيئونَ في الليل رفقةَ أوجاعهم
كان الحوارُ أراجيحَ للروحِ،


عزفاً أخيراً على وتر العاصفةْ
راهبٌ في البعيد سيصنعُ ليلي وليلَك
نصبُّ النبيذَ ولا نحتسي غيرَ أوهامنا
عن الحُبِّ منقسماً بين خوف العبيد وحُكَّامنا


هل قرأنا الكتابَ المقدَّسَ يوماً؟
هل قرأنا أساطيرَ أسلافنا؟
هل قرأنا أبا الطيب المتنبي ودرويشَ؟
هل قرأنا أمين؟
هل وجدنا الحقيقةَ في الحرف
أم لم نزل تائهيْن؟
نسيحُ كما الغجر الرائعين
المدينة نصٌّ حفظناهُ غيباً بأقدامنا
لا بُدَّ من شارعٍ أبديٍّ ومقهى.....


تناديك بيروت، باريس، لندن....
إلى آخر المدن الغارقة
لكنَّ ثمَّةَ باباً تُغلِّقُهُ دونَكَ العاشقة
لستَ يوسفَ حتى ترى الآيةَ الخارقة
ستحفرُ بئرَ الروايةِ، وحدَكَ، بالإبرة الحاذقة


صديقي الذي يشربُ الآنَ قهوتَهُ
في الصباح المُبكِّرْ
قُمْ فأنذرْ
طال نومُ البـلادِ فكبِّرْ
حذاؤك مهترئٌ والطريقُ طويل
كنْ هُدهُداً غجريَّ السبيل
وواصلْ بمنفاكَ منفاكَ
واسكنْ موانئَ هذا الرحيل
لتعثرَ في آخر الأغنيات
على صورة الروح وهي تسيل

جداولَ حريةٍ وانبعاثٍ
خذْها تُعِدْكَ إلى قاتلٍ... أو قتيل

محمد السناني



أعلى





ثقافة الانتخابات والديمقراطية.. ونشوة الانتصار

ما اجمله من منظر، وما ابدعه من مشهد درامي مؤثر، وانا اشاهد عبر القنوات الفضائية، جماهير الشعب الفرنسي وهم يلوحون باعلام فرنسا معبرين عن فرحتهم وسعادتهم الغامرة بانتخاب رئيس جديد لهم المرشح الاشتراكي فرانسوا اولاند الذي فاز في الانتخابات بنسبة 52% على الرئيس السابق ساركوزي من حزب اليمين منهيا بذلك سيطرة اليمين على قصر الاليزيه على مدى 17عاما. وذلك من خلال اسلوب ديمقراطي سلس دون اراقة دماء اوعمليات شغب ، واضعة مصلحة فرنسا فوق كل اعتبار. وبينما كنت اشاهد ذلك المنظر، والحشد الجماهيري بعيني، كانت عيني الاخرى، تنظر الى وطني العربي الجريح وحال العرب من الخليج الى المحيط. تنظر الى زعاماتنا التي لا ترغب ان تموت او تتنحى وهي واقفة كالاشجار السامقة الى السماء وانما تريد ان تموت على كرسي الحكم او بين الحفر والمجاري والمزابل. وبعد تدمير بلدانهم وقتل وتشريد شعوبهم، كما هو حاصل الآن في بعض الدول العريية التي شملها الربيع العربي العاصف. هذه الفلسفة في الواقع لم تعط ولم تزيد الدول العربية الا بؤسا وفقرا وتخلفا وانحطاطا في جميع المجالات، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعلى مستوى المشاركة الشعبية، وغيرها. وعندما يدهشنا ذلك الحدث المؤثر في الواقع، للانتخابات الفرنسية وفرح الجماهير الحاشدة في ميدان الباستيل العريق وغيرها من المدن الباريسية الجميلة انما نريد بذلك ان نشاطرهم ذلك الفرح والمنظر البهيج وهم يرددون احلى الاغاني واناشيد النصر وذكريات الثورة الفرنسية الخالدة ويلوحون بأعلام فرنسا وكأننا في حلم جميل وقريب سوف يتحقق في الدول العربية من خلال ممارسة العمل الديمقراطي المؤسس وحق الانتخاب الحر لكل مواطن. وهي امنية في الواقع حان لها ان تتحقق وحان لها ان تكون على ارض الواقع. فكفى الدول العربية والشعوب العربية فقرا وبؤسا على مدى عقود طويلة من الزمن. نتيجة حكم هذه الدول من قبل انظمة قمعية ودموية واستباحتها لمقدرات وخيرات الشعوب ونهب ثرواته التي حباه الله بها. فقد حان الوقت لوضع فلسفة جديدة للحكم تقوم على مبدأ الديمقراطية والمشاركة الشعبية في القرار ومن خل النخب المثقفة والمتعلمة تجعل مصلحة بلدانها فوق كل اعتبار. فكفى ان تحدد العبقرية والفلسفة والحكمة في حاكم واحد او في من يورثون من بعدهم. فالعالم اليوم في عصرنا الحديث يتجه الى بناء دولهم وشعوبهم وتطوير التجربة الديمقراطية والاهتمام بالتقدم العلمي وبالثقافة ولايعيرون اي اهتمام للمناصب التراجيدية والديكورية الفخمة التي ترهق بلدانهم وشعوبهم نتيجة صرف مليارات الدولارات من الموازنة. ان لكل شيء حدودا ولكل شيء نهاية. وعندما يهزنا في الواقع ذلك الحدث، الانتخابي في فرنسا انما يعطينا درسا وصورة لما يقوم به الغرب من ممارسة ديمقراطية حقيقية تعطي السلطة لمن يقدم الشيء الجديد والمفيد لبلدانهم وشعوبهم من خلال برنامج يساهم في تحقيق نقلة نوعية في المجال الاجتماعي والاقتصادي واي شيء يحقق مصلحة الشعوب والاجيال.

محمد الرحبي


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept