|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
* سماحة الشيخ تلاحظون وضع الإنسانية في هذا الوقت المعاصر نجدها مكلومة
وتنزف جراحها مع ذلك يظل العالم ينظر إلى هذا المشهد وربما يكون من
ضمن الناظر إلى هذا هو من ينادي بأعلى صوته بأن للإنسانية حقها الذي
لا بد أن تناله .
نشاهد هناك وهناك الأخبار ونسمع عما يجري حول العالم من أن أناساً
يحاصرون يُجوعون تُمنع عنهم أهم مقومات الحياة ، كيف تقومون سماحة
الشيخ مثل هذا الوضع الإنساني الذي بلغه العالم المعاصر ؟
** بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
أما بعد فلا ريب أن هذه محنة كبرى ومصيبة عظمى وبلاء عظيم ، هو بلاء
على هذه الأمة ، أمة الإسلام لأنها هي التي استهدفت ، وهي التي يراد
أن تُقطع أوصالها وتُمزع أشلاؤها ، وأن تصبح بين الناس أمة هزيلة ،
أو أن تصبح أمة طواها التاريخ ونسيها الزمن وبذلك يتآمر المتآمرون
عليها.
فما يجري في أرض فلسطين وبالنسبة في هذا الوقت في غزة من المحاصرة
الجائرة ومن تجويع شعب ومحاولة إذلاله وإبادته ومحاولة القضاء على
معنوياته إنما هو أمر يستوقف كل ذي لب ، ويستدعي أن تستيقظ هذه الأمة
وأن تدرك ما يراد بها حتى لا تقول أو يقول قائل منها في يوم من الأيام
(أكلت يوم أكل الثور الأبيض) .
إن على هذه الأمة أن تستيقظ وأن تدرك خطورة الأمر ، وأن تدرك أنها
مستهدفة مع أن الله سبحانه وتعالى فرض عليها أن تكون أمة واحدة في
إحساسها وشعورها وآلامها وآمالها ومبادئها وغاياتها ، فرض الله تعالى
عليها الوحدة في كل ناحية ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات:
من الآية10) ، ومع ذلك يُبيّن النبي صلى الله عليه وسلّم صفة هذه الأخوّة
بين المؤمنين إذ يقول ( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم
كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )
. فلما كان الأمر كذلك فأين هذه الروح الإيمانية في هذه الأمة ؟
إن هذه الأمة محاسبة ، قياداتها محاسبة ، وشعوبها محاسبة ، وخاصتها
محاسبة ، وعامتها محاسبة ، كل واحد محاسب ( كلكم راع وكلكم مسئول عن
رعيته ) ، فعلى كل واحد أن يستشعر هول الموقف وصعوبته ويدرك ما يراد
بهذه الأمة ، وهذا على أي حال يستدعي وقفة أولاً في محاسبة النفس .
هذه الأمة مُيزت بين الأمم بأنها قائمة بأمر الله ومضطلعة بأمانته
ومجسدة لرسالاته ، فلذلك عليها أن تدرك خطورة الموقف ، الله تبارك
وتعالى بيّن أن ميزتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( كُنْتُمْ
خَيْرَ أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران: من الآية110)
، ويُبيّن كيف الترابط والتواصل بين المؤمنين والمؤمنات عندما يقول
سبحانه وتعالى ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
(التوبة:71) .
أين هذه الصفات في هذه الأمة ؟ أين القوامة على رسالات الله سبحانه
وتعالى والاضطلاع بأمانة الله والقيام بحقه وتطبيق شرعه وإقامة حدوده
وتنفيذ أحكامه ؟
كل ذلك إنما هو سبب عزة هذه الأمة ، وسبب علوها وظهورها وقوتها ومنعتها
، ولا ريب أن هذه الأمة عندما تكون أمة عزيزة ، أمة مضطلعة بأمانة
الله تعالى ، أمة قائمة بشرع الله سبحانه وتعالى يضفي ذلك على العالم
كله العدالة والإنصاف ، كم سعدت الإنسانية في ظل قيادة هذه الأمة عندما
كانت هذه الأمة مضطلعة بأمانة الله وقائمة بحقه آمرة بالمعروف ناهية
عن المنكر مقيمة لحدوده منفذة لأحكامه مطبقة لشرعه ، كانت الإنسانية
تنعم بأسرها في ظل ذلك النظام العادل الذي كان يجد الإنسان فيه بغيته
، يجد الإنسان فيه كرامته في هذه الحياة .
فإذن إضاعة هذه المسئولية من قِبَل هذه الأمة وترك الحبل على الغارب
وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي أوقع هذه الأمة في هذه
الهوة السحيقة وتركها تتردى إلى هذه الدركات الهابطة فأصبحت نُهبة
كل أحد يطمع فيها ، كل أحد يتآمر عليها .
فلا ريب أن هذه المؤامرة التي نجدها الآن على شعب عزيز ، جزء لا يتجزأ
من هذه الأمة وعضو في جسم هذه الأمة أمر يستدعي وقفة ، وقفة ايجابية
من قِبَل هذه الأمة ، كم كان الناس في العهود الغابرة يغارون على حرمات
الله سبحانه وتعالى وعلى حرمات الإنسانية ولا يترددون ، القرآن الكريم
يبين كيف قيمة الإنسان ، قيمة الإنسان في القرآن الكريم أي إنسان كان
، الله تبارك وتعالى يقول ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي
إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ
فِي الأرض فكأنما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فكأنما
أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )(المائدة: من الآية32) ، الآن تُباد شعوب
تقتل ، يقتل الأطفال وتُرمل الناس وتُقتل النساء ويُقتل الشيوخ وتُقتل
العجائز ولا يُحسب حساب لقيمة الإنسانية لا سيما الشعوب المسلمة كما
هو الوضع عند الشعب الفلسطيني ، فإذن أمر هذا يدل على أن حرمات الإنسانية
انتهكت فضلاً عن حرمات الدين وفضلاً عن حرمات الإسلام ، وهذا كما قلت
يستدعي أن تكون هذه الأمة دقيقة في محاسبتها لنفسها ، قادرة على تجاوز
هذه المرحلة مرحلة الابتلاء مرحلة الصعوبة مرحلة المحنة ، وذلك بالرجوع
إلى الله سبحانه وتعالى ومحاسبة النفس فإن الله سبحانه وتعالى جعل
لها النصر والتمكين عندما تصدق في نصر الله سبحانه ( وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ
إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الأُمُورِ) (الحج:40-41).
إذن هذا الموقف الذي يجب ، ونحن نرى قيمة الإنسان كما قلنا في القرآن
الكريم ، قيمة الأسير الذي لا يملك لنفسه شيئا ، وذلك الشعب أصبح أسيراً
الآن ، أحيط به من كل جانب يُجَوّع ويُقَتّل ويُشَرّد ويُفعَل به الأفاعيل،
كيف قيمة الأسير في القرآن ، الله تبارك وتعالى يقول ( وَيُطْعِمُونَ
الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الإنسان:8)
، الأسير إن كان من صفوف أعداء الأمة ولكن كان في يد الأمة فالأمة
أمينة على هذا الأسير ، فهي مسئولة عن هذا الأسير ، فكيف بأسارى الأمة
نفسها تنساهم هذه الأمة ولا تقوم بحقهم في فكاك أسرهم وحل مشكلتهم
ورد كرامتهم إليهم ، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيد لهذه الأمة صوابها
حتى تستيقظ من غفلتها وتقوم من عثرتها إنه تعالى على كل شيء قدير .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
((آفة العين وطرق الوقاية منها ))
حديث اليوم عن آفة تستنزل الفارس عن فرسه، وكما
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((تورد الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر)).
إنها العين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((العين حقّ، ولو
كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا)) رواه مسلم
في صحيحه.
جاءت الإشارة إلى العين في القرآن الكريم على لسان يعقوب عليه السلام
حين خاف على أبنائه فقال: يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ
وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ
اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف: 67].
وهكذا يفعل المؤمنون يأخذون بالأسباب، ويبقى
التوكّل على الله ملاذا آمنا ومعتقدا صادقا، يأخذون بالحيطة والحذر،
ويؤمنون بالقضاء والقدر، ويثقون بقدرة الواحد الأحد، وَمَا أُغْنِي
عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.
وجاء في القرآن الكريم أيضا إخبار من الله تعالى إلى رسوله صلى الله
عليه وسلم عن حسد الكافرين له , ومحاولة إنفاذه بأبصارهم: وَإِنْ يَكَادُ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا
الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم: 51]. قال ابن
عباس ومجاهد وغيرهما: لَيُزْلِقُونَكَ أي: يعينونك بأبصارهم، بمعنى
يحسدونك. قال ابن كثير في تفسيره "وفي هذه الآية دليل على أن
العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل كما وردت بذلك الأحاديث
المروية من طرق متعددة كثيرة".
ومع ثبوت العين وأثرها بإذن الله تعالى حتى قال عليه الصلاة والسلام:
((أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين)) رواه البخاري.
فلا ينبغي الإفراط ولا التفريط بشأنها، وكما لا يسوغ إنكارها فلا يسوغ
الإسراف بشأنها ونسبة كل شيء إليها.
والمسرفون بأمر العين تطاردهم الأوهام ويحاصرهم القلق ويضعف عندهم
اليقين ويختل ميزان التوكل، أولئك يُعظًمون البسيط، وينسبون كلّ إخفاق
أو فشل إلى العين , وإن لم يكن بهم عين، وربما استدرجهم الشيطان فأمرَضهم
وما بهم مرض، وأقعدهم عن العمل وما بهم علّة، ذلكم لأنّ نسبة العجز
والكسل إلى الآخرين أسهل من الاعتراف به وتحمّل لوم الآخرين.
وبين هؤلاء الجفاة والغلاة تقف طائفة من الناس موقفا وسطا، تؤمن بالعين
وتصدق بآثارها نقلا وعقلا، ولا تغالي فتنسب كل شيء إليها، تتقي العين
قبل وقوعها، وتفعل الأسباب المأذون بها شرعا بعد وقوعها.
وإيّاك والحسد فإنه منفذ للعين، فكل عائن حاسد، وليس كلّ حاسد عائنا،
ولما كان الحاسد أعمّ من العائن كما في قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ
إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5]، والعائن ربما فاتته نفسه أحيانا فوقعت منه
العين وإن لم يردها، وقد يكون العائن صالحا، وربما أصاب أقرب الناس
إليه وإن لم يقصد من والد أو ولد، ولذا يوصى المسلم عموما والعائن
خصوصا بذكر الله والتبريك حينما يعجبه شيء، وتلك وصية من وصايا الحبيب
المصطفى يأمرنا بها حين يقول: ((إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو
من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق .
إن النفوس المؤمنة لا يفارقها الذكر، ولا ترضى للآخرين بالضر، ويصاحبها
الدعاء والتبريك والشكر، (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ
مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) [الكهف: 39].
على أن المسلم نفسه ينبغي أن يحتاط لنفسه، ويدفع غوائل الشر عنه ما
استطاع، وإذا كانت العين سهما تخرج من نفس الحاسد أو العائن نحو المحسود
والمعين فهي تصيب تارة وتخطئ تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه
أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكيَ السلاح لا منفذ فيه للسهام
لم تؤثر فيه، كذا قال العارفون.
فإن قلت: وكيف أتقي العين؟ وما أعظم سلاح ألوذ به؟
نجيب بأن الأذكار والأوراد الشرعية أعظم ما يحفظ الله بها الإنسان،
فاسم الله الأعلى لا يضر معه شيء، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
[سورة الفلق] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [سورة الناس] ما تعوذ
متعوذ بمثلهما، وقراءة آية الكرسي والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة
يحفظ الله بهما عباده المؤمنين. قال ابن القيم: "ومما يدفع به
إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روى هشام بن عروة
عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما
شاء الله ولا قوة إلا بالله. ومنها رقية جبريل عليه السلام للنبي التي
رواها مسلم في صحيحه: ((بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل
نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك)). وثمة وقاية من العين
بإذن الله , يغفل عنها كثير من الناس، ألا وهي ستر محاسن من يخاف عليه
العين بما يردها عنه، ويبقى بعد ذلك أمران مهمان يحسن التنبيه إليهما
حين الحديث عن العين:
الأول منهما: أن لا تكثر من التطير والتشاؤم، وأن تحسن الظن بالله،
وتقوي جانب التوكل عليه، وأن يلازمنا الفأل الحسن، فقد كان عليه الصلاة
والسلام يعجبه الفأل، ونهى عن الطيرة فقال: ((الطيرة شرك، الطيرة شرك،
الطيرة شرك)) ثانيا: أن لا ننسى حظوظ النفس وآثار المعاصي , في وقوع
المصائب والكوارث لبني الإنسان، فكثير من الناس إذا وقع لهم مرض أو
أتته مصيبة عزاه للعين مباشرة دون أن يتّهم نفسه , أو يفتش في أحواله
وعلاقته بربه.
صحيح أن العين حق وقد سبق البيان، ولا يماري في ذلك مسلم يؤمن بنصوص
الكتاب والسنة، ولا عاقل يرى أثر العين رأي العين، ولكن الذي ينبغي
أن لا ينسى أن للذنوب أثرا في وقوع المصائب، كيف لا والحق تبارك وتعالى
يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى 30 قال الحسن: لما نزلت هذه الآية
قال النبي : ((وما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب،
وما يعفو الله عنه أكثر)). نسأل الله تعالى: أن يعصمنا من الذنوب,
وأن يقينا شر الحاسدين, اللهم آمين ***
إبراهيم السيد العربي
أعلى
قلبي ليس معي إنه في غزة
يد الغدر الإسرائيلية تواصل دك بيوت ومساجد غزة
بأسلحتها الفتاكة أكثر من اثنين وعشرين يوماً على التوالي، ووزيرة
الخارجية الإسرائيلية أعلنت من فرنسا منذ أيام أنه لا توجد أزمة انسانية
في غزة تستدعي وقف إطلاق النار لدخول المساعدات الإنسانية، ومسؤول
اسرائيلي آخر يقول إن الهدف من الحملة هو إحلال السلام، وأن هدفها
إيجابي ما دام أنه سيبيد الإرهاب المتمثل في حركة حماس، فعلا إنه إرهاب
لكنه غير متكافئ أبدا، فمقابل عدد قليل من الاسرائيليين قتلوا على
يد حماس هناك أكثر من ألف شهيد إلى الآن في صفوف غزة، وأكثر من خمسة
آلاف جريح، ولا توجد أزمة انسانية، ماذا ستفعل مستشفيات غزة بذلك الكم
الهائل من الجرحى وهي لا تملك الأدوات اللازمة لإسعافهم؟
الدم الإسرائيلي غالٍ جداً، لذلك فهناك هذا التباين الضخم بين خسائرهم
وخسائر غزة، ولذلك هم يجتاحون غزة براً الآن، فماذا فعل العرب والمسلمون
لتصحيح هذه المعادلة الصعبة؟ هنيئا لترسانتهم التي يُنفق عليها المليارات
بلا فائدة، هنيئا لها صدأها المتراكم عليها منذ سنين، هنيئاً لها كسلها
الصباحي والمسائي، هنيئاً لها سباتها الأبدي.
يجب أن يتخلوا عن ذنوبهم كي لا يتخلى النصر عنهم.
عندما رمى منتظر الزيدي بحذائه الذي ألهم العالم من شرقه لغربه، هلل
الشعب العربي المقهور، ونطت الفرحة من عينيه وكأنها فتحت القدس، وكأن
اسرائيل اجتثت من قلب الشرق الأوسط، الكثير اعتبر هذه الفرحة العارمة
سذاجة بالرغم أنه لا نصر مؤكد فيها، ولكن ماذا بيد الشعب العربي سوى
الفرحة بذلك الفعل ، ما دام أنه لا يملك سوى الحجارة في فلسطين، والأحذية
في العراق.
فهنيئا للصحافة ووكالات الأنباء العالمية لأنها وجدت مادة إعلامية
دسمة لتسوق بها بضاعتها، وهنيئا لبوش لقصر نظره المتوارث أبا عن جد
لأنه لم ير رمزا ولا معنى لتلك الرشقة أبعد مما رآه قرب أنفه.
هنيئا لك أيها العالم العربي لأن رمز حريتك أصبحت فردتي حذاء قبل أن
كان في الماضي السيف الصقيل، وفي الحاضر اللسان السليط، أما الآن فأصبح
فردتي حذاء!
للأسف صديقي منتظر ليس دائما تجري الرياح بما تشتهي السفن هاهي رشقتك
تذهب هباء، ووحدك تذوق الويل الآن، ووحدك تنتظر إصدار الحكم عليك،
أكثر شيء أعجبني من فعلك أن بوش لن يأتي ذكره في التاريخ دون أن تذكر
معه فردتا حذائك.
ولكن ماذا استفدنا من حذاء منتظر ؟ وبطولته لم تحرك ساكناً في الوطن
العربي، ها هي غزة تدفع أضعاف تلك الرشقة، ولكن لا أحد يستطيع تخليصها
من عذابها، لا أحد يستطيع أن يوقف الجرح النازف في أحشاء الوطن العربي.
يا نفسي صبراً إن النصر يقتربُ، من أين لي بالصبر والجرح يتسع؟
هل يجب أن نصم آذاننا عن سماع الإذاعات، أم يجب علينا أن نعمي عيوننا
عن مشاهدة التلفاز حتى نهنأ بالنوم تحت البطانيات المزركشة الدافئة،
في هذا الشتاء، الملتهب في غزة.
كيف يمكننا أن نهنأ بالدفء وهناك في غزة من يرتجف برداً، كيف يمكننا
أن نهنأ بالأكل الساخن، وهناك من لا يجد لقمة باردة، أولادنا يمرضون
وأمراض البرد المتكررة لا حصر لها، فنركض مسرعين بفلذات أكبادنا لأقرب
مشفى، كيف يهنأ جفننا بالنوم وهناك من لا يجد الدواء، بالرغم من البرد
والأسى.
هل سنظل أمة مستضعفة وإلى الأبد، يجب أن يخرج من الركام من يُغير الأحداث
والتاريخ.
ملياراتٌ تنفقُ لأسلحةٍ
لا هم لها سوى النوم والكسلِ
فهنيئاً لها نومها
الصباحي والمسائي
هنيئاً لها سباتها الأبدي
أما آن الأوان
لوقف النزف من الجرحِ
غزةُ تبكي الليل ساهرةً
ونحن هنا في لهوٍ وفي لعبِ
ما عاد هنا شيء يطربني
وهناك غزة مقطوعة الشريان
غارقة في النزفِ
ما عدت أقوى على كف الدمع من العينِ
غزة أنتِ في القلبِ
محفورة وللأبدِ
عزة بنت محمد الكمياني
azza2002@live.com
أعلى
|