|

مبتدأ
يشكل الفعل النقدي
ضرورة قصوى، وحاجة أساسية في منظور العمل الثقافي والإبداعي بشتى صوره
وأصنافه، سواء كان في الشعر أو السرد أو الرسم أو التصوير أو المسرح
أو الموسيقى...الخ. وانطلاقا من ذلك يؤكد المصور سعود البحري في حواره
مع (أشرعة) على أهمية النقد في مجال التصوير الضوئي كنسق إبداعي جمالي
هام. إذ يؤكد البحري أن غياب النقد أفقدنا القدرة على التجديد، كما
يسجل البحري نقطة هامة حين يتساءل عن غياب الندوات والمحاضرات الفكرية
التي تتناول المشهد الفوتوغرافي بالسلطنة.
وفي ذات السياق تطرح الكاتبة عزة القصابي قضية بالغة الحساسية في المجال
الإبداعي كذلك في مقال لها حول الرقابة على المسرح وضوابطها واشتراطاتها
وحدودها، من أجل فهم سليم للإبداع وقيمه الأصيلة.
الأديب عبدالله حبيب يأخذنا في تطوافه الأسبوعي عبر عوالمه الخاصة،
التي يستدرج من خلالها طيوف العزلة، وأشباح العوالم النائية، وذكريات
الأمكنة القصية، وصعلكات المدن، والحفلات الفجائعية.
وليس بمنأى عن الطقوس والتأملات والأسئلة، يواصل الدكتور حمود الدغيشي
رحلته المهولة في ذاكرة الشعر الجاهلي، وأساطير الأمم الغابرة، ليرسم
طقوس الموت عند المرأة الجاهلية، وفقا لما رصده من الكتابات والأشعار
والأساطير وتراث الأزمنة الغابرة.
المعماري العربي الدكتور وليد أحمد السيد يقدم من جهته قراءات عميقة
في نشأة وتطور المدن تاريخيا ووجهة المدينة الحديثة ومشكلاتها، حيث
يذهب إلى أن معظم المدن العالمية اليوم اعتمدت على المناطق المجاورة
وعظمت أهميتها بأهمية النظام العسكري القاهر الذي بسط سيطرته على مناطق
شاسعة من العالم، مشيرا إلى أنه تتراكم اليوم تساؤلات حول مصير العالم
في ظل تنامي أعداد سكان المدن على حساب الأرياف, بازدياد متسارع مقلق.
وفي لفتة أخوية وإنسانية طيبة يكتب الزميل عبد الستار خليف عن الشاعر
مبارك العامري، الذي ألمت به مؤخرا حالة صحية طارئة ما زال يعاني منها،
حيث يسرد عبدالستار خليف ذكرياته البعيدة مع العامري، وهي ذكريات لا
تخلو من العمق والمعلومة والثراء المعرفي.
إلى جانب ذلك يتضمن هذا العدد من أشرعة الكثير من المواضيع والمقالات
والرؤى المختلفة.
المحرر
أعلى
رعشة الشرق!
... سالت مزاريب السيل ... لم يعد في سكة الوادي
اتساع. الحدقات بين الخليج وجبل الكرمل وصوت السياب لا يزال نديا،
يهب والجواهري الحياة لأرض زج بها مجانينها بعد أن تفردوا بها في زمن
مسروق من عقلائها...وحلم الخارطة مال على نخله الممتد أفقيا وابتهالا
للسماء. وحلم الخارطة يهب الاتساع للديموقراطية الوحيدة.
فجر أم مساء أكثر كآبة على المشارف؟
كل الدروب في عينيه كأنها لا فرق.
وميض أمام عينيه يتراءى يومض بالنار وبالنور.
***
عله .. ربما .. لكن ..طه حسين عاد من باريس مبهورا
.. والرمة البيضاء قطعت شوطا من نهاية النيل حتى سوق الحميدية. مر
زهاء الأربعون عاما منذ حاك نجيب محفوظ ( ثرثرة فوق النيل).
عله...
ربما...
لكن...
***
بخطى متعثرة .. في شارع (أجورلد رود) تمر وجوه
تبحلق في اللاشيء. تكاثرت هذه الوجوه خلال عقود ماضية فألبسوه اسمهم
أو ربما ألبسه الآخرون ذلك الاسم .
يسير منشغلا في قراءة المكان والوجوه حتى استفاق على يد تقبض على ساعده
عشر من هناك وكلمة منه العشر من الأول والكلمة من الثاني.
يحاول الانزواء به مصرا على أنه سبق وأن رآه قبل هذا اليوم. لكن أين
لا يذكر! وحينما أدرك المبتغى واصل الخطى، بيد أن خطاه سايرته ورأسه
شمال ويمين والقلق في عينيه لا يداري.
هات من الآخر ربي يخليك.
الحقيقة...
وهل تلم بالحقيقة؟
- الحقيقة إنني ...
* أنك تعرف حقيقة الخارطة.
- أية خارطة؟!
خارطتهم الجديدة التي تتجاوز غزة!
بان سقوط الدهشة على عينيه القلقتين وأدبر سريعا وكأن لسانه الذي امتهن
اللعب على العقول يردد من غير أن ينطق:
وقعت على شخص غريب العقل هذه المرة!!.
خليفة بن سلطان العبري*
* قاص عماني
أعلى
تاريخيات
الغزو البرتغالي لهرمز
تعتبر هرمز من الممالك العربية التي حققت شهرة
واسعة لاسيما في النواحي التجارية والاقتصادية، مما جعلها أنظار الدول
الاستعمارية الكبرى التي تنافست فيما بينها للسيطرة على هذه الجزيرة
التي حظيت بأهمية استراتيجية جغرافية وتجارية وعسكرية في منطقة الخليج.
ومنذ القدم برزت أهمية هذه المدينة، نظرا لوقوعها على المضيق الذي
يربط خليج عمان والخليج العربي، وتحكمها في مدخل الخليج، فكانت محطة
تجارية للطرق العالمية بين الشرق والغرب، حيث كانت مركز عبور البضائع
الأوروبية إلى منطقة الخليج وبلاد فارس والعراق والسند، وأيضا مركز
تجميع بضائع تلك المناطق إلى الموانئ الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط.
كما احتفظت هذه المدينة بعلاقات تجارية قوية مع شرقي أفريقيا التي
كانت مصدرا هاما للمواد الخام، واستطاعت أن تبسط نفوذها على أجزاء
مترامية من سواحل الخليج العربي، وشملت مناطق واسعة من عمان والبحرين
والقطيف، وضمت قسما كبيرا من الساحل الشرقي ووصلت حدودها حتى مشارف
عدن.
وكان سكان هرمز يعيشون على مستوى عال من الرفاهية والثراء، وبلغ عددهم
أكثر من أربعين ألف نسمة، وهو رقم كبير في تلك الفترة، مما يعكس أهمية
هذه المدينة وقيمتها التجارية والاقتصادية.
تأسست مملكة هرمز في القرن العاشر الميلادي على يد طوران شاه، ومنذ
تأسيسها أخذت تواصل نموها الاقتصادي، وتمكنت من منافسة أقوى المراكز
والموانئ التجارية في منطقة الخليج، حتى تمكنت من إزاحتها، ووصلت أوجها
في القرنين الخامس والسادس عشر الميلاديين، وانفردت بالسيطرة السياسية
والتجارية في منطقة الخليج.
نتيجة لذلك كانت مملكة هرمز محط أطماع القوى الاستعمارية الكبرى في
العالم في ذلك الوقت، وأبرزهم البرتغاليون الذين حرصوا على غزوها للاستفادة
من ثرواتها وموقعها الاستراتيجي، خاصة بعد نجاحهم بقيادة البوكيرك
في السيطرة على مدن الساحل العماني.
وفي عام 1507م، توجه الأسطول البرتغالي لمهاجمة هرمز التي كان يتواجد
فيها آنذاك مايقارب 30 ألف مقاتل في أهبة الاستعداد للدفاع عنها، وكان
يرسو في مينائها 400 سفينة، وعدد من القوارب المحملة بالمدافع الصغيرة.
وفي بداية الأمر واجه البوكيرك حركة تمرد في صفوف جيشه الذين امتنعوا
عن دخول المدينة، غير أنه تمكن من إخمادها، ومن ثم حاول مفاوضة سيف
الدين ملك هرمز ووزيره خوجة عطار لتسليم المدينة، وعندما فشلت المفاوضات
دارت معركة بحرية كبيرة حاول خلالها سكان المدينة المقاومة والصمود،
غير أنه في النهاية أسفرت عن انتصار البرتغاليين واحتلالهم المدينة.
وفي سبتمبر 1507م وقع اتفاق بين الطرفين، تعهد خلاله ملك هرمز بدفع
ضريبة سنوية قدرها 15 ألف دينار وإعفاء البضائع البرتغالية من الرسوم
والجمارك وعدم السماح للسفن المحلية بممارسة نشاطها التجاري في مياه
الخليج إلا بتصريح خاص من البرتغاليين، بالإضافة إلى الموافقة على
بناء قلعة برتغالية في المدينة.
وقد استفاد البرتغاليون من موقع هرمز الاستراتيجي، واتخذوها مركزا
للعمليات البرتغالية وازدهرت تجارتهم مع موانئ الخليج، ولكن نتيجة
التعنت البرتغالي والمبالغة في القيود والضرائب التي كانوا يفرضونها
على الجزيرة، أدى إلى تدهور تجارتها وانخفاضها بشكل مستمر طيلة القرن
السادس عشر الميلادي.
وظلت هرمز تحت السيطرة البرتغالية منذ احتلالهم لها عام 1508م وحتى
عام 1622م، عندما تمكن الفرس والانجليز من تشكيل تحالف قوي أطاح بالوجود
البرتغالي واضمحلاله في منطقة الخليج، وطردهم فيما بعد بشكل نهائي
على أيدي العمانيين بقيادة الإمامين ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف، اللذين
تمكنا من إنهاء الوجود البرتغالي في منطقة الخليج العربي.
محمد بن حمد الشعيلي*
*أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
alshaili@hotmail.com
أعلى
بِزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْ:
عن احتفال ونقائضه
--1--
بعض ما لم يبلغ فيَّ ليس طفلاً بعد.
--2--
شَعرها شُقْرَةُ الرَّابية؛ وجهها بصيرة البدر؛
عيناها بريق الخنجر؛ لُعابها خمر الوجوم؛ أناملها فَرْوُ الغيوم؛ نهداها
رعشة الورد: لثغة الرَّاء الرقطاء التي تلفظها حين تقرأ شِعراً.
--3--
حليبٌ يتدفقُ من سوادٍ على سواد. والقطُّ يلعق
الفيض من العَدَم.
--4--
أنا خارجُ ما أنا فيه (مثل الشمس والظِّل).
--5--
في النهاية، ليس الانتحار سبباً مهيباً لإنهاء
الحياة ـ ليس ثمة جلال في الانتحار، ليس ثمة علو أو استشرافات أعلى،
ليس ثمة صعود أو تصاعد، على ما أعتقد (أو ما صرت أعتقد الآن).
المهم، في الأمر كله، أن الحياة تتقلص إلى بساطة ركيكة يصعب الاستمرار
معها، ومن هنا تأتي فكرة الانتحار بدون أن تكلف نفسها عناء المقارنات
والمفاضلات. بمعنى أن الانتحار يصبح فعلاً شبيهاً بفعل تعبئة خزان
السيارة بالوقود إلى رحلة أخرى، لكن سيتضح بعد قليل انها رحلة أقل
رتابة، وأقل ركاكة.
فقط، فقط.
--6--
عدم القدرة على استيعاب أي شيء في العالم في
الصباح، في كل صباح.
--7--
لا أريد الليل، ولا أريد النهار. لا أريد الشمس،
ولا أريد القمر. لا أريد النجوم ولا ما وراء النجوم. لا أريد النهر،
ولا أريد الطحالب. لا أريد اللحظة التي انكشف فيها الوجود حين تمتَّع
إنسان بالنظر إلى فَراشة. لا أريد الفراشة حين طارت بعيداً عن الحديد.
لا أريد ارتعاش العشب حين تحطُّ عليه الحشرات، ولا أحب مشهد الحشرات
على شاشة الحاسوب. لا أريد الوردة الحمراء الموشومة على أسفل ظهرها،
ولا أريد الجذر الأخضر الذي يوصِل إلى القماش الأسود. لا أريد المطر،
ولا الحنان، ولا المدفأة، ولا الحنين.
أريد مَغَبَّةً مُمْتِعَةً يصل شَعرها اللامع في الغيبوبة حتى أظلاف
النجوم المجنونة طوال الليل الذي يعوي مثل حديقةٍ بين فَكَّي بلدوزر.
أريدها كما الصباح.
أريدها حتى الصباح.
أريدها أن تقبض بيديها جيداً على حافة الليل، وأريد أن تعينني على
القبض بها فيما ننظر إلى العدم الممتد على ظهورنا مثل عَرَق الصُّخور.
أريد أن نبكي في الألم الذي يأخذ جسدينا إلى ضبابٍ لعلَّه الروح. لن
أريد اسمها، ولن تريد اسمي. لن أريد وجهها، ولن تريد وجهي. أريد أن
نصيح ونصيح، نصرخ، ثم نصرخ، ثم نبكي.
هذا ما أريد الليلة، حيث، قبل أكثر من ثلاثين سنة، اعتلى حمارٌ ظهر
حمارةٍ، وكان الطفل ينظر إليهما بعينين دامعتين في الهواء المغلي بعظام
أسماك "العُوْمَةِ" المجفَّفَة على التراب الهشِّ، ورائحة
كلب نافق منذ أيام تتدفق في الجوار.
--8--
واأسفاه، وفي كل المدن، في كل البلدان، وفي نهاية
المطاف، ينتهي المرء إلى ظُلمةٍ غزيرة في غرفةٍ صغيرةٍ على حافَّة
البركان.
--9--
أيقِظ ذاكرتي الشخصيَّة، والجماليَّة، والمعرفيَّة
ـ استفِزَّها إن شئت، واستفزَّ ذاكرة الوجود، والتاريخ، أو جِدْ ذاكرة
جديدة لهما ولي. بهذا تكون إذاً خلقتَ عملاً فنيَّاً أحبُّه.
تستطيع دوماً أن لا تأبه بي، وفي وسعي أبداً أن آبه بغيرك.
--10--
لا شيء من نصوص "حَدِّ الشَّوْفِ"
لِسالم آل تويَّه، ولا بعضاً من نصوص "لكنك أنت يا آدم"
لمحمد المزروعي، ولا مقاطع من السيمفونيَّة الريفيَّة (الثالثة) لبيتهوفن،
ولا شيء من مقالات قاسم حدَّاد في "نقد الأمل"، ولا صوراً
من فيلم "حنين" لتاركوفسكي، ولا واحدة من أنثولوجيا "قصائد
حُب" الإسبانيَّة، ولا التحديق في سماء يراها وحده ولوحده.. سماء
تركض في الليل، ولا كثير من التبغ، والكحول، والمهدِّئات، ومُرْخيات
الأعصاب يجعله يقتنع أن عليه أن يكون مستيقظاً في الرابعة صباحاً حين
لا يريد أن يكون مستيقظاً في الرابعة صباحاً.
ولهذا فإن نومه في السادسة صباحاً أدَّى إلى تأخره في الاستيقاظ، وبذلك
فقد فاتته الطائرة المُقْلِعَةُ من مطار جلفار الدولي في رأس الخيمة
التي كان قد ابتاع تذكرة لأحد مقاعدها من أجل السَّفر إلى باريس للقاء
أحمد بن ماجد في صالة سينما هناك.
كم هو حزين لإخفاقه في تحقيق ذلك اللقاء
--11--
النجوم كثيرةٌ ومتشابهة وتبدو متجاورة، لكن القمر
وحيد وفريد كالمرأة التي يتوهَّجُ قبرها على تِلال الذاكرة البعيدة.
--12--
إنما سُمِّيت النَّظريَّة "نَظَريَّة"
لأنه يتحتَّم دوماً إعادة "النظر" فيها.
--13--
الصحراء ليست جرداء في مُخَطَّطات الجَرَاد.
--14--
فلنجرِّب هذه المرَّة أخذ الحكمة من أفواه العقلاء.
--15--
في مكان ما يقول فاسبندر ان "الوِحدةَ تجعلنا
نكذِب". لكن بأي معنى؟. على أنفسنا؟.
--16--
عملت اليوم كثيراً باختياري وسهواً. كان الثاني
أكثر انتاجيَّة.
--17--
عثرت الليلة مصادفةً في أحد المغلفات على صورة
فوتوغرافيَّة صغيرة لكافكا على بطاقة بريديَّة أرسلها إليَّ صديقٌ
من نيويورك أرسلها إليه بدوره صديقٌ من باريس. كنت أثبِّت تلك الصورة
إلى الجدار قرب طاولة الكتابة منذ سنوات ومدن (سان دييغو، مسقط، لوس
أنجلوس، أوستن). وكنت قد انتزعت هذه الصورة من آخر أمكنتها في أسفاري
وانتقالاتي الصغيرة ووضعتها اعتباطاً في أحد المغلفات لدى الانتقال
إلى هذه الشقة، ثم نسيتها تماماً حين علَّقت إلى الجدار قرب طاولة
الكتابة صورة كبيرة لمالكُم إكس.
هل عليَّ الليلة أن أثبِّت صورة كافكا إلى جوار صورة مالكُم إكس؟.
أهما تعبيران عن الشيئ نفسه؟.
لم أحسم الأمر بعد.
--18--
الحب يحدث لمرة واحدة فقط. إن حدث الحب بعد ذلك
فإنه يحدث لمرة أخرى أو مرات أخريات.. فحسب، فحسب.
--19--
عدم ندمي على ما حدث البارحة هو كل الندم لبقية
العمر.
--20--
اللذان أغمضتهما عيونهم
قبَّلهما الليل على الطريق بين مدينتين
وفي الصباح لم يكن الليل موجودا
ولا هما
قد قتلهما الليل
ما قتلهما الليل
قتلهما الليل.
ـ21ـ
الإثنين، 20 فبراير 2000، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا.
المجد والعزَّة والخلود "إلى أن يشيب الغراب ويبلى التراب"
لِلِّصَّين اللذين سرقا تماثيل جوائز الأوسكار السينمائية ورمياها
قرب مجمع للنفايات. عليه، إذاً، أن يحتفل بحفل الأوسكار للمرة الأولى
(وربما الأخيرة) في حياته.
ضرب بمتطلبات نهاية الفصل الدراسي المُلِحَّة عرض الحائط، و... بِزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْزْ
إلى الحانة.
عبدالله حبيب*
* أديب عماني
أعلى
نظرة ميثولوجية
طقوس الموت عند المرأة في العصر الجاهلي (3 ـ 3)
تزعم العرب أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم
يزل مطيفا متصوّرا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشا
حُـمّـلت المرأة الجاهلية تبعات الفقد والفناء، وكانت في ممارستها
لهذه الطقوس المحرّك التحريضي للقوة الرجولية تجاه واجب الثأر المقدس
عند الجاهلية
طقس لـطـم الخـدود وخمـشها :
مارست المرأة الجاهلية هذا الطقس العنيف في موقف
الموت، فلطمت خدّها وخمشته، دلالة على حزنها. ولم يكن لطم الخدود والخمش
محصورا عند عرب الجاهلية فحسب، فقد مارسته الشعوب القديمة على الجثث
والقبور، على أنه طقس تكفيري ، من ذلك أن نساء روما كنّ يخمشن وجوههن
في الجنائز الرومانية حتى يقطر الدم؛ لأنهن يعتقدن أنه بهذه الطريقة
تسعد الأشباح بمنظر الدم المتدفق.ولعلها لاسترضاء الأشباح الغاضبة
للرجال المقتولين التي يفترض أنها كانت تؤذيهم وفي جزيرة " فتونا
" ، وهي إحدى جزر المحيط الهادي، يقوم أصدقاء الشخص المتوفى بقطع
وجوههم وصدورهم وأياديهم بالأصداف، وذلك تعبيرًا عن الحزن .
كما أن فتيان بيليو بونيز كانوا يجلدون أنفسهم على قبر بيلوبس حتى
يجري الدم على ظهورهم كإراقة للبطل الراحل .
وكان بين السكان الأصليين لأستراليا من يقوم بتقطيع نفسه حتى يقطر
الدم على جثة الميت أو على قبره. وتقطع البنات التي وصلت سن البلوغ
في مضيق توريس شحمات آذانهن كأحد مراسم الحداد، ويقطر الدم المتدفق
على أرجل الجثة علامةً على الحزن، وأيضا يقوم الشبـاب من كلا الجنسين
بتقطيع قطع من أجسادهم بصدفة حادّة ليسقط الدم على الجثة.
وقد ورد في العهد القديم مخاطبة موسى لقومه ومنعهم من خمش أجسامهم
لأجل ميت، مما يدل على أن طقس الخمش كان معروفا لديهم :
أنتم أولاد للرب إلهكم. لا تخمشوا أجسامكم ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم
لأجل ميت .
وفي سفر اللاويين أيضا :
لا يجعلوا قرعة في رؤوسهم ولا يحلقوا عوارض لحاهم ولا يجرحوا جراحة
في أجسادهم .
كما ورد في العهد الجديد صورة اللطم علامة على الحزن :
وكان الجميع يبكون عليها ويلطمون. فقال لا تبكوا. لم تمت لكنها نائمة
.
وأيضا :
وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللاتي كنّ يلطمن أيضا وينحن عليه
.
وفي إنجيل متى :
يقولون زمّرنا لكم فلم ترقصوا. نحنا لكم فلم تلطموا .
وظهرت صورة اللطم في العهد القديم علامة على الحزن والندم ، وبالمقابل
كان اللطم طقسا تكفيريا لرفع غضب الرب:
من أجل ذلك تنطقوا بمسوح. الطموا لأنه لم يرتد حمو غضب الرب عنـّا.
ولعل اللطم والخمش عند العرب كان استرضاءً لروح القتيل أو الميت، إذ
تزعم العرب أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم
يزل مطيفا متصوّرا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشا. ويزعمون
أن الطائر يكون صغيرا وثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم، وهي أبدا تتوحش
وتصدح، وتوجد أبدا في الديار المعطـّلة والنواويس، وحيث مصارع القتلى
وأجداث الموتى.
وزعموا أن الإنسان إذا قـُتل ولم يطلب ثأره خرج من رأسه طائر يُسمـّى
الهامة، وصاح على قبره: اسقوني، اسقوني.
وقضية الروح التي تتحول إلى طائر ، معروفة عند الشعوب القديمة أيضا
، ويكفي أن نذكر أن سكان العراق القديم كانوا يعتقدون بالانفصال بين
الجسم والروح ، وأن الأرواح التي لا يـُقرّب لها وفق الشعائر المقررة
تكون قلقة وغير مستقرة في عالم ما بعد الموت ، وتعود بطريقة ما إلى
عالم الأحياء لإحداث الأذى بسكانه ، إذ تصبح شبحا وهو ما يعرف عندهم
بــ " الأطمو" .
يقول ذو الإصبع العدواني :
يا عَمْرُو إلا تدعْ شتمي ومنقصتي أضـْربْك حتى تقولَ الهامة ُاسْقـُوني
ولعل هذه السقيا هي تلك الدماء التي تنزفها المرأة
على الميت . وهي بقايا آثار عبادة الموتى عند العرب، فقد بلغ تقديس
الساميين لموتاهم وأسلافهم إلى حدّ دفنهم معهم في بيوتهم وسكناهم .
كما عـدّت الشعوب القديمة الجثث وبشكل مباشر، موضوعا للممارسات الدينية
والشعائرية، وبرز ذلك في التحنيط والدفن داخل الصخور الصلدة الجلمودية
في جنوب الجزيرة العربية وشمالها، والأردن وسوريا وفلسطين، فضلا عن
وضع الممتلكات حتى المجوهرات والمأكولات مع الموتى من الأسلاف .
وقد عظـّم بعض أهل الجاهلية قبور ساداتهم ورؤسائهم واتخذوها أضرحة
يزورونها ويتقربون إليها ويتبركون بها .... حتى صارت في منزلة المعابد
. وقد كانوا ينحرون إبلهم وخيولهم على القبور ... إعظاما للميت كما
كانوا يذبحون للأصنام .
ويرى جواد علي أن هذا النحر لا بـدّ أن يكون من الشعائر الدينية والعقائد
الجاهلية التي لها علاقة بالموت وباعتقادهم أن موت الإنسان لا يمثل
فناء تاما وإنما هو انتقال من حال إلى حال .
ومن هنا ظهرت هذه الممارسة في أشعار الجاهليين دليلا على استمرار هذا
الطقس حتى ما قبل الإسلام، فبرز في بكائهم ورثائهم، يقول لبيد بن ربيعة
في رثاء عمه أبي براء :
قـُوما تجُـوبان معَ الأنـْواح ِ
في مأتـَم ٍ مُهَجـَّرِ الـرَّواح ِ
يَخـْمـِشـْنَ حُرَّ اوْجُهٍ صِحَاح ِ
في السـُّلـْبِ السـُّودِ وفي الأمْسـاح ِ
وكثيرا ما يصادفنا هذا الطقس في رثاء الشعراء
الجاهليين، مصوّرين النساء وهُنّ يخمشن وجوههنّ على قتلى القبيلة.
على أن طقس اللطم والخدش إشارة بالمقابل إلى الهزيمة والانكسار، يقول
زيد الخيل مخاطبا كعب بن زهير، مصوّرا نساء قبيلة كعب وهُنّ يخمشن
وجوههنّ كلّ عامٍ دلالة على الهزائم المتلاحقة على هذه القبيلة :
أفي كلِّ عامٍ مَأتـَمٌ تـُجْمَعُونـَهُ على مِحْمَرٍ ثـَوَّبْتـُمـُوهُ
وما رضـَى
تـُجـِدُّونَ خَمْشـًا بعْدَ خَمْشٍ كأنّهُ على فاجِعٍ من خـَيْرِ
قـَوْمِكـُمُ نُعَى
أما الربيع بن زياد العبسي فيرى أن خمش النساء
وجوههنّ على مالك بن زهير دلالة على احترامه وتقديره، وهو يدعو الأعداء
لرؤية مدى تقدير مالك ومكانته بين قبيلته من خلال صورة النساء الخامشات،
يقول :
مَنْ كان مسرورًا بمقـْتل مالكٍ فلـْيأتِ نسوتـَنا بوَجهِ نـَهارِ
يَجدِ النساءَ حواسِرًا ينـْدُبْنـَهُ يضرِبْنَ أوْجَهـَهُنّ بالأسْحارِ
يخـْمِشـْنَ حُرَّ وجوهَهِنَّ على فتىً سَهْلِ الخليقةِ طيـِّبِ الأخـْبارِ
كما يصور لبيد بن ربيعة كثرة الباكين على الطفيل
بن مالك، ويصف نساء القبيلة وقد خمشن وجوههن حزنا على المصيبة، وتقديرا
للطفيل، يقول :
فلمْ أرَ يومـًا كان أكثرَ باكيـًا وحسناءَ قامتَ على طَرافٍ مُجَوَّرِ
تـَبُلُّ خـُموشَ الوجْهِ كُلُّ كريمةٍ عَوَانٍ وبـِكْرٍ تحتَ قـَرٍّ
مُخـَدَّرِ
أما الفـِنـْد الزِّمـَّاني فيصف نساء تغلب بعد
مقتل كليب، مصوّرا زوجة كليب بعد مقتله تخمش وجهها، تقول :
وَرَجَتْ تـَغـْلِبٌ تـُعيدُ كـُليـْبًا فأطحْنا سَرَاتـَهُمْ حيثُ
طـاحا
قدْ تركـْنا نساءَهُمْ مُعْوِلاتٍ مُعْلـِناتٍ مع البُكاءِ نـَوَاحَـا
بَقِيَتْ بعْدَهُ الجَليلـَة تبكي والخدودُ العَيـْطَاءُ تدعو لحَاحَا
وهو ما يؤكده المهلهل بن ربيعة حين يصف نساء
تغلب، وفد خمشن وجوههنّ بعد مقتل كليب، يقول :
يخـْمِشْنَ من أدَمِ الوجوهِ حَوَاسِرًا مِنْ بعْدِهِ ويَعِدْنَ بالأزْمانِ
ويصوّر عامر بن الطفيل نساء الأعداء بعد هزيمتهم،
وقد أريق دماء وجوههنّ من أثر الخمش، يقول :
وأرْدَفـْنا نساءَهُـمُ وجـِئـْنا وقد دَمِيَتْ من الخـَمْشِ الخـُدُودُ
أما سلامة بن جندل فيصف التضارب في الحرب والمقاتلة،
وخبرَ الفقد والفناء حين يصل إلى أم بُجير، على أن أم بجير ستمارس
طقس الخمش بمجرد وصول خبر مقتل عزيز عليها، يقول :
وأمُّ بُجَيْرٍ في تـَمارُسِ بينـِنـَا متى تأتـِها الأنباءُ تخْمـِشْ
وتحْـلق ِ
ويفتخر مُجمِّعُ بن هلال بقتله أحدهم في الحرب،
ويصور زوجته بعد فقدها زوجها وهي تخمش وجهها، يقول :
وكائنْ تركـْتُ من كريمةِ مَعْشَرٍ عليها الخـُمُوشُ ذاتَ حُزْن ٍ
تـَفـَجَّـعُ
وحين جاء الإسلام مُنعت هذه الطقوس جميعها، فقد
ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :
" ليس منـّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية "
.
طقس حلق الشـّعر وقرع الرأس والصـدر بالنـّعال
:
كان الناس في الجاهلية يسْـلــَوْن في آخر المصائب
إذا تقادمت. وقال الأعراب: المرأة إذا تسلـّت عندنا لبست شرّ ما تجد
من اللـَّبـُوس وحَلقتْ رأسَها، وانتعلت بنعليْـن، أو لم تنتعل، وليس
الضرب بالنعل على الوجه بشيء ، وإنما تلبس النـّعلين للزهد في الدنيا
وللحزن على حميمها. وكانوا في الجاهلية إذا بالغوا في الجزع حلقت النساء
رؤوسهن، ولطمن خدودهن بالنعال. وتأويل النعلين أن المرأة كانت إذا
أصيبت بحميم جعلت في يديها تصفـّق بهما وجهها وصدرها.
وحلق الشعر نذير بالشؤم، وقد فـُسِّر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم
: عَـقــْرَى حَلـْقـى .. ، كما ورد في تاج العروس، بأن تـَئـيمَ من
بعْـلِها، فـَتحْلقَ شَعْرَها. وقيل : مشؤومة مُؤذيـة. ويُقال عند
الأمر تعْجَبُ منه: خمْشى عَقـْرَى حَلــْقى، كأنـّه من الخـَمْش والحَلـْق.
وأُنـْشِدَ:
ألا قوْمي أ ُولـُو عَقـْرى وحَلـْقى بما لاقـَتْ سـَلامانُ بنُ غـَنـْم
ِ
أي: قومي أ ُولـُو نساءٍ قد عَقرْنَ وُجُوهَهُنّ فـَخـَدَشـْنَها،
وحلقـْنَ شـُعُورَهُنّ. وأورد صاحب التاج قول ابن جنـّي في تفسير:
" عقـْرى حلــْقى " ، وهو: الأصل فيه أن المرأة كانت إذا
أصيب لها كريمٌ حلقتْ رأسها، وأخذت نَعْـليْن تضرب بهما رأسها، وتعـْقِرُهُ
.
وفسّر الزبيدي البيت السابق بأن قومي هؤلاء قد بلغ بهم من البلاء ما
يبلـُغُ بالمرأة المعْقورةِ المحْلوقة، ومعناه أنهم صاروا إلى حال
النساء المعقورات المحلوقات .
ويُروى أن حُصَيـْبـًا الضـَّمْريَّ كان قد فرّ من وقعة يوم العريش،
فعَيـَّرتـْهُ النساء بالفرار، فقال يدعو على امرأة بأن يموت زوجها
فتحلق رأسها :
قالتْ خـُليـْدة ُ لمَّا جئـْتُ زائـرَها هذا حُصَيـْبٌ صحيحُ الجِلـْدِ
لم يـُصَبِ
ماذا لها حَلقـَتْ في أن تُخـَرِّقـَني بِـيضٌ مَطَارِدٌ قد زُيـِّنَّ
بالعـَقـَبِ
إلا أن حلق الشعر ظهر عند بعض الشعوب علامة على
التطهّر والعفاف، ، فقد كان كهنة معبد هرقل في قادس أيضا يمشون حفاة
الأقدام، حليقي الرأس يلتزمون بالعفاف .
وكان حلق الشعر عند بعض الشعوب القديمة يـُعدّ تطهـّرا من نجاسةٍ ما،
كما أورد فريزر أنه إذا رأى أحدا من الناس جثة شخص ذي علاقة به فإنه
يـُعـدُّ قـذرًا لمدّة ثلاثين يومًا ويجب عليه حلق رأسه.
كما يرد حلق الشعر دلالة على التطهّر في العهد القديم، ففي سفر اللاويين
:
فيغسل المتطهر ثيابه ويحلق كل شعره ويستحم بماء فيطهر ... .
وفي العهد الجديد، يظهر حلق الرأس قرينا بالتطهّر :
خذ هؤلاء وتطهّر معهم وانفق عليهم ليحلـقـوا رؤوسهم .
ولعل حلق شعر الرأس من النذور التي كان يمارسها بعضهم، وفي العهد الجديد
:
وأما بولس فلبث أيضا أياما كثيرة ثم ودّع الأخوة وسافر في البحر إلى
سورية ومعه بريسكلا واكليلا بعدما حلق رأسه في كنخزيا. لأنه كان عليه
نـذر .
ويبدو أن حلق المرأة رأسها عند بعضهم يـُعـدُّ قبيحـًا :
وأمـّا كلّ امرأة تصلـّي أو تـتـنـَبـَّـأ ورأسها غيرمُغـطـّى فتشين
رأسها لأنها والمحلوقة شيء واحد بعينه.
إلا أننا لا نعدم أن نجد بعض الشعوب كانت تقدم شعورها قربانا للميت،
على أنها شكل من أشكال عبادة الموتى، كما هي الحال في الاحتفال بذكرى
موت هيبوليتوس من خلال البكاء والترانيم الحزينة التي ترتلها العذارى،
وقد كان الشبـّان والفتيات يقدمون بعض خصلات من شعرهم للمعبد قبل زواجهم
.
أما قرع الصدر فيبدو أنه صورة من العقاب الذاتي للتخفيف النفسي، ومعاقبة
الذات هنا هو إكراهها على تحمـّل الآلام والمعاناة؛ عقابـًا على الخطيئة،
وهوشكل من أشكال التطهير الذاتي، وفي العهد الجديد تظهر صورة القرع
على الخطيئة :
وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء. بل قرع
على صدره اللهم ارحمني أنا الخاطئ .
وحلق شعر الرأس، أو جزّ الناصية، أو حلقها، أو حلق الضفيرتين، من التقاليد
القديمة، وكانوا يقومون بذلك إكراما وتعظيما لشأن الأرباب وعند الحج
إلى بيوت الآلهة، فيرمون بالشعر أمام الأصنام تعظيما لها ؛ لذلك كان
لحلق الشعر عند طلب الثأر أهمية خاصة في نظر الجاهليين ؛ لأن الشعر
في روع الأمم القديمة قوة وحياة ، فحلقه أو جزّ جزء منه يربط الميت
بالحي برابطة قوية . والدليل على ذلك أنهم كانوا يجزّون ناصية الأسير
للسيطرة على منطقة القوة فيه، ولتكون قوته في أيديهم عندما يطلقون
سراحه .
وعلى كل حال فقد ورد طقس الحلق والقرع عند العرب في أشعارهم، في قضية
الموت والفناء، ومن ذلك ما قاله لقيط بن زرارة حين طـُعن في يوم شعب
جبلة، يذكر ابنته دختنوس :
يا ليـْتَ شـِعري عنـْكِ دخْتنوسُ إذا أتاكِ الخبرُ المرْموسُ
أتحْـلـَقُ الـقـرونَ أم تميـسُ لا بل تميس إنـها عروسُ
فالشاعر لا يتمنى من ابنته أن تحلق شعرها على
موته جزعـًا أو حسرةً . وبالمقابل ينهى لبيد بن ربيعة ابنتيه عن حلق
شعرهما بعد موته؛ بتأثير الإسلام، يقول :
تمنـّى ابنتايَ أن يعيشَ أبوهُما وهل أنا إلا من ربيعةَ أو مُضـَرْ
ونـائحـتانِ تندُبـانِ بعـاقـلٍ أخا ثـقـةٍ لا عيْـنَ منهُ ولا أثـَرْ
فـقـُوما فقـُولا بالذي قد علمْتـُما ولا تخْمِشـا وجهـًا ولا تحْلـِقـا
شَعَرْ
وعند سلامة بن جندل في قوله :
وأمُّ بُجـَيْرٍ في تمارُسِ بيْنـِنـَا متى تأتـِها الأنباءُ تخـْمِشْ
وتَحْـلق ِ
كما ظهر طقس القرع بالنعال في أشعار الجاهلية،
كما هي الحال عند عمرو ذي الكلب، يقول مهدّدًا قبيلة بجلة بأن يجعل
نساءها تقرع رؤوسها وصدورها بالنعال، كناية عن هزيمتها :
وأبرَحُ في طَوَالِ الدَّهـْرِ حتـّى أقـيمَ نساءَ بَجـْلـة َ بالنـِّعـَال
ِ
وكذلك عند أبي ذؤيب الهذلي في رثاء مالك بن زهير، مصوّرًا بناته يقْرَعْنَ
صدورهنّ بالنعال، حزنا وحسرة عليه بعد مماته، يقول :
وقام بناتي بالنـّعالِ حواسِرًا فَـألصـَقـْنَ وَقْعَ السـِّبْـتِ
تحتَ القلائدِ
كما يصوِّر عبد مناف بن ربع الجُرَبيّ ابنتيه
وهما يمارسان طقس القرع بعد مماته، يقول :
ماذا يُغيرُ ابنتيْ رِبْعٍ عويلـُهـُما لا ترْقـُـدانِ ولا بـؤسَ لـمَنْ
رَقـَــدَا
إذا تَجَـرّدَ نَـوْحٌ قـامتـَا معَـهُ ضَرْبـًا أليمـًا بِسـِبـْتٍ
يَلـْعـَجُ الجِلْـدا
ونجد صورةً دراميـّة لـثـكـل الأمّ والطقوس التي
مارستها أبـّانَ سماع خبر موت ابنها، لتكتشف في نهاية الأمر أن خبر
موته غير صحيح، يصوّر ساعِدة بن جُؤية ذلك، قائلا :
وجاءَ خليلاهُ إليها كلاهُما يـُقـبّضُ دُموعاً غَرْبُهُنَّ سَجُومُ
فقالوا عَهِدْنا القَوْمَ قد حصِروا به فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثـَمَّ
لحيمُ
فَقَامَتْ بسِبْتٍ يَلْعَجُ الجِلْدَ وقْعُهُُ يُقَبِّـضُ أحشاء َ
الفؤادِ أليمُ
إذا أنـْـزفتْ من عبْرةٍ يَمّمَتـْهُمُ تسَائِلُهُمُ عن حِبـِّها وَتـلـُومََُ
فَـَبَيْنَا تَنُوحُ اِسْتَـبْشَرُوها بحِبِّها على حينِ أَنْ كُلّ
المَرام تَرومُ
فَـلـََمَّا اسْتَفَاقَتْ فَجَّـَتِ الناسَ دُونهُ وناشَتْ بأَطْرافِ
الرِّداءِ تَـعُـومُ
وخَرَّتْ تـليلاً للْيَـدين ونعـلـُها من الضَّرْبِ قْطَعاءُ القِبَالِ
خذيـمُ
هكذا كان أمر المرأة الجاهلية، َحُـمّـلت تبعات
الفقد والفناء فبكت وناحت، وشقت الجيب، وحسرت الرأس، وحلقته ، وقرعت
خدها وصدرها بالنعال، وكانت في ممارستها لهذه الطقوس المحرّك الاستفزازي
والتحريضي للقوة الرجولية تجاه واجب الثأر المقدس عند عرب الجاهلية
. وحين جاء الإسلام مُنِعت هذه الطقوس جميعها، فأعلنت الخنساء عن توقفها
عن ممارسة هذه الطقوس بتأثير الإسلام، تقول :
هَـريقي من دموعـِكِ واسْتفـيـقـي وصبرًا إنْ أطقـْتَ ولن تطيـقي
بـعـاقـبـةٍ فـإنّ الـصبرَ خـيـرٌ من النـّعْـليـْنِ والرّأسِ الحلـيقِ
رجع الباحث في هذا الموضوع إلى الكثير من المراجع،
إلا أننا بالاتفاق معه نتوقف عن نشرها بغية عدم الإثقال على القارئ.
د. حمود الدغيشي*
* أكاديمي عماني
أعلى
قراءات في نشأة وتطور المدن تاريخيا ووجهة المدينة
الحديثة ومشكلاتها
معظم المدن العالمية اليوم اعتمدت على المناطق المجاورة وعظمت أهميتها
بأهمية النظام العسكري القاهر الذي بسط سيطرته على مناطق شاسعة من
العالم
تتراكم اليوم تساؤلات حول مصير العالم في ظل تنامي أعداد سكان المدن
على حساب الأرياف, بازدياد متسارع مقلق
ارتبط نشوء المدن العظيمة التي عرفتها البشرية
بعاملين مهمين هما الموارد الطبيعية وأهمها التربة الزراعية الخصبة
والموقع الإستراتيجي المطل على خطوط التجارة. وكانت المدينة هي موئل
الحضارة وحاضنتها حيث ترعرعت ونشأت بها فنون الإنسانية وآدابها.
وبالرغم من أن التاريخ لا يكاد يعرف اليوم الذي قامت فيه أول مدينة,
إلا أن أريحا بفلسطين تظل من أقدمها بقيامها على الزراعة قبل 8000
عام, وحيث بدأت ظاهرة جمع الأحجار وتكويمها لإقامة "المأوى"
لتعلن نقطة التحول من مرحلة البداوة والتنقل وجمع الثمار إلى مرحلة
الاستقرار.
وقد عرف العالم القديم مجموعة من المدن العظيمة التي نشأت في بلاد
الرافدين حول نهري دجلة والفرات, كالحضارة الآشورية والسومرية. وكانت
مدن أور ونينوى وبابل من المدن الشهيرة التي وردت في الكتب السماوية
والعهد الجديد. وكان من أهمها روما "المدينة الخالدة" وأكبر
مدينة في العالم عام 100 للميلاد والتي وصفتها كتابات "فتروفيوس"
والتي اعاد اكتشافها المعماري ألبرتي (Leone Battista Alberti) ليعيد
تعريف مدينة العصور الوسطى بساحاتها عام 1453 ولمجابهة الطراز القوطي
الذي انتشر من شمال اوروبا.
وعرف العالم مدنا اشتهرت بالتجارة في العصور الوسطى وأهمها مدينة القسطنطينية
التي يعتبرها المؤرخون الوريث الشرعي لعظمة روما الرومانية, حيث تخاطبت
القسطنطينية من موقعها الإستراتيجي تجاريا مع الهند وافريقيا وحوض
البحر المتوسط وغرب أوروبا.
وتلتها مع نهاية حقبة العصور الوسطى مدينة البندقية "فينيسيا"
التي زاوجت البحر وترعرعت على التجارة مع الهند وفارس وشمال افريقيا.
ونتيجة لذلك أضحت منعمة بالثراء الفاحش وازدهرت كعاصمة للفنون والعلم
والموسيقى والأدب.
وفي العصور الحديثة نشأت وتطورت في أوروبا مجموعة من المدن المهمة
التي أخذت أهمية عالمية لموقعها الإستراتيجي على خطوط المواصلات العالمية
المفصلية, فضلا عن أهميتها المعنوية في رفد مظاهر الأدب والتراث حيث
نشأ وترعرع كبار المفكرين والأدباء والفنانين العالميين, كلندن وباريس.
ومعظم هذه المدن العالمية اليوم اعتمدت في مصاردها الطبيعية على المناطق
المجاورة وعظمت أهميتها بأهمية النظام العسكري القاهر الذي بسط سيطرته
ونفوذه على مناطق شاسعة من العالم. وفي هذه المدن ازدهرت حركة الملاحة
البحرية بتوسع الاستعمار وحدود الدولتين البريطانية والفرنسية.
ونتيجة لدور هذه المدن ووقوعها على خطوط المواصلات والتجارة من جهة
ووقوعها الإستراتيجي على شواطئ البحار والأنهار تم تطويرها كموانئ
ملاحة استراتيجية وعالمية بما يتضمنه الميناء من حركة بضائع وتخزينها
فضلا عن أعداد السفن التي تتقاطر إليها وترسو في موانئها. ومن هنا
فمع العام 1820 طورت بريطانيا نظاما فريدا للموانئ بوسعه تخزين أكثر
من 1400 سفينة تجارية.
وتتراكم اليوم أكثر من أي وقت مضى مجموعات من التساؤلات حول وجهة ومصير
العالم في ظل تنامي أعداد سكان المدن وظاهرة التمدن, على حساب الأرياف,
والتي تطرد بازدياد متسارع مقلق. فالتحضر أصبح ظاهرة عالمية منذ أكثر
من قرنين من الزمان. فالعالم في العام 1800 لم يعهد مدينة يصل عددها
المليون باستثناء مدينة واحدة هي لندن.
وبينما كان عدد سكان المدن المائة الكبرى في العالم قاطبة لا يزيد
على 20 مليون نسمة آنذاك, أصبح عدد سكان المائة مدينة كبرى مجتمعة
يزيد على 540 مليونا في العام 1990, أكثر من 220 مليونا منهم يتركز
في 20 من هذه المدن العالمية الكبرى مثل طوكيو التي يزيد عدد سكانها
على 30 مليونا اليوم, ومكسيكو سيتي 20 مليونا ونيويورك 10 ملايين.
وليس هذا فحسب, فهذه المدن الحديثة تشكل فقط 2% من مساحة سطح الكرة
الأرضية ومع ذلك تستنفد ثلاثة أرباع المصادر الطبيعية للأرض, وتطرح
نفس الكمية الهائلة من الفضلات ومخلفات الصناعات.
ومسألة العلاقة بين التجمعات البشرية والاستفادة من موارد الطبيعة
مسألة قديمة عملت على تقويض حضارات عظيمة سادت ثم بادت. فمثلا طورت
مجتمعات الحضارتين الآشورية والسومرية نظما عبر العصور للاستفادة من
البيئة الطبيعية ومكافحة فيضان الأنهار. بيد أن عدم قدرتها على الاستفادة
من فائض المياه بعد زراعة محاصيل القمح وبفعل التبخر أدى ذلك إلى ملوحة
التربة مما أجبر المزارعين على زراعة الشعير بدلا من القمح.
واليوم لا تزال تعاني تربة مواقع حضارة سومر من الملوحة حيث يرصد العراق
الملايين لمعادلة ملوحة التربة المتوارثة منذ قديم التاريخ ويعتمد
تبعا لذلك على 70% من احتياجاته الغذائية على الاستيراد.
وتشكل قضية علاقة المدينة الحديثة بالبيئة المحيطة أحد أبرز المشاكل
المعاصرة الآخذة بالاتساع. فمشاكل التلوث بأنواعه المعددة, وتناقص
الموارد الطبيعية بتزايد رقعة المدينة على حساب الأراضي الزراعية,
وتزايد طبقة الاوزون بالجو الناتج من غلاف سميك من (Carbon dioxide)
بات المتهم الرئيس في التغير المناخي المعروف (Global Warming), والمشكلات
الاجتماعية كالبحث عن العمل والجريمة وتغير مفاهيم الصحة الفردية وتدهورها
في المدينة, كلها من المتغيرات المستجدة التي تحتاج لبرامج المؤسسات
والحكومات على المديين القصير والطويل.
ومن أبرز المشكلات البيئية التي تطرحها مدن اليوم هي مشكلة التزايد
المستمر في درجة حرارة العالم أو ما يعرف "بالتسخين العالمي"
أو (Global Warmin).
ومعلوم أن المدينة تزيد درجة الحرارة بها عن التجمعات السكنية الكلاسيكية,
كالقرية والبلدة الصغيرة, لثلاثة عوامل رئيسة: الأول هو أن المدينة
كبيئة مبنية تحبس الحرارة وتخزنها عبر منشآتها وطرقاتها الأسفلتية
وجدرانها وأسقفها الإسمنتية ثم تعيد بثها في الجو المحيط. ثانيا فالمدن
هي مراكز استهلاك الطاقة, ومعدل استهلاك الفرد من الطاقة في دول العالم
المتقدمة للفرد الواحد يصل إلى 10 كيلو واط.
وتعمل المركبات ومصابيح الإنارة والأجهزة الكهربائية على رفع درجات
حرارة الجو المحيط بالمدينة, وحتى مكيفات الهواء ترفع من درجة حرارة
الجو فطبيعة عملها هي بث الهواء البارد داخل الأبنية وطرد الهواء الساخن
في الجو. وثالثا تطرح المدن غازات وملوثات في الجو مثل ثاني أكسيد
الكربون وثاني أكسيد النيتروجين الناتج من الوقود والتي تعمل على خلق
طبقات غازية تتراكم في الجو فوق المدن. وفي حال وقوع بعض المدن في
بيئات طبيعية محصورة بالجبال المحيطة تتشكل ما تعرف "بقبة الحرارة
الصناعية" فوق المدن والتي تحبس الهواء الحار وتصعب عملية التخلص
منه بشكل طبيعي شأن المدن الأخرى.
ومن أبرز المشكلات الأخرى التي تواجه مدن اليوم هي المصادر الطبيعية.
فقيام المدن أصلا قام تاريخيا بناء على مواقع استراتيجية شكلت العامل
الرئيس في اختيار مواقعها بالإضافة إلى ميزات وقوعها على خطوط التجارة
والمواصلات. ومن هنا بدأ يظهر مفهوم الرقعة الجغرافية "الفعلية"
للمدينة أو (Footprint) والتي تتجاوز مساحتها الجغرافية الظاهرية.
فالاقتصادي الكندي (William Rees) يعرف الرقعة الجغرافية الفعلية للمدينة
على أنها المساحة الفعلية اللازمة لاكتفاء المدينة بسكانها من المصادر
الطبيعية, وتمويل احتياجاتها من منتجات الأخشاب وكذلك المساحة اللازمة
لطرد غازات ثاني أكسيد الكربون التي تطرحها مخلفات الصناعة بها, والمساحات
الخضراء اللازمة لعمليات الأيض الطبيعي.
وبهذا التعريف البسيط, فإن مدينة مثل لندن يقطنها 12% من سكان بريطانيا
والتي تمتد لمساحة 170 ألف هكتار تستهلك ما يعادل "مساحة جغرافية
فعلية" هي 21 مليون هكتار أو 125 ضعف مساحتها الجغرافية الظاهرية.
وبكلمات أخرى يستلزمها مساحة بريطانيا الجغرافية كلها "كمساحة
فعلية" لتلبية احتياجاتها البيئية ومستلزماتها بحسب تعريف (Rees).
ومن هنا فمدينة روما قديما ازدهرت بقدرة الإمبراطورية الرومانية على
جلب مصادر الغذاء والرفاه أبعد بكثير من رقعة المدينة الجغرافية بتقليص
الغطاء النباتي الطبيعي المحيط والمناطق الزراعية مما أسهم لاحقا في
أفول نجمها مع تراجع قدرات الجيش الروماني على التوسع والإبقاء على
المصادر الطبيعية لرفد العاصمة الرومانية العظيمة.
ومن الأسئلة المهمة التي تطرح في فضاء التغيرات التي تضفيها المدينة
الحديثة على البيئة الطبيعية هي أسئلة التعددية البيولوجية وخطر الانقراض.
فالبيئة المحيطة تثبت أن بها تنوعا مذهلا لم يتمكن العلم الحديث من
سبر أكثر من السطح منه فقط. فملء قبضة اليد من التربة الطبيعية تحوي
أكثر من 2000 نوع من المخلوقات التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة
ولها قوانين الطبيعة في الدفاع ودورة الغذاء. وهذه المساحة المحدودة
من التربة تخفي عن أعيننا مما لا نرى أكثر من مليون مخلوق منها البكتيريا
كأحد أنواعها.
ومشكلة الانقراض تطرح أسئلة روحية في وجود الإنسان كخليفة وراع ومهيمن
على الكائنات المحيطة وبضرورة تسليمه للأمانة التي أؤتمن عليها كما
هي في أحسن الأحوال, وفي الخسائر التي يخسرها جنس البشر من فقد أنواع
عديدة من الكائنات التي تعمل على خلق توازن بيئي فريد. فالبكتيريا
التي تشكل معظم هذا الكون وتشكل أكثر من 90% من جسم الإنسان تقدم للبشر
خدمات مجانية جليلة, وهناك ما لا يعرفه العلم بعد من خدمات الكائنات
المحيطة التي يشكل فقدها كارثة. فالهواء والماء والتراب كلها تعمل
في خدمة الإنسان ومجانا.
ويعتقد أن هناك 5 موجات عاشها العالم من الانقراض للكائنات المحيطة
كل منها امتد عبر آلاف السنين. ولكن يعتقد أن الموجة السادسة هي أخطرها
إذ يعتقد أن السرعة هي عنوانها إذ أن هناك كائنات مهددة بالانقراض
في غضون 100 سنة فقط!
ويحتاج مفهوم "القرية العالمية" أو (Global Village) الذي
ابتدعه منظر تكنولوجيا المعلومات (Marshall McLuhan) مع مطلع الستينيات
إلى إعادة قراءة وتقييم. فالمفهوم أطلق ليعني أن العالم قد طويت المسافات
به بفضل وسائل التكنولوجيا الحديثة, حيث يمكن لنا في أي مكان أو مدينة
بهذا العالم أن نشاهد ما يفعله غيرنا وطرائق معيشتهم وثقافاتهم بشكل
تاريخي غير مسبوق. بيد أن هذا المفهوم يفتقد للدقة بحسب هذه النظرية,
فمفهوم القرية بالتعريف تعني مكان محدود حيث يعرف القاطنون بعضهم بعضا
بشكل مباشر ووثيق, وهذا ليس الحال البتة في عالم سريع يقطنه أكثر من
5.4 مليار نسمة. فالحال أكثر شبها براكب الحافلة الذي يمر عبر نوافذ
بيوت لا يعرف منها إلا ما يراه من غرف المعيشة بها وتظل غريبة ومجهولة
عنه. وهذا هو عالم اليوم بتوسع مفهوم "العالمية" (Globalisation).
ومن هنا ينزع البعض إلى دحض فكرة "القرية العالمية" واستبدالها
بمفهوم "المدينة العالمية" أو (Globalopolis) حيث تقل الروابط
الاجتماعية وتستبدل بعوامل المصلحة والتبادل التجاري المادي الذي يفرض
الحواجز على الروابط الاجتماعية ويقننها, وحيث تبرز مفاهيم سيطرة التكنولوجيا
ومظاهر المدنية ومشاكل المدن التي تتواصل تكنولوجيا فيما بينها بما
فيها من أوجه المنفعة والشبه, بخلاف مفهوم القرية التقليدي.
ومع تنامي ظاهرة العالمية مع مطلع الثمانينيات, بدأت تطفو على السطح
مقولات وأطروحات تمجد المحلية في مقابل العالمية, ولكن مع عدم إغفال
الأخيرة, كأطروحة "فكر عالميا ولكن تصرف محليا". والتي تعتبر
من أبرز ردود الفعل للمشكلات التي بدأت تجلبها المدينة الحديثة لساكنيها
مما لم تعهده التجمعات البشرية التقليدية. وللموضوع تتمة.
أريحا .. أقدم مدن العالم
روما .. خيلاء التاريخ
البندقية .. مدينة تجاور البحر والزمن
باريس .. عاصمة الجمال الفتية
د. وليد أحمد السيد*
sayedw03@yahoo.co.uk
* قارئ وباحث في فلسفة العمارة والتراث - لونارد ودار معمار لندن
أعلى
قصة قصيرة
لوحة هوى
هرباً من زحام المرارات، أخذتني المسافات إلى
وادٍ أخضر يرتدي نهرا يموج بخضرة مياه صافية، ويتفرع إلى سواقٍ صغيرة
تروي عطش الأرض، وهناك عند ضفته اللينة, شكوته وحدتي وأحلامي التي
تصادق المستحيل دائما، لكنه لم يستمع إليّ وظل يجري ويجري.
عسكرت فيّ وحدة معشقة بتأملات تتغلب على انكساراتها، ففردت أجنحة تعبي
وشجني الداكن، وبحثت عند الحقيقة وعند الخيال, عن وصل أو وصال، أو
مسرّة, أو لعبة تبعد أوجاع الروح.
ذاكرتي كانت تثرثر مع الفراغ وأنا أتهشم في واجهات الحسـرة حيناً,
وحيناً أقرأ رسائل شوق لا أدري لمن, فجأة سمعت دندنة أغنية حزينة تأتي
من خلف شجرة وارفة، أغنية التفت كلماتها وألحانها من حولي فترنمت بها,
تملكني شوق لمعرفة مصدر الصوت, فنهضت بهدوء واقتربت كالمسحور، بينما
أحاسيس متيمة بالخدر اللولبي تتلاطم في داخلي.
وآه من المفاجأة.. رأيت فتاة تسترخي فوق بساط أخضر، تفرد ضفائرها الطويلة،
ومن حولها مدىً من ندى, فتاة حبلى بالمحبة مفعمة بالسحر ولحن الناي،
لها نقاء ثلج فوق قمة جبل، ونكهة وطعم ولذة البرتقال والعنب والكرز،
زرعت نظراتي الجائعة فيها وهي تدندن وتهز رأسها يميناً ويسارا ً، فتفجر
نبع الإعجاب كاسحاً كل كياني وأنا أرى فيها جمال الياسمين ، وطيبة
الأم، وكبرياءً مغمساً بالشهد ، بدا لي الوادي جنة على الأرض لأنني
وجدت بعد طول انتظار أنيساً أو وليفاً، وبدأ نبضي يركض في المدى كالنهر.
لا أعرف إن كنت نائماً وأحلم، أم كنت واقفاً عند الأصيل بالقرب من
شجرة تتمدد تحتها بطة ممتلئة على شكل فتاة رائعة تشبه (كريمة) ولكن
من (كريمة) هذه التي أتحدث عنها ؟ هل هي الفتاة الأولى في الغياب؟
أم الفتاة الأولى الحاضرة في كل الأوقات؟
في واحدة من أكثر لحظات العمر عذوبة، تمنيت لو أضمها بين أقصى الصدر
وأعلى ومنتصف القلب، وبعد لأي اقتربت منها بخطوات هامسة على نعومة
العشب، ألقيت السلام وأنا تائه بين دروب الحب والإعجاب، فالتفتت إليّ
باندهاش، توقفت عن الغناء، وبعد نظرات حلوة من عينيها السوداوين ،
ابتسمت كقمر في ليلة صيفية، ومثل مهرة نهضت، وتركت نسيمات الهواء تغازل
خصلات شعرها، وقلبي يغازل كل ما فيها.
اجتاحتني حسرة الظمآن حين يرى ماءً بارداً، شعرت بأنها أعادت إليّ
الطفولة، ودون وعي مددت يدي نحوها، وكم كانت فرحتي كبيرة حينما صافحتني
وهي تزنرني بنظرات مليئة بالمعاني.
ـ كل الأشياء الجميلة تأتي لوحدها ودون ميعاد. قالت بصوت أشبه إلى
الهمس حين قلت:
ـ ياااااااه.. كيف كانت الدنيا قبل ربع ساعة وكيف أصبحت الآن؟
ظل وجهها شعاعاً يملأ الوادي، أجبرتني على أن أذيبها في عمري ليتجدد
وليزداد عنفواناً وجمالاً، فتجرأت أكثر وقرأت لها أول رسائل الحب،
وحين سقتني من حنانها قلت:
ـ كل مساحات قلبي صارت بلادك.
ـ هل تصدق أنني كنت انتظرك مع العلم أنني لم أرك من قبل؟
أذهلتني كلماتها، فتمددت في منعطفات جسدها, ومن شدة بهجتي لم يستطع
المكان أن يحتويني:
ـ ما رأيك لو نرسم أنت وأنا على أعشاب هذا الوادي وبكل ألوان الحب
لوحة لم ترسم في دفاتر العشاق من قبل.
قرأت في عينيّ كل الصدق وكل الحب وكل النجوى، فعادت إلى مكانها تحت
الشجرة، جلست ودعتني للجلوس إلى جانبها, شعرت بأن الدنيا بدأت تفتح
لها اتساع ذراعيها، فأرسـلت يدها الطرية ببطء إلى كفي الخصيب وهيأت
الألوان.
مع الدفء المتولد من الأصابع العشرة، تغيّر سلوك الدم فينا كلياً،
وتغيرت نظرتنا للحياة، وشيئاً فشيئاً صارت الشجرة غطاءً من غار، وصار
العشب سريراً وثيراً ومليئاً بالعطر المميز، والأحلام الكثيرة، وهسيس
الكلام، وزقزقات العصـافير، وألحان الناي، وندى المساء، وعبق الياسمين،
ودفء الهوى الذي لا يشبه الهوى.
بسام الطعان
bassamtaan@yahoo.com
أعلى
مصادر دراسة الأدب في عمان بين الأثر التاريخي
والمواضعات الحديثة (6)
التلوين في الأحكام لا يأتي من خلال دراسة نقدية متوازية وإنما من
خلال آراء وأحكام أكثرها شخصية
أكثر هذه الدراسات التي تناولت موضوعات الأدب العماني وشخصياته في
فترات تاريخية ماضية، كانت تقوم على طريقة تعريفية بحتة
تحاول هذه الدراسة استجلاء وكشف المصادر الأدبية
التاريخية والحديثة التي تقوم على دراسة الأدب في عمان أوتقدم مادة
أدبية معينة محدودة كانت أو واسعة ، ونحاول أن نقدم من خلال هذه الدراسة
ما أمكن تقديم تسجيلا لمعظم هذه المصادر مع محاولة دراسة وتحليل بعض
هذه المصادر التاريخية والحديثة.
وتنقسم مصادر دراسة الأدب في عمان إلى قسمين رئيسيين الأول هو كتب
التاريخ العماني والتي كتبت في فترات تاريخية ماضية ، والثاني هو كتب
الدراسات الأدبية الحديثة التي كتبت في عصر النهضة، وتنقسم الدراسات
الأدبية الحديثة إلى عدة أقسام وفروع .
ولهذا فإن هذه المصادر الحديثة تتنوع في تناولها وفي تصنيفاتها التخصصية
في أكثر من مجال وفرع ، وخاصة في مصادر الأدب الحديثة ، حيث تتعدد
فروع هذه الكتب لتشمل العديد من مجالات الأدب وفروعه ، فعلى سبيل المثال
من هذه الكتب ما يغطي مجالات الشعر و منها ما يغطي فنون القصة والقصة
القصيرة ، ومنها ما يوثق لسير الأدباء والشعراء القدامى والمعاصرين
، وتتناول بعض المصادر الأدبية الحديثة دراسة اتجاهات والعناصر الفنية
للشعر والقصة في عمان بشكل نقدي وتحليلي.
وسوف نقوم بعرض كل المصادر بداية حسب سنة الصدور ، ثم نختار بعضا منها
بالشرح والتحليل والتقويم ، وذلك لأهمية المادة الأدبية الواردة في
هذه المصادر مع بيان الاعتراضات التي أثيرت حول هذه الكتب
مصادر دراسة القصة والرواية في عمان
تعد تجربة كتابة القصة في عمان من التجارب الأدبية
الحديثة في عمان ، بحيث لا يتعدى عمر نشأتها العقدين من الزمان ، فلقد
نشرت أولى المجموعات القصصية عام 1983 ،( أي بعد قيام النهضة العمانية
عام 1970 ) ، وإن كانت قد سبقتها تجارب نشرت في الصحف المحلية والخليجية
منذ السبعينيات ، وكذلك قام الأديب العماني عبد الله الطائي بنشر قصصه
قبل قيام النهضة بفترات طويلة ، إلا أن هذه المحاولات لم تكن كافية
لتشكيل ملامح فن قصصي عماني .
أما التجارب الفعلية لكتابة القصة القصيرة والرواية في الظهور ، فقد
بدأت في الظهور منذ العام 1981 ، عندما أصدر أحمد البلال مجموعة "
سور المنايا ، وبعد ذلك بعامين صدرت مجموعتين قصصيتين هما " قلب
للبيع للشاعر محمود الخصيبي ، و"وأخرجت الأرض " للقاص أحمد
بلال ، ثم توالت صدور المجموعات القصصية تباعا.
وعلى الرغم من أن حركة السرد في عمان حركة آخذة في النمو والتطور ،
لكنها لم تظفر - فيما أعلم - بأية دراسات أكاديمية موثقة لا في جامعة
السلطان قابوس في عمان ولا في الجامعات العربية الأخرى . ما عدا ما
قدم من بحوث في بعض الندوات الثقافية التي أقيمت حول القصة القصيرة
في عمان ، والتي ذكرت سابقا ولكن هذه الدراسات لم تشمل كل مجالات ومحاور
القصة القصيرة ، كما أنها لم تشمل كل المجموعات القصصية العمانية .
وبما أن تجربة كتابة القصة القصيرة في عمان تعد من التجارب الأدبية
الحديثة فإنه لا يوجد كتب كثيرة مختصة بهذا الفن إلا كتاب واحد هو
في الأدب العماني الحديث ، يوسف الشاروني ، دار رياض الريس للكتب والنشر
لندن ، 1990. وحتى هذا الكتاب فإنه يقدم رؤية عامة عن الأدب العماني
ومن ضمن هذه الرؤية يقدم دراسة جزئية عن القصة القصيرة في عمان وإن
كانت الدراسات الخاصة بالقصة التي وردت في هذا الكتاب أكثر إذا ما
قورنت بالشعر، كون المؤلف في الأصل قصاصا لذلك كان شديد الميل لكتاب
القصة في عمان .
وحتى الدراسات التي قدمت عن القصة أكثرها دراسات قد أجريت في ندوات
سابقة، وهي ليست دراسات أكاديمية ويغلب عليها آراء كتابها الشخصية.
أي أن القصة القصيرة في عمان لم تحظ للآن بأية دراسات أكاديمية موثقة
.
وقد تنوعت الدراسات الخاصة بالقصة القصيرة في عمان بشكل كبير في السنوات
الماضية، ولكن هذه الدراسات لم تكن ذات رؤية نقدية موحدة ومتكاملة،
وإنما تنوعت مشاربها وأهدافها النقدية وطرق تعاملها مع القصص العمانية،
كما أنها تفاوتت في المستوى الفني والتناول النقدي .
وقد بلغت عدد هذه الدراسات حوالي خمسة عشر بحثا ودراسة ، ولكن ما نلاحظه
على مصادر القصة القصيرة في عمان أنها تعتمد على الدراسات الأدبية،
والتي تقدم في الندوات أكثر من اعتمادها على الكتب المتخصصة والدراسات
الأكاديمية وهو ما يمثل خللا واضحا في هذه المصادر وفي طرحها ، والسبب
الرئيسي في ذلك يعود بالدرجة الأولى لحداثة التجربة القصصية في عمان
، كما أن هذه البحوث في إطار توجهها البحثي تضمنت عددا من الأخطاء
التوثيقية والفنية التي ارتكبها الباحثون -بحسن أو بسوء نية - ويمكن
توصيف هذه الأخطاء بالمستويات الفنية التالية :عدم صحة التوثيق التاريخي
والفني والاجتزاء والاحتذاء وإصدار الآراء الفنية القاطعة والملونة
أحيانا ، وسوف نوضح ما نقصده بهذه المفاهيم الإجرائية:
عدم صحة التوثيق التاريخي: أي أن بعض الباحثين
لم يحاولوا التأكد من بعض المعلومات التي تخص تاريخ القصة القصيرة
في عمان وإنما ذكروها في دراستهم كما هي ، دون التوثق من صحة تلك المعلومات
، وقد أدى هذا إلى وجود بعض الأخطاء التاريخية في دراساتهم .
الاجتزاء : ويطبق هذا الاجتزاء على المجموعة
أو بعض القصص أو مقاطع من النص القصصي حيث يقوم بعض الباحثين اختيار
مجموعات معينة لدراستها أو قصص معينة من بين النتاج القصصي العماني
أو بتجزئة القصة الواحدة إلى مقاطع ودراسة الجزء دون المجموع وهذا
الاجتزاء يجعل القصة شبيهة بالذبيحة المقطعة الأوصال ويجعل الدراسة
النقدية شبيهة بمرقعة الدراويش ويمكن أن نطلق على هذا النوع من الدراسات
بالنقد بالتجزئة وهو شبيه أيضا بالبيع بالتجزئة .
الاحتذاء : وهو الاحتذاء الخاطئ بالباحثين الآخرين
وتكرار أخطائهم النقدية والفنية دون تمحيص أو تدقيق مما يجعل الباحث
مقلدا للآخرين أكثر منه باحثا يقدم أفكارا جديدة .
إصدار الآراء القاطعة أو الملونة : يطلق بعض
الباحثين أحكاما في غاية الحدة والقطع دون الاستناد إلى أدلة علمية
وبحثية صحيحة حول تلك الآراء ، كما يحاول بعض الباحثين أن يلون بعض
الأحكام لتصب في مصلحة بعض كتاب القصة العمانيين في سبيل تلميع هؤلاء
الكتاب وتعظيم كتاباتهم على حساب كتاب آخرين ، وهذا التلوين في الأحكام
لا يأتي من خلال دراسة نقدية متوازية وإنما من خلال آراء وأحكام أكثرها
شخصية وتجاملية.
رؤية ختامية
لقد مرت تجربة الكتابة الأدبية في عمان بنوعين
من المصادر الأولى هي التاريخية وهذه المصادر تعد أكثر صدقا في تسجيلها
للوقائع وللأحداث الأدبية وللنصوص الشعرية والأدبية وأكثر شفافية في
ذكر الشخصيات الأدبية وتسجيلا لآثارهم الأدبية والتاريخية،وفي إيضاح
معالم الفترات الأدبية التي عاش فيها الشعراء ومؤلفو تلك الكتب .
بينما نلاحظ على المواضعات الأدبية الحديثة أنها أكثر ميلا لفن على
حساب فن آخر ولتجربة أدبية على تجربة أدبية أخرى ، كما نلاحظ على أكثر
هذه المصادر والدراسات ميلها لدراسة الشخصيات والموضوعات التاريخية
أكثر من ميلها لدراسة الموضوعات الأدبية الحديثة ، وهذا ما يبعد عنها
صفة الحداثية ويضعها في سياق الدراسات التاريخية ، كما تتصف هذه الدراسات
بالمزج بين المراحل المختلفة للأدب العماني ، واتسمت بعض المصادر بتعميم
الأحكام ، ولم تراع التطور التاريخي والموضوعي لمراحل الأدب العماني
. كما يقوم بعض النقاد بإطلاق الأحكام المستنتجة في مرحلة ما على مختلف
المراحل الأخرى التي شملتها دراستهم .
ويبدو أن التأثر بالشخصيات التاريخية وبموضوعات الشعر التاريخية قد
طغى على الدراسات الحديثة ، فنجد أن معظم المصادر التي ألفت في العصر
الحديث تنحو إلى الموضوعات والشخصيات التاريخية ، وحتى الدراسات الأكاديمية
التي أجريت في جامعة السلطان قابوس وفي الجامعات العربية فإنها انحازت
إلى الموضوعات التاريخية إلا فيما ندر.
وأكثر هذه الدراسات التي تناولت دراسة موضوعات الأدب العماني وشخصياته
في فترات تاريخية ماضية، كانت تقوم على دراسة شخصيات الشعراء العمانيين
بطريقة تعريفية بحتة دون دراسة الطبيعة الفنية للأدب العماني نفسه
، ويمثل هذان اللونان من الدراسة مدخلا تاريخيا وتسجيليا للأدب والشعر
العماني القديم دون أن يضيفا بعدا فنيا أو أكاديميا جديدا إلى دراسة
الشعر العماني .
كما تعاني معظم هذه المصادر في الخلط في المناهج وعدم الدقة في تتبع
المناهج النقدية ، حيث أن بعض مؤلفي هذه المصادر خلطوا بين المفاهيم
والمصطلحات والمناهج ، وهذا يدل على عدم الدقة في معرفة هذه المصطلحات
والمناهج النقدية الحديثة ، وهنا أيضا ينبغي لمس العذر لمؤلفي هذه
المصادر والدراسات كون بعضها يعد من الدراسات الأدبية الأولى التي
تتناول هذه الموضوعات الأدبية القديمة كانت أم حديثة.
كما أن بعض هذه دراسات كانت قد قدمت في ندوات أدبية متخصصة ، ولهذا
فهي تقدم آراء الباحث الشخصية ومعلوماته الأدبية أكثر من كونها آراء
أكاديمية ، ونخص بهذا الدراسات التي كتبت بأيدي الوفادة العربية ،
وتتصف بعض الدراسات الأخرى التي عرضناها في هذا البحث ، بفقدانها شيئا
من المصداقية نتيجة تغلب أراء كتابها عليها، كما تغيب عن بعضها جملة
من الحقائق الخاصة بهذا الأدب.
د. شُـبّر بن شرف الموسوي
omanysweet@hotmail.com
أعلى
يحلم بمركز عماني للفنون
الفوتوغرافي سعود البحري لـ(أشرعة): غياب النقد
أفقدنا القدرة على التجديد
الحارة القديمة تجربة حياة نحتاج لفهمها قبل تصويرها
العالمية ليست مستحيلة
"بانورامك" تجربة مثيرة واختبار حقيقي أمام الجمهور
البعض لا يدرك أبجديات التصوير
أين الندوات والمحاضرات الفكرية التي تتناول المشهد الفوتوغرافي بالسلطنة
حاوره ـ إيهاب مباشر:
'' سعود بن سعيد بن علي البحري، انضم إلى نادي التصوير الضوئي بالجمعية
العمانية للفنون التشكيلية عام 1994، درس التصوير الضوئي عن طريق المراسلة
في إحدى الجامعات الأميركية، شارك في العديد من المعارض المحلية والدولية
بنادي التصوير الضوئي منذ عام 1995، حصل على الجائزة التقديرية في
المسابقة السنوية لنادي التصوير الضوئي عام 1995، كما حصل على الجائزة
الأولى في مسابقة مجلة الكويت عام 1996، وأقام معرضه الشخصي الأول
للصور الرقمية عام 2000 بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية، وله معرض
مشترك مع اثنين من أعضاء نادي التصوير الضوئي بالجمعية العمانية للفنون
التشكيلية تحت عنوان (الرقم جرافيا) 2003، حصل على الجائزة التقديرية
في مسابقة تصوير الفن المعماري بالجمعية العمانية للفنون التشكيلية
عام 2007 . آلة التصوير هي طفله الرضيع، فلا يذهب للنوم حتى يتأكد
أنها في المكان الآمن، وهي علاقة ـ على حد قوله ـ لا يعرفها إلا المصورون،
يحتاج أن يكون مع نفسه، فيحب رؤية الأشياء كما هي في الحقيقة، لا يرى
مشكلة في استخدام آلة التصوير الرقمي والحاسب الآلي لإنتاج صورة فوتوغرافية،
يرى أن المشهد الفوتوغرافي في السلطنة يحتاج إلى إقامة ندوات ومحاضرات
فكرية، يهتم بأعمال جميع المصورين العالميين، لأخذ المفيد من الفكرة
والمقدرة على الاستفادة من التقنيات، عمل في مشروعه الخاص بتصوير محافظة
مسقط بتقنية بانورامك، وكان حريصا على تنفيذ العمل بأجود ما يكون؛
لإظهار مسقط بما يليق بجمالها وبمكانتها المعروفة.. التقاه (أشرعة)
فكان حوارا عامرا بالحديث عن تجربته في عالم الفوتوغراف وما تولد من
فلسفة حوله، ورؤيته للمعارض الشخصية والجماعية وثقافة الصورة بالنسبة
للمتلقي والرسالة التي يود الفوتوغرافي إيصالها له، والمشهد الفوتوغرافي
بالسلطنة، وكيفية متابعته للمشهد الفوتوغرافي العالمي وترقبه لأهم
إصداراته .. فإلى تفاصيل الحوار .. ،،
* هل تحب الكاميرا؟
** آلة التصوير هي طفلي الرضيع، لا أذهب للنوم حتى أتأكد أنها في المكان
الآمن، وهذه العلاقة لا يعرفها إلا المصورون.
* الحضور القوي للصورة لديك يكون بألوانها أم بالأبيض والأسود؟
** هذا يعتمد على الموضوع أو المشروع المراد تصويره، بالتجربة والخبرة
يمكن أن أعرف إذا كان موضوعي قويا بالألوان أو بالأبيض والأسود.
* .. وكيف ترى الطبيعة من حولك؟
** عندما أحتاج أن أكون مع نفسي، أحب رؤية الأشياء كما في الحقيقة،
لأن آلة التصوير دائما تضيف أو تميز بعض الألوان خارج الطبيعة وهذه
ميزة يستخدمها الفوتوغرافيون، لجعل الناس يرون الأشياء بطريقة لا يستطيعون
رؤيتها في الواقع.
* ما الذي جذبك إلى هواية التصوير؟
** أعتقد أن الله سبحانه وتعالى وهب بعض الناس خيالا فنيا يساعدهم
في رؤية الأشياء الحقيقية بشكل مختلف، وأحيانا يمكنهم تخيل الأشياء
خارجا عن الواقع، وفي أغلب الأوقات يحبون إشراك الآخرين أحلامهم الفنية.
وهذا لا يتحقق إلا بوسيط لتسجيل ونقل ما كانوا يتخيلون ويشعرون. وقد
لجأ الإنسان منذ القدم إلى الرسم لتسجيل أفكاره ومشاعره، والتصوير
طريقة حديثة لتسجيل الأفكار والمشاعر. وأنا شخصيا ربما بسبب عدم إجادتي
مهارة الرسم والتلوين، اخترت آلة التصوير الفوتوغرافي لمساعدتي في
تسجيل شعوري وخيالي.
* ماذا تعد للبحث عن صورة محددة؟
** كل مشروع له موضوعه الخاص وأسلوبه التقني، لذلك عندما أخرج للتصوير
دائما أبحث على عناصر تتماشى مع الموضوع المخطط من قبل؛ لهذا لا أمتلك
عددا كبيرا من الأعمال في أرشيفي الفوتوغرافي.
* وماذا لو لم تجد ما تبحث عنه عند خروجك للتصوير؟
** إذا خرجت للتصوير ولم أجد ما أبحث عنه؛ أفضل الرجوع دون أي صورة،
على أن أصور أي شيء لمجرد التصوير فقط.
* .. وكيف تعمل على مشاريعك الخاصة بعالم التصوير الفوتوغرافي؟
** بداية كنت مثل العديد من المصورين، أصور أي شيء يقع أمامي وهذا
جيد للمصور المبتدئ؛ حتى يكتسب مهارات ويتعرف على تقنيات التصوير.
بعد اكتساب بعض الخبرات التقنية نحتاج أن نبحث ونقرأ عن المصورين المحترفين
حول العالم وكيف يعملون؛ ستجدهم دائما يعملون في مشاريع متكاملة، إما
في عنصر واحد أو عدة عناصر يتصل بينهم عنصر مشترك مثل الفكرة وتقنية
التصوير والمناظر أو الوجوه. وأنا بدأت الاتجاه إلى هذه الناحية من
معرض (البانورامك) وأعمل الآن على مشروع فوتوغرافي أتمنى أن يرى النور
في القريب العاجل.
* هل ترى اختلافا بين تصوير الحارة العمانية القديمة وتصوير المنظر
العام؟
** تصوير الحارة العمانية القديمة ليس كتصوير منظر عام، لأن الحارة
القديمة في أي مكان عبارة عن تجربة حياة، فقبل التصوير نحتاج إلى فهم
هذه التجربة. على حسب علمي أن هناك أحد الأخوة العمانيين المحترفين
يقوم من ثلاث سنوات بتغطية السلطنة من جوانب عديدة، أتمنى أن يكون
من ضمن برنامجه الحارة العمانية القديمة.
* وما رؤيتك للاستخدام التقني في معالجة الصور الفوتوغرافية؟
** التحول إلى النظام الرقمي في حياتنا الحديثة أمر طبيعي، والتصوير
الفوتوغرافي جزء من هذا التغير. شركات صناعة آلات التصوير القديمة
أصبحوا هم بأنفسهم من يقومون بصناعة أجهزة التصوير الرقمية وأشياء
أخرى مثل برامج التلاعب وتصحيح الصور الفوتوغرافية. بهذا الشكل لا
أرى أي مشكلة في استخدام آلة التصوير الرقمي والحاسب الآلي لإنتاج
صورة فوتوغرافية. الشيء الوحيد الذي أعتبره مشكلة أن العديد من المصورين
لا يدركون الفرق بين التصوير الرقمي والتصميم والتلاعب بالصورة، فالأولى
عبارة عن التصوير المباشر للموضوع وبدل تسجيل الموضوع في شريط حساس
للضوء وهو الفيلم، تستخدم رقائق حساسة للضوء المثبته داخل آلة التصوير
وتنزل الصورة في جهاز الحاسب الآلي لتصحيح بعض الألوان قبل طباعتها
على الورق. أما التصميم والتلاعب بالصورة فهو عبارة عن تركيب أو تغيير
الملامح الأصلية للصورة لإنتاج صورة أخرى، أحيانا قد تبدو حقيقية للمشاهد
ولكنها في الواقع عبارة عن مجموعة صور تم تركيبها باستخدام جهاز الحاسوب
ليعطي ملامح جذابة. وهذا أيضا متعارف عليه فنيا ولكن من الواجب التمييز
بين الإثنين.
* الكثير من مصوري السلطنة يؤكدون على أن المشهد الفوتوغرافي بخير،
فهل تضم صوتك لهم أم أن لك رأيا آخر؟
** المشهد الفوتوغرافي في السلطنة ليس بالمستوى المطلوب، وقد يختلف
الجواب عن هذا السؤال من شخص لآخر، فقد تسمع البعض يقول إن المشهد
الفوتوغرافي في السلطنة بخير ومبررهم في هذه الإجابة هي المراكز التي
حصل عليها نادي التصوير الضوئي في البينالي الدولي للتصوير الفياب،
والآخرون يبررون إجابتهم بالمعارض السنوية التي يقيمها نادي التصوير
الضوئي في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، والآن دعني أتساءل أين
الندوات والمحاضرات الفكرية التي تتناول المشهد الفوتوغرافي في السلطنة؟.
وهنا أؤكد أنه لا يمكن إقامة مثل هذه المحاضرات أو الندوات لأنه لا
يوجد ما نناقشه. وغياب النقد أفقدنا القدرة على التجديد، فظللنا أسرى
التقليدية. ومن الضروري جدا للمصورين العمانيين الاتجاه إلى المعارض
الشخصية المدروسة، وأعني بالمدروسة أن يعمل المصور في مشروع متكامل
يختاره بنفسه وبهذه الطريقة يمكن تقييم المشهد الفوتوغرافي في السلطنة
من الناحية الفكرية والتقنية والشخصية للمصور. أما بالنسبة للمعارض
الجماعية، فلا أراها تخدم المصور الفوتوغرافي والسؤال الذي يطرح نفسه
هو، هل يمكن تقييم الاتجاه الفكري والتقني بصورة واحدة للمصور في المعرض
الجماعي؟!.
* بمن تأثرت من المصورين العمانيين؟
** عندما بدأت بممارسة التصوير الفوتوغرافي كهواية في أواخر الثمانينات
من القرن الماضي، لم يكن هناك مصور عماني ما يطلق عليه (المصور الأيقونة)
الذي يمكن اكتساب الخبرة التصويرية عن طريق تقليد أعماله الفوتوغرافيه،
بالرغم من وجود بعض الأسماء التي تمارس التصوير كهواية فقط، ومن المدهش
على الرغم من مرور فترة لا بأس بها من بداية النادي الثقافي مع المصورين
الأوائل، مرورا بنادي التصوير الضوئي، لم تظهر في الساحة العمانية
(المصور الأيقونة) إلى الآن ليلتحم حوله المصورون الفوتوغرافيون في
السلطنة.
* .. وماذا عن اهتمامك بالمصورين العالميين؟
** أهتم بأعمال جميع المصورين العالميين، لأخذ المفيد من الفكرة والمقدرة
على الاستفادة من التقنيات، وبهذا ستجد في مكتبتي الفنية كتابا عن
المصور الأميركي آنسل أدم، صاحب النظرية الفوتوغرافية المشهورة (زون
سيستم)، وهو معروف بتصوير مناظر الأبيض والأسود، والمصور الفرنسي الكبير
هنري كرتيز المعروف كمصور لحظي، الذي صور الكثير من الحياة اليومية
في فرنسا والكثير من البلدان، والمصور الأميركي الأرميني الأصل يوسف
كرشي المشهور بتصوير وجوه السياسيين والمشاهير في العالم بطريقة تبرز
سماتهم الروحية، والكثير من كتب المصورين العالميين وستجد من هذه الكتب
تنوع المدارس والاتجاهات الفكرية الفوتوغرافية.
* هل تتوق نفس سعود البحري إلى العالمية؟
** أعتقد أن هذا حلم كل فنان بشكل عام بما فيهم الفوتوغرافيون. ولأن
الحلم شيء والواقع شيء آخر، فأعتقد أن العالمية ليس سهل المنال وأيضا
ليس مستحيلا في نفس الوقت، وحتى نصل إلى العالمية أعتقد أننا نحتاج
إلى أن نفهم ما هي العالمية في الفن حتى نتمكن من إنتاج أعمال تحمل
أفكارا وصفات عالمية؛ وهذا يحتاج إلى بحث وقراءة سيرة وأعمال المصورين
العالميين لمعرفة لماذا وكيف وصلوا إلى العالمية.
* .. وماذا أعد لها؟
** لقد توقفت الآن عن التصوير بدون خطة أو هدف، وبدأت بقراءة المطبوعات
الفنية بشكل عام التي تنشر مقالات فنية فكرية ومقابلات مع الفنانين
بمختلف الاتجاهات الفكرية والفلسفية المعاصرة في الفن. وقد استنتجت
أنه لفهم هذه المتناقضات الفكرية الفنية، لا تكفي القراءة عن التصوير
الفوتوغرافي فقط. أتمنى أن أتمكن من فك هذه الألغاز الفنية، حتى أنتج
ما يفترض من الفنان أن ينتج.
* .. وما طموحك لمصوري السلطنة؟
** طموحي ليس للمصوريين الفوتوغرافيين فقط، أتمنى أن يكون هناك مركز
للفنون يضم جميع المواهب الفنية من تشكيلية ونحت وتصوير فوتوغرافي
ومواهب سينمائية، وأن يكون هناك مكتبات وأرشفة فنية وقاعات عرض الأعمال
بشكل دائم، مكان يشعر فيه الفنان أنه في وسط فني متكامل.
* ما المدرسة الفوتوغرافية التي ينتمي إليها سعود البحري؟
** أنا لست حزبيا بطابعي، لهذا تراني أشجع أي فريق كرة قدم ما دام
يلعب بشكل ممتاز؛ وهذا ينطبق معي في التصوير الفوتوغرافي أيضا، لا
أحب أن أقيد نفسي مع مواضيع محددة فقط، ولهذا لا تستغرب أن أقمت معرضا
فوتوغرافيا عن الوجوه، رغم أنني أقمت معرض (بانورامك) عن المناظر.
* أين جمهورنا من ثقافة الفوتوغراف؟
** قبل أن أجيب على هذا السؤال دعني أقول: ماذا قدم الفوتوغرافيون
من ثقافة الصورة للجمهور، من أين يأتي الجمهور بالثقافة الفوتوغرافية
أو ثقافة الصورة بشكل عام؟ ألا يحتاجون إلى مصادر لتثقيفهم؟ أين هذه
المصادر في السلطنة؟ وهنا نتكلم عن الجمهور المتلقي وليس هواة التصوير
الفوتوغرافي، لأن هاوي التصوير يمكن أن نقول له اذهب إلى نادي التصوير
لتتعلم تقنيات ومبادئ التصوير، فهل سنقول لعشرة آلاف من الجمهور مثلا
اذهبوا إلى نادي التصوير لتتعلموا ذوق ونقد التصوير الفوتوغرافي قبل
الذهاب إلى المعارض؟
* إذن أين المشكلة؟
** أرى أن المشكلة هي مشكلتنا نحن المصورين، حيث إننا لم نتمكن حتى
الآن من تقديم أعمال تحتاج إلى وقفة وتحليل، فمن المفترض في كل معرض
فوتوغرافي أن يكون هناك حلقة أو ندوة فنية ثقافية مصاحبة للمعرض، يتم
فيها توضيح أهمية التصوير الفوتوغرافي كفن وثقافة. ولكن لا يمكن عمل
مثل هذه الحلقات بدون حضور وإلا فما جدوى إقامة مثل هذه الحلقات؟.
وهنا يأتي دور الإعلام في تشجيع الجمهور وإقناعهم بأهمية الموضوع.
* هل من رسالة يود الفوتوغرافي توجيهها إلى المتلقي؟
** يفترض أن تكون هناك رسالة فعلا تقدم من خلال الفوتوغرافي، ويجب
على الفنان بشكل عام أن يقدم رسالة للجمهور عن طريق أعماله وبشكل متواز
مع التقنية الفنية وهذا يجعل الجمهور يتفاعل مع الأعمال المعروضة فيقدر
مجهود الفنان.
* وما رسالة الفوتوغرافي سعود البحري لمتلقيه؟
** شخصيا حاولت تقديم رسالة بجانب التقنية الفنية في معرضي (مسقط)
وكان العنوان الفرعي (الجمال والثقافة وتراث محافظة مسقط) وقد تفاعل
الزوار كثيرا مع هذا العنوان.
* ماذا يضيف المعرض الشخصي للمصور؟
** المعرض الشخصي حلم المصور لعرض أعماله وأفكاره ليقدم نفسه للجمهور
وأنا اسميه مرحلة التقييم، وبما أن مثل هذه المعارض تحتاج للكثير من
المال؛ فيجب على المصور الحذر وعدم الاستعجال، فالشركات والمؤسسات
التجارية بعيدة كل البعد من ناحية المساندة. والسبب في ذلك كما أعتقد
يرجع إلى تدخل الحسابات التجارية التي تقيم إلى أي مدى الأعمال المعروضة
قادرة على جذب الحضور. نرجوا منهم تغيير هذه النظرة لمساندة الشباب
أصحاب المواهب.
* .. وكيف ترى هذه التجربة في السلطنة؟
** من الصعب التحدث عن هذه المعارض الشخصية؛ بسبب قلتها وإن تمت فهي
في فترات متباعدة جدا، بالكاد نتذكرها وأعتقد أن السبب في ذلك بالدرجة
الأولى يعود للتكلفة المادية في ظل عدم وجود الدعم. والسبب الثاني
هو عدم وجود من يشتري الأعمال الفوتوغرافية بسعر معقول في حالة إن
وجد المشتري من الأساس. فهذا كله يقلق المصور فيبعده عن المجازفة ونراهم
يفضلون المعارض الجماعية على الشخصية.
* أطل الفوتوغرافي سعود البحري على عالم التصوير الفوتوغرافي بصوره
ومعرضه (بانورامك) فهل حدثنا عن هذه التجربة وكيف وصلت إلى هذه التقنية.
** معرضي الـ(بانورامك) كان تجربة مثيرة ومفيدة تقنيا وفنيا بالنسبة
لي وأعتبره اختبارا حقيقيا أمام الجمهور والعاشق الفوتوغرافي والإعلام
وكنت أنتظر النتيجة، إما الاستمرار أو الابتعاد عن التصوير الفوتوغرافي؛
لأنه لا فائدة من الاستمرار وضياع الوقت والمال في إنتاج أعمال دون
المستوى المطلوب بعد فترة لا بأس بها مع الكاميرا. أما تقنية التصوير
البانورامك فهي أقدم بكثير مما يتصوره الكثير من محبي التصوير، فقد
ظهرت هذه التقنية مع بدايات سنة 1800 وأول صورة بانورامك بزاوية 360
كانت لمنظر لمدينة (شيكاجو) الأميركية للمصور الكسندر هيسلر في عام
1858.
* ماذا تضيف المعارض الجماعية لرصيد الفوتوغرافي؟
** هناك معارض جماعية يشترك فيها مثلا 15 مصورا فوتوغرافيا ومعارض
أخرى يشترك فيه مصوران أو ثلاثة مصورين بالكثير. الأولى لا أراها تفيد
المصور كثيرا بسبب ضيق المجال لعرض أعماله ونشر اسمه، أما الثانية
قد تكون أوسع وأشمل؛ لأن بإمكان كل مصور نشر عشرة أعمال أو أكثر وهذا
يعطي للجمهور المتلقي الفرصة للتعرف على أفكار المصور ومدى إمكانياته.
* حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة مجلة الكويت عام 1996م، فهل لنا
أن نتعرف على طبيعة هذه المسابقة، وكيف كان حصولك على الجائزة الأولى
فيها ؟
** أنا من متابعي مجلة الكويت وهي مجلة شهرية ثقافية تصدرها وزارة
الإعلام الكويتي، وفي شهر يونيو 1995م نشرت المجلة مسابقة التصوير
الفوتوغرافي، وكان الهدف من المسابقة نشر وتعميق الوعي الجمالي وإتاحة
المزيد من الفرص للاتجاهات الإبداعية للإنسان العربي، وكان موضوع المسابقة
مفتوحا للجميع؛ فشاركت بصورة عنوانها (الطفولة والبادية) لكنني لا
أعرف آلية التقييم التي اتبعت من قبل لجنة التحكيم لاختيار الصورة
الفائزة، وبعد اختيار الفائز قامت المجلة بنشر الصورة الفائزة في غلاف
المجلة في عدد يونيو سنة 1996م.
* درست التصوير الفوتوغرافي عن طريق المراسلة لأحد المعاهد الأميركية،
فكيف أخذت هذا القرار وما مدى الاستفادة من هذه الدراسة وهل تختلف
الدراسة عن بعد عن الدراسة المباشرة؟
** قبل الالتحاق بالتصوير الفوتوغرافي عن بعد، كنت أصور بدون أن أعرف
لماذا أحيانا كانت الصورة تظهر بصور مخالفة عما كنت أتوقع ولم أكن
قادرا على تفسير الإشكاليات الفنية والتقنية ولم أكن أحصل على تفسير
مقنع من الأصدقاء الذين سبقوني في التصوير، أما بعد الدراسة عرفت الكثير
من الأسرار التصويرية الذي جعلني أستمتع أثناء التصوير؛ فتحولت من
التقاط الصورة إلى صناعة الصورة؛ لأن الأمر لم يعد صدفة بل التحكم
بآلة التصوير لأنجز ما أريد أن أنجزه. أما بخصوص الدراسة الأكاديمية
فأعتقد أنها أقوى وأكثر فائدة؛ لأن الطالب يكون تحت إشراف الأساتذة
مباشرة بالتجارب العملية.
* ماذا أضاف لك انضمامك لعضوية نادي التصوير الضوئي؟
** في السنوات الأولى كعضو لم أستفد كثيرا من نادي التصوير من ناحية
اكتساب مهارات تقنية التصوير، لأنه لم تكن هناك برامج ومحاضرات من
هذا النوع كما هو الحال الآن، ولكن من الواجب الاعتراف بأن النادي
فتح لي باب المشاركة وإظهار أعمالي وأفكاري من خلال المعارض التي يقيمها
النادي، أيضا كانت لي فرصة مع بعض الأخوة لتمثيل النادي في مؤتمر بينالي
الدولي للتصوير الذي أقيم في سويسرا عام 1999م، وأرى أن النادي مكان
جيد لتبادل الأفكار والآراء وربما ينقصه المحاضرات الفكرية. أتمنى
من الأخوة القائمين على إدارة النادي، إضافتها في برنامجهم السنوي،
كما أرجو منهم استضافة نخبة من المصورين لعرض أعمالهم .
أعلى
رؤية
أدبية
( ندعو له بالشفاء العاجل ...)
الشاعر مبارك العامري .. والأيام الخوالي الطيبة
* خبر صحفي ...
جلطة دماغية تصيب الشاعر مبارك العامري .
(الخميس 18 ديسمبر 2008 م)
* تفاصيل الخبر ..
قرأت هذا الخبر المحزن عن الصديق العزيز مبارك العامري الذي عرفته
منذ سنوات مضت ، منذ بداية الثمانينيات ، في أوراقه الثقافية ، الملحق
الأدبي بمجلة العقيدة . وكان يثري الساحة الثقافية في ذلك الوقت وينشر
إبداعات الأدباء والشعراء ..ويثير العديد من القضايا الثقافية والحوارات
الأدبية ، ومازلت أذكر موضوع ( استقالة ) الأديب والشاعر الراحل (
الشيخ عبدالله بن محمد الخليلي ) من إمارة الشعر.وكانت قضية الساعة
حينذاك...
يقول تفاصيل الخبر: أصيب مساء أمس الأول الشاعر مبارك العامري بجلطة
في الدماغ أدت إلى إصابته بشلل نصفي في جانبه الأيسر ، نقل على إثرها
إلى المستشفى السلطاني ، حيث تقف إلى جانبه زوجته وأولاده وبعض المقربين
..
والشاعر مبارك العامري كان مصابا بنوبات ربو تدخله بين الحين والآخر
إلى المستشفى كما ذكرت إحدى قريباته ، وقد يكون العامل النفسي سببا
كبيرا في انقلاب وتطور حالته إلى ماهو عليه الآن . حيث إن شاعرا مهما
مثله لم يحظ بلفتة تكريمه من قبل المؤسسات وحتى من جهة عمله التي تركها
مؤخرا.هذا التهميش المتعمد لقامة شعرية يعتبر من رواد قصيدة النثر
العمانية ورموزها جعله ينأي بعيدا ، عن كل ما حوله عدا مكتبته.
ونستكمل بقية تفاصيل الخبر المحزن : كما أنه وجب الذكر أن الشاعرين
سيف الرحبي وعبدالرزاق الربيعي تحدثا إلى مبارك العامري وهو بالمستشفى
وأطمأنا علي سلامته حين تحدث إليهما عبر الهاتف ، مما يعني أن الإصابة
بالجلطة ليست خطيرة ، إذا استمر في العلاج الطبيعي والطبي.
وفي ختام الخبر أوردت التمنيات لهذا الشاعر ـ الذي يستحق منا تكريما
وتقديرا أكبر ـ الشفاء العاجل وأن يعود معافى للشعر والثقافة..
* وادي البحائص..
أول مرة التقيت مع الشاعر مبارك العامري ، منذ سنوات مضت ، في بيت
صديق عزيز لنا هو الكاتب الراحل : ( أحمد بن سليمان بن علي الكندي
) ـ مدير عام التربية والتعليم بالباطنة ( شمال ) ـ وكان وقتها موجها
بوزارة التربية والتعليم ( تربية إسلامية ) محافظة مسقط . توفي أثناء
إلقائه خطاب المهرجان الطلابي الذي أقيم في عيد الفطر بولاية نخل .
له بيت صغير وجميل من طابق واحد في وادي البحائص . كان من كتًاب مجلة
العقيدة في الأوراق الثقافية الذي يشرف عليها مبارك العامري . كنت
أذهب إليه سيرا على الأقدام من شرق الوادي ، ونجلس في الدهليز الصغير
على مقربة من الباب الخارجي الذي يدخل منه الهواء العليل نتحدث في
الثقافة والفن والأدب ، بعيدا عن السياسة والاقتصاد ، نحتسي الشاي
الأحمر ، المشروب المفضل عندي ، وأثناء الجلسة سألته عن معنى البحائص
، قال لي ، البحيصة ..حفرة صغيرة ، كنا نحفرها بالوادي بأيدينا فتخرج
لنا المياه دون عناء أو عمق في الأرض ، نميل برؤوسنا نشرب الماء العذب
من هذه البحائص .. أقمت بالوادي ثلاث سنوات رائعة ، تعرفت خلالها على
الشيخ المرحوم
( أحمد الفوري ) شيخ الوادي ، ودعاني في مناسبات عديدة في بيته على
وليمة المندي ، كما عرفت أخويه عيسى ـ أكبرهم ـ وموسى أصغرهم . ومن
المفاجآت أني شاهدت ( عيسى الفوري ) منذ شهور في أحد البنوك بالخوير
، يحمل أعوادا من نباتات الزينة ، وقد عرفته من ملامح وجهه ونظارته
وصوته ، ولكنه لم يعرفني مطلقا بالرغم من وقوفي معه نتحدث عما يحمله
من أعواد وماذا يفعل بها داخل البنك ؟!
في الوادي التقيت مع الكاتب المرحوم ( أحمد بن بلال بن بحار ) جاء
ومعه صديق من حلة آل يوسف الواقعة في مدخل السيب .وكان حديثنا حول
مجموعته القصصية ( سورالمنايا ) الوحيدة واليتيمة على الساحة الثقافية.
المقابلة الأخيرة معه كانت بوزارة موارد المياه بروي وكان يعمل بمكتب
الوزير .. مات بمرض عضال لاشفاء منه!!
بالوادي تعرفت على الصديق العزيز( خميس المسافر ) مدير عام التلفزيون
العماني قبل سفره للقاهرة ..وبعد عودته التقيت به ذات مرة في أحد المطاعم
بالخوير ، أكلنا معا الدجاج المشوي ، وأصر هو على دفع الحساب .المسافر
زرته في منزل العائلة الجميل المرتفع من عدة طوابق ، يعلوه الهوائي
الكبير الضخم في ذلك الوقت.والحديقة الصغيرة للمنزل وبها أنواع من
النباتات وطيور الهند الجميلة.ومازلت اذكر شجرة الغاف الكبيرة ، والبئر
القديمة. والحلقة تحت ظلال الشجرة ، وشيخة معلمة القرآن الكريم للصغار
من الصبيان والبنات .دارها كانت قريبة من شجرة الغاف وكنت ألاحظ دوما
بضع حمامات تقف على جبهة باب دارها الصغيرة البسيطة ، رحمها الله رحمة
واسعة .
التقينا.. أنا والكندي والعامري في وادي البحائص ، في حوار ثقافي نشره
بالعقيدة على عددين متتاليين .
* الوطن الثقافي ..
التحق للعمل معنا ( بالوطن الثقافي ) ، وإن كانت فترة قصيرة نوعا ما
... ولكنها كانت ثرية كعادته عندما كان يعمل بمجلة العقيدة ..بعد ذلك
انتقل إلى مجلة الشرطة ، وشهدت المجلة على يديه ازدهارا غير مسبوق
أدى ذلك إلى فكرة طرحها بالأسواق للقراء ..وتولى إدارة التحرير كما
زاد على المجلة الملحق الصغير للأطفال .. هذا الجهد الكبير يذكر للشاعر
والزميل مبارك العامري .وإن كان أخيرا ترك العمل واستقر بالبيت .له
مكتبة ثرية بالبيت زرتها عدة مرات ، واطلعت على ما بها .وكانت لنا
حوارات كثيرة حول الكتب والقراءة منها ما نشر ومنها حوارات شفهية لم
تنشر ، اتمنى أن يحين الوقت لنشرها ، كانت في معظمها حول طقوس الكتابة
والقراءة ، وعن الرحلات العديدة التي قام بها ، وأحب المدن وأجملها
إلى قلبه..
لم أكن أحس براحة أكثر.. سوى في بيت العامري ، في بيت العائلة ، البيت
الريفي الجميل بحيل العوامر ، ومن بعده بيته الحديث الذي يقع أمام
مركز التدريب المهني بالخريس ..وكان له الفضل الكبير في أن تعرفت بشوق
ـ من خلال كتاباته ، استطلاع وتصوير ـ على العديد من الولايات والأماكن
القديمة والقلاع والحصون وقد نشرها في ( مجلة العقيدة ) في بداية عمله
بها ..لقد جذبني بصدق كتاباته وقوتها لزيارة هذه الأمكنه والتي كان
سبيلي للوصول إليها الفنان ( خالد بن منصور الفارسي ) الذي ساعدني
كثيرا في التعرف على معالم مسقط القديمة منذ أكثر من ربع قرن من الزمان
..خاصة حلة المدابغة التي ولد فيها..
* اللقاءات الودية ...
خلال هذه السنوات ، لم نتوقف عن اللقاءات الودية ، في حيل العوامر
، وخريس الحبوس ، وفي عمله بالقرم ، وولاية السيب .. دوما يدعوني في
المناسبات والأعياد على الحلوى العمانية والقهوة العمانية المرة المذاق.نأكل
معا أنا وخالد منصور.. بينما يقوم هو في تواضع وكرم الضيافة بتقطيع
الفواكه إلى قطع صغيرة ليسهل تناولها..وخاصة أصابع الموز الكبيرة .
كنت أقول ـ في البدايات لي هنا ـ هذه أول مرة في حياتي أشاهد أصابع
الموز يقدم قطعا صغيرة ـ يضحك بصفاء ونقاء الشاعر الذي بداخله ، لكن
بن منصور كان يعقب هذا سلو بلادنا كما تقولون أنتم المصريين.وكنت أرد
عليه ، الحمد لله لقد زاد عدد المصريين فردا . لكنه كان يعترض ، أنا
عماني ، أبا عن جد .. ومن ظهر الفوارس. عرفت فيما بعد بأنها بلدة أجداده
، وأعرف أيضا إنه يمتاز بشفافية الفرسان وأسلوبهم في كل شيء !! .
* طقوس المائدة العمانية ..
لم أكن قد تعودت بعد على المائدة العمانية والجلوس بالمجلس على الأرض
وتناول الطعام بيدي اليمنى فقط وخاصة الكبسة العمانية ، وكنت أدهش
من الخلطة الغريبة والعجيبة على الأرز..من الزبيب والقرفة والقرنفل
وحب الهيل والكركم الأصفر ، والصنوبر توضع على ـ العيش كما سمعت هنا
ـ الأرز باللحم ..
عند الشاعر الفنان العامري اكتشفت عالما آخر في كل شيء..في أسلوب وطقوس
تقديم الوجبة للضيوف ، اذكر جيدا قبل الطعام ، قدم لنا الفواكه . وبعدها
جاء العشاء ، اعترضت ، لماذا الفواكه تقدم قبل العشاء ، قال هذه هي
عاداتنا. قلت نحن نقدم الفواكه بعد نهاية العشاء للضيوف ونطلق عليها
( التحلية) عملا بوجوب التخلية قبل التحلية . ضحك وقال القهوة العمانية
تقدم أولا لتحية الضيوف ،و معها الفواكه أو التحلية .. لأن قهوتنا
مرة ، بدون سكر ، تحتاج إلى الرطب المعجون بالسمسم ...
* توابل الهند..
وقال يومها العزيز مبارك ، هذه الخلطة التي تستغربها مفيدة للجسم ،
التوابل منها شفاء للبدن وغذاء أيضا . قلت : إنها تحمل كل التناقضات
في محتوياتها ، الزبيب واللوز مع الصنوبر والكركم ممكن .. لكن قرون
القرنفل وحبات الهيل والقرفة مع الأرز ( العيش ).. الهيل ( الحبهان
) نضعه في الحساء الدسم مع البط أو الأوز أو في لحم ذبيحة الأضحى ،
لأننا نصنع الكعك اللذيذ في عيد الفطر.. ونحب اللحم المسلوق نقول اللحم
بالمرق ـ الحساء ـ وحب الهيل والبصل ـ فحل البصل ـ نحب أن نأكله مسلوقا
مع لحم خروف العيد
* الزيارة ..
التقينا ، أنا وبن منصور ، عند بيت مجان بالخوير حيث المقهى الصغير
الذي اعتدنا أن نجلس فيه معا.دوما يحملني..أترك السيارة وأركب معه
للحديث طوال الطريق إلى هناك.هذه المرة ، أخبرني بأنه بالمستشفى السلطاني
قسم الجراحة رجال رقم( 2) .وحملني إلى المستشفى في مرتفعات بوشر لزيارته
..وجدناه يستريح على السرير بجواره يجلس الأديب (أحمد الفلاحي)..وخلف
ستارة مجاورة نفر من أهله لمرافقته..وقد تحسن كثيرا عن يوم أن دخل
وعن يوم نشر الخبر.سألناه عن أحواله الصحية..وبعد قليل تحدث الأديب
الفلاحي عن مساهمات مبارك في الساحة الثقافية العمانية من بداية الثمانينيات
بالملحق الثقافي الذي كان يقدمه للقراء والأدباء والمثقفين بمجلة العقيدة
..واستمر لعدة سنوات رسخ خلالها مضامين أدبية كثيرة في الأدب والفن
والحوارات والأعمال الإبداعية .وقدم الكثير من الوجوه الشابة للساحة
الثقافية العمانية ..تذكرت الصديق الأديب أحمد بن بلال ، رحمة الله
عليه ، حيث كانت بدايته بالعقيدة ، ومجموعته القصصية الأولى ـ سور
المنايا ـ نشرت وطبعت بالعقيدة وقد ساهمت الأوراق الثقافية في تقديمه
للقراء ، وقد حدثني هو عن ذلك شخصيا عندما التقينا في وادي البحائص
وكانت مجموعة هذه التي ذكرتها هي الأولى التي تطبع في السلطنة عام
1981 م وكان قد أهداني نسخة منها عندما التقينا بمقر الجريدة ـ الوطن
ـ السابق بالوطية ..وبعد هذا اللقاء تعددت مقابلاتنا ، في وادي البحائص
وفي حلة آل يوسف وفي السيب وفي غلا ..وآخر مرة شاهدته فيها ، قبل سنوات
طويلة كان يعمل بمكتب معالي وزير المياه بروي.في هذه الجلسة شبه الأدبية
التي حضرها معنا الشاعر ( طالب المعمري) في غرفة مبارك بالمستشفى السلطاني
..تحدث الصديق والكاتب بن منصور عن دور الملاحق الثقافية في هذه الفترة
الماضية فذكر مبارك العامري في مجلة العقيدة ، والمرحوم
( محمد الصليبي ) في صحيفة (عمان) ، والعبد الفقير في الوطن حينما
كنت مسئولا عن الثقافة والفن من خلال الملحق الأسبوعي والذي كان يصدر
كل ثلاثاء . الشاعر طالب المعمري تحدث عن كتابات مبارك في مجلة نزوى
. وكان مستمعنا الوحيد الصامت والمبتهج والجالس على سريره في سعادة
الشاعر مبارك العامري..شفاه الله وعافاه .
الأستاذ القدير أحمد الفلاحي ، تطرق إلى مجلة ( الغدير ) وبدايتها
في ولاية الكامل والوافي وماقدمته من أقلام شابة في ذلك الحين ، من
أمثال ( عبدالله الريامي ) و( محمد الحارثي ) وأخرين غيرهم ، أصبحوا
الآن يثرون الساحة الثقافية العمانية..
واسعدني خروج مبارك من المستشفي إلى بيته أمام مركز التدريب المهني
بالخريس ، وقد زرته كما هي العادة مع الفارسي.وجدنا أحد من أهله.كان
يتناول طعامه وحيدا.بمساعدة أهله ، ولكنه بعد الإنتهاء قام وجلس معنا
، وحدثنا عما يعانيه من أثر هذه الجلطة على ذراعه اليسرى وساقه أيضا..ولم
نخض معه في هذا الحديث ، لكن العناية الإلهية كانت معه في هذه المحنة
القاسية ، هاهو يخرج من العناية المركزة وينتقل إلى منزله ويمشي بصعوبة
ويتحدث ببطء ، ويبتسم ..ويسعد بوجودنا ، وكالعادة يقدم لنا القهوة
العمانية ، وقدم الفواكه المتنوعة من العنب والخوخ والبرتقال والتفاح
والكمثرى وأيضا كالعادة الموز المقطع ، قطعا صغيرة ..
لم تستمر جلستنا طويلا وخرجنا ...
في طريق العودة كنت أفكر في الأعمال الإبداعية التي قدمها للساحة الثقافية
العمانية ..
* مدارات العزلة ..
هي محاولة جديدة وجريئة قام بها ، وهي كتابة مزيج من الشعر والنثر
والسرد القصصي ، تجربة جديدة ، يمكن القول إنها نص أدبي مفتوح على
كل التجارب الأدبية ، إن لم تكن ( مغامرة ) جديدة يقوم بها . كتب العديد
من الأشعار ونشرها في كل مكان ولم يفكر في جمعها أو إصدارها في ديوان
حتى الآن..وعندما فكر في أول إصدار له ، بدأ باصدار رواية ـ تجاوزا
ـ لأنني كما قلت بعد قرأتها إنها نص مفتوح على كل التجارب ...
* شارع الفراهيدي ..
انتقل من عالم الشعر ليوظف ملكات ابداعاته الشعرية في رواية ( شارع
الفراهيدي ) وهو شارع قصير بمرتفعات روي . يروي بطل الرواية ذكريات
أشخاص أرتبط بهم من خلال دراسته وتجواله في عالم الفن التشكيلي. وفي
البداية إشارة لتلاشي حلم صغير كان يراود ـ بطل الرواية ـ بأن يصبح
طبيبا نفسيا حينما كان على عتبات الجامعة ، بدأ الحلم يتلاشى ، تحت
ضغوط عائلية اتخذت دراسته منحى آخر وتحول التخصص من الطب إلى الهندسة
المعمارية واحترم رغبتهم وضحى بحلمه.ولكن التحول هذا يدور وينقل بطل
الرواية إلى حلم آخر هو الفن التشكيلي .يقول : ماحدث اليوم يا صديقي
هو أن العقل الباطن قادني لرسم لوحة ، بعيدا عن التصميم الهندسي الذي
كنت أنوى الشروع فيه .. فشلت الهندسة وانتصر الفن ..
* الجديد ..
سألته ذات مرة عن الجديد في جعبة الشاعر ، أجاب :
ـ رواية جديدة ، سأنشرها عندما انتهي منها ..
وعلى ما اتذكر إنها قدمت إلى إحدى مؤسسات النشر منذ مدة طويلة ولم
تصدر حتى الآن ، آمل أن تصدر قريبا...كما يفكر في جمع أشعاره نشرها
في ديوان ..
* المدن الجميلة ، نساء ..
سألته ذات يوم عن مدينتي الجميلة الأسكندرية.فقال :
ـ مدينة الأسكندرية المصرية لها مكانة خاصة في نفسي ، نظرا لتاريخها
الحافل وثرائها الحضاري ، ويكفي أن شاعرا كبيرا كاليوناني( قسطنطين
كفافي) قد عاش فيها ، وأحبها ...
سألته هل المدن الجميلة .. نساء ، أجاب :
ـ المدن الجميلة.. كالنساء الجميلات.لايستطيع الشاعر إلا أن ينجذب
إليها محاولا إقامة علاقة حميمية معها ، وإذا أفلح في ذلك فقد يتحول
الإعجاب إلى حب ومن ثم إلى عشق ...
* كل شيء ..
من كلمات الشاعر مبارك العامري :
( خذي كل ماكنت أودعته القلب
خذي كل شيء ..
حتى الهواء الذي يستحيل
دما في العروق
خذيه ..)
* الدعاء ..
وأخيرا..لقد أكلنا الخبز والملح معا.ولم نختلف طوال هذه السنوات في
العلاقات الإجتماعية أو العمل معا ، أو في القضايا الأدبية والثقافية.ومازال
هو محافظا على هذه العلاقات الودية.ومازلت محافظا على هذه الزيارات.وإن
كان هو قد زارني مرة واحدة فقط ، لكنه دوما يدعونني لزيارته...
دعواتي للزميل والصديق الشاعر مبارك العامري ، بالشفاء التام ، والعودة
إلى حياته العملية ليثري لنا الساحة الثقافية العمانية ، كما كان من
قبل ، وسيكون من بعد ، إن شاء الله تعالى ، إنه على كل شيء قدير ..
عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري
أعلى
يتناول حياة موظف بمنظمة الأمم المتحدة
"سيرجيو" .. حكاية محزنة عن جهود
الإنقاذ غير الناجحة في بغداد
لوس أنجلوس ـ من كينيث توران*
يمكن القول بأن فيلم "سيرجيو" الوثائقي يحتوي على فيلمين
في آن واحد، الأول يمكن أن تتوقعه؛ والثاني لا يمكن أن تتوقعه؛ وهذه
التركيبة القوية تجعل هذا الفيلم الوثائقي يمتلك قوة استثنائية. ويعرض
فيلم "سيرجيو" بشكل جزئي السجل المهني لـ "سيرجيو فيريرا
دو ميلو"، الموظف بمنظمة الأمم المتحدة؛ الذي صوره مخرج الفيلم
جريج باركر على أنه دبلوماسي كان يمتلك شخصية كاريزمية بشكل مكثف عندما
قال عنه: "إنه أهم شخصية يمكن ألا تكون قد سمعت عنها من قبل".
ويستحق دو ميلو، حلال المشاكل الفعال الذي يمتلك كل صفات النجم البارز،
والذي وصفته كاتبة السيناريو سامانتا باور (التي تمثل سيرتها الذاتية
أساساً لهذا الفيلم) بأنه وسيط بين شخصية جيمس بوند وبوبي كينيدي،
هذا الفيلم تحت أي ظرف من الظروف، ولكن قصة الطريقة التي توفى بها
دو ميلو تعتبر استثنائية مثل حياته. وبقي دو ميلو، الذي استهدفه انتحاري
فجر شاحنة في مقر منظمة الأمم المتحدة بالعاصمة العراقية بغداد عام
2003 بهدف قتله، حياً ولكن دفن تحت حطام المبنى لأكثر من ثلاث ساعات.
وما جعل قصة فيلم "سيرجيو" مؤثرة جداً هي الروايتان المختلفتان
لأميركيين حاولا إنقاذه، وهو الأمر الذي حفز باركر على إخراج هذا الفيلم.
يقول باركر، مخرج العديد من المسلسلات الوثائقية التلفزيونية مثل فيلم
"فرونتلاين" الذي عرض على شاشة محطة PBS الإخبارية: "منذ
البداية، عندما سمعت قصة وفاة سيرجيو للمرة الأولى من الكاتبة سامانتا
باور، رأيت هذه القصة بشكل مختلف؛ حيث رأيتها كطريقة لأداء شيء أكثر
عمقاً من أجل سرد قصة إنسانية مروعة. وقد قفزت تركيبة الفيلم التي
تتقاطع مع المعلومات الخلفية عن "سيرجيو" مع قصة أيامه الأخيرة،
بسرعة إلى رأسي".
ولم يتم حصر قصة فيلم "سيرجيو" في مجرد سرد إنجازات الدبلوماسي
البرازيلي الأصل خلال فترة عمله التي إستمرت لمدة 34 عاماً في منظمة
الأمم المتحدة. وتشمل هذه الإنجازات التفاوض مع جماعة الخمير الحمر
من أجل إعادة 400 ألف كمبودي إلى منازلهم ومهمته التي إستمرت لمدة
عامين كشخص مسئول عن تيمور الشرقية، وقيادة خطوات استقلال هذه الدولة
عن أندونيسيا.
وعلى الرغم من أن دو ميلو تعامل مع العديد من الشخصيات الغامضة؛ فإنه
لم يفقد مطلقاً رؤيته الثاقبة عن الأهداف النهائية. وعلى الرغم من
أنه كان يعارض بشكل قوي الغزو الأميركي للعراق، وجد دو ميلو نفسه في
بغداد، حيث تعرض للاستهداف من قبل أبي مصعب الزرقاوي بسبب دور منظمة
الأمم المتحدة في انفصال تيمور الشرقية عن دولة أندونيسيا المسلمة.
وبعد سقوط القنبلة، دفن دو ميلو في الركام بقاع حفرة عميقة مع جيل
لوشر، الخبير المدني في شئون اللاجئين. وعندها حاول جنديان اختلفا
كثيراً في سرد الحدث وهما بيل فون زيهل وأندري فالانتاين إنقاذه.
يقول باركر: "كان هذان الرجلان يعملان كإطفائي ومسعف في الحياة
المدنية، ولكنهما كانا يمثلان نوعين مختلفين من الأميركيين بطرق مختلفة
من النظر إلى العالم. ولكن على الرغم من إختلافهما في الكثير من النقاط،
فإنهما تمكنا في النهاية من وضع خلافاتهما جانباً والتركيز على ما
تقتضي الحاجة فعله". وقد تم تصوير فون زيهل، عضو قوات الإحتياط
الخاصة على أنه شخص عملي واقعي، بينما تم تصوير فالانتاين حسب كلمات
باركر على أنه "شخصية معقدة، وشخص يتفاخر بنفسه وبكونه تعامل
بشكل جيد في الأزمة، ويتم تصويره أيضاً على أنه شخص مسيحي ملتزم".
ويلاحظ المشاهد أنه خلال الفيلم، تدور حروب كلامية بين زيهل وفالانتاين.
وتكمن المشكلة التي واجهت كلا الرجلين في أن معدات قسم المطافيء العراقية
كانت قد سرقت، وأن الجيش الأميركي، الذي لم يخطط للتعامل مع حالات
الطواريء المدنية؛ جاء إلى العراق بدون أي من هذه المعدات. وإنتهى
الأمر بالرجلين إلى إستخدام حافظة نقود نسائية لرفع أكوام الركام من
الحفرة. ويحكي هذا الفيلم عن كل الأخطاء التي إرتكبتها قوات الإحتلال
الأميركية خلال غزوها للعراق.
خدمة لوس أنجلوس تايمز، خاص بـ (الوطن)
أعلى
الرقابة والمبدع المسرحي
بداية، لابد من الاعتراف بأن المسرح هو أحد الأنظمة
الثقافية الحية، التي تستمد مكوناتها من النظام الثقافي الإنساني.
ولكن يبقى للمسرح العربي خصوصية مميزة، يصعب اختراقها أو صهرها ضمن
بقية عناصر هذا النظام، لكونه يتمتع بشخصية لها مواصفات منفردة. كما
أنه لا يمكن أن نخرج المسرح عن دائرة النظم السياسية لكونه جزءا من
المنظومة السياسية والثقافية والاجتماعية في أية دولة كانت.
وينسحب ذلك على واقع المسرح الخليجي الراهن ، بالرغم أنه له خصوصية
معينة، لتزامنه من حيث النشأة والتطور مع النهضة التنموية التي حدثت
عقب الطفرة النفطية الحديثة، واقترانه بكل ما هو أصيل ومعاصر في آن
واحد.
وهذا ما يجعلنا نشير إلى كيفية استغلال الحريات المتاحة في المسرح
العربي بشكل عام، لكون المسرح أحوج ما يكون إلى التحرر من القيود التي
تثقل كاهله، عن طريق تقديم تجارب مسرحية تعكس قضايا المجتمع. برغم
على مضي تأسيس هذا المسرح ردحا من الزمن، إلا أن هناك مزاوجة واضحة
بين التشجيع أو عدمه هي أحد مظاهر الرقابة، مما كان له الأثر السلبي
على إعاقة استيعاب الظاهرة المسرحية، استيعابا ثقافيا واجتماعيا شاملا
من قبل المجتمع. كما أوجدت في أوساط المثقفين روحا منكسرة مهزومة،
ظلوا بسببها يشعرون بأن كل حجج الرقابة والأنظمة الديمقراطية، حيث
تجتمع عدة جهات، مما يجعل مسألة التقييم أصعب ما تكون.
مما لا شك فيه، أن مقص الرقيب يتصف بحساسيته المفرطة إزاء ما يقدم
من قضايا في النصوص المسرحية، مما يجعله لا يلاقي ترحيبا من المبدعين
والكتاب أنفسهم..وهذا يجعل الرقابة أيا كانت أشكالها بمثابة المعول
الذي ينخر في بنية الأعمال الفنية المقدمة، مما قد يسبب أزمة حقيقية
تحتاج إلى حلول وسطى، خاصة في ضوء ما نعيشه من انفتاح عالمي بواسطة
القنوات الفضائية وغيرها من وسائل التكنولوجيا.
مما يجعلنا ندرك مدى صعوبة قياس حرية التعبير من خلال النصوص المسرحية
المحلية، لكون المسرح ما هو إلا وجه واحد من أوجه الأنشطة الثقافية
الأخرى، وبالتالي من الصعب الاستدلال على أشكال الحريات المتاحة فيها.
وإن كان هناك من لا يزال يمني نفسه، بإعطائه مساحة أكبر للتعبير عن
رأيه بشفافية أكثر، بدلا من القيود التي قد تحد من حركته، والتي من
شأنها أن تجمد التفاعل بين الفنان والمشاهد، ومن خلال العروض المقدمة.
وهذه القيود ليس بالضرورة تنبع من الأنظمة السياسية، بقدر ما تعكس
الاطر الاجتماعية الواهية، والتي تشكل حلقة من الصعب الخروج منها،
فهناك بعض العادات الاجتماعية السطحية، وكذلك طريقة تفكير بعض الشخوص
التي تنم عن عدم الوعي والفهم العميق لمعنى الفنون، وهذا بدوره يصنع
فريقين من الناس، الفريق الأول يحاول أن يقنع نفسه أنه متحرر ولو بالتقليد
الشكلي؟ والفريق الآخر يرفض التغيير المطلق! .. وفي كلا الحالتين ينجم
عنها ضياع البعد التراكمي للثقافة المسرحية، الذي يجعل المبدع يخفق
في إيصال رسالته للمجتمع، وهذا يدخل فيما يسمى "الرقابة الجماعية"
.
وتظل "الرقابة الذاتية" لدى المبدع، هي الوسيلة المثلى لتقديم
مسرح جاد لا يختلف على أي حال عن العروض التي تقدمها دور المسارح العالمية
التي تهتم بالقيمة الفنية للعمل الفني قبل العائد المالي. وتعتمد على
المتعة الراقية والابتكار والتجديد، في الشكل والمضمون إلى الحد الذي
يتحول فيه العرض المسرحي ذاته إلى لغة قائمة بذاتها تعجز اللغة المنطوقة
عن مجاراة سحرها وبلاغتها.
وفي المقابل، الابتعاد عن العروض المسرحية المبتذلة، والحرص على ترويج
المسرح الجاد، بعيدا عن العروض التي تقوم على الإغراء الجسدي والجنسي
كمادة أساسية فيها، مما يحولها إلى عروض رخيصة تعمل على هدم وخلخلة
الثقافات الإنسانية النبيلة، وهى وسيلة رخيصة لا تنتمي إلى شعب معين،
وكل همها البحث عن الفائدة والربح السريع.
ومن ناحية أخرى، يفترض ألا نلقي باللوم فقط على "مقص الرقيب"،
لكونه يشكل عائقا منفردا يمكن أن يعرقل قدرتنا الابداعية في المسرح
أو في باقي الأشكال الثقافية، بغض النظر عن مساحات الحرية المتاحة
للعاملين في الحقل المسرحي، وعلينا أن نسعى إلى تطوير الانتاج النوعي
للعروض المسرحية. وخاصة وأنه لاحظنا في الآونة الأخيرة، عرض الكثير
من القضايا التي يعاني المجتمع منها عبر وسائل الإعلام، وتقديمها ضمن
قوالب درامية مختلفة.
وبالتالي فإن هذا يعني أن هناك حركة إيجابية بدأت تطفو على السطح،
وتقدم ما يدور في رحم المجتمع بشىء من الشفافية. وهكذا تكون هذه فرصة
لتقديم عروض مسرحية مفعمة بحرية التعبير، مهما تعددت أشكالها ومفاهيمها،
بالطبع بعد التعامل مع النصوص بشىء من المرونة، وتفهم طبيعة المتغيرات
العصرية.
عزة القصابي*
* ناقدة فنية عمانية
أعلى
غصة ندم مع صورة باهتة
فندق للكلاب .. قصة بسيطة في قالب كوميدي
هوليوود - من بستي شاركي*
من يشاهد فيلم (فندق للكلاب) يفكر على التو في أفلام من نوعية (مهمة
مستحيلة) من حيث وجود الكلاب ولكن من دون توم كروز بالطبع. الفيلم
يعج بالكثير من التسللات هنا وهناك، وآلات باردة جدا وحركات خطرة مثيرة
ورائعة وأطفال ماهرين وإن كان عرضهم ليس بنفس طريقة غباء الاطفال الذين
ينتقلون إلى مرحلة البلوغ.
هذا الفيلم الكوميدي الذي يعد التجربة الاولى للمخرج تور فرودنتال
يبدو كما لو كان تم انتشاله من حقبة الخمسينات من القرن الماضي، قبل
وضع اسس الاسلوب الساخر في الافلام السينمائية. من هنا ، من هذه الاطر
الاولى لأفلام من شاكلة (الأب اخر من يعلم) ينبع الضحك. لكن بالطبع
فإن المخرج ونحن معه نعرف ان العالم اكثر قتامة، لذلك تتحول الاسرة
الجميلة الى قطع كرتونية في نافذة عرض متجر تطل على شوارع المدينة
التي تحمل طبقة من السخام.
من حسن الحظ ليس هناك الكثير من الكرتون في هذا الفيلم نتيجة للمسة
فرودنتال الخفيفة وحساسيته للمناظر التي تضفي لمسة سيرالية في كل الاماكن
الصحيحة. وليس من قبيل المفاجأة ان نعلم انه قضى وقتا كفنان في تركيب
الصور.
أبطالنا في هذا الفيلم الذي يصنف ضمن افلام المغامرات هم ايما روبرتس
ذات الوجه المليح وجاك اوستن الاحمق وكلبهما فرايدي. أما عن الاطفال
فنحن نلتقي مع اندي وتبلغ 16 عاما وبروس الذي يبلغ 11 عاما واللذين
يعيشان في كنف ابويهما بالتبني. وهذان الأبوان اللذان يحلمان بأن يكونا
من نجوم الروك هما ليزا كودرو وكيفين ديلون. لكن الكلب فرايدي يضطر
لأن يعيش في الطابق السفلي كون الابوين لا يسمحان بتواجد الكلاب معهم.
ويدعم حبكة الفيلم كتاب السيناريو جيف لويل وفرق بوب سكولي ومارك ماكوركل
الذين ادوا مهمة طيبة بأن حولوا المحتوي العاطفي لرواية تحمل نفس الاسم
فيلم سينمائي لكن الفارق انهم اعطوه المزيد من القيمة والمتعة. أما
قصة الفيلم فتدور حول اندي وبروس الذين فقدا والديهما في وقت سابق،
ولكن كل ما علينا ان نتحمله هو غصة ندم تأتي مع صورة باهتة. وحتى مع
الوهلة الاولى تستطيع ان تعرف انهما ابوان مثاليان وذلك من خلال بنك
الذكريات التي يحملها الطفلان عنهما.
القضية الأكثر إلحاحا لدى الاطفال هو الكلب فرايدي، ذلك انهما لا يريدان
ان يفقدا فردا اخر من العائلة، وهكذا تتحول محاولتهم الصغيرة لاخفائه
الى عملية كبرى لانقاذ الكلاب الضالة من الشوارع ومن ملاجئ الحيوانات.
ونصل هنا الى العقدة التي تنبع منها معظم المشاهد الممتعة في فيلم
(فندق للكلاب)، فهناك مشاهد مطاردات ومشاهد سطو مسلح، لكن النقطة الاساسية
للفيلم هي تلك البدع الغريبة المعقدة التي يبتكرها الاخ بروس لامتاع
فيالق الكلاب. فكل شيء يتم تركيبه هو من اشياء يعثرون عليها بين اكوام
مخلفات فندق مهجور، وهو الفندق الذي يتحول الى ملاذ للكلاب ومقرا لفريق
البحث والانقاذ وادارة الفندق الذي يقوده اندي وبروس.
خدع المشاهد رائعة بشكل استثنائي، ويجب ان نوجه التحية للفريق الذي
يقف وراء العدة بقيادة مايكل لانتيري والافراد الذين قاموا بتدريب
الكلاب بقيادة مارك فوربس.
اما من ناحية الافراد غير الطيبين فهم اولئك الضباط المسئولين عن ضبط
الحيوانات الضالة بينما الشخص الطيب هو ذلك العامل المتعاطف الذي يقدم
خدماته للأطفال والذي قام بدوره دون تشيدل الذي يبدو انه شعر بالارتياح
للعب دورا لا يدور حول الدم والغضب والقلق.
ورغم ان الاداء متباين الا ان الاطفال لاسيما روبرتس المفعمة بالعاطفة
وهي تحاول التواءم مع الآلام التي تعتري الفتيات في سنها رائعون. ورغم
ان هناك مشاهد لا تسير بنفس الوتيرة الخفيفة على النفس الا ان الفيلم
بوجه عام يسير بشكل رائع جدا يستحق قضاء وقت لمشاهدته وقت الظهيرة
مع مجموعة اطفال.
كلمة اخيرة اختم بها وهي ان (فندق للكلاب) قصة بسيطة تعطينا دروسا
بسيطة اهمها انه لا يوجد شيء قابل للاستغناء عنه، وانه لا يجب ان يكون
الاطفال متشائمين كي يكونوا اذكياء وان العائلات يمكن بناؤها من أي
شيء. وتلك رسالة ليست سيئة لفيلم من افلام هوليوود.. لكن نصيحتي الا
تترك ساندويتش هوت دوج قريبا من كلب جائع، وهذا درس ثمين للاطفال ومسئولي
دور صناعة الافلام.
*خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست
أعلى
تـراثيـات
أسفار خالدة:
(حدائق الأزاهر) لابن عاصم
من ذخائر الأدب العربي في الأندلس إبان انفراط
العقد، بناه ابن عاصم على ست حدائق حسب ما كان شائعا في الأندلس عامة
في زمانه وأهم هذه الحدائق:الحديقة الخامسة، وتضم أكبر مجموعة وصلتنا
من أمثال الأندلس، مرتبة على الطريقة الأندلسية، وهي حسب الترتيب الهجائي
المشهور حتى حرف الزين ثم يقع الخلاف على النحو التالي (ز ط ظ ك ل
م ن ص ض ع غ ف ق س ش ه و لا ي) وباستثناء هذه المادة فمادة الكتاب
مشرقية في عمومها ومؤلفه ابن عاصم الغرناطي وزير السلطان يوسف الثاني
وقاضي الجماعة في غرناطة. مولده في غرناطة سنة 760هـ ووفاته سنة (829)
وهذا يعني أنه ولد بعد وفاة خاله (ابن جزي ت 757هـ) بثلاث سنوات، وخاله
(ابن جزي) هو الذي أوكل ابن بطوطة إليه كتابة رحلته، وقد ذكره ابن
عاصم في كتابه(نشرة الوراق ص 51) وهو كتاب عداده في كتب المختارت الأدبية.
ويرد اسمه في بعض مخطوطاته (حدائق الأزاهر من مستحسن الأجوبة والمضحكات)
وكان من أقدم الكتب المطبوعة على الحجر قديما في المغرب بلا ذكر لتاريخ
الطبع، وتقع هذه الطبعة النادرة في (319) صفحة. إلا أن فيها اختصارا
للحديقة الخامسة كما أشار إلى ذلك الأستاذ أبو همام (عبد اللطيف عبد
الحليم) في مقدمة نشرته التي أصدرها لأول مرة عام1992م، معتمدا تلك
الطبعة مع نسختين من مخطوطات الكتاب، تحتفظ بالأولى مكتبة الأسكوريال،
وتقع في (264) صفحة وبالثانية دار الكتب المصرية، وتقع في (147) ورقة،
وكلها مكتوبة بالخط الأندلسي، وهو خط (كما يقول أبو همام) فيه طرافة
تدفع قارئه إلى مزيد من الحماسة حين يفك مغالقه. قال : ولم أتمكن من
الاطلاع على نسخة لندن التي اعتمدها (دون إميليو غرثيه غومث) في ترجمته
للحديقة الخامسة التي نشرها في (مجلة الأندلس) سنة 1970م كما يوجد
نسخة أخرى في الخزانة العامة في الرباط، لم أطلع عليها) قال: (وكانت
مفاجأة أن ينشر الكتاب في بيروت بتحقيق د. عفيف عبد الرحمن سنة 1987
ولكن ذلك لم يمنعني من متابعة تحقيق الكتاب، سيما وأن المحقق د عفيف
لم يعتمد في تحقيقه سوى نسخة الخزانة العامة والطبعة الحجرية) انظر
تفصيل كلام أبي همام (ص33) من نشرته التي أصدرها لأول مرة عام (1992م)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاضر الغائب
ابن زيدون
أغائبة عنّي،وحاضرة معي !
أناديكِ، لمّا عيلَ صبريَ، فاسمعي
أفي الحقّ أن أشقى بحبّكِ، أوْ أرَى
حَرِيقاً بأنفاسي، غَرِيقاً بأدمُعي؟
ألا عَطْفَة ٌ تَحْيَا بِهَا نَفْسُ عَاشِقٍ
جَعلتِ الرّدى منه بمرْأًى وَمَسمَعِ؟
صليني، بعضَ الوصلِ، حتى تبيّني
حقيقة َ حالي، ثمّ ما شئتِ فاصنَعي
ــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحبكم هذا...
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر النحوي. قال: قدم
عمارة بن عقيلٍ بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه،
وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر
الناس طراً، ويزعم غيرهم ضد ذلك، فقال: أنشدوني له، فأنشدوه:
غَدتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوىَ غدِ
وعادَ قتاداً عندَهَا كـلُّ مَـرْقَـدِ
وأنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ الـمـوتِ أَنَّـهُ
صُدُودُ فِراقٍ لا صُدُودُ تَـعَـمُّـدِ
فأَجْرَى لها الإِشْفَاقُ دَمْعاً مُـورَّداً
من الدَّمِ يَجْرِي فَوْقَ خَـدٍّ مُـوَرَّدِ
هيَ البدْرُ يُغنِيهاَ تَوَدُّدُ وَجْـهِـهـاَ
إلى كُلِّ من لاقَتْ وَإِنْ لـم تَـوَدَّدِ
ثم قطع المنشد، فقال عمارة: زدنا من هذا، فوصل وقال:
ولكنني لم أحْوِ وَفْراً مُجَمَّعاً
ففُزْتُ بِه إلاَّ بشَمْلٍ مُبَـدَّدِ
ولم تُعطِني الأيَّامُ نوماً مُسَكَّناً
أَلَذُّ بـه بـنَـوْمٍ مُـشَـرَّدِ
فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا
المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحبب الاغتراب، هيه!
فأنشده:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحَيِّ مُخْلِقٌ
لديباجَتَيْهِ فاغْـتَـرِبْ تَـتَـجـدَّدِ
فإنِّي رَأيتُ الشَّمسَ زيِدَتْ مَحَـبَّةً
إلَى النَّاسِ إذْ لَيْسَتْ عليهم بِسَرْمَدِ
فقال عمارة: كَمُل والله، إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني،
واطراد المراد، واستواء الكلام، فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره
فلا أدري!.
ــــــــــــــــــــــــــ
لعل دارك أن تواتي
قال القاسم ابن معن: كانت أم سعيد بنت سعيد بن
عثمان بن عفان عند هشام بن عبد الملك، ثم طلقها فندم على طلاقها، فتزوجها
العباس بن الوليد بن عبد الملك، ثم طلقها فندم على طلاقها، فتزوجها
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فدس إليها العباس أشعب بأبيات قالها،
وقال له: إن أنشدتها إياها فلك ألف دينار. قال: فأتاها فأنشدها، فقالت
له: دسك العباس وجعل لك ألف دينار؛ فأخبره عني ولك ألف دينار. ثم قالت:
وما قال? فقال: قال:
أسعدة هل إليك لنا سبـيل
ولا حتى القيامة من تلاق
قالت: إن شاء الله. فقال:
بلى ولعل دارك أن تواتي
بموت من حليلك أو فراق
قالت: بفيك الحجر. قال:
فأرجع شامتاً وتقر عيني
ويجمع شملنا بعد إنشقاق
قالت: بل نشمت بك إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فضل الأدب
قال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بنيّ لوعداكم
ما أنتم فيه ما كنتم تعوّلون عليه? فقال الوليد:أما أنا ففارس حرب،
وقال سليمان: أما أنا فكاتب سلطان، وقال ليزيد: فأنت? فقال: يا أمير
المؤمنين! ما تركا غاية لمختار. فقال عبد الملك: فأين أنتم يا بنيّ
من التجارة التي هي أصلكم ونسبتكم? فقالوا: تلك صناعة لا يفارقها ذل
الرغبة والرهبة، ولا ينجو صاحبها من الدخول في جملة الدّهماء والرعية،
قال: فعليكم إذاً بطلب الأدب، فإن كنتم ملوكاً سدتم، و إن كنتم أوساطاً
رأستم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نبراس
إذا كنت في حاجَةٍ مُـرْسِـلاً
فأَرْسِلْ حَكِيماً ولا تُـوصِـهِ
وإنْ بابُ أَمْرٍ عليكَ الْـتَـوَى
فشاوِرْ لَبِيباً ولا تَـعْـصِـهِ
وإنْ ناصِحٌ مِنْـكَ يَوْمـاً دَنـا
فلا تَنْأَ عَنْه ولا تُـقْـصِـهِ
وذا الحَقِّ لا تَنْتَقِصْ حَـقَّـهُ
فإنَّ القَطِيعةَ في نَـقْـصِـهِ
ولا تَذْكُرِ الدَّهْرَ في مَجْلِـسٍ
حَدِيثاً إذا أنت لَمْ تُـحْـصِـهِ
ونُصَّ الحَدِيثَ إلـى أَهْـلِـهِ
فإنَّ الأَمـانَةَ فـي نَـصِّـهِ
فَكمْ مِن فَتىً عـازِبٍ لُـبُّـهُ
وقَدْ تَعْجَبُ العَيْنُ مِن شَخْصِهِ
وآخَرَ تَحْـسِـبُـهُ أَنْـوَكـاً
ويَأْتِيكَ بالأمْرِ مِن فَـصِّـهِ
صالح بن عبد القدوس
ـــــــــــــــــــــــــــ
إخاء
قال ابنُ المقفَّع: كان لي أخ أعظم الناس في
عيني، وكان رَأس ما عظمه في عيني صِغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً
من سلطان بَطْنِه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكْثِر إذا وجد، وكان
خارجاً من سُلْطانِ فَرْجه، فلا تدعوه إليه مؤنة، ولا يتسخفّ له رأياً
ولا بدناً، وكان لا يتأثر عند نِعْمَةٍ، ولا يستكينُ عند مصيبة. وكان
خارجاً من سُلْطانِ لسانه، فلا يتكلَمُ بما لا يعلم، ولا يُماري فيما
علم، وكان خارجاً من سُلْطانِ الجهالة، فلا يتقدَم أبداً إلا على ثقة
بمنفعة، وكان أكثر دَهره صامتاً، فإذا قالَ بَزَ القائلين، وكان ضعيفاً
مستضْعَفاً، فإذا جد الجدّ، فهو اللَيثُ عادياً. وكان لا يدخل في دَعْوَى،
ولا يُشارِكُ في مِرَاء، ولا يُدْلي بحُجة حتى يَرَى قاضياً فَهما،
وشهوداً عُدُولا. وكان لا يلومُ أحداً فيما يكونُ العُذْرُ في مثله
حتى يعلَم ما عُذْرُه.
وكان لا يَشْكُو وجعه إلا عند مَنْ يرجو عنده البُرْء، ولا يستشيرُ
صاحباً إلا أنْ يرجوَ منه النصيحة. وكان لا يتبرَم ولا يتسخط، ولا
يتشكّى ولا يتشهّى، ولا ينتقم من العدو، ولا يَغْفُل عن الولي، ولا
يَخُصُّ نفسه بشيء دون إخوانه من اهتمامه وحيلته وقوتِه. فعليك بهذه
الأخلاق إن أطقتها، ولَنْ تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع.
ـــــــــــــــــــــــــــ
أين..؟!
روي أن عمرَ بن الخطاب، رضي اللِّه عنه، حجَ
فلمَّا كان بضجنان قال: لا إله إلاَّ اللّه العليّ العظيم، المُعْطِي
مَن شاء ما شاء، كنتُ في هذا الوادي في مِدْرَعة صوف أرْعى إبل الخطّاب،
وكان فظًّاً يُتْعِبني إذا عملت، ويَضربني إذا قصرت، وقد أمسيت الليلة
ليس بيني وبين اللّه أحد، ثم تمثّل:
لا شيء مِمَاِ ترى تَبْقَى بشاشتُـهُ
يبقى الإله ويُودي المالُ والولدُ
لم تغن عن هُرمُز يوماً خزائنهُ
والْخُلْدَ قد حاولت عادٌ فما خلَدُوا
ولا سليمان إذْ تجرِي الرياحُ لهُ
والجنُ والإنس فيما بينها تَـرِدُ
أين الملوك التي كانت نوافلُهـا
من كل صَوْبٍ إليها وافِد يَفـد
حوضُ هنالك مورودٌ بلا كـدر
لا بدَ من وِرْدِهِ يوماً كما وَرَدوا
ـــــــــــــــــــــــــــ
هلا قلت..
سمع بشارٌ بن برد قولَ كُثيًر بن عبد الرحمن:
أَلاَ إنما ليلَى عَصَا خَيْزُرَانَةٍ
إذا غَمزُوها بالأكف تلينُ
فقال: قاتل الله أبا صخْر! يزعم أنها عَصاً ويعتذر بأنها خيزُرانَة،
ولو قال: عصا مخُّ، أو عصا زُبْد؛ لكان قد هَجَّنَها مع ذكر العصا،
هلاّ قال كما قلت:
ودَعْجَاء المَحاجر من مَعَدً
كأن حديثها ثَمَرُ الْجنـانِ
إذا قامت لحاجتها تثـنـتْ
كأنَّ عِظَامها من خَيْزُرَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــ
بلاغة ..!
قال الأصمعي: حضْرتُ البادية فإذا أعْرابيٌّ
زَرَع بُرّاَ لهُ. فلمّا قام على سُوقِهِ وجاد سُنبُلهُ أتت علْيه
رجْلُ جَرَاد. فجعل الرّجُلُ ينْظرُ إليه ولا يدري كيف الحيلةُ فيه.
فأنشأ يقول:
مرّ الجرادُ على زرعي فقُلتُ لهُ
الزمْ طريقك لا تُولـعْ بإفسـاد
فقام مِنْهُمْ خَطيبٌ فوْق سُنبُلـةٍ
إنّا على سفرٍ لا بُـدّ مـن زاد
أعلى
الأدب الشعبي
بوح
قبل أن نطفئ الشمعة الأولى
بصدور هذا العدد، يطفئ (أشرعة) شمعته الأولى،
ويتأهب لدخول عامه الثاني بمزيد من الاصرار والمثابرة على تحقيق الأهداف
التي وضعها نصب عينيه مذ ان انطلق في 29 يناير العام 2008 بصورته المتجددة
هذه متزامنا مع عيد (الوطن) واحتفالها بأول اصدار لها في 28 يناير
1971، معلنة بذلك ميلاد الصحافة العمانية.
لم تكن صفحة الأدب الشعبي بعيدا عن المنهجية والرؤي التي اختطها (اشرعة)
وهو يخاطب جل شرائح القراء والمبدعين، ويحتضن انتاجهم الأدبي، ليكون
همزة وصل بينهم وبين القراء، معبرا عن الحالة الابداعية والفكرية التي
تعيشها بلادنا في عهدها الزاهر.
فقد جسدت صفحة الأدب الشعبي في (أشرعة) كل الملامح في مواكبة الحدث
الوطني منه والاجتماعي إضافة إلى أهدافها الأساسية في تشجيع الموهبة
في مجال الشعر الشعبي وتقويمها من أجل ضخ دماء جديدة في هذا المجال
تعتمد على النوع بشكل أو بآخر في ظل الظروف التي يمر بها الشعر الشعبي
من خلال الوسائل السريعة المتاحة والتي اعتمدت على الكم بعيدا على
الكيف وزعزعت كيان الشعر الشعبي في نوعيته بل وساهمت بشكل أو بآخر
في تكوين ذائقة ضعيفة على مستوى الجمهور.
لذا فإن صفحة الأدب الشعبي أقامت أهدافها منذ انطلاقتها الأولى لتأسس
ذائقة شعرية نوعية من حيث القصيدة التي يكتبها الشاعر ومن حيث الجمهور
المتتبع لساحة الشعر الشعبي، فكان التركيز بشكل أو بآخر على مستوى
القصيدة بعيدا عن اسم الشاعر مع تأكيدنا على احترام أقدمية التجربة
ومراعاتها اثناء عملية التنفيذ على الورق، وهذا هو أقل القليل الذي
نستطيع أن نقدمه من أجل الشعراء الذين سبقونا في التجربة ومن المؤمل
ان يعي الشعراء الجدد هذه المسألة وتقبلها برحابة صدر.
ارتكزت صفحات الشعر الشعبي على الشاعر العماني كأساس ينطلق من خلاله
الشعر ويجسد ملامح مستويات الساحة الشعرية الشعبية بل والحركة التطويرية
التي تقدم جوانبه المشرقة أمام القارئ بمختلف الأذواق، ومحاولة الابتعاد
في عملية النشر عن كافة المستويات التي قد يراها الكثير من المتقدمين
بنصوصهم للصفحة مناسبة للنشر وهي في الواقع تمثّل تيارا يتبنى وجهات
نظر معينة لا تمت للشعر بصلة، وفي بعضها الآخر قد يكون غير صالح للنشر
لمحاذير معينة من أجل الرقي بالشعر ـ لم توضع جزافا ـ مع جودة البعض
من هذه النصوص، لذا فإن على الشاعر ان يعي مسألة ان ليس كل ما يُكتب
وإن كان جيدا هو صالحا للنشر، وليس كل قصيدة التزمت بالوزن والقافية
وبمستوى معقول من الشعر لا تصلح أن تنشر، وما هذه الحيثيات البسيطة
الا لتنظيم عملية النشر بحيث يحقق الهدف الأسمى من تلك العملية وبالتالي
النهوض بالشعر العماني والرقي بذائقة المتلقي.
كما نود التأكيد دائما على ضرورة مراعاة أوضاع ـ المكان ـ على مستوى
الصفحة الواحدة والذي يخضع في أساسه لأمر فني يقدم خلاله المخرج الصحفي
فنا حاله حال الإبداع الشعري يجب علينا ان نقدره ونحترمه، ومع التأكيد
ايضا على أن وجهة نظر المحرر تعتمد بشكل أو بآخر على جودة النص وتجربة
الشاعر وموافقتها مع نظرة المخرج، وبالتالي الخروج عن الطموح الذي
يرسمه البعض في مخيلته لنشر نصه ما هو الا لظروف فنية لا يتعمد فيها
اي طرف نحو التقليل من أهمية القصيدة أو الشاعر، وامنياتنا ان يعي
الشاعر ان القصيدة الجيدة تفرض نفسها على القارئ أيٍ كان موضعها، وليتأكد
الجميع بأن صفحة الأدب الشعبي هي لجميع الشعراء بمختلف أطياف الإبداع
الشعبي ولكافة المستويات، وان الشاعر هو نبض هذه الصفحة الذي نتمنى
دائما ان يكون مساندا للأهداف وتحقيق الطموحات من أجل الشعر قبل كل
شيء، فمرحبا نجددها لكل الشعراء بمختلف وسائل الاتصال المتاحة.
ومضة..
يا ضايقٍ هذا الحنين يْتشابك ..
بيني وبين اللي مضى .. ولا يبيـّح !
مْن أنت لما يندفن بي ترابك ..
وأبقى أناجي ؟ ، وما أشوفك واصيّح ؟!
هاللحظة اللي ألتقي في جوابك ..
بشوف نفسي ميتٍ .. لين اريّـــح
فيصل بن سعيد العلوي*
*fai79@hotmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يا مزعل الغيم
ما زلت أتنفسك وما زلت أحتاجك
وما زال حسك معي يالقاطع الناسي
ما زلت في الذاكرة من يطفي سراجك
من يوهم الليل واحزاني وحراسي
ومن يقدر يطول قلبي عرشك وتاجك
لو شاف تتعب عيونه يا بعد ناسي
ولو كنت تفتح اذا تشتاق ادراجك
بتشوفني هناك مع حبري وقرطاسي
ما انكر اني وانا في صلب منهاجك
كنت املأ بالحب والتقدير كراسي
واروي من عيونك الخجلى من حجاجك
كل التفاصيل لين تفيض من كأسي
يا مزعل الغيم من حسنك وديباجك
ما جيت لك غير ظامي منكشف رأسي
أحمل على كتوف صبري سلة احراجك
وارمي بها في غياهب دافي احساسي
ليييين اقنعك انني ما زلت محتاجك
واتنفسك في الغياب وحضرتك ناسي
ياسر المشيفري
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كل هذا الحب
كل صبح
وانتي تذوبي ف كاسي واشربك
كل صبح
أشعر إني اتنفسك غير
ألفظك غير
وأشعل اللحظة معك
و أسألك : إنتي غير ؟
كل هذا الحب حولي
به تطوقني يدينك
به تغازلني نخيلك
آه يا كم ..
كم نسيت بسعفها حلم علقته سنين
كم نسيت .. و ..
أثمر بأرضك سواقي ياسمين
و أسألك : انتي غير ؟
مر بحرك .. من هنا
و أشهقت له ألف موجه
و التفت له ألف نورس من حنين
كان أبيض مثل ريشه
كان أزرق مثل حلم
كان دافي .. حضن أم
كنت احفظ كل تضاريسك
عن ظهر قلب
صرت احفظ كل تضاريسك
عن ظهر حب
هادئة مثل البرد
دافئة ضمة وعد
شاهقة سمرة جبال
راقصة رزحة و لال
كل سنة و يمرني عيدك النيروز
ترقصي ف عرسك دلال
و تنثري ورودك سلال
و أجمعك في دفتري
و أكتبك أشعار
و أسمعك زقزقة
من عصافير و يمام
و أعرف إنك انتي غير
و أسألك انتي غير
و أدري غير !!
طاهر العميري
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نـاااام
الإهداء : إلى من يعرف قيمة الانسان
" نام يا خوي وبحكيلك حكاية
نام..آآآه يا خوف الاماني
نام..آآآه يا جرحي
وسط صبحي
بمدار النور
والأنظار..والاعصار
نام ..ما بقى بقلبي
سوى شوية دموع
من تجفك جف عمري
وجفت أحلامي
وأحلامك..يا حبيبي
يالله نام
أمي قالتلي بتجي
معها خبزولحم..
وسجادة ومصحف
ناام
"
ما بنام
لين ما أمي تعود
ما أنام
يا اختي لاتلغي العهود
قلتي امس في
هذا المكان
ان عندك لجراحي دوا
ما بقالي دم
وانتي توعدين
ما بقالي حلم
وانتي تنيّمين
وين انام
وين امي وين ابوي
ما بنام
ولا مرة ثانية
بتاخذي لعبي
وانتي اللي ماخذه لعبي
وقلتيلي
اليهود اللي خذوه"
"نام
يا حبيبي ناام
باكر اجاوب عليك
عن سؤالك
واجاوب علي ..عن سؤالي
ويمكن الموت الي ما عرفناه
ولا عرفنا له معاني
من كثر ما احنا
تلاهينا بلعب وفرح
وشناط المدارس
والمراجيح الحزينة
في وسط غزة
مع الاطفال
يمكن قبل ما يرحمنا اللي
يصرخ بكل يوم انه نفس دمنا
يمكن الموت..المسافر
يرحمنا يااخوي
نام
يمكن من جثثنا
تزهر الأحلام"
شاكر العلوي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من علّمك يا ورد ..!
مـن علّمك يا ورد تقسى على الماي
مــن عـلـّم زهـورك تخون السحابه
كنت احـسبك تشفي لي جـروح دنياي
أثـرك غـديت همـوم قـلـبي وعذابه
ما أحـسب إن الورد ناكـر ونسّاي
ينسى السحاب اللي سكر من شرابه
يا ورد عمر الغدر ما هـز مبداي
دربي سمـا وحــروف شـعـري ربابه
أضـحـك وأخـفي عـن عذوليني بكاي
والـقـلـب ينزف بس محدٍ درابه
جـيتك تـسـابق روحـي وقلبي خطاي
ورجـعـت تالي الـدّرب كـومة كآبه
مـدّيت لك في شــدّة الـضـيم يمناي
يمــنى تـربّت بين عـــز ومــهـابه
واخـترت في عـينيك ســجـني ومنفاي
وابدعـت فـيهم وجـد شعر وصبابه
ظـنيت ترســم درب الاحــلام ويّاي
ظـنيت عـمـري الجـاي فرح ورحابه
هـوّه بقى يا صاحبي في العمر جاي؟
بعـدك رحـل كل فرح عمري وشبابه
انا نديم الليل او دمـعـة الناي
واحــد تبدّد مـا بقى الا سـرابه
اخـطـيت يا ورده والانسـان خطّاي
وقـلبي تعلّم مـ الخـطا وصـك بابه
علي المقبالي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جرح و زمهرير
لا تتعب أسئلتك أجيك من الأخير
آنا صحاري لا ظلال ولا مُزن
كم افترشني الهم للغربة حصير
وعْلى شفير الياس مرجحني الزمن
حيـيـتك بصرخة أنا كلّي بخير
وبداخلي مليون رغبة للحزن
تتلوّن أوجاعي بلعنات الهجير
ويصب غيم البؤس وابل من شجن
افتل خيوط النّار بيدين الحرير
واصرخ في وجه الريح عيثي بالكفن
وابحث عن السّجان في قلب المصير
دام المواجع حظ والغربة سجن
سولفت لأجل الجرح ينهي الزمهرير
ويعود هذا الحلم يهديني وطن..
يا صحب لا لا تسألوا ما فيه خير
آنا أنا من مولدي حتى الدّفن
بدريّة العامري
أعلى
دروازة
أثر الكف
وعندما يغيب القمر يا ولدي بين الجبال، فهو يعلن
استراحته التي قدرها الله له، وأنت يا ولدي تحوم وتقطع كل هذه الأمكنة
ولا تكترث لجسدك، وروحك غريبة أيها الضنين، فعلى أي منحدر ستلقي بها؟
وعندما يغيب القمر يا ولدي، تخرج الكائنات من الخفاء، تأخذ أشكالها
في الأمكنة، وتبحث عن رزقها المكتوب لها في اللوح، تبحث عن حياة جديدة،
فتتلبس البشر الهائمين، تسكنهم، وتسيطر على عقولهم، لتستفيد من مأكلهم
ومشربهم.
يا ولدي لماذا كل هذا الغليان في داخلك؟ أرى في عينيك تلاطم سيول جارفة،
يا ولدي امنحني قليلا من وقتك، قل لي ماذا يحدث معك؟ ما الذي تغير
فيك؟.
كان هذا دأبها كل نهار عندما يعود ابنها من رحلته الليلية، تراه ولا
تراه، فهو الغائب الحاضر، ذلك الذي عهده أهل القرية بابتسامته اللطيفة،
صار أقرب للمغيبين عن كونه إنسانا طبيعيا، فقد لمّح له البعض عن حالته
التي وصل إليها، لكنه كان يبادر كل ذلك بالصمت.
وأخيرا أخبر أخاه بما يحدث له، كان خائفا، حدّثه وهو يرتجف، قال له:
يا أخي، لن تصدقني لو أخبرتك، قال: سأصدقك، قال أريد مساعدتك، أريدك
أن تنقذني مما أنا فيه، وإلا سوف أموت يا ابن أمي، سوف أذبل حتى أختفي،
فلما وعده أخوه بأنه سيساعده وسيقف بجواره مهما كانت الظروف، أخبره
بحكايته فجاءت هكذا...
كان يتأخر في خروجه من المسجد، يجلس هناك في الزاوية، وعلى ضوء القنديل،
يقرأ قليلا من كتاب الله، ثم يرحل بفكره في عوالم كثيرة، وبعد أن يجلس
هنالك ما شاء من وقت، يخرج فيمشي وحيدا في ردهات المكان، وذات يوم،
سمع صوتا ناعما يناديه في الظلمة، لم يكن يتوجس من شيء، لذلك استجاب
للصوت، موجها ضوء قنديله صوبه، فخرجت له امرأة جميلة، لم ير في المكان
ما يضاهيها في جمالها، فاندهش من الحدث، اقتربت منه، وتحدثت معه، وبعد
ذلك تكرر خروجها في تلك الأوقات من الليل، كتم هو الخبر، ووعدها بكتمانه،
فأخذت بقلبه وعقله، كانا يلتقيان في الظلمة ثم يذهبان إلى المسجد فينامان
فيه حتى طلوع الفجر، وفي البداية كان يشعر بنشوة تلك اللقاءات، ولكنه
بعد ذلك أدرك أنها مسيطرة عليه، فهو لم يعد يجالس الناس كعادته، لم
يعد يكترث بعاداتهم وتقاليدهم، فوق هذا، أخذت عليه وعدا بأن لا يتزوج
ولا ينظر إلى امرأة غيرها، كانت تهدده بالقضاء عليه وقتله، لأنها أحبته،
فهي لن تتنازل عنه لغيرها مهما كان.
بعد زمن ساءت حالته، أصبح هزيلا وضعيفا، لم يكن يستمع إلى نداءات أمه
وبكاءاتها، لم يكن يدرك ما يدور حوله، كان ساهما وغائبا، راقبه أخوه
من بعيد في تجواله الليلي، رآه يقف هناك في الظلمة، سمعه يحدث صوتا
رقيقا لكنه لم يستطع أن يراه، أدرك الأخ ببصيرته النافذة أن أخاه قد
وقع في شرك كائنات الظلام، راقب تصرفاته، رآه وهو يمشي في الأمكنة،
ورآه حين يعود لينام في المسجد، كان يتلوى هنالك في الزاوية، رآه يهتز
ثم يثور فيخمد، وعندما أخبره بما جرى معه بعد ذلك لم يكن مندهشا، كان
مدركا لكل ما آلت اليه حالة أخيه، فصمم على مساعدته، ثم رسما خطة لذلك.
في تلك الليلة، وعندما عاد إلى المسجد، كانا يمشيان متجاورين، لم يبد
عليه شيء، الأمور بدت كما هي، التودد الجميل بينهما، والأحاديث المختلفة،
وغير ذلك مما يحدث بين الأحبة، حتى إذا دخلا المسجد واتجها إلى الزاوية
المعهودة ليقضيا ليلتهما كما تعودا، وبعد أن تعانقا بحميمية، بعد أن
هدأ كل منهما وغفت عيناهما، تسلل الأخ رويدا رويدا على أطراف أصابعه،
اقترب منهما ثم استجمع كامل قوته وطعن الجنية بخنجره، في تلك اللحظة،
وبلا وعي لوّحت الجنية بكفها ناحية الضربة كردة فعل للطعنة، لكنه حاد
عنها بينما ضربت الكف بقوة في الجدار وسقط ذلك الكائن جثة هامدة ثم
تلاشي شيئا فشيئا، قيل أن أثر الكف كان موجودا في جدار المسجد حتى
وقت قريب، لكنه تلاشى بسبب الترميمات الأخيرة التي حدثت في المكان.
زهران القاسمي
أعلى
كل
الطرق بيني وبينك تؤدي إلينا
كل المسافات أنذرت النهاية
بيني وبينك
درب طويل
يلزمنا كي نجتاز المستحيل
أن نكفر بهم
ويلزمنا كي نجتاز الرحيل
أن نؤمن بكلينا
غيمتين
رعدين
كنا
زهرتين
شوكتين
كنا
دمعتين
حزنين
كنا ..
* * *
كل الطرق تؤدي إلى روما،
وكل الطرق بيني وبينك تؤدي إلينا ..
* * *
أكثر الطرق نورا،
تلك التي يرابط فيها الشيطان مسكنا ..
أكثر الطرق ظلمة،
تلك التي تختصر ميعاد المسافات مسافة واحدة ..!
* * *
الخوف أن تقودنا كل الطرق إليهم ولا نجدنا ..!
* * *
يقول فاوست: أحب من يرغب في المستحيل ..
وأقول له: الطريق إلى "المستحيل" طويل ..
وأقول لمن أحب: إثمك الوحيد هو أنك أحببت امرأة لا تعرف شيئا اسمه
" المستحيل " .. !
* * *
وإن وضعوا العصابة على أعيننا؛
فإن أقدامنا لا يمكن أن تعمى عن طريقنا ..
* * *
للطرق ذاكرة،
وطريقنا لا ذاكرة لها سوى في عقلينا،
للطرق خارطة،
وطريقنا لا وجود لها في خارطة العالم،
ولكنها منقوشة بسهولها وهضابها وجبالها
بزلازلها وبراكينها وعواصفها
وأفقها ونجومها وشمسها في خارطة قلبينا ..
للطرق غواية،
وطريقنا معبّدة بالملائكة ..
* * *
إن الطريق مظلم وحالك،
فإذا لم نحترق أنا وأنت؛
فمن سينير الطريق .. ؟!
* * *
أحبك َ:
عليّ أن أفتح كل الطرق حتى أصل إليك ..
أحبك ِ:
عليك أن تكسر كل الطرق حتى تصل إلي ّ..
فهل من مفر ّ ..؟!
ليلى البلوشي
أعلى
ظواهر لغوية
لا سيما معنىً واستعمالا
حظي تركيب (لا سيما) بعناية من الدراسة والتحليل
كالتي حظي بها غيره من تراكيب العربية وألفاظها، وظهرت هذه العناية
في دراسات الأقدمين بدءا من كتاب سيبويه وانتهاء بالدراسات اللغوية
العربية في العصر الحديث.
ويكاد الاضطراب يكون ديدن جمهرة من الناطقين بالعربية والكاتبين بها
في استخدام تركيب (ولا سيما) فمنهم من يستعمل (لا سيما) بدون الواو،
وآخرون (سيّما) بحذف (الواو) و(لا) منها، وبعض منهم قد لا يعلم أي
الاستخدامات أفصح، ونحن في هذه السطور نحاول أن نلقي إلماعًا على هذا
التركيب.
فلا وجود لهذا التركيب في القرآن الكريم، وندر وجوده في الحديث الشريف،
وفي دواوين الشعراء من صدر الإسلام والعصر الأموي، ولا وجود له في
المجاميع الشعرية المشهورة كحماسة أبي تمام والبحتري والزوزني وغيرها
من المجاميع التي سارت على نهجها واقتفت أثرها (1)
وبدا لبعض الباحثين أن استخدام امرئ القيس (ولا سيّما) في قوله:
ألا ربَّ يومٍ لك منهن صالح ولاسيّما يومٍ بدارة جلجل
أنه تعبير لغوي تفتق عنه ذهن الرجل وصاغته شاعريته فاستعمله ثم لم
يعد إليه، وجاء الناس من بعده فحذوا حذوه وقلّدوه. (2)
وقد دفع بيت الشعر هذا العالم اللغوي يحيى ثعلب (ت 219هـ) إلى القول
بأن من استعمل هذا التركيب على خلاف ما جاء في قول امرئ القيس فهو
مخطئ (3) وقد جوّز آخرون حذف الواو منه . (4)
و(سِيّ) اسم بمعنى (مثل) يقال هو سُيّك أي مِثلك، وهو ليس لك بسِيّ،
أي هو ليس لك نظير، ويقولون: ( لاسِيّ لمن فعل ذلك ) (5)
وتركيب (ولا سِيّما) تعبير معناه (مثل) فقولك أحب أصدقائي ولاسِيّما
محمدا معناه: (ولا مثل محمدٍ ) أي أن محبتك له تفوق محبتك لأصدقائك
الآخرين .
وقال سيبويه: " وسألتُ الخليل عن قول العرب: (ولا سيّمازيدٍ)
فزعم أنه مثلَ زيدٍ و(ما) لغو " (6)
ومهما اشتجر الخلاف بين اللغويين في معنى ( لاسيّما) فإنه تعبير يراد
به أن ما بعده منبّه على أولويته بالحكم، فقولك: (أحبُّ العلماء ولاسيما
العاملين) معناه أن العاملين من العلماء أولى بمحبتك فيكون "
المذكور بعد (لاسيما) منبه على أولويته بالحكم " (7) ويكاد هذا
الرأي أن يكون إجماعا بين النحاة وهو الرأي الفيصل فيما شجر بين النحاة
واللغويين .
ومما وضُح عندي أنه لا يستقيم أن يقال في نحو: ( أحب الشعر ولا سيما
إن كان رقيقًا أن المعنى (ولا مثل إن كان رقيقا) فإن معناه: وخصوصا
إن كان رقيقا؛ وذلك لوقوع الشرط بعد (لاسيما) وكذلك إن وقع بعدها الظرف
كأن يقال: (تستحب الصدقة في رمضان ولاسيما في العشر الأواخر).
وقد ذهب الأستاذ عباس حسن من المحدثين إلى أن من لغات (ولاسيما) الاستغناء
عن الواو فقط والاستغناء عنها وعن (لا) معًا، ومنها تخفيف الياء في
كل لغاتها. (8)
وصفوة القول إن من استعمل (ولا سيّما) فقد تحرّى اللغة الأدبية الأولى،
ومن استعمل (لا سيّما) وحذف الواو أو خفف (لا سيَما) فهو غير مخطئ،
ولكنه استعمل اللفظ الأقل فصاحة، ويمكن الاستئناس هنا بمقولتي أبي
عمرو بن العلاء وأبي الفتح عثمان ابن جنّي في المفاضلة بما ثبت مجيئه
عن العرب من أنماط اللغة المختلفة، قال الأول "أعمل في الأكثر،
وأسمي ما خالفني لغات" (9) وقال الآخر:" الإنسان إن استعملها
على أي الأوجه القليلة، لم يكن مخطئًا بكلام العرب لكنه مخطئ لأجود
اللغتين." (10)
الهوامش
(1) بيد ولاسيما بين ثبات المصطلح وتمرد الاستعمال ، ( بحث ) حنّا
حداد ، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ، 1992 ، ص 292-293
(2) المرجع السابق ،291
(3) انظر : الصاحبي لابن فارس ، 231، ومغني اللبيب لابن هشام ، 1/139
،وخزانة الأدب للبغدادي ،2/64
(4) انظر : همع الهوامع للسيوطي ، 3/294، وحاشية الصبان ، 2/165
(5) لسان العرب ، ( سيّ)
(6) الكتاب ، 2/286
(7) تسهيل الفوائد ، 170
(8) انظر : النحو الوافي ، 1/364
(9) طبقات النحويين للزبيدي ، 34
(10) الخصائص ، ابن جني ، 2/12
د. سالم البلوشي
Salemabdullah@gmail.com
أعلى
|