|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*هل المحادثة الهاتفية
بين الرجل والمرأة إن كان فيها شيء مما يثير وهما على أهبة العقد أو
الزواج ولكن قبل العقد تسبق مكالمات قد يكون فيها أحياناً شيء من الإثارة؟
**كل ما يثير قبل وقوع الزواج بين الزوجين فذلك يمنع، كل ما يثير يؤدي
إلى فتنة، وكم من رجل خادع امرأة بأساليب من هذه الأساليب حتى أوقعها
في الفخ ورزأها في أعز ما تملك ثم رفسها بعد ذلك باحثاً عن أخرى، فلذلك
يجب تفادي هذه الكلمات المثيرة، ولو كانت بينهما محادثة يجب أن تكون
هذه المحادثة بوقار، وأن تكون هذه المحادثة بعيدة عن الإثارات.
*هناك في بعض المواقع الالكترونية غرف للمحادثة وقد يدخلها اثنان فقط
ويكون السبيل إلى دخولها أرقام سرية ربما يقتصر على هذين الاثنين ولا
يسمحان لغيرهما بالدخول، قد يكون الداخلان رجل وامرأة، فما حكم هذا
الوجود الالكتروني المغلق وقد يتأتى أحياناً الرؤية بالصور، فما حكم
هذا الاختلاء عبر هذه المواقع؟
**على أي حال إن كان لا يرى بعضهما بعضاً، ولا يمكن أن تمتد يد أحدهما
منهما إلى الآخر فهذه ليست خلوة.
ولكن مع هذا إن كان الحديث حديثاً مثيراً يؤدي إلى فتنة فيجب أن يُمنع
ذلك ما بين الرجل والمرأة خشية العواقب الوخيمة التي يؤدي إليها مثل
هذا الحديث، وعلى كل منهما أن يتقي الله تبارك وتعالى في ما يقول،
وأن يتيقن أن معه من يسجل عليه كل ما يصدر منه (مَا يَلْفِظُ مِنْ
قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18).
*قد يرد خبر معين عن طريق الرسائل الهاتفية ويتناقله
الناس بحكم اطمئنانهم إلى صدق ذلك الخبر كأخبار الوفاة ونحوها، فهل
في ذلك من بأس؟
**إن كان الخبر غير مشكوك في صدقه وليست هنالك ريبة في نقله فلا يمنع
من نقله، أما أن ينقل الإنسان كل هب ودب وكل ما يُرسل إليه وكل ما
يقال له فهذا غير سائغ لأنه جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: كفى
بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع. فالإنسان يعتبر كذاباً إن كان يحدث
بكل ما سمع بحيث لا يطمئن إلى صدق الحديث الذي حُدّث به.
*أحياناً تُتناقل رسائل عبر الهاتف عاطفية فيها
زخم عاطفي كبير قد لا توائم مستوى الذي في نفس وشعور ذلك المرسل، والمستقبل
يعلم أن هذه الرسائل يتداولها الكل، ويعلم أنها لا تعبر بالضرورة عن
المستوى العاطفي الذي يكنه له المرسل، فهل في هذا نوع من الكذب بين
المرسل والمستقبل؟
**كل ما كان إخباراً عن الشيء على خلاف حقيقته، أو على غير حقيقته،
أو دون مستوى حقيقته، أو فوق مستوى حقيقته فهذا يُعد من الكذب، فلا
يجوز استعمال ذلك.
سؤال (تابع)
*وإن كان متعارف بين الناس؟
**لا عبرة، قد يتعارف الناس على كذبة ما وتكون مألوفة عندهم ولكن مع
ذلك لا تسوغ، كما هو مشهور في كذبة إبريل وغير ذلك من الأكاذيب التي
يستعملها الناس، لا يسوغ الحديث بغير الواقع.
*ما حكم إرسال رسالة فيها شيء من العاطفة من قبل رجل أو امرأة للطرف
الآخر وهما أجنبيان؟
**هذا كما سبق من قبل. حسب المرأة إن كانت راغبة في الرجل أن تعرض
عليه الزواج من غير أن تستثير عواطفه بحديث أو برسالة فيها ما يثير
العواطف لأن ذلك قد يؤدي إلى فتنة والعياذ بالله.
وكذلك الرجل إذا رغب في المرأة فإن أراد أن يوجه إليها رسالة من غير
استثارة لعواطفها، أما الرسائل المثيرة للعواطف فهذا باب يجب أن يُغلق
وكثيراً ما يؤدي ذلك إلى الفساد والعياذ بالله.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
رؤية منهجيّة في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة
المعاصرة
(1ـ 6)
تجديد الأفكار والأنظار يتطلب إعادة الحيويّة
والقوة إلى منطلقاتها الفكريّة
التقنين منهجيّة علميّة تتعامل مع الاجتهادات
والأفكار والأنظار تعاملا منهجيّا موضوعيّا
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني: نظراً لتطور
الحياة المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن
يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي، فالعلماء السابقون لم يدخروا
جهداً في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث
الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة
الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة،
وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة
العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان (التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان (في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة
المعاصرة رؤية منهجيّة) للأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو.
نائب رئيس مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ بمنظمة المؤتمر الإسلاميّ
بجدّة ووكيل الجامعة الإسلاميّة العالميّة بماليزيا لشؤون الابتكارات
العلميّة والعلاقات الدوليّة ونائب الرئيس الأعلى للمعهد العالميّ
لوحدة الأمة الإسلاميّة بماليزيا وأستاذ دكتور للفقه وأصوله والماليّة
الإسلاميّة بالجامعة الإسلاميّة العالميّة بماليزيا. وقد قسمت بحثه
إلى ست حلقات، الجدير بالذكر لقد قمنا سابقاً بنشر مجموعة من البحوث
واليوم نواصل هذه القراءة للاستفادة منها...
المصطلح والعلاقة
يقول سانو: في بداية بحثه الأول في الفقرة الأولى في مصطلح التقنين
في الدراسات المعاصرة: لقد أسلفنا القول بأنّ التجديد المنشود في الفكر
الإسلاميّ المعاصر يروم تعهّد مسائل هذا الفكر، ومباحثه، وموضوعاته،
وقضاياه بالمراجعة العلميّة الدائبة والتطوير المنهجيّ المستمر بغية
إعادة الحيويّة والقوة والديناميّة إليه، وتمكينا له من تحقيق مقاصده،
ومواكبة متطلبات العصر، ومجابهة تحدّيات المستقبل، كما سبق أن أوضحنا
بأنّ التجديد بمفهومه العامّ يعدّ إحياء منهجيّا وتحريرًا موضوعيّا
للأفكار والأنظار التي يطالها التقادم والبلى، وترسو عليها التراكمات
السلبيّة، فتغدو بعدُ أفكارًا فاقدة الحضور وعديمة التأثير، مما يستلزم
تعهدها بمراجعةٍ عميقة هادفة إلى فضّ ما ران عليها من أفكار، وإزالة
ما تراكم عليها من أنظار بالية.
واعتبارًا بأنّ التراكمات التي تداهم الأفكار والأنظار تغشى منطلقاتها
حينا، وتلج مضامينها طورًا، وتحجب مقاصدها عن الظهور أحيانا كثيرة،
لذلك، فإنّ تجديد الأفكار والأنظار يتطلب إعادة الحيويّة والقوة إلى
منطلقاتها الفكريّة، وتصفية مضامينها ومحتوياتها مما خالطها من السلبيات
والمثبطات، وإزالة الغبار عن مقاصدها ومراميها، وتحقيق هذا كلّه يتوقف
على الاستعانة بجملة حسنة من الوسائل العلميّة والآليات الموضوعيّة
الواعية المنبثقة عن مرتكزات علميّة هادئة رصينة تبرأ من المداهنات
الفكريّة، وتبتعد عن المجاملات النظريّة، وترفض الرضوخ والخضوع لتأثيرات
التقليد والتبعيّة، وتأبى إلا أن تتعامل مع الأفكار والأنظار تعاملا
موضوعيّا هادفا إلى النهوض بها نهوضا رشيدًا يمكّنها من التفاعل الإيجابيّ
والمشاركة الواعدة والتأثير المرجوّ، والتمكين المنشود.
التقنين أهمّ الوسائل المعاصرة
وبالنظر في الوسائل العلميّة المعاصرة التي يمكن لها تحقيق ذلك التجديد
المنشود في العصر الراهن، نجد التقنين أهمّ تلك الوسائل المعاصرة التي
تتوافر على المقومات والمرتكزات التي أشرنا إليها آنفا، وذلك اعتبارا
في كون التقنين منهجيّة علميّة رشيدة تتعامل مع الاجتهادات والأفكار
والأنظار تعاملا منهجيّا موضوعيّا آخذا بعين الاعتبار ظروف الزمان
والمكان والحال.
وتأصيلا لهذا البعد في المسألة التقنينيّة، هلمّ بنا لنتعرف على حقيقة
هذا المصطلح، فعلاقته بالتجديد والتحديث في الفكر الإسلاميّ عامّة
وفي الفقه الإسلاميّ خاصّة.
بالنظر في الدراسات والمؤلفات الحديثة التي عني أربابها بالحديث عن
التقنين، نجد ثمة محاولات جادّة لصياغة تصور عن المراد بمصطلح تقنين
الفقه، ومن أوائل تلك المحاولات، ما انتهى إليه الدكتور الكباشي في
كتابه المعنون ـ تطبيق الشريعة الإسلاميّة في السودان بين الحقيقة
والإثارة ـ بأنّه عبارة عن".. صياغة للفقه الإسلاميّ في مواد
قانونيّة على غرار القوانين الحديثة من جنائيّة ومدنية وغيرها، وإلزام
القاضي العمل بها، ولا يتعداها إلى غيرها.."
وحول ذلك يضيف سانو: ذهب الشيخ الدكتور القرضاوي في كتابه الموسوم
مدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة إلى تحديد المراد بتقنين الفقه بقوله
"..أن تصاغ الأحكام في صورة مواد قانونيّة مرتّبة مرقّمة على
غرار القوانين الحديثة من مدنيّة، وجنائيّة.. وذلك لتكون مرجعا سهلا
محدّدا، يمكن ـ بيسر ـ أن يتقيّد به القضاة، ويرجع إليه المحامون،
ويتعامل على أساسه المواطنون.."
وأما الشيخ التيواجني، فأورد تعريفا قريبا من تعريفي الشيخ الكباشي
والقرضاوي، حيث قال في كتابه الموسوم ـ الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا
ـ بقوله: "..صياغة الآراء والأقوال الفقهيّة في عبارات مختصرة
وواضحة على شكل قواعد ومواد مرقّمة، يأخذ بعضها برقاب بعض، بحيث يسهل
على القاضي الرجوع إليها، واعتمادها في إصدار أحكامه..". وعني
الدكتور وهبة الزحيلي بتحديد المراد بتقنين الفقه في كتابه ـ جهود
تقنين الفقه الإسلاميّ ـ بأنّه عبارة عن "..صياغة أحكام المعاملات
وغيرها من عقود ونظريات ممهّدة له، جامعة لإطارها في صورة مواد قانونيّة،
يسهل الرجوع إليها.."
وأما الدكتور العطار، فقد أورد تصورا عن التقنين نخاله تصورا دقيقا
ومركّزا، حيث حدّد في كتابه أن تقنين الآراء الفقهية، يعني "..جعلها
قانونا، وهذا يتطلب صياغتها في صورة قواعد عامة مجرّدة، تنظّم سلوك
الأشخاص في المجتمع، وإلزام الناس العمل بها ككل قانون.." .
وقريبا من هذا التصور، ورد في بحث بعنوان الشريعة الإسلاميّة من قسم
الدراسات والأبحاث بعمان، ما نصّه: "..جمع أحكام المسائل في كل
باب، وصياغتها في عبارة سهلة في مواد متتابعة، بحيث يقتصر الحكم في
كل مسألة على رأي واحد، يختاره المشرّع من بين الآراء المتعددة الواردة
في المسألة، ويجري القضاء على هذا الرأي في جميع المحاكم وبين سائر
المتقاضين..".
وثمة تعريفات وتصورات متعددة عن المراد بمصطلح تقنين الفقه الإسلاميّ،
ولا يسع المقام لسردها. وبإمعان النظر فيما أوردناه من تعريفات وتصورات
عن المراد بصطلح تقنين الفقه الإسلاميّ، وخاصّة تلك التعريفات الأربعة
الأولى (القرضاوي، والكباشي، والتيواجني، والزحيلي)، نجدها تعريفات
ركّزت تركيزا واضحا على النظر إلى التقنين بحسبانه وسيلة من وسائل
التجديد في الفقه من حيث الشكل، لا من حيث المضمون، إذ اتفقت هذه التعريفات
على كون التقنين عمليّة هادفة إلى إعادة صياغة للأحكام والآراء الفقهيّة
في شكل مواد قانونيّة، كما نصّت على أنّ الغاية من العمليّة التقنينيّة
هو إعادة صياغة الأحكام الفقهيّة في عبارات سهلة ميسّرة على غرار القوانين
الحديثة، وفضلا عن هذا، فإنّ التعريفات عنيت ببيان أهمّ مقصد من التقنين،
وهو تسهيل رجوع القاضي إلى الأحكام الفقهيّة بصورة ميسّرة.
ومن الملحوظ أنّ التعريفات الثلاثة الأولى (القرضاوي والكباشي والتيواجني)
تضمنت إشارة إلى أنّ التقنين المنشود للفقه الإسلاميّ يشمل جميع أبواب
الفقه وموضوعاته من معاملات، ومناكحات، وعقوبات، وسواها، مما يعني
أنّه لا ينبغي حصره في باب من أبواب الفقه كباب المعاملات؛ وقد انفرد
تعريف الدكتور وهبة بالتنصيص على كون التقنين صياعة لأحكام المعاملات،
والحال أنّ المسائل التي يمكن أن يغشاها التقنين لا ينبغي حصرها ـ
بأي حالٍ من الأحوال ـ في أحكام المعاملات أو الأحوال الشخصية أو العقوبات،
أو العبادات، بل إنّ التقنين يمكن أن يلج جميع أبواب الفقه من عبادات
ومعاملات ومناكحات وعقوبات مادامت مسائل هذه الأبواب اجتهاديّة وعامّة
تعم بها البلوى، بل ينبغي أن يغشى التقنين جميع مجالات التجديد التي
ذكرناها من قبل، وتشمل مجال العقيدة، والتربية، والاجتماع، والسياسة،
والاقتصاد، والثقافة وسواها. فالضابط الناظم لغشيان التقنين هذه المجالات
هو أن تكون موضوعاتها مسائل اجتهاديّة عامّة تعمّ بها البلوى، فكل
مجال صالح للتجديد، فإنّه يمكن توظيف التقنين فيه وسيلة من وسائل التجديد
في ذلك المجال مادامت الركائز الأربعة التي أشرنا إليها آنفا متوافرة
فيه.
ومهما يكن من شيء، فإنّه يمكن الخلوص إلى تقرير القول بأنّ التقنين
يعدّ ـ وفق هذه التعريفات الأربعة الأولى ـ وسيلة من وسائل التجديد
في الفقه الإسلاميّ من حيث الشكل لا من حيث المضمون؛ ولئن تجلى تنصيص
التعريفات الأربعة الأولى على هذا البعد في مسألة التقنين، فإنّه من
الإنصاف المبادرة إلى القول بأنّ التعريفين الأخيرين، أعني التعريف
الذي انتهى الدكتور العطار، والتعريف الذي أورده قسم الأبحاث بعمّان
اعتبرا التقنين وسيلة من وسائل التجديد في الفقه لا من حيث الشكل فحسب،
ولكن من حيث المضمون أيضا، وقد عبّر هذان التعريفان عن هذا البعد من
خلال تنصيصهما على قيد مهمّ واجب التوافر في عمليّة التقنين، وهو قيد
الإلزام بالحكم المقنّن، ومنع الجميع من مخالفته، مما يعني أنّ التقنين
يروم في نهاية المطاف إعادة النظر في المعاني المنسوجة إزاء المسائل
المختلف فيها، وترجيح معنى من تلك المعاني، وصيرورة ذلك المعنى المرجّح
المعنى الملزم الذي يجب على الجميع الانصياع له، والنزول عنده، مما
يعني أنّ الرأي الفقهيّ عند ما يقنّن، فإنّه يغدو بعدُ قانونا يلزم
به، ولا يجوز لأحد مخالفته، أو العمل بخلافه، بل يعدّ المخالف شخصا
خارجا على القانون، مما يجعله عرضة للعقاب السلطانيّ.
إنّ هذا القيد يجعل من عملية التقنين وسيلة هامّة من وسائل التجديد
المنشود في الفقه الإسلاميّ لا من حيث الشكل فحسب، ولكن من حيث المضمون
أصالة، حيث يمسي التقنين وسيلة من وسائل الترجيح في المسائل المختلف
فيها، فأيّ رأي يختاره المقنّن ـ المشرّع ـ فإنّ ذلك الرأي يغدو القانون
الذي يجب على جميع الرعية الالتزام به والصدور عنه. فعلى سبيل المثال،
من المعلوم أنّ ثمة خلافا بين فقهاء المذاهب الإسلاميّة حول مشروعيّة
نكاح المتعة، وبيع العينة، وسواه من المسائل الفقهيّة المختلف فيها،
فإذا اختار حاكم من الحكام في مجتمع من المجتمعات استنادا إلى مصلحة
زمنيّة ذلك الرأي الفقهيّ الذي يعتبر نكاح المتعة حراما، فإنّ هذا
الرأي يغدو بعدُ بعدُ قانونًا ملزمًا لا يجوز لأحد من الرعيّة في ذلك
المجتمع مخالفته، والعمل بخلافه، ومن خالفه، حقّ للمشرّع ـ الحاكم
ـ معاقبته العقاب الذي يراه ويقرّره، ولن يشفع للمخالف كون المسألة
مسألة مختلفا فيها قبلُ، ذلك لأنّ حكم الحاكم ـ كما هو معلوم عند عامّة
أهل العلم بالفقه والأصول والمقاصد ـ يرفع الخلاف في المسائل الظنيّة.
وأما وقد حكم الحاكم ـ أو من ينوبه عنه ـ في هذه المسألة الاجتهاديّة
الظنيّة بالتحريم، فإنّ التحريم يصبح ـ حينئذٍ ـ هو الرأي الشرعيّ
والقانون الواجب اتباعه في هذا المسألة.
إذًا، إنّ التقنين في الفقه الإسلاميّ يعدّ اليوم وسيلة من أهمّ وسائل
التجديد في هذا الفقه، إذ إنّه يروم في ضوء ما سبق إعادة صياغة الآراء
والاجتهادات الفقهيّة صياغة قانونيّة سهلة الهضم، ويسيرة الفهم، وجميلة
الشكل، وأنيقة المظهر، كما يروم اختيار رأي من الآراء الفقهيّة الواردة
في المسائل الاجتهاديّة، وإلزام الناس بذلك الرأي المختار، بحيث يمنع
مخالفته، والعمل بخلافه.
ولنا بقية بأذن الله تعالى ....
أعلى
سوء الظن
سوء الظن مرض خطير من أمراض العصر، نتائجه خطيرة،
ومفاسده عظيمة، وهو دليل على سوء طوية صاحبه، ومن أصيب بهذا الداء
فواجب عليه أن يتعالج منه، والجاهل إذا اتهم أو أنقص من قدر الناس
أساء ظنه بهم.
جاء في السنة أن رجلاً أساء الظن برسول الله لما وزّع الغنائم، واتهم
النبي بعدم العدل، فقال: اعدل يا محمد، فما عدلت، هذه قسمة ما أريد
بها وجه الله. فدفعه سوء ظنه وفعله القبيح وسطحية تفكيره وفهمه وقلة
فقهه لمقاصد الشريعة ومصالح الدين، دفعه ذلك على أن استعجل في الحكم،
وحكم بجهل على أكمل إنسان وأعدل بني عدنان، والمرء إذا لم يعلم فعليه
أن يسأل ويستفسر ولا يجري وراء الظنون.
وإنه لمن أكبر الأسى والأسف أن نرى بعض الذين مطيتهم سوء الظن بالخاصة
قبل العامة وإن رأوا من يداري أو رأوا شيئًا لا يمشي مع هواهم أذاعوا
به والبعض يقيس ويزن الأمور بفهمه، فيكفي عنده في جرح أخيه أن يخالفه
فيما قرأ أو سمع، أو أنه لا يرضى عقله وهواه، ولو نظر المسيء الظن
أن من أساء فيه الظن خالفه في أمر تختلف فيه الأفهام والأنظار لما
أدخل على نفسه هذا البلاء.
ومن أسباب سوء الظن تزكية المرء نفسه واحتقاره غيره، فيرى نفسه على
الصواب، وجميع الأمة على الباطل. إن أصحاب العقول الكبيرة والتدين
الصحيح يؤلفون القلوب، ويجمعون أبناء الأمة على الألفة والمحبة والأخوة
وترك سوء الظن بالآخرين.
إن اجتماع كلمة المسلمين وترك الفرقة جعلت النبي يترك بعض المستحبات
كي لا تضيع في فعلها واجبات، من ذلك أنه لم يعطِ الفقراء وأعطى الأغنياء
تأليفًا لقلوبهم؛ لأنه نظر أن ذلك أنفع للدين، ومنها أنه ترك تغيير
بناء البيت إبقاء لتأليف القلوب. وكان ابن مسعود ينكر على عثمان إتمام
الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متممًا وقال: (الخلاف شر).
من مظاهر سوء الظن أن من يتكلم عن الرقاق والأدب وعن كرامات الصالحين
يُرمى بتهمة الخرافة والتصوف، ونسي هؤلاء أن الرقاق وحكايات الصالحين
ترقق القلوب، ولقد ألف عبد الله بن المبارك كتاب الزهد وكذلك الإمام
أحمد وكان السلف يحرصون على ما يرقق قلوبهم ويقولون: "حديث يرق
له قلبي أحب إلى من مائة قضية من قضايا شريح".
من مظاهر سوء الظن تجريح الناس أحياء وأمواتًا ورميهم بشتى أنواع الضلال،
قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم) رواه مسلم. قال الخطابي:
"لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسد الناس وهلكوا
ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي: أسوأ حالاً منهم بما يلحقه
من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه
ورؤيته أنه خير منهم".
إن الظن السيئ يدفع صاحبه لتتبع العورات والبحث عن الزلات والتنقيب
عن السقطات وهو بذلك يعرض نفسه لغضب الله وعقابه وقد وعد النبي هؤلاء
المرضى بالفضيحة بقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه
لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم يتبع
الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)
وسوء الظن يزرع الشقاق بين المسلمين ويقطع حبال الأخوة ويمزق وشائج
الألفة والمحبة ويزرع البغضاء والشقاء والله يحذرنا من ذلك بقوله:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)) الحجرات:12 وقال: (إذا ظننت فلا تحقق)
إنما المؤمنون إخوة فلا تتبعوا العورات ولا تصيدوا السقطات ولا تبحثوا
عن الزلات وكن كالنحلة تسقط على الورد والزهور ولا تكن كالذباب حيث
يسقط على القاذورات والخبائث لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا
خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً. تأمّل كيف أمرك الإسلام بستر
أهل المعصية في الدنيا لتستر في القيامة هذا مع من تحقق وقوعه في المعصية،
فالأجدر والأولى بك فيمن لم تثبت عليه المعصية أن ترحمه من لسانك وطوبى
لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
|