قضايا
بعد نبوءات بانارين وتوجيهات كيسنجر بالتحالف
مع الخصوم
واشنطن مجبرة على الاختيار بين دواءين أحلاهما مر للخروج من اأازمة
الاقتصادية
محمد عبدالخالق*
لم يعد ثمة شك في ان حربا باردة جديدة أخذت تتضح معالمها ، التي
تتخذ في مرحلتها الجديدة هذه زيا اقتصاديا اكثر منه عسكريا، هذا
التغير في الادوات املى بالضرورة تغيرا آخر في التحالفات والتجاذبات
بين اطراف العالم، وعلى نحو اسقط ثوابت كانت يوما سائدة واضطرت الاطراف
التي شعرت انها غارقة في أتون الحرب الباردة الجديدة الى التعاطي
مع الواقع الجديد بضروراته. ولكن الحقيقة التي تبدو اكيدة ان روسيا
حين قررت دخول هذه الحرب انما تسلحت على نحو افضل بادوات بدت حاسمة
في تأثيرها على نحو واضح اختبرت آثاره في ازمة الغاز مع اوكرانيا
التي كانت في الحقيقة موجهة الى اوروبا بشكل صاعق الى ان تتجمد اطراف
الاتحاد الاوروبي لعدة ساعات كانت كفيلة بالضغط على اوكرانيا لتذعن
للمطالب الروسية على وجه السرعة. واوضح الآليات التي استخدمتها روسيا
للفوز في (مران الاختبار الاول) هذا هي ذاتها الآليات التي استخدمها
الغرب يوما ما لقهر الاتحاد السوفيتي ، وهي آليات السوق الحر. ومن
ثم لم يستطع الطرف الآخر في عملية الاختبار الاولية هذه التناقض
مع نفسه فأذعن للمطالب دون جدول استباقي.
لكن يبدو ان روسيا تجهز نفسها على نطاق آخر كان هو ايضا ضمن عوامل
وادوات سقوط الاتحاد السوفيتي وهو عامل الإعلام وهو مجال برع فيه
الغرب كثيرا وطوروا آلياته لتخدم السياق الإمبريالي الهادف الى السيطرة
على اقتصادات العالم ومن ذلك التقارير التي تمطرها مراكز الدراسات
المتعددة المنتشرة في العواصم الغربية وبخاصة في الولايات المتحدة
الاميركية.
وفي الآونة الاخيرة نشر عالم روسي وخبير في الدراسات الاستراتيجية
تصوره عن مستقبل الولايات المتحدة الاميركية التي رآها في حال تمزق
وتفتت حتمي بسبب الازمة المالية التي اندلعت فيها وانتشرت منها الى
اقتصاديات العالم كله وأسواقه المالية.
وقد وضع العالم الروسي ايجور بانارين خارطة طريق للانهيار الاميركي
المرتقب وقام بشرحها للعالم في مناسبات اعلامية عديدة بينها محاضرات
ولقاءات مع وسائل اعلام ومنشورات اخرى كلها تصب في اتجاه رسم خارطة
جديدة للولايات المتحدة الاميركية بعد انقسامها في اعقاب حرب اهلية
متوقعة بحسب رأي بانارين الى خمسة اجزاء هي: اميركا الاطلسية التي
توقع ان تنضم الى اوروبا وآلاسكا التي رأى انها ستنضم الى روسيا،
ثم اميركا الوسطى وستكون تحت سيطرة كندا، وجمهورية كاليفورنيا التي
ستنضم الى الصين بسبب افلاسها وعجزها عن ادارة شؤونها كولاية اميركية
وجمهورية تكساس التي ستكون تحت سيطرة المكسيك واخيرا جزر هاواي التي
توقع بانارين ان تضمها اليابان او الصين.
ويمكننا ان ننظر مع الناظرين الى تصورات نارين على انها رجم بالغيب
ويتأبى على التصديق، لكن لكون العالم الروسي كان يعمل محللا في الاستخبارات
الروسية وخبيرا في العلاقات الروسية ـ الاميركية فإن الاعتقاد بان
هذا التقسيم يتساوق وينضوي تحت تطلعات جادة صوب عالم متعدد الأقطاب
قادم لا محالة حتى لو لم يصل في تأثيراته الى تفتت الولايات المتحدة
الى الاقاليم الخمسة التي وصفها بانارين في خارطته المتخيلة. ومع
ذلك يمكن التسليم بان الازمة المالية الحالية تقف في عضد الوحدة
الاميركية بالفعل، وقد كان السائد في وسائل الاعلام ان يتحدث الناس
عن إفلاس بنوك او شركات رهن عقاري او مؤسسات عملاقة تجسد زهو الاقتصاد
الاميركي، اما ان يدور الحديث عن افلاس اكبر ولاية اميركية وعرضها
بالكامل للبيع بسبب الكارثة المالية فهو ما لم يكن متوقعا من وراء
الازمة المالية، لكن مفهوم السوق الحر يعني ان كل شيء معروض للبيع
حتى لو كان الولاية الاكثر سكانا والاكثر ازدهارا اقتصاديا في الولايات
المتحدة الاميركية. فقد اوشكت الولاية على اعلان افلاسها بالفعل
وعجزت عن دفع رواتب الموظفين ، والقيام بالخدمات اللازمة في الولاية
، حتى بيوت المسنين فقدت العون الحكومي ومهددة بإلقاء القاطنين فيها
الى الشارع وسط عجز في موازنة الولاية بلغ 38 مليار دولار ولا مصادر
لتمويلات بديلة.
اذا طرحت روسيا خطتها على مستوى النظرية والتطبيق لتستبق المعركة
التي اخذ يعلو وطيسها، بإظهار عزمها على فرض هيمنتها الاقتصادية
على الشريك الاول للولايات المتحدة (الاتحاد الاوروبي) بعد ان هددتها
عسكريا باعادة توجيه الصواريخ الاستراتيجية صوبها في اعقاب ازمة
الدرع الصاروخية الاميركية في بولندا وتشيكيا.
وعندما كانت المقامرة على اسعار النفط لدى الدول المستهلكة ترتفع
بتلك الاسعار عكفت آلات الاعلام الساحقة في الغرب على اتهام الدول
المصدرة بانها مسؤولة عن هذه الارتفاعات، وتعزز هذا الادعاء بتحذير
صدر من احد كبار المنظرين السياسيين والاقتصاديين في الولايات المتحدة
وهو هنري كيسنجر بان تكدس اموال النفط لدى الدول المصدرة وبخاصة
في دول الخليج العربية سيؤدي الى ان تتدفق هذه الاموال في ايدي الارهابيين،
ومن ثم لجأت آليات الضغط الاخرى الى ممارسة دورها بموافقة الكونجرس
الاميركية على مشروع قانون يسعى الى محاكمة دول اوبك بتهمة الاحتكار
والتلاعب باسعار النفط. وسرعان ما تم ترجمة دعوة كيسنجر الى حرمان
الدول المصدرة للنفط من مداخيلها المالية حيث تهاوت اسعار الوقود
الى مستويات متدنية جدا ، لكنها كانت مصحوبة بانهيار مالي كبير في
الغرب بدأ بتداعي مصارف وشركات ائتمان ورهن عقاري كبرى في الولايات
المتحدة وامتد الانهيار المالي الكبير الى اسواق المال الكبرى واتضحت
الآثار السيئة للنظام المالي الحر الذي دأبت الولايات المتحدة على
الدعاية له عدة عقود مستمدة من ضغوط هيئات مصرفية دولية دعما اضافيا
ممثلا في تقارير و(نصائح) صندق النقد والبنك الدوليين.
لكن في حدود علمي فانه لم تفلح اية جهة او دولة في العالم في استصدار
قوانين محلية او دولية تعاقب المتسببين في تخريب النظام المصرفي
العالمي كما كان يعتزم الكونجرس الاميركي بحق قادة دول اوبك.
وعاد الاميركيون الى (عراب) الحلول الاستباقية مرة اخرى (هنري كسينجر)
الذي رأى في مقال نشر مؤخرا ضرورة قيام شراكة وثيقة على جانبي الاطلسي
والهادي لتجاوز تداعيات الازمة المالية الطاحنة الذي يمر بها الاقتصاد
الاميركي حاليا توشك ان تجعل من نبوءة العالم الروسي ايجور بانارين
بانشطار الولايات المتحدة وتشظيها الى خمسة اقاليم حقيقة واقعة.
اما رؤية الشراكة عبر الاطلسي فمفهومة من قبل حيث تتمثل في شراكة
قائمة بالفعل بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي لكنها كانت
قائمة على اساس هيمنة الاميركيين على القرار السياسي والاقتصادي
الاوروبي ، لكن دعوة كيسنجر الاخيرة تتضمن شراكة متساوية على ان
تعيد بلاده تقييم مدى اسهامها الخاص في هذه الشراكة ومواجهة حقيقة
ان تخطي الازمة الراهنة لن يتم الا بجهد مشترك يحترم كل الاطراف
ويأخذ بأولويات الجميع، ويحذر كيسنجر من التمادي في الأخذ بآليات
العولمة الراهنة التي اعترف بانها ضرب من الوهم. ومن ثم فإن ادوات
السياسة الداخلية في الولايات المتحدة ينبغي تغييرها مع تقلد إدارة
باراك اوباما مهام عملها في البيت الابيض الاسبوع القادم من اجل
المساواة بين اركان النظام العالمي الجديد والتخفيف مما اسماه كيسنجر
بـ(الوصفات الاميركية).
لكننا في الحقيقة نرى ان هذه الوصفات الاميركية لم تكن مجرد وصفات
اختيارية، لكنها كانت ادوات ضغط هائلة على الاقتصادات الاخرى التي
لا تأخذ بالمعايير الاميركية التي كانت بدورها تجنح نحو الصرامة
في املاء الشروط (السياسية) على من يرغب في الانضمام الى المنتدى
الذي يأخذ على عاتقه تنفيذ مفهوم الانفتاح العالمي الجديد وهو منظمة
التجارة العالمية بقوانينها العقابية الى حد ان الولايات المتحدة
جعلت من حرمان الدول من الانضمام الى المنظمة احد اخطر ادوات الضغط
لتمرير صفقات سياسية وعسكرية كما بدا في موضوع الدرع الصاروخية الاميركية
في اوروبا والتلويح بحرمان روسيا من الانضمام الى منظمة التجارة
العالمية ان هي اصرت على تفكيك الدرع ومعارضة توسع حلف الاطلنطي
على الحدود الروسية.
ولان الموازين كانت قد تغيرت على وتيرة اسرع من قدرة الولايات المتحدة
على ملاحظتها لم ينتبه الساسة الاميركيون والاوروبيون الذين ألمحوا
الى هذه الآلية العقابية قد تجاوزتها الاحداث مما أدى الى اعلان
الروس عدم اكتراثهم بالمنظمة وعدم حرصهم على الانضمام اليها، ثم
جاءت الازمة المالية العالمية لتضع الغرب كله والولايات المتحدة
في مقدمته امام ساعة الحقيقة التي تقرع اجراسها مؤذنة بزوال حقبة
القطب الواحد وبروز معالم عالم متعدد الأقطاب لا يترك فرصة لمصطلحات
بالية ان تستمر في بسط نفوذها كمصطلحات الاقتصاد الحر وتفاعلات قوى
السوق وغيرها، وجاء كيسنجر ليبشر بالحقيقة التي لم يكن الاميركيون
يحسبون حسابها وهي أنه لا شفاء للاقتصاد الاميركي سوى بالتنسيق مع
الذين لم يكترثوا لآليات الاقتصاد الحر والانفتاح السوقي غير المحسوب
وغير المراقب بعناية.
وفي مقدمة هؤلاء الصين وروسيا والبرازيل والهند وغيرهم. صحيح ان
هذه الدول رددت طويلا انها تقبل بآليات السوق ولكن تحت الضبط والمراقبة
والتعديل.
ويواصل كيسنجر نظريته الاصلاحية الجديدة بالدعوة الى التنسيق بين
النظام السياسي والنظام الاقتصادي بطريقة واحدة من اثنتين: الاولى
اقامة هيئة تنظيمية سياسية دولية لها انتشار في العالم الاقتصادي
او الثانية التي تتمثل في تقليص الوحدات الاقتصادية الى حجم يمكن
إدارته عبر الهيئات السياسية القائمة التي من المحتمل ان تقود الى
مذهب تجاري جديد ربما يتعلق بالوحدات الاقليمية. ويرى كيسنجر في
المحصلة ان تكون هناك اتفاقية عالمية جديدة من طراز (برايتون وودز)
ويؤكد كيسنجر ان هذه هي افضل السبل الممكن الأخذ بها للخروج من الازمة
الاقتصادية.
اذا على الولايات المتحدة ان تواجه واحدا من مصيرين حددهما بانارين
وكيسنجر: اما الانشطار او التقارب مع الخصوم الذين احرزوا نتائج
اقتصادية جيدة ومؤثرة خارج النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة
ودونما ضرورة للأخذ بتعاليمه ومقاييسه المضللة.
ولان كيسنجر يدرك ان زمن الهيمنة الاميركية قد مضى، لذلك فهو يدعو
ساسة بلاده الى تعديل سلوكهم والى الجنوح نحو (الاعتدال) في نفس
الوقت.
ويعتبر تصريح كيسنجر بوجود خلاف اوروبي ـ اميركي متعمق الجذور هو
اوضح اعتراف في هذا الصدد بعد ان دأبت اوروبا والولايات المتحدة
على التأكيد ان شراكتها فيما يتعلق بالاقتصاد والطاقة وما يسمى بالحرب
على الارهاب والتغيرات المناخية والانتشار النووي هي شراكة معززة
وموثوقة، رغم ان الدلائل كانت كثيرة على عدم صحة هذه التأكيدات في
الجانبين كليهما.
اذا تجاوزت ضرورات الازمة كل ما كان متاحا من قبل من شركات اطلسية
وغدت الدعوة الى شراكة عبر المحيط الهادي وخاصة مع الصين دعوة لا
يمكن تجنبها وها هو كيسنجر قد (عمّد) للاميركيين هذه السياسة واعطاها
صك الغفران اللازم لان يكون معتمدة في فترة حكم الديمقراطيين القادمة
بزعامة باراك اوباما. وبعد التأكيد على دور الصين في النظام العالمي
الجديد الذي تتم الدعوة له حاليا بعد ان جعلت استمرار الانفاق الاستهلاكي
الاميركي ممكنا بشراء الديون الاميركية وفتح السوق الاميركية امام
المنتجات الصينية سلم كيسنجر بان النظام الذي كان قائما قد حظي بكثير
من المبالغة في قدراته على التحمل وبان الصين ظهرت كقوة عظمى صديقة
ولا بد من وقف علاقات العداء بين اعمدة النظام العالمي المنشود ويرى
ان ذلك هو السبيل الوحيد لتجنب العجز في الميزان التجاري الاميركي
الذي يوشك ان يتسبب في تضخم مدمر، ويحذر كيسنجر من ان تجاهل التقارب
مع الصين ستعيد بلاده الى نظام القرن التاسع عشر والى التشظي الى
وحدات اقليمية متنافسة، وفي ذلك التوجه ما يعيدنا الى تصورات بانارين
مرة اخرى، حتى وان كان كيسنجر يغلف تحذيراته من غموض مستقبل الولايات
المتحدة بأغلفة مختلفة لكنها تتفق الى حد ما، ورغما عنها مع توجهات
العالم الروسي الذي وضع خارطة طريق لانقسام الولايات المتحدة الاميركية
، ويختتم كيسنجر بالقول (يجب ان نتعلم العمل في اطار ما يمكن تحقيقه
وان نكون مستعدين للسعي الى تحقيق اهداف قصوى عبر تراكمات طفيفة،
ويمكن ان يكون النظام العالمي (المنشود) قائما اذا لم يكتف المشتركون
فيه بالمشاركة في البناء فقط ولكن ايضا في الحفاظ عليه ، وبهذه الطريقة
تنعم اميركا وشركاؤها المحتملون بفرصة فريدة لتحويل لحظة الازمة
الى رؤية للامل).
اما ما لم يقله كيسنجر وهو ما يعنينا اكثر من غيره فهو دور المنطقة
العربية والشرق الاوسط عموما في هذه العملية الاستشفائية وهو تعتيم
مخل يتعمده كيسنجر دائما كما يتعمده غيره من منظري السياسة والاقتصاد
الاميركيين، وذلك بسبب حالة العداء الدفين التي يكنها خبراء الامن
القومي الاميركي للمنطقة العربية رغم اسهاماتها غير المذكورة في
مساندة الاقتصاد العالمي، واذا كان كيسنجر يحذر من آثار استمرار
حالة العداء مع الصين وروسيا فإن من واجبه ان يحذر ايضا من استمرار
حالة العداء مع اكبر منطقة تحتوي على مخزونات وصادرات الطاقة في
العالم سواء في الخليج العربي او غيره وهي مناطق طالما كانت سندا
ومعينا للحفاظ على عجلة الاقتصاد العالمي في حالة دوران كامل، رغم
مهاترات الدعوة الى محاكمتها او توجيه تهم الاحتكار اليها قبل ان
يتم التوجه اليها ايضا لطلب العون المالي والمشاركة بفوائضها المالية
في مساندة (وصفة العلاج) التي يضعها امثال كيسنجر ، ولربما كان يتعين
على كيسنجر ايضا ان يدعو قومه الى الاعتذار للشركاء العرب على تسامحهم
طويل المدى في العداءات والاتهامات الاميركية وسياسة (التخوين) المتلاحقة
التي لم تنقطع حتى الآن، واكبر شاهد على ذلك حالة الاضطهاد التي
لقيتها شركة دبي العالمية للموانئ التي اضطرت الى تصفية نشاطها في
الولايات المتحدة بعد تصاعد حملة التخويف من تأثيرات هيمنة شركة
عربية على إدارة موانئ مهمة في الولايات المتحدة . والامر ذاته حدث
في اوروبا حيث نهضت جماعات عنصرية الى الدعوة الى التحذير من بيع
اصول اوروبية لشركات ومؤسسات غربية.
ونحسب ان العرب هم شريك اقتصادي اكثر تسامحا من غيرهم وأوسع صدرا
لاستيعاب الاتهامات كما لم تفعل روسيا والصين اللتان تعاملتا مع
الصلف الاميركي والاوروبي بالحزم الذي يستحقه حتى أتتت دعوة كيسنجر
الى التواضع والتعامل مع الشركاء الاقتصاديين على قدم المساواة كسبيل
اوحد لمعالجة الازمة الاقتصادية العالمية التي تسببت فيها الولايات
المتحدة ولم يحاسبها احد او حتى يطلب التعويض عن الخسائر التي الحقتها
بالعالم الذي تسعى الآن بنصائح كيسنجر الى الشراكة معه على اسس جديدة.
العرب في معادلة إصلاح النظام العالمي:
في كل مرحلة من مراحل التحول الكبرى في مسار السياسة العالمية او
الاقتصاد يجري تجاهل المنطقة العربية بالكامل من حسابات المخططين
والمنظرين وكأن المنطقة التي تمد العالم بموارد الطاقة لا وجود لها
في الأساس.
وحين يشتد الطلب على النفط تتصاعد بالتوازي مع ذلك مزاعم الاقتراب
من عصر الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط.
في البدء كان الحديث عن منطقة بحر قزوين والدول المحيطة به كمناطق
واعدة تقدم نفسها كبديل قوي للشرق الاوسط المكتظ بالمشاكل، على الرغم
من أن هذه المشاكل كانت نتيجة وليس سبباً، أي ان متاعب الشرق الاوسط
في مجملها نشأت مع ظهور النفط ونمو مطامح ومطامع الدول المستهلكة
لضمان السيطرة على موارد الطاقة الحيوية وتأمينها من أجل رفاهية
سكان الدول المستهكلة للطاقة.
وبعد الإخفاق الكبير في جعل منطقة بحر قزوين منطقة جذب لشركات الطاقة
الكبرى بتعدد وتعقد المشكلات التي اطلت برأسها في تلك المنطقة وقبل
ان يصبح بحر قزوين بديلاً فعلياً لنفط الشرق الاوسط، كانت قد نشأت
حملة تضليل جديدة تصرف الانتباه عن المنطقة العربية، وذلك بالحديث
عن مستقبل واعد للوقود غير الأحفوري المستخرج من ادوات توليد الطاقة
المتجددة كأدوات توليد الطاقة من الرياح والشمس وأخيراً (البيوجاز)
التي استهلك في تجاربه الأولى معظم مصادر الطعام للبشر من محصول
الذرة وفول الصويا وغيرهما من المحاصيل التي تكاثر الجدل حول إمكانية
التخلي عن النفط باستخدام الوقود الذي يستخرج من تلك المحاصيل، وكانت
النتيجة أن بدت بوادر مجاعة عالمية وسط إصرار غير أخلاقي على المضي
قدماً في هذه التجارب التي أحدثت ضجة كبيرة إذ تزامنت مع أزمة اقتصادية
عالمية ضاعفت من تأثيراتها السلبية موجة كبرى من ارتفاع اسعار التضخم
الاقتصادي وانخفاض اسعار صرف الدولار الاميركي. وسرعان ما أسدل الستار
على هذا الادعاء الذي لم يصمد طويلا أمام الاختبار.
ومع الارتفاع المطرد في اسعار المحروقات والطاقة خلال العام الماضي
شرعت الإدارة الاميركية في الطلب من الكونجرس الموافقة على التنقيب
عن النفط في الاسكا والبحار والمناطق القريبة من سواحل الولايات
المتحدة الاميركية، وسرعان ما وأدت الانخفاضات المتوالية لأسعار
النفط هذه التوجهات التي جعلت عمليات التنقيب في المناطق المقترحة
غير اقتصادية.
وفي كل جولة من جولات التقليل من شأن المنطقة العربية وإخفائها عمداً
من على خريطة التحولات الاقتصادية الكبرى يصحو الغرب على حقيقة مؤلمة
لصمودها وتأبيها وهي أنه لا مفر من التسليم بأهمية هذه المنطقة وأهمية
الاعتراف بدورها في نمو الاقتصاد العالمي وتفعيل برامج النهوض والتنمية
في العالم كله، بما يترتب على ذلك من تسليم بأحقية هذه المنطقة في
الحصول على حقها من الاعتراف بأهميتها. وقد أخذت دول الخليج بالفعل
على عاتقها الشروع في حركة تنمية ذاتية واعدة عبر خطط خمسية طويلة
المدى جعلتها تفرض نفسها بقوة على المسرح السياسي والاقتصادي العالمي،
وبدلاً من الاعتراف بندية التعامل اخذت الولايات المتحدة والاتحاد
الاوروبي في الانسحاب من اتفاقات شراكة كانت تمضي حثيثاً على أمل
إقامة منطقة تجارة حرة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
كتجمع اقتصادي واحد وبين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.
أما هذه الاخيرة ففضلت عقد شراكات اقتصادية مع كل دولة من الدول
الخليجية على حدة، وأما الاتحاد الاوروبي فأخذ يماطل في الاتفاقات
التجارية حتى اضطر مجلس التعاون الى تعليق مفاوضات التجارة الحرة
معه بعد فرض شروط سياسية لا علاقة لها بالتعاون الاقتصادي المنشود،
وإدخال بنود تتعلق بحقوق الانسان.
إذاً خطة تجاهل الثقل الاقتصادي للمنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج
خاصة تبدو سلوكاً متعمداً ومستهدفاً، وجاءت الأزمة المالية العالمية
لتعيد الأضواء إلى الأهمية القصوى التي تحتلها المنطقة كوعاء ادخاري
يرفد الاحتياطي النقدي العالمي في ساعات الشدة. وكان أولى بنظرية
كيسنجر الجديدة لإصلاح الاقتصاد العالمي أن يعيد الى منطقتنا العربية
اعتبارها الذي تستحقه، ولكن هذا لم يحدث ومن ثم فعلى دول المنطقة
العناية بأنفسهم عملاً بالحكمة القائلة: ما حك جلدك مثل ظفرك، فتول
أنت جميع امرك. وكما استسلمت النظريات الأميركية لحتمية التواضع
والاعتراف بأهمية خصوم الاقتصاد الحر بالمقاييس الاميركية، فلابد
ان يأتي اليوم الذي يعدل فيه كيسنجر رؤيته فيعيد البيدق المفقود
(عن عمد) الى رقعة الشطرنج لتستمر اللعبة في مسارها الايجابي نحو
الانتصار على أزمة هددت اسس الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي.
ليسوا ضحية فكر المؤامرة:
اعتاد الباحثون العرب على سماع تهمة
(ضحايا فكر المؤامرة) كلما حاولوا التلميح في ابحاثهم الى ان هناك
مؤامرة لتحييد العرب بل والدول ذات الاغلبية الاسلامية من مسيرة
الحضارة المعاصرة. رغم ان الدلائل على وجود هذه المؤامرة عديدة ومنها:
أولا: ان الدراسات العديدة في العلاقات بين الشرق والغرب لم يلتفت
فيها الى جوانب التقارب على كثرتها والتكامل على توافر أسانيده في
فكر العديد من الباحثين الغربيين والفلاسفة والمنظرين أمثال توينبي
ورجاء جارودي وتم التركيز فقط على نظرية: صدام الحضارات في فكر هنتنجتون
لأنه يتساوق ويتماشى مع الخطة الموضوعة، والتي تسارعت مع مجيء اليمينيين
الجدد في الولايات المتحدة مع مطلع العقد الحالي والذي هو مطلع القرن
الحادي والعشرين والالفية الثالثة في آن واحد.
ثانيا: ان عمليات الغزو المتعمد لدول في المنطقة مثل العراق والتحضير
لدمار مماثل في ايران والسودان تتم بأسلوب ذرائعي يخلو من أي عقلانية
سياسية لأنه ايضا ينسجم مع هدف ابقاء العالم العربي وتخومه الاسلامية
في حالة ضعف ابدي يبرر استثناءه من المسيرة الحضارية الانسانية.
وقد بدا في خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش الابن الاسبوع الماضي
(الاعتذاري) عديد من الاعتذارات عن (أخطاء) في التنفيذ لكن لم يعتذر
عن الهدف الذي وضعه اليمينيون الجدد لغزو البلاد الأخرى بذريعة الحرب
على الارهاب العالمي الذي يستهدف في الاساس دولا عربية واخرى اسلامية
على سبيل الحصر تقريباً.
ثالثاً: ان محاربة الانتشار النووي تبدو محصورة في استهداف العالمين
العربي والاسلامي واكبر الادلة على ذلك دعم الولايات المتحدة والغرب
عموما للبرنامج النووي الهندي في نفس الوقت الذي يحارب فيه البرنامج
النووي الباكستاني والايراني بقوة، كما ان هناك دليلاً آخر يتمثل
في ترك كوريا الشمالية تحصل على رادع نووي والتعتيم على القبول الاضطراري
لهذا الوضع بينما يطارد عبدالقدير خان المكنى بابو القنبلة النووية
الباكستانية كزعيم لشبكة تهريب نووي الى ان تم اتهامه وتحديد إقامته.
هذه الادلة وغيرها تؤكد ان الحديث عن تهميش العرب ليس ادعاء وإنما
حقيقة تستند الى الوقائع والادلة.
ولعل العرب يدركون قيمة الوقت هذه المرة بالتسارع الى تغيير وجهتهم
في التعاون الاقتصادي في اتجاه عكسي، أي صوب الصين وروسيا والهند
واليابان والكوريتين كبديل للعمل مع الاتحاد الاوروبي والولايات
المتحدة الاميركية وهو مفصل تاريخي مهم صنعته الازمة الاقتصادية
العالمية ومما يؤكد حتمية الاتجاه شرقاً الحقائق التالية:
أولاً: ان الولايات المتحدة نفسها وعلى لسان كيسنجر وغيره تأكدت
ان الصين صارت قوة اقتصادية قادرة على منافسة القوى العظمى التي
كانت سائدة من قبل وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد
الاوروبي.
ثانيا: بينما كان مستهلكو النفط وعلى رأسهم الدول الغربية تعتزم
محاصرة القرار السياسي العربي بشأن التحكم في صادرات النفط لتعديل
اسعاره، أعلنت روسيا انضمامها الى موقف دول منظمة أوبك رغم انها
ليست عضواً في المنظمة، وهذا الاجراء كان حاسماً في تعديل اسعار
النفط التي تدنت في نهاية العام الماضي الى معدلات تنذر بالخطر على
اقتصاديات الدول المنتجة.
ثالثاً: ان بروز الصين كقوة اقتصادية كبرى جعلها قادرة على استيعاب
صادرات النفط التي كانت تتجه في خط واحدي الاتجاه صوب الغرب، وهذا
يعني ان لدى العرب بديلاً قوياً بإمكانه المساعدة في تعديل موازين
القوة الاقتصادية والسياسية المائلة بشدة نحو الغرب. ففي الوقت الذي
اتخمت فيه مخزونات الولايات المتحدة على نحو يمكنها من الضغط على
السوق للحفاظ على المؤشر النزولي لاسعار الطاقة شرعت الصين في إعداد
احتياطي نفطي خاص بها مما جعلها تستوعب مزيداً من صادرات النفط ودون
شروط او ضغوط سياسية سوى مسألة العرض والطلب.
رابعاً: ان دول الغرب التي كانت تتخوف من (هيمنة) شركات عربية خليجية
واستحواذها على شركات غربية عملاقة ومصارف رائدة، صارت بعد الازمة
المالية الحالية في وضع تقبل فيه بضخ اموال عربية في اقتصاداتها
عن طريق شراء اسهم الشركات المنهارة وتحويل أجزاء من الصناديق السيادية
الخليجية الى مساندة الاقتصادات الغربية والمساهمة في تطبيق خطة
كيسنجر لانقاذ الاقتصاد الأميركي.
* من أسرة تحرير (الوطن)
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|