|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*هل يصح للمرأة غير الطاهرة أن تلمس الشريط الذي يحوي القرآن الكريم؟
**المرأة غير الطاهرة ممنوعة من مس المصحف ،
والشريط لا نستطيع بأن نقول حكمه حكم المصحف، لأن الشريط بمثابة الذاكرة
التي تحفظ القرآن، إذ يمكن أن يتلى من خلال الشريط في حال تشغيله،
وأي إنسان كان يمكن أن يحفظ القرآن كاملا، ولكن لا يعني هذا أن من
كان ذا حدث أكبر يمنع أن يمس ذلك الذي يحفظ القرآن، فيبدو لي أن الشريط
حكمه حكم حافظ القرآن، وليس حكمه حكم المصحف، والله تعالى أعلم .
*أنا امرأة متزوجة ولدي سبعة أطفال أكبرهم يبلغ
من العمر 12 سنة، هل يمكنني أن أطلب من زوجي أن يأتي بخادمة تساعدني
في عمل المنزل، علماً بأنني مصابة بمرض الدم، وأعاني من مضاعفات حادة
جداً تعيق عملي كربة بيت، كذلك بعض أطفالي يعانون من نفس المرض ويحتاجون
إلى رعاية، زوجي يعمل مهندساً ولديه معارف كثيرون ولا أقدر بأن ألبي
له متطلبات الضيافة من أكلات وغيره .
وما هي الشروط التي يمكنها أن تتوفر في الخادمة؟
**أولاً قبل كل شيء أسأل الله تعالى لها ولأولادها
العافية والصحة وزوال البأساء والضراء، وأن يبارك فيها وفي زوجها وفي
أولادهما، وأن يجعل هذه الذرية ذرية صالحة مؤمنة قائمة بأمر الله،
ثم بجانب ذلك بالنسبة إلى الخادمة بما أنها لا تستطيع أن تتحمل أعباء
البيت فلا مانع من أن تطلب من يساعدها على ذلك، ولكن مع ذلك لتحذر
أن تكون هنالك خلوة ما بين هذه الخادمة والزوج فإن هذه الخلوات كثيراً
ما تكون سبباً للفساد والانحراف والعياذ بالله، وعلى كل واحد منهم
أن يتقي الله تبارك وتعالى ربه .
أما بالنسبة إلى أوصاف هذه الخادمة فينبغي أولاً قبل كل شيء أن تكون
مسلمة وأن تكون محافظة على صلاتها ومحافظة على عباداتها، وأن تكون
أمينة، وإن أمكن أن تكون غير شابة صغيرة السن، أي غير مغرية فذلك أولى
خشية الفتنة، والله تعالى الموفق .
*امرأة أرضعت عدداً من الأطفال من آباء مختلفين
وجميعهم أرضعتهم قبل أن يكملوا السنتين، فهل هؤلاء يعتبروا أخوة، وما
هي الأحكام المترتبة على ذلك؟
**الرضاع كالنسب، فإذا كان الأولاد الذين تلدهم
المرأة في مدد متفاوتة وأعمار مختلفة ولو كان بين الواحد والآخر أكثر
من عشرات السنين فهم أخوة، فكذلك الذين ترضعهم ولو كانت المدد التي
تفصل بين رضاع هذا ورضاع الآخر متفاوتة فإنهم جميعاً أخوة ما دامت
أرضعتهم امرأة واحدة .
هم جميعاً أولاد تلك المرأة، وزوج تلك المرأة هو أب لهم، فهم بينهم
وبين قرابة تلك المرأة من الأحكام ما يكون بينهم وبين قربة أمهم من
الأحكام، فأخوها خالهم ويحرم عليه أن يتزوج أي واحدة من اللاتي رضعن
منها، وأختها خالتهم يحرم على كل واحد منهم أن يتزوجها ، وكذلك بناتها
جميعاً هن أخواتهم يحرم الزواج بين هذه البنات وبين كل من رضع منها،
وأبناؤها هم أخوانهم فيحرم على هؤلاء الأبناء أن يتزوجوا بأي واحدة
من اللاتي رضعن منها، ثم كذلك من قبل الزوج كل ما يحرم عليهم من قبل
أبيهم يحرم عليهم من قبل ذلك الزوج، أي زوج المرأة لأنه والدهم من
الرضاع، فلا تعتبر المدد المتفاوتة، لا يعتبر أيضاً أن هذا رضع مع
هذا أو هذا رضع مع ذاك، لا، إنما الكل هم أخوة، والله تعالى أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة المعاصرة
رؤية منهجيّة
6ـ6
المصلحة المعتبرة في الشرع تعني جلب كل ما فيه
منفعة
ودرء كل ما فيه مفسدة
الاعتداد بمآلات الأفعال عند اختيار رأي قديم
أو جديد للتقنين
يعدّ ضمانا أكيدًا لحسن تطبيق الرأي
التجديد المنشود في الفكر الإسلاميّ لا ينحصر
في دائرة الفقه
فحسب بل إنّه يشمل جميع مجالات الحياة
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني: نظراً لتطور
الحياة المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن
يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي ، فالعلماء السابقون لم يدخروا
جهداً في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث
الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة
الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة،
وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة
العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان ( التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان (في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة
المعاصرة رؤية منهجيّة) للأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو
توقفنا في الحلقة الماضية عن الموازنة من خلال
البحث الذي أسرد لنا جملة من المواضيع الهامة التي تهم المسلم والعالم
حول المصارف الإسلامية واليوم نواصل تكملتها في هذه الحلقة وهي الأخيرة
من هذا البحث...
الموازنة
يقول الدكتور سانو: أنّه من الحريّ بالتقرير أنّ هذه الموازنة لا تتعارض
مع الأصول العامّة المقرّرة في الشرع للمستجدات ككون الأصل في المعاملات
الإباحة، والأصل في العقود اللزوم، والأصل في الشروط الصحة، وإنّما
يجب النظر في كل مستجد أو مستحدث في ضوء ميزان المنافع والمفاسد انطلاقا
من أنّ المصلحة المعتبرة في الشرع تعني جلب كل ما فيه منفعة، ودرء
كل ما فيه مفسدة، وما دامت المصالح الغايات المقصودة للأحكام الشرعيّة،
فإنّ اعتبارها والانطلاق منها يعدّ ضمانا للوصول إلى مراد الله في
المسائل المستجدة والقديمة على حدّ سواء.
وزبدة القول، لا بدّ لحركة التقنين المنشود من الاستناد إلى هذا المبدأ
عند الهمّ بتقنين رأي، وصيرورته قانونا تلزم به المصارف الماليّة الإسلاميّة
المعاصرة، فالصدور عن هذا المبدأ يفضي إلى تحقيق مقاصد الشرع الخاصّة
بباب المعاملات، كما يفضي إلى تحقيق مراد الشرع في مستجدات الأموال
والأعمال. ورحم الله الإمام الشاطبي الذي نبّه على أهميّة هذا البعد
في التعامل مع المستجدات، حيث قال ما نصّه: "..أنّ المجتهد لا
يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام
إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعا لمصلحة فيه تستجلب،
أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع
لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا
أطلق القول في الأول بالمشروعيّة، فربمّا أدّى استجلاب المصلحة فيه
إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق
القول بالمشروعيّة، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعيّة.."
وصفوة القول، لا بدّ من الاحتكام إلى هذا المبدأ لضبط الرأي الذي يراد
تقنينه، فإلزام العامّة والخاصّة بذلك الرأي.
مآلات الأفعال
أما ما يدور في المبدأ الثالث بعنوان الاعتداد
بمآلات الأفعال عند تقنين رأي من الآراء الفقهيّة) يقول: إذا كانت
الموازنة بين المنافع والمفاسد أساسا يلاذ به لمعرفة الرأي الأجدر
بالتقرير والاعتماد لمسألة ماليّة مستحدثة في الملّة، فإنّ ثمة مبدأ
ينبغي اللجوء إليه عند الهمّ بتقنين رأي من الآراء الفقهيّة السائدة،
ويعرف هذا المبدأ بمآلات الأفعال، ويراد به أن يؤخذ بعين الاعتبار
المآلات التي تنجم عن تقنين رأي من الآراء في مجتمع من المجتمعات.
فإذا كانت المآلات تفضي إلى الإضرار بمقصد من مقاصد الشرع إن لسوء
تطبيق أو تنزيل للحكم في الواقع المعاش، أو لكون الواقع غير جاهز لتقبل
الحكم الشرعيّ، فإنّ على التقنين الالتفات إلى هذا المبدأ قبل اعتماد
الرأي وتطبيقه. ومقتضى هذا أنّ صحة الرأي لا تعني صلاحيّته للتقنين،
فالتطبيق والتنزيل، بل لا بدّ من النظر فيما يؤول إليه ذلك الرأي عند
التطبيق.
وبناء على هذا، فإنّ تقنين أيّ رأي جديد أو قديم لا بدّ له من أن يتم
بعد النظر في مآلاته، بحيث يكون ذلك النظر المحط الأخير للهمّ الاجتهاديّ
النظريّ الهادف إلى تحقيق قيوميّة الدين، وتسديد الحياة الماليّة وسواها
بتعاليم الشرع الحنيف.
إنّ الاعتداد بمآلات الأفعال عند اختيار رأي قديم أو جديد للتقنين
يعدّ ضمانا أكيدًا لحسن تطبيق تلك الرأي في عالم التنـزيل، إذ إنّ
الرأي المقنّن يجد طريقه نحو الوقوع بصورة مرنة ويسيرة، كما يعدّ الاعتداد
بالمآلات وسيلة فاعلة للقضاء المبرم على الازدواجيّة المموقوتة، والتبابن
المنبوذ بين النظر والتطبيق في كثير من الأحيان، إذ إنّه من الملاحظ
اليوم أنّ ثمة جملة حسنة من الاجتهادات الماليّة التي تؤصلت بعيدا
عن الاعتداد بالمآلات تعاني تشوّها في التطبيق، وقلقا في التنـزيل،
واضطرابا في الرؤية كما هو الحال في حال كثير من المصارف والمؤسّسات
الماليّة الموسومة بالمصارف والمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، حيث إنّها
لم تحقق هذه المصارف ـ على الرغم من مرور عقود أربعة على ظهورها ـ
أهمّ هدف من نشأتها، وهو المتمثل في مكافحة الفقر بين الشعوب الإسلاميّة،
ومحاربة الربا بجميع أشكاله وصوره وتطبيقاته. ومردّ هذا كله إلى تمركز
معظم أنشطة هذه المصارف حول عقود ومعاملات تزيد الجفوة والفجوة بين
الأغنياء والفقراء، حيث إنّها تتوسع في المديونيات على حساب الشراكات!!
وعليه، فإنّ المخرج اليوم من التيه المنهجيّ المتصاعد والتناقض الموضوعيّ
المفظع بين التنظير والتطبيق، يكمن في ضرورة تقنين تلك الآراء الفقهيّة
القادرة على إعادة الوصل بين المثال والواقع من جهة، وتحقيق الأهداف
والغايات المرجوّة من المصارف الإسلاميّة من جهة أخرى. ورحم الله الإمام
الشاطبي الذي نبّه ـ ذات يومٍ ـ على تلك الأهمية البالغة لهذا الأمر،
فقال في موافقاته ما سبق أن نقلنا جزء منه، وهو قوله: "..النظر
في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفة،
وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعلِ من الأفعال الصادرة عن المكلَّفين
بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعاً
لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه،
وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل
على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعيَّة فربَّما أدَّى
استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون
هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعيَّة، وكذلك إذا أطلق القول الثاني
بعدم المشروعيَّة ربَّما أدَّى إلى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي
أو تزيد، فلا يصح القول بعدم المشروعيَّة.. (فالنظر في مآلات الأفعال)
مجالٌ للمجتهد صعبٌ المورد، إلا أنَّه عَذْبُ المذاق، محمود الغبِّ
(العواقب)، جارٍ على مقاصد الشرعية..".
إنّ مكافحة المعالجات السريعة والتطبيقات المشوّهة للاجتهادات الماليّة
تكمن في عرضها على هذا المبدأ سواء أكانت تلك الاجتهادات قديمة أم
جديدة، سواء أكانت في مجال العقود والبياعات والمعاملات، أم كانت في
مجال الزكوات والأوقاف والهدايا وسواها، فما كان من تلك الاجتهادات
قابلا للتطبيق والتنـزيل في الواقع المعاش اعتدّ به، وقنّن، وما لم
يكن منها قابلا للتطبيق والتحقيق لتقادمها أو ظرفيّتها تُجُوِِزَ مطلقا،
وربما أُجّل العمل ببعض منها إلى حين. مما يعني أنّ توافر قابليّة
التطبيق والتحقق في الاجتهادات الماليّة شأن لا يمكن تجاهله ولا تجاوزه
عند التقنين، كما يعني هذا أنّه لا حاجة في الحسّ الإسلاميّ الواقعيّ
الرصين إلى اجتهاد فقهيّ ماليّ لا يمكن تطبيقه في دنيا الناس، ولا
يتحمله الواقع، ولا يطيقه الزمان. فالنظر والتطبيق يتكاملان في النظر
الإسلاميّ الموضوعيّ الرشيد!!
وعلى العموم، هذه هي أهم المرتكزات التي ينبغي الاستناد إليها عند
توظيف التقنين في مجال المصرفيّة الإسلاميّة المعاصرة؛ وينضاف إليها
ما سبق الإشارة إليه من أنّ المسألة التقنينيّة لا ينبغي إقحامها في
كل المسائل والقضايا، وإنّما ينبغي توظيفها في تلك المسائل الاجتهاديّة
العامّة التي تعمّ بها البلوى، ويترتب على تعدّدية الآراء فيها إخلال
بمقصد انتظام أمر الأمة؛ مما يعني أنّه إذا لم تكن المسألة المراد
تقنينها من جنس المسائل العامّة، أو كانت التعدّدية فيها غير مخلّ
بالمقصد المشار إليه آنفا، فإنّه لا حاجة إلى التقنين، بل يجب أن يفسح
المجال للتعدديّة، إذ إنّها تغدو ـ بعدُ ـ مصدر ثراء وتنوع وقوة وتطور.
ويقول الدكتور في خاتمة بعثه عن أهم النتائج
التي توصل إليها:
أولا: لا بدّ من تجاوز الحديث عن مشروعيّة التجديد، فالتجديد فريضة
دينيّة وضرورة عصريّة، وبالتالي، فإنّ إنكاره أو التشكيك فيه يعدّ
خروجا على الجادّة، واعتداء صارخا على هذا المبدأ الإسلاميّ الشامخ
الذي به تتبين صلاحيّة الإسلام لكل زمان ومكان، بل إنّ استعادة الأمة
عافيتها الحضاريّة وريادتها المعرفيّة وقيادتها العلميّة، يتوقف كل
أولئك على تجديدها مناهج تفكيرها، وآليات تفاعلها مع العالم الذي حولها.
إذ من المتعذر أن تكون للأمة صولة حضاريّة أخرى ما لم تجدّد النظر
في موروثها الثقافيّ، وإرثها الفكريّ، وحملها الاجتماعيّ تمكينا لها
من المواكبة الواعية، والمجابهة الرشيدة، والاستنارة الرشيقة.
ثانيا: إنّ التجديد المنشود في الفكر الإسلاميّ لا ينحصر في دائرة
الفقه، فحسب، ولكنّه يتنظم العقيدة، والتربية، بل إنّه يتنظم جميع
مجالات الحياة الإنسانيّة، فثمة تجديد في الفقه، وتجديد في العقيدة،
وتجديد في التربية، وتجديد في الفكر، وتجديد في السياسة، وتجديد في
الاجتماع، وتجديد في الاقتصاد، وتجديد في الثقافة، وذلك اعتبارًا بأنّ
هذه المجالات كلها يطالها البلى، ويداهمها التقادم مما يعجزها على
المواكبة والتأثير. وعليه، فإنّ التجديد هو الرافد والملاذ الذي يلاذ
به لإعادة الحيويّة والديناميّة والنشاط إلى هذه المجالات تمكينا لها
من تحقيق أهدافها ورسالتها.
ثالثا: إنّ التجديد في الفقه الإسلاميّ لا ينبغي
أن يكون تجديدا في الشكل، بل يجب أن يكون تجديدا في المضمون، وفي المنهج،
وينبغي الاستعانة بكافة الوسائل والطرق الممكنة من أجل تحقيق تجديد
شامل للفقه الإسلاميّ شكلا ومضمونا ومنهجا وموضوعا.
رابعا: إن تقنين الفقه الإسلاميّ يراد به إعادة صياغة الأحكام والاجتهادات
الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة، كما يعني اختيار رأي
من الآراء الاجتهاديّة، وصيرورته قانونا تسير عليه المحاكم، ويحتكم
إليه المتقاضون في مجتمع من المجتمعات وفي عصر من العصور. وبناء على
هذا، فإنّ التقنين يعد اليوم من أهم وسائل التجديد في الفقه الإسلاميّ
شكلا ومضمونا، فمن حيث الشكل ينبغي توظيفه من أجل إعادة صياغة الآراء
والأحكام الفقهيّة في شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة. وأما من حيث
المضمون، فإنّه يمكن توظيفه من خلال اختيار رأي من الآراء الفقهيّة
وصيرورته قانونا واجب الالتزام والإلزام في مجتمع من المجتمعات في
عصر من العصور.
خامسًا: إنّ علاقة التجديد بالتقنين علاقة مقصد
بوسيلة، فالتجديد مقصد ثابت وراسخ، وأما التقنين فوسيلة هامّة من وسائل
تحقيق هذا المقصد، ولذلك لا غرو أن يساغ الخلاف في مشروعيّة التقنين،
ولا يساغ أدنى خلاف في فرضيّة التجديد وضرورته في كل عصر ومصر.
سادسا: إنّ المصارف الإسلاميّة تمثل اليوم واجهة
مهمة دالة على شموليّة الإسلام وقدرته على توجيه حياة الإنسان في جميع
شعابها، وقد أسّست هذه المصارف في النصف الثاني من القرن المنصرم وذلك
من أجل إبراز أسس النظام الماليّ في الإسلام، ومكافحة الربا، وسائر
المعاملات التي تخرج المال عن وظيفته الأساسيّة، بيْد أنّ هذه المصارف
لما تحقق كثيرا من الآمال التي علّقتها عليها الأمّة، إذ لا تزال جوانب
من المعاملات الربويّة حاضرة بالقوة والفعل في كثير من هذه المصارف،
كما أنّ هذه المصارف لم تتحول بعدُ إلى بنوك خدميّة تضيق الفجوة والجفوة
بين الأغنياء والفقراء، إذ إنّها لا تزال تنافس مثيلاتها في التوسع
في العقود والمعاملات القائمة على الديون، وأما المعاملات القائمة
على المشاركة، فإنّها تشكو شحا في هذه المصارف مما يشكّل قلقا لأولئك
الذين كافحوا من اجل تأسيس هذه المصارف.
سابعًا: إنّه من الممكن توظيف التقنين للتجديد
في العديد من المسائل الاجتهاديّة التي اختلفت فيها الأنظار الفقهيّة
قديما وحديثا، ويتوقف ذلك التوظيف على كون تلك المسائل الاجتهاديّة
مسائل عامّة تعم بها البلوى، ويؤدّي الاختلاف فيها إلى إخلال بمقصد
انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كما هو الحال في اختلاف الفقهاء
في مدى مشروعيّة إيداع الأموال في المصارف الربويّة في حالة عدم وجود
مصارف إسلاميّة، واختلافهم في مدى مشروعيّة الاستفادة من الفوائد المتحصلة
من الأموال المودعة في المصارف الربويّة خارج الديار الإسلاميّة، وغيرها
من المسائل المختلف فيها اليوم. وأما المسائل الاجتهاديّة الأخرى التي
لا يترتب على الاختلاف فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن
الماليّ، كاختلافهم في مدى مشروعيّة الإلزام بالوفاء بالوعد ديانة
وقضاء، واختلافهم في الحسومات والخصومات المتحصلة من الأوراق البنكيّة
وسواها، فإنّه لا حاجة إلى توظيف التقنين في هذه المسائل، ويجب فسح
المجال للتعدّدية المسؤولة فيها.
ثامنا: إنّ المصارف الإسلاميّة تحتاج اليوم
إلى تقنين العديد من الاجتهادات الفقهيّة التي تطبّقها خروجا من الخلافات
المريرة حول بعض العقود والبياعات الهامّة، ومما يؤسف له أنّ هذه المصارف
لا تتوافر ـ حتى هذه اللحظة ـ على دعم سلطانيّ يجعل تقنين أعمالها
ممكنا على المستوى العالميّ، مما يعني أنّ التقنين الممكن لهذه المصارف
لا يتجاوز اليوم دائرة القطر الواحد، والمأمول أن يغدو تقنين قابل
للتطبيق في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ. والجدير بالإشادة والذكر
في هذا المقام ما تنهض به هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات الإسلاميّة
من محاولات جادة من أجل تحقيق هذا التقنين من خلال إصدار المعايير
الشرعية والمحاسبيّة، وكذلك ينبغي الإشادة بما يقوم به مجلس الخدمات
المصرفيّة من محاولات مشكورة في التقريب بين المصارف المركزيّة في
العالم الإسلاميّ وخارجه.
أخيرا: إنّ ثمة مرتكزات ينبغي الاعتداد بها عند الهمّ بتقنين المصارف
الإسلاميّة على المستوى العالمي، وتتمثل تلك المرتكزات في جملة من
المبادئ العلميّة والمنهجيّة التي تتلخص في مبدأ الاحتكام إلى مقاصد
الشرع الخاصّة بباب المعاملات لاختيار الرأي الذي يراد تقنينه، وأما
المبدأ الثاني، فيتمثل في الموازنة بين المنافع والمفاسد في تحديد
الرأي الذي يراد تقنينه، وذلك في القضايا والمسائل المستجدة. وأما
المبدأ الثالث، فيتمثل في الاعتداد بمآلات الأفعال عند الهمّ بتقنين
رأي من الآراء سواء أكان ذلك الرأي قديما أم جديدا، فمآل الرأي هو
المعيار الذي يبنغي أخذه بعين الاعتبار عند تقنين الآراء والاجتهادات.
وبهذا نضع رحالنا عند نهاية هذه الدراسة سائلين المولى الكريم أن يمنّ
علينا بفيض رحمته، ويكلأنا بعظيم رعايته، ويزيدنا فقها في دينه وعملا
بكتابه وسنة نبيه، إن نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، وما توفيقنا إلا
بالله العليّ العظيم.
ولنا تواصل مع بحثٍ آخر بإذن الله تعالى...
أعلى
أمة اقرأ.. ماذا تنتظر؟
ليس لدي وقت للقراءة، أنا مشغول وأعود من العمل
منهكاً ووقت المساء لقضاء المآرب الأخرى وأيام الإجازات للتسوق وزيارة
الأهل والسياحة وغيرها، هذا هو لسان حال السواد الأعظم في مجتمعاتنا.
لماذا؟ لأننا لم نعرف من أين تؤكل الكتف. أمة لا تقرأ أمة لا ترقى.
ولم نفكر في استلذاذ الكتاب رغم أم عبارة (خير جليس) أصبح يتلفظ بها
القاصي والداني والصغير والكبير، ولكن أين من يجالسه، لقد حكم عليه
هو وصحبه بالسجن الانفرادي المطلق، ولا يزوره في سجنه إلا القلة القليلون
بين مناسبة وأخرى.
هناك من يرى أن سحر الكتاب قد بطل في واقعنا المعاصر، والحق أن الكتاب
كما قال الجاحظ: "وعاء مليء علما وظرف حشي ظرفا ومن لك بمؤنس
لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى آمن من في الأرض واكتم للسر
من صاحب السر واحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ولا أعلم جارا آمن ولا
رفيقا أطوع ولا معلما أخضع ولا صاحبا أظهر كفاية وعناية وأقل إملال
من كتاب ولا أعجل مكافأة ولا شجرة أطول عمرا ولا أطيب ثمرا ولا أقرب
مجتنى ولا أسرع إدراكا ولا أوجد من كل مال من كتاب".
فهل نجد من هذا الوصف ما هو أكثر سحراً ؟؟ قديماً قيل (من قرأ درى)
فالدراية هنا نتيجة حتمية للقراءة والدراية لا شك منطلق للأفراد والمجتمعات
والشعوب والأمم لخوض غمار الحياة، ومعيار للتقدم والازدهار ومطلب للشهود
الحضاري الذي ترقب فجره الأمة الإسلامية.
وحين أدركت الشعوب المتقدمة قيمة القراءة صار الكتاب جليساً في المجالس
ورفيقاً في السفر وأنيساً عند الوحدة انعكس ذلك إيجاباً على الفعل
الفردي والمجتمعي فأثمر مجتمعاً واعياً منضبط السلوك متقد الأذهان
عالي الطموح، وأصبح التقدم في كل شيء هاجس تلك الشعوب حتى شقت طريقها
فنالت بغيتها ولا تزال تمخر ذلك العباب.
إن خيرية أمة (اقرأ) أول ما نزل من القرآن متحققة لا شك حين يدرك أبناء
الأمة الأبعاد العميقة للقراءة التي أصبحت شبه غائبة في مجتمعاتنا
نتيجة الجري وراء سراب من المغريات والملهيات، في حين نجد الأمم الأخرى
لا يكاد يفارق الفرد منها الكتاب.
وثمة فارق بين المسلمين وغيرهم في إطار المنافسة جاء في الكتاب العزيز
في سياق الصراع بين الحق والباطل (وترجون من الله ما لا يرجون) لماذا
يرجوا المسلمون من الله ما لا يرجو غيرهم؟ وهل الرجاء مقتصر على ساعات
الشدة واشتداد حمى الوطيس؟ إن الرجاء في كل الأحوال والظروف إذا اقترن
بالعمل فهو لا شك سبب لتحقيق كل مبتغى، ومن هنا فإن الفارق في كون
الحضارة الإسلامية امتداد أبدي لدين رباني المصدر وفي كون هذه الأمة
أريد لها أن تكون (خير أمة أخرجت للناس) فإن كان الآخر يفتقد هذه المزية
وقد تفوق علينا في سباق القراءة الذي يحتضنه مضمار الحياة الإنسانية
فحري بـ (أمة اقرأ) أمة الخيرية أن تحوز قصب السبق.
محمد بن عامر العيسري
أعلى
|