|
فتاوى وأحكام
* رجل عنده بنتان وولد أنهوا الثانوية العامة ولكنه لا يمتلك مبلغاً
يجعلهم يكملون الدراسة فهل يعد مقصراً في حقهم فيؤثم على ذلك ؟
**(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا)(البقرة:
من الآية286) ، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا)(الطلاق:
من الآية7) ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : إذا أمرتكم
بأمر فأتوا منه ما استطعتم . فهو لا يكلف حتى في فروض العبادات لا
يكلف بما لا يستطيع ، إن لم يطق القيام في الصلاة له أن يصلي قاعداً
، إن لم يطق أن يصلي قاعداً له أن يصلي مضطجعاً ، فكيف بما عدا ذلك
، فهو إنما يحسن إلى أولاده بقدر مستطاعه ، والله تبارك وتعالى يفتح
لهم أبواب الخير ، والله الموفق .
* رجل لم يؤد عن أولاده النسيكة فهل عليه شيء
في ذلك ؟
**لا شيء عليه ، وعندما يبلغون إن شاءوا أن يؤدوا
بأنفسهم كان ذلك خيراً لهم .
* هل يعني ذلك أنها (النسيكة) تبقى في ذمتهم ؟
**لا ، لا تبقى في ذمتهم ، لكن لو شاءوا أن يفعلوا
ذلك .
* توفي رجل منذ سنتين وكان وكيلاً للمسجد ويوجد لدى المسجد أموال تبلغ
النصاب ، وفي هذه الفترة منذ وفاة الرجل طُلب من ولده أن يسير الأمور
وهو لا توجد له دراية بمثل هذه المواضيع ، وهو يسأل هل تجب الزكاة
على أموال المسجد سواء مبالغ أو غيره ، وإذا كانت تجب فماذا يجب على
هذا الولد تجاه هذا الموضوع علماً بأنه يخاف من المساءلة القانونية
إذا أخرج أي مبلغ من هذه المبالغ ؟
** الزكاة إنما تجب على المتعَبدين ، ولا تجب
ما يسمى بالشخصيات الاعتبارية ، إنما تجب على الشخصيات الحقيقة أي
تجب على الإنسان المتعبد ، ولا تجب على المسجد ، ولا تجب على الوقف
العام ، ولا تجب على الوقف الخيري لمدرسة أو نحو ذلك فهذا مما لا تجب
فيه الزكاة ، والله تعالى أعلم .
* عندي مجموعة من الذهب لم أزكها منذ سنوات لا أعلمها ، وهذا الذهب
كنت أبيع منه لأشتري ذهباً آخر بنفس القيمة أو أكثر فكيف أزكي عن الذهب
؟
** في هذه الحالة تعود إلى التحري وتخرج الزكاة إلى أن تطمئن نفسها
بأنها أدت ما عليها وتكون بذلك أبرأت ذمتها إن شاء الله .
* الشغالة التي تعمل في البيت على من تكون زكاة فطرها ؟
** هي على نفسها لأنها ليست داخلة في من يعولهم الإنسان أي يعولهم
صاحب البيت عولاً واجباً عليه شرعا .
* وإذا أعطته هي المال ليخرج عنها أيصح ذلك ؟
** نعم .
* رجل يريد أن يتملك أرضاً لم يمض عليها خمس وثلاثون سنة وإنما اثنتا
عشرة سنة ، والقاضي لا يملكه إياها إلا إذا مضى عليها خمس وثلاثون
سنة ، هل يصح له أن يأتي بشهود يشهدون معه على أن الأرض مضى عليها
خمس وثلاثون سنة ؟
** هذه شهادة الزور ، ولا يتوصل إلى الحق بشهادة الزور ، بل يجب اجتنابها
فإن الله تبارك وتعالى شدّد في شهادة الزور قال (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان:72)
والنبي صلى الله عليه وسلّم أيضاً عندما ذكر الكبائر شدّد في شهادة
الزور وكرر كلمة (ألا وشهادة الزور ألا قول الزور) ذلك لأجل التغليظ
في هذه الشهادة ، ويجب على الإنسان اجتنابها فلا يحوم حولها بأي حال
من الأحوال ، والله تعالى أعلم .
* ما هي ضوابط الخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة ؟
** نعم ، حقيقة الأمر الخلوة التي تكون بين الرجل
والمرأة هي داعية الفتنة ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلّم أنه قال : ألا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم .
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم .
وقال : إياكم والدخول على النساء فقال له رجل من الأنصار : أرأيت الحمو
يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : الحمو الموت . وذلك لخطورة
دخوله على امرأة أخيه ، والمقصود بالحمو هو أخ الزوج ، فأخ الزوج هو
الموت لأن دخوله على امرأة أخيه أمر فيه من الخطر ما ليس بعده ، فهو
من المحارم التي يجب أن تتقى .
ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس لا يبالون بهذا
الأمر ، لا يبالون بهذا التوجيه النبوي الشريف ، ولا يبالون بهذا الضابط
الشرعي الذي ينفي عن الأمة كل ريبة وكل خطر أخلاقي ، فلذلك تقع أمور
سلبية ناتجة عن هذه الخلوة التي تكون بين الرجل والمرأة الأجنبية .
والخلوة هي أن يكون رجل وامرأة في مكان يمكن أن يتصرفا فيه من غير
أن تمتد إليهما عين ومن غير أن يراقبهما أحد ، ففي هذا المكان لا يجوز
لرجل أن يكون معه امرأة أجنبية إلا أن يكون معها محرم لها ، أما مع
عدم وجود المحرم فإن ذلك أمر فيه من الخطورة ما ليس بعده فيجب أن يتقى
ذلك ، والله تعالى أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
التجديد الفقهي في الإفتاء العماني المعاصر
1ـ8
التجديد في الاصطلاح إذا ما قرن بالفقه فمعناه
إدخال الجديد
عليه أو تصييره جديدا ولا يكون كذلك إلا بالتنزيل المطلق
الوحي على الواقع ومحاكمته به
الفقه الإسلامي قد وضع لكل حادثة حكما وأنه قد
ساير الأمة في كل أطوارها
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني: نظراً لتطور
الحياة المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن
يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي ، فالعلماء السابقون لم يدخروا
جهداً في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث
الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة
الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة،
وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة
العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان (التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان (التجديد الفقهي في الإفتاء العماني
المعاصر
قراءة في فتاوى الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة)
لحمود بن يحيى بن مسعود آل ثاني فقد أسلفنا فيما مضى طرح مجموعة من
البحوث التي قدمت في هذه الندوة واليوم نواصل القراءة لتعميم الفائدة
...
معنى التجديد
في هذا البحث والذي هو عبارة عن قراءة تحليلية لموضوع تجديد الفقه
في الإفتاء العماني المعاصر من خلال فتاوى سماحة الشيخ العلامة أحمد
بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة فقد قام الباحث بتقسيمه إلى مدخل
وأربعة محاور وهي كالتالي :
الأول : التعريف بسماحة الشيخ وذكر بعض جهوده التعليمية والإصلاحية
.
الثاني : حركة الاجتهاد والتجديد عند سماحته .
الثالث : القيم الأخلاقية لفقه الاختلاف عند سماحته .
الرابع : منهج الإفتاء عند سماحته .
ثم وضع خاتمة لهذا العمل بأهم النتائج المستخلصة منه .
قبل أن يسري الحديث في متعلقات ومحاور هذا الموضوع رأى الباحث أن يقف
قليلاً مع مفردات عنوانه ليُعِرف (التجديد و الفقه و الفتوى) تعريفاً
إجمالياً .
ــ التجديد في اللغة : قال ابن منظور : تجدد الشيء : صار جديداً وأجدده
وجدده واستجده أي صيره جديداً ، والجدة مصدر الجديد .
وقال أبو علي وغيره : جد الثوب والشيء يجد بالكسر صار جديداً وهو نقيض
الخلق ، وعليه وجه قول سيبويه : ملحفة جديدة .
والتجديد في الاصطلاح إذا ما قرن بالفقه فإن معناه : إدخال الجدة عليه
أو تصييره جديدا ولا يكون كذلك إلا بـ (تنزيل المطلق ـ الوحي ـ على
الواقع ومحاكمته به).
الفقه في اللغة : هو العلم بالشيء والفهم له واشتقاقه من الشق والفتح
ويأتي بمعنى الفطنة والحذق .
في الاصطلاح :. هو الفهم في الدين قال تعالى: (ليتفقهوا في الدين)
أي ليكونوا علماء به، ودعا النبي ـ صلى الله عليه وسلم لابن عباس ـ
رضي الله عنهما ـ ((اللهم فقهه في الدين وفقهه في التأويل) أي فهمه
تأويله ومعناه، وقد جعله العرف خاصاً بعلم الشريعة شرفها الله ـ تعالى
ـ وتخصيصاً بعلم الفروع منها .
الفتوى في اللغة: بمعنى الإبانة، أفتاه في الأمر: أبانه له ويقال:
أفتاه في المسألة يفته إذا أجابه.
في الاصطلاح :. الفتيا والفُتوى والفَتوى: ما أفتى به الفقيه والفتح
في الفتوى لأهل المدنية .
القرآن والسنة في بيان الأحكام الشرعية
طريقة القرآن والسنة في بيان الأحكام الشرعية:
للقرآن الكريم والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم
طريقتان في بيان الأحكام :.
الأولى: بيان بغير سؤال واستفتاء وهو الأكثر في القرآن الكريم.
الثانية : بيان بعد سؤال واستفتاء بصيغة (يسألونك) وهي الأكثر استعمالا
في كتاب الله تعالى
كما في قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع
للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) ، وقوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة
؟ قل هي مواقيت للناس والحج) .
و (يستفتونك) مثل قوله تعالى(ويستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة...).
وقد ينزل الجواب بغير هاتين الصيغتين مثل ما أخرجه الترمذي أن رجلاً
سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إني إذا أصبت اللحم انتشرت
للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم فأنزل الله ـ تعالى ـ: (يأيها
الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا....) وفي
أسباب النزول ما يفيد كثرة هذا في القرآن الكريم.
ــ وفي السنة المطهرة ما يكون جواباً لسؤال أو ما يكون ابتداء دون
سؤال من أحد فيه تعليم لجاهل أو تخصيص لعام أو تقييد لمطلق... الخ
أنواع البيان النبوي للكتاب العزيز.
ومثال ما كان جواباً على سؤال: أن طارق بن سعيد سأل النبي ـ صلى الله
عليه وسلم ـ عن الخمر فنهاه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء،
فقال: (إنه ليس بدواء ولكنه داء).
و فتاوى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تتناول شتى نواحي الحياة.
واستمرت الفتوى بعده عليه الصلاة والسلام إلى
يومنا هذا...
المكتبة الإسلامية
وحول المكتبة يقول أولاد ثاني : قد تركت لنا المكتبة الإسلامية كنوزاً
في هذا الجانب من مختلف المذاهب الإسلامية وقد رتبها العلماء في الغالب
الأعم على أبواب الفقه.
ـ فمن هذه الكتب في المذهب الإباضي :
1ـ المدونة لأبي غانم بشر بن غانم الخرساني ( ق 2هـ).
2ـ جامع محمد بن أبي جعفر ( ق 3هـ ).
3ـ الجامع المفيد لأبي سعيد ( ق 4هـ ).
4ـ جامع الحواري لمحمد بن الحواري ( ق 4هـ ).
5ـ جامع أبي الحسن البسيوي ( ق 5هـ ).
6ـ المصنف لأبي بكر الكندي ( ق 5هـ ).
7ـ بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي ( ق 6هـ).
8ـ جواهر الآثار لمحمد بن عبد الله بن عبيدان ( ق 11 هـ).
9ـ جامع الجواهر لجمعة بن علي الصائغي ( ق 12هـ).
10ـ لباب الآثار لمهنا بن خلفان البوسعيدي ( ق 12هـ).
11ـ مكنون الخزائن لموسى بن عيسى البشري ( ق 13).
ــ ومن هذه الكتب في المذهب الحنفي :. الفتاوى الكبرى والصغرى للصدر
والبزازية والطهرية والزينية والحامدية والفتاوى الهندية والمهدية
وغيرها.
ــ وفي المذهب الشافعي :. فتاوى إبن الصلاح والنووي والسبكي والشيخ
زكريا وابن حجر الهيتمي وغيرها.
ــ وفي المذهب الحنبلي :. اشتهرت فتاوى ابن تيمية صدرت في 35 مجلداً
جمعها الشيخ عبد الرحمن النجدي وطبعت على نفقة الدولة السعودية.
ــ كتب الفتاوى في العصر الحديث :.
وفي هذا العصر عرفت فتاوى الشيخ محمد عليش شيخ المالكية وهو كما يصفه
الشيخ القرضاوي يمثل المدرسة التقليدية بما لها من مزايا فهو لا يهتم
كثيراً بمشكلات عصره، ولا يعترف بما طرأ على المجتمع من تغيير وكان
معاصراً للشيخ محمد عبده ومن ألد خصومه في اتجاهه هذا.
ومنها فتاوى العلامة المجدد محمد رشيد رضا والتي كان ينشرها في مجلته
الإسلامية الغراء ( المنار ) وقد جاءت فتاواه استجابة لقراء المجلة
فشملت مشكلات العديد من أقطار الأمة الإسلامية.
ـ ومنها فتاوى الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ( ق 14هـ ) ( تمهيد قواعد
الإيمان).
ـ ومنها فتاوى الشيخ محمد بن يوسف اطفيش ( ق 14هـ ) ( كشف الكرب )
ـ ومنها أجوبة الشيخ صالح بن علي الحارثي ( ق 14هـ ).
ـ ومنها فتاوى العلامة السالمي ( ق 14 هـ ) المسماة ( أجوبة الإمام
السالمي ) في سبعة مجلدات.
ـ ومنها فتاوى الشيخ أبو زيد الريامي ( ق 14هـ ) ( حل المشكلات )
ـ ومنها فتاوى الشيخ بيوض ( ق 15هـ ).
ـ ومنها فتاوى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي التي هي موضوع حديثي
وقد ظهر منها إلى الآن خمسة مجلدات.
إن هذه الكنوز الفقهية لعلماء المذاهب الإسلامية
عبر تأريخها الطويل لتؤكد على حقيقة هامة وهي أن الفقه الإسلامي قد
وضع لكل حادثة حكما وأنه قد ساير الأمة في كل أطوارها قوة وضعفاً وتأثر
بأوضاعها سلباُ وإيجاباً، وصور حالها أحسن تصوير، فالفقه ليس إلا فهما
بشرياً للوحي الإلهي قرآنا وسنة.
وأنه لا ريب أن علماء المسلمين يتفاوتون في قوة مداركهم ومدى فهمهم
للنصوص وفي إصابة تطبيق النص على الواقع أو تكييف هذا الواقع بحسب
ما تمليه النصوص وما اجتهادات هؤلاء العلماء إلا هي نموذجاً حياً يؤكد
لنا هذا التفاوت كما يزيدنا يقيناً بأنهم كانوا يراعون المقاصد الشرعية
ومصالح الناس المتفاوتة بحسب الزمان والمكان.
ومن هنا يمكن القول أيضاً بأن هذه الكنوز وغيرها من كتب الفقه هي دليل
عملي على خصائص الفقه الإسلامي وما اتصف به من شمول وتوازن وجمع بين
المرونة والثبات بالإضافة إلى أصالته واستقلاليته.
ولنا بقية للموضوع ...
أعلى
السنة النبوية المصدر الثاني
الحلقة الرابعة
من القضايا المهمة في علم الحديث توثيق الرجال وتضعيفهم ، فإن كتب
الجرح والتعديل ـ على أهميتها ـ كثيرا ما تطالعنا بتضعيف رجال لغير
سبب مقبول وإنما بسبب الاختلاف في بعض القضايا العقدية ، فالمطالع
في كتب الجرح والتعديل والتراجم يجدهم يقولون فلان ثقة ولكنه يقول
بخلق القرآن يشيرون بذلك إلى الطعن فيه ، مع أن هذه القضية لا علاقة
لها بقبول الراوي أو رفضه وإنما الذي يعرف به مقبول الرواية من غيره
هو الخوف من الله والعدالة في الدين والضبط للرواية وأن لا يكون من
المشهورين بالتعصب لمذهبه والحديث مما فيه نصرة لمعتقده ، ونجد في
كتب الجرح والتعديل تجريح الراوي لا لشيء إلا المخالفة في المعتقد
كقولهم ثقة ولكنه كذا وكذا (يعنون المذهب) فما دام ثقة فلماذا ترد
روايته للمخالفة في المعتقد والفكر ، وكأن التمذهب بذلك المذهب جريمة
لا تغتفر مع أنه قد يكون أصلب عقيدة ، فتردعه عقيدته أكثر ممن يعتقد
بخلاف عقيدته فمثلا من يعتقد خلود صاحب الكبيرة في النار ويعتقد أن
الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر أقرب إلى
قبول الرواية ممن يعتقد خروج صاحب الكبيرة ، ولذلك صرح بعض أهل الحديث
بأن الخوارج أبعد المذاهب عن الكذب ، وبالعكس فقد يتغاضون عن أخطاء
بعض الرواة لأنه يوافق المعدل في الفكر والمعتقد .
وهذه بعض النماذج من الأخطاء التي وقعت في التعديل والتجريح لغير سبب
مقبول :
قال الذهبي في ميزان الاعتدال :( 5936 - علي بن محمد، أقضى القضاة،
أبو الحسن الماوردى.صدوق في نفسه، لكنه معتزلي).
فما دام صدوقا في نفسه فلماذا يقدح فيه لكونه معتزليا ، مع ما عرف
عن المعتزلة من بعدهم عن الكذب لاعتقادهم بخلود صاحب الكبيرة .
وقال عبدالوهاب بن علي السبكي في طبقات الشافعية الكبرى في ترجمة إبراهيم
الحربي :(وقال أبو بكر الشافعي سمعت إبراهيم الحربي يقول عندي عن علي
بن المديني قمطر ولا أحدث عنه بشيء لأني رأيته بالمغرب ونعله بيده
مبادرا فقلت إلى أين قال ألحق الصلاة مع أبي عبد الله قلت من أبو عبد
الله قال ابن أبي داؤد.
قلت ـ السبكي ـ : نقم عليه اقتداؤه بابن أبي داؤد القائل بخلق القرآن
وقد كان ابن المديني ممن يقول بذلك فإنما نقم عليه فى الحقيقة نفس
البدعة وأنا أنقم عليه مع البدعة مبادرته وسعيه ، والسنة أن يأتي الصلاة
وهو يمشي وعليه السكينة ولا يأتيها وهو يسعى) .
فانظر كيف ترك إبراهيم الحربي التحديث عن ابن المديني لا لشيء إلا
لأنه كان يقول بخلق القرآن أو يصلي خلف من يقول بخلق القرآن !!
وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان : (1192 - عياض بن أبان بن صدقة
أبو محمد القاضي روى عن إسماعيل بن جعفر وهشيم ويحيى بن أبي زائدة
ومحمد بن الحسن الشيباني وتفقه عليه روى عنه الحسن بن سلام السواق
وغيره وكان جوادا فاضلا عارفا لكنه كان يقول بخلق القرآن ويدعو الناس
إليه )
وكأن قوله بخلق القرآن يقدح في جوده وفضله !!
وقال الذهبي في ميزان الاعتدال :( 9397 - [ صح ] الوليد بن كثير [
ع ] المخزومى. ثقة صدوق.حديثه في الصحاح.سمع سعيد بن أبى هند، والكبار.
قال أبو داود: ثقة إلا أنه أباضي.
وقال ابن سعد: ليس بذلك.
وقال ابن معين: ثقة.)
فإن كان ثقة فلماذا يلمز بأنه إباضي ، أوليس الإباضي أولى بالرواية
عنه ـ لأنه أبعد عن الكذب لاعتقاده بخلود من يكذب على الرسول صلى الله
عليه وسلم في النار ـ ممن يعتقد بعدم خلوده لو كانوا ينصفون !!
وقال الذهبي في الكاشف : (3867 - عكرمة أبو عبد الله المفسر عن مولاه
وعائشة وأبي هريرة وعنه أيوب والحذاء وعبد الرحمن بن الغسيل وخلق ،
ثبت لكنه إباضي يرى السيف روى له مسلم مقرونا وتحايده مالك مات 106
وقيل 107 ع )
وفي مقابل هذا انظر إلى التساهل إلى من يوافقونهم في الفكر والمعتقد
، فإن مجرد الانتماء إليهم كاف في الحكم للإنسان بالفوز والسعادة ،
فقد روى ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة عمن سماه شيخ الطائفة في وقته
الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري وصية طويلة يقول فيها : (
والمستور من بان ستره والمهتوك من بان هتكه وإذا سمعت الرجل يقول:
فلان ناصبي فاعلم أنه رافضي وإذا سمعت الرجل يقول: فلان مشبه أو فلان
يتكلم بالتشبيه فاعلم أنه جهمي وإذا سمعت الرجل يقول: تكلم بالتوحيد
واشرح لي التوحيد فاعلم أنه خارجي معتزلي أو يقول: فلان مجبر أو يتكلم
بالإجبار أو تكلم بالعدل فاعلم أنه قدري لأن هذه الأسماء محدثة أحدثها
أهل الأهواء ، وقال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة
في الرفض شيئاً ولا عن أهل الشام في السيف شيئاً ولا عن أهل البصرة
في القدر شيئاً ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئاً ولا عن أهل مكة
في الصرف ولا عن أهل المدينة في الغناء لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء
.
وإذا رأيت الرجل يحب مالك بن أنس ويتولاه فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء
الله . وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة وأسيداً فاعلم أنه صاحب سنة
إن شاء الله ، وإذا رأيت الرجل يحب أيوب وابن عون ويونس بن عبيد وعبد
الله بن إدريس الأودي والشعبي ومالك بن مغول ويزيد بن زريع ومعاذ بن
معاذ ووهب بن جرير وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ومالك بن أنس والأوزاعي
وزائدة بن قدامة فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل
والحجاج بن المنهال وأحمد بن نصر وذكرهم بخير وقال بقولهم فاعلم أنه
صاحب سنة.
وإذا رأيت الرجل يجلس مع أهل الأهواء فاحذره وأعرفه فإن جلس معه بعد
ما علم فاتقه فإنه صاحب هوى .
وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه
رجل قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه .
واعلم أنه من تناول أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم
أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم وقد آذاه في قبره ، وإذا ظهر لك
من إنسان شيء من البدع فاحذره فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهر ، وإذا
رأيت الرجل ردي الطريق والمذهب فاسقاً فاجراً صاحب معاص ظالماً وهو
من أهل السنة فاصحبه واجلس معه فإنه ليس تضرك معصيته ، وإذا رأيت الرجل
عابداً مجتهداً متقشفاً محترفاً بالعبادة صاحب هوى فلا تجلس معه ولا
تسمع كلامه ولا تمش معه في طريق فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك
معه ، ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال: يا بني
من أين خرجت؟ قال: من عند عمرو بن عبيد قال: يا بني لأن أراك خرجت
من بيت هيتي أحب إلى من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان ، ولأن تلقى
الله زانياً سارقاً فاسقاً خائناً أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء
.
أفلا تعلم أن يونس قد علم أن الهيتي لا يضل ابنه عن دينه وأن صاحب
البدعة يضله حتى يكفره ؟ .
ولنا بقية...
إبراهيم بن ناصر الصوافي
الباحث بمكتب الإفتاء
أعلى
|