الـوَهْـــــنُ
..
قتل رجل في غابة ، جريمة لا تغتفر ..
وقتل شعب بأكمله مسألة فيها نظر !! .
دولة الكيان الصهيوني ، تقيم الدنيا ولا تقعدها ، لأجل خطف جندي
من جنودها . ونحن لا نتحرك قيد أنملة ، عند وقوع مذبحة غزة !!
لقد محونا من تاريخنا مذبحة دير ياسين ، ونسينا صبرا وشاتيلا
، وتناسينا ، قانا ، ومذبحة بحر البقر ، وجنين ..وأيضا مذبحة
شاطئ غزة ليست ببعيدة عن الأذهان !! ماذا بعد ذلك من مذابح ،
ليست مذبحة غزة هي أول المذابح ولن تكون آخرها ، البقية في الطريق
، القصف والخراب والتدمير وسفك الدماء . لم ولن يتوقف .. لماذا
، ماذا حدث لنا ، وماذا أصابنا ؟ القضية هي صراع وجود ، وليست
صراع حدود . ونحن ، أين نحن ؟. لقد أصابنا الوهن ، الضّعْفُ
، حب الدنيا وكراهية الموت . هذا الحب كالماء المالح ، كلما
ازددنا منه شربا ، ازددنا عطشا . هذه هي الدنيا التي غرتنا جميعا
وخدعتنا ، وسرنا معها وأحببناها، لوحتنا تحت شمسها ، طوحتنا
في الخلاء ، نسينا كل شيء ، الموت واليوم الآخر . أصبحنا وأمسينا
عبيد الدنيا وأسرى المال ، ونسينا الموت ، والآخرة ، نسينا الحساب
والعقاب .انهمكنا بنهم في جمع الأموال وخزنها ، نضع عليها الأقفال
المحكمة بالأرقام السرية ، نسينا الفقير والمسكين والجائع .
نسينا الحكمة والمروءة والعفو والتسامح والعطاء وصلة الرحم .وكان
سيدنا يوسف يأكل يوما ويصوم يوما قيل له كيف تصوم وتحت يدك خزائن
الأرض . قال : أخشى إن شبعت ، أنسى الجائع .
نسينا الطريق إلى الله ، ومن يهن الله فلا مكرم له .أنستنا الدنيا
الطريق المستقيم ، طريق الحق .. أحببنا كل ما يبعدنا عن الله
. أصبحنا نهيم على وجوهنا في التيه والصحاري نبحث عن متع الدنيا
ورغبات البدن الفاني . كرهنا الموت والدفاع عن الأرض والعرض
والكرامة ، وضاعت المروءة على رمال الصحراء . قربنا الأعداء
، وأبعدنا الأصدقاء ، فصار الأصدقاء أعداء ، ولم يتحول الأعداء
إلى أصدقاء . بكينا كالنساء ، على ملك فقدناه ، بالأندلس ، ولم
نصنه ونحافظ عليه كالرجال . وتآمرنا على ضياع ديار الإسلام ،
وبكينا بين يدي زهرة المدائن . بكينا ولم تبك علينا الدنيا ..
في سبيل البقاء والحفاظ على الجاه والحياة . تجرعنا الماء المالح
، لنروي الظمأ الذي في الأبدان ، لكن الظمأ ازداد ظمأ ، والوهن
ازداد وهنا وضعفا وخوفا ..
وصدق رسولنا الكريم حين قال : يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما
تتداعى الأكلة إلى قصعتها . قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يا رسول
الله ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل
، ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم
الوهن . قالوا وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت .
عبدالسـتار خليف *
* من أسرة تحرير ( الوطن )
أعلى
الفنانون السوريون يستنكرون مجازر غزة
دمشق ـ من وحيد تاجا:استنكر الفنانون السوريون
المجازر الوحشية التي تمارسها إسرائيل ضد أطفال ونساء غزة..
وطالبوا الدول العربية باتخاذ موقف موحد لإيقاف هذه المجازر..
"الوطن" وقفت مع بعض الفنانين وقرأت استنكارهم وإداناتهم:
ما الذي يجري؟
الفنانة منى واصف قالت: ما هو الشيء المشرف الذي يمكن للإنسان
ان يقوله في مثل هذه الظروف وأمام هذه المجازر؟ وما قيمة الشجب
والتنديد الذي يتم؟ ماذا يحصل هل تكفي فقط بيانات التضامن..
صحيح ان العالم كله يحتج ولكن هل يكفي هذا!!.. بصراحة أنا لا
أعرف ماذا أقول. على الأحرى لا اعرف ماذا يمكن ان نعمل في وجه
هذه الجرائم التي تتم بحق الإنسانية جمعاء.. فيما مضى كانت اذا
انطلقت صرخة في الجزائر تهب الشعوب العربية من أقصاها الى أقصاها
لنجدتها.. فما الذي يجري هذه الأيام.. لا أعرف صراحة كيف أصف
ما يحصل في غزة على يد الصهاينة.. وحشية.. إجرام.. حيوانية حقارة..
كارثية.. ولكن أتوقف كثيرا عند المواقف الشعبية التي تتخذ..
بصراحة أنا أشكر جميع الفنانين الذين ألغوا حفلاتهم تضامنا،
وهذا أضعف الايمان.. كذلك أشكر الذين ألغوا أفراحهم وأعراسهم،
والذين يذهبون إلى المساجد ويدعون ربهم لإنقاذ هؤلاء الأطفال
والنساء..
نريد هذه القوة
أما الفنان سليم صبري فقد قال: بصراحة
اسأل نفسي ماهي نتيجة هذه الآراء والشجب والتنديد.. هل استفاد
منها الشعب الفلسطيني في غزة بشيء.. برأيي ان كل ما نعمل مجرد
صيحات تضيع في الهواء لأن الفعل الحقيقي اصبح للحكام ولم يعد
هناك ، للأسف، من تأثير للشعوب، الآن الفعل للحكام الذين إذا
اتفقوا مع بعضهم فقد يشكلون قوة، فإذا كانت الدول العربية متكاتفة
فعلا عندها يمكن ان نعمل شيئا. فالمد القومي هو الرد الوحيد
الذي يمكن له ان يسمح لنا بالوقوف في وجه أي عدوان تتعرض له
دولة عربية، المد القومي له معنى اتحادي معنى فكري معنى قوة..
ونحن نقول أننا نريد هذه القوة التي تنتج من الاتحاد، فلا أحد
يستبعد ان تنتقل هذه المذابح التي تحصل في غزة يوما ما الى القاهرة
أو الى دمشق أو الى عمّان وغيرها من العواصم العربية.. كلنا
يمكن ان نتعرض الى مثل هذه المذابح والمجازر ومع ذلك نحن نصيح
بأصواتنا نحن نريد حلولا.. ماهي الحلول.. الحلول هي الاتحاد
العربي.. الاتحاد الفلسطيني، فالخلاف الفلسطيني اليوم هو أحد
الأسباب الرئيسية في هذه المجازر، والخلافات العربية هي أحد
الأسباب فيما يحصل في غزة. وبرأيي أننا اذا أردنا ان نعمل شيئا
مفيدا فعلا يجب ان نعمل في هذا الاتجاه وعندها يمكن لنا ان نقف
امام إسرائيل وأمام أميركا.. وإلا فان كل بلد عربي معرض ان يهان
وأن يداس بالأقدام كما تداس غزة الان.
معنى الإرهاب
الفنان جهاد سعد عبر عن رأيه قائلا: من
الصعب جدا على الإنسان ان يقول أي شيء امام هذا المشهد القاسي
والمرعب.. هذه المجازر اللاانسانية ليست غريبة عن الكيان الصهيوني
فتاريخه كان مليئا دائما بالمذابح والمجازر والدم، أدعو المجتمع
الدولي ليرى معنى الإرهاب الحقيقي إرهاب الدولة إرهاب وبطش القوة
العسكرية امام شعب أعزل.. ما هو الذنب الذي اقترفه أطفال ونساء
وشيوخ غزة وسكان غزة حتى يحصل ما يحصل ويتعرضوا لكل هذا البطش
والقسوة.. أنا لا أستغرب من الأمم المتحدة ولا من مجلس الأمن
هذا الصمت لأننا أصبحنا عندما نقول الأمم المتحدة أو مجلس الأمن
كمن يقول إسرائيل، ولكني استغرب موقف المجتمع الأوروبي المبني
على تاريخ من الثقافة والحضارة والمواقف الإنسانية.. أين أصبحت
إنسانيته الان في ظل ما يجري من مجازر في غزة.. كذلك فأنا لا
استغرب الموقف العربي ولا الصمت العربي أبدا لأن الصمت العربي
اصبح الموقف الطبيعي الذي يواجه أي مجزرة تقوم بها إسرائيل وعدم
فعالية العرب في الكثير من المواقف أصبحت أمرا مفروغ منه للأسف،
ماعدا بعض المواقف لبعض الدول.
لا بد أن نفهم
الفنانة مي سكاف قالت: أيضا لا اعرف ماذا
أقول.. فحجم المجازر التي تجري في غزة.. والمواقف المقبلة تضع
الإنسان في حيرة.
انا أريد ان اوجه نداء الى كل الوطنيين الشرفاء ان يحاولوا رؤية
الموضوع من منطق عقلاني بعيدا عن العواطف، لأننا مجتمع يشترى
ويباع بالعواطف، وان نحاول جميعا تحديد الأولويات من جديد وتحديد
أعدائنا الحقيقيين، وبرأيي انه لابد لكل منا يقف وقفة عقلانية
ويعترف ان عدونا ليست إسرائيل وليست الولايات المتحدة الأميركية
، ويمكن القول ان الحلقة الأخف وطأة والأكثر سهولة في الصراع
والقتال هي إسرائيل.. لابد ان نفهم بعد اكثر من ستين عاما ان
العدو الأساسي هو الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، وهكذا تكون المعركة
أوضح واشمل، ويصبح كل منا يعرف من سيواجه وأولويات المعارك تكون
واضحة.
ابن خلدون وفلسفته
الفنان جمال سليمان من جهته قال: ماذا
يستطيع الفن أن يفعل رغم عشرات الدواوين والروايات والأفلام
والمسلسلات والندوات ما زالت لدى اسرائيل القدرة على استباحة
شعب بأكمله وما يحدث في غزة ليس حدثاً استثنائياً وطارئاً إنما
هو فصل من رواية طويلة بدأت عام 1948، وما يجري في غزة اليوم
لا يختلف عما جرى في دير ياسين عام 1948. مجزرة وراء مجزرة وأصبحنا
نراها على الهواء مباشرة وليس عن طريق ناج منها وأضاف: تعمقت
بشخصية ابن خلدون وفلسفته عندما لعبت دوره في مسرحية "منمنمات
تاريخية" فهو يرى أن الأمم تهزم من داخلها، نحن أمة لم
تستطع خوض معركتها مع إسرائيل حتى على جبهة اللغة في الخطابات
الدولية، أرسلنا الجهلة لكي يتحدثوا وتركنا الناس التي تفهم
مهمشة. واضاف مخاطباً أهل غزة: نعم.. كلنا مسؤولون عما يجري.
حزانى
وأخيرا تقول الفنانة ميادة الحناوي: أين
الضمير العربي .. وأين الضمير العالمي .. نرجو إيقاف إطلاق النار
فورا. أخاطب كل المسؤولين العرب ليقفوا في الصف الواحد لإيقاف
إطلاق النار في وجه الأبرياء والأطفال.. كم نحن حزانى ونحن نشاهد
أشلاء المسلمين العرب.. أين الضمير العربي؟!.
أعلى
غدا بالنادي
الثقافي
أحمد الفلاحي يقدم شهادته مع الشعر
تنظم أسرة الشعر الفصيح بالنادي الثقافي
في تمام السابعة من مساء غد محاضرة للمكرم أحمد بن عبد الله
الفلاحي بعنوان (شهادة مع الشعر العماني) يحكي فيها المحاضر
معايشته واستطلاعه للشعر العماني وذلك بقاعة النادي الثقافي
بالقرم وسيدير الفعالية القاص والإعلامي سليمان بن علي بن سليمان
المعمري رئيس الجمعية العمانية للكتاب والأدباء. ويعد أحمد الفلاحي
من رواد الأدب العماني المعاصر ومعايشته لكثير من الأدباء في
عمان وخارجها وقد عمل رئيسا لتحرير مجلة الغدير الأدبية فترة
من الزمن وله العديد من الإصدارات التي تتعلق بالأدب خاصة وبالثقافة
العمانية عامة كما أنه يعد من أوائل الذين عملوا في إذاعة سلطنة
عمان في مطلع السبعينيات من القرن الماضي مقدما ومعدا للبرامج
الثقافية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المحاضرة استفتاح لأعمال أسرة الشعر
الفصيح بالنادي الثقافي للعام الجديد حيث وضعت الأسرة في أجندتها
العديد من الفعاليات والأنشطة كالمحاضرات والأماسي الشعرية والقراءات
النقدية.
أعلى
بياض.....
*1*
غيمة وسط الأفق حبلى بالمطر ،، مثقلة بقبلات
الصيف وأنفاس الشمس ورائحة البحر التي أنعشت بياضها وسكنت أنفاسها
،،فصار كل شيء جميلا ودافئا ...كل شيء مغسول بالبياض....أجنحة
النوارس ،،أشرعة السفن،،قلوب العشاق وخطواتهم العابرة على الرمال
،،لون اللؤلؤ في أفئدة الصدف،،،حتى روحي صارت نرجسة بيضاء وصارت
أحلامي مخضبة بالبياض....
***2***
يلمع البياض في دشداشة أبي وعمامته كل
جمعة وبعض شعيرات لحيته الوقورة ويتدفق من دعواته الطيبة ينبوع
زلال ومن قلبه النقي حديقة زنابق ومن كفوفه يتنفس الغيم رذاذا
وليالي شتوية...
****3****
الياسمين ممسوس بالبياض إذ يعانق يمناي
أغلب الصباحات وإذ يقطف تلاميذي من حديقة قلوبهم أزهار الطفولة
فأجدني غارقة في الشفافية والعذوبة..
****4****
الأوراق معذبة بالبياض قبل أن تشاكسها
قطرات الحبر وتقبلها شفاه الأقلام وقبل أن تبكي سطورها قصائد
من الدمع وقبل أن يتراقص أبطال الروايات في الخطوط السوداء وقبل
أن ينفخ الكاتب معاناته فيها ويدخن وجعه ويترك سجائره في منفضة
الخيال..
وقبل أن يلامسها بأصابع ترتجف شوقا لنقش كلمات جديدة كانت بيضاء
قبل أن تستقر في كنفها بصمات محبرة بالألم وقبل أن تذوب في مساماتها
حروف الحب...
**5***
أغرق في لجج البياض ليس ثمة حزن يتكئ على
جدران الذاكرة ولا بكاء يترقرق في العيون المكحولة بالفرح...
من أي غيمة أسكب عطر البياض؟؟ في أي زجاجة وضعت أكسير الأمل؟؟
فتنهدت الروح ألقا
ونبض القلب حبا وطارت من دقاتي أجراس عاشقة وترنمت نهاراتي أغنيات
وأهازيج
كم أحن لغرس زهرة لوتس في حديقتي أو ملاحقة نحلة تمتص رحيقا
من ورودي...
أو أطير من قفص روحي حمامة سلام وأودعها قبل أن تحلق سرا ما
ثم أتركها تنثر ريشها في فضاءات الحلم..
**6**
لون البياض هو صوت الحب يأخذني لأحضان
الدفء لمراسي الوجد ،،لدروب تكتظ بالأمنيات ....لأحلام ترتعش
في أفق المساء.. في فناء العتمة ثم تتحول لفراشات يناديها صوت
الحرية لتغرس روحها في قنديل عاشق أو ترف بأجنحتها الشفيفة في
أفق لا يتسع سوى للبياض
*7*
لون مغسول بنكهة الربيع ...لون الحب واللقاءات العابرة بين غيمة
وعصفور بين سوسنة وشمس حنونة بين قلم وورقة بين الأنامل والناي
بين اللهفة والفرح والدهشة والمستحيل هو لون يسيطر على المكوث
بعيدا عن الحزن والالتصاق أكثر في حضن الفرح......لون الماضي
وذكريات الطفولة....
عزيزة الوهيبي
alwahibi112@maktoob.com
أعلى
صوت
النظرةُ نحو المستقبل
إذا كان المستقبل هو الذي نخطو له فكثيراً
ما نفكّرُ فيه ، وقليلاً ما نعمل له..!! إننا نكرِّر الحكايّة
مرّاتٍ ومرّات ، نفعِّل قدرتنا على التّذكرِ ، ولكن قدرتنا على
الخيالِ شبه معطّلة ..!! كثيراً ما نعيدُ حكايات الصبا والطفولةِ
وهي وإن كانت ذات علاقةٍ عميقةٍ لها وقعها اللّطيفُ في أنفسنا
إلاّ أنّنا أشبعناها طحناً وعجناً ..!! وكلِّ ما نتحدثُ عنه
هو الماضي ..!! نتوقُ لكل شيءٍ ماضٍ لأنَّ له نكهةً حتى لو كانت
مُرَّةً لأنه فعلٌ منجز..!
أمّا حين يأتي الكلامُ عن المستقبلِ فحديثنا عنه غائمٌ ، مشوّش
، عامٌ ، مشتَّت .. بينما المستقبلُ هو الأرضُ التي سنضعُ فيها
أقدامنا في اللّحظات القادمة ..!! المستقبلُ !! يحسبُ البعضُ
دائماً أن المستقبلُ هو القادمُ البعيد .. يحسبونه هو السرابُ
المرئي ، لا يوقنُ به غير ظامئ..!! في الوقت الذي يعني فيه المستقبل
الساعات القادمة إن لم نقل الثواني ..!
لقد أعجبتني فكرةُ أحد المعاهد اللُّوجستيه البريطانية وهو معهد
تشارترد للدعم اللّوجستي والمواصلات he Chartered Institute
of istics and Transport ، ففي عام 2006 حان احتفاله بمرور ثمانين
عاماً على إنشائه ، ولكنّه - وهذه هي الخطوة المحفّزةِ للخيالِ
- آثر ألاّ يذكر إنجازات المعهد خلال ثمانين عاماً ماضية - كما
تفعل أغلبُ المؤسسات والناس - وإنما أن ينظر إلى ثمانين عاماً
قادمة ..!! فأصدر تقريراً بعنوانٍ مثير هو "العودة إلى
المستقبل Back to the Future " وقد كانت فكرةً رائعة أن
يفكّر في المستقبل بالنّظر بصورة فوقيّةٍ من عام 2086 إلى ثمانين
عاماً مرّت وهي لم تمر بعد ..!! نعم "التنؤ صعبٌ جداً وخاصّة
عندما يكون حول المستقبل" كما يقول يوجي بيرا ، ولكنّنا
أفرطنا إذ تركنا الحبل على الغارب ، فأسلمنا قيادنا لقول الشاعر"دع
الأيام تفعل ما تشاءُ..!!" وهو إذا كان يفصح عن مقصده في
عجز البيت حين يقول "وطب نفساً إذا حكم القضاءُ" فإننا
اتبعنا الأول أكثر من اتّباعنا للثاني ..!!
أنظر للحكاياتِ التي تلوكها مسلسلاتنا التلفزيونية والإذاعيّة
حين تدور حول محورٍ واحد .. قضايا لا تخرجُ من إطار الماضي،
قصّة تلو أخرى ، قصص مغلقة لا تشرع أبوابها نحو المستقبل ..!!
واسمعنا حين نتحدث فإنا نقلّب الماضي تقليباً مملاً ..!! أجل
نقرُّ بأن الماضي هو منبعٌ للكثير من الحكايات ، فهو مطويات
التجارب ، وسلسلة الأحداث ، ومخزنُ الصورِ ، ولكن ما فائدةُ
الماضي إن لم يكن مُلهماً .. ؟! يقول المسرحي سعدالله ونوّس
"ما فائدة التاريخ إن لم يسمح لنا بالتنبؤ" .. نعم
ما فائدته إن لم يفتح للعقلِ أبواب الخيال .. الماضي قاعدة ،
الماضي تجارب استدلاليّة يمكنها أن تؤسس لقادمٍ آت .. لأن طبيعة
الإنسان - مهما تغيّرت العصور ، وأنماط وسلوكيات المعيشة - ستظلُّ
محافظةً على طبائعها الجوهريّة وإن تغيّرت بعض النظرات والآراء
والتّوجهات ..!
منذ أكثر من ثلاثة قرون كتب إسحاق نيوتن " أبدو لنفسي كما
لو أنني صبي يلعب على شاطئ البحر ، تلفت انتباهي من فينة إلى
أخرى حصاة أنعم أو صدفةٍ أجمل بينما يمتد محيط الحقيقة أمامي
ناظريَّ دون اكتشاف" ذاك كان في عصر قصيٍّ ، لا تتوفرُ
فيه وسائل المعرفة الحديثة كمثل هذا العصر ، ولكنّ بالرّغم من
توفرها في مجتمعاتنا العصريّة فإننا نفتقدُ إلى الروحِ التي
تتوقّدُ حماساً إلى صنع جديد ، أو إبتكار حديث .. ولذلك نتركُ
التفكير في المستقبل جانباً ، والمستقبل كما يقول جلالة السلطان
المعظّم "هو الذي ينبغي أن يكون مدار تفكيرنا وتخطيطنا".
إن العيشَ في الماضي هو ما يعرقلُ حركة المجتمعات ، ويثبّط تقدّم
الأفراد ، وبلادة العقول ، وفي ذلك يقول ديل كارنيجي" إن
العيش في الماضي من أهمِّ أسباب الشيخوخة المبكرة" فالشيخوخة
هنا ليست مقرونةً بهرم الجسدِ وإنّما ببلادةِ العقلِ ، وسكونيّة
التفكير ، وجموديّة الهمم ..! ولذلك أقول في موضوعٍ اختارته
وزارة التربية التعليم ليكون ضمن كتاب المؤنس المقرر للشهادة
العامة بعنوان "صناعة المستقبل" : لا يمكنُ للمرءِ
أن يفكِّر في المستقبل أو يرنو إليه وهو محاصر في فكرة جامدةٍ
، أو طاقةٍ معطّلة ، أو رؤيةٍ مبتسرة ، لا يمكنه أن ينتظر كي
ينطلق نحو فضاءات المستقبل لمسة الفضل الإلهي كي تحيل سكونيته
البليدة إلى التفاتات سماوية تغيّر التاريخ دون أن يغيّر من
نفسه "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " الرعد/11 .
من منّا الذي يمضي يومه/أسبوعه/شهره/عامه وفق مخطّط مستقبلي
واضح الأهداف..؟! مخطّط ليس مبنيا على الرغبات فحسب وإنّما على
الإمكانات والوسائل التي يمكن الحصول عليها ..!! نعم هو تحدٍّ
، ولكنّها ليست مهمّة مستحيلة في الوقت ذاته ..!! وذلك لو استطعنا
توظيف الأوقات المهدورة من أعمارنا ، واستثمرناها في هذا التخطيط
بدلاً من هدرها بلا طائل ..! هل نفتقدُ إلى الحماس ، أم للطريقة
؟!
إننا كلّما افتتحنا مشروعاً من المشروعات ، أو احتفلنا نظرنا
إلى الماضي في كلماتنا ، وسطّرنا الإنجازات التي مرّت والتي
أتينا على ذكرها مرّاتٍ ومرّات..!! ، فلماذا لا يكون للماضي
ثلث - لإرضاء أنفسنا - والمستقبل الثلثان في كلامنا ..!! لقد
تقدّمت الأمم لأنّ أفرادها يفكرون في المستقبل بجديّةٍ عمليّة
.. ولذلك أنتج تفكيرهم العمل من أجل تحقيق الأهداف التي خططّوا
لها بينما يسكننا نحو صوت شاعرنا الجاهلي وهو ننوحُ على الأطلال
..!!
أقول إن لم نتحرّر من النّوح على الأطلال ، واسترجاع الماضي
مرّةً بعد مرّة فإننا لن نتقدم .. كما إن الإنسان إذا ظلّ يدور
حول ماضيه دائماً وأبداً ، فلا جديدَ في قوله ، ولا حديث في
فعله ، ولا جدّةَ في طرحه ، ولا مبتكرَ في فكره ، ولا مُبهرَ
في أُسلوبه فإنّه إنسانٌ منتهٍ ، خرج من دائرة الحياةِ اليوميّة
المعاصرة .. فالتجديدُ في الفكرِ ، ومتابعةُ ما يحدث من حولنا
، ومراقبة تغيّرات الطبيعة ، وأحوالِ الإقتصادِ ، وتبدّلات السياسة
، وطروحاتِ العلم ، وسلوكيات البشر ، وفرص المعيشةِ ، هي المرتكزات
التي يبني عليها الإنسان تخطيطه ، ويضع عليها تصوّراته ، للمستقبل
، والمستقبلُ هو الساعةُ المقبلة ، اليومُ/الشهر/العام/ الأعوام
القادمة..!!.
وهذا الكلامُ لا ينطبقُ إلاّ على إنسانٍ حيّ ..! يريدُ أن يكونَ
لعيشهِ معنى ، ولحياتهِ قيمة ، ولإسمهِ أثر ..! أمّا ذلك الذي
يحبُّ العيشَ في دُجن الظلامِ ، وأرصفةِ الهوامش ، وصناديق النسيانِ
فهو يعيش لكي يأكل ، لا يأكل لكي يعيش..!! وهو ينامُ لكي يحلم
، لا يحلمُ لكي ينام ، وهو يجمعُ الأصداف والحصى لكنّ نظره قاصرٌ
عن النّظرِ إلى محيط الحقيقةِ الذي امتدَّ أمامه كما رآه نيوتن
..! يجمعها ليصوِّبها نحو البحر ثانيةً لأنّه ساخطٌ على كلِّ
شيءٍ ، منهزمٌ من كلِّ شيء .. ولعمري ما عاشَ ولا بقى إنسانٌ
ساخطٌ ، منهزمٌ على ظهرِ هذه الأرضِ .. إنّما العيشُ لمن جعل
المستقبلَ منارتهُ ، فحفّز لها خيالهُ ، وأعمل لها فكره ، فهو
مستمتّع بكل لحظةٍ يحياها لأنّها من نتاج فكره ، وليست من فتاتِ
الآخرين..!!
صالح الفهدي
Saleh_alfahdi@hotmail.com
أعلى