الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ

مثلت تجربة الدائرة نقلة نوعية وقفزة وثابة في المشهد التشكيلي العماني، من خلال مؤسسها التشكيلي حسن مير والذي استطاع أن يقدم مع باقي زملائه الفنانين والكتّاب والشعراء تجارب عدة لفتت الانظار الى الساحة العمانية، واعتبرت الفنان العماني من اول المجددين والمجربين في الفن التشكيلي على مستوى المنطقة.
استقطاب التجربة لعدد ليس بالقليل من المبدعين العرب والعالميين ألهبت أقلام العديد من النقاد الذين تناولوا هذه التجربة بنوع من التفصيل والتتبع منذ انطلاقها وتسليط الضوء على حيثياتها ومفرداتها، كما استطاعت الابحار في عدد من الدول لتستضيفها معارض مختلفة ومتنوعة.
التجربة آتت أكلها على مستوى التجربة العمانية حيث استطاعت أن تفتح آفاقاً رحبة وسماوات شاسعة من الاشتغال على المفهوم والفكرة واعتبارهما الركيزة التي تنطلق عليها العديد من الأعمال.. في هذا العدد يستضيف "أشرعة" مؤسس مجموعة الدائرة الفنان حسن مير والذي يحاوره الزميل إيهاب مباشر حول تجربته ويقف على العديد من النقاط التي تمس جوانب تشكيلية مختلفة تتعدى الحديث عن تجربته الشخصية لتشمل الواقع التشكيلي العماني بشكل عام ومدى فاعلية مختلف المؤسسات للنهوض بهذا الحقل الثقافي المهم.
ليس بعيداً عن الفن أيضا، يستضيف الزميل عبدالحليم البداعي الخطاط بدر العنقودي والذي يحاوره حول تجربته مع الخط العربي ويطوفان في تجوال سريع مع الخط وجمالياته.
ومع قلق الأديب وهواجسه ومخاوفه يسرد الزميل عبدالستار خليف حكاية لقائه مع صديقه الروائي ابراهيم عبدالمجيد، وكيف يقف الأديب حائراً أن يكتب أحداثه ومعايشاته، فحين تكون الذكريات كنزا مدفونا يخشى عليه حتى من اختلاس النظر، يبقى هاجس الكتابة عنه مزعجاً حد الخوف والقلق، لذا نجد عبدالستار بين حديّ واقعه وأحلامه، هل يسرد ما حدث؟، أم ما يريده هو ان يحدث؟.. هذا قدر الأديب أحلام.. وخوف.. وقلق.. وترقب.. هواجس تقض المنام وتؤرق الورق.
وليس بعيداً عن السرد يحكي لنا محمد القري قصة قريته الهانئة مع شقاوة الطفولة، حيث يتحول الشوك الى ورد ينعش أركان الذاكرة متنقلاً بها عبر دراجته (سيكله) في أحراش وغابات من العذوبة، لا يمتطي سوى البراءة ولا يقتات سوى على الحلم.
"أشرعة" يحمل أيضا باقة من المواضيع الاخرى الجميلة التي يقف كتّابها فيها وقفة ود ومحبة مع القارئ.. ونترككم الآن مع العدد الجديد من "أشرعة".

المحرر

أعلى




صورة في اطار

شعر : سارة باوينت
ترجمة : شوقي حافظ

صورك داخل اطارات
معلقة كذكريات على حائطي
لكنها لن تعيدك لي ثانية
الصورة لا تستطيع ان تسجل جمال بشرتك
أو الاشراقة المتوهجة التي كنت اشعر بها
عندما أراك تبتسمين
لا تستطيع الصورة ان تتحدث أو تومئ إليّ
كما كنت تفعلين دائما
انني لن أحب احدا ثانية
بالقدر الذي احببتك
***
هكذا أنظر إليك يا رفيقة روحي
مجرد صورة في اطار
تهطل دموع الأسى
لأن القدر قد اختطفك مني
أخذ مني من اكتملت حياتي بها
وكل ما بقي لي مجرد صور
ومقعد خال
وشعور عميق بانكسار القلب وأحزان الوحدة
بعد ان تفرقنا
***
أحاول ان أبعد الشعور بالألم عن يومي
وأرسل قبلة للسماء عندما اصلي
وأسأل الله ان يحررني من عالم بالغ الزرقة
ان يأخذني بعيدا إلى الجنة
حتى استطيع ان أحلق معك
انني اترقب اليوم الذي تجيئين فيه
وتنادينني باسمي
وحتى يحين ذلك الوقت
سأظل أحملق في صورة لك
داخل اطار


أعلى






يرى أن الغزو التكنولوجي ساهم في تثبيط فن الخط
بدر العنقودي لـ(أشرعة):الخط العربي أغنى مصادر الإبداع وهو يزيد الكلمة وقارا ويعطي للمعنى هيبة
من المؤسف غيابه عن مناهجنا وعلينا بث روحه من جديد
أطمح إلى كتابة المصحف الشريف وإقامة معرض للخط العربي

حاوره ـ عبد الحليم البداعي:
ينظر للفن من زاوية خاصة ينفرد بتأطير نوافذها المطلة على عالم الإبداع بأنامل تستلهم تميزها من خلال عشقها الصادق لفنها الذي جعلت منه عزفا منفردا في مشوار حياتها حاز على العديد من الجوائز وله مشاركات متميزة على صعيد المعارض والملتقيات وهو عضو فاعل في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية وجماعة الفنون التشكيلية بجامعة السلطان قابوس.. إنه الخطاط العماني بدر العنقودي والذي كانت لنا معه محطة حوارية خرجنا منها بالتالي..


أول العزف

* كيف كانت بدايتك مع الخط العربي؟

** بدأت بتعلم الخط العربي منذ ان كان عمري 13 سنة حيث اشتريت كتابا لتعلم الخط العربي وبدأت المحاولة في تطبيق القواعد.. وبدأ فن الخط عندي ينمو سنة بعد سنة ووجود أحد أقربائي الذين يمارسون الخط كان له الدور الكبير في انتسابي للجمعية العمانية للفنون التشكيلية وكان عمري 17.. وهناك التقيت ببعض الخطاطين وشاركت في دورات اقامتها الجمعية وقد تحسن كثيرا مما أهلني في أن أشارك في المعارض التي تقيمها الجمعية.


* ما المدرسة التي تنتمي إليها؟

** أحاول حاليا تعلم خط الثلث والذي يعتبر سيد الخطوط لما يتمتع به من تشكيلات حروفية رائعة ممزوجة بقواعد خطية دقيقة وصعبة، ومن المدارس التي تقدم مثل نوعية هذه الخطوط مدرسة محمد شوقي ومحمد أوزجاي وحسن جلبي وغيرهم، وحاليا أمارس الخط على نحو مدرسة محمد شوقي.

وعي ثقافي

* كيف تقيم الوعي الثقافي على المستوى الجماهيري والرسمي في السلطنة بأهمية الخط؟، وكيف تقارن ما يحظى به الفن التشكيلي من اهتمام ومتابعة مقارنة بالخط العربي من حيث إقامة المعارض والمسابقات والتدريب والمشاركات خارجيا وداخليا؟

** لله الحمد بدأ الوعي الثقافي لدى الجمهور العماني يزداد في هذا المجال.. وبدأ اهتمامهم ملحوظا وهذا الاهتمام أدى إلى زيادة المشاركين ومرتادي معارض الخط... وقد أولت الحكومة عناية كبيرة وأسهمت في إبراز هذا الفن.. فتأسيس كل من الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ومرسم الشباب من أهم المعالم التي شجعت المواطنين على ارتياد الفن وصقل مواهبهم وتدريبهم وجلب الخطاطين من الخارج لإعطاء دروس في الخط العربي للخروج بفئة استطاعت الوصول وتحقيق انجازات على الصعيد العربي والدولي.
ومن الجدير بالذكر أن الخط أصبح معلما من معالم الحضارة حيث يدخل ضمن تشكيلات المسجد الأساسية وتزيين المجالس. لذا بدأ الخط يحظى بما يحظى به الفن التشكيلي وأصبح له معرض خاص مستقل بذاته يتمتع بالخطوط العربية الكلاسيكية.

شغف خاص

* يلاحظ تركيزك على خط آي الذكر الحكيم ما سر هذا الشغف بالنص القرآني؟

** إن للقرآن الكريم في آياته حكم وعظات.. وهو كلام الله المنزل على قلب سيد العالمين محمد بن عبدالله.. ولا أعظم كلام من كلام الله.. فلذلك كان حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم يهتم بالخط العربي حيث جعل له مجموعة من المسلمين يسمون الكتبة حيث امتازوا بجمال خطوطهم فجعلوا يدونون المصحف الكريم بخط أيديهم ليتناسب إجلالا مع كلام الله العظيم.. كما أن الشعر الذي يلقى إعجابا كان يكتب بماء الذهب ويعلق على الكعبة.. هذه ناحية..
الناحية الأخرى أن الخط له قيمة ثمينة لدى الخطاطين والعارفين بالخط ويعطي للكتابة قيمة إجمالية رائعة، لذا رسم الآيات التي تعتبر أجمل الكلام في كتابات رائعة سوف يخلق أهمية كبيرة جدا للوحة وكما قيل: "يد الخطاط تسبقه إلى الجنة بما كتبت من آيات".


* هل تعمد إلى الاستفادة من الفنون الأخرى عبر توظيفها في خدمة الخط العربي؟

** نعم بكل تأكيد.. يمكن الاستفادة من الرسم.. والنحت الذي يعتبر أم الفنون.. ودمج هذه الفنون كونها لكل فن له شعبيته وجمهوره وبالتالي جميع هذه الفنون مع بعضها في الخط العربي او دمج احدها بالخط العربي سوف يزيد من جمهوره وسوف يزيد من تألقه وإبداعه..

وقار للكلمة

* الطفرة التكنولوجية ساهمت في اختصار الكثير من الوقت والجهد وهذا الأمر انسحب حتى على الفنون حيث يلجأ بعض الفنانين إلى الاستفادة منها في سبيل تطوير فنهم.. برأيك ألا يقلل هذا الأمر من مصداقية الموهبة الفنية؟

** الخط العربي أغنى وأكمل مصادر الإبداع ويزيد الكلمة وقارا ويعطي للمعنى هيبة، فهو فن روحاني يجسد فيها الخطاط تعابيره بما كتبوا من آيات قرآنية، ومما لا شك فيه أن الغزو التكنولوجي قد ساهم في تثبيط هذا الفن إلا أن الإعلام والثقافة لهما دور كبير أيضا في عودة حميدة وقوية لهذا الخط الجميل، الذي غاب عن مناهجنا وساهم في ضعف الكتابة بخط اليد. وعلينا نحن كفنانين بث روحه من جديد، وتعلمه والمحافظة عليه.


* ما الذي تبحث عنه في الخط العربي وما الرسالة التي تود تأديتها من خلاله؟

** الخط العربي يزيد الحق وضوحا ويحدث في النفوس سروراً، وارتياحاً، فتزيين الآيات بهذا الفن الوديع تنتشي قلوبنا حبا، وتمتلئ شوقا وقربا من الله جل جلاله، لذا فهو يدعو إلى غاية سامية وهي الدعوة إلى الله عز وجل في المقام الأول.. فهذه موهبة من الله تعالى علينا القيام بتبليغ الرسالة على أكمل وجه..


* ما أبرز طموحاتك؟

** أطمح الوصول إلى مستوى رفيع جدا في الخط العربي وإقامة معرض للخط العربي وكتابة المصحف الشريف إن أمكن وساعدت الظروف من حيث الوقت ومن حيث جودة الخط . فأنا ما زلت مبتدئا في كتابة الخط العربي ولدي مشوار طويل.

عزف أخير

* كلمة أخيرة؟

** تعلم قوام الخط ياذا التــأدب.
فما الخط إلا زينة المتأدب
فإن كنت ذا مال فحظك وافر
وان كنت محتاجاً فأفضل مكسب

أعلى





جديد سعدية مفرح: قبر بنافذة واحدة... على الأقل!

صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة في مصر مؤخرا كتاب جديد للشاعرة سعدية مفرح بعنوان "قبر بنافذة واحدة" ،وذلك ضمن سلسلة آفاق عربية ، التي تصدرها الهيئة شهرياً.
ويضم الكتاب مختارات من القصائد التي وردت في دواوين الشاعرة الخمسة الاولى وهي: "آخر الحالمين كان"، و"تغيب فأسرج خيل ظنوني"، و"كتاب الآثام"، و"مجرد مرآة مستلقية"، و"تواضعت أحلامي كثيرا".
وعلى الرغم من النأي الزماني بين الدواوين التي صدرت ما بين 1990، و2007. إلا أن ثمة نسقا عاما تظل الشاعرة تحتفظ به وهي تنتقل من طرح إلى آخر.
وهي لا تعتمد في اختياراتها على فكرة التنوع الموضوعي المباشر، أي أنها لا تحدد ماهية الموضوع الواضح، بقدر ما هي تنسج كينونة شعرية ذات عنوان يوحي بالموضوع الذي يأتي وصفه مباغتا، فحين تنتقي لقصيدتها عنوان "وطن" فإنها تفاجئنا بترتيبات أخرى غير التي نعرفها عن الأوطان:
حين انتهت اللوحة ما كانت تنقصها الألوان
ولا ضربات الريشة
أو صيحات الإعجاب المندهشة
لم ينقصها غير جدار مفرد كي تصلب فوقه
تأوي، إذ تصمت الصيحات..إليه.
وبتنوع المضامين، تتنوع أيضا الموسيقى الشعرية بحيث تتكون مساحات لها نبرات مختلفة في حدتها، لكنها في مجملها ذات وتيرة منسجمة مع كينونة الشعر التأملي لا التحريضي:
وضعت الورقة على الطاولة
وأمسكت بالقلم الرصاص
لأكتب نشيدا في مديح الحرية ونبذ العنف وحق الأحياء المطلق في الحياة.

وتقدم الشاعرة نفسها عبر هذه المختارات بنفس هادئ ولكنه مستمر بتصاعد شعري وإنساني في نفس الوقت ففي قصيدة بعنوان "نوايا جانبية" من كتاب "مجرد مرآة مستلقية" الصادر عام 1999 تفصح عن جزء من هذه النوايا الجانبية بحذر شديد ولكن بوضوح أشد:
أنا أيضا لي مطاراتي السرية جدا.
ولي محطاتي التي لا يعرف مواعيد قطاراتها الكثيرة سواي.
وأيضا طرق برية أروح وأجيء فيها لوحدي حيث التسكع على خطوط الحدود أنشوطة للعدم.
أنا أيضا أستطيع السفر، وقد نمت أجنحتي وزعانفي منذ زمن بعيد.
أستطيع...
نعم أستطيع .

ومن الواضح ان الشاعرة قد استمدت عنوان مختاراتها التي اشرفت على اختيارها بنفسها في هذا الكتاب، كتجربة انتقائية أولى بالنسبة لها، من مقطع شعري ورد في كتابها "تواضعت أحلامي كثيرا" الصادر عام 2007 ، وتقول فيه:
" لنا الصدر دون العالمين....
أو القبر"
نعم...
لهذا المتواضع كل الصدور حتما
وليترك لي قبرا
بنافذة واحدة على الأقل !

يذكر ان كتابا شعريا أخيرا قد صدر لسعدية مفرح ولم تتضمنه هذه المختارات بعنوان" ليل مشغول بالفتنة" وقد حقق هذا الكتاب الذي احتوى على قصيدة طويلة واحدة فقط رقما قياسيا في مبيعاته في معرض الكتاب الثالث والثلاثين في الكويت.



أعلى




مصادر دراسة الأدب في عمان بين الأثر التاريخي والمواضعات الحديثة (1ـ6)
المصادر القديمة لدراسة الأدب في عمان هي الكتب التاريخية، إلا أن اهتمامات مؤلفيها باللغة والأدب جعلتها مورداً لذلك
قدم ابن رزيق للأدب العماني خدمة كبيرة بوضعه كتاب "الفتح المبين في سيرة السادة آلبوسعيديين"

تحاول هذه الدراسة استجلاء وكشف المصادر الأدبية التاريخية والحديثة التي تقوم على دراسة الأدب في عمان أو تقدم مادة أدبية معينة محدودة كانت أو واسعة، ونحاول أن نقدم من خلال هذه الدراسة ما أمكن تقديم تسجيلا لمعظم هذه المصادر مع محاولة دراسة وتحليل بعض هذه المصادر التاريخية والحديثة. وتنقسم مصادر دراسة الأدب في عمان إلى قسمين رئسيين الأول هو كتب التاريخ العماني والتي كتبت في فترات تاريخية ماضية، والثاني هو كتب الدراسات الأدبية الحديثة التي كتبت في عصر النهضة، وتنقسم الدراسات الأدبية الحديثة إلى عدة أقسام وفروع، ولهذا فإن هذه المصادر الحديثة تتنوع في تناولها وفي تصنيفاتها التخصصية في أكثر من مجال وفرع، وخاصة في مصادر الأدب الحديثة، حيث تتعدد فروع هذه الكتب لتشمل العديد من مجالات الأدب وفروعه، فعلى سبيل المثال من هذه الكتب ما يغطي مجالات الشعر ومنها ما يغطي فنون القصة القصة القصيرة، ومنها ما يوثق لسير الأدباء والشعراء القدامى والمعاصرين، وتتناول بعض المصادر الأدبية الحديثة دراسة اتجاهات والعناصر الفنية للشعر والقصة في عمان بشكل نقدي وتحليلي. وسوف نقوم بعرض كل المصادر بداية حسب سنة الصدور، ثم نختار بعضا منها بالشرح والتحليل والتقويم، وذلك لأهمية المادة الأدبية الواردة في هذه المصادر مع بيان الاعتراضات التي أثيرت حول هذه الكتب .

المصادر القديمة: كتب التاريخ العماني

تتميز المصادر القديمة لدراسة الأدب في عمان بانتمائها للكتب التاريخية التي كانت تسجل وتوثق الأحداث التاريخية والسياسية ولم تكن هناك كتب توثق سير الأدباء والشعراء أي أنه لم تؤلف أو توضع كتب أدبية متخصصة بدراسة وتوثيق الحركة الأدبية في الفترات التاريخية التي مر بها التاريخ العماني. وقد قامت كتب التاريخ العماني بدور بارز في تسجيل وتوثيق هذه الحركة الأدبية وذلك أن الذين قاموا بوضع هذه الكتب لم يكونوا مؤرخين بالدرجة الأولى، ولكنهم كانوا علماء فقه ودين وكانوا من المهتمين بعلوم العربية وبالشعر ولذلك برزت في كتبهم الجوانب الأدبية والفكرية التي كانت تتواجد في مختلف فترات التاريخ العماني وقد وضع هؤلاء العلماء مؤلفاتهم التاريخية مع أهتمام واضح بمسيرة الحركة الأدبية.
وتعد أكثر كتب التاريخ العماني من مصادر دراسة الأدب في عمان، وذلك لأن هذه الكتب هي في حقيقتها سجلا تاريخيا لحركة الأدب والشعر والنثر وحتى الحياة الاجتماعية في مختلف فترات التاريخ العماني. وإننا لا نكاد نجد كتابا تاريخيا وضعه عالم أو مؤرخ عماني إلا ويبرز بين جوانبه وصفحاته الكثير من روايات وأخبار الأدب والشعر والنثر في ذلك الزمان، وخير دليل على ذلك كتابي عمان الشهيرين في التاريخ إلا وهما كتاب "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين" لابن رزيق، وكتاب "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان" للشيخ نور الدين السالمي، فإننا يمكن أن نعدهما سجلين أدبيين بالإضافة إلى كونهما كتابين عن تاريخ عمان، وكذلك يمكن أن نصنف أكثر الكتب التاريخية العمانية على هذا المنوال. ويدل هذا الاهتمام بالمجالات الأدبية من قبل المؤرخين العمانيين على العلاقة التاريخية بين كتابة التاريخ وكتابة الأدب، فالمؤرخون والعلماء في عمان لا يعتبرون كتابة التاريخ شيئا منعزلا عن كتابة الأدب وإنما يرونها جزءا لا يتجزأ من كتابة الأدب ذاته. وقد صدرت العديد من المؤلفات التاريخية التي أبرزت نماذج من الأدب العماني القديم، ومن هذه الكتب :
1 ـ سيرة الإمام ناصر بن مرشد، بقلم عبد الله بن خلفان بن قيصر، وزارة التراث القومي والثقافة، عام 1983 .
2 ـ كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط
3 ـ الفتح المبين في سيرة السادة آلبوسعيديين تأليف حميد بن محمد بن رزيق، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، الطبعة الثانية عام 1983 .
4 ـ تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، تأليف عبد الله بن حميد السالمي، مطبعة الإمام، غير مذكور سنة الطبع .
5 ـ جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تأليف الشيخ سعيد المغيري، وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الثانية 1986

عرض لبعض هذه المصادر

1 ـ سيرة الإمام ناصر بن مرشد، بقلم عبدالله بن خلفان بن قيصر:

يتصف كتاب سيرة الأمام ناصر بن مرشد بأنه كتاب يمزج بين سرد سيرة الإمام ناصر بن مرشد وبين رواية الأحداث التاريخية شعرا، ويتمثل هذا المزج بين رصد الأحداث التاريخية وروايتها شعرا، وقد نتج هذا المزج كون أن المؤلف كان شاعرا، "فقد قدم في كتابه رصدا للأحداث التاريخية في عهد ناصر بن مرشد، إلى جانب انطباعاته هو عن هذه الأحداث شعرا، سواء تمثل ذلك في قصائد التهنئة والمدح التي أنشدها هو أو في قصائد الرثاء التي كتبها في الإمام أو في التعليق على ما يرويه من أحداث، ويستمر الكتاب على هذا المنوال في كل صفحاته، تتعادل فيه المادة الشعرية مع المادة النثرية أو تزيد عليها، ولا بد أن نشير إلى أن المؤلف لم يمزج النظم بالتاريخ وإنما مزج الشعر في درجة من درجاته بالتاريخ
"1" .

2 ـ كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تأليف سرحان بن سعيد الأزكوي :

وقد قدم لنا هذا الكتاب نموذجا لحركة الشعر التقليدي في تلك الفترة والتي كانت تتمثل في تسجيل أكثر المناسبات التي كانت تمر بعمان شعرا وذلك من خلال نظم القصائد التي تمجد تلك المناسبة من قبل مختلف الشعراء، كما تضمن الكتاب قصائد لشعراء آخرين كانوا موجودين في تلك الفترة "وإذا كانت بعض مؤلفات القرن الحادي عشر الهجري قدمت لنا هذه الخطوة في الاقتراب من الشعر، فإن مؤلفات القرن الثاني عشر الهجري في التاريخ العماني تتقدم خطوة أكثر، يتجاوز فيها المؤلف الحديث عن إنتاجه الشعري الحديث عن النتاج الشعري للآخرين، وهو ذلك الإنتاج الذي يأتي مرتبطا بالحدث التاريخي، أي أننا في هذه المرحلة نجد الأحداث التاريخية هي المقصودة أولا، والإنتاج الشعري وإذا بالمناسبة، ولقد جاءت الإشارات إلى الشعر والشعراء متصلة بالماضي في مجملها، وقد تحقق هذا المنهج في ثلاثة من المؤلفات التاريخية التي طبعت والتي تنتمي إلى القرن الثاني عشر، وأقدم هذه المؤلفات، كتاب "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" لسرحان بن سعيد الأزكوي العماني وكتاب تاريخ عمان وهو مجهول المؤلف، وقد حققه د.سعيد عبد الفتاح، وقصص وأخبار جرت في عمان لمحمد بن عامر المعولي، تحقيق عبدالمنعم عامر. وفي هذه الكتب الثلاثة ترد الإشارات الأولى لما يمكن أن يشكل جزءا من تاريخ الأدب العماني "2"
وقد رصدت هذه الكتب الثلاثة مجموعة من الآثار الأدبية، ولكن كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة يمتاز عن الكتابين الآخرين بإيراده بعض النصوص غير المذكورة في الكتابين الآخرين، "وإذا كانت الكتب الثلاثة تتفق في إيراد بعض هذه النصوص، فإن كتاب الأزكوي ينفرد بذكر ثلاث نصوص أخرى، أحدها قصيدة لأحمد بن جميل الهناوي في واقعة بين الإمام عزان الخروصي والفضل بن الحواري عام 277 هـ والثاني منسوب إلى محمد بن نور قائد الجيوش العباسية التي هاجمت عمان سنة 280 هـ ، أما الثالث فهو لمحمد بن دريد عندما استولى محمد بن نور على عمان، هذه النصوص التي أشارت إليها كتب التاريخ العماني في القرن الثاني عشر الهجري وهي كلها تنتمي إلى القرن الثالث الهجري وما قبله من ناحية، تتصل جمعيها بمواقف تاريخية حاسمة نتج عنها تحول اجتماعي أو ديني أو سياسي أو مرت خلالها الأمة بفترات حاسمة، وهي تقترب خطوة من التاريخ الأدبي، ولكنها تفسح المجال لخطوات أخرى الاقتراب الحقيقي من التاريخ الأدبي "3"

3 ـ "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين" تأليف حميد بن محمد بن رزيق:

يعد هذا الكتاب وخاصة الجزء الأول منه سجلا وأرشيفا لكل أدباء عمان في العصور الماضية، وكذلك لعلماء وأدباء عمان المعروفين في عصر المؤلف، فهو يذكرهم مع مقتطفات من إنتاجاتهم الأدبية والفكرية، كذلك يسجل هذا الكتاب مساهمات العلماء والشعراء في الرثاء والمدح والوصف، ويضم الكتاب تسجيلا لكل فنون الأدب الموجودة في عصر لمؤلف من الشعر والرسائل الإخوانية والنقد المتبادل بين العلماء وكذلك يسجل الكتاب جانبا من كتابة فن المقامة، وهو من الفنون النثرية التي كانت منشرة بين أدباء عمان في مرحلة تأليف هذا الكتاب . ولقد تأثر ابن رزيق بأساتذته ومعلميه الذين كان لهم الأثر الأكبر في تنشأته هذه النشأة الأدبية، ولذلك نرى لديه هذا النزوع الفكري للكتابة الأدبية والتأليف، فلقد نشأ ابن رزيق في سني عمره الأولى على يد شيخ كفيف هو حبيب بن سالم النزوي، وقد كان لهذا الشيخ أثر كبير في تكوين ابن رزيق الفكري فقد عرف كثيرا من الفنون والعلوم والآداب والفقه وقد انعكس ذلك في أعماله، فمن ينظر في نتاج ابن رزيق في جملته يلحظ أن مؤرخنا إلى جانب توخيه الدقة في التدوين يستخدم مقدرة لغوية وأسلوبا جزلا خاصا به إلى حد أن ينظم الشعر فتمتلئ أعماله بقدر كبير منه "4"
ولقد استفاد المؤلف من دراسته في اللغة والأدب ومن نظمه للشعر في تأليف هذا الكتاب وقد استخدم ابن رزيق مقدرته اللغوية، وأسلوبه المميز، ومكانته في نظم الشعر في تضمين كتاب الفتح المبين كثيرا من مظاهر الحياة الأدبية في عمان، واتخذ لنفسه في الكتاب مجلسا يلقي فيه بأشعاره ونثره، ويعرض قدراته وقوة باعه في علوم اللغة والأدب والفقه في مناقشات ومجادلات طويلة، وأيا ما كان فابن رزيق بين علماء عصره عالم لغوي، نحوي وعروضي، يقول عنه الشيخ سعيد بن حماد، أنه المعجز لكثير من الشعراء ببلاغة شعره والمفحم بفصاحة نثره "5"
وقد قدم ابن رزيق للأدب في عمان خدمة كبيرة بوضعه هذا الكتاب، فالكتاب يعد مصدرا رئيسيا لدراسة حركة الأدب والشعر والنثر في تلك المرحلة، وقد وفرت له المكانة العلمية والعملية وعلاقته بالأسرة المالكة في أن يلعب هذا الدور التأليفي والفكري، "ولقد تميز مؤلف الكتاب بعدة مزايا أهلته لأن يلعب كتابه دورا هاما في خدمة كتب التاريخ العام لتاريخ الأدب في التراث العماني، وأول هذه المزايا أن المؤلف نفسه كان شاعرا، وإن كان قد وقف شعره كله على مدح سلاطين عصره، وقد بث ابن رزيق كثيرا من قصائده هو في ثنايا كتابه، ومن المزايا أيضا أن المؤلف كان قارئا يعتمد على المصادر ويشير إليها وقد أشار إلى مؤلفين من أمثال ابن إسحاق والواقدي وابن هشام وابن السكييت والمسعودي وابن دريد وابن النحاس. ويقدم ابن رزيق في هذا الكتاب وثائق هامة عن الحياة الأدبية في عصره وعن قصائده، وهو ينشر جانبا كبيرا منها في كتابه هذا، ومن الوثائق الأدبية التي يقدمها ابن رزيق عن عصره أيضا، الإشارة إلى فن المقامة عنده وعند معاصريه وإلى أن سعيد بن راشد الغشري كان يصطنع لنفسه في مقاماته بطلا يسميه اليافث بن تمام ويورد ابن رزيق نماذج من مقاماته، ثم يشير إلى أنه هو نفسه اهتم بفن المقامات، واصطنع لمقاماته بطلا أسماه "الوارث بن بسام" وأنه كتب حوله ستين مقامة جمعها في كتاب بعنوان "علم الكرامات المنسوب إلى نسق المقامات"، وقد أورد نماذج مطولة من هذه المقامات في الفتح المبين .إن الفتح المبين على هذا النحو يقدم لنا خطوة رئيسية هامة في اقتراب كتب التاريخ في التراث العماني من فكرة التاريخ الأدبي وتقديم مادة ليس من الضروري أن تكون كلها موضع تسليم، وإنما يمكن أن تكون مبدأ للمناقشة وإعمال مبادئ النقد في التمحيص والانتقاء للخروج بما يصلح منها أن يستقر في تاريخ الأدب العربي في عمان "6"

4 ـ تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ نور الدين السالمي:


مع أن الشيخ نور الدين السالمي اهتم بتتبع كتابة الأحداث التاريخية إلا أنه لم يهمل تسجيل الأحداث والقضايا الأدبية التي شهدها عصره والعصور السابقة، كما أنه نقل كثيرا من روايات ابن رزيق مع أنه كان يضعف بعضها، ولكن الشيخ السالمي أبدى اهتماما كبيرا بالشعراء والأدباء وقصصهم وسيرهم وذكر نتفا من أشعارهم وطرائفهم، ولهذا فإن هذا الكتاب بالإضافة إلى كتاب ابن رزيق يعدان مصدرين من مصادر الأدب التاريخية الفكرية ويسجلان العديد من الأحداث والروايات الأدبية والأحداث التي مر بها ذلك العصر،" ويقدم القرن الرابع عشر كتابا تاريخيا هاما هو تحفة الأعيان للشيخ السالمي، وغطى السالمي فيه الأحداث التاريخية المتصلة بعمان منذ بداية التاريخ حتى سنة 1327 هـ، وقد استفاد السالمي من الكتابات السابقة عليه وأشار إلى بعضها مثل كتابات العوتبي في الأنساب، والأزكوي في كشف الغمة وابن رزيق، وينفرد السالمي بالإشارة إلى الشاعر أبي إسحاق الحضرمي الذي كان يعاصر الإمام الخليل بن شاذان في أوائل القرن الخامس الهجري، ويورد له مختارات من نحو عشر قصائد ثم يشير بأن له ديوانا. وفي مجال إشارته إلى الدواوين التي اطلع عليها يشير إلى ديوان آخر، تجمعت فيه مدائح الشعراء التي كتبت في الإمام بلعرب بن سلطان، ويبدو أن هذا الديوان لم يحقق ولم يطبع، وهو يهتم بالحبسي شاعر اليعاربة ويورد كثيرا من نماذجه، ويقف أمام بعض قصائده التي تصف مواقع اليعاربة ضد البرتغاليين، مثل قصيدته التي يسميها القصيدة الخيلية والسالمي يشير إلى هذه الأشعار المجهولة المؤلف، فهو يشير إلى قصائد كتبها أهل منطقة الباطنة في الترحيب بالإمام محمد بن غسان، وإلى ديوان كامل مجهول المؤلف أو متعدد المؤلفين في مدح بلعرب بن سلطان، وإلى قصيدة مجهولة لحادثة غريبة حدثت في القرن الثاني عشر الهجري في عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي وعلى هذا النحو يلقي كتاب "تحفة الأعيان" الضوء على كثير من أسماء الشعراء ونصوصهم ودواوينهم في إطار معالجته للتاريخ العماني، مما يعوض جانبا من التقصير الذي لقيه تاريخ الأدب في عمان، نتيجة عدم وجود مؤلفات خاصة به، وعدم احتلاله مكانا مناسبا في مؤلفات تاريخ الأدب العربي "7"

5 ـ جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، الشيخ سعيد المغيري:

يعد كتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار من المصادر القليلة التي تصور كثيرا من مظاهر الحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية والثقافية في زنجبار، هذه المنطقة التي بسط النفوذ العماني عليها منذ القرن السابع عشر الميلادي وأستمر حتى منتصف القرن العشرين، وهذا الكتاب يمثل مصدرا أساسيا ومهما لرصد وتسجيل الأحداث التاريخية والثقافية والسياسية وتكمن أهمية كتاب جهينة الأخبار في أنه المصدر الوحيد الذي عرض فيه مؤلفه لجانب من حياة الأدباء العمانيين في زنجبار "تأتي من أنه الوحيد من بين المصادر التاريخية العمانية الذي تعرض لجانب صغير من حياة الشعر في هذه المنطقة، وهو يؤكد ما يتوقعه المرء من أن الشعر كان هو الشعار الثقافي الراقي الذي تلجأ إليه في التعبير عن أحاسيسها في لحظاتها الهامة، كما يلجأ إليه الأفراد لرصد اللحظات غير العادية في مسيرة حياتهم"، وعلى الرغم من أن مؤلف كتاب جهينة الأخبار قد ذكر العديد من طرائف وأخبار الأدباء والشعراء في زنجبار إلا أنه لم يأتي على ذكر على عدد أخر من الشعراء لأنه وكما يقول الدكتور أحمد درويش:" لم يرد حصر الشعراء الذين ظهروا في شرق أفريقيا، ومن أجل هذا فإنه لم يشر إلى شعراء اشتهروا بهذه المناطق مثل ابن عرابة والشيخ أحمد بن حمدون الحارثي، وقد اكتفى بالإشارة إلى الشعراء الذين كانت لهم صلة بالأحداث العامة التي تعرض لها في تاريخه، ولكن أهمية هذا (المرجع) تأتي من أنه يلقي من الضوء على المناخ العام للحياة في هذه المنطقة، مما يجعلنا نعتقد بأن مزيدا من البحث عن تراثها الأدبي والشعري سوف يساعدنا على فهم أكثر لطبيعة الشعر في بقعة هامة من بقاع الوطن العربي وعلى الاستفادة من رافد هام من روافد الشعر العماني "8"

ثانيا المصادر الحديثة في دراسة الأدب في عمان :

يبدو أن المصادر الحديثة أكثر اتساعا وشمولا وذلك نتيجة لاتساع فنون الأدب ومجالاته وكثرة الدراسات التي تمت على هذه المجالات، ولقد غطت الدراسات الحديثة أكثر مجالات الأدب، وتنقسم هذه المصادر لعدة أقسام منها ما يهتم بالشعر القديم ومنها ما يهتم بالشعر الحديث ومنها ما يختص بتوثيق سير الشعراء القدماء والمعاصرين ومنها ما يختص بالنقد .وتنقسم مصادر دراسة الأدب الحديث في عمان إلى ثلاثة أقسام الأول يختص بدراسة تاريخ الأدب في عمان يختص بدراسة فنون وموضوعات الشعر الحديثة وثالث يختص بدراسات القصة القصيرة.

المصادر التي تختص بدراسة مجالات الأدب في عمان وموضوعاته وشخصياته:

وهي المصادر التي تختص بدراسة تاريخ الأدب في عمان عامة وتبحث في عدة موضوعات تختص بتاريخ الأدب في عمان كرصد شخصيات الشعراء وموضوعات الشعر وفنونه المختلفة في الفترات الماضية من تاريخ عمان وتنقسم هذه المصادر إلى قسمين الأول يختص بدراسة موضوعات الأدب والثاني يختص برصد الشعراء أنفسهم:

أولا: دراسات تبحث في مجالات الأدب العماني وموضوعاته :

1 ـ دراسات عن الأدب في الخليج 1983، عبدالله الطائي، معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة 1974.
2 ـ دراسات عن الخليج العربي، عبد الله بن محمد الطائي، مسقط، 1983.
3 ـ الأدب العماني الحديث، يوسف الشاروني، دار رياض الريس للكتب والنشر، لندن، 1990 .
4 ـ مدخل إلى دراسة الأدب في عمان، د. أحمد درويش، دار الأسرة ودار المعارف، القاهرة، 1992 .
5 ـ عن الشعر العماني حتى العصر الأموي، شكري بركات دار الثقافة العربية، القاهرة، 1993
6 ـ البديع واللغة في الشعر العماني الوسيط، شكري بركات، دار الثقافة العربية، القاهرة، 1988
7 ـ ملامح في الشعر العربي، إسماعيل بن حمد السالمي 1989
8 ـ المذكرة في الشعر العماني، إسماعيل بن حمد السالمي 1997


1 مدخل إلى دراسة الأدب، د.أحمد درويش، ص 31
2 المصدر السابق، ص 33
3 المصدر السابق ، ص 34
4 مؤرخو الجزيرة العربية في العصر الحديث ، مصطفى عبد الغني ، ص 97
5 مقدمة الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، ص ك
6 مدخل إلى دراسة الأدب ، د.أحمد درويش ، ص 35 وما بعدها .
7 مدخل إلى دراسة الأدب ، د.أحمد درويش ، ص 38 وما بعدها .
8 مدخل إلى دراسة الأدب ، د. أحمد درويش ، ص 44

د. شُبّر بن شرف الموسوي



أعلى



الفن تفسير للواقع

تأخذ الرموز المستمدة من الواقع جانباً مهماً في التعبير الفني لدى الفنان التشكيلي، ويستخدمها الكثيرون منهم للدلالة الضمنية عما يريدون التعبير من خلاله عن شيء ما، وتساعد تلك الرموز في ذات الوقت المتأمل للعمل الفني من الوصول إلى ما يريد الفنان الإفصاح عنه في عمله. غير أن هذه الرموز تعتبر أحياناً قاصرة وعاجزة عن التعبير المطلوب الذي يمكن للإنسان أن يدرك دلالاتها ومعانيها وعناصرها المستخدمة. فالواقع الذي يستمد منه الفنان مفرداته وعناصره تلك أكبر بكثير مما يلخصه لنا في عمله الفني ويختصره لنا بالرمز، وهنا تكمن مشكلة التوافق بين الفنان والمتلقي، فالجمهور يدرك الواقع بالقياس على الموجود فيما يلخصه لنا الفنان المبدع بالرمز المختصر، فعلينا في تلك الحالة أن نتجرد مما تعودنا رؤيته من أشكال قد تعوق الكشف عن المضمون الخفي الذي يريد الفنان الإشارة إليه، عندها نكون قد متعنا أنفسنا بالفن أكثر من المواجهة المباشرة للواقع وسيتسامى بنا الشعور بقيمة الفن وجماله وروعته.
والرموز التشكيلية أو العلامة التصويرية كما يحلو للبعض أن يسميها لها من دلالاتها التي تراها العين أشكالاً قابعة في مسطحات اللوحات أو كتل المجسمات تردد صدى ما في الوجود من معان، ويلخصها الفنان لنا عبر مداركه الحسية وانفعالاته النفسية من خلال الرؤية المباشرة أو غير المباشرة للواقع كالقصص الخيالية والأساطير القديمة التي فرضت سيطرتها على الفكر البشري، فشكلت قوة دافعة إلى ابتكارات فنية جديدة تعبر عن مشاعرنا بالنسبة إلى الأحداث أو الأشكال التي نراها أو نفترض وجودها، وهذه الرموز تتسم بصفات تتخذ أشكالها من مظاهر معينة، بعضها ترسب في أعماقنا من كثرة خبراتنا به، وبعضها نشعر به عن طريق الاستدلال أو الاستنتاج. إذن فالرمزية ضرورة تتطلبها التجربة الجمالية، وتتأتى للفنان عن طريق الإدراك بالحواس أو الاتصال بالمخيلة عن طريق الاستشعار بالاستعارة. وعندما يصبح الرمز علامة تصويرية منظورة لا بد أن يكون حينها محدداً بدرجة كافية تيسر الاستدلال عليه، ولا بد أن يكون له هدف ومغزى لكي يصبح له معنى، ومن الأشكال ما يمكن اتخاذه رمزاً لمفهوم جديد بعد أن كان يبدو من قبل التجربة الفنية مغلقاً على نفسه ولا دلالة له، ومنها ما لا يصلح أن يكون رمزاً لشيء.
ولنا في أعمال الفنانين التشكيليين العمانيين وتجاربهم الفنية المختلفة ينبوعاً رقراقاً لا ينضب فالمتتبع لأعمالهم يجدها مليئة بالرموز التصويرية التي تم معالجة مضمون العمل بها للوصول إلى تجسيد رائع للأفكار ومنهم على سبيل المثال الفنان أنور سونيا والفنان موسى عمر والفنان سليم سخي وحسن مير ومريم عبدالكريم وغيرهم.
* عبدالكريم الميمني
* فنان تشكيلي


أعلى






رحلة في زمن (السواكل)

(السيكل)، كانت الهدية الذهبية التي يطمح إليها مجمل أطفال حينا، وإذا حضر السيكل حضر معه الاستمتاع بالرحلات المختلفة إلى الأحياء القريبة وبعض الأحراش المتواجدة. كل شيء يتم بسرية، لا أحد يتفوه بكلمة حول الرحلات التي يقوم بها الأطفال. والسيكل أروع آلة صنعت على مر العصور بالنسبة إلى الأطفال في تلك الأثناء. شعور لا يمكن وصفه. ما يعكر صفو الاستمتاع بركوب السيكل المدرسة التي تأخذ وقتا كبيرا في اليوم الواحد.
وكان الجيل السابق يتفنن في شراء السواكل، كانوا يحبونها بشكل لا يوصف، يبتاعون مسجلا صغيرا يشغل بالبطارية ويسمع منه أفضل الأغاني التي تصدر في تلك الأثناء، كأبو بكر سالم، ومحمد عبده وعبدالله رويشد وعبدالكريم عبدالقادر وعبدالمجيد عبدالله وميحد حمد وعتاب ورباب (جاني الأسمر جاني وافتكر زماني) وأنغام وأصالة وغيرهم.
كانوا يتميزون بالشعر الكثيف حول أفوادهم، يلبسون النظارات السوداء، وبنطلون وفانيلة غالبا ما تكون زرقاء اللون وسواكلهم مزينة برقائق الورق الملون، وبالـ(التيب) أيضا. في أحيان كثيرة يقوم البعض بجلب علب البلاستيك من أجل وضعها على العجلة (التاير) ما بين العجلة والحديد بالقرب من الفرامل (البريك)، وذلك حتى تُحدث ضجة تشبه ضجة الدراجات التي يستمتع الأطفال بسماعها، صوت الضجة أفضل ما يشعر الأطفال بالفرح خصوصا إذا أحدث احتكاك إطار العجلة بالبلاستيك شرارا.
كانت رائحة الدخان مغرية، عميقة، تشعل الأحاسيس، تجعلك تجن من التفكير في إمكانية خوض غمار حرق علبة أخرى، تظل هكذا دون أن تتعب.. جرب أحد الأطفال في يوم من الأيام العملية، فاحترق إطاره، وكاد أن يحترق بنفسه لولا صراخ الأطفال له. فلم يكن يعلم بوجود الحريق وراءه، ولم يحدث من قبل أن احترق إطار سيكل طفل من قبل.
ينظم فريق السواكل رحلات يومية إلى أماكن مختلفة، وهذا جله من أجل الاستكشاف ساعد على ذلك وجود أحراش كثيرة كانت بمثابة الغابات الصغيرة بطيورها وحيواناتها ونباتاتها. تبدأ الرحلة من أمام المنازل التي يسكنونها وتنتهي إلى أن تغيم السماء. والمغامرة هنا عبارة عن اكتشاف الأماكن الغريبة التي لم يصل إليها سيكل طفل من قبل، وكان لدى الأولاد العديد من المسميات التي يحبون إطلاقها على الأماكن الجديدة التي يكتشفونها، فـ (النزلة) على سبيل المثال، والتي هي عبارة عن منحدر طويل وخطير لا يستخدمه سوى الأولاد الكبار.
كان أكثر من متعة، كان مغامرة لا تنسى وأنت تسقط من عل إلى الوادي العريض في الأسفل. لا يهم إن سقطت على وجهك أو تعرضت لإصابات أو خرجت من حادث اصطدام مريع المهم أن يستمتع الأطفال بتلك اللحظة التي تجعلهم يعيشون فرحة المغامرة. هذا الاكتشاف الذي اكتشفه رائد السواكل في تلك الأثناء كان أروع المغامرات التي حدثت بالرغم من الخطورة التي جابهتهم.
وحياة السواكل تلك لا تنسى فالكثير من الشباب وربما مع تقدم السن يتذكر المواقف الكثيرة التي ترسخت في رؤسهم نتيجة مغامرات السواكل وشقاوة الأطفال. كانوا يستمتعون بتلك الأجواء الجميلة. كما كان البعض يحب اكتشاف عالم السواكل.
برع الأطفال في إصلاح سواكلهم عند تعطلها في تلك الأثناء، فمبجرد تعطل شيء في السيكل فإن الطفل سرعان ما يقوم بفك القطع المتعطلة بنفسه حتى لو لم يكن يعرف، وكان من السهولة معرفة الأعطال التي تصيب السيكل نتيجة خبرة الأطفال وتكرر الأعطال يوما بعد يوم. في النهاية أصبح أمر إصلاح السواكل شيئا سهلا لمعظم أطفال حينا، ووجود محل لتصليح السواكل كان بالتأكيد سيلاقي خسارة فادحة.
يقضون معظم وقتهم على السواكل، ينظمون مسابقات بين الحين والآخر، غالبا ما تحدث مشاجرات، ولكن لا يوقفها إلا تنظيم مسابقات أخرى أكثر حماسا، لا يهمهم معاتبة الأهل لهم لطول الفترة التي يقضونها خارج البيت، ما إن يحل الظلام حتى يرجع جميع الأطفال إلى بيوتهم خائفين من الظلمة، ومن معاتبة الأهل لهم.

غابة

أما (الغابة) كما يسميها أطفال حينا والتي يذهب إليها عن طريق السواكل فهي غابة من الاشجار المختلفة الشائكة منها، والشجيرات والحشائش المتنوعة حيث نجد أنواعا كثيرة من الطيور والحيوانات وبعض الزواحف فيها والتي قد تكون قاتلة في أحيان كثيرة. لم يكن الأطفال يخافون من تلك الأحراش ذلك أنهم يقطنون في مزارع بها الكثير من الحشائش والأشجار، على العكس من ذلك فحينما يجدون زواحف وحشرات قاتلة فإنهم يذهبون إليها لاصطيادها.
وكان من بين أولئك الأطفال طفل يحب المغامرة إلى حد لا يمكن تصوره فلم يهب الأفعى والعقرب، بل كان يستطيع اصطيادها وحملها وهي حية دون أن تؤذيه، وكان في أحيان كثيرة يجمعها في قنينة.
أروع ما في رحلات الأطفال عالم الحيوانات والطيور، كانت هنالك العديد من الأعشاش التي يجدها الأطفال إما على الأشجار أو حتى على الشجيرات وبعض الحشائش. تعلم العديد من الأطفال أسماء الكثير من الطيور نتيجة سؤالهم عنها من قبل الأهل وعندما لا يجدون الإجابة يسمونها على حسب صفة رؤياهم لها بعد الإتفاق طبعا وتداولها واعتمادها.
ومن بين تلك الطيور طائر (المقيقيس) وسمي بهذا الاسم لأنه (يقس) أي يخدع. ولا أعرف اسمه العلمي حتى الآن، وهو طائر يبيض على الأرض دون أن يبني عشا أو ما شابه، وبيضه لا يمكن ملاحظته ذلك أنه يأخذ شكل الزلط، فمن الصعوبة أن يلاحظه أحد، كما أن الطائر بمجرد أن يشعر بخطوات شخص قريب، حتى يغير مكانه، ويكرك حتى من يشاهده يحسب أنه يجلس على بيضه، ولكن الأمر ليس كذلك فالبيض في مكان آخر، قد يكون بعيدا او حتى قريبا جدا. إلا أن خبرة بعض الأطفال ومعرفتهم بالطائر تحول دون ذلك، فحتى لو استمر البحث نصف ساعة فإنهم سيجدونه. وهذا الطائر لا يحتفل به كثيرا، حيث يتركه الأطفال في حال سبيله.
عرف الأطفال كذلك الشقراق الهندي أو الغراب البنغالي يسمونه في حين بـ(الضاضوة) وهو طائر يتميز بصوت مزعج، وألوان مختلفة، أزرق وبني، يهاجم الأطفال في كثير من الأحيان، خصوصا إذا عرف بوجود طعام في يديك. الاطفال الأصغر سنا يخافونه كثيرا؛ لأن حجمه المتوسط ومنقابه المدبب يلقيان الخوف على الأطفال الصغار.
وعرف الأطفال أن هذا الطائر لا يرى ما خلفه وغالبا لا يشعر إذا ما جاء أحدهم وراءه، فكانوا يتحينون فرصة لمشاهدته يقف على جدار، حيث يتسلل إليه أحدهم ممن يتميز بطول جيد لينقض عليه ويمسكه. هذه الطريقة كانت محط إعجاب الكثير من أطفال حينا والجميع أراد تجربتها وكانت النتيجة، احتواء أعداد كبيرة من طيور الشقراق الهندي في أيدي الأطفال.
كما عرف الأطفال كذلك طير آكل النحل الأخضر الصغير. يسميه أطفال الحي (طير الجنة) ربما لأنه أخضر اللون مع بعض الرتوشات البنبة والزرقاء على عنقه، جسمه انسيابي ومنقاره حاد. وعيونه حمراء. هذا الطائر الجميل كان فرصة للصيد لا مثيل لها فعندما يبتاع الأطفال (النشاب) وهي أداة تصنع من الخشب والمطاط يوضع فيها حجر صغير لاصطياد الطيور الصغيرة، يقضون معظم وقتهم في التصويب إلى (طوير الجنة) ـ ذلك أنه طائر غير جفول ـ ، فإما أن يسقط بعد ضربة قوية وإما أن يهرب حاملا وجعا سيتذكره ما دام حيا. وهذا الطائر كما عرفناه، يحفر في الأماكن الترابية حيث يبيض بداخلها.
ومن بين الطيور التي كانت تبهر فعلا طائر الببغاء وتسمى في حينا (المتوه)، وهي طيور خضراء جميلة، صوتها يشد الانتباه، ومظهرها يجذب الأنظار خصوصا البالغة منها.
ومن بين الأشياء التي اكتشفها الأطفال في هذا الطائر الجميل، أنه يبيض على أشجار النخيل الميتة والتي لم يتبق منها سوى جذع النخلة فقط، كان العديد من الأطفال يقومون بتسلق النخيل من أجل مشاهدة الصغار وفي أحيان كثيرة يأخذ بعضهم تلك الببغاوات الصغيرة ويحتفظ بها في بيته كزينة، وكان هنالك شخص يحب الببغاوات حبا شديدا، فقام بتربية العديد منها، فعلّم واحدا أن يكون رفيقه، كيف علمه، كنا بحق نستغرب ذلك! أمر غريب..
كما أن طريقة إطعام صغار الببغاء تختلف نوعا ما فقد تعلم الأطفال بأن الصغار تحتاج إلى إبرة توضع فيها بعض الأطعمة المهروسة ومن ثم تعطى إلى الببغاء. ولابد من الحرص الجيد جدا عند إعطائها الطعام، يجب أن تعرف جيدا متى تستمر ومتى تتوقف حتى لا يؤثر ذلك عليها.
كما عرف الأطفال كذلك الحمام الزاجل، حيث تعلموا كيفية تربيتها، وكانت في أحيان كثيرة تتكاثر بشكل كبير عند بعضهم، حيث كانوا يبيعونها إلى أطفال الحي ، طبعا بعد أن يقوموا بقص ريش أجنحتها حتى لا تستطيع الطيران، وعندما تكبر أجنحتها تطير إلى صاحبها مرة اخرى ليبيعها بسرعة إلى أشخاص آخرين! وهذه الطريقة كانت بالنسبة لبعضهم مكسبا لابد من الاستفادة منه. وكانت هنالك أنواع من الحمام بأشكل وأحجام مختلفة كان الأطفال يعرفونها في تلك الأثناء.
والحقيقة أن هنالك العديد من الطيور الجميلة التي لن تنسى أبدا في ذاكرة الصغار ومواقفهم معها نتيجة رحلاتهم الكثيرة إلى الأحراش القريبة من بيوتهم.
أما الحيوانات فكان لها حكاية أخرى، نبدأ بالثعلب الصغير الذي يتميز بوجود الذيل الكبير مما يغري الأطفال إلى الركض وراءه، غالبا ما يأتي الثعلب في فترات متفاوتة يقتات على الدجاج أو بيضه، ولهذا كان الأطفال في كثير من الاحيان يحاولون إمساكه.
وحدث أن قام أحدهم في مرة من المرات بعد أن وجد أحد الثعالب الميتة، بقطع ذيل الثعلب، واتبع إحدى الطرق التي عرف عنها نتيجة اطلاعه لكيفية حفظ المواد العضوية، وتنظيفها حتى يستفيد منها لتزين السيكل أو شيئا آخر. وأكثر ما كان غريبا في إحدى القرى البعيدة، أنهم وفي فترة سابقة كانوا يمسكون بالثعلب لكي يشوونه ويأكلونه كبقية اللحوم المختلفة. طبعا لجهلهم في ذلك الوقت.
أما القنفد ذو الأشواك الحادة والذي غالبا ما يظهر في الفترة المسائية، فكان شيئا يتسلى به الأطفال، بعضهم يستطيعون وضعه على أيديهم دون أن يؤذون أنفسهم، ما كان محزنا أن البعض كانوا يلقون بالقنفد في الماء حتى يستطيعوا رؤيته. وهنالك بعض القرى التي تسمي القنفد بـ(كبش الجن)، والأساطير عندهم تقول بأن كبش الجن هذا هو غذاء للجن، يأكلون لحمه! كما عُرفت الأرانب، وكان بعضهم يربيها فتتكاثر بشكل كبير، وكان يبيعها إلى أقرانه، ولحمها إذا طبخ بطريقة جيدة يشبه لحم الدجاج، ولكنه ألذ.
وعرف الأطفال عن طريق التجربة أن الأرانب تحفر الأرض كمسكن لها، ولكن أين تحفر؟ يقوم الأطفال بحفر حفرة بطول اليد في المكان الذي يرغبون أن يكون بيتا للأرنب حتى لا يذهب إلى مكان آخر ويغيب. كما عرف الأطفال فيما بعد عددا من الحيوانات التي يمكن تربيتها كالديك الرومي والبط وغيرها. المهم في الأمر أن البعض نظر إليها نظرة استثمار واستفاد منها خير استفادة، أما البعض الآخر فكان يحب رؤية الحيوانات المختلفة والاحتفاظ بها.

مخترعون

عرفت طفلا في تلك الأثناء، يحب الاكتشاف، يحب أن يصنع، ما أن يعرف بظهور طائرة على شاشة التلفاز حتى يقوم من فوره لمشاهدتها، لمعرفة كيفية طيرانها، وكيف تحلق. أصر بشدة على القيام بصنع طائرة تحلق، ابتاع كتابا. وأخذ يبحث في المواد اللازمة لصنع تلك الطائرة، المهم انه قرأ في النظريات وكيفية التحليق، فما كان منه إلا أن أكمل النموذج الصغير للطائرة التي استعان بالورق المقوى وبعض الأخشاب الخفيفة جدا ومحرك كهربائي، وجهاز تحكم. في النهاية، حلقت طائرته وسط ذهول العديد من الأطفال. كما اخترع سيارة كذلك، ومحركا كهربائيا وغيرها.
في المقابل هنالك طفل آخر كان يعبث في أي لعبة أو جهاز تستطيع يداه الوصول إليه، فما أن يجد لعبة ما حتى يفتتها قطعة قطعة، ثم يحاول تركيبها مرة أخرى. يحب أن يكتشف الأشياء التي تحرك هذا الجهاز، كان لديه الكثير من الألعاب، لم تستمر كثيرا فقد كان يفك ويركب ويدمج. لم يقتصر الأمر بألعابه، فقد فك المسجلات التي يجدها في البيت، وأجهزة التلفاز، وأجهزة التحكم.
في أحيان يكتشف الوالدان ذلك وبالرغم من تأنيبهم له إلا أنه لا يستطيع تحمل وجود جهاز بدون أن يطلع على محتوياته على أقل تقدير، ولهذا لم يترك جهازا في المطبخ أو غرفة الجلوس أو المجلس أو الحمام إلا واطلع عليه وتعرف عليه وخربه في أحيان كثيرة.
حتى السيارات، كثيرا ما عبث فيها، تعلم كيف يحرك السيارة وعملها وهو في سن السابعة، طبعا بدون أن يعرف والده بذلك، كان يتابع ما يفعله أبوه ويطبقه مباشرة، وحدث أن (قلع) مذياع السيارة، وكان يقوم بفك بعض أجهزة السيارة بعد أن كشف غطاء المحرك، وعرف كل محتوياتها وكيف تعمل وكان يخرب في أحيان كثيرة نتيجة عبثه أجهزة كثيرة ولكنه سرعان ما يصلحها، طبعا خوفا من أبيه الذي لو عرف لكان له نصيب جيد من التأنيب. ولكن هذا الأمر جعله خبيرا في أنواع المفكات التي من الممكن استخدامها لأغراض الفك، بعد طول محاولات. ووفقا لما تعلمه استطاع التعرف على مكونات الأجهزة من مكثفات ودوائر إلكترونية وغيرها من الأمور الإلكترونية التي من الممكن أن يستفيد منها.
برع في الالكترونيات حتى بدأ يصنع بمفرده بعض الدوائر الالكترونية مستخدما بعض الأغراض التي كان يبتاعها، وكان كلما تعطل شيء من الأجهزة الالكترونية سارع إلى إصلاحه بنفسه، فالمعدات التي ابتاعها كانت كفيلة بإصلاح أي شيء. بل وصل مرحلة اخترع فيها (المذياع) والمسجلة و(الميكرفون) وعرف كيفية إصلاح التلفزيون وما يتعلق بأي جزء موجود فيه وكافة الأمور المتعلقة بالالكترونيات، وكان من السهل عليه معرفة أيقونات الأجهزة المتعطلة بل ابتاع جهازا يقيس جهد وشدة الكهرباء واجهزة التصليح والقياس المختلفة.
لم يستعصِ عليه فك أي شيء متعلق بالسيكل أو سيكل الأطفال الذين كانوا يأتون إليه بعد أن تستصعب أمورهم لإصلاح عطل ما نتيجة توافر المعدات التي استطاع شراءها. بل اخترع العديد من الأجهزة التي يستطيع تركيبها في سيكله حتى يكون مميزا عن غيره وبالفعل فقد اخترع الزمار و استخدام عددا من الأدوات في صنع مصباح يعمل عن طريق دوران عجلة السيكل. واستخدم كذلك الطاقة الشمسية في تشغيل الأجهزة المختلفة والتي كانت تتطلب توصيلات خاصة.

الأرض

حيّنا مليء بالمزارع التي كانت عامرة بثمارها في تلك الأثناء، والزراعة مهمة جدا، ولهذا لم يكن الأطفال بعيدين عن الزراعة والسقي ومعرفة المواسم المناسبة وغيره. في كثير من الأحيان يجبر الأطفال على مساعدة الأهل في قطف الثمار أو زراعة بعض المحاصيل، وهنالك من يحب الزراعة إلى درجة تجعله في كثير من الأحيان، (يأخذ) خلسة بذورا من مختلف المحاصيل ليقوم بزراعة قطعة أرض، لتكون مزرعته التي يديرها بنفسه، ويسقيها، ويحاول بأي شكل من الأشكال منافسة العديد من الأطفال الذين هموا بزراعة أراضيهم الصغيرة، ونتيجة الخبرة التي توصل إليها عدد من الأطفال استطاعوا جني ثمار العديد من مزروعاتهم، ولم يقتصر الأمر إلى الشجيرات الصغيرة بل قام العديد منهم بزراعة النخيل التي يتطلب مهارة خاصة وكيفية فصله عن النخلة الأم، ومميزات الحفرة من حيث الطول والعرض، كذلك الأمور المتعلقة التي يجب أن يقوم بها المزارع أثناء غرسه الفسيلة، وكمية الماء المناسب لها والسماد الذي تسمد به الأرض في أوقات معينة حتى تنمو النخلة بشكل صحي كذلك الأمر بالنسبة إلى الأشجار الأخرى، وعرف الأطفال كذلك النباتات التي من الممكن قطع أغصانها من أجل زراعتها مباشرة في الأرض.
بعضهم راعى كثيرا هذه المنتجات التي كان يستفيد منها حيث يقوم بزراعة العديد من الخضراوات والشجيرات من ثم يذهبون إلى السوق إما مع أهاليهم في السيارات أو عن طريق السيكل لبيعها، وبالفعل كانت المكاسب جيدة ، طبعا بمساعدة الأهل في بداية الأمر ومع أن التجارة في هذا المجال تتطلب وعيا لأسعار الثمار فإن الأطفال سرعان ما وجدوا الطريقة التي تعلمهم كيفية البيع والشراء والمنافسة في البيع فعرفوا أسعار كل منتج يستطيعون بيعه ومع أن عددا منهم لم يكن محتاجا إلا أن تجربة التجارة كانت مغرية، فلم يستحِ الأطفال للذهاب إلى السوق بل كان بعض من الأهل يشجع أطفاله إلى الذهاب لا لشيء بل ليكتسب الخبرة التي قد يكون لها مردور ولو بأمل بسيط مستقبلا.

محمد بن سعيد القري
* كاتب عماني

أعلى






عاديٌّ هذا النزف.. (2)

يتدافع الألم لحظة إحساسك بالفقد..
تُحس أنّك تائه لا تعرف عمّ تبحث ولا عمّ تريد، فتمارس بعض عاداتك التي تُحِب، علّها تنقذك مما أنت فيه، فلا يجدي شيئا.. تستمع للموسيقى التي تحب، تردد الأغاني ولكن لا فائدة.. كأنك في غير المكان، أو أنك غير الشخص الذي كنت.
تبحث عن وجوه أحببتها.. شخصيات كثيرا ما اتكأت على مميزاتها لتصنع مميزاتك، فأول ما يتبادر للذهن: المدرسة!
تعبرك ابتسامة رضى واطمئنان، تتصفح في وجه الأصدقاء.. بل تنعطف لحواري أكثر إشراقا: وجوه معلميك! تستقدم الوجوه بملامحها، منهم من تذكر اسمه ومنهم من تكتفي بتذكر وجهه لا غير.. تنطفئ الابتسامة بخيبة حين تتذكر أنك قبل فترة التقيت أحدهم.. ولم يتذكرك!!
تتذكر كيف كنت تحاول تذكيره بك، بدءاً بذكر السنة والمرحلة والصف، تُدهش لتذكره القليل من التفاصيل الدقيقة جدا، كـ" الطاقية" المتسخة لزميلك المتفوّق الذي يجلس أمامك، ودشداشته غير المكوية دائما، والطاولة المنحرفة دائما عن الصف بقرب باب الفصل التي تعوّد الأستاذ أن يلكز بعصاه الناعمة الملساء زميلك الطالب الذي يقتعدها لكي يعدّلها، بل والطاولة السوداء الشاذة عن بقية ألوان الطاولات الأخرى، والتي كان زميل لك كلما أتى صباحا للفصل ولم يجدها، يجدّ في البحث عنها حتى يعيدها، تُدهش لكل هذه التفاصيل التي غفلت عنها، وتراها أمامك واضحة جليّة وكأنها شيء حدث في الأمس القريب. بل تتذكر طعم وقع العصا عليك أحيانا لـ"شرودك" اللامبرر حين يباغتك المعلم: "أنت يا ولد، كرر ما قلته عن هذه المسألة؟"
ولكنّه رغم ذلك لم يتذكرك، لم تحزن وقتها أنّه لم يتذكرك لأنك بلا موهبة أو غير متفوق، بل لأنك كنت بالنسبة إليه عاديا جدا، كأشياء كثيرة من نوعها متعددة، لا يهتم المرء بالتركيز عليها لأنه سيجد مثيلها بالتأكيد.. وحين لمح "المعلم" الخيبة على وجهك قال متداركا كالمعتذر عن قبح ما: إنك تحدثني عن 15 عاما مضت، أين نحن من ذاك الزمان يا بني" تتركه وأنت تشدّ على يديه وكأنك تُريد استرجاع شيء منها..
مذ ذاك اللقاء وأنت تتجاهل الالتقاء بأيّهم، حتى الذين يتذكرونك منهم، كنت تخشى أن تكون عاديا كأي عابر سبيل ما، تسقط من ذاكرتهم بمجرد أن تختفي من أمام أعينهم.. ينتقدك أخوك للتجاهل أو حين يراك تتكاسل رفع يدك للتحية، فينهرك: "هذه قلة أدب" لا يشعر بألمك فلا تُجبه.
آه من الحنين، ياله من كائن قاس حقا؛ هو الدرب الضيّق بغابة لا مظلمة ولا مشرقة - تماما كرماد أو كفجر عجول - ذو أشجار مقطوعة الظل وأشجار عارية لا يزورها النسيم ولا يقع الطير على أغصانها. تسري في البال فكرة ما لا يكتمل مغزاها، ولا تتواءم مشاهدها، فتقفز قصيدة كنت تعتقد أنك تدربت جيّدا على عدم تذكّرها، ولكنّها واضحة كالنهار.
تنادي الشتاء داخلك أن يتوقف عن التدفق، تهمس لقرصاته: تكاد شرايين القلب وأوردته أن تتقطع من لفحاتك، هلاّ ترخي علي ستار دفئك. لم تنتظره يجيب، تفتش في الذاكرة العطبة عن وجه تفتقده بشدة الظمأ ذات ظهيرة حارقة. أو عادات تعوّدت ممارستها، ولم تعد تمارسها. حتى تَسلى ولكن.. هناك مقعد فارغ لا يمتلأ في الذاكرة.. وصوت صامت لا ينطق ووردة ذابلة لا أريج لها.. تهدهد جرحك: ياليتني ياليتني... عشت وحيدا ليتني... يا ليتني ياليتني.. ما قد هويت أنا ليتني.. دون أن تعي اهتزاز الموسيقى في الحروف، لكنّ الوحشة طفل لا يكفّ عن البكاء ولا يكتفي من الصمت.. وغرفة مظلمة مكتظّة بأسرة باردة.
* نبهان الحنشي
* قاص عماني


أعلى





رؤية أدبية
(رواية عشناها معا..)
شهد القلعة.. غواية الملكة!!
الواقع.. والخيال

زيارة ..
زيارة وحيدة يتيمة قام بها الروائي الكبير (إبراهيم عبدالمجيد) إلى مسقط بعد دعوة تلقاها من النادي الثقافي. وقد رافقت زميل الدراسة بالجامعة وصديق قصر ثقافة الحرية بالإسكندرية خلال هذه الزيارة الممتعة والتي خرج بعدها برواية رائعة تحت عنوان (شهد القلعة).. ولهذه الرواية قصة ، أو حكاية قمنا بها معا في ليل مطرح الساكن..

الذات والموضوع..
سألني ونحن في الطريق إلى مطرح: عشت سنوات هنا.. فلماذا لا تكتب عن مسقط؟! أجبت: فكرت في هذا كثيرا ، ولكنني تراجعت..
سأل بدهشة: لماذا؟! أجبت: لن أرضي جميع الأطراف..
عقب: عليك أن تكون حكما عدلا في وجهة نظرك للأمور..
قلت: القاضي العادل لن يرضي جميع الأطراف..
قال: يكفي إنه يرضي طرفا واحدا..
قلت: طرفا واحدا فقط يخرج من المحكمة راضيا. أنا أرضي من.. الذات أو الموضوع؟! نفسي أو صاحب الموضوع الذي سوف اتناوله . لابد أن أكون صادقا مع ذاتي ، أن أكون موضوعيا في حكمي على القضية . الطرفان يدخلان المحكمة وكل طرف يود أن يكسب . أن يكون الحكم لصالحه مهما كانت وقائع القضية في غير صالحه . يود الخروج منتصرا ، فإذا خرج خاسرا.. خرج حانقا على القاضي. إنها مشكلة !! والكتابة أمانة . الذات في أعماقي تحمل أمانة الكلمة . هذا من ناحية..
قال: هل هناك ناحية أخرى؟!
قلت: لن أكون موضوعيا. فما زلت في الجدار الداخلي للتجربة. هل قرأت الطريق إلى الهند لفورستر..
أجاب متسائلا: وما العلاقة بين هذا وموضوعنا الآن..
قلت: فورستر .. كتب بصدق ونزاهة لصالح الهند ، وليس لصالح بريطانيا العظمى التي تحتل الهند في ذلك الوقت . وكما تعرف إنه أكاديمي وإنجليزي حتى النخاع . لكنه لم يكتب ليرضي بني قومه على حساب الهنود . لقد قال ما معناه على ما تعي الذاكرة ، لقد بهرتنا الهند حضارة وتاريخا . انتصرت علينا بالرغم من أننا المنتصرون و.. عبارة أخرى اذكرها.. واغتصبتنا!! المغلوب استطاع اغتصاب الغالب . المعنى هنا ليس معنى جنسيا كما يظن البعض.. المراد هو: سلبت فكرهم وخلبت عقولهم وأصبحوا مسلوبي الإرادة والفكر أمام هذه الحضارة العظيمة. وهذا حينما عبر عن حالة الإغتصاب في الرواية ، الإغتصاب هنا معنوي وليس ماديا ، إغتصاب فكري ، ثقافي . ان ثقافة المهزوم والمغلوب والضعيف كانت قادرة على النيل من الغالب. والغالب ماذا فعل في المحكمة قالت الفتاة الإنجليزية أن مرافقها اغتصبها ، وهو رجل يحمل درجة علمية وعلى درجة عالية من الأخلاق (جنتلمان). عندما دخلا الكهف ليشرح لها الفلسفات الهندية القديمة مثل النرفانا وكأنما قد دخل بها (كهف أفلاطون) الذي درسناه معا على يد أستاذنا الدكتور أبو ريان .. ماذا قالت السائحة الإنجليزية: لقد اغتصبت!! سلبتها البلاد كرامتها وقوة بريطانيا العظمى.. الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. دعنا من المحاكمة وما دار في المحكمة.. بالرغم من موقف الفتاة ضعيفا لاثبات ذلك وموقف المرافق الهندي قويا ، لأنه يستند على خلفية تاريخية قوية ، حضارة عظيمة ، فلسفة عميقة.. فورستر كتب ما يعتقده هو.. قال كلمته لصالح الحقيقة ومضى ومازالت كلمته تدوي وتسمع الصم والبكم..
ـ ما علاقة كل هذه الحكاية بسؤالي..
ـ هل سأفعل ما فعله فورستر.. وأقول كل ما عندي ، هل سأكتب بموضوعية عن تجربتي التي مازلت أحياها..عن أناس أعيش داخلهم وبينهم ، في أحضان الجبال وبين السهل والوادي ، وفي شغاف القلب.. هل سأكتب لأرضيهم فقط لا غير ، وإذا كنت الآن راضيا عنهم وسعيدا بينهم، هل سأكون غدا راضيا وسعيدا بعيدا عنهم ؟! هل ، وهل ، مئة سؤال وسؤال .. وحتى الآن لم أعثر على الجواب.. بعد برهة سأل عن نفسه: وأنا..
ـ أنت في إمكانك أن تكتب ما تشاء ، ما لمسته منذ الوهلة الأولى.. منذ الدهشة الأولى ، كما قال أرسطو ، منذ لحظة البكارة الأولى كما قال الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور ، الفطرة ، البراءة ، لم تتلون ولم تتغير بعد .. هنا الدهشة والبكارة .. بعد هذه الاندهاشة عليك أن تقول ما لمسته، ما وصلك .. ما احسسته وما أثر وقع اللمسة السحرية في بدنك لم تمح بعد. لم تتلون أو.. أو تتقلب ، أنت هنا القاضي العدل ، أنت هنا الذي مر على مدينة ، على مسقط فقل ما عندك أنت. أنا مازلت داخل التجربة لم أخرج منها بعد ... وسوف أستفيد مما قلت وكتبت وسأرى ماذا كتبت ومدى الصدق الفني والنفسي وأنا واثق أنك قاض عدل.. لن ترضي جميع الأطراف ، سوف ترضي طرفا واحدا ، في داخلك ، الفنان إبراهيم عبدالمجيد..
نظر نحوي وسأل: وأنت؟
أجبت: أنا هنا الإنسان العادي . قبل الفنان الذي في أعماقي ، الإنسان الذي جاء للعمل .. لكسب العيش ، لرعاية أسرة ، لمستقبل العائلة ، لم أخرج من داري باحثا عن الشهرة والمجد...
ـ هل أنت راض عن كل ما فعلته..
ـ هل تقصد راض كل الرضا..
ـ نعم
ـ لا ..
ـ بنسبة كم؟
ـ قل 75 في المئة . وهذا يريحنى نفسيا ومعنويا .. لأننى تركت الفنان الذي يعيش بداخلي ، خلفي . هناك .. في الأمكنة التي عشنا فيها معا. والساحات الثقافية التي شكلتنا وتشكلنا فيها ، التي صهرتنا ، وامتزجنا بالتراب والغبار والهواء .. والبحر. نحن كالسمك. عندما يخرج من المياه يتغير لونه وطعمه ومذاقه . وتتغير حياتنا وطرق معيشتنا. ودرجة الصدق والحكم على الأمور وحقائق الأشياء . لقد تغيرنا منذ أن غادرنا الديار والتراب والهواء والغبار .. و.. وماء النيل الذي يسري في عروقنا..
قال بغرابة وحزن: ياااه!! كل هذا بداخلك وساكت ، صامت اتمنى أن تخرجه كرحيق النحل. كالشهد. أروع من الزهور التي تذوقتها من المناظر التي شاهدتها ومن العمر الجميل الذي قضيته هنا . بعد هذه الرحلة الطويلة ، الطويلة ، قلت كما قالت فدوى طوقان: الرحلة الجبلية الصعبة!!

غواية المدينة..

أهداني الزميل الحبيب إبراهيم عبدالمجيد أحد إصداراته الجديدة ، يحمل عنوان (غواية الاسكندرية) المدينة التي أغوتني وخطفتني ـ الجنية ـ من قريتي الغالية وأنا في سنوات الصبا الأخضر ، عندما انتهيت من مدرسة بلدتنا الإلزامية وأصر أبي الشيخ على أن أرحل وأدرس هناك في رعاية وكنف أخي الأكبر، أكبر أشقائي الكثر.. وكنت أنا قبل الأخير . أخي الصغير غير القادر على العمل أو المساعدة واذكر عندما أخذته معي للمدرسة قال حضرة الناظر محمود أفندي حمودة المنوفي ، مازال صغيرا لم يبلغ سن الإلزام بعد ، لكنني كنت أحب أخي الأصغر ، أصغرنا جميعا سنا ، بين البنين والبنات، آخر العنقود، وأن كانت أمي قد أنجبت مولودة وماتت وكان اسمها صبحية ، وكانت عادة أمي أن تنجب في كل بطن طفلا أو طفلة ، ذكرا أو انثى..
ذهبت إلى المدينة ـ الجنية ـ وأنا كاره مفارقة الأهل والأرض والدار والرفاق وكلبي الصغير والنبلة لصيد العصافير واليمام من فوق شجرة الصفصاف التي تظلل على الساقية.
وبعد أن عشقت المدينة/ الجنية ، رفضت العودة إلى الديار ، علق أخي المعمم قائلا: لقد ضاع!!

ليل الاسكندرية..
ذات أمسية أخبرني صديقي رضا الاسكندراني بالنادي الثقافي عن زيارة الروائي إبراهيم عبدالمجيد لمسقط ونزوله بفندق مسقط هوليدى إن..
كنت في انتظاره بالفندق..
قال: كنت أعرف بدون أن اخبرك بأنك يا.... أول من سيكون في انتظاري.
قلت : أهلا بك في بلدك الثاني عُمان..
ابتسم بطيبة وود قديم . استطردت: كنت أود أن أعود للوراء . إلى سنوات الدراسة وأيام أن كنا نجلس مع استاذنا العظيم الدكتور (عثمان أمين) أستاذ الفلسفة الحديثة في محطة الرمل..
أستاذ الفلسفة الجوانية، أستاذ زائر يأتي من جامعة القاهرة ليدرس لنا ويود أن يسهر مع شلة أو رفقة وكنا نسهر معه وكان يتحمل تكلفة السهرة كاملة على التريانون ونظل نتحاور في السياسة والفلسفة والنكسة التي كان يقول عنها (الوكسة) وقال إن زوجته الإنجليزية هي التي أوحت له بهذه الكلمة لأنها لم تعرف تنطقها وأيضا طفلته الصغيرة التي كانت تعيش معها في لندن . كان وحيدا هنا بالقاهرة ويود صحبة من تلاميذه المخلصين .. وكان يحاضر عن (الديالكتيك) في فلسفة هيجل ، ولم نكن نفهم منه شيئا وفي الجلسة المسائية كان يشرح لنا معنى الديالكتيك ومعنى فلسفته (الجوانية) الشهير بها وله كتاب في ذلك يقول:
ـ الجوانية هي الجدار الباطني الملاصق للتجربة . من الداخل. وعندما سألته إحدى الزميلات بأنها لا تفهم هذه الفلسفة الجوانية ، قال: لماذا يطرق الشباب على باب الشقة التي بها فتاة ناضجة، العلة في الداخل وليس في الخارج!! يقول هذه العبارة الأخيرة وهو يصرخ ضاحكا. هو كثير الضحك وكنا نحبه كثيرا عندما يعلل أسباب (النكسة) فلسفيا. هزيمة مجتمع من الداخل ، ضد مجتمع آخر أقوى منه في الداخل أي أنها كانت هزيمة مجتمع قوي في داخله على مجتمع ضعيف في داخله . فالهزيمة ليست هزيمة أفراد بل هزيمة مجتمعات!! وهذا تفسير سياسي وكان الدكتور (أحمد عبدالكريم) أستاذ فلسفة السياسة عندما سألناه عن هذه النظرية الإجتماعية ورأى الدكتور عثمان أمين أقرها.. وقال هو التفسير المعقول عند الاشتراكيين بالرغم من أن د. عثمان أمين ليبرالي.. بعد قضاء السهرة وعلى الأصح الأمسية الجميلة ، كان يعطينا ، نحن الطلبة ، مبلغ عشرين جنيها لشراء سندوتشات من مطعم فول محمد أحمد الشهير في شارع جانبي متفرع من شارع سعد باشا زغلول لنتناولها في العشاء، يعطي المبلغ لأطولنا إبراهيم عبدالمجيد ليتولى الشراء والتوزيع علينا بالعدل.. كما أعطانا في مادة الفلسفة الحديثة امتياز ، وأخبرنا عن المواضيع والنقاط المهمة التي ستأتي منها الأسئلة. يقول:
ـ نحن نختبركم فيما فهمتموه ، وليس فيما حفظتموه..
وكنا نسأله أحيانا هل الديالكتيك عند هيجل سيأتي منه سؤال . وكان يقول بصدق: نعم ، أهم سؤال سيكون الجدل في فلسفة هيجل؟ وفعلا كان الرجل يصدق في كل شيء ، كما كان صادقا في حديثه وحواراته السياسية معنا .. وكنا نحبه لأنه كان يحبنا..

قلعة مطرح ..
طلب مني إبراهيم عبد المجيد أن أحمله بالسيارة ، أنا وهو فقط . سألته: إلى أين ؟! قال: أريد زيارة الأماكن القديمة ، أريد الزحام الذي أحبه وأهواه ..
قلت: زيارة سوق الظلام ..
ابتسم: كله ضلمة !!
قلت: لا.. هذا اسمه .. وهو في مدينة مطرح..
سأل: مدينة قديمة ..
قلت: وبها قلعة شهيرة سوف تعجبك ..
قال بلهفة وشوق: خذني إلى هناك ..
إبراهيم عبدالمجيد ، روائي يمثل حالة خاصة في المشهد الإبداعي المصري ، فلقد لفت إليه الأنظار منذ باكورة إصداراته. رواية في باطن الأرض . وكان طالبا بالسنة النهائية بالجامعة . كان شغوفا بالزحام والناس والبشر ، يود أن يلتصق بهم ، يخالطهم ، يندمج معهم ، أعرف بأنه كان ناصريا ، لا أريد أن أقول يساريا أو تقدميا ، لأنه لم يصل إلى هذه المرحلة بعد ولكنه من طبقة البروليتاريا ويحب العمال والفلاحين ، كان هو يمثل العامل وكان في بداية حياته يعمل بمشروع الترسانة البحرية ، أحد مشروعات الثورة الجبارة في ميناء الأسكندرية ، وكان عمال الميناء لهم قوة ووزن في العهد الناصري الإشتراكي. وكنت أنا بحكم مولدي وسنوات طفولتي وصباي فلاح ، أشارك في الزراعة وكنت أحبها وأعشقها ، بل كنت اترك الدراسة وأهرب إلى الحقل لأعمل بالزراعة وأمكث طوال يومي بجوار الساقية والري والحرث.. ولذا أبعدني أبي الشيخ بعيدا عن الأرض والزراعة والفلاحة والقلاعة، ابعدني عن محبوبتي لأتعلم وأدرس بالاسكندرية مع أخي الكبير المعمم الذي يدرس بالمعهد الأزهري ويقيم في مساكن المجاورين بالأنفوشي. كان الأولاد الصغار الذين في مثل سني عندما ألعب معهم الكرة الشراب في الشارع ، يقولون لي في انبهار:
ـ يا فلاح.. أين تعلمت لعب الكرة !!
طاف إبراهيم عبد المجيد بالسوق المزدحم وقال إنه ليس سوق الظلام ، هل كنت تهذر معي . قلت: لا.. هذا اسمه والأسماء لا تعلل!! قال هنا اتذكر أسواق الروايات الغربية عندما يصفون الأسواق العربية بانها مكتظة بالبشر ومسقوفة لإتقاء الشمس والحر بل يذكرون الدواب كالحمير والبغال . قلت معترضا: لا يوجد هنا حمير أو بغال . سأل: كيف تكون الرواية كاملة بدون الدواب؟ قلت له: يكفي البشر من كل صوب ، من كل هب ودب ، من كل مشارق الأرض ، من كل لون ، ولغة ودين ، هنا كما شئت قل عنه سوق المتناقضات ، ربما سوف تزعج البعض. سأل: ممن؟!
قلت: أصحاب الموضوع ، قال: لكن هذا هو الواقع . قلت: أنت من المفروض أن تحول هذا الواقع إلى فن؟ الفن الروائي كما تعرف تحويل الواقع الانثربولجي إلى واقع فني . خيالي. أنت تصنع فن الرواية وليس بحثا سوسيولوجيا عند الدكتور عاطف غيث ـ يرحمه الله ـ. قال: أتعرف من يتولى مكانه بقسم علم الإجتماع؟ سألت: من . قال زميلتنا راوية... قلت: هذه البنت الاسكندرانية من بحري ... قال: نعم هي .. الحين هي ترأس القسم مكان أسـتاذنا القدير الدكتور عاطف غيث .. بعد قليل عقبت: اعتقد الآن إنها لا تعرفنا ولن تعرف أحدا من الزملاء. قال بإرتياح: لا، أبدا .. ذهبت إليها للتوصية على طالبة كانت ترسب في الانثربولوجيا. واستقبلتني بحفاوة لم أتوقعها ، ولم تتغير نظرتها من ناحيتي بسبب هذه التوصية. كانت صديقة عزيزة عندما كنا زملاء الدراسة .. لكنها تركت الفلسفة من دراستنا وتحولت إلى علم الاجتماع وهي من تلامذة عاطف غيث..

* شهد الملكة..

هيه..!! هذه الجولة بالسوق ماذا سوف تطلع بها يا إبراهيم عبدالمجيد؟!
قلت هذا لنفسي وأنا أتجه به صوب قلعة مطرح وكان الليل قد بدأ ينتشر ، والقلعة تقف شامخة على قمة الجبل ، هذه الدرجات الصاعدة إلى المدخل ، هذه الربوة العالية .. حدق في انبهار:
ـ شاهدت قلاعا كثيرة ، ولم أر في حياتي مثل هذه القلعة المنيعة!! إنها مثل الأنثى عزيزة المنال . القلعة هي المرأة القوية المحصنة. المرأة الحرة لا تسقط ، القلعة الضعيفة تسقط .. ونظر نحوي واستكمل ، وأنت يا...
لم أجب ولم اتكلم .. واصل حديثه ، كم لك هنا من السنين؟! ألم تفكر أن تصعد هذه القلعة لتبوح لك بسرها؟! ألم تفكر في هذه الحالة الصوفية من الوجد، العلاقة بين القلعة والبشر في الزمن الغابر، حالة صوفية نادرة.. أتذكر أستاذنا الدكتور (محمد علي أبوريان) عندما كان يحاضر لنا عن الفلسفة الإشراقية؟! أين ذهب كل هذا عندك؟! أنت لوحدك حكاية.. في هذه الحالة الصوفية ، لم ترتق الدرج ذات مساء لتصعد القلعة وتركبها تعيش معها ليلة من العشق ، عشق السهروردي المقتول.
قلت له: يكفيني ما قاله السهروردي: إن باحوا بالسر تباح دماؤهم.. وكذا دماء العاشقين تباح!!. هل عرفت لماذا لم أجرب صعود القلعة .إن من كان يمتلك القلعة في الزمن القديم .. كان يمتلك ما حولها . أتريد أن تتلمس جدران القلعة ، دروبها ومسالكها ، المخابئ والمدافع والمخازن ، والطاقات والعيون التي تطل من فوق في زهو على الساحل القديم . أتريد أن تصعد ، هيا اصعد وحيدا كل هذا الدرج ، انظر هل تقدر على ارتقاء الدرجات الصخرية لتركب القلعة . أنا سأنتظرك هنا في الأسفل .. يكفينى الصورة التي التقطها من بعيد لكورنيش مطرح وتبدو المحبوبة عالية في القمة .. أود أن أراك وأنت هناك .. سأشاهدك بجوار القلعة قزما صغيرا. هل رسخت الفكرة في أعماقك الآن .. قال : نعم ، أنت يا .... والقلعة . تمارسان لعبة شهد الملكة..
ضحكت وقلت: مثلما ذهبت أنت إلى مدينة مرسى مطروح لمقابلة زميلة لنا بعد تخرجها وسفرها وكدت تموت هناك أو على الأصح كاد البدو يقتلونك وهربت مع الفجر؟! المرة الأولى كانت غواية المدينة.. وهذه المرة كانت غواية القلعة. أنسيت نصيحة السهروردي المقتول؟!

الختام..

غواية القلعة للهروب من الواقع . لقاء بين جيلين مختلفين . البطل رجل كبير. عاش تجارب كثيرة. البطلة أنثى جميلة لا تزال في مقتبل العمر ، يلتقيان في حالة صوفية مفعمة بالجنس .. بعد أن سافر إبراهيم عبدالمجيد وقد اختمرت فكرة الرواية في ذهنه .. كتبها. كنت حزينا ، حزينا لسفره .. تمنيت من قلبي أن يمكث معي ، سنوات ، مثل سنوات الدراسة . قلت له وأنا أودعه:
ـ أتدري منذ متى لم نلتق. كانت الظروف تحول دون اللقاء. منذ سنوات التخرج ، وذهب كل منا في طريق .. أنا إلى مدينة كفر الدوار وأنت القاهرة . أتدري كم عاما مرت .. أكثر من ربع قرن من الزمان. أنا سعيد بأنك عائد ، لتبدأ في كتابة الحكاية من جديد.
رواية شهد الملكة ..
معذرة ، شهد القلعة ..

* عبدالستار خليف
* كاتب وروائي مصري

أعلى




احتفى برموز تكونت في ذاكرته .. فكان الحضور القوي للأسطورة
الفنان التشكيلي حسن مير لـ(أشرعة): نفتقر لثقافة التشكيل
العالمية تتطلب تجربة فنية متفردة تحمل الموروث الثقافي للمجتمع فتثير النقاد
الدائرة أضافت الكثير للفن التجريبي في السلطنة وواكبت التطورات الفنية العالمية حتى أصبحت حركة تشكيلية بذاتها
ندرة أصحاب المبادرات الحقيقية في النقد التشكيلي بالسلطنة وقلة الأكاديميين المطلعين على تاريخنا الفني وراء غياب الحركة النقدية
الجمعية العمانية للفنون التشكيلية أكبر مصدر لدعم الفنان العماني واستمرارها في التعاون معه بشكل احترافي إضافة للمشهد التشكيلي بالسلطنة
التقنية الحديثة ساعدت على ظهور اتجاهات جديدة في قاموس الفن ومن الطبيعي أن يتأثر الفنان بالأدوات الجديدة


حاوره - إيهاب مباشر:
حسن بن داود بن علي المير الزدجالي ، حصل على شهادة الماجستير في الرسم عام 2000 من جامعة سافانا للفنون والتصميم في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأميركية ، ومؤسس جماعة الدائرة للفن المعاصر والتي تهتم بتطوير الفنون المعاصرة والأعمال التجريبية في السلطنة وهي تسهم في توصيل الفن العماني الحديث للعالم ، وقد تم استقبال معارض الدائرة في مواقع مهمة مثل جالري البنك الدولي في واشنطن عام 2005 ومتحف سانت بولتن في النمسا ومهرجان الدوحة الثقافي . شارك الفنان التشكيلي حسن مير في الكثير من المعارض العالمية ومثّل السلطنة في العديد من المعارض والمؤتمرات الدولية المهمة وقدم مجموعة من حلقات العمل الفنية في السلطنة عن الفن التجريدي والأدوات الحديثة في الفن بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وصمم العديد من شعارات المؤسسات الحكومية والخاصة. وهو أستاذ زائر في جامعة السلطان قابوس بقسم التربية الفنية ودرس فيها مواد أسس التصميم والفن خارج الحجر الدراسية والرسم وفن التجهيز في الفراغ ، عمل مساعدا لمواد الرسم لبعض أساتذة الجامعة كجزء من تكملة رسالة الماجستير في كلية سافانا للتصميم ، كما ساهم في تأسيس الجمعية العمانية للفنون التشكيلية منذ بداياته وأشرف على قسم الشباب فيها .. رحلة فنية مفعمة بالإبداع ، تمكن خلالها الفنان التشكيلي حسن مير، أن يسبر أغوار التجريب ، فتواجد على جميع الأصعدة الإبداعية الفنية ، بدءا باللوحة التشكيلية ، مرورا بالفيديو آرت ، وصولا إلى الفوتوغراف المفاهيمي ، عرض إبداعه بأهم جالريهات العالم ، وامتدت علاقته بفنانين أصحاب تجارب عالمية في مجال التشكيل ، أعماله حملت طابع المصداقية بين طياتها ، وهذا يفسر شعوره الدائم بالمعاناة حتى بعد الانتهاء من أعماله ، في اعتقاده أن وصول الفنان إلى مسألة الرضا الكامل ، قد يفقده جزءاً مهماً في تجربته وهو التجديد ومحاولة إيجاد بدائل تدعم رحلته الإبداعية ، يرى أن الثقافة الفنية هي استثمار في حد ذاتها للفرد والمجتمع، ولا يقف تأثيرها على الثقافة البصرية فحسب، ولكنها تمتد إلى حياته بشكل عام ، أكثر أعماله الإبداعية متأثرة بالبيئة الثقافية التي نشأ فيها ، وكل أعماله متعلقة بأمور شخصية ونظرة الفنان إلى الحياة وطبيعة الأمور .. التقاه (أشرعة الثقافي) فكان الحوار التالي ،،
* المتأمل للوحات الفنان التشكيلي حسن مير يلاحظ أنها يغلب عليها الطابع التأملي المتعلق بالجانب الروحي والمعتقدات المتوارثة وبعض الأساطير .. ترى مم جاء هذا التوارث ؟
** هذا التوارث جاء نتيجة استلهامي ومعايشتي القصص التى كان يتداولها الناس في عمان، والحضور القوي للأسطورة والقصص الرمزية عن بعض الناس، كالسحرة والعرافين والروحانيين، هذه الأحداث كلها جرتني إلى استرجاع بعض القصص التي كنت أسمعها في طفولتي واستخدامها في أغلب تجاربي، سواء كانت في اللوحات أو في الأعمال التجريبية المعتمدة أساسا على الفكرة وتتم صياغتها على شكل قصص. وفي أثناء دراستي الماجستير وفي تقديمي لبيان المعرض تطرقت إلى الظروف التي قادت المجتمعات إلى خلق الأساطير والقصص المرتبطة بها في أزمنة معينة لمعايشة ظروف معينة، وقد احتاج الإنسان إلى تلك القصص والروحية ليوجد توازنا معينا في حياته مع العالم الخارجي، وتطرقت إلى موضوع الأسطورة وتأثيره اللامرئي على أعمالي الفنية، في بحث لتلمس الطقس الأسطوري وتشكلاته، إنها احتفاء ونقد في الوقت ذاته لرموز تكونت ذات يوم في ذاكرتي.
* .. وماذا عن الطابع الثقافي الإسلامي في لوحاتك ؟
** غير موجود في أغلب لوحاتي، إذا ذكرنا الفن الإسلامي التقليدي الهندسي أو الزخرفي ولكن بعض المواضيع ذات الطابع الروحاني قد تكون حاضرة في ممارساتي الدينية كوني مسلما وتلقيت تعليمي الديني منذ طفولتي في مدارس القرآن والبيت والمدرسة وتشكلت لدي بعض الهواجس عن الروح والجسد والرغبات وممارسة الفروض وكيفية الالتزام بها والآثام، كما نجد في بعض أفلامي القصيرة كفيلم "التفاحة" وفيلم "الصراط المستقيم"
* حدثنا عن لحظة المخاض الإبداعي بالنسبة لأعمالك ؟
** أنا لا أعرف بالتحديد متى ستأتي لي الأفكار وفي أي مكان، وكلما تعرضت لهزات أحسست أنني لابد وأن تتشكل لدي فكرة معينة، فأقوم بتدوينها في مفكرتي لتبقى وأعود إليها لحظة التنفيذ .
* "المعاناة رفيقة الإبداع" مقولة تواجدت حيث تواجد الإبداع .. ترى ما العمل الذي شعرت معه بالمعاناة أثناء تعايشك معه، واستمرت معاناتك حتى بعد الانتهاء منه ؟
** مسألة المعاناة عندي هي الشعور بالضيق وعدم مقدرتي على تفسير بعض الحالات التي قد أعيشها كإنسان وأكثرها وجودية وغيبية كالموت. وبالنسبة لأفلامي الثلاثة التي قمت بعرضها ضمن تجربة الدائرة وهي (التفاحة والصراط المستقيم والغراب)، فإنني أشعر وكأنني أعيش لحظاتها بشكل يومي لأسباب وجودية، الصراط المستقيم مرتبط بقضية الآثام وكلما أشعر وكأنني أخطأت في شيء، أسترجع العمل أمام ناظري، وهذا ما يؤكد أن بعض الأعمال الفنية أعيش معاناتها حتى بعد الانتهاء منها وخصوصا إذا كانت هذه الأعمال تحمل طابع المصداقية بين طياتها وأثناء طرحها، لأن العمل إذا افتقر إلى المصداقية فإنه يزول من الذاكرة بعد الانتهاء منه ولا يلزم الفنان بأي حال من الأحوال. وفي الغالب فإن معاناتي تستمر بعد الانتهاء من أعمالي.
* وماذا عن الشعور بالمتعة الذي يلازم كل مبدع بعد إنجاز أعماله ؟
** أنا لا أسميها متعة، إنما حالة من الرضا في إخراج فكرة معينة كانت تراودني، إلى الواقع وقد لا أجد تفسيراً حقيقياً لملازمتي للمرسم في أغلب أوقات فراغي، هل هي للمتعة أو ملازمة جدران المرسم والتأمل فيها وتفسير الأحداث التى تقلقني في حياتي؟!. وفي بعض الأحيان قد أجد متعتي في الجلوس وحيداً والتحدث إلى نفسي.
* هل يصل الفنان إلى حالة الرضا عن أعماله، أم أن عدم الرضا يلازمه كظله طوال رحلته الإبداعية ؟
** مسألة عدم الرضا هي في الأساس متعلقة بشخصية الفنان، ومدى تقيده بفكرة عمله. وإذا اعتقد الفنان أنه وصل إلى مسألة الرضا الكامل، فإنه قد يفقد جزءاً مهماً في تجربته وهو التجديد ومحاولة إيجاد بدائل تدعم رحلته الإبداعية الطويلة، وقد أدعم هذا القول بما حصل لي من توقف عن الرسم دام خمس سنوات والتي دخلت فيها إلى عالم التجريب والاشتغال في الأعمال التجريبية المفاهيمية، باستخدام الفيدو وأدوات أخرى، وكان تركيزي المباشر فيها هو الفكرة، ولو كنت راضيا عما كنت أقدمه لما كنت قد دخلت مرحلة التجديد.
* إشرافك على تجربة الدائرة وتقييمك لأعمالها، فجر لديك مواطن إبداع أخرى غير التشكيل, ومنها التمثيل على سبيل المثال، وقد انتبه إليها المتابع للتجربة، فهل انتبهت أنت إلى هذه الإبداعات، وهل ستستثمر هذه الأشكال الإبداعية المتفجرة لديك أم أنك ماض في طريقك للتشكيل ؟
** تجربة الدائرة كانت مفيدة لي كمجرب في الفن وكمقيم على أغلب دورات المعرض، وقد بدأت في مسألة التجريب في أيام دراستي الأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية، وتطورت بشكل كبير في معارض الدائرة في السلطنة وخارجها، وتجربة الدائرة أضافت الكثير للفن التجريبي في السلطنة وواكبت التطورات التي طرأت في عالم الفن باستخدام الأدوات الحديثة. وأصبحت الدائرة الآن حركة تشكيلية في عمان وليست فقط مجرد معرض تشكيلي أو فني، وهي موجهة لتطوير أساليب طرح الأفكار سواء في الفن أو الشعر وهي أيضا لتعريف الفنان بالشعر وتعريف الشاعر بالفن، وقد اهتم بها الآن الكثير من خارج السلطنة حتى في أوروبا. وبالطبع قد انتبهت إلى هذه المواطن الإبداعية قبل أن ينتبه غيري لها، وأنا ماض في أشكال إبداعية أخرى غير التشكيل، مثل التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي، وهذه الأشياء تأتي بطريقة تراكمية عن طريق الاطلاع والتجديد والمتابعة المستمرة لما يحدث في العالم من تطورات.

* ماذا تقصد بالتصوير الفوتوغرافي المفاهيمي ؟
** التصوير الفوتوغرافي المفاهيمي، تعتمد فيه الصورة على الفكرة أو القصة أو المضمون المعين، وهي ليست مرتبطة بالطبيعة ولكنها كما ذكرت، هي تتناول فكرة أو مضمونا معينا يعيه المصور وليس وليد الصدفة .
* وماذا أضافت الدائرة للمشهد التشكيلي والفني بالسلطنة ؟
** أضافت الدائرة تعريفات كثيرة وطرحت أفكارا جديدة معتمدة على موضوعية الفكرة وهي كما يطلق عليها (الفن المفاهيمي). وقبل ذلك كانت هذه الأشياء مجهولة، لأن أغلب المعارض كانت تعتمد على الأعمال ذات البعدين (ثنائية الأبعاد). وعندما تأسست الدائرة حاولت أن تدعم فكرة الفنان من خلال توجيهه ماديا ومعنويا وأتاحت للفنان المساحة والفراغ اللذين يمكن أن يشتغل فيهما ويكمل عمله ويقدم فيه، وهي قربت بين الشاعر والفنان التشكيلي، وهذا التقريب خدم المشهد الثقافي بالسلطنة بشكل كبير، ومثال على هذا التقارب اشتغال الفنانة النمساوية سيني كورث مع الشاعر سماء عيسى في فيلم قصير، ولم يقف تأثير الدائرة على المشهد الثقافي أو الفني في السلطنة فقط، بل امتد أثرها إلى الدول المجاورة مثل قطر التي استضافت من خلال مهرجان الدوحة الثقافي بعض فناني الدائرة، وبالفعل بعد عرضنا للأعمال التي كانت بالنسبة لهم صدامية وجديدة لأول مرة يرونها - إلى حد ما - أثرت على الحركة التشكيلية المعاصرة في دولة قطر.
* التجريب بما يعنيه من بحث عن أفكار جديدة بأدوات مغايرة، هل تعتبره مغامرة يقوم بها المبدع ؟
** الفن المعاصر يقوم على التجريب، ولا يشترط فيه أن تكون أدواته جديدة أو مغايرة فقط ، ولكن الفكرة لابد أن تتميز بالخروج عن الإطار التقليدي، ولابد للفنان أو المبدع أن يكون مغامرا لكي يقوم بالتجريب.
* هل ترى أن المجتمع بحاجة إلى تثقيفه تشكيليا، وهل افتقاره لثقافة التشكيل يؤثر بشكل أو بآخر على الحركة التشكيلية ؟ وهل نعتبره أحد تداعيات افتقار الساحة التشكيلية إلى الأقلام النقدية ؟
** بالطبع مجتمعنا من بين مجتمعات كثيرة بحاجة ماسة إلى تثقيفه تشكيليا. وكنت قد ألقيت محاضرة في متحف بون للفن المعاصر، ذكرت فيها أن الثقافة الفنية هي استثمار في حد ذاتها للفرد والمجتمع، وهي ثقافة لا يقف تأثيرها على الثقافة البصرية فحسب، ولكنها تمتد إلى حياته بشكل عام، لكن للأسف - هنا بالسلطنة أو لنقل في المنطقة كلها بشكل عام - لا نجد أغلب الناس يقتنون أعمالا فنية في بيوتهم، لافتقارهم إلى ثقافة التشكيل أو لعدم ملازمتهم لحضور بعض المعارض الفنية المهمة. أما عن الجانب النقدي، فلم نر منذ سنوات وجود أي نقد تشكيلي حقيقي، والذين قدموا بعض الكتابات النقدية الحقيقية نجدها تفتقر إلى الموضوعية والدراسة الجدية لأهمية النقد، لأنهم كانوا يقدمون هجوما لاذعا لتجارب جيدة، قد تكون وراءها أسباب شخصية أو مدح لأعمال تفتقر إلى النضج. والسبب الآخر هو عدم وجود الفنان الناقد أو الناقد الملم بتاريخ الفن الحديث منه أو المعاصر. فهذا يسبب نوعا من الفوضى لعدم توافر الموضوعية.
* هذا بدوره يجرنا إلى البحث في أسباب غياب الأقلام النقدية، هل تجد تفسيرا لهذا الغياب مع ما يعيشه المشهد التشكيلي العماني ؟
** بصراحة .. لم نجد أصحاب مبادرات حقيقية في النقد الفني والتشكيلي بالسلطنة بالإضافة إلى قلة الأكاديميين المطلعين على تاريخ الفن بالسلطنة.
* إذن .. كيف نكسب المجتمع ثقافة التشكيل، وما هي المصادر التي يمكن أن تشكل منبعا خصبا لثقافة التشكيل ؟
** على المستوى المحلي بالسلطنة لابد وأن ننشئ مجموعة من المتاحف، ونضع فيها أقساما عن تاريخ الفن بشكل عام، لأنني وفي السابق لم أر معرضا تشكيليا موجودا في متحف إلى الآن، فكيف توجد ثقافة التشكيل وأعمالك لا توجد بمتحف وطني، والمدرسة أيضا تتحمل سبعين في المائة من المسئولية. ولكي ننشئ جيلا مثقفا لابد وأن تكون هناك نظرة خاصة لمناهج التعليم الخاصة بالفن التشكيلي، ولابد وأن تتوازى مع هذه المصادر اجتهادات المتلقي نفسه الذي من المفترض أن يبحث عن المعارض، ويحاول أن يثقف نفسه تشكيليا وكذلك الأجيال القادمة .
* إلى أي مدرسة تشكيلية ينتمي الفنان حسن مير؟ ولماذا هذه المدرسة بعينها ؟
** أنا أنتمي إلى (المدرسة التجريبية) وإن كنت أود هنا ألا أطلق عليها اسم مدرسة ولكني أراها أقرب إلى (التجديد في الفن) وهي تنتمي إلى (الفن المفاهيمي)، والسبب الذي جعلني أترك الرسم هو أنني لم أقدر على توصيل بعض الأفكار بشكل جيد لبعض المتلقين أو لنفسي، لأن اللوحة التشكيلية هي عبارة عن مقطع واحد، وأعمال الفيديو آرت جعلتني أوصل الفكرة عن طريق الحركة والصوت والصورة، وتشعرك أن كل فكرة بها بداية ونهاية وهي عبارة عن مشهد أو فيلم قصير وهي تعتمد بشكل عام على الفكرة .
* لكل فنان بصمة خاصة تميز أعماله، دلنا على بصماتك التي تراها ويراها الآخرون مميزة لإبداعك ؟
** من ضمن خصائص الفن المعاصر قضية البصمة، وهي ما أعني به الانفراد يتركيبة معينة لتشكيل الفكرة، وأنا في الفيديو دائما ما أتناول قضية تجاربي الشخصية وأقوم بالتمثيل فيها بنفسي، بالإضافة إلى القليل من الفنانين الذين يجدون أنفسهم في حضور الصورة أو الشخصية، فالانفراد بتركيبة مميزة لتشكيل الفكرة إحدى بصمات الفنان الواعي.
* يختلف تأثر المبدع أيا كان إبداعه عن الإنسان العادي ببيئته ودرجة ارتباطه بها، فكيف أثرت البيئة العمانية في إبداع حسن مير ؟
** في هذه النقطة بالتحديد، أنا أتحدث عن الأرض وكل القصص التي أستلهمها وأتناولها في أعمالي، أكثرها متعلقة بالبيئة الثقافية التي عشت فيها والأحداث التي ارتبطت بهذه الأمكنة. ولكن حضور الأرض والشخصية العمانية موجودة في أكثر أعمالي التي طرحتها، والدليل أن الأفلام التي قدمتها جميعها بالزي التقليدي العماني .
* هل من روافد أخرى ساهمت في تشكيل عالمك الفني الخاص ؟
** هناك العديد من الروافد التي أثرت بشكل أو بآخر في طرحي لبعض الأفكار، أكثرها متعلق بمعاناة الأمة العربية وأذكر على سبيل المثال عمل الهوية الجديدة، وهيمنة الثقافة الغربية على ثقافتنا الشرقية، ومحاولة طمس الهوية العربية أو ثقافتنا الإسلامية، وهو ما يتضح بشكل كبير من خلال التناقض الذي نعيشه نحن كجيل، ومحاولة تشطير أنفسنا تبعا لرغبات فرضت علينا .
* المحلية والعالمية حيزان يشغلان بال كل فنان، فهل تتوق نفسك إلى الانطلاق الدائم بإبداعك إلى التميز نحو العالمية بعد تميزك على المستوى الفني بالسلطنة، وما خطواتك نحو تحقيق هذا الهدف ؟
** كانت أنظار الفنانين تتجه خلال القرن العشرين إلى ثلاث مدن وهي نيويورك ولندن وبرلين ولا تزال، وأنا لي كثير من الاتصالات على مستوى هذه المدن الثلاث لإقامة معارض فيها، والعام القادم سيقام لي معرض بأحد جالريهات هذه المدن، وخلال الفترة الماضية عرضت أعمالي على متاحف مهمة وجاليرات مؤثرة، وهذه المعارض أتاحت لي المجال لأتلقى اتصالات عديدة لطلب إقامة معارض في عدة دول، وأنا أعتقد أنني أتجه في الاتجاه الصحيح .
* ما الرسالة التي يود الفنان التشكيلي حسن مير أن يوصلها إلى الآخر من خلال أعماله الفنية، وهل لكل عمل رسالة محددة أم أن الرسالة تأتي من مجمل الأعمال الفنية ؟
** من الأشياء التي تشغل بالي، قضية أن الفنان لابد وأن يكون صادقا فيما يطرح، وطبعا من الأشياء التي تساورني، القلق الشخصي ونظرتي للحياة بشكل مختلف، وكل أعمالي في النهاية متعلقة بأمور شخصية ونظرة الفنان إلى الحياة وطبيعة الأمور .
* كيف يقرأ الفنان حسن مير المشهد التشكيلي العماني ؟
** المشهد التشكيلي العماني الآن في طور التجريب والتشكل. لدينا مجموعة من الفنانين الجيدين، وعلى سبيل المثال تبرز لدينا تجربة الدائرة وهي تجربة مثيرة ومميزة وقدمت إضاءة إلى المشهد التشكيلي بالسلطنة، واستطاعت خلال فترة قصيرة أن تواكب مجموعة من التجارب الجيدة على مستوى العالم. وبالنسبة للوحة ينقصنا الكثير، ولا يخفى علينا جميعا أننا لدينا نقص في الأكاديميين الذين إن تواجدوا سيعملون على تطوير المشهد التشكيلي العماني .
* وماذا ينقص الفنان التشكيلي العماني ليصل بفنه إلى العالمية ؟
** لو تطرقنا إلى موضوع العالمية، فإننا نرى القصة في غاية الصعوبة، فلابد وأن يقدم الفنان تجربة مميزة أو تجربة جديدة تثير النقاد الفنيين بالعالم كي يصل إلى العالمية، مثل تجربة الفنانة الإيرانية شيرين نشأت التي تتواجد بنيويورك والتي طرحت فكرة معاناة المرأة في إيران، واحتضنها النقاد بشكل كبير وصارت من أهم الفنانات في العالم، لكن قبل وصولها إلى العالمية كانت فنانة متمكنة من أدواتها وبشكل جيد، وثبتت وجودها في موقع مهم وهو مدينة نيويورك. فلابد للفنان التشكيلي على صعيد اللوحة التشكيلية أن يقدم عملا يحمل الموروث الثقافي لمجتمعه بشكل متفرد ومؤهل للعالمية .
* أيهما أشد تأثيرا في مسيرة الفنان التشكيلي، الدعم المعنوي الذي يتلقاه من جمهوره ووسائل الإعلام، أم الدعم المادي الذي يفترض أن تقدمه مؤسسات معنية بالحركة التشكيلية في وطنه ؟
** الدعم المادي مهم جدا خاصة في الأعمال التجريبية، لأنها تتطلب مبالغ مالية كبيرة لإنجازها وشراء أدوات معينة ليكتمل العمل، لا نقول إن دور وسائل الإعلام رمزي أو أقل أهمية، بل على العكس من ذلك، فدور وسائل الإعلام مهم للغاية حتى يطلع الآخرون على تجاربنا بوجهات نظر مختلفة.
* نسمع دائما أن الجمعية العمانية للفنون التشكيلية تسعى إلى التحليق بالتشكيل العماني وفنانيها إلى فضاء أرحب، فهل الخطط والبرامج المعدة والتي تشتغل عليها الجمعية تسير في هذا الاتجاه ؟
* الجمعية العمانية للفنون التشكيلية تسير الآن في الاتجاه الصحيح، من خلال البرامج التي أعدتها في الفترة الماضية، وتبنيها لمعارض مهمة وإقامة حلقات العمل الفنية الجدية، وكانت تفتقر في الفترة الماضية إلى بعض الأشياء المهمة مثل قضية تأسيس الفنان (الفرد)، والجمعية تتحمل العبء الكبير في تطوير الحركة التشكيلية في السلطنة، لأنها أكبر مصدر لدعم الفنان العماني، وإذا استمرت في التعاون مع الفنانين بشكل احترافي، فأعتقد أنها ستخطو خطوات كبيرة في السنوات القادمة، فالإدارة الحالية يديرها فنان تشكيلي ملم بالحركة التشكيلية بالسلطنة والمنطقة، وهو ما ينعكس على طبيعة التعامل مع الفنان التشكيلي العماني وهو إقامة جسر تواصل بينه وبين المؤسسة الثقافية.
* اعتماد بعض التشكيليين على التقنية الحديثة، هل خدم التشكيل أم أفسده على أصحاب المواهب الحقيقية ؟
** القضية لا ترتبط بشكل أو بآخر بإفساد المواهب الحقيقية، ففي الماضي كانوا يسمون الرسم بالتصوير، لأن الفنان يصور المشاهد، وعندما جاءت الكاميرا تغيرت الفكرة فصار المصور مصورا والفنان أصبح تشكيليا، وتغيرت ضربات الفرش عند الفنانين واتجه الفنان خارج الإطار التقليدي، وحاول كسر المفاهيم التقليدية، مثل فنان البوب آرت بأميركا الذي استخدم جميع التقنيات الحديثة آنذاك، مثل التصوير الفوتوغرافي والتجهيز في الفراغ، وهذا لم يطمس المواهب الحقيقية، بل على العكس من ذلك، فقد ساعدت التقنية الحديثة على ظهور اتجاهات جديدة في قاموس الفن ومع دخول التكنولوجيا الحديثة وتأثيرها على حياة الإنسان اليومية. من الطبيعي أن يتأثر الفنان بالأدوات الجديدة لأنه جزء من المجتمع وهو أيضا جزء من التطور.

أعلى




"يوم أن سكنت الأرض"
فيلم يطرح مكاشفة للواقع من خلال الخيال العلمي

بيفرلي هيلز من ـ ريك بنتلي*
لو نزعت المؤثرات الخاصة، والروبوت البارد، والرسالة السياسية العميقة ستجد أن فيلم (يوم أن سكنت الأرض) لا يخرج عن شيء واحد هو: نحن وهم وجها لوجها.
وعلى المرء أن يقنع زائرا غريبا بأن الانسانية تستحق الانقاذ، وهذا الموضوع ينطبق على على النسخة الأصلية من الفيلم التي صدرت عام 1951 وإعادة الإخراج التي افتتحت قبل أيام. وفي الفيلم الأصلي لعب الممثل البريطاني مايكل ريني دور " كلاتو " الرحالة بين المجرات فيما لعبت باتريشيا نيل آخر أمل للأرض. ولقد توجه المخرج سكوت دريكسن إلى اثنين من الممثلين المخضرمين في الخيال العلمي للنسخة المحدثة هما كينو ريفز وجينفر كونيلي. تاريخ ريفز السابق يشق طريقه في تلك النوعية من أفلام الخيال العلمي بما في ذلك فيلم "ماتريكس" بأجزائه الثلاثة وفيلم "جوني منمومنيك" أو ذاكرة جوني.
أما كونيلي فقد استطاعت أن تثبت اقدامها على هذا الطريق بدءا من فيلم الخيال "لابيرينث" إلى فيلم" هوك" الذي وضعت له ميزانية ضخمة. يقول ريفز "أحب هذه النوعية من الأفلام". وعندما جمع اللقاء بين ريفز وكونيلي في فندق "فور سيزون" للحديث عن فيلم العطلة الذي يجمعهما والذي رصدت له ميزانية كبيرة كان ريفز يرتدي حلة سوداء بينما ترك شعر لحيته. أما ثوب كونيلي الفضفاض فكان يوحي بجسد نحيف للغاية إلى حد أنها قد تمر إلى حجرة عليها أجهزة استشعار ولا تشعر تلك الأجهزة بمرورها. وبعد الحاح في السؤال عن سبب ولعه بأفلام الخيال العلمي إلى تلك الدرجة أجاب ريفز: أعتقد أن الخيال العلمي يمنح فرصا هائلة للقاص. وقد أتيحت لي الفرصة في الماضي القريب أن أشارك في قصص جيدة من نوعية أفلام الخيال العلمي. ومحور القصة التي يدور حولها فيلم "يوم أن سكنت الأرض" هو أننا لسنا وحدنا في هذا الكون فهناك كائنات أخرى تشاهدنا من الفضاء الخارجي وهم لا يشعرون بالسعادة. ويتم إرسال كلاتو والروبوت الخاص به "جورت" إلى الأرض في مهمة من أجل توضيح أنه لا يمكن السماح للبشر أن يستمروا في نهج أساليبهم المدمرة. ومن ثم فهو يشارك بدور في فيلم يعتبر كلاسيكيا على الرغم من الشكوك التي انتابت ريفز في البداية إلا أن المخرج دريكسن هو الذي نجح أن يقنع ريفز أن هناك سببا جيدا أن يعيد تقديم الفيلم. فقد أخبره المخرج أن الفيلم الأصلي هو عمل كلاسيكي في المقام الأول لدى الجماهير المحبة لأفلام الخيال العلمي أما هو فيسعى هذه إلى أن يلقى العمل في صورته الجديدة قبولا لدى قطاع أكبر من الجماهير. وكان ذلك هو السبب وراء مشاركة ريفز الذي يبلغ من العمر 44 عاما والذي استطاع أن يحقق عوائد ضخمة في شباك التذاكر بالأعمال التي قدمها مثل "سبيد" أو السرعة وثلاثية "ماتريكس"
ويشرح ريفز أنه أيضا اعتقد أن قيامه بدور الزائر الفضائي سيمنحه قدرا من المتعة إلى جانب أن القصة جيدة كما يقول هو. كما أن قصة الشخصية التي تبدأ أنها زائر غريب من الفضاء وتنتهي أن تصبح كائنا بشريا تبدو شيقة ومن الصعب عدم قبولها. يقول ريفز أن قراره القيام بأداء شخصية الزائر الفضائي كلاتو جاء مفاجئا واتخذه من خلال معايشة التزامات الشخصية في القصة والتي كانت مرسومة جيدا في النسخة المكتوبة وضمنها الكاتب مفاتيح الشخصية. يقول ريفز "عندما ولد كانت المرة الأولى التي يبدأ فيها الكلام وحاول ان يشرب كوبا من الماء وقال إن جسده يحاول أن يعتاد أشياء. وكانت تلك هي فكرة الفصل بين وعيه وجسده وقد تعاملت مع الشخصية كسائر الشخصيات الأخرى التي لعبتها وكان التركيز على اجابة السؤال: ماذا تريد تلك الشخصية؟.
ولم يكن الأمر سهلا بهذه الدرجة بالنسبة لكونيلي. ففي النسخة الأصلية من الفيلم نجد "هيلين بينسن" أم تعيش بمفردها وتعمل سكرتيرة واتصالها مع كاتو يتم من خلال معيشتهم معا في نزل واحد. وفي النسخة الحديثة نجد أن هيلين هي أيضا أم تعيش بمفردها ولكنها أيضا واحدة من العلماء المشاركين مع فريق يجتمع للعمل معا لإجراء أو اتصال مع الزائر الفضائي الغريب. كما أن ابن زوجها السابق جاكوب (جادن سميث) يمثل تحديا أكبر للوالدين. وتنظر كونيلي إلى العلاقة بين الأم وابن الزوج على أنها تضفي بعدا أكثر عمقا للدور. تقول "أعتقد أن العلاقة بين هيلين وجاكوب قد نسج خيوطها بطريقة مختلفة عن تلك السابقة في النسخة الأصلية للفيلم فهي تقوم بدور أشبه بنموذج مصغر للعلاقة الإنسانية وكيف تجري التعامل بين كل فرد منا مع الآخرين.
كما ان هناك نوعا من الصراع إلى جانب أزمة وأيضا عملية مصالحة وكل منهما يأخذ مسؤوليته على عاتقه. ومع إدراك كلاتو بوجود تحرك لاتخاذ قرار تنشأ تلك الديناميكية المحركة للفيلم. يقول المخرج عن ذلك أنه يريد من جميع المشاهدين أن تكون لديهم القدرة على الاندماج معها ومعايشة المهمة الجسيمة التي تضطلع بها. والشيء الذي تراجع فيه أداء كونيلي عن نيل هو كيف أن تلك الشخصية متفتحة عقليا اضافة إلى القوة التي تتمتع بها وحرية التفكير. ومع وجود تلك المتغيرات في الشخصيات تظل الرسالة التي يحملها الفيلم هي أن الإنسان إما أن يتغير أو سيكتب الفناء للأرض. وعندما سئل ريفز إذا كان هناك شيء ما يريد أن يغيره في نفسه ابتسم وهو يقول: لا أن كامل.

* خدمة ام سي تي خاص بـ (الوطن)

أعلى




فيلم يجمع المتناقضات
"الشك" تساؤل عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه عندما تكون متيقنا أنك محقا

هوليود من كينيث توران *
على الرغم من أن فيلم "الشك" يجمع الكثير من العناصر الجيدة إلا أن مخرجه جون باتريك شانلي لا يبدو واثقا من ذلك وهو شيء غريب بالفعل لأن شانلي هو الذي قام بكتابة النص والمسرحية التي قام عليها الفيلم.
وقد عرضت هذه المسرحية ـ التي فازت بأربع جوائز "تونيز" وجائزة بوليتزر كما أن الفيلم الذي أخذ قصته عنها جذب إليه ممثلين مثل ميريل ستريب وفيليب سيمور هوفمان وآمي آدمز ـ في منتصف عام 1964 في سانت نيكولاس وفي كنيسة كاثوليكية وأيضا في مدرسة برونكس.
وتحكي تفاصيل القصة صراع بين الأب فلين في الكنيسة (هوفمان) وناظرة المدرسة الأخت ألويسيوس (ستريب) حول توجه الإيمان المسيحي بوجه عام ومصير صبي عمره 12 يعمل كخادم كاهن في القداس بشكل خاص. وقد استطاع الكاتب شانلي أن ينسج بحرص خيوط هذه الدراما. وفي العرض المسرحي كما هو الحال في العرض السينمائي جاء فيلم "داوت" نموذجا ساطعا للعمل الجيد مع توجيه كل حوار وكل مشهد لتحقيق أكبر قدر من التأثير وبعبارة موجزة كان العمل المسرحي جيد الصنع. وعلى الرغم من أن آلية العقدة الرئيسية لمسرحية وفيلم "الشك" هي: " هل هو شخصية غامضة بالفعل أم لا" إلا أننا نجد أن العملين لا يقتصران على ذلك وإنما يضيفان الكثير إلى تلك النقطة. فهناك مسائل فلسفية تقف مقابل القيم الدينية وهناك الجمود مقابل الانفتاح والتشكك والاشتباه مقابل توفر الأدلة كما يتطرق العمل إلى آفاق أبعد للتساؤل عن المدى المناسب الذي يمكن أن تذهب إليه عندما تكون متيقنا أنك على حق. وتلك جميعها هي الأفكار التي كانت تدور في ذهن شانلي ودفعته لكتابة هذا العمل في المقام الأول. ولكن في مستهل القصة التي تحولت من مسرحية في أربعة فصول إلى فيلم يضم شخصيات متعددة وإضافات كثيرة يبدو أن شانلي قد فقد جزءا كبيرا من الثقة فيما كتب. وكمخرج نجده يدفع العمل بشدة أكثر مما هو بحاجة إليه. ومع ذلك فهو لم يقض على العمل تماما وإن بالأحرى عبث به وأخرجه عن إطاره الجوهري. ومن أجل هدف واحد اختار شانلي أن يجلب أشياء كثيرة للغاية إلى القاعات الهادئة في سانت نيكولاس من العالم الخارجي ولكن بصورة أكثر مما ينبغي. ويبدو أن الفيلم يضع نفسه في مهب الريح تتقاذفه الأمطار وأصوات الرعد في الوقت الذي يشعر فيه صاحب العمل أن مجريات الأحداث لن تنقل بمفردها جوهر المضمون. والجانب الوحيد الذي أثبت فيه هذا النوع من العمل الحرفي جدارته كان في اختيار المكان والزمان في "الشك". وقد اجتمع الثلاثة: المصور السينمائي روجر ديكينز ومدير الإنتاج ديفيد جروبمان ومصممة الأزياء آن روث لكي يعيدوا بعناية بالغة تقديم الهيئة الخارجية لبرونكس والراهبات وهن يرتدين تلك القلنسوات ويطلقن على نيويورك البلدة الرئيسية وكذا فقد جاءت تلك الصورة للراهبات وهن يخرجن من حجراتهن بشكل جماعي في الصباح جيدة بشكل خاص.
في تلك الأجواء يعيش اثنان من الخصوم وهما شقيقة ستريب" ألويسيوس" التي تؤدي دورا يميل إلى الاستعراض مع تجهم لم يعرف ابتسامة منذ كان البابا بيوس الثاني عشر يتولى منصبه وتسير على النظام الصارم للمدرسة القديمة وعلى الرغم من ذلك فقد كانت ستريب حريصة على السير بمهارة دون التجاوز إلى المبالغة المفرطة.
وعلى النقيض هناك الأب فيلين الذي لعب دوره هوفمان. والأب فلين هو الكاهن الذي يحب ما لذ وطاب من المأكولات أو المشروبات وينهمك في تناولها. والشخصيتان لا تختلفان في هويتهما وتوجههما ولكنهما يختلفان حول مستقبل الكنيسة. فالراهبة ألويسيوس تتمسك بالتقاليد القديمة إلى حد أنها اعتقدت أن "فروستي رجل الجليد" هو نشيد وثني بينما الأب فلين يعتقد أن هذا هو عصر جديد والكنيسة أصبحت في حاجة إلى التغيير. وهذا الفارق الفلسفي الرئيسي يزداد إلى أقصى حد على إثر صراع حول موقف الصبي دونالد ميلر (جوزيف فوستر الثاني) الذي يبلغ من العمر 12 سنة وهو اول طالب أسود في المدرسة.
ويبدي الأب فلين اهتماما ويعرب عن رغبته في توفير الحماية للصبي الذي لا يجد له أصدقاء بيد أن الراهبة ألويسيوس تتشكك أن هناك شيئا ما أقرب إلى التحرش الجنسي يمكن أن يحدث. ويرد الأب فلين بإجابة مقنعة عن كل شيء.
وذروة الأحداث في المشهد الذي يجمع بين الفاضلة ميلر والراهبة ألويسيوس عندما يصل الشك لديها إلى ذروته لأن ديفيس الذي يشتهر بـ أنتوني فيشر يجلب شعورا باللياقة والاحتشام والتعجل بل وحتى الخوف إلى أدائها. ومعها تسير كل المخاوف والهواجس من العالم الخارجي ـ وليس ذلك العالم الهادئ الصغيرـ ويحدث ذلك الأثر الكبير.

خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بالوطن


أعلى




إيستوود يبدع في "جران تورينو"
فيلم يمزج بين المشاعر والرصاص والجد والهزل

هولليود - من كينيث توران*
في هذه المرحلة من حياته العملية الفنية، وعندما يقوم الفنان كلينت إيستوود ببطولة فيلم ويقوم بإخراجه أيضا، فإن كل الرهانات تكون لاغية. فالأشياء التي قد تكون من المدرسة القديمة وعاطفية في الأيادي الأخرى تتحول إلى شيء مختلف آخر عندما يكون هو معنيا بها ومشاركا فيها. وإذا كان شعار "تينا تيرنر" هو أنها لا تفعل شيئا لطيفا وسهلا، فإن شعار إيستوود هو أن العادي ليس أسلوبه. وهذا يوجههنا إلى "جران تورينو"، مشروع تخرج إيستوود الثاني هذا الخريف، وعمله الأول كممثل منذ فيلم "طفل بمليون دولار" في عام 2004 وفيلم كان من الممكن أن يكون أقل تشويقا وإثارة لو لم يكن هو معنيا به مشاركا فيه. وبالعمل انطلاقا من نص أو سيناريو كتبه كاتب سيناريو لأول مرة وهو نيك شينك، حوّل إيستوود - بأسلوبه في الإخراج وحضوره التمثيلي - حوّل فيلم "جران تورينو" إلى شيء آخر في سلسلة أفلامه الحالية التي تعالج العنف، ومكانه وتكلفته. والفيلم يمزج بين المشاعر والرصاص والجد والهزل، بطريقة أصبحت مميزة جدا لايستوود.
إنه أيضا فيلم من المستحيل تخيله بدون الممثل القدير في دوره الرئيسي. إن فكرة بطل أفلام حركة يبلغ من العمر 78 عاما يمكن أن تبدو أنها فيها تناقض، ولكن إيستوود ألغى وأبطل ذلك، حتى لو كانت غلظته وشدته بنفس القدر في اللفظ والجسد. وحتى إيستوود البالغ من العمر 78 عاما يمكن أن يجعل صوته مهددا متوعدا في عبارة " إخرج من مرجي " مثل " طيب يومي" وعندما يقول " إنني أضرب حفرة في وجهك وأنام مثل طفل رضيع "، فإنه يبدو كما لو كان يعنيها.
ويلعب إيستوود دور العامل المتقاعد والت كوالسكي (علاقة بعيدة عن شخصية ستانلي للفنان براندو، ربما) وهو رجل ذو عبوس منيع وحساسية بالغة. وكوالسكي هو "مستر فيد آب"، شخص بكلمة سيئة للجميع، وسواء أكان أبناؤه غير المبالين وغير البارعين أو أحفاده أو قساوسته فإنه يعتبرهم صغارا جدا بحيث يتدخلون في حياته. وكوالسكي، الأرمل حديثا، المنزعج والمتقلب المزاج بشكل خاص يمر بتغييرات تجري في مجاورته بديترويت. فقد عاث المهاجرون من " همونج " واللاجئون من جنوب شرقي آسيا ولاسيما فيتنام، حيث ساعدت " همونج " القوات الأميركية خلال الحرب، عاثوا في كل مكان، حتى على أعتاب الدار. وهذا الدور يمكن أن يبدو مثل "آرشي بانكر" العادي, ولكن من الصعب المقاومة عندما يقوم بالدور إيستوود، وهو ممثل له حضور ولغة حوار أخاذ. ربما يكون أفضل شيء في نص وسيناريو شينك هو أنه أغرى وجذب إيستوود إلى إنهاء تقاعده عن التمثيل الذي فرضه على نفسه وجلب عطر ونكهة إيستوود الخاصة إلى الشاشة. وينجذب كوالسكي - على نحو كلاسيكي ضد إرادته - إلى حياة المجاورة، لاسيما محنة " ثاو " ( بي فانج )، الصبي المراهق يتيم الأب الذي يسكن إلى جواره والذي يتم الضغط عليه للانضمام إلى عصابة "همونج " في المنطقة والذي يحاول بسذاجة أن يسرق جائزة كوالسكي " فورد جران تورينو". ويحب كوالسكي أيضا وقاحة شقيقة " ثاو " الأكبر منه قليلا واسمها " سو " وتلعب دورها الفنانة " آهني هير "، وهي ممثلة مثلها مثل سائر الجيران عضو في مجتمع أو طائفة " همونج ". وفي الوقت الذي يزداد فيه التقارب والموثوقية، سيبدأ فيلم " جران تورينو " في أن يشعرك بالألفة ويحدث الاهتمام الموجود في الفيلم. إنه شيء مألوف ولكنه في صميم الهدف والموضوع. وفجأة، تمضي وترحل تلك النقطة وتأتي وتبرز تساؤلات أكثر جدية وخطورة، تساؤلات عن المسئولية وعن الثأر والانتقام وعن كفاءة أو فعالية الدم مقابل الدم. وهذه الأسئلة أو التساؤلات يبدو أنها تدهش كوالسكي. ويبدو الأمر تقريبا كما لو أن الفنان إيستوود يجد نفسه فجأة في فيلم مختلف عما توقعه هو أو توقعناه نحن، حقيقةً. ولكن لو كانت السنوات القليلة الماضية برهنت على شيء وأثبتته، فهو أن إيستوود أينما كان موجودا في أي مكان، فإن جماهير ومشاهدي السينما حكماء في اتباعه.

* خدمة " لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست " - خاص بـ" الوطن"

أعلى





النهوض بأدب وثقافة الطفل (2-2)
الاهتمام بكتاب الأطفال

الكتابة للأطفال من أصعب فنون الكتابة الأدبية وهي حالة متقدمة في فن الكتابة لأنها تحتاج إلى سمات شخصية ومقومات خاصة قائمة على إدراك واسع ومعرفة عميقة لعالم الطفولة وخصائصه وقضايا الطفل.
فكاتب الأطفال لا يكفي أن يقترب من عالم الطفولة بل يعيش في هذا العالم الحالم كي يدرك الآفاق التي يحلق فيها الصغار ويفهم طريقة تفكيرهم في الحياة فيفكر كطفل صغير ويكتب كأديب محترف بلغة بسيطة يفهمها الطفل مستخدما عناصر الجذب والتشويق لإثارة خياله.
ولم يعد الطفل يكتف بالكتاب الورقي بل يبحث عن وسائط معرفية أكثر إبهارا وتقدما كالفضائيات والإنترنت.
تكمن أهمية أدب الأطفال في أن يوجه إلى أهم مرحلة من مراحل حياة الإنسان .. تلك المرحلة التي تبنى فيها شخصيته ولذلك لابد أن تتوفر في كاتب الأطفال السمات والمواصفات الآتية:
1- القدرة على اختراق عالم الطفولة والاندماج مع الأطفال في عالمهم الرائع للوصول إلى مستوى تفكيرهم وتعتبر تلك الهبة سر نجاح كاتب الأطفال.
2- يشترط أن يكون كاتب الأطفال أديبا أي يمتلك أدوات الكتابة الإبداعية كي يتمكن من إنتاج قصة أو رواية مكتملة الأركان وهذا الشرط هام جدا لتميز كاتب الأطفال لأنه لو افتقد تلك الأدوات فإنه سيكتب نصوصا ضعيفة لا ترقى إلى مستوى القصة ولا الرواية.
ومن المؤسف أن كثيرا من المثقفين في وطننا العربي اقتحموا هذا المجال رغبة في الثراء أو الشهرة فأساءوا إلى أنفسهم قبل أن يسيئوا إلى مجتمعهم.
والجدير بالذكر أن أول من طرق مجال الكتابة للأطفال كانوا من كبار الأدباء والمفكرين في العالم ومنهم:
الشاعر الفرنسي "تشارلز بيرو" والذي كتب مجموعة من الحكايات الشعبية أطلق عليها حكاية أمي الأوزة.
وكتب الأديب الفرنسي "لافونتين" قصصا مقتبسة من حكايات كليلة ودمنة.
وبسط الكاتب "جون نيوبري" مغامرات روبنسون كروز ورحلات جليفر.
وألف الكاتب الإنجليزي لويس كارول مغامرات "أليس في بلاد العجائب.
وكتب الأخوان "يعقوب ووليم جريم" كتاب "حكايات الأطفال والبيوت".
وكتب تشارلز ديكنز روايتي:"أوليفر تويست" و "ديفيد كوبرفيلد".
وكتب رائد أدب الأطفال "هانز كريستيان اندرسون" مجموعة من القصص المتميزة.
أما في روسيا فقد كتب الشاعر "بوشكين أشعارا للأطفال وكتب "تولستوي" قصصا عديدة.
وكتب المفكر رفاعة الطهطاوي كتابه المرشد الأمين في تربية البنات والبنين كما ترجم العديد من القصص الأجنبية.
وهناك أدباء متميزون أبدعوا قصصا وشعرا للأطفال في القرن الماضى ومنهم : أحمد شوقي وروز غريب وعبد الكريم الحيدري، ومحمد سعيد العريان ومحمد عطية الأبراشي، وابراهيم عزوز، وأحمد نجيب وكامل الكيلاني وعبد التواب يوسف ويعقوب الشاروني.
3- دراسة المراحل العمرية للأطفال ومعرفة سمات وتغيرات كل مرحلة عمرية يخاطبها الكاتب كي يتفهم احتاجات الأطفال في تلك المرحلة ويحدد الموضوعات التي سيطرقها وطريقة معالجتها وتنقسم تلك المراحل إلى:
مرحلة الطفولة المبكرة حيث الواقعية والخيال المحدود وتمتد من سن (3-5) سنوات.
يميل الطفل إلى تصفح القصص ذات الصور الملونة وبخاصة صور الطيور والحيوانات ومفردات بيئته.
مرحلة الطفولة المتوسطة حيث الخيال المنطلق وتمتد من سن (6-8) سنوات.
يميل الطفل إلى الحكايات الشعبية والقصص الخيالية ويفضل أن يكون أبطالها من الطيور والحيوانات.
مرحلة الطفولة المتأخرة حيث المغامرة والبطولة وتمتد بين سن (9-12) سنة.
يحب الطفل قصص المغامرات الشيقة والبطولات الخارقة التي يعتمد فيها البطل على نفسه.
مرحلة المراهقة وتمتد بين سن (12-18) سنة.
يميل الطفل إلى قراءة الروايات البوليسية والإجتماعية والتي تخاطب وجدانه.
4- دراسة علم النفس لمعرفة طبيعة المشكلات التي تواجه الأطفال وكيفية علاجها كي يتناول كل مشكلة في صورة قصصية ويضع حلولا لها بطريقة مبتكرة وغير مباشرة.
5- دراسة الأساليب والمفاهيم التربوية التي تعمل على بناء شخصية الطفل.
6- دراسة اللغة وتفهم المفردات اللغوية التي تناسب مراحل الطفولة كي يتمكن من مخاطبة أطفال كل مرحلة عمرية وفقا لقاموسهم اللغوي في تلك المرحلة.
7- مسايرة كافة وسائل التكنولوجيا الحديثة من أجل توظيفها في توصيل إبداعاته للأطفال ويجب أن يتجاوز الآلية التقليدية في تقديم النص فطفل اليوم لم يعد يقنع بالكتاب الورقى فقط بل يسعى إلى الوسائط الإلكترونية الحديثة كالقنوات الفضائية ومواقع الأنترنت الموجهة إليه وأشهرها : موقع أدب الأطفال العربي وموقع أطفال الخليج وشبكة الطفل العربي وموقع حورس الصغير وموقع مدينة الطفل و موقع عالم زمزم وموقع أولادنا وموقع بنين وبنات وموقع عالم ذكي للأطفال وغيرها من عشرات المواقع المتميزة.

أهداف أدب الأطفال

شهد أدب الأطفال تطورا مذهلا ونقلة نوعية كبيرة حين خرج من مرحلة القوالب الجامدة والوعظ المباشر إلى الكتب الملونة والمجسمة والوسائل الصوتية والمرئية المبهرة والتي سعت إلى تحقيق الأهداف الآتية :
تعويد الأطفال علي أسلوب التفكير العلمي.
تنمية قدرات الطفل على اكتساب المعرفة .
تنمية القدرات الذهنية والإبداعية لدى الطفل.
تنمية القدرات اللغوية لدى الطفل.
تنمية مهارات التواصل مع الآخرين.
إمتاع الطفل وإدخال البهجة إليه.
وكل هذه الأهداف مجتمعة تساعد على بناء شخصية الطفل المتكاملة ولابد أن يتناول أدب الاطفال بعض القيم التربوية التي تجعل شخصية الأطفال سوية ومنها:
طاعة الله تعالى والخوف من عصيانه.
احترام الوالدين وإطاعة أوامرهما والتفاني في برهما.
احترام ثقافة المجتمع وقيمة وعاداته وتقاليده.
الحث على مكارم الأخلاق وترك منكر العادات.

سمات أدب الأطفال الجيد

أن يتناول العمل موضوعا يهم الأطفال ويمس جانبا من حياتهم.
أن يعالج الكاتب موضوعه بطريقة جديدة ومبتكرة.
استخدام عنصر التشويق والمفاجأة حتى لا يمل الطفل فينصرف عن القراءة.
اختيار الكلمات ذات المدلول المادي الملموس والتي تعبر عن حواسه الخمس.
استخدام أسلوب أدبي بسيط يتناسب مع مفردات الطفل مع إضافة كلمات جديدة ويجب أن يتصف الأسلوب بالوضوح وبساطة العرض وسهولة اللغة بحيث تكون الجمل قصيرة والمفردات واضحة.‏
توظيف الصورة والألوان المبهرة في العمل الأدبي لأن الطفل ينجذب إليها.
من المؤسف أن كثيرا من كتب الأطفال الشهيرة تحتوي على قصص السحر وهذه النوعية لا تناسب الطفل لخطورتها كما أنه لا يستطيع أن يدركها بسهولة لكنه يحلق معها بخيال جامح تدفعه الإثارة والتشويق.
وهناك أيضا قصص الخوارق والتي يمثل فيها الأبطال أدوارا خارقة على الطبيعة الإنسانية وهذه القصص تؤثر على عقل الطفل وسلوكه خاصة حين يحاول أن يقلد أبطالها فيصطدم بالواقع وعندئذ يصاب بالإحباط واليأس.

أدب الأطفال والوصول إلى العالمية

الوصول للعالمية ليس سهلا لكنه ليس مستحيلا وقد نجحت كاتبة الأطفال الألمانية "كورنيليا فونكه" في الخروج بأدب الأطفال الألماني إلى العالمية بعد أن تجاوزت الأنماط التقليدية في أدب الأطفال فكتبت قصصاً يلتقي فيها الواقع بالخيال وتتميز بسهولة وعذوبة اللغة، فتسابقت دور النشر العالمية على شراء حقوق ترجمة كتبها في الوقت الذي كانت تحجم فيه دور النشر الإنجليزية والأميركية عن نشر الكتب الألمانية لاختلاف اللغة .. بيعت ملايين النسخ من كتب كورنيليا وتحول أحد كتبها إلى فيلم سينمائي.
ولدينا كتاب أطفال ارتقوا إلى العالمية وأبرزهم الأستاذ عبد التواب يوسف والذي حصل على جائزة المجلس العالمي لكتب الأطفال عام 1998وجائزة معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال بإيطاليا عن كتابه : " حياة محمد في عشرين قصة".
وفاز الأستاذ يعقوب الشاروني بذات الجائزة عن كتابه :"أجمل الحكايات الشعبية" كما ترجمت روايته "كنز جزيرة عروس البحر" إلى اللغة الإيطالية وهي أول رواية عربية للأطفال تترجم إلى تلك اللغة.

جوائز أدب الأطفال

تسهم جوائز أدب الأطفال في الارتقاء بهذا الفن واستنهاض همم كتاب الأطفال من أجل تقديم أفضل إبداعاتهم ومن هذه الجوائز :

جائزة أندرسون

تمنح تلك الجائزة للمتميزين في مجال أدب الطفل وهي تحتل مكانة متميزة بين غيرها من الجوائز، فتعرف كواحدة من أرفع الجوائز التي يتم منحها لمؤلف ورسام كل عامين وذلك في احتفال رسمي تقوم فيه ملكة الدنمارك بمنح الجوائز للفائزين.
ولد هانز في الثاني من إبريل عام 1805 في الدنمارك وأول كتاب قام هانز بكتابته للأطفال هو كتاب عن قصص الحوريات عام 1835م ووصل إجمالي ما كتبه 168 كتاب.

جائزة استريد ليندرجرين

تعد من كبريات الجوائز الأدبية لكتّاب ورسامي أدب الأطفال والشباب وقد أُنشئت تلك الجائزة في عام 2002 تكريما للكاتبة السويدية ليندرجرين.

جائزة الشيخ زايد للكتاب

تمنح سنويا للمبدعين من المفكرين والناشرين والشباب عن مساهماتهم في مجالات التأليف والترجمة في العلوم الإنسانية، التي لها أثر واضح في إثراء الحياة الثقافية والأدبية والاجتماعية وذلك وفق معايير علمية وموضوعية وقد تأسست هذه الجائزة بدعم ورعاية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.
وتهدف إلى تشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية والإنسانية.
والاهتمام بأدب الطفل العربي وحض الكتاب المختصين على طرق المجالات الابداعية التي تسهم في تنمية عقل الطفل العربي وإنارة وعيه من اجل خلق جيل واع لقضايا العصر.

جائزة أدب الطفل بقطر

تهدف الجائزة إلى تشجيع الكتاب والأدباء وغيرهم من المبدعين العرب من ذوي العطاء المتميز ، على إنتاج إعمال رفيعة المستوى في مجالات أدب وفنون الطفل ، يكون من شأنها تنمية قدرات الطفل الأدبية والثقافية وخلق الوعي الأدبي لديه ، وإثراء المكتبة القطرية والعربية بالأعمال الأدبية والفنية في مجالات أدب الطفل المستوحى من التراث.
وتلك الجائزة تمنح في مجالات القصة والرواية والشعر والدراسات النقدية لأدب الاطفال.

جائزة سوزان مبارك

بدأت هذه الجائزة في عام 1990 وهي تمنح للموهوبين في مجال الكتابة والرسم والبرمجيات للطفل ، بهدف اكتشاف الموهوبين في مجالي الكتابة والرسم للطفل ، وتفجير طاقات وإبداعات أصحاب الأقلام والمتطلعين لأن يكون أدب الطفل حرفتهم ورسالتهم في الحياة وتنوعت موضوعات المسابقة في كل عام ، فشملت التراث العربي والحكايات المستلهمة من المجتمع المصري والخيال العلمي وأدب الرحلات والمغامرات الشائقة للطفل.

جائزة عبد الحميد شومان

تهدف الى الإسهام في الارتقاء بالأدب الذي يكتب للأطفال لتحقيق الإبداع والتطوير المستمرين فيه ولتنمية روح القراءة والمطالعة لديهم وللإسهام في دعم مسيرة الطفولة العربية.
تمنح الجائزة مرة كل عام في مجال أدب الأطفال في القصة والشعر والرواية والنقد الأدبي لأدب الأطفال.
ناصر عبد الفتاح*
* كاتب أطفال


أعلى




قطر الندى:مفهوم التراث وحدوده

ما التراث؟ وما حده؟ وما علاقتنا به؟
وهو سؤال كبير نكاد لا نجد اتفاقا على إجابته بين العلماء والمفكرين والباحثين والدارسين والمثقفين والكتاب ـ بعامة ـ.
وهذا التباين الواضح في تعريف التراث يجعل مفهومه مختلفا بين شخص وآخر، وبين جماعة وأخرى، الأمر الذي يفسح المجال للخلاف حول تحديد التراث وطبيعة العلاقة به ومعه.
وأكثر التعريفات شهرة أن التراث هو نتاج الماضي في مختلف العلوم والآداب والفلسفة والعقائد الوضعية والفكر والثقافة.وبعض التعريفات تضيف المعالم الحضارية المادية إلى التراث فتجعل الآثار التي تركتها الحضارات السالفة "تراثا".
وهناك تعريفات تجعل الدين أو الأديان السماوية جزءا من التراث، ولا تقصره على النتاج البشري.
وأنا أميل إلى الفصل بين التراث البشري والعقائد السماوية، ولا أرى الدين تراثا لأن الدين مستمر فينا، ونحن نتحدث عن نتاج بشري في مختلف العلوم والآداب والثقافات وما تركه الأولون من عادات وتقاليد اجتماعية، ولا نرغب في زج الأديان بمفهوم التراث.
وأما حدود التراث، فهي الماضي كله منذ بدء البشرية إلى ما يسبق لحظتنا الراهنة بثلاث مائة سنة على الأقل. وإن كان بعض المفكرين يجعلون كل ما حدث أو أنتج قبل مائتي عام هو من التراث، بينما يزيد آخرون ذلك ليصبح ما سبقنا بمائة عام فقط. وهذا موضوع الخلاف الثاني حول مفهوم التراث.
وأما عن علاقتنا بالتراث، فهي أيضا مسألة خلافية انقسم الباحثون حولها، واختلف المفكرون بشأنها إلى ثلاثة أقسام:
أولا: قسم يلتصق بالتراث ويجعله هوية الأمة.
ثانيا: قسم يجعل التراث كل ما هو حي فينا من ماضينا ومما توارثناه من الأجيال السابقة.
وثالثا: قسم يرى أن التراث شيء من الماضي، وأن صلتنا به منقطعة، ولا حاجة بنا إليه.
وأمام هذه القطيعة (الابستمولوجية) مع التراث في القسم الأخير والالتصاق المطلق بالتراث في القسم الأول فإننا ننحاز إلى القسم الثاني الذي هو الحال الوسطى والتي تميل إلى الاعتدال، فالصلة مع التراث انتقائية، ونحن نستمد منه ما هو إيجابي فحسب، وهنا تبرز نقطة خلاف جديدة: من يحدد ما هو إيجابي؟! وكيف نحكم عليه؟!
إنه سؤال مهم سنبحث عن إجابته في مقال آخر.

د. محمد ناجي عمايرة


أعلى


 


(نوادر المعارف عند ابن النديم).. كتاب يبرز طرائف لا يستطيع القارئ استخلاصها

القاهرة ـ (الوطن):يحاول مؤلف كتاب "نوادر المعارف، عند ابن النديم" إبراز المعلومات النادرة والطريفة، التي حكاها ابن النديم في كتابه "الفهرست"، والتي لا يستطيع القارئ استخلاصها إلا بعسر، وقد تمر عليه دون أن تثير اهتمامه.
ويعتبر عبداللطيف محمد العبد مؤلف الكتاب أن مصنفه لا يغني الناس عن كتاب الفهرس ذاته؛ فالأولوية دائمًا للأصول، وإنما قصده التيسير والتسهيل ولفت الأنظار إلى بعض الأفكار التائهة وسط التفصيلات المتشعبة ، لأن كتاب الفهرست يزخر بتفاصيل لا حصر لها وبتواريخ متعددة، وبأسماء أشخاص وأسماء كتب يصعب حصرها.
ويقول فى مقدمة كتابه :"إن المعارف التي قدمها ابن النديم، إنما تصور جانبًا مشرقًا من جوانب الحضارة العربية، التي اعتمدت على العلم والمعرفة. وهي وإن وقفت تاريخيًا عند سنة 377 هـ لكنها تعتبر من أقيم المعارف وأرقاها، وهي تبدو على صورتها الحقيقية عند التشذيب والتجريد".
ويرى أن المعلومات التي أوردها ابن النديم، إنما يعز على المدقق الحصول عليها في أي مصدر آخر؛ ولعل هذا راجع إلى أن ابن النديم كان يعتمد على المشاهدة والمعاصرة، واستقاء المعلومات من بعض المخطوطات التي فقدت بعد زمنه.
ولم ينتق من الأعلام فى مؤلفه إلا الشخصيات التي ورد عنها بعض المعلومات الطريفة، أو الحكم الغالية، وكذلك لم يختار من النوادر سوى المفيد للقارئ علميًا أو أدبيًا أو تاريخيًا، وقد اقتضى هذا أن يعرض عن كل نادرة يشتم منها الإسفاف وإضاعة الوقت، وربما نقلها بالنص دون علامات، أو لخصها، أو عبر عنها بأسلوبه، لكنه راعي معنى واحدًا، هو أن يقدم الفكرة للناس في سهولة ويسر، بعيدًا عن التعقيد والتقعيد والإغراق في ذكر التواريخ والتفاصيل وأسماء الرجال والكتب.
كما راعى وضع الأفكار على هيئة فقرات منفصلة داخل الفصول؛ ترويحًا عن القارئ، فيصبح وكأنه في حديقة غناء فيحاء، يتنقل بين الورود، وينشق عبير هذه الرياحين في كل خطوة يخطوها ، وضم كثير من الأمثلة الصالحة لوضع قدوة أمام الناس، ليستنيروا بها، كما أن ذم المثالب لدى بعض السابقين إنما هو تطير للاحقين من أمثال هذه الأمور، وفي ذلك استقامة الإنسان وتحضره.
وتشكلت مادة المصنف على هيئة ستة عشر "موضوعًا" روعي فيها الاختصار والإيجاز إلى حد أن بعضها قد لا يزيد عن صفحة واحدة ؛ ولذا لم يسمها فصولاً، وإن جاز تسميتها فنونًا، وهي: الخط ، اللغة ، الترسل، الشعر، الغناء، الأسمار، الشعوذة، السير، كتب الشرائع، الفقه، الفلسفة، الكلام، التصوف، الهندسة، الطب، الكيمياء.
وفي كتاب الفهرس مقالات عشر، حسب تنوع الثقافة التي قرأها ابن النديم أو التي سمع عنها، وجميعها يقدم صورة واضحة لحصيلة علمية ضخمة وجدت لدى العرب، في منتصف القرن الرابع الهجري. وهذه المقالات هي: اللغات والكتب المقدسة وعلوم القرآن، اللغة والنحو، والأخبار والأنساب، والشعر، وعلم الكلام، والحديث والفقه، والفلسفات، والأسماء والخرافات، الاعتقادات، والكيمياء أو الصنعة.
وقسم المؤلف كل مقال إلى عدة فنون، روي في كل فن منها أسماء الكتب وأخبار المؤلفين على اختلاف طبقاتهم، فقد ذكر الرواة والفقهاء والنحاة والمتكلمين والأطباء وغير هؤلاء، كل حسب تخصصه، وذكر المؤلف المتعدد المواهب أو الكتاب المتعدد الفنون في أكثر من فن أو موضع.
ويقول المؤلف فى خاتمة كتابه: "حاول بعض الباحثين قديمًا وحديثًا، نسبة ابن النديم إلى التشبع تارة، وإلى الاعتزال تارة أخرى، قاصدين بهذا أن يعيبوه، وأن يصرفوا الناس عن الانتفاع بحصيلة فكره، وهؤلاء الخصوم لا تحكمهم إلا العصبية المذهبية.. فلكل من الفريقين براهينه ضد الآخر، لكن يجب أن يظل موقفنا نحن محايدًا، وألا نحرم أنفسنا من الثمار الناضجة التي نجدها لدى أسلافنا، دون أن نشارك في الخصومة، كما يجب إطراح الغث مهما كان قائله.
وأكد المؤلف في النهاية أنه إذا كانت كثرة التأليف ليست دليل النبوغ، فإن ندرتها لمؤلف واحد، ليست دليل جهله وتخلفه، فالعبرة بالإخلاص والتجويد، ولذا فكتاب ابن النديم "الفهرست" وحده يعد خير تعريف بابن النديم، حيث إنه عمل مثمر يعود على الناس بالنفع.
وابن النديم هو أبو الفرج محمد بن اسحق بن محمد اسحق النديم، المتوفي حوالي عام 438 هـ = 1047م. وهو يشهر بكتابه "الفهرست". وقد نشأ وقضي حياته ببغداد، ويظهر أنه كان ذا صلة بالوراقة، وهي مهنة بيع الكتب وهي التي عاونته على تأليف كتابه الغزير المادة، والذي قضى معظم وقته في تأليفه، هو وكتاب آخر يدعى "التشبيهات".


أعلى



الأدب الأندلسي بين ترسم خطى قديمة واختراق آفاق جديدة

الكويت ـ (الوطن):ضمن الموسم الثقافي في الكويت قدم الأستاذ الدكتور محمد رضوان الداية محاضرة باللغة العربية تحت عنوان (الأدب الأندلسي بين ترسم خطى قديمة واختراق آفاق جديدة). قدمت المحاضرة في مركز الميدان الثقافي قدمها وأدار حولها النقاش الأستاذ الدكتور فيصل الكندري أستاذ التاريخ الحديث الذي استهل محاضرته موضحا أنه عندما شرع مؤرخو الأدب في تأليف كتبهم الجامعة في العصر الحديث من مستشرقين وباحثين عرب، توقفوا عند الأدب العربي في الأندلس وقفات مختلفة ومحددا ذلك بحسب ما وصل إلى الكاتب الباحث من أصول (مصادر ومراجع)، وبمقدار ما وصل إليه رأيه في ذلك النتاج بعد دراسته ومراجعته وعرضه على الأدب في الأقطار الأخرى في المدة نفسها.
وأضاف: وعلى كل حال فان هذه البدايات انتبهت إلى أمرين (ولو كان ذلك بمقدار محدود) هما: صلة الأدب في الأندلس بالأدب العربي (المشرقي) قديمه وجديده. وقدرة الأديب الأندلسي (شاعرا وكاتبا) على أن يقدم نتاجا يرقى الى أن يراهن عليه مؤرخ الأدب باعتباره نتاجا فيه روح الأصالة وفيه ملامح من الشخصية، تؤدي إلى شيء يقل أو يكثر من التحديد.
وهكذا ومع النضج المبكر لحركة الأدب العربي في الأندلس برزت ملامح ذلك الأدب وظهرت خصائصه ذات القيمة والميزة من جهة، وذات الطابع الخاص "الأندلسي" من جهة أخرى.
وعن صلة مشرق العالم العربي بمغربه أدبيا أوضح الدكتور الداية أن تاريخ الأدب الأندلسي يحتفظ لنا بنصوص (وان كانت قليلة) من المراحل الأولى تندرج تحت السمات العامة للأدب العربي، وتدل على هذا الاتساق بين المشرق والمغرب. ولم يمر زمان طويل حتى صار في سجلات الأدب الأندلسي شعره ونثره)، مشاكلة في الأندلس لما في المشرق، ومحاولات جادة لبلوغ الذرى المشرقية، ومحاولات فاعلة للتجديد في جوانب الأدب المختلفة. وانتهى المحاضر في مناقشة هذا المحور الى أن حركة الأدب سارت في خطين. الأول: محاكاة المشرق ومساهماته. و الثاني: التحديد الذي تفضل به الأندلس، أو تكون لها به خصوصيته.
وأعطى مثلا لذلك قائلا: نقرأ في آخر موشحة ذائعة الصيت للأعمى النطيلي الأندلسي (وهي خرجة الموشح) قوله في المدح:
أما ترى أحمد في مجده العالي لا يلحـقُ
أطلعه المغرب فأِرنا مثله يا مشرقٌ

نعم كان مساماة المشرق، والتفوق مطلب أندلسي ملح. وعن تفرد أدب الأندلس بنتاج خاص أوضح المحاضر أن أهل الأندلس إن كانوا قد أجادوا في الأغراض المشرقية شعرا ونثرا وحق لهم أن يكونوا في أدباء العرب المشهورين (كالمشارقة)، فإنهم قدموا من نتاجهم الجديد الذي انتقل إلى المشرق كالموشح والزجل، وأبدعوا في بعض الفنون حتى صارت لهم الميزة فيها كوصف الطبيعة ورثاء المدن والممالك، وفن الرحلة، تأليف البرامج (برامج العلماء) الموصولة بالسير الذاتية، وشعر المدائح النبوية، وابتدعوا كتابة الرسائل النبوية يرسلونها مع الحجاج والمعتمرين إلى مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونموا فن القصة. وانتقل منهم الى أوروبا، مع ما انتقل من الجوانب الأدبية (إضافة الى ما هو مشهور من نقل العلوم والفنون والصنائع..الخ).
وفي المحور الأخير من محاضرة الدكتور الداية تناول دور الدراسات الحديثة والمعاصرة في توضيح هذا التفرد قائلا: أسهمت حركة نشر الأصول الأندلسية في العصر الحديث في إيضاح هذه الخطوط التي ترسمها لحياة الأدب الأندلسي: من الدواوين وكتب التراسل، وكتب الأدب، والحماسيات، وشروح الدواوين القديمة، والاختيارات ..الى غير ذلك.
وأضاف: لقد كان النتاج الأدبي الأندلسي في العصور السابقة جزءا من حركة حياة الأدب في أقطار العرب والمسلمين، وعاد الآن ـ بعد إحياء العلماء له وبحوثهم فيه ـ صورة جديدة تمثل تلك الحياة، وتوضح فاعليتها المتواصلة.

 

أعلى



تـراثيـات



قتيل شعره

قال ابن المعتز: كان بشار بن برد مطبوعاً جدّاً لا يتكلف، وهو أستاذ المحدثين وسيدهم، ومن لا يقدم عليه، ولا يجارى في ميدانه. والصحيح عند أهل العلم أن المهدي قتله بهجوه يعقوب بن داوود وزيره بقوله:
بني أمية هبوا طال نومكم
إنّ الخليفة يعقوب بن داوود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
خليفة الله بين الزقّ والعود
وقال قوم: بل قتله على قوله:
لا يؤيسنك من مخبأة
قول تغلظه وإن قبحا
عسر النساء إلى مياسرة
والصعب يمكن بعدما جمحا
فقال المهدي: رميت جميع نساء العالمين بالفاحشة. والقول الأول أثبت.


ــــــــــــــ


جد بالرضى

روى محمد بن عبد السلام قال: غضب الفضل بن يحيى على أبي الهول في شيء وجده عليه ـ وكان عنده قبل ذلك في حالة رفيعة، وكان الفضل معجباً بشعره، وكان يصله بالصلات السنية ـ فلما غضب عليه جفاه الناس وتنكروا له، فلم يدر بمن يتحمل عليه ويستشفع حتى يرضى عنه، فلما ضاق به ذرعه قال:
سما نحونا من غضبة الفضل عارض
له زجل فيه الصواعق والرعد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد
من الجرم ما يخشى عليّ به الحقد
فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره
ورأيك فيما كنت عودتني بعد
فلما قرأ الفضل رقعته وقع فيها: رضاي عنك مقرون بإحساني إليك، فإن أردت أن أفرق بينهما لم أفعل. وحمل إليه صلة، واستغني بالأبيات عن الشفع.

ــــــــــــــ

واحدة الجمال


وواحدة الجمال بلا شريك
لها صفة تتيه على الصفات
لها خلقان من ملق وتيه
هما زفا الحياة إلى الممات
وقلب لا يجيب إذا دعونا
وطرف يستجيب لنا مواتي
وأحيانا تموتني بصد
فينشرني التلاحظ بالغداة
دعي ذكر الصلاة فإن ذكري
لوجهك بالصلاة لها قراتي
أصلي ساهياً بك لست أدري
إذا صليت كم كانت صلاتي
دهيت على المشيب بحب ريم
يحاذر ظله حلك الفلاة

أبو الهول الحميري


ــــــــــــــ


فقلت كل
أعلمت عتبة أنني
منها على شرف مطل
وشكوت ما ألقى إلي
ها والمدامع تستهل
حتى إذا برمت بما
أشكو كما يشكو الأذل
قالت: فأي الناس يع
لم ما تقول فقلت: كل

أبو العتاهية


ليّ.


 

أعلى


 

الأدب الشـعبي

بوح ..
كَبِرنا ولم تكبر...!!

بين الفترة الأولى لانطلاقة مهرجان الشعر العماني في نسخته الأولى، وبين النسخة السادسة والتي تختتم بعد غد في محافظة البريمي عدة تساؤلات منها: ما الفرق بينهن جميعا؟ وبين النسخة السادسة في البريمي وبين النسخة الثانية التي اقيمت هي الأخرى في محافظة البريمي على مستوى الجائزة الممنوحة؟!
قد نقف في الصفوف المغلّبه لعملية الإبداع والتي تولي اهتمامها أولا وأخيرا بالجائزة المعنوية، ولكن ما يتداوله الشعراء في أروقة الفعالية، حول (ماذا سيقدم المهرجان ماديا للشاعر)؟.، فمهرجان الشعر العماني هو المهرجان الأهم في السلطنة وتعد جوائزه المادية هي الأكبر محليا، ولكن حينما تتم المقارنة فإن قيمة الجائزة الكبرى (الأولى) في هذا المهرجان قد يحصل عليها الشاعر بشكل سريع في أي أمسية شعرية أو لقاء تلفزيوني فضائي خارجي، وبالتالي وقوفنا مع الصف المعنوي هو منطقي في الحالات التي تستطيع ان تغطي هذا العيب المادي بما هو أفضل في الجوانب الأخرى، فلم يعد الشاعر العماني حبيس المسابقة الأدبية المحلية او جوائز المسابقات الأدبية المحلية الأخرى، وربما قد لا يشّكل الهاجس المادي ممن يتمتع بقناعة الإبداع في النص في الكثير من الأحيان، ولكن الغالب من الشعراء قد يتخذ (الشعر) وسيلة أساسية لتقوية الدعم المادي لمحفظة نقوده وهو حق مشروع لأي مبدع، وبالتالي حتمية المشاركة في مهرجان الشعر أو غيره لا تؤثر بشكل أو بآخر في عملية اشتراكه من عدمه، لأن ليس هناك جوانب أخرى قد تغطي هذا الخلل، وبالتالي عزوف الكثير من الشعراء عن المشاركة.
سؤالنا الآخر.. هل أخذت الوزارة بآراء المثقفين والمبدعين في السلطنة او هل استطاعت ان تستلهم من التحقيقات الصحفية والحوارات المختلفة التي قدمتها الصحف المحلية بالسلطنة جميعا بماهية المهرجان والصيغة التي يريدها الشعراء؟ أم أن ما نشاهده اليوم هو إعادة فقط لصيغة المهرجان في دوراته الكثيرة؟!، فالمبدع العماني يطرح رأيه باعتباره يتفاعل مع المؤسسة الثقافية ويعدها جزءا منه، حتى اذا ما حصل إخفاق لن تكون المؤسسة الثقافية وحدها ملومة.. باعتبار ان الحاصل هو نتاج اختيارات ورؤى المبدع وتصوراته.. غير إن ما نشاهده لا يحاول توطيد تلك العملية التبادلية من ناحية الأفكار وتنفيذها بين المبدع والمؤسسة.
ومع إننا نعي جميعا أهمية الجهود التنظيمية المبذولة في هذا المهرجان التي نلمسها على أرض الواقع من قبل اللجنة المنظمة التي تقود هذا المهرجان بإدارة جديدة يجب ان يوافقها الشعراء بالمعطيات وما اتيح لها من مخصصات مالية كانت أو غيره، فكل الشكر لكل القائمين على مهرجان الشعر العماني، فإن امنياتنا الملقاة على اللجنة التنظيمية وادارة المهرجان أن نقف كثيرا مع الشعر بحيث نقدم في الدورات القادمة مهرجانا مثاليا ينافس المهرجانات المشابهة بما يقدمه من كل النواحي، وهذا لا يتأتى إلا بتضافر الجهود جميعا بين المؤسسة والمثقف والذي هو الآخر لن يبخل بتقديمه الاقتراحات أي كان موضعها النهائي.. فالهدف واحد قبل كل شيء وهو الرقي بالساحة الإبداعية في السلطنة، وكلنا لذلك نعمل من أجل عمان.

ومضة..

كانوا يمرون المراكب من حدود الابتعـــاد
ما حملّوا من داخلي إلا فراغٍ في فضـــــاي
مروا مثل حلمٍ نبت بين الضلوع من السواد
يا ليتهم حلّوا على حالٍ ولا به من سـواي!

فيصل بن سعيد العلوي *
*

ــــــــــــــــ


عبّاد الشمس

ملتحف جلباب عرابك .. وعقلك في سبات
صار مالك نفس .. في تحرير نفسك من قيوده
كيف يا منقاد فكره .. يلهمك ربي الثبات
وانت يا عباد شمسه ما تشوف الا حدوده
قالوا : ان العلم نور .. قيل : للبذره نبات
والمصيبة تفهم المعنى .. وتجاهل بنوده
لا متى والتيه دربك .. لا متى ذل الهبات
ما تطول من الشجر .. الا القصير الغض عوده
ينزوي للظل شخصك كل عزمك أمنيات
انتبه من ليلك الوردي ترى الاحلام سوده
الحجاب اللي على عينك يمنيك الشتات
وإنفعال الحس بأستحياء .. يسمّيك البروده
السِعه في اللملمه حولك .. وضيق الإنفلات
يعصف التيار .. وأنت الماء في حالة ركوده
خذ معاني من دروس البعض من بعض الصفات
والدعاء منجاه للمخلوق في لحظة سجوده
ما طلبنا صعب .. تحقيق المحال .. المعجزات
ما طلبنا در بحر الروم .. مرجانه .. عقوده
الحكاية كلها .. ما للوهم والطيف ذات
من رضى بالإنهزامية .. فقد ذكرى خلوده
كان بعت إحساسك اللي جيت به .. النصح فات
وإن تبقى لك أمل .. وينك .. تحرّى عن وجوده
يا ترى وش تنتظر .. لا تلتفت كل الجهات
إنتزع جلباب عرابك .. ولا تجرح وروده

علوي بن محمد باعمر


ـــــــــــــــ


غصات الرحيل

يا راحلين .. الليل عوّد مواويب
صاحت بها دفّة رحيل الصواري
يا راحلين .. الليل قمرا وقناديل
تصغي إذا غنى لها كل ساري
هذا النيا ، غربة دموع ومناديل
أخبار تمشي مع هبوب الذواري
أطيفا ذكرة والقلوب المظاليل
وعصة حنين تحاكي جروح داري
شدوا ، وأنا انثر دروب المواصيل
والبين قدامي يصيح بحذاري
يمشون .. والديرة تنادي تساهيل
بالهون خفّي يا عزوم السواري
تبكي خطاهم ، وحشة ، وعثرة وليل
وأبكي صباحٍ بعدهم صار عاري
نشرق على ناي الرعي ريحة الهيل
ونمسي على همسات حلم االصحاري
نسبح مع السحب الكثير المداهيل
ونقول يا سحب المحبين داري
ونعاتب القمرا على غيبة سهيل
ونحاكي النجمات ضاوي وجاري
ونواسي جدب الأرض من جفوة السيل
ونفزع لصوت القلب لا جال طاري
واليوم صار الوجد يلبسني إكليل
ويزيدني في وجعتي وانكساري
يا راحلين الليل غنى مواويل
ردد بها الصاري وناداه ساري

خالد بن عبيد المعني


ــــــــــــــــ


ترنيمة الإسـفار

مسافر لجل أعلم هـ الحكي / ترنيمة الأسفار
علي الله يضرب الحظ الردىٍ / وتفًتح أبوابي....
مسافر والحلم يرفع يديه ويهدي النوار
إلي أن يحتفل طهر السلام ويقري كتابي
ألاقي الشوق وهمومٍ تعرت خلف هـ الأحجار
تساومني علي طيش السنين وعمة إعرابي
وأنا أقرء السهر ليلة زفاف وأخذك مشوار
عرفتك يالسهر رحلة عذاب وتخفي انسابي
عجزت أتخيل عيوني سما ودموعي الأمطار
مدينة غصت بحلق الزمان وخانت أصحابي
مدينة ما بها غير النخيل الواقفة.. استغفار
تلوح لسماء فكل الجهات وتحرق أعصابي.....
أعيد وأذكر الصحراء زمان بوجهة المحتار
مداها أكبر من العشق القديم وعفة ثيابي
يوقت البوح والحسرة وطيشٍ مله التذكار
غريبة رحلتي وسور المدينة حارس أحبابي!!
كـ إن الليل يحصد هـ البياض وتسقط الأدوار
بياضِ يهدي ألوان الرباب ويكشف حسابي
وأنا الجالس أرتب هـ الجنون واهدي الأشعار
تحدث هـ الجماد وقال : كيف تعيش بغيابي؟!!!...
معاك الحلم لو ضاع الزمان ولا لقاله دار
يسوق الجرح لعيون الصباح ويسكن أهدابي
مسافر والعتب إني بلا وجهة ولا إبحار
يغير إني تيممت الصبر وأهديته ترابي...!!
مسافر لجل اعلم هـ الحكي ترنيمة الأسفار
على الله يضرب الحظ الردًى وتفتًح أبوابي...

سالم الريسي


ــــــــــــــــ


وعلمني الزمن...

وهي ليلة مطر يرعد شتاها وويحضنه لسحاااب
يرق العظم من برد الثواني وعمرها يسري
من انت؟ اللي طرق بابي بآخر موعده وش جاب
انا جرح رجع لك كان تذكرني ولك عذري
حبيبي والبروق اضلال دمعي والنجوم اقراب !
لك الله العمر من دونك مسافة حظ ماتغري
وش اللي رجع الدنيا وجابت علمها للباااااب؟
انا ضني السنين المثخنة بالطعن ماتبري
انا جيتك من الدار الغريبة لاهلها اغراااااب!!
تعب كتفي من امفارق كفوفك يابعد عمري
تقوليها وانا الجدران اسمعها تخر تراااااااب!
من اللي عطر كفوفه اماني وكنت ماتــــــدري
نسيتي كنت انا اسرج لمصباح الفجر اسراب
تنادي لين خرت ركبها وشراعها يجري
بكيتك لين صار الشارع العيني سما واهداب
وضلعي ناي يسكب لك شقاي ويغرفه حبري
بعد ماراح من عمري الزمان وشابت الاطنااب
بعد ما انا طويت كتاب عمري وش بعد تقري
محال الظن يا انتي يداس ومعتلي مرقاااب !!
خذيني نصفي الميت اذا لك حاجة في كثري
نفضتك من جسد انقى من انه عاش بك اعجاب!
نخلت العمر ليتك طحت من همي ومن وكري
وش الداعي نجي والعمر اقرب مانسى اصحاب
وعلمني الزمن ان المفارق وارد ويطري
تدن الريح لو تصدق حكت لك خافقي المنساااب
جرى لك كل مافي خاطري لو مانفع صبري
مطر والبحر والرحلة رهينة صوتها الاخشاب
تبلل ليتها تغسل ذنوب تشهق بسطــــــري
اسامح؟ اه لو بيدي وهي من قلها الاسباااااب
بروق اترف في جيدك حجاب الستر من شري
بدى كل قطرهْ من غيث السنين اتشفعك ياعتاب
تخالط دمعنا بلون المطر واجتاح لك نهري
كذا احيان يا انتي يصير الجرح لك مرتاااااب
يسامح صدري الطاهر لو ان النزف في ظهري
و انا المحتاج لغيومي اذا ماجدبو الاحباب
هطل صفحي ولبستك ثيابي وقلتها عري!!
امانة لا رجع ناسي ابي تهطل رجا واعشاب
عساني بس اذا اذكر مطر اهدابه في سري
وهي ليلة مزن يحلب صفى هتانها لسحاااب
يشيخ العظم في جلد الثواني والعمر بدري!

علي العمري


أعلى


 

ظواهر لغوية
النشمي والنشامى

يشيع على ألسنة كثير من الناس لفظ ( النشمي ) وهو وصف لمن يلازم أعمالا حميدة : كإكرام الضيف ، ومساعدة الأصدقاء ،وإغاثة الملهوف ، والدفاع عن الأرض والعرض والوطن .
وفي المظنون أن هذا اللفظ ظهر أول ماظهر في البيئات البدوية ،وهي التي قد وقر في ذاكرة الناس بأنها بيئات يتغنّى أهلها بقيم العرب المذكورة آنفا ،وأنها ديدنهم ومعتادهم الذي لايبرحونه .
لكن لفظة ( النشمي ) و( النشامى ) اتسعت صفحة انتشارها ،فلم يعد ( النشامى ) من تصب لهم القهوة التي تفوح منها رائحة الهيل وهم على ظهور الخيل حسب ، بل تعدى الأمر ذلك فأصبح لاعبو كرة القدم - مثلا - قد يوصفون بـ (النشامى ) وهذه طبيعة اللغة في قابليتها للامتداد والارتداد ، فهي ليست قواعد جلمودية .
وفي تأصيل هذا اللفظ تذكر كتب اللغة : ( نشب ) و( نشم ) ففي لسان العرب" ونشم القوم في الأمر تنشيمًا : نشبوا فيه وأخذوا فيه . قال : ولا يكون ذلك إلا في الشر ؛ ومنه : نشّم الناس في عثمان . ونشم في الأمر : ابتدأ فيه "
(1)
. فأصل النشوب التعلق بدليل ما روى قد نشبوا في قتل عثمان ، فالاحتكام إلى أصل الدلالة الأول ،وإلى المعنى المعجمي المستمد من لغة العرب ،كما يُستند إلى الاستعمال ،والاستعمال ذو دلالة ليس في الاحتجاج به فحسب بل في التنبه له أساسًا .
ويحتمل أن يكون أصل دلالة ( نَشَبَ ) هو نشب الصيد في الحبالة : أي علق فيه . وبقية المعاني التي وردت في اللسان ليست ببعيدة عن هذا الأصل ، ومعظمها يدل على سوء فهناك : نشوب الحرب ،والاشتباك والتعلق ،والوقوع فيما لامخلِّص له منه ،ومنه نَشَبَ مَنْشِب سوء ،والنُّشَبة من الرجال : الذي إذا نَشَبَ بشيء لم يَكَد يُفارقه . (2)
ومهما يكن من أمر فإن تطور( النشب ) إلى ( النشم ) تسوغه القوانين الصوتية ؛ فالصوتان إذا تقاربا مخرجا واتحدا صفة جاز التعاقب بينهما ،وففي صوتي الباء والمبم تتخذ الشفتان وضعًا واحدًا عند النطق بهما غير أن مجرى الهواء مع الميم من الأنف ومع الباء من الفم .
وقد نطقت العرب قبلا بالتبادل بين الباء والميم ، قال أبو الطيب اللغوي : إن الباء قد تقلب ميما في لغة بني مازن ، فيقولون في ( مات البعير ) ، ( بات البعير ) . " (3)
وينقل السيوطي في المزهرمن ذلك : " الظَّابُ والظَّام : سَلَف الرجل ،والرِّبا والرِّما ،والرُّجمة والرُّجبة ، وسَبّد وسَمذَه : حلَقه ،والسَّاسم والسَّاسب شجر ،وضربة لازم ولازب ،وهو يرمي من كَثَب ومن كَثَم ،وعَجْب الذَنَب ،وعَجْمه " (4)
ويعرف المعجم الوسيط ،( المقدونس ) بأنه بقلة من الفصيلة الخيمية تزرع لرائحة ورقها ،وهي من الخضر المشهورة " والناس في أرجاء من عالمنا العربي يقولون ( البقدونس ) بالباء ،وأزعم أنها لغة نتجت من التبادل بين الباء والميم . (5)
وبهذا يمكن أن يقال : إن ( النشمي ) أصله ( النشبي ) وأن التغيّر نتج من طريق التبادل بين صوتي الباء والميم .
وهناك أمر آخر يمكن أن يقال في هذا اللفظ : فقد ذكرت المعجمات اللغوية بأن معاني ( النشب ) و( النشم ) تدور حول معنى الشرّ ، لكننا نعتقد بأن هذا اللفظ قد تطور استخدامه بطريق تعميم الدلالة Widening بعد أن كانت دلالته خاصة Narrowing .بالشر فأصبح يطلق على الأمرين .
وقد نال لفظ ( النشم ) بإضافة ياء النسب إليه قوة ؛ لأن النسب يجعل الاسم المنسوب دالا على ذات غير معينة موصوفة بصفة معينة ،وهي الانتساب إلى المجرد منها ، فيكون من حيث الوصف كصيغ الفاعل والمفعول أو الصفة المشبهة ،وجعلت الياء المنسوب من آل المنسوب إليه .، فالنشمي من آل التعلق بالقيم الرفيعة والمبادرة إلى الأعمال الجليلة .

الهوامش

(1) لسان العرب ، 12/576
(2) المصدر السابق، 1/756- 757
(3) أبو الطيب اللغوي الإبدال ،70
(4) المزهر للسيوطي 1/463
(5) المعجم الوسيط 880


د. سالم بن عبدالله البلوشي

 

أعلى




سيرة الحجر
الكنز

في صبيحة أحد الأيام ، ظهر في القرية رجل كان قد غادرها وهو صغير مسافرا مع أسرته إلى الساحل، عرفه الناس عندما قدم نفسه، فطلب منهم أن يدلوه على ما تبقى من أملاك أسرته، فقام بترميم ما استطاع من المنزل، ثم بدأ حياته الطبيعية في حراثة الأرض وسقي المزروعات والجلوس إلى الناس في مجالس القرية.
يلحظه بعض الناس في أماكن منعزلة وهو يقرأ، كان لديه كتاب لا يفارقه أبدا، يرى منكبا عليه في أماكن عزلته، وعندما سأله بعض الفضوليين عن سرّ ذلك الكتاب، أخبرهم بأنه ينوي البحث عن الكنوز المدفونة في أرجاء الأرض، وقال لهم إن هذا الكتاب يختص بمعرفة الكنوز القديمة التي دفنها الأقدمون، وأن العديد من البشر كانوا يسافرون أو يموتون بسبب الحروب، لذلك كانوا يدفنون أشياءهم الثمينة خوفا عليها من الضياع، فهو يحاول الآن أن يتوصل عن طريق علم ذلك الكتاب إلى معرفة خبايا الأرض والكنوز المدفونة فيها.
مرة استأجر حفارين، وبدأ يحفر في صخرة صماء، أنفق على ذلك مبلغا باهضا، كان يقول أن هذه الصخرة كانت في الزمان الماضي عبارة عن تربة رطبة مر بها مسافر فدفن فيها خبيئته من الذهب والمجوهرات، ولقد ظل يجرب الكتاب ولا يدله إلا على ذلك المكان، ولكنه بعد أن كسر المكان بالحفر اقنعهم بأنه أخطأ في الحساب، ثم اعتزل يقرأ الكتاب مرة أخرى.
طرق باب أحد أصحاب القرية، في إحد الأيام الخريفية، وبعد أن أكرمه صاحب الدار فتح معه حوارا عن وجود كنز تحت سلم البيت ، وأن ما عليه فعله فقط هو أن يحفر تحت ذلك السلم حفرة ليست بالعميقة حتى يستطيع اخراج ذلك الكنز ، وطلب منه إذا أخرجه أن يعطيه نصيبه ، لأنه من ساعده على استكشاف ذلك الإرث ، وأنه سوف تتبدل حاله ، ويصير من أشهر رجال القرية وأحد من يشار إليهم بالبنان ، وبعد جهد استطاع إقناعه ، فوعده صاحب الدار بالحفر حيث أشار إليه .
بعد ذلك أحضر صاحب الدار ما يلزم من ادوات الحفر ، انتظر الليل وبدأ مهمته حتى لا يستنكره أحد من جيرانه ، كان يحفر ببطء حتى لا يُسمع المحيطين به ، حفر عميقا حتى إذا به يصطدم بسقف الحجارة المرصوص بعناية تحت قدميه ، اضطرب قلبه من الفرح ، آمن بما يقوله ذلك الرجل ، وأقسم بأنه عالم وأنه انسان صالح ، كانت أفكاره تتضارب وهو يزيح التراب عن ذلك السقف الحجري ، كانت أمنياته تكبر وتكبر كلما أزاح صخرة من تلك الصخور المرصوصة ، وعندما اقتلع السقف بأكمله، وعلى ضوء قنديله انفتح المكان على قبر يتمدد فيه هيكل عظمي، وقد ظهرت تفاصيل أطرافه وجمجمته، فصرخ الرجل صرخة عظيمة، وركض غائبا بين الجبال.

زهران القاسمي

 

أعلى


 

لم يكن قطاً !!

.... عقارب الساعة تشير إلى الثانية والنصف صباحاً، ولا شيء يدل على الحياة في هذه الناحية المكتظة بالأشجار اليابسة من قريتنا، سوى أضواء مركبة ألمانية قانية اللون من طراز (مرسيدس) تشتت خيوط الظلام في الأفق، وتتجه مسرعة نحو مركز القرية:
خالد: إذن .. قررت أن تتزوج وتترك حياة العزاب يا صاحبي؟
سامي وهو يقود المركبة: نعم والحمد لله، لا بد أن يأتي يوم وتفكر أنت بالاستقرار أيضا ! .
خالد: لا أظن ذلك، فأنت تعلم أن الزواج ومستلزماته يتطلب(محفظة نقود ممتلئة في مجتمعنا المعاصر) !!
سامي: العزيمة والإصرار فوق كل شيء ..
خالد: العزيمة والإصرار !! ( لا تساوي شيئاً في مجتمع أصبح يتكئ على أحلام المادة)، يبدو لي إن الزواج هنا هو إعلان عن حالة إحباط مبكرة، يفاجأ بها معظم الشباب الكادحين من أجل اللقمة أمثالي ....
كان الحديث مستمراً بين الصديقين، عندما شاهدا على حافة الطريق أمامهما رجلاً تُميزه الملابس البيضاء عن حلكة المكان، حاملاً في إحدى يديه كيساً داكناً، ويشير للمركبة القادمة بيده الأخرى طالباً منها الوقوف، في الوقت الذي زاد فيه سامي من سرعة المركبة:
خالد: لماذا لم تقف ؟!
سامي: ألم تسمع عن الحوادث التي وقعت ..... /
يقاطعه خالد: انتبــــه !!
يضغط سامي على الفرامل بقوة، ليخترق صوت الإطارات المرتفع هدوء الظلام
... بعد ذلك يهرع الاثنان إلى الخارج في فزع وذهول، واللون الأحمر قد انتشر على معظم أجزاء المركبة الأمامية!
لحظة من السكون تنتاب الصديقين بعد صاعقة الارتطام .......
خالد: يا إلهي ... لا يتحرك ... إنه ميت ... لقد مات !!
سامي وهو يجمع ما تبقى حوله من هواء بنفس طويل: لم أره إلا في اللحظة الأخيرة صدقني!
خالد: ولكن،، كان بالإمكان أن تتفاداه، وتغير المسار إلى حافة الطريق!
سامي: هذا يعني أن تتسخ مركبتي بالغبار، مقابل بقاء هذا القط الضال على قيد الحياة !!

بعد ثلاثة أسابيع :

سبعة أيام فقط ويكون سامي بين قضبان الحياة الذهبية كما هو متفق عليه، غير أن حالة الإغماء التي تعرض لها الليلة الماضية، جعلت والده يلح عليه، طالباً منه الذهاب إلى الطبيب:
أبو سامي: لم يتبق على حفل الزفاف إلا القليل يا بني، لا بد من ذهابك إلى المستشفى ...
سامي: ولكنني بخير يا أبي، وكل ما حدث البارحة لم يكن سوى إرهاق بسيط .
أبو سامي: أعرف ذلك، ولكن لا بأس من الاطمئنان عليك.
سامي: صدقني يا ........ \
يسقط سامي مجدداً أمام أبيه، ويسارع الجميع في نقله للمستشفى .
عند الطبيب :
بدأ أبو سامي يتأمل في حيطان مستشفى المدينة الحديث، مترائياً أمام عينيه سرباً من الأطباء حاملين له غصن الطمأنينة، إلى أن ظهر الطبيب من القاعة التي أحسها أبو سامي تبعد عنه بمسافات لا منتهية:
أبو سامي وهو يقاتل من أجل ترتيب الكلام في رأسه: بشرني يا ( دكتور) ، كيف هو حال ابني؟
الطبيب: بعد إطلاعي على الفحوصات، تبين لي أن سامي لا يعاني من شيء !!، وبإمكانه المغادرة الآن .
كانت الأسئلة تنزاح في مخيلة أبو سامي منذ أن خرج من المستشفى، الصمت يخيم على سامي ووالده وهما عائدان إلى البيت:
أبو سامي: ما رأيك يا سامي أن تذهب إلى الحاج مبارك؟
سامي: ومن هو هذا الشخص يا أبي ؟!
أبو سامي: الحاج مبارك يا بني هو أحد الصالحين الذين وهبهم الله المقدرة على معالجة الناس، واستخراج حالات اللبس بالجن.
سامي: ما هذا يا أبي، ما زالت هذه العادات والأفكار الجاهلة تراودك !!
أبو سامي: ولكن يا بني، هكذا كان آباؤنا يعالجون أنفسهم .
سامي : آسف يا أبي ، ولكن الذهاب لتلك الأماكن شيءٌ مستحيل بالنسبة لي .....
/

مرور سنة بعد حفل الزفاف :

شيءٌ ما يحدث في غرفة العمليات التي أدخلت إليها زوجة سامي عند منتصف الليل، بعد أن تراشقت حيطان المستشفى صراخ الممرضات إثر سقوط إحداهن مغشياً عليها، بدأت أحلام باب غرفة العمليات تراود سامي عندما شاهد الظل يقترب من النافذة شبه المعتمة، كانت حشرجة الطبيب القادم مثل الغصة التي تتسمر باستقامة في الحلق:
سامي وهو يجمع ما تبقى في داخله: خير يا (دكتور)، هل أصاب زوجتي أي مكروه؟؟
الطبيب وهو عاجزٌ عن تركيب الكلمات: انتظر ... انتـ ..
يقاطعه سامي بصرخة: مــاذا هناك تكلم ؟؟؟؟
الطبيب: المولود يحمل جسد إنسان، ورأس .... (قط) !!!!

علي بن يوسف الأنصاري *
* قاص عماني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept