|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*ماذا على الإمام إذا صلى ثلاث ركعات اعتقاداً منه أنه صلى أربعا في
صلاة العشاء ولم ينبهه المأمومون إلا بعد أن سلّم ؟ وماذا عليه لو
نبهه بعد أن جلس للتشهد ؟
**إن نبهوه بعد الجلوس للتشهد فعليه أن يتم الرابعة ، وكذلك إن انتبه
قبل السلام فعليه أن يتم الرابعة بل لو تنبه بعد السلام وقبل أن يأتي
بما ينقض الصلاة فعليه أن يتم الرابعة وعليه أن يسجد لسهوه ولا حرج
عليه في ذلك . أما إن أتى بما ينقض الصلاة في حال انصرافه من الصلاة
ففي هذه الحالة عليه أن يعيد الصلاة من جديد وذلك عندما يكون متيقناً
بأن ما قيل له صحيح ، أما إن كان بخلاف ذلك فلا يلتفت إلى الشك بعد
اليقين ، والله تعالى أعلم .
*رجل مصاب بشلل كامل ومتأثر من ذلك نفسياً ومعنوياً وأشيع عنه أنه
طلق زوجته وصدقت الزوجة ولم تعتد عليه ولكن لم تحضر ذلك الطلاق ولم
يخبرها أي أحد شهد الطلاق ، فهل يحرمها ذلك من حق الميراث ؟؟
**الأصل أنها زوجته حتى تقوم البينة العادلة على أنها طلقت ، وإن كانت
طلقت طلاقاً رجعياً وماتت في أثناء العدة عدة الطلاق فإنها في هذه
الحالة ترث أيضاً وتلزمها عدة الوفاة أي تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة
الوفاة ، والله تعالى أعلم .
*طالبة تدرس في كلية تبعد عن بيتها أكثر من أربعين كيلومترا فهل لها
أن تقصر الصلاة ؟
**بل عليها أن تقصر لأن هذه هي السنة الثابتة عن رسول صلى الله عليه
وسلّم ، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام صلى الظهر بالمدينة أربعاً
وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين لما بين ذي الحليفة والمدينة من مسافة
القصر ، فعليها أن تقصر الصلاة بل يجب عليها ذلك ، والله تعالى أعلم
.
*دمى الأطفال قد تكون على أشكال ذات أرواح وقد تكون هذه الأشكال على
ملابس الأطفال ، فما حكمها ؟
**لا تباح إلا الدمى التي هي صور للبنات تلعب بها البنات حتى يتربين
على هذا ، هذا رأي لبعض العلماء ، استثنوا فقط هذه مع الخلاف فيها
، فصور البنات اختلف فيها منهم من شدّد فيها ومنهم من أباحها ومنهم
من كرهها ، أما ما عداها فلا تباح بحال من الأحوال .
وبالنسبة للملابس إن وجد ذلك في ثوبه وأصبح ذلك أمراً واقعاً فقد رُخص
في ذلك بناء على حديث ( إلا ما كان رقماً في ثوب ) ، كما يُرخص في
استعمال الآلات التي فيها صور على اختلاف أنواعها .
*امرأة توفي أخوها وبعد وفاته أعطيت من الشركة التي كان يعمل فيها
مبلغ ستمائة ريال فكتمت هذا الأمر وصرفت بعض هذه الأموال على الأسرة
وبقي معها جزء من المبالغ لم تصرفه ، ما حكم تصرفها السابق ؟ وكيف
تصنع بما بقي من الأموال ؟
**هي أخطأت في هذا لأن هذا المال إنما هو حق للورثة ، فليست كل الأسرة
ترث ، إذ قد يرث بعضها ، فإن كان له أب فالأخوة لا يرثون ، وكذلك إن
كان له أبناء فالأخوة لا يرثون أيضاً ، فلذلك كانت هي مخطئة في هذا
التصرف ، فهذا المبلغ إنما هو حق للورثة دون غيرهم.
فعليها في هذه الحالة أن تبلغ الورثة بهذا ، فإن جعلوها في حِل مما
فعلته فهي ذاك وإلا فعليها الضمان لهم .
*هل تعاود الشركة في قصدها بهذه المبالغ لأنه أحياناً تُصرف مثل هذه
المبالغ ويقصد بها تغطية مصاريف العزاء ؟
**حتى ولو كان هذه لتغطية مصاريف العزاء فما فضل عن مصاريف العزاء
إنما يُرد إلى الورثة .
*هل للمرأة حكم يغاير حكم الرجل في السجود ؟
**المشهور عند العلماء بأن المرأة تؤمر بأن تضم بعضها إلى بعض في سجودها
، وأن لا ترفع مؤخرتها كثيراً في حال السجود بخلاف الرجل ، هذا هو
المشهور .
ومن العلماء من يرى أنه لا فرق بين المرأة والرجل في هذا ، ذلك لعدم
وجود التخصيص في الشرع ، وإنما التخصيص مما يُفهم من وجوب الستر على
المرأة ، وهي قد تكون تصلي داخل بيتها بحيث لا يطلع عليها رجل ولا
يراها أحد إلا زوجها مثلاً أو من يراها من بنات جنسها ، فلا حرج في
هذه الحالة أن تصلي كصلاة الرجل من حيث الهيئة .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة المعاصرة رؤية منهجيّة
5ـ6
مقاصد الشرع في المسألة الماليّة تتمثل في مقصد
رواج المال ويراد به
ضرورة دوران المال بين أكثر عدد ممكن من الناس بوجه حقٍّ
المقاصد تعدّ الأسرار والحكم التي أودعها الله في تشريعاته فإذا
غابت عن تشريع فإنّه لا يصح نسبة ذلك التشريع إلى الشرع
الاحتكام إلى المقاصد للترجيح والاختيار من شأنه
التخفيف من غلواء
لتطبيقات العشوائية للمبادئ والأحكام الشرعيّة المتصلة بالمال
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:نظراً لتطور الحياة
المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن يجيلوا
النظر لاستخراج الحكم الشرعي ، فالعلماء السابقون لم يدخروا جهداً
في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث الضخم
المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة الفقه
الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة، وما
التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة
العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان ( التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان (في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة
المعاصرة رؤية منهجيّة) للأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو
لقد توقفنا في الحلقة الماضية عند بعض الآراء والمبادئ واليوم نواصل
الموضوع..
باب المعاملات في الآراء الفقهيّة
يقول الدكتور مصطفى وهو يحدثنا عن المبادئ التي قسمها إلى ثلاثة:
المبدأ الأول: تحكيم مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات في الآراء
الفقهيّة:
نروم بمقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات تلك المعاني الكريمة والغايات
النبيلة التي لاحظها الشرع الحكيم في ثنايا نصوصه المتصلة بالمسألة
المالية تنظيرا وتطبيقا بحيث لا يخلو تشريع أو مبدأ متعلق بالشأن الماليّ
من ملاحظة تلك المعاني والغايات.. " وبتعبير آخر، إنّ تلك المعاني
والغايات تعدّ أسرار التشريع العامّة الكامنة في المسألة الماليّة،
ويجدها الناظر مبثوثة في كلّ المبادئ والتشريعات المتعلقة بالشأن الماليّ،
بل إنّ كافّة الأسس والمبادئ والأحكام الشرعيّة الماليّة صيغ جميعها
من أجل تحقيق تلك المعاني والغايات، مما يجعل الاعتداد بها في المسألة
التأصيليّة شأنا مركزيّا لا يمكن لامرئ الاستهانة به بله الاستغناء
عنه مادام ذلك الناظر قاصدا الوصول إلى مراد الشرع الحكيم من تلك المبادئ
والتشريعات الماليّة المختلفة.
إنّ المتأمل الحصيف في جملة نصوص الوحي الواردة في المسألة الماليّة
(باب المعاملات) يجدها نصوصا تتضمن ـ أصالة ـ تقريرا جليّا لمعاني
خالدة وغايات نبيلة، وأسرار عظيمة لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة
والأحوال والأوضاع، وتتمثل كبرى تلك المعاني والغايات والأسرار في
الحفاظ على جملة من المعاني، وهي الحفظ، والتثمير، والرواج، والتداول،
والإثبات، والعدل.
معاني التشريع
وبناء على هذا، فإنّه يمكن الخلوص إلى القول بأنّ مقاصد الشرع في المسألة
الماليّة تتمثل في مقصد رواج المال ويراد به ضرورة دوران المال بين
أكثر عدد ممكن من الناس بوجه حقٍّ، ومقصد وضوح المال، ويراد به إبعاد
المال عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان، ومقصد حفظ المال، ويراد
به النظر في حفظه سواء في تبادله مع الأمم الأخرى وبقاؤه بيد الأمة،
ومقصد إثبات المال، وهو تقرره لأصحابه بوجهٍ لا خطر فيه ولا منازعة،
ومقصد العدل في المال، ويتمثل في أن يكون حصوله بوجهٍ غير ظالمٍ، وهو
إما أن يحصل بعمل مكتسبه، وإما بعوض مع مالكه أو تبرع، وإما بإرث.
إنّ هذه المعاني تعدّ الأسباب الموضوعيّة التي يرتد إليها كل مبدأ
أو تشريع متصل بالمال، إذ لا يخلو ـ كما أسلفنا ـ مبدأ أو تشريع في
الشأن الماليّ من أن يكون هادفا إلى هذه المعاني مجتمعة أو متفردة.
فالمبادئ الشرعيّة القارّة في المسألة الإنتاجية عناصر وتكاليف وعوائد
يروم جميعها تحقيق مقصد حفظ المال، ومقصد تقريره، ومقصد رواجه، ومقصد
تداوله، كما أنّ الأحكام الشرعيّة الماليّة من عقود ومعاملات وتصرفات
يراد منها جميعها تحقيق المقاصد المشار إليها آنفا، إذ ليس ثمة عقد
شرعيّ معتبر لا يتحقق من خلاله تحقيق هذه المقاصد، كما أنّه ليس هناك
تصرف ماليّ مشروع يعتدّ به لا يفضي إلى تحقيق هذه المقاصد، بل إنّ
هذه المقاصد العليّة تعدّ الغايات السَّنيّة التي من أجلها شرّعت الزكوات
والأوقاف والصدقات وسواها.
وتأسيسا على هذا، فإنّه يجب عرض جميع الاجتهادات والأنظار والأفكار
التي تنسج حول مختلف المسائل الماليّة على هذه المقاصد بحيث يعتدّ
منها ما لا يتعارض معها، ويرفض منها ما كان متعارضا مع أيّ من هذه
المقاصد اعتبارًا بأنّ هذه المقاصد تعدّ في حقيقتها ثوابت لا يمكن
تغييرها أو تحويرها أو تبديلها، وأما الاجتهادات والأنظار والأفكار،
فإنّها وسائل يراد لها تحقيق الثوابت، فإذا عجزت عن ذلك وجب صرف النظر
عنها والبحث عن سواها.
إنّ الاحتكام إلى المقاصد للترجيح والاختيار من شأنه التخفيف من غلواء
التطبيقات العشوائية للمبادئ والأحكام الشرعيّة المتصلة بالمال، كما
أنّ من شأنه التخفيف من الصراعات والخلافات النظريّة حول العديد من
المبادئ والأحكام الشرعيّة الخاصّة بالمعاملات الماليّة.
وصفوة القول، إنّ اختيار رأي من الآراء الاجتهاديّة الواردة إزاء مسألة
من المسائل الماليّة سواء أكانت تلك المسألة جديدة أم قديمة، ينبغي
أن يتمّ من خلال النظر إلى علاقة ذلك الرأي بهذه المقاصد قربا وبعدًا،
بحيث يتمّ ترجيح الرأي الذي يراد تقنينه من التأكد من كونه رأيا يؤدّي
العمل به إلى تحقيق رشيد لهذه المقاصد كلها أو أغلبها.
وتطبيقا لهذا المبدأ، فإنّنا نضرب هذا المثال، وهو أنّه من المعلوم
لدى العالِمين من المتفقهة والأصوليّة أنّ ثمة خلافا قارّا بين الفقهاء
الأقدمين والمعاصرين حول مشروعيّة بيع العينة، حيث يذهب الجمهور إلى
القول بعدم مشروعيّته، ويرى السادة الشافعيّة جوازه، ولكل فريق أدلته،
وحججه، ونتيجة لهذا الخلاف الفقهيّ، فإنّ المصارف الإسلاميّة في جنوب
شرق آسيا تمارس هذا البيع، وتتفنن في تطبيقه بأشكال متعددة، بينما
يلقى هذا البيع رفضا في سائر المصارف الإسلاميّة في الشرق الأوسط،
إذ إنّها تعدّه من البيوع المنهي عنه.
وبناء على هذا، فإذا رغب ولي أمر للمسلمين في دولة من الدول تقنين
أحد هذين الرأيين الواردين في هذه المسألة وصيرورته قانونا ملزما في
المصارف الإسلاميّة، فإنّ على السادة المقنّين تحكيم مقاصد الشرع الخاصّة
بباب المعاملات في هذا البيع، بحيث إذا وجدوا أنّ القول بالمنع أكثر
تحقيقا لتلك المقاصد، وجب ـ عندئذ ـ تقنين الرأي القائل بالمنع، وأما
إذا وجدوا أنّ القول بالجواز هو الأكثر تحقيقا للمقاصد، حقّ عليه تقنين
الرأي القائل بالجواز، وهكذا دواليكم.
إنّ أساس الترجيح بين هذين الرأيين، فتقنين الرأي المرجّج، يعود إلى
كون ذلك الرأي المرجّح الرأي الألصق بالمقاصد، والأقدر على تحقيق الأسرار
والمعاني المرادة للشرع من تجويزه أو تحريمه تلك المعاملة. وتأسيسا
على هذا، فإذا نظرنا إلى بيع العينة وتطبيقاته المعاصرة ألفيناه يحول
دون تحقيق ثلاثة من مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات، أعني مقصد
تنمية المال، ومقصد رواج المال، ومقصد تداول المال، فهذا البيع بتطبيقاته
الحالية لا يؤدّي إلى تحقيق هذه المقاصد، وإنّما يتعارض معها، ولذلك،
فإنّ القول بالمنع أولى وأسدّ لا لأنّه هو رأي الجمهور، ولكنّه لأنّ
ذلك هو الذي ينسجم مع مراعاة مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات.
ويقال مثل هذا الأمر في تطبيقات البيع الموسوم ببيع التورق المصرفي،
فإنّ التأمل في تطبيقات هذه المعاملة في المصارف الإسلاميّة المعاصرة
يجدها المتأمل أنّها لم تعد في واقع الأمر تحقق مقاصد الشرع الخاصة
بباب المعاملات، بل إنّها لا تختلف في المآل عن بيع العينة من حيث
عدم تحقق مقاصد الشرع في كل واحد منها، ولذلك، فإذا أريد تقنين هذه
المسألة، وجب اللواذ بالرأي القائل بالمنع وذلك لافتقار الرأي القائل
بالجواز إلى تحقيق مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات، ولا يضير القول
بالمنع أن يكون رأيا مخالفا لرأي الجمهور، فالعبرة للمقاصد أولا وآخرًا،
إذ حيث المقاصد، فثمة شرع الله تعالى، لأنّ المقاصد ـ كما هو معلوم
ـ تعدّ الأسرار والحكم التي أودعها الله في تشريعاتها، فإذا غابت عن
تشريع، فإنّه لا يصح نسبة ذلك التشريع إلى الشرع!!
عرض كل الآراء الفقهيّة
وانطلاقا من هذا، فإنّه يجب عرض كل الآراء الفقهيّة الواردة في المسائل
الماليّة الاجتهاديّة العامّة على مقاصد الشرع الخاصّة بباب المعاملات،
وذلك قبل اختيار رأي منها للتقنين، فما أفضى منها إلى تحقيق هذه المقاصد،
وجب ترجيحه، فتقنينه، وصيرورته قانونا ملزما واجب العمل به في المصارف
الإسلاميّة، وأما الآراء التي لا تقضي إلى تحقيق تلك المقاصد، فإنّه
لا يصح اختيارها، ولا تقنينها، وذلك بغض النظر من أن تكون آراء لجمهور
أو مغمور.
وعلى هدي من هذا المبدأ، ينبغي اليوم تجديد النظر في جملة العقود والمعاملات
المالية التي تمارس المصارف الإسلاميّة، وذلك بعرضها جميعا على مقاصد
الشرع الخاصّة بباب المعاملات، فما كان من تلك العقود والمعاملات مفضيا
إلى تحقيق مقاصد الشرع اعتدّ بها، ووجب تقنينها، وما خالف منها تلك
المقاصد، وحال دون تحقيقها، تبرئ منها، وبدّل بغيرها.
على أنّه من الحريّ بالتقرير أنّ الاحتكام إلى المقاصد بوصفها معيارا
للترجيح يجب أن يغدو اليوم الملاذ الفكريّ للترجيح بين سائر الاجتهادات
الفقهيّة سواء أكانت تلك الاجتهادات في الشأن الماليّ، أم في الشأن
الاجتماعي، أم في الشأن السياسيّ.
المبدأ الثاني الموازنة بين المنافع والمفاسد
وحول ( الموازنة بين المنافع والمفاسد المترتبة على الآراء الفقهيّة)
يقول : لئن اعتبرنا المقاصد معيارا يحتكم إليه لمعرفة الرأي الأولى
بالاختيار من بين الآراء والاجتهادات عند التقنين، فإنّ ثمة مبدأ آخر
ينبغي اللواذ به عند إرادة تقنين رأي جديد للشرع في مسألة ماليّة مستجدة
لا يؤثر فيها رأي لأحد من الأقدمين لحداثتها وجدّتها، ويتمثل هذا المبدأ
في الاستناد إلى مبدأ الموازنة بين المنافع والمفاسد المترتبة على
الفعل حلاّ أو تحريما، بحيث إذا ترجحت المنافع، كان الرأي التحليل،
ثم يقنّن ذلك الرأي بعد، وأما إذا ترجحت المفاسد، فإن الرأي يكون التحريم،
ثم يقنّن ذلك بعدُ.
إنّ هذا المبدأ يختلف عن المبدأ السابق من حيث إنّ ذلك المبدأ يلاذ
به لمعرفة الرأي الجدير بالاختيار والترجيح، وأما هذا، فإنّه يلاذ
لمعرفة رأي الشرع في مسألة ماليّة مستحدثة ليس للأقدمين رأي فيها إن
بالتحليل أو التحريم، مما يتطلب الاجتهاد والتفكير في تحديد حكم مناسب
لتلك المسألة المستحدثة في ضوء الأثر الذي يترتب عليه من منافع راحجة
أو مفاسد راحجة، وبتعبير آخر، إذا كان القول بتحليل ذلك التصرف الماليّ
المستجد يؤدّي إلى جلب منافع راجحة، فإنّه يجب ـ حينئذٍ ـ تقرير القول
بالتحليل، ثم تقنين ذلك الرأي بعدُ، وأما إذا كان القول بالتحريم يترتب
عليه درء مفاسد راحجة، فإنّه يجب ـ عندئذٍ ـ تقرير القول بالتحريم
ثم تقنين ذلك الرأي بعدُ.
وتأسيسا على هذا، فإنّ تقنين رأي للشرع ـ حلاًّ أم تحريمًا ـ في المسائل
الماليّة المستجدة يتوقف توقفا على الأثر الذي يترتب على الرأي المختار
حلاّ أم تحريما.
وتوضيحا لهذا الأمر، مسألة تصكيك الصكوك للإجارة، والمشاركة، والمضاربة،
والمرابحة، والوقف وسواه، فمن المعلوم أنّ التصكيك يعدّ من المسائل
المستحدثة في الملّة لم يتناولها الفقهاء الأقدمون بتحريم أو تحليل،
وبالتالي، فإنّ القول بتحليله أو تحريمه يجب أن يرتبط بما يترتب على
كلا القولين من أثر متمثل في جلب منافع راجحة، أو درء مفاسد راحجة،
فإذا كان القول بالتحليل جالبا منافع راحجة، وجب اعتماد التحليل، فتقنينه،
وإذا كان القول بالتحريم دارئا مفاسد راحجة، وجب اعتماد القول بالتحريم،
فتقنينه.
إنّ الاعتداد بهذا المبدأ في عملية التقنين من شأنه إبعاد الاضطراب
والخلل عن التقنين، بحيث يتمّ تقنين تلك الآراء التي تمّت الموازنة
فيها بين المنافع والمفاسد، فترجحت إحداها على الأخرى.
ولنا لقاء مع هذه المبادئ في الحلقة القادمة بأذن الله ...
أعلى
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع
الحلقة الثانية
مما لا شك فيه أن القرآن الكريم قطعي متواتر
فأحكامه تأتي في المرتبة الأولى ، وعند التعارض يجب الرجوع إليه ،
ولهذا روى الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن
جابر بن زيد عن ابن عباس قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم
ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه
فعني، وما خالفه فليس عني).
والمراد بهذا الحديث ما روي عن الرسول مما تنازع الناس في صحته كما
يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (ستختلفون من بعدي) وفي هذا
يقول الإمام السالمي في شرحه لهذا الحديث : ( قوله ( فما وافقه فعني
) وهذا في ما وقع فيه الاختلاف بين الأمة بدليل قوله ( إنكم ستختلفون
بعدي ) فأما المتفق عليه أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلا
يحتاج إلى عرض بل يجب العمل به وإن خالف ظاهر الكتاب لأنه إما ناسخ
أو مخصص )
وهذا الحديث وإن حاول كثير من علماء الحديث تضعيفه بل وشن حملة عليه
من حيث السند والمتن ، وعدوه مما وضعه المبتدعة لتبرير إعراضهم عن
السنة ، إلا أن وروده بهذا السند الصحيح قاض بصحته ، على أن من نظر
في عمل الصحابة وجدهم مطبقين على ذلك فكم ردوا من الأحاديث التي شموا
منها مخالفة القرآن الكريم مع أنها جاءتهم من طريق صحابي ليس بينه
وبين النبي صلى الله عليه وسلم واسطة كما هو الحال في الأحاديث التي
وصلتنا من طريق طويل يفصل بينه وبين النبي عدد من الرواة عاشوا في
عصور متفاوتة ، فقد ردت السيدة عائشة رضي الله عنها حديث عمر بن الخطاب
وابنه عبدالله رضي الله عنهما في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه واستندت
في ردها له بأنه معارض للقرآن الكريم ، فقد روى الربيع عن أبي عبيدة
عن جابر عن عائشة رضي الله عنها سَمِعت أن عبدالله بن عمر يقول : "
إن الميت ليعذب ببكاء الأحياء " قالت عائشة : يغفر الله لأبي
عبدالرحمن ، أما إنه لم يكذب ، ولكنه نسي أو أخطأ ، ولعله إنما سمع
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال حين مر بيهودية ماتت وأهلها
يبكون عليها ، فقال " إنهم ليبكون عليها ، وإنها لتعذب في قبرها
" قال جابر : قالت عائشة رضي الله عنها : " ولا يعذب أحد
ببكاء أهله ، وإنما يعذب بعمله السوء " كما روى البخاري ومسلم
واللفظ للبخاري قال : حدثنا عبدان حدثنا عبد الله أخبرنا ابن جريج
قال أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال : توفيت ابنة لعثمان
رضي الله عنه بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله
عنهم وإني لجالس بينهما أو قال جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس
إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان ألا
تنهى عن البكاء ؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن الميت
ليعذب ببكاء أهله عليه ) .
فقال ابن عباس رضي الله عنهما قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك
ثم حدث قال صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة حتى إذا كنا بالبيداء
إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال اذهب فانظر من هؤلاء الركب ؟ قال فنظرت
فإذا صهيب فأخبرته فقال ادعه لي فرجعت إلى صهيب فقلت ارتحل فالحق أمير
المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه وا صاحباه فقال
عمر رضي الله عنه : يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة
رضي الله عنها فقالت رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله
عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه
) . وقالت حسبكم القرآن ( ولا تزر وازرة وزر أخرى )
كما رد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس التي طلقها
زوجها فبت طلاقها فلم يجعل لها النبي صلى الله عليه وسلم نفقة ولا
سكنى ورأى أنه معارض لقول الله تعالى : (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ).فقد
روى مسلم من طريق َمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ حَدَّثَنَا
أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ
قَالَ كُنْتُ مَعَ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِى الْمَسْجِدِ
الأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِىُّ فَحَدَّثَ الشَّعْبِىُّ بِحَدِيثِ
فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-
لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً ثُمَّ أَخَذَ الأَسْوَدُ
كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ. فَقَالَ وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ
هَذَا قَالَ عُمَرُ لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا
-صلى الله عليه وسلم- لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِى لَعَلَّهَا حَفِظَتْ
أَوْ نَسِيَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ
أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ).
كما ردت هذا الحديث أو توقفت فيه على الأقل السيدة عائشة رضي الله
عنها فقد روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري قال : حدثنا عمرو بن عباس
حدثنا ابن المهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال
عروة بن الزبير لعائشة ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة
فخرجت ؟ فقالت بئس ما صنعت قال ألم تسمعي في قول قاطمة ؟ قالت أما
إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث
وزاد ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عابت عائشة أشد العيب وقالت إن
فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص النبي صلى الله
عليه وسلم .
كما رد ابن عباس رضي الله عنهما حديث الحكم الغفاري في تحريم كل ذي
ناب من السباع ومخلب من الطير فقد روى البخاري قال :حدثنا علي بن عبد
الله حدثنا سفيان قال عمرو قلت لجابر بن زيد : يزعمون أن رسول الله
صلى الله عليه و سلم نهى عن حمر الأهلية ؟ فقال قد كان يقول ذاك الحكم
بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس وقرأ {
قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما }
والأمثلة على ذلك كثيرة وما قصدنا إلا التمثيل .
وقد نص المحدثون في كتب المصطلح على رد الحديث إذا خالف القرآن الكريم
، وهذا الذي يقتضيه النظر الصحيح فإن القرآن أقوى من السنة النبوية
باتفاق الجميع والأضعف يرد عندما يعارض ما هو أقوى منه ، ولكن وللأسف
الشديد مع وضوح هذه القاعدة ودلالة الأدلة من المنقول والمعقول عليها
واعتراف أئمة الحديث بها في كتب المصطلح إلا أننا نجد بعضهم عند التطبيق
يصحح أحاديث معارضة للقرآن الكريم أشد من معارضة الأحاديث التي ردها
صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتف بذلك بل أخذ يشن حملة شعواء
على من يأخذ بحديث عرض السنة على القرآن حتى قال بعضهم : ( لأن هذا
القدر منه باطل يقينا ، فإنه من وضع الزنادقة و الملاحدة ، أو ممن
تأثر بهم و استجابوا لضلالتهم ، شعروابذلك أو لم يشعروا ! )
فهل كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عرضوا بعض الأحاديث
المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم زنادقة أو ملاحدة أو ممن
تأثر بهم أو استجاب لضلالاتهم أو ممن حكموا أهواءهم؟!! أولم ينص العلماء
على رد الحديث متى ما عارض القرآن؟!!،قال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر
في توضيح نخبة الفكر عند ذكره القرائن التي يدرك بها وضع الحديث:(
ومنها ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضاً لنص القرآن أو السنة
المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك
التأويل ) وذكر مثله العلامة جمال الدين القاسمي الدمشقي في كتابه
قواعد التحديث ، وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتابه توضيح
الأفكارلمعاني تنقيح الأنظار : ( ومنها أن يكون مناقضا لنص الكتاب
أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي ) .
ولنا تواصل بأذن الله تعالى ...
إبراهيم بن ناصر الصوافي
الباحث بمكتب الإفتاء
أعلى
|