|

|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تاريخيات
|
|
|
|
|
|
|
دروازة
|
|
|
|
|
رسائل ممطرة
|
|
مبتدأ
يعد التناص من التقنيات
المبتكرة التي يشتغل عليها النص الإبداعي، وهو من التقنيات الأكثر
إثارة للجدل والأسئلة، لاسيما فيما يتعلق بالحدود الفاصلة بين التناص
الفني المحكم والسرقة الأدبية. وتتعدد وجهات النظر كثيرا في هذه المسألة.
فثمة من النقاد من يرى أن كثيرا مما ذكره القدامى من أنواع السرقات
الأدبية لا يعدو كونه تناصا فنيا، فيما يتعذر لدى البعض الجزم في هذه
المسألة نظرا لتعدد وجهات النظر حد التقاطع. أما البعض الآخر فيذهب
إلى أن عمليتي الامتصاص والتحويل قد تتحققان لحظة الكتابة عن غير قصد
من المبدع. ويشترط البعض قدرة المبدع على تشكيل التناص في قوالب إبداعية
مغايرة ومختلفة عن الآخرين. حول هذه القضية تفرد (أشرعة) في هذا العدد
تحقيقا معمقا يلقي الضوء على جوانب هامة من الموضوع عبر آراء عدد من
المختصين.
تتجه أشرعة في هذ العدد إلى ذاكرة القرى القديمة والأرياف وجمالياتها
واندثار بعضها، والهجرة منها إلى المدن في بعض البلدان. ففي هذا السياق
يكتب الزميل عبدالستار خليف عن المفردات الرائعـة من الحيـاة اليوميـة
في القرية العمانية، حيث يسجل في الجزء الأول من مقالته في هذا العدد
الكثير من المشاهد والمفردات النابضة التي تزين حياة القرية العمانية
بعبقها الأصيل.
أما المعماري الدكتور وليد أحمد السيد فيكتب قراءات في ظاهرة الهجرة
الحضرية ومشكلات المدينة، متناولا مظاهر الهجرة من الأرياف والقرى
إلى المدن الكبرى وآثار ذلك على المستوى الإنساني والاجتماعي والبيئي
وغير ذلك مما يصطدم به المهاجرون من أمراض المدينة التي لم يعهدوها
في القرى مثل الكآبة والقلق على المستقبل وغياب الأمان الاجتماعي وانتشار
الجريمة وظاهرة البحث عن عمل والتخريب والعصابات وارتفاع مستوى المعيشة.
وليس ببعيد عن البيئة والقرية والطبيعة البكر يواصل الدكتور محمد بن
مسلم المهري تجواله في فضاء القصيدة العمانية المعاصرة، مستجليا حضور
البحر في تفاصيل المنجز الشعري العماني الحديث.
الكاتب عبدالله خميس يقدم في هذا العدد ترجمة لرؤية جيمس بيراردينيللي
حول فيلم (استراليا) للمخرج باز لوهرمان. فيما تقدم الكاتبة عزة القصابي
رؤية نقدية للمسرحية الإماراتية (النمرود).
مواضيع ونصوص وقراءات أخرى مختلفة يجدها القارئ في هذا العدد من أشرعة.
المحرر
أعلى
صفيرُ سلالةِ التاريخِ
أعِدْ وَجْهَكْ
لتعلمَ كمْ صَلَبتَ عليهِ غيماتٍ ولمْ تُفْطَمْ صحاريها
لتعلمَ كمْ صلاةٍ قدْ تَشَظَّتْ بينَ عيْنَيْكَ اللتينِ
أضاعتا درْبَ الإلهِ لمَنْ همُ خلْفَكْ
لِتُحْصِيَ كمْ عَزاءٍ كنتَ تُخفيهِ تُمرِّغٌهُ بوجهِ الريحِ
تُلْقيهِ قميصَا طَعمُهُ إثمٌ
على الناجينَ ممّنْ أغمضوا عيْنَكْ
أعِدْ وجهَكْ
لتَنْفُضَ عنْ ملامحِهِ ملاحمَنَا
مآثرِهِ هزائِمَنَا
مدائِنِهِ مذابِحَنَا
فقدْ قصُرَتْ مواجِعُنا تُرمِّمُ فيكَ أشلاءً
وأعيتْنا مواويلٌ تناسَلُ بينَ أسنانِ الذينَ أتوا بها بعدَكْ
أعدْ وجهَكْ
لتحسُبَ قسمةَ الميراثِ
من سينا إلى صحرائِنا الكبرى إلى النهرينِ
حتّى رُبْعِنا الخاليْ
حفظْناهُ كمثلِ الليلِ مُنحَدِرًا
ولمْ يبلغْ سنيَّ الضوءِ صاحبُهُ
ولمْ يحملْ ملوحتَهُ
وكانَ عمودُهُ الفقريُّ منْ قمحٍ بلا لونٍ
أيُشبِهُ في الضحى لونَكْ؟؟؟
أعدْ وجهكْ
خُرافيُّ الصياحِ ودمعُهُ فينَا بلا لغةٍ
عجنَا مِلحَ تربَتِهِ، فلم تنبتْ سنابلُنا
خبزنَا قَمحَ سنبُلِهِ، ولمْ تأكلْ مفاصِلُنا
ملأَنا منْ خريرِ الليلِ نخوَتَنا
عبرنا الضّفّةَ الأخرى ... إلى الأخرى
رسمنَا دولةً في وسطِ دولتِنَا
فأنجَبَ وهمُنا الذاتيُّ وهمًا ليسَ ذاتيًّا
أيشبهُ رسمُنا رسمَكْ؟!!
أعدْ وجهَكْ
فراغٌ صارَ يملأنا
ورائِحَةُ الخطيئةِ في مدائننا
بملءِ الليلِ تعبرُنا
على صمتٍ يؤثِّثُنا صفيرُ سُلالةِ التاريخِ
يشطُرُنا إلى ثقلينِ
إرثٌ مرَّ ماضيهِ وقدْ يبِستْ على كفّيهِ ذاكِرَةٌ
وحضنٌ ماتَ لمْ يولَدْ لهُ زمَنٌ
أجبنا أنتَ ماذا لو أقمناها بلا صُلحٍ
أيملأُ جُرحُنا خصمَكْ؟!!
أعدْ وجَهكْ
أصابِعَهُ النحيلَةَ لونَ جبهَتِهِ الرّماديَّ الذي
ما زالَ يغرينا بذاكرةِ الدّماءِ
بأغنياتِ العابرينَ إلى السّماءِ
أعدْ بقايا مائهِ الدّامي
فقدْ أعفتْكَ منْ خَجَلٍ بها عنْ حملِ رايتِها الحمامُ
وسلّمَ الزّيتونُ تربَتَهُ وطارَ به الغمامُ
فلا المدينةُ ترتجيكَ
ولا الأزقَّةُ في أجنَّتِها السَّلامُ
فهلْ ... وجدّتَ البيتَ بيتَكْ؟!!
أعدْ وجهَكْ
فقدْ فنيتْ مواسمُهُ
ولمْ نعرفْ من الصحراءِ ما الصحراءُ
لمْ نُدرِكْ لغاتَ الرملِ
والشمسَ القديمةَ كيفَ تُصهِرُ في الجسومِ دماءها
أو كيفَ تنمو في الغيومِ
وكيف سرُّ الرملِ ينبتُ في الأظافِرِ
أنتَ منَّا ...
إنما قد كنتَ وحدكْ!!
أدرْ وجهكْ
أدرْ وجهكْ
إبراهيم السالمي*
*شاعر عماني
أعلى
الحدود الفاصلة بين التناص الفني المحكم والسرقة
الأدبية
علي المانعي: كثير مما ذكره القدامى من أنواع
السرقات الأدبية لا يعدو كونه نوعا من أنواع التناص
محمد ناجي العمايرة: يصعب الجزم في هذه المسألة لتعدد وجهات النظر
وتقاطعها إلى حد كبير
إحسان صادق: عمليتا الامتصاص والتحويل قد تتحققان عن غير قصد وانتباه
من الأديب
سعيد العيسائي: العبرة تكمن في قدرة المبدع على تشكيلها في صورة تختلف
عن الآخرين
تحقيق ـ عبد الحليم البداعي:
نظر النقاد إلى مصطلح التناص نظرات متباينة بحسب مشاربهم الثقافية
وإيديولوجياتهم التي بنوا عليها أفكارهم النقدية إلا أن تعريفاتهم
جميعا تصب في قالب واحد ولا تخرج عن تعريف رائدة هذا المصطلح البلغارية
جوليا كريستيفا والتي عرفته بأنه :(ترحال للنصوص وتداخل نصيٌّ في فضاء
نص معين تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى) وقد ظهر
هذا المصطلح على ساحة النقد الأدبي كاسم عام (1966م)...وإذا ما تتبعنا
معطيات هذا التعريف ومتعلقاته من خلال استقراء التراث الأدبي النقدي
العربي نجد أن هذا المفهوم وجد طريقه إليه مبكرا قبل هذا التاريخ بكثير
ولكن بمسميات أخرى تناول كل منها جانبا من معطيات هذا التعريف في إطار
المباحث البلاغية عموما كـ (الاقتباس ـ التضمين ـ الاستعارة ـ المعارضة
ـ النقائض..الخ) ومما يلاحظ وبشكل جلي التباس كثير من معطيات هذا التعريف
مع ما كان يعده النقاد العرب القدامى سرقة أدبية صنفت في ذمها الكثير
من الكتب وعيب سابقا على المبدعين ما يعد اليوم تقنية تحسب للمبدع
إن أحسن توظيفها له لا عليه! (أشرعة) حملت هذا الموضوع وألقت به على
طاولة النقاش مع عدد من الأكاديميين المتخصصين فكان هذا التحقيق..
احتراز النقاد
البداية كانت مع الباحث علي المانعي والذي قدم دراسة حول (التناص في
الشعر العماني المعاصر) نال بها درجة الماجستير وفي هذا الموضوع يقول:
عرف العرب "التناص" منذ القدم، وأسهبوا كثيرا في تحليله
إلا أنهم لم يستخدموا المصطلح نفسه الذي شاع عند الغرب تحت مسمى "التناص"
Intertextuality، بل استخدموا مصطلحات ومفردات أخرى؛ حمل بعضها محاسن
هذه التقنية ومساوئها كـ"التضمين" مثلا. وأظهرت الأخرى المساوئ
والنظرة التشاؤمية كالسرقة، والإغارة، والسطو، وتلفيق المعنى، والسلخ،
وغيرها.
وحقيقةَ اعتبارِ العربِ للمعاني أنها مبذولة كالحجارة بالطرق يظهر
من الجانب الآخر الاحترازية من النقاد والمبدعين لجمالية التناص الفني،
فتراهم يتبارون في التأويل والتفسير لاتهام نص ما، أو بيت من الشعر
بالانتحال والسرقة، حتى أُلِّفت كتب حول السرقات الأدبية، والتي لا
تعدوا في كونها مثاقفة أو استشهاد أو توارد أفكار أو امتصاص للنصوص
السابقة. انظر مثلا لكتابي "الوساطة" و "الصبح المُنبي
عن حيثية المتنبي" ، وهما من أهم الكتب في دراسة أحكام السرقة
لدى العرب، تجد فيهما كثيرا مما اتهم به المتنبي بالسرقة من غيره،
وهي إن دُرست من باب التناص الأدبي الحديث أظهرت براعة مبدعها في استخدام
هذه الجمالية الشعرية.
وإن أردنا أن نضع حدا فاصلا بين التناص المحكم كما عُرِفَ عند كبار
مبدعيه من الغرب وبين السرقة الأدبية التي اخترعها أجدادنا وشوّهوا
بها صورة بعض تراثنا الأدبي، لزم علينا تعريف المصطلح، وإبراز وجهة
نظر النقاد له؛ كونه يمثل تقنية أدبية جديرة بالاهتمام من المبدعين.
وبداية نرى أن أول من سلك هذا المصطلح الكاتبة جوليا كريستيفا، سنة
1966، وترى فيه أنه "التقاطع والتعديل المتبادل بين وحدات عائدة
إلى نصوص مختلفة" ، وهي تركز على مفهومي "العلاقة "
و "التعديل" . وتطلق عبارتها الشهيرة "كل نص هو تشرب
وتحويل لنص آخر". ويرى فيه "فيليب سولرز" أنه"
كل نص يقع في مفترق طرق نصوص عدة فيكون في آن إعادة قراءة لها وامتدادا
وتكثيفا ونقلا وتعميقا". يتبين من التعريفين السابقين أن الغرب
مثلوا النظرة البريئة الحقيقية للتناص، ونظروا إليه كجمالية تسعى لإثراء
القديم وقراءته وتعميقه ومحاورته.
لذلك يبقى للمبدع الحق في "التلاقي مع معاني الآخرين، مع منح
المعنى كل مرة صياغة خاصة، بحيث لا يلتقي معها حرفيا"، وإن التقى
حرفيا فمن خلال ما يسمى في الفضاءات النصية بالتنصيص، أو الأقواس الداخلية،
التي يرجع فيها المبدع النص - إن كان طويلا- لغيره، ويكون عندها قد
أقر بالحصرية الثقافية، وسلم من اتهام أجدادنا بالسرقة الأدبية. ويدخل
في باب التناص الفني العبارات المضمنة التي "لا معنى لها بحد
ذاتها ،لا معنى لها خارج القوة التي تحركها، تقبض عليها ، تستثمرها
وتستدخلها".
وتُمثِّل العبارات المُضَمَّنة عملية تلقيم للنص الجديد، وإبرازا للتعالق
الحميد بين النصين. ويمثل في الجهة الأخرى عملية إنعاش للنص السابق،
وهذا يبعد غاياته عن السرقة الأدبية التي ذكرها قدماؤنا، وصنفوا أنواعها
إلى السرقة المذمومة والحميدة والحسنة وغيرها. ومن الآليات التي يعمل
فيها التناص إضافة إلى استدعاء الخطاب الذي يتفاعل في النص الجديد،
هناك استدعاء للشخصيات التي توحي بدلالات عدة في النص إضافة إلى استدعاء
الوظيفة التي توحي بالخطاب والشخصية في آن.
ويدخل في باب التناص "اختطاف" الجمل؛ وهو ما يسمى بالتناص
الموافق، أو قلب معانيها قلبا يبدلها في صورة نقيضة لها، وهو ما يسمى
بالتناص المضاد، كقول أنسي الحاج: " فعلى القبر السلام، وفي القهر
المسرة"، وفيه تناص مضاد مع الجملة الشهيرة في ترتيلة عيد الميلاد:
"المجد لله في العلى، وعلى الدنيا السلام".
وما ذكره القدامى من أنواع السرقات الأدبية لا يعدو كونها أنواعا للتناص،
إلا إنهم حكروها في بوتقة السرقات، ووصفوها بأوصاف مختلفة. ومن هذه
التناصات التي وجدتها مدرجة تحت السرقات، وهي في حقيقتها تدمج تحت
أنواع التناص: أخذ المعنى واستخراج ما يشبهه، أو أخذ المعنى مجردا
من اللفظ، أو أخذ المعنى ويسيرا من اللفظ ؛ وهو ما نعتوه بأقبح أنواع
السرقات، أو أخذ المعنى وقلبه، أو أخذ بعض المعنى، أو أخذ المعنى وتدعيمه
بمعنى آخر، أو أخذ المعنى وإكسابه عبارة أحسن من الأولى، وغيرها من
أنواع التناصات التي درجها النقاد القدامى تحت باب السرقات الأدبية،
وهي في طبيعتها ومعناها تدخل في أنواع التناص الأربعة، الموافق، والمضاد،
والمحور، والمجزوء. ومناط الحكم في ذلك معتمد على الطريقة التي يعمل
فيها النص الأخير في النص السابق، وعلاقته به، وقدرته على إثرائه والتفاعل
معه، ومدى صدق المبدع في الإشارة إلى السابق إن كان النص طويلا. انظر
مثلا لهذا التناص المذموم أو قل السرقة الأدبية، التي لم يكن فيها
أي تحوير أو إشارة إلى السابق، أو معنى جديدا مُضافا، وذلك في قول
النابغة:
لو أنها عرضت لأشمطَ راهبٍ عبدَ الإله صرورةٍ متعبّدِ
وكان ربيعة بن مقروم قد قال قبله:
لو أنها عرضت لأشمط راهب عبدَ الإله صرورةٍ متبتل
أما قول المتنبي:
وأحبُّه وأحبُ فيه ملامةً إن الملامةَ فيه من أعدائِها
ففيه تناص مع بيت ابن الشيص:
أجدُ الملامةَ في هواكَ لذيذةََ حبًّا لذكركَ فليلمني اللُّومُ
في قول المتنبي نقض لقول ابن الشيص، وأخذ للمعنى مع التغيير في السبك،
وإظهار لحجة العبقرية، كالتي دافع بها بلانشو عن أناشيد لوتريامون.
لذلك نرى أن التناص مصطلح أشمل من السرقات، وفيه انفتاح على الآخر،
وفيه من المثاقفة ما يخدم رؤية المبدع، ويمتع المتلقي.
جذر واحد
محطتنا الحوارية الثانية كانت مع الدكتور محمد ناجي العمايرة ـ باحث
أكاديمي أردني مقيم بالبحرين ـ والذي يقول: سؤالك عن التناص وعلاقته
بالسرقة الادبية، يستثير سؤالا آخر هو متى يصبح التناص سرقة أدبية.
او لعلهما سؤالان من جذر واحد!.. واحسب ان المسألة تتعدد فيها وجهات
النظر وتتقاطع الى حد كبير، بحيث يصعب على احد الجزم في هذا الموضوع،
لانه موضع خلاف واختلاف، ولا أظن ان طرفا ـ وحده ـ هو المصيب في هذا
المضمار، فلكل اسبابه ودوافعه ودواعيه، ولكل غاياته وحججه وأدلته،
على ان العلوم الانسانية والادب في مقدمتها لا قطعية فيها، حين يتصل
الامر بالاحكام او نتائج البحث.
وقد اكون اطلت في هذا التقديم الا ان غايتي هي الربط بين المقدمات
والنتائج، لاقول ان المصطلحات النقدية المعاصرة منها والحديثة كما
هي القديمة، وفي الادب العربي، كما في الاداب العالمية، وخاصة الاوروبية
منها، هي موضع خلاف واختلاف، ايضا ولهذا يحتاج المرء قبل كل شيء الى
تحديد المصطلح وتوضيح المفهوم كي يصدر حكما، او يقدم مداخلة في موضوع
كهذا.
ولست في مجال الاستعراض هنا، غير ان مصطلح التناص، او النصوصية او
التناصية، ظل مصطلحا غامضا في النقد الاوروبي (الغربي) الحديث والمعاصر،
ولم تزده الدراسات المتعددة الا التباسا واشكالية.
واذهب ابتداء الى الاشارة الى ان التناص من الظواهر النقدية التي تستخدم
كثيرا في الدراسات الادبية والنصوص الادبية معا.
وقد تباينت الآراء حول مسألة التناص التي هي في اساسها اخذ كاتب من
آخر، او تداخل النصوص الادبية، او التعالق بين النصوص، او البحث في
العلاقات المتداخلة بين نص وآخر في محاولة للوصول الى النص المرجعي
(الاساسي).
والتناص من المفاهيم المركزية في النقد الحديث والمعاصر، ولعل اول
من اشار اليه هو العالم اللغوي الروسي ميخائيل باختين من خلال كتابه
(فلسفة اللغة) عام 1966 حيث يرى انه (الوقوف على حقيقة التفاعل بين
النصوص في استعارتها او محاكاتها لنصوص اخرى سابقة لها). وقد استفاد
من هذا باحثون آخرون، كان من ابرزهم تلميذة باختين، الباحثة البلغارية
جوليا كرستيفا (عام 1969) في دراستها (ثورة اللغة الشعرية) حيث عرفت
التناص بانه (التفاعل النصي في نص بعينه) وهي ترى ان كل نص يتألف من
تركيبة فسيفسائية من الاستشهادات وكل نص هو امتصاص او تحويل لنصوص
اخرى.
وبعد ذلك جاء الناقد الفرنسي جيرار جينيت الذي توسع في هذا المفهوم
وحدد للتناص عدة طبقات منها:
الاستشهاد وهو الشكل الصريح للتناص السرقة وهو شكل اقل صراحة ووضوحا
النص الموازي ويخص علاقة النص بعنوانه والمقدمة والتمهيد.
الوصف النصي: أي العلاقة بين النص والنص الآخر.
النصية الواسعة أي علاقة الاشتقاق بين النصين الاصلي والنص الجديد
او النص السابق والنص اللاحق.
النصية الجامعة وهي العلاقة البكماء بين الاجناس النصية التي يفصح
عنها النص الموازي.
على ان هذا يدخلنا في متاهة واسعة، فقد تزايد الاهتمام بهذا الموضوع
في الآداب الغربية وانفتحت عليه مختلف المدارس النقدية والادبية والفلسفية،
كالشكلانية والبنيوية والتفكيكية وغيرها، مما لا مجال للخوض فيه هنا.
واذا رجعنا الى الأدب العربي القديم فاننا نجد لهذه الظاهرة حضورا
واسعا، كما ان الادب العربي الحديث والمعاصر اهتم بها متأثرا بالآداب
الاوروبية.
والظاهرة الموجودة في الادب العربي القديم لا تحمل هذا الاسم الحديث
بالطبع، ولكنها اعطته اسماء اخرى يتصل بعضها بالبلاغة، وبعضها باللغة
وبالشعر، أي بالمبدعين والنقاد معا.
ولعل صيحة عنترة بن شداد الشاعر الفارس كانت البداية حين لاحظ ظاهرة
(التكرار) فقال:
ٍ
ووافقه في ذلك الذي قال:
ما أرانا نقول إلا رجيعا
ومعادا من قولنا مكرورا
ومن بعد برزت مقولة الإمام علي بن ابي طالب ـ رضي الله عنه ـ (لولا
ان الكلام يعاد لنفد)..ومن ثم سؤال ابي تمام الطائي: كم ترك الأول
للآخر.
وقد شارك مؤرخو الأدب العربي ونقاده في هذه المسألة حيث برزت قضية
السرقات الادبية، منذ ان قال ابن رشيق في كتابه (قراصنة الذهب في اشعار
العرب) ان مصدر كل كلام كلام قبله، والكلام من الكلام، وان خفيت طرقه
وبعدت مناسباته. وقد اباح حازم القرطاجني في كتابه (منهج البلغاء وسراج
الأدباء) اباح للكاتب او الشاعر ان (يأخذ من كلام غيره ويدخله في كلامه)
او ان يتصرف في بعضه عن طرق عديدة كالإحالة والاحتذاء او التضمين او
الاقتباس، او كما يقول ابن الاثير: (لا يستطيع اللاحق ان يستغني عن
السابق).
ولعلنا نستعيد اسماء بعض كتب النقد الادبي القديمة كالموازنة للآمدي
وابي تمام والبحتري والوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني، وبعض كتب
الجاحظ وقوله المشهور ان المعاني مطروحة في الطريق وهي من الشيوع بحيث
يصعب نسبتها الى احد بعينه، وانما التفاوت في الاسلوب وفي اللغة، وما
قاله المتنبي في الدفاع عما قيل انه سرقة من غيره: لا أعلم شاعرا جاهليا
ولا إسلاميا الا وقد احتذى واقتفى واجتذب واجتلب!.
وقد شاع هذا السجال في مسيرة الادب العربي فترة طويلة جدا، واخذ صفحات
واسعة من كتب التراث، ومن جهد الادباء والشعراء والمؤلفين (وخاصة القرون
الثالث والرابع والخامس الهجرية).
وقد تفاوتت الاراء بين منصف ومتحامل، وكان المنصفون يرفضون استخدام
وصف السرقة ويقولون ان اخذ الشعراء والكتاب بعضهم من بعض ظاهرة طبيعية
ولا ضير في ذلك.
وقد عرف الشعر العربي عدة مصطلحات ومفاهيم تتصل بهذا (الأخذ) منها:
النقائض والمعارضات، واقدم من ذلك كانت المقدمة الطللية في القصيدة
الجاهلية مجالا للاحتذاء والتقليد، حتى انها استمرت عبر عصور الشعر
العربي كلها، وان كانت المرحلة الجاهلية قد انتهت بظهور الاسلام.
ولعلنا لا نزيد كثيرا في هذا الاستعراض لكي نقفز الى العصر الحاضر،
فنقول ان وجود هذه الظاهرة في الأدب القديم: نظمه ونثره ونقده، هو
ما جعل الادباء والنقاد المحدثين والمعاصرين يولونها اهتماما متزايدا
، خاصة وانها برزت في الآداب الاوروبية المعاصرة ـ متأخرة ـ الامر
الذي يجعلنا نشير الى دراسات نقدية تتصل بها مثل الدكتور محمد مفتاح
في كتابه: تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية النص ثم في كتابه مساءلة
النص، حيث يشير الى ان التناص (هو تعالق نصوص متعددة مع نص آخر بكيفيات
مختلفة)..وكذلك الشاعر محمد بنيس في عدد من دراساته النقدية والدكتور
عبدالملك مرتاض والدكتور احمد الزعبي، ومحمود جابر عباس، وسعيد يقطين،
وسواهم.
ولعل ابرز الاعمال الابداعية التي تقوم على فكرة التناص او مفهومه
هي قصيدة محمود درويش (جدارية) التي هي ديوان كامل او قصيدة طويلة..
وهي تجربة جديرة بالدراسة والتأمل اذ تتقاطع فيها تجارب القدماء والمحدثين،
وتتحاور الاجيال والثقافات في توظيف معرفي فذ وتنوع في النظرة الى
(الموت والحياة) عبر العصور.
ولست في معرض الحديث عن هذه القصيدة ولكنني اشير اليها (كنموذج) في
هذا الاطار.
يبقى ان اشير الى ما يلي: اولا: ان ظاهرة التناص قديمة في الادب العربي
القديم ومتجذرة فيه ابداعا ونقدا.
ثانيا: ان هناك فرقا اساسيا بين السرقة الواضحة وهي عيب، وبين التأثر
والتأثير والتداخل النصي الذي لا يمكن انكاره او استنكاره. ثالثا:
ان المصطلح اخذ في العصر الحاضر بعدا جديدا مع عصر العولمة وتقدم الوسائل
التكنولوجية وثقافة الانترنت والمواقع الالكترونية.
ولا استطيع الجزم هنا في مسألة تصنيف عمل ما على انه (تناص) او سرقة
الا بالنظر المحدق فيه، واستقرائه منفصلا عن النظرة العامة.. وأكاد
اجزم بان المبدع الحقيقي هو الذي يمكن له ان يعطينا الصورة الحقيقية
لظاهرة التناص التي يجمع النقاد على انها اوضح في الرواية والاعمال
الابداعية النثرية منها في الاعمال الشعرية، لكن مبدعين كبارا مثل
المتنبي والجواهري ومحمود درويش ونزار قباني وادونيس هم الذين يمكنهم
ان يعطونا المثل والقدوة في الفصل بين السرقة والتناص، ولعل العودة
الى مصطلحات التراث العربي القديم، هي الاخرى اقدر على ان تقدم بوضوح
بعض ما يلتبس علينا من مفهوم (التناص) او النصوصية ومصطلحها الغامض...ويبقى
سؤالك بلا جواب!.
تفاوت
وحول الموضوع يقول الناقد المعروف الدكتور إحسان صادق اللواتي من جامعة
السلطان قابوس: يتمثل الفارق الأساس بين التناص والسرقة الأدبية في
كونه إبداعًا و كونها ادّعاء إبداع؛ فالسارق في المجالات الأدبية والفنية
لا تختلف حاله عن السارق في مجالات الممتلكات الأخرى، فكلاهما يسعى
إلى أن يستلب - بغير وجه حق- ملكية غيره، ويرمي إلى أن يدّعيها لنفسه،
مع تفاوت فيما بين السارقين والسرقات في درجة البراعة ومقدار الخفاء
ونوع المسروق، وقد تكفلت كتب النقد الأدبي العربي القديم بالحديث التفصيلي
عن كل هذا، كما هي الحال في كتاب "العمدة" لابن رشيق القيرواني
مثلا.
أما في التناص فالوضع مختلف تمامًا؛ فليس عندنا هنا من يحاول أن يدّعي
امتلاك ما هو من حق الآخرين وما هو من نتاج غيره. إنّ لدينا أديبًا
يبدع، وليس ثمة من يستطيع أن يرميه بأنه استجلب من الآخرين بضائعهم،
فالبضاعة هنا بضاعته هو، ما من مراء في هذا. لكنّ الأديب لم ينشأ أديبًا
من غير جهد بذله وبلا اطّلاع على ما كتبه من سبقه أو عاصره. فقد قرأ
بلا شك، وقراءاته هذه لا بد - شاء أم أبى - أن تترك آثارها في هذا
الذي يبدعه، لكن هذه الآثار لا تكون في العادة مباشرة وصريحة، إلا
في أضعف الإيمان، وإنما يمتص الأديب قراءاته السالفة ويحوّلها في بوتقته
الذاتية إلى شيء مختلف قد يحتفظ بذكريات أصله، لكنه ليس نسخة منه أو
صورة مطابقة له.
وعمليتا الامتصاص والتحويل هاتان قد تتحققان عن غير قصد وانتباه من
الأديب، فاهتمامه يكون منصبًا على أن يبدع جديدًا، لكن مخزونه الثقافي
والأدبي قد يتسرب إلى أنامله ويظهر في إبداعه دون أن يتعمد هو حصول
هذا، كما قد تتحققان أحيانًا عن قصد وإرادة منه، فيكون التناص عندئذ
مؤديًا لوظيفة من الوظائف القصدية في النص. وقد أجمل الدكتور محمد
مفتاح في كتابه "تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص"
هذه الوظائف في ثلاث: فقد يكون المراد من هذا التناص إبراز موقف قديم
لأجل استخلاص العبرة وبث التوجيهات، كما هي الحال في معارضات البارودي
وشوقي وحافظ للشعر القديم، وقد يراد من التناص تصفية بعض الحسابات
الخاصة كما فعل ابن عبدون مثلا في تناصّه مع ما ورد في كتب التاريخ
الإسلامي، وأخيرًا قد يكون المراد إبراز موقف معارض أو توفيقيّ إزاء
بعض التقاليد السائدة، كفعل أبي نواس حين تعرّض لبعض تقاليد الشعر
الجاهلي من منطلق التهكم والسخرية.
تواجد لغوي
ومحطتنا الحوارية الأخيرة كانت مع الشاعر والأكاديمي الدكتور سعيد
العيسائي من كلية العلوم التطبيقية بصحار والذي يقول: تختلط على الباحثين
الأمور ما بين ثلاثة مصطلحات أدبية يكثر ذكرها وورودها عند النقاد
ودارسي الأدب وهي: السرقات الأدبية، والمعارضات، والتناص.
وسنعرف هذه المصطلحات تعريفات موجزة مختصرة قبل الدخول في الحديث عن
الحدود الفاصلة بين التناص الفني المحكم والسرقة الأدبية.
فالمعارضة هي "باب من أبواب الشعر التقليدي الذي يتصدى فيه شاعر
لقصيدة زميل له قديم، أو معاصر، ينظم أبياتاً على وزنها وقافيتها،
ويقف فيها موقف المقلد إعجاباً بها، أو يناقض زميله فيثبت ما أنكر،
وينكر ما أثبت".
أما السرقة فتعرف بأنها نسبة الأدب لغير قائله ويقول فيها ابن رشيق
القيرواني: " هذا باب متسع لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة
منه، وفيه أشياء غامضة إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخرى فاضحة
لا تخفى على الجاهل المغفل".
وإذا جئنا إلى مصطلح "التناص" فإننا نجد أنه وليد النظرية
النقدية المعاصرة في الغرب، وبالتحديد في مرحلتها التي بدأت تتنكر
فيها لمقولات البنيوية التقليدية، وخاصة مقولة "النص المغلق".
وهو في أبسط تعاريفه "التواجد اللغوي لنص في نص"، تواجداً
تختلف درجاته وأهدافه من نص لآخر، بحيث يكون الاستشهاد المثبت بين
مزدوجتين أوضح مثال عليه.
السرقة الأدبية أمر معيب ومشين إذا ثبت للناقد الحصيف البارع الحاذق
أن شاعراً من الشعراء قد سرق من غيره من الشعراء نصاً أو بيتاً سرقة
واضحة.
أطلق النقاد الأقدمون عدداً من التعابير على السرقات الأدبية فسموها
تارة بالإغارة أو وقع الحافر على الحافر والسطو، وقسموا أشكالها إلى
سرقة اللفظ، وسرقة المعنى، وسرقة اللفظ والمعنى.
والأمر الذي أريد التأكيد عليه هو أن التجارب والخبرات والمشاهدات
ملك لكل الناس وليست حكراً على أحد دون أحد، ولكن العبرة تكمن في قدرة
المبدع على تشكيلها في صورة تختلف عن الآخرين.
ورأيي أن التناص والمعارضات هما أقرب أمرين إلى الأخذ الحميد من المبدعين
الآخرين الأمر الذي لا تتماهى فيه شخصية المبدع الجديد.
يسمي ابن خلدون هذه العملية بالنسج على المنوال واشترط لها شروطاً
لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقام.
أما الناقد الفرنسي "بوفون" فله مقولة مشهورة يقول فيها
"إن الأسد هو مجموع ما التهمه من خراف".
ولهذه المقولة دلالاتها الموحية إلى أحقية الإنسان في تمثل ما لدى
الآخرين من نتاج إبداعي بالطريقة التي تتضح فيها شخصيته من جهة وتلمس
مدى استفادته من تجارب من سبقه من ناحية أخرى.
هنالك حدود فاصلة بين السرقة الأدبية بين التناص بشرط توفر المبدع
القادر على امتصاص إبداع الآخرين ورحيقهم وتحويل تلك الزهور والورود
والأعشاب إلى عسل مصفى.
أعلى
في أمر الكنز
جحا والكنز
ليس بالمنطق يسوق جحا براهينه وحججه المفحمة لخصومه وجيرانه ومستغفليه،
بل بشيء أدهى منه، وليس بالفلسفة، بل بشيء أقلّ منها صلابة وأكثر منها
شأواً وأحابيل..
إنه اللعب بالنار، أو الضحك في الضحك، أو الأخذ بزمام الموضوع معلقاً
من وسطه المكين، أو التعري أمام الوقاحة المدججة بملابسها، أو الركض
إلى الوراء والوصول قبل الآخرين، أو مطّ اللسان مديداً جهة الحكمة،
أو التمرئي في الحجر الأبكم، أو وضع الإصبع تماماً على الداء والدواء،
أو السخرية من ثقل الآخرين وأعباء حمولاتهم البشرية الزائدة عن حدّ
الفطنة والكفاف النبيلين..
لقد فقد جحا كنزه إذن، لأنه عـلـَّمـَهُ بسحابة.. والآن يأتي للبحث
عنه ولا يجده. إنها ليست غفلة هذا الشيخ، ولا حماقة تضييع المال. بل
يبدو أنه يتعرف على حلقات المثلث الذهبي: الكنز والبحث والسحابة.
(تماماً كما يفعل جحا حين يأخذ في الركض خارج المسجد بعد ترديد كلّ
مقطع من الأذان الذي يؤذنه بدعوى أنه يريد أن يسمع صوته: إنه يكتشف
صوته الخاصّ، ويتعرف عليه آخَرَ، ويعالج المقيمَ بالراحل واللابثَ
بالمتحرك).
إنّ السحابة تدلّ على الكنز السيّار المتنقل، ولهذا يلزم البحث الشاقّ
المضني.. والكنز لا يعدو أن يكون غير بحث دائب في حقيقة الضائع والهارب
والمنفلت وفي جمالية الآفل والزائل والمنسرب.. والبحث هو قدرٌ مصيريّ
دائريّ لا ينتهي عند نقطة ولا يصل إلى حدّ.
إنه يذهب أبعد مما ذهبت إليه ألف ليلة وليلة في تلك القصة الشهيرة
التي كانت تمتح من قوّة الحلم، وأهمية الرحلة، وفتنة المكان الأول
حيث يوجد الكنز أصلاً. (كما في قصة الرجل العراقيّ الذي سافر إلى مصر،
حالماً بالكنز الموجود عند نخلة، والذي رآه في منامه، ثمّ في حال عودته
يجد الكنز في داره البغدادية وعند نخلته)...
إنّ جحا يُفْجِعُ الأمليين بفكرة السحابة، ويأخذ الحالمين إلى حسرة
ضياع الكنز، ويزعزع طمأنينة اللابثين والساكنين في موانئ الوصول ومحطات
القناعة الرديئة بسفينة البحث الأبديّ، بخيار البحث الأمين المخلص
لنفسه حتى ولو طار الكنز إلى سحابة لم تعد موجودة الآن...
وما أزال أرى جحا مستمراً في البحث عن كنزه. والشاهدُ العظيمُ على
الكنز النفيس: سحابةٌ مرّت من هنا...
وما أزال أراه مؤمناً بالأجسام الهشة المتحركة وبالحشاشات المتلاشية
السيّارة (السحب)، كعلائم عادلة لا تكذب ولا تزيِّف ولا تنافق، بل
تتجلى من عليائها بعدالتها المحكمة..
وما زالت الكنوز ضائعة، والبحث عنها مستمرّ، والجزر نائية وبعيدة،
والرياح الهوجاء تهبّ، والسحبُ تتشكّل وتتلاشى...
سراج الدولة والكنز
حتّى لو أنّك يا سراج الدولة، يا أمير البنغال،
قد أسرت مائة وخمسة وأربعين رجلاً وامرأة واحدة، واستوليت على حصن
وليم، في كالكوتّا، في العشرين من يونيو من عام 1756، وحتّى لو أنّك
رميت بأسراك في زنزانة واحدة، منذورين للعطش والاختناق.. حتّى لو أنّك
فعلت ذلك، فلم يكن كنزك الذي كنت تبحث عنه في الحصن، إلا أشلاءك وبقايا
جسدك المعروضة على ظهر فيل..
أنا والكنز
كنزي فنجان قهوة وقصيدة وأطفال. كنزي أن تعمل
الحشود القادمة والنظم والكوابيس والمطارق بعيداً عن رأسي، وأن ترفل
بأزياء طواويسها ومرضاها وعضلاتها بعيداً عن خيمتي، خارج جزيرتي الصغيرة
التي يستوطن فيها ألمي وسعادتي، كسلي وعطالتي، اشتغالي ومكابدتي، جنتي
ولعنتي..
كنزي أن أمرّ عابراً مثل شوق ملتبس لا تتذكره شجرة ، مثل سرّ غامض
لا ينهره بحر..
كنزي أن أقف وحيداً وأعزلاً دون أن يهاجمني الضبع الكبير، وأن أعزف
على كماني دون أن ينقر عينيّ طائر مفترس..
كنزي أن أعيش كما الحياة وأنسكب كالموت، حاراً مثلهما، وغارقاً في
كبدهما وقلبهما وبرقهما الشهيّ المباغت...
كنزي أن أكون شريداً كرحلة، وبادئاً كمعجزة، وعارفاً كابتسامة طفل،
وجاهلاً كحكمة متفتتة مطوّح بها في رأس مجنون..
البخيل والكنز
ليس لك بل لورثتك. ليس لبقائك بل لأنقاضك. ليس
لابتسامتك بل للمزحة التي تتفرس فيك وتحدق في "جـِـلدتك".
تتودّد يَدُك إلى الكنز، لكنّ يدك مقطوعة وشهواتك محجوزة، ولُعابُكَ
كالشعراء نزيفٌ مزمن...
جزيرة الكنز
تمضي الأشياء بشكل "كارتوني" منذ الأزل،
والشعر كذلك في مخيلته التي يغذ إليها. ارسمْ قطاً فيتحرّك فوق الورقة،
يموء ويتثاءب ويجول، يولد ويحيا ويموت. وبشكل "كارتوني"
أيضاً يتحرك الظلم:"اقض على الفقر بقتل الفقراء"، وبشكل
"كارتونيّ" يتحرّك السرد: "احكِ لي حكاية فأسَوِّف
قتلك". والكنز أيضاً كان يتحرك "كارتونياً" في رواية
الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، منذ أن نشرها عام 1883، هناك حيث
يلتقي القرصان والقبطان والجزيرة والخريطة.
الرحم والكنز
مكنوناً هناك كان الطفل، مخفوراً بالوشيجة الناعمة
والحبّ العذب. والآن ينقذف إلى خارج الكنز، إلى المعادن الرخيصة، إلى
الخواء المهرول بصاحبه في العربة الصاخبة.
ألهذا يعود الأحياء إلى رحم الأرض بعد أن فقدوا أرحام أمهاتهم؟، ألهذا
يغيض الكنز إلى أقلّ من ولادة، ويفيض إلى أبلغ من موت؟.
الزيز والكنز
جسمُهُ رفرفهْ
يـُنـَقـِّلُ فيها السماءَ إلى الماءْ
كنزه أجنحهْ
يُرَقـِّصُ فيها لهيبَ النِّداءْ
صالح العامري*
* شاعر عماني
أعلى
قصة قصيرة
ورقة
الأوراق الآن بين يديك، ملاحظة "أسئلة الامتحان في ست صفحات"
تصفع وجهك، تنقلين القلم إلى قلب الورقة الفارغة، تغيرين من جلستك،
ويلفت انتباهك تكوين الجسد الذي يجثم أمامك ويلتصق بالورقة ليشكل اتحادا
آدميا مبعثرا ببياض وصرير ناعس، وتسكت الحناجر، ويجثم الصمت على صدر
كل من في القاعة.
تضحكين في سرك وأنت تتذكرين الورقة التي صرفت يوماً كاملاً لكتابتها،
وجه المعلمة الأولى يشي بالضجر، وقد اختارت أول القاعة مكانا لها،
وأعضاؤها دائمة الحركة تعدل من وضعية جلستها بطريقة غير منظمة لعلها
ترجع إلى هيئة الكرسي الخشبي الحاد الحواف.
المعلمة الثانية: تبدو عجوزاً بشكل ملفت، والنظارة التي ترتديها ساعدت
على تصغير عينيها وتكبير أنفها بطريقة مضحكة، ونظرها المتكرر إلى الساعة
يحمل إيحاء بملل يتسرب حيث لا وجود سوى لوقع الأقلام المضطربة فوق
وجه البياض.
تفتحين قلب الورقة بسرعة، ويدك اليمنى تعبث في الوقت نفسه بالورقة
الرابحة التي لففتها جيداً تحت كم قميصك الأيمن، تشعرين بالخوف، هل
شاهدتك المعلمة؟! تنصتين للسكينة المسيطرة على القاعة، تتنفسين بهدوء،
تمسكين بالقلم تقرأين السؤال الأول تفهمين من الوهلة الأولى انه يدور
حول المتنبي، توقعت السؤال منذ البداية، فالمعلمة الفاضلة لم تكف طوال
أسبوع كامل عن التذكير بالمتنبي، وحياته، وشعره، وأنت بدورك لم تكفين
عن الثرثرة التي كنت تصبينها في أذن صديقتك" علياء" حول
"سالم" ولد العم الذي سيخطبك بعد انتهائك من الثانوية العامة
مباشرة.
"سالم" يشبه المتنبي كثيراً، لم تدرك هذا إلا بعد الإسهاب
الذي فاض من فم المعلمة كانت تمدحه بطريقة هستيرية ولا تكف عن التلويح
بيدها اليمنى بأسلوب هزلي يثير الضحك، وبدورك أفضت في وصف أجزاء "سالم"
لتتسع دائرة الثرثرة وتشمل " بدرية" و"غالية".
وتذكرين عندما سألتك "بدرية" عن شِعْره وهي تغمز بطريقة
أفزعتك، لم يهدأ بالك وأنت تبحثين عن الجرائد المكومة في أرضية المطبخ،
ورغم أنك لا تفهمين في الشعر قصصت أول قصيدة لأول شاعر مغمور تدور
حول الحب والشوق وكتبتها في ورقة حرصت على أن تحمل توقيع "سالم"،
وبعدها لم تحدقي في وجه" بدرية" والخطوط التي ارتسمت عليه
فـ"سالم" أكبر من كل علامة أو غمزة.
تعودين للورقة، تواصلين النظر في الأسئلة الباقية، تكتبين الكلمات
منقولة عن الورقة المجعدة الأطراف، تحاولين الإفلات من قبضة "
سالم" لتحصلي على هذه الشهادة، وبعدها تسكتين كل الأفواه فقد
تزوجت وأنت صغيرة بمن تحبين!
تنتقلين إلى سؤال الحفظ الذي يدور حول قصيدة ابن زيدون في ولادة، يمكن
القول بأنك أحببت هذه القصيدة، رغم بعض الألفاظ التي ظلت غائمة في
مخيلتك، تصورت قصة الغرام بينك وبين "سالم" وبالطبع فالمنزل
الذي ستعيشين فيه سيكون مكتظاً بأشجار كثيرة، ستعمل على تظليل حياتك
بنكهة الورد والفل، وتحرك وجدان "سالم" في الوقت نفسه ليقول
قصيدة أو قصيدتين فيك، وتشعرين بموجة فرح باردة تسيل لتصل إلى قلبك
لان نهاية قصتك لان تكون كواقع "ولادة" و"ابن زيدون"،
تضعين يدك على رأسك محاولة وقف التيارات التي ازداد ثورانها في رأسك،
وتكتبين الأبيات التي نقلتها من الورقة بسرعة، تشبه السرعة التي تركت
بها مجموعة من الأسئلة في النحو والبلاغة.
كنت دائما تكرهين النحو والبلاغة وخاصة عندما لمحت "آمنة"
أخت "سالم" بأنه يكره النحو أيضاً، الأمر الذي دفعه للفرار
إلى القسم الآخر، رغم أن النحو ظل يطارده كشبح يحاول خنقه كلما فتح
الكتاب، ازداد كرهك له وبكل قواعده الجافة، كل ما يثير أعصاب "سالم"أو
يتعبه تكرهينه وتضعينه خارج نص حياتك، والمحاور التي تجمعك بـ"سالم"
كثيرة تجعل منه الفارس الذي خلق لينتشلك من خندق بيتك المزدحم، وراتب
والدك الذي يكاد يتبخر قبل منتصف الشهر.
الوقت يمضي بسرعة، تنظرين إلى الإجابات، كتبت ما يوصلك إلى خط النجاح،
خاصة إذا أخذنا في الاعتبار رصيدك من الدرجات المختبئة في حوزة المعلمة
بعد أن رسمت لها لوحة كاملة لنشاطها نالت تقديرها بشكل كبير، ولعبت
لعبة الحظ في الأسئلة الموضوعية، تلك اللعبة التي تعيدك إلى أيامك
الأولى مع "سالم" رغم انه يكبرك بأربع سنوات، مازلت تنفذينها
في أمور كثيرة، خاصة بعد أن قرر والدك تخفيض عدد الأفواه الجائعة من
البنات بالزواج بأول طارق، وكان "سالم" هو محررك الذي ينتظرك
بعد سنة كاملة لتنالي شهادة الثانوية العامة هذا ماكان يتمناه وهذا
ما أصبحت تطمحين له، بعد أن كتبت عدة أسماء لعدة رجال في مجموعة أوراق
وكان"سالم" من نصيبك، ضحكت وقتها كثيراً وأودعت كلاماً كثيراً
في أذن "علياء" التي أصبحت تشعر بغيرة مكتومة تخفيها بتشاغلها
الزائد بالمذاكرة وهي التي لاتعرف علاقة "ابن زيدون"بـ"ولادة"!
يرجعك صرير الباب إلى الجو الخانق، تفحصين الورقة لآخر مرة ويلفت انتباهك
تكوم الطالبة القابعة عن شمالك ومداد الحبر الذي طغى على سمرة يديها،
تقوم المعلمة الأقرب إلى الشيخوخة تحمل الأوراق بسرعة لا تتفق مع تكوينها
النحيل، نهضت وأنت تشعرين بلذة غريبة، رغم التقوس الذي يكاد يشطر ظهرك،
خرجت من القاعة كنت تنتظرين "علياء" لتواصلي ثرثرتك، تذكرت
الورقة، بحثت عنها في كم قميصك الأيمن، ثم الأيسر، كما أنك لم تجديها
في كافة الجيوب، رجعت إلى القاعة، كانت خالية إلا من الفراغ المتمدد،
شعرت بالفزع، بالتلاشي، عندما أدركت نسيانك لها بين أوراق الإجابة،
تنفست بصعوبة، تخيلت رسوبك ووجه"سالم" الحزين، هل سينتظرك
سنة أخرى؟! هل سيقبل بزوجة لا تحمل شهادة الثانوية؟!
نزعت نفسك بصعوبة، تجاهلت "علياء" القادمة من بعيد، تخطيت
مجموعة من الكتب والأوراق المرمية بطريقة عشوائية، تحركت وأنت تمنين
نفسك بأن يبتسم لك الحظ لآخر مرة.
أمل المغيزوي*
* قاصة عمانية
أعلى
"أستراليا".. ملحمة مُصَمَّمَةٌ للنجاح
التجاري ولكن ليس لحصد الجوائز
رؤية: جيمس بيراردينيللي
ترجمة: عبدالله خميس
الممثلون المساعدون برعوا أكثر من الممثلين الرئيسيين
شخصيات نمطية وقصة حب مفتعلة وسط مؤثرات بصرية
خلابة
"أستراليا" فيلم ضخم وجريء وعاصف،
حيث لا يتوقع المرء شيئا أقل من ذلك من المخرج باز لوهرمان Baz Luhrman
الذي لا يَعرِف قاموسُه مفردات مثل "مقيّد" أو "محدد
بشروط". يبدو فيلم أستراليا مشروع ملحمة كبيرة بمعايير المخرج
"ديفيد لين" (مخرج الأفلام الملحمية الشهيرة مثل "لورانس
العرب"، "الدكتور زيفاجو"، و "الطريق إلى الهند")،
إلا أن الفيلم يعيبه ضحالة الطموحات وضعف المفاجآت المنتظرة.
إن المرء ليتساءل عما إذا كانت هذه العيوب ناجمة عن الشائعة التي تتحدث
عن أن أستوديو الإنتاج قد تدخل بكثافة وعدّل وبدّل في الفيلم. مشاكل
فيلم "أستراليا" عديدة، منها: نص سينمائي متذبذب، الطول
المفرط للفيلم، أحادية الإيقاع، والافتقار إلى الانفعالات الوجدانية
المقنِعة. يبدو الفيلم رائعا ظاهريا، إلا أن الملاحظات التي تُقال
حوله هي ذاتها التي يمكن قولها عن فيلم "بيرل هاربور" (للمخرج
مايكل باي) والذي يشترك مع "أستراليا" في أكثر من صفة. كلا
الفيلمين عبارة عن دراما متخيلة تدور في خلفية تاريخية حقيقية، حيث
يُلهِم الحدثُ التاريخي الفعلي القصةَ المتخيلةَ التي تدور حولها الأحداث.
تبدأ أحداث الفيلم عام 1939، وهي تُروَى من وجهة نظر الطفل الخلاسي
(نصفه أبيض ونصفه الآخر من سكان أستراليا الأصليين) "نولاه"
(لعب دوره براندون والترز)، حيث يصبح الطفل شخصية محورية مع تطور أحداث
الفيلم. تبدأ الأحداث بوصول السيدة سارة آشلي (نيكول كيدمان) إلى مزرعة
تربية أبقار نائية في العمق الأسترالي وقعت في غمار الفوضى بعد وفاة
الزوج الذي كان يدير المزرعة.
تحاول السيدة آشلي إرجاع الأمور إلى نصابها بأسرع ما لديها إلا أن
الحظ يعاندها لتكتسب بعد ذلك عداوة كينج كارني (برايان براون) الذي
يحاول أن يحتكر سوق بيع المواشي لنفسه بالقضاء على منافسيه، كما تتورط
السيدة آشلي مع مدير المزرعة نيل فليتشر (ديفيد وينام) الذي تفصله
من عمله. تتوفى والدة الصبي "نولاه" لتجد السيدة آشلي نفسها
مجبرة على رعايته حمايةً له لكي لا يتم أخذه من قبل السلطات إلى دور
الرعاية التي كان يتم فيها آنذاك احتجاز الأطفال الخلاسيين.
في تلك الأثناء تجد السيدة آشلي دعما من سائق القطعان دروفر (هيو جاكمان)
الذي يساعدها في سوق قطيع من الأبقار (قوامه 1500 بقرة) إلى مدينة
داروين الأسترالية بغية بيعها للجيش. النصف الأول من فيلم "أستراليا"
يتركز حول هذه الأحداث ورحلة سوق قطيع الماشية وتعرّف الشخصيات على
بعضها، في إطار من الصراع حول من يستطيع أن يحتكر سوق اللحوم المحلية.
النصف الثاني من الفيلم يتمحور حول استعدادات استراليا لدخول الحرب
بعد تعرّض ميناء بيرل هاربور للقصف من قِبَل القوات اليابانية. وفي
وسط هذا المزيج من العناصر تنمو قصة حب بين السيدة آشلي وسائق القطعان
دروفر، فيما يأخذ الفتى "نولاه" دور الابن الذي لم ينجباه.
تتناقض الطبيعة الجذلة لإيقاع الفيلم التي تبناها المخرج لوهرمان في
المشاهد الأولى مع جدية القصة حيث تقوّضت فرصة الشخصيات -في نهاية
المطاف ـ في أن تكون ثلاثية الأبعاد (واقعية ومُقنِعة). قُصِدَ من
شخصية دروفر عند تصميمها أن يكون واحدا من تلك الشخصيات النمطية التي
تنهض عليها الأفلام الملحمية: بطل ذكوري يتصرف بغلظة لكنه يخبئ في
ثناياه قلبا رقيقا كامنا.
في الكثير من المشاهد الأولى، يبدو دروفر أقرب إلى شخصية كروكودايل
دندي (بطل فيلم أسترالي شهير حمل نفس العنوان، حيث "كروكودايل
دندي" صائدُ تماسيحٍ جلفٍ لا علاقة له بالمدنية والتحضر). السيدة
آشلي هي الأخرى وقعت في فخ تنميط الشخصية: الوردة الإنجليزية المغرورة
التي تجد شخصيتها الحقيقية في أعماق البراري.
على أية حال فإن سارة آشلي ليست سكارليت أوهارا، كما أن دروفر ليس
ريت بطلر (أوهارا وبطلر هما البطلان الرومانسيان لفيلم "ذهب مع
الريح")، وعليه فإننا نحن أيضا لا نعبأ بالأمر مطلقا ("لا
أعبأ بالأمر مطلقا" I don't give a damn عبارة شهيرة وردت في
فيلم "ذهب مع الريح" واشتهرت وأصبحت مثلاً).
هذه التركيبة، باختصار شديد، هي المعضلة الكبرى لفيلم "أستراليا":
إن الشخصيات والقصة المرسومة لها جميعها مصطنعة ومُقحمة. لو كان لدى
الفيلم نية مبدئية ليكون من نوعية الكوميديا الرومانسية، فإن الإطار
الذي تم فيه رسم شخصيتي سارة ودروفر كان يمكن أن يفي بالغرض، إلا أن
فيلم "أستراليا" بقصصه المتداخلة أراد أن يكون أكثر من ذلك،
فوصف الفيلم بالـ "كوميديا الرومانسية" يمثل تقليلا من شأن
هكذا فيلم. مشكلة فيلم "أستراليا" هي أن خلفية اللوحة لا
تتناسب مع الوجوه التي تم رسمها عليها لاحقا.
إذا كان البُعد الرومانسي للشخصيتين الرئيسيتين الذي يعوّل عليه الفيلم
يبدو زائفا وغير متناسب مع طبيعة هاتين الشخصيتين، فكيف يمكن إذن أن
ينجح الفيلم؟ إن النجاح غير ممكن وهو لم يتحقق فعليا لهاتين الشخصيتين.
إننا نشاهد الفيلم فلا نجد فيه ما يأسرنا عاطفيا لأن ثمة شيئا كان
مفقودا.
يسعى فيلم "أستراليا" ليتناول ما يُعرف بالأجيال الضائعة،
وهم الصبية والفتيات الخلاسيين ممن ولدوا لأم سوداء وأب أبيض والذين
كان يتم عزلهم بواسطة الحكومة (وإيداعهم دور رعاية خاصة لتعليمهم أسلوب
الإنسان الأبيض في العيش وإبعادهم عن جذرهم الأسود الذي كان الإنسان
الأبيض يصفه بالبربرية والتخلف).
يمثل الطفل "نولاه" هذا الجيل، حيث يبدو تناول هذه المسألة
أكثر نجاحا في الفيلم من قصة الحب بين الشخصيتين البالغتين. أما الدور
الذي يلعبه "كينج جورج" (ديفيد جلبيلل) جد "نولاه"،
فهو أقل نجاحا من الأبعاد والمغازي التي يضيفها وجود شخصية الطفل "نولاه".
هي على أية حال شخصية مكرورة للرجل العجوز الذي يقوم بمراقبة الأحداث
من مبعدة، وهو لا يتدخل إلا في سياقات بسيطة حين يُتاح له المجال.
لو كانت أحداث الفيلم تدور في الجنوب الأميركي في فترة ما قبل الحرب
الأهلية الأميركية لكان الممثل مورجان فريمان قد لعب دور "كينج
جورج"، أما لو كانت أحداث الفيلم تدور في الغرب الأميركي القديم
فإن جراهام جرين هو من كان سيجسد الشخصية. الدور بذاته عبارة عن كليشيه
آخر ضمن تنميطات الفيلم، إنه يبدو أقرب إلى عملية احتيال منه إلى متطلب
درامي فعلي.
عندما يكاد قطيع الأبقار يهوي من حافة الجرف الجبلي وينجح غناء الجد
العجوز والطفل "نولاه" في إيقافها ومنعها من السقوط، فإن
هذا المسلك الذي يحاكي تدخل الآلهة في سير الأحداث في المسرحيات الإغريقية
القديمة يبدو بلا سند فني يبرر حدوثه في الفيلم، فلم يكن هناك سياق
درامي يقنعنا أنّ إيقاف سقوط الماشية مقبول فنيا، بل بدا مفتعلا ومقحما.
الأمر سيان أيضا بالنسبة للإشارة المتعددة لقصة "ساحر أوز"
التي تم إقحامها في الفيلم بلا مبررات منطقية مقبولة.
سعى باز لوهرمان إلى ربط شخصية سارة آشلي بالممثلة كاثرين هيبّورن
في فيلم "الملكة الإفريقية"، لكن هذا الربط الموجود بدماغ
لوهرمان لم ينعكس على أرض الواقع. تفتقر نيكول كيدمان إلى قوة شخصية
كاثرين هيبّورن. فسارة تصادفك في البداية بوصفها لغزا محيرا، وليست
شخصا أصيلا معتَبَرا.
مع مضي الوقت في الفيلم، يتم صقل شخصية سارة وتصبح أكثر رقة، وعند
منتصف الفيلم تصبح كيدمان قادرة على تقديم أداء متماسك، إلا أنها مع
ذلك لا تستطيع أن تنقّح أداءها مما علق به في الدقائق العشرين الأولى
من مؤثرات واردة من فيلم "بعيدا جدا" للمخرج رون هوارد.
في الحقيقة، الكثير من مناخات فيلم "أستراليا" متأثرة بذلك
الفيلم القديم لهوارد الذي حاول بنجاح محدود أن يحقق معادلة تركيب
عدة عناصر في فيلم واحد: دراما خفيفة، رومانسية، والمغامرة، كل ذلك
في سياق مرجعية تاريخية.
على الجانب الآخر فإن أداء هيو جاكمان في دور سائق القطعان دروفر كان
يفترض أن يكون عنصر تسريع لإيقاع الفيلم، إلا أنه كان في الحقيقة متبلدا.
جاكمان ممثل جيد لكنه يفتقر إلى الجاذبية المطلوبة لملء الشاشة بالوهج.
في أحسن الفروض، فإن تفاعله الكيميائي مع نيكول كيدمان يمكن وصفه بالمتقطع
(غير المتدفق).
على أية حال فإنه إذا كان أداء النجمين الرئيسيين مخيبا للآمال، فإن
بعض العزاء موجود لدى من قاموا بالأدوار المساندة. الفتى الصاعد براندون
والترز كان مرحا خفيف الظل، أما المخضرم برايان براون فقد كان متقمصا
تماما لشخصية كينج كارني. ديفيد وينام امتلك إلى جوار شواربه المفتولة
ما يجعل إطلالته مقيتة بما يكفي، وهو ما تتطلبه هكذا شخصية بحيث يدعو
لها الجمهور أن تنال العقاب الذي تستحقه.
اللمسات البصرية هي علامة باز لوهرمان المسجلة، فقد استخدمها بنجاح
في أفلامه الثلاثة الماضية التي حققت نجاحا دوليا وهي كل من "قوانين
قاعة الرقص الصارمة"، و"روميو وجولييت"، و "مولان
روج/ الطاحونة الحمراء".
إنه لا خلاف أن فيلم "أستراليا" قوي بصريا. الهجوم الياباني
قدّم لحظات مروّعة وصادمة، وقد كان تنفيذه واقعيا لا يرقى إليه الشك.
إن هذا الإتقان في مشهد دمار الحرب يستحق أن يحظى بقصة أكثر متانة
وتأثيرا عاطفيا من المساحة التي أعطيت لها.
لقد أثبت لوهرمان في فيلم "مولان روج" أنه قادر على صنع
قصص عاطفية تنفطر لها القلوب، لكن سحره الخاص هذا يغيب في "أستراليا".
إن المناخ الرومانسي في "أستراليا" مقحم جدا إلى درجة أن
الرومانسية تفقد معظم بريقها، وهنا تضيع علينا اللحظات التي كانت ستملؤنا
بالحماس والانفعال.
إن الموعد الذي حددته شركة فوكس Fox المنتجة للفيلم يشير إلى رغبتها
في أن يُعرض في وقت قريب من انطلاقة مسابقة الأوسكار (ليكون الفيلم
عالقا في أذهان المحكّمين فيحظى بفرصة أقوى للفوز بالأوسكار). قد تحظى
مؤثرات الفيلم التقنية بجائزة ما، إلا أنه من الصعب أن يتخيل المرء
أن يحتل الفيلم أي جائزة من الجوائز الكبرى للمسابقة. إن "أستراليا"
ملحمة مدّعاة، وليس ملحمة تنافسية.
العنوان والعبارات الواردة بين الأقواس هي إضافات
وشروحات من عند المترجم.
أعلى
البحر في الشعر العماني المعاصر (2 ـ3 )
آثر الشاعر أن يبوح بالهموم التي تجثم على صدره
للبحر فهو الصديق القديم الحديث
تناول الشاعر صورة البحر من خلال تجربة الإنسان العماني المعاصر، وموقفه
من المستجدات
الغربة:
أول صورة للمعاناة النفسية تتمثل في الغربة،
والباحث يرى أن الغربة عند الشاعر العماني هي غربة الروح لا المادة،
أو هكذا تفهم.
يقول ذياب بن صخر العامري:
وتأخذنا يا شراع الشمال
وتمضي بنا
في خضم البحار
تلوح رمالك
تلوح الجبال
تمر المرافئ
ما بيننا
وتبعد
تبعد
عنا
إذ لا رجوع (19)
في خضم البحر يشتد إحساس البحار بألم الغربة،
يفتقد الرحمة والحنان، ولا يجد من يواسيه إلا الرمال تلو الرمال، وكلما
ظهرت الأعلام والأضواء يزيد عمق الجرح، وتشتد وطأة الغربة، وإحساس
بأن الرحلة لانهاية لها. ونلمح استمرارية الأمل عند هلال العامري في
الخروج من دائرة الغربة التي تحاصر الشطآن والمواني:
كيف تهاجر عيناك بأخيلتي
ويمر شراع سفينتها
دون استئذان
كيف تراها .. تعبر
صمت الليل
وعُمق البحر
وتتركني
وأنا الربَّان ! (20)
وهكذا تنتهي رحلة الحب والغربة في هذا النص،
بأن يصبح الشاعر/ الربان في مواجهة أمواج الحزن والغربة والرحيل ..!
مواجهة انشطار سفينة الغربة بين أمواج الحزن .. وعواصف الغربة والرحيل
.. حيث يصبح الرحيل جزءا من حياته .. ويصبح الرحيل أيضا .. كما يقول
ورحيلي تاريخ بقائي"(21)
الحزن:
انطلقت صورة حزن البحار من الشقاء الذي يعانيه
سواء أكان في البحر أم على اليابسة فالشاعر آثر أن يبوح بتلك الهموم
التي تجثم على صدره في البحر فهو الصديق القديم الحديث. (الوافر)
تكلم أيها البحر
تكلم إنني مازلت أنتظر
تكلم إنني آت من الصحراء حيث يخيم الضجر
تركت بقاع مجزرة بها يتناحر البشر
وجئتك حاملاً أشلاء تاريخ من المأساة، ليت الحزن يختصر.
تكلم إن في صدري احتراق الصمت يستعر
هنا ستبيد أحزاني وتنتحر
هنا سأحمل الأمواج مأساتي وأعتذر
هنا سأحط فوق الرمل أثواباً
يعربد فوقها الكدر
هنا لا شي إلا البحر والأصداف والقمر
هنا تتعانق الأحلام والجزر
أنا والبحر يجمع بيننا سر
أنا والبحر نبعان يسافر منهما الشعر
سلام أيها البحر (22)
يبدأ النص بفعل الأمر "تكلم" لينفث
من خلاله تلك الأحزان التي ضاق بها قلبه والتكرار هنا يزيد من طاقة
الإيحاء وتأكيد الحدث في القصيدة "والتكرار من الوسائل اللغوية
التي يمكن أن تؤدي في القصيدة دوراً تعبيريا واضحاً فتكرار لفظة، أو
عبارة ما يوحي بشكل أولي بسيطرة هذا العنصر المكرر وإلحاحه على فكر
الشاعر أو شعوره (23) ويسعى التكرار للفعل الأمر "تكلم"
إلى إظهار الصدمة النفسية التي وقع البحار ضحيتها إثر السكوت المطبق
على الواقع الاجتماعي الذي يعيشه البشر، وهو لا يختلف عن ذلك الذي
رآه في المحيط حيث الحيتان العملاقة التي لا تعرف في قاموسها الرحمة.
تكلم أيها البحر فإن البركان وشيك الانفجار!! ولما كان الحوار من جانب
واحد عمد الشاعر إلى الظرف "هنا" (سأحمل الأمواج مأساتي
وأعتذر) لابد من التخفيف من هذه الأحزان ولابد من العودة إلى البحر
إلى الأحلام والجزر والأصداف والقمر، إلى النبع الصافي الذي يحفظ الأسرار،
نعم سلام أيها البحر!! وإن كان فيك الموت، والحوت، والرياح التي تطاردني
على ظهرك.
الموقف من القضايا المعاصرة:
يتناول الشاعر صورة البحر هنا من خلال تجربة
الإنسان المعاصر في عُمان، وموقفه من المستجدات على مستوى الفرد والجماعة
وذلك في عملية مزج فيها معطيات البحر وجزئياته المادية والمعنوية من
شراع وزورق وموج ومرفأ .. الخ. ويظهر ذلك من خلال الموقف الرافض (السلبي)
أو الموقف الإيجابي.
موقف الرفض (السلبي):
برز هذا الموقف لدى الشاعر العماني جراء الطفرة
الاجتماعية التي أحدثها النفط حيث تحول المجتمع العماني من مجتمعات
القبيلة إلى مجتمع يقودهم انتماؤه إلى الأسرة أو المناطقية( ومن جانب
آخر ظهور الطبقات الجديدة في المجتمع كالطبقة الوسطى، يضاف إلى ما
سبق الأعداد الهائلة من غير العرب الذين أتوا من خلف البحار بعاداتهم
وتقاليدهم وأديانهم ولا يخفى ما يحدثه هذا التدفق من اختلال الموازين
في تركيبة المجتمع.
"إذن في وسط هذه النقلة الواسعة والتغيرات السريعة برزت الروح
الفردية التي وجدت نفسها فجأة تواجه وحدها متطلبات حياة جديدة لا تمكنها
من تحقيقها أو التكيف معها في كثير من الأحيان، وقد أدى هذا إلى وجود
قدر كبير من المعاناة النفسية تميزت بالحيرة والقلق ومحاولة الابتعاد
عن الواقع إلى عالم مثالي"(24) وهذا ما ينعكس بالتالي على الشعر
فكانت أهم مظاهر الابتعاد عن الواقع من خلال صورة البحر:
الشكوى، والعودة إلى الماضي، والرحلة والهروب من مسببات الألم، ولعلنا
بمجموعة هذه المحاور نقترب من الموقف الرومانسي للشعر وزاوية من زوايا
الطبيعة: البحر فالبحر من المعطيات التي تمنح الشاعر الرومانسي مجالاً
واسعا لبناء مواقفه يقول الدكتور عبد القادر القط: "البحر عند
شعراء الرومانسية الأوروبيين - ومعه موقف الصحراء عند الوجدانيين العرب
ـ رمزان للأسرار والامتداد والأبد، تتداولهما أحوال من الثورة والهدوء،
ومن الكدرة والصفاء ما يمثل أحوال النفس وتقلب الوجدان، وفي رحابهما
من الجمال والاعتزال ما ينتزع الشاعر من معترك الحياة والناس إلى مجالي
التأمل والاستشراف والذكريات"(25)
وهذا الملمح يظهر جليا لدى الشاعر العماني حيث يبث شكواه إلى البحر
أو أحد معطياته فيوحي إليه منظر البحر بالصفاء فيرسل مكنون خواطره،
وما يتلبسه من لواعج الشوق والحنين والمحبة.
يقول سيف الرمضاني: (مجزوء الكامل)
وغداً إذا أزف الرحيل، وأُعدمت أحلى الأغاني
وتصاعدت آهاتنا الحيرى وضجت بالمعاني
لا تقرئي شعري - رجاءً - واسمعي همس الحنان
ضمي حروفا غلهَّا قلبي وأوراها بياني
وامضي وراء الأسطر الحبلى بآلاف المعاني
واغفي على غرف الشواطئ .. ذوبي أشهى الأماني
وتذكري إن قمت صبحك نورساً ضلَّ المواني (26)
هذا موقف يذكر بموقف الشعراء الرومانسيين من
الطبيعة حين "ينشدون السلوان فيها ويبثونها حزنهم ويناظرون بين
مشاعرهم ومناظرها، .. ويتخيلون في المخلوقات أرواحاً تحس مثلهم فتحب
وتكره فيشركونها مشاعرهم، ولذا يخاطبون الأشجار والنجوم والورد والصخور
وأمواج البحار"(27) والشاعر هنا يبين سبب الشكوى وهو الرحيل وما
يخلفه من آهات وذكريات سطرت بآلاف المعاني لتعزف على الشواطئ بهمس
الحنان وانتهاء الأماني، إنه التلذذ بالألم أن لا يكون له مرفأ يأوي
إليه.
وعن نفس الموقف الحزين يبث الشاعر .. سعيد الصقلاوي على نغمات "اليامال"
شكواه قائلاً:
من خلف سجوف الحزن أناديك
من قعر الألم الأصغر في الأعماق أناديك
آهات مذبوحة
أنات مبحوحة
تتحجر في حلقي
تتسلل في نغمات "اليامال"
(تلك النغمات الحلوة قد شادت لي كياني
منحتني تاج الأزمان
لكن السيل الحاقد يا ليلى
مازال يحطم "سنبوكي")
ويبددها مسماراً (28)
"تجربة الحب عند الشاعر الوجداني تقوم في
أساسها على الصراع والمعاناة"(29) ولذلك كان نداء الشاعر من خلف
سجوف الحزن وأعماق الألم: مذبوحة - مبحوحة - متحجرة. تسلل في نغمات
"اليامال" فخلفت وراءها مجدا بحريا ينحدر إلى دوائر الضعف
(سنبوك صغير تتبعثر كل مكوناته حتى مساميره )وإن كان اليامال مبعث
الأمل والعزيمة لدى البحارة لمواصلة الطريق رغم العواصف والأهوال والسيل
الحاقد.
العودة إلى الماضي وبعث الذكريات وجه آخر من وجوه الابتعاد عن الواقع
بحيث يصبح الماضي بديلاً عن الحاضر ولذا نجد الصقلاوي يقف أمام البحر
محاولاً استرجاع الذكريات العزيزة التي افتقدها على ذرات الرمال في
مدينته "صور": (الكامل)
لوحات حب قد رسمناه
يا بحر كم في رملك الفضي
في الحب أحلى ما سمعناه
كم كنت للعشاق أغنية
ذابت بصفو جماله الآه
ورويت لي من أخبارهم نغماً
يا بحر، أو ماتت حكاياه
هل عاد يزجي الهمس في نغم
في الشمس أو في النجم ذكراه
أو لم تعد ذكراه راقصة
بل بحر وهم نحن خضناه (30)
أولم يكن دنيا الهوى أملي
تقول الباحثة هيا الدرهم: إن هذه الأبيات تذكرنا
بمقطوعة "لعلي محمود طه" تملأها كذلك التساؤلات عن مصير
تجربة عاطفية عاش الشاعر أجمل لحظاتها ثم طوتها يد الزمان. والبحر
هنا هو الذي منحه تلك السعادة ثم أخفاها عنه، لذلك فهو يسائله عنها
في إصرار، إلا أنك تكاد تلمس آلام التحسر والفجيعة بفقدان تلك الأوقات
السعيدة في أبيات (الصقلاوي) بشكل أوضح منها في مقطوعة "علي محمود
طه" وذلك للحيرة التي لم تجد جواباً شافيا من آي من مظاهر الطبيعة
التي وجه إليها الشاعر تساؤلاته في حين إن علي محمود طه "جعل
من البحر يد الزمان التي قضت على تلك الأمسيات:
[أين أخفيت أمسياتي اللواتي نزعتها مني يد المقدور؟(31)
فأوجد بذلك جواباً على تساؤلاته"(32) على أن كلا الموقفين يتفقان
على جعل البحر وطنا هروبيا يلوذون به حين تحاصرهم الآلام والهموم،
وقد يصل الهروب إلى عالم الخيال في زورق من الوهم، ورحلة إلى حدود
المحال إلى عالم شاعري كما يراه ذياب بن صخر العامري:
تعالي
لنبحرَ في زورق
من الوهم
حتى حدود المحال
إلى عالم شاعري غريب
كدنيا الخيال
فطوراً
نعانق بحر الهوى
ونسأله
كل حين سؤال
عن المبحرين
مع الذكريات
عن الحالمين
ببوح الجمال"(33)
هكذا يصبح البحر وطنا حبيباً، وملاذاً، ومهربا،
وإن كان في دنيا الخيال أو الإبحار في الذكريات والحلم، المهم هو الارتحال
والاغتراب بكل أشكاله الممكنة وغير الممكنة وإن كان يغلفها أي الرحلة
- الضباب والشعور بالغربة والضياع الأليمان.
* باحث عماني
(19) العامري، ذياب بن صخر، قصائد من الزمن البعيد، المطابع العالمية،
سلطنة عُمان، 1981، ص 116.
(20) العامري، هلال، هودج الغربة، المطابع العالمية، 1983، ص 10
(21) دعبيس، سعد، دراسات في الشعر العماني، دار المعرفة الجامعية،
1992، 62.
(22) من ديوان فاطمة، ص 44.
(23) بناء القصيدة العربية الحديثة، ص60.
( المناطقية نسبة إلى منطقة بعينها مثلا فلان ظفاري - وفلان من الداخلية
- أو من الباطنة .. الخ.
(24) صورة البحر في الشعر العربي الحديث بالخليج (1960-1980)، ص 66.
(25) عبد القادر القط الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، مكتبة
الشباب، 1992، ص 143.
(26) من ديوان ريفية، ص 61.
(27) هلال، محمد غنيمي، الرومانتيكية، دار نهضة مصر، القاهرة، 1971،
ص 137-138.
( السنبوك): نوع من أنواع السفن.
( اليامال): نوع من غناء البحارة
(28)ترنيمة الأمل، 116-117.
(29) الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، ص 289.
(30) من ديوان ترنيمة الأمل، ص 72-74
(31) علي محمود طه، شرح ديوان على محمود طه، شرح وتحقيق محمد نبيل
طريفي، دار الفكر العربي بيروت، ص 74-75.
(32) صورة البحر في الشعر العربي الحديث بالخليج (1960-1980)، ص 72.
(33) من ديوان قصائد من الزمن البعيد، ص 142.
د.محمد بن مسلم المهري*
باحث عماني
أعلى
(قرية عمانية..)
مفردات رائعـة .. من الحيـاة اليوميـة (1 ـ 2)
مدخـل ..
كيف نسـترجع الماضي القديم ، الماضي العريق والأصيل معا ؟! كيف نطوي
الأيام والشـهور والسـنين للعودة للوراء ؟! كيف نعيش الأيام الخوالي
الطيبة ؟! نستنشق منها عبق التاريخ وتراث الآباء والأجداد ، نمارس
حياتهم اليومية كما كانوا يعيشون ويأكلون ويشربون . نشـاركهم أفراحهم
وأتراحهم وآمالهم وأحلامهم . نحس بدفء البيت الطيني الأصيل . نشاهد
الخروس والجحال والمناديس ، والسيوف والتروس . نتناول اللقيمـات والرخال
والعرسية والحلوى العمانية .
نحن ، لاتوجد لدينا (آلة الزمن) للرجوع للوراء ، ولن نقدر في نفس الوقت
على أن نطوي الزمن طيا ، لنسترجع كل مافات ومضى ، ماالعمـل ؟! .
إننا فقط نستطيع أن (نعايش) حياة القرية القديمة ، لنرى البيـوت التقليدية
والأدوات المنزلية ، الأبـواب الضخمة المزخرفة ، قاعة الاستقبال ،
المجلس ، الغرف ، الفنـاء الداخلي ، ونستخرج المـاء العذب من الطوي
.. نستطيع أن نقوم بكل هذا ، وذلك من خلال قـرية عمـانية قديمة ، معروفة
ببساطتها وجمالها وطرازها البديع . قـرية حية نابضة ، تعج بالبشر والحركة
والحياة الطبيعية ، كما كانت منذ زمن قـديم . زمن طيب وكـريم.
1 ـ الصـباحات ..
هيا ندخل من البـوابة الكـبيرة ، الضخمة القـوية العتيقة . بوابة القرية
الرئيسية ، القرية يوجد بها الدور والبيـوت العديدة ذات الملامح الأصيلة
، لمسـات تدل على البسـاطة والرحـابة والجمـال ، تجمعات سكنية ، بيوت
صـغيرة مبنية من الطين ـ الصاروج العماني ـ .. كل منطقة تشكل عنصرا
من عناصر القرية ، الحـارة . كل حـارة لها بـوابة وسـور يحيط بها ويطوقها
. مداخل : بوابات تسمى ( الصباحات) ، بوابة الحارة يطلق عليها ( الصباح
) لأنها تغلق مع الغـروب وتفتح مع شروق شمس الصباح . وقت الصباح هو
البـداية . صباح اليوم هو بدايته ، والصباحات هي المداخل أو بداية
الحارة أو المنطقة أو القرية . المداخل الفرعية الأخرى الصغيرة ، هي
صباحات صغيرة . لذا يطلق على بوابات الحارات القديمة في القرى العمانية
: الصـباحات .
وباب الصباحات الذي نلج منه للدخـول إلى عـالم القرية ، مصنوع من الأخشـاب
الغليظة والمزلاج الخشبيي الثقيل . هذه البوابة الكبيرة لها باب صغير
يشقها ، لدخول وخروج الأفـراد . وبداية الإغـلاق بعد الغروب ، يغلق
الباب الخشبي الرئيسي الكبير ، والباب الصغير يظل فترة قصيرة ، ثم
يغلق نهائيا . ومن خلال هذه الفتحة ـ الباب الصغير ـ المستطيلة يمكن
رؤية الأشخاص قبل دخولهم أو القيام بتوصيل رسـالة أو استلام رسـالة
.
البوابة الكبيرة تبرق فيها مسامير خاصة ، مسامير نحاسية ضخمة تدخل
في صناعة الباب لتقويته ، بالإضافة إلى أعمـدة من الحديد تحيط بحـواف
الباب .
مبنى هذه البوابة يتجسد فيه هندسـة البناء القـديم . في جوف البوابة
من الداخل غرفة الحراسـة ، ومصطبة يجلس عليها ( الناطور) بحيث لايعيق
حركة المرور أثناء الدخول أو الخروج . وفي المساء قنديل الزيت يشتعل
، لينير المكان بالضوء الشاحب الذي يتراقص مع الهـواء ..
هذه الصباحات تبنى من الطين ـ الصاروج العماني ـ : وهو عبـارة عن نوع
معين من الطين يخلط مع مادة جـيرية بيضـاء ، يعجن بالأقدام وأدوات
البناء حتى تتماسك مادة الطين ، ثم يحـرق . ويسـتخدم بعد ذلك في البناء
.
2 ـ الناطـور ..
الناطور ، هو حارس الصباح ـ البوابـة ـ الرئيسية أو المدخل ، يقـوم
بفتح وإغـلاق الباب . عمله أثناء الحراسـة ، هو أن يعرف موقعه بالضبط
وما يحيط به ، وفي نفس الوقت مكمل للأبراج الرئيسية المقامة فوق الجبـال
. هو العين.. للمراقبة ، والعارف ببواطن الأمـور والمدرك للحوادث أوالحريق
، ومنع السرقة والخصوم من الدخـول ، هو يعد في حد ذاته .. برج مراقبة
آدمية .
الناطور يحمل سـلاحه ( التفق ) بندقية تصنع محليا في سـوق مدينة نزوى
. أو بندقية ( أبوفتيله ) البريطانية الصنع . أمّا أبراج المراقبة
فهي مزودة بمدافع صـغيرة . الصـباحات والأسـوار عادة تكون قريبة من
فلج الميـاه ، حتى يتمكن الناطور من معرفة مسـاره وجريانه ، وأن لاشيء
يعوق حركته . الناطـور : يتفق عليه ، مع أهـل المنطقة . أهل الحارة
، يقدمون له مساعدات عينية أومادية ، مقابل الحراسـة والأمن واستقبال
الرسـائل ورعـاية الفلج ومعرفة الخصوم والأغـراب عن القـرية .
3 ـ البيت العمـاني ..
القرية العمـانية القديمة يتوسطها سـاحة واسـعة ومسجد ، ومدرسة تحفيظ
القـرآن الكريم ، السـوق يقام تحت ظـلال الأشـجار أوالنخـيل ، وبعض
الدكاكين الصغيرة الضيقة، ومجلس الرجال يطلق عليه(السـبلة) وأحيانا
يكون المجلس ملحقا بالمسجد أو في البيت الكبير لأحد أعيـان القـرية
..
يضم البيت العديد من الفخـاريات التي تستخدم لحفظ التمـور وأخـرى لحفظ
وتبريد الميـاه ، ومنها آنية الطعـام وإعداد القـهوة . كما يضم البيت
الكثير من أدوات الزينة التي تستخدمها المرأة كالذهب والفضة وأدوات
العين والتجميل والسرير الذي يطلق عليه : (الكاتلي). وكذلك أدوات الطفل
كالسرير الخاص بالطفل الرضيع ويعرف باسم : ( المركب أو المنز ). وهناك
القنديل الذي يشتعل بالزيت والفتيل من القطـن وأدوات الطبخ والمبخـرة
وأدوات تجهيز اللـبن وأدوات المجلس ، كالحصـير والمفرش والمخدات ،
والعديد من الأدوات الصغيرة المكملة لمستلزمات البيت ، من أدوات وملابس
.
البيت العمـاني يتكون عادة : من المجلس وغرفة النـوم والمطبخ والفنـاء
الداخلي به الطوي والكنيف والصـفة وحظـيرة الـدواب ( الزرب ). والبيت
مبني مـن ( الصاروج ) وفروع الأشـجار والأخشـاب والداعون .. ويضم البيت
جميع الأدوات التي تحتاج إليها الحيـاة الريفية اليوميـة . المجلس
.. معبق برائحة البخور العطرة الزكية ، نجدها في كل ركن من أركان البيت
القـديم ، وسقف البيت ، من جذوع الأشـجار اليابسـة أو ( الداعون )
المضفور معا بأحبال من ألياف النخيـل بحيث يشكل مربعا على مقاس السقف
، وفوقه يوضع الـتراب أو الطين المخـلوط . نلاحظ المرايا معلقة على
الجـدران ، المساند الملونة بالمجلس ، بسط على الأرض . والخناجر الفضية
والدلّة العمـانية لصناعة القـهوة ، الدلال الفضية والنحاسية بأحجامها
المختلفة ، النسـوة تلبسن الحلي الثقيلة من القلائد والخلاخيل والحروز
. الصناديق ( المناديس ) المزينة بالنقوش والزخارف البديعة ، الأواني
النحاسـية من مختلف الأحجام . المنسـوجات اليدوية . المبـاخر التي
يحـرق فيها اللبـان الظفـاري .
الفنـاء الداخلي: يوجد به الطـوي ( البئر ) لاستخراج الميـاه العـذبة
للشرب . مواد المعيشة : تحفظ في جرار كبيرة ( الخروس ) ، تستخدم أيضا
في حفظ الحبـوب والتمـور والسـمن والعسـل . الأدوات المنزلية : ( المـنز
) : سرير الطفـل الرضيع ، مصنوع يدويا من فروع الشـجر ومغطى بقطعة
من القمـاش الشفيف لمنع دخـول الحشـرات أو الذباب والبعوض ، يطلق عليه
( المنز ) أو المركب لآنه أقرب الشبه إلى شكل المركب . و( السـعن )
: قربة من الجلد ـ إيهاب ـ لخض الحليب لتحويله إلى الزبدة . ويستعمل
السـعن أيضا في حمل المـاء والإحتفاظ بالمياه فيه لمـدة طويلة وهو
يحافظ على برودة المياه . (الجحـلة ) من الفخـار الخفيف لونها ضـارب
للبياض ، توضع فيها ميـاه الشـرب وتعلق بأحبـال من عنقها في الطـاقة
المفتوحة في الجـدار لتبرد المياه فيه وقت الصيف..
السـيوف : سـيوف معلقة على الحـائط ذات مقابض مختلفة وأغمـادها مزينة
بمختلف الزخـارف . ( الـترس ): الواقي أثناء القتـال ، مصنوعا من جلد
وحيد القرن ، يستعمل للوقاية أثنـاء المبـارزة بالسيوف ، ويحمـل في
اليد اليسرى لتلقي عليه الضـربات من الخصم الآخـر ، وهو قوي ومتين
ولا يتحطم أو ينكسر من شـدة تلقي الضـربات عليه .
السـعفيات : تستخدم في أغراض كثيرة في البيت العمـاني ، في فرشها على
الأرض أو الحوائط والجـدران. ( الشـت) : من السعفيات الجـافة وهو يستخدم
في تغطية الطـعام وهويصنع على هيئة ( قمع) أو هرم مستدير وليس مثلث
الشـكل..
( الطـوي ) .. هو البـئر خاصة للبيت للشـرب ، له ( مرد ) حواف قوية
من الأسمنت لترد من يقـوم بجلب المياه من السـقوط في قعر البـئر ،
ويقـام على البئر المقابض وأغلبها من فـروع الأشـجار اليابسـة القوية
، وهي خاصة لتعليق حبـل القـربة الذي يتدلى من العمـود الواصل بين
الفرعين المقامين على مرد الطوي .
4ـ السّـبلة ..
هي مكان إجتمـاع أهـل القـرية في المناسبات . وفي السـبلة يتم تناول
القـهوة العمـانية عند الاجتماع مع التمر أوالحلوى العمانية . وفي
السـبلة يتم استقبال الضيف وتكريمه . وقد يشـترك أفراد القبيـلة في
إقامة سـبلة عامة للمناسبات واسـتقبال الضيوف ..
5ـ الحلقـة ..
مدرسـة لتحفيظ القرآن الكريم للصغار بواسطة (معلم ) أو ( معلمة ) شيخ
أو شيخة ، وتنطق هكذا ( أمدرسه ) بدون ظهور حرف اللام أثناء النطق
وألف القطع وليست وصل . والصـغار خليط من الصبيان والبنـات لم يتعدوا
سـن الحـلم . الأطفال الكبار ، الصبيان يخصص لهم مكان بعيد عن البنات
، في نفس الحلقة ، وأحيانا تكون ـ أمدرسـه ـ بناية صغيرة وسـط بيـوت
القـرية أو تحت ظل شـجرة الغاف في سـاحة القـرية ، ويحددون المكان
بالحصي والأحجار البيض حول جذع الغافة كالحلقة الدائرية حول الشـجرة..
والمعلم لايعمـل بأجر ثابت أو معلوم ، بل يأخذ هبـة أو هدية مثل :
الثـوب ( الدشداشة ) أو ( الكمة ) غطـاء الرأس أو ( المصر ) عمـامة
الرأس ، وأحيانا يكون التمر أو الحبوب . من البر : القمح . والبعض
يعمـل تطوعا لوجه الله لايريد جزاء ولا شكورا..
6ـ الرحى ( طحن الحبوب ) ..
تتكون الرحى من جزءين . الفردة السفلى ـ قاعدة ـ الثابتة على الأرض
، لا تتحرك . والفردة العلوية وهي أخف ، تدور بواسـطة المقبض اليدوي
الذي يكون عادة من فروع الأشـجار اليابسـة القـوية . وأحيانا يكون
اليد أو المقبض طويلا أو قصيرا . ويطحن في الرحى حبوب القمح التي يطلق
عليها ( البر ) ، حتى تصير دقيقا أو طحينا يصلح للعجين وصناعة الخبز
اليومي . ولايطحن في الرحى شيئا آخر حتى لايتغير لون أو طعم الطـحين
المصنوع منه الخـبز.
7ـ ألعاب الطـفولة ..
( المنديسوه أو المديسوه ) تشبه الإستغماية ، ويطلق عليها ( الغميضا
) والبنات يلعبن لعبة الحجلة ، تشبه السيجة والحصاة . و( الحجاه ):
لعبة العروسة للبنات الصغيرات يستخدمن فيه ( الكرب ) الجزء السفلي
الأسـود الغليظ من سعف النخيل ، يصنعن منه العروسة الصغيرة بإضافة
بعض قطع القمـاش والشعر الأسـود والألوان . و( سـلوم ، بلوم ) لعبة
البنات الصغيرات ويستخدمن فيها الأقدام وتقول إحداهن : كفي هادي ،
وإرخي هادي . ولعبة ( الحول حول ) : وهي الإحتفال بإكمال الطفل عاما
كاملا ، أي( حول ) يجلس الطفل في وسط المجموعة ويغطي بقطعة من الحرير
الشفيف ثم ينثرون عليه ( الفرّاخ ) وهي حبوب الأذرة المقلية بالسمن
، ويردد الصـغار : حول ، حول .. وأحيانا ينثرون عليه (الدنجو) الحمص
، أو ( السـبال ) بفتح السين والباء ، وهو يشبه الفول السوداني . ومن
العادات العمانية المشهورة : ( القرنقشـوه ) يحتفل الأطفال بها في
مساء العشرة أيام الأواخر من شهر رمضان . ولعبة ( الحواليس ) للشيوخ
والكبار ، لأنها تحتاج إلى سرعة البديهة والصبر والذكاء ، وهي تمارس
عادة في مكان رملي كشاطئ البحر ، وهي لعبة مسلية ويستخدم فيها القواقع
والأصداف البحـرية ، وربما لهذا السبب يعود لعبها قرب الساحل الرملي
، وهي تشبه لعبة سيجة الكلاب المصرية .
8 ـ عملية (مخض اللبن ) ..
تجلس المرأة العمـانية تخض اللـبن الحليب في ( السـعن ): ممخاض اللـبن
، قربة من جلود الغنم ، معلقة على ثلاثة قوائم من سعف النخيل اليابس
. تقعد المـرأة على حصير من الخوص ، تدفع السـعن المملوء بلبن البقـر
حتى يتحول إلى الزبدة الصفراء الطرية التي تدخل في إعداد الطـعام وقلي
المعجنات وعمـل أنواع من الحـلوى المطبوخة . خلفها تبدو الجحال معلقة
على الحوائط للشرب منها عندما تـبرد الميـاه ..
9ـ المشـغولات اليـدوية ..
في القرية العمانية ، نشـاهد جلسـة النساء يقمن بعمل المشغولات اليدوية
من المنسوجات الصوفية الخاصة بالنساء ، كل واحدة تقوم بعملها ، مثل
تطريز الكميم أو غزل الخيوط أو السعفيات أو حياكة الملابس النسائية
. وهناك رجال يقومون بنسج ( الوزار ) العمـاني وغيره من المنسوجات
الخاصة بالرجال . ومن هذه الحرف ، حرفة النسيج الصوفي ، يقمن به نساء
البادية ، حيث ينسجن من صوف المـاعز والغـنم بيوت الشـعر وزانة البعـير
، ونسج الزرابي والسيح والخطام والشملة والكميم والمساند ، ومن القطـن
ينسج الوزار العمـاني والعمـائم والبشوت والدشداشة والحظايا ، ويستخدمن
أدوات صناعة النسيج كالسكين والكرب والنير والبلو والخشب ، بالإضافة
إلى المرادة . وصناعة النسيج من الحرف القديمة في القري العمانية .
كما يقمن النساء بخياطة غطاء الرأس (الكمة ) العمانية وينسجن ( التلي
) وهو عبـارة عن خيوط من القطن أو( البريسم ) الصوف . وخيوط فضية وذهبية
، وتختلط هذه الخيوط معا وتستخدم لخياطة ثياب النساء لإضفاء اشكال
بديعة على الأكمام والمنحر ، وخياطة فراريخ الكمة التي تلبسها النسـاء
والأطـفال ، والبراقع وأدوات زينة النساء ، والشملة ( الحجم الكبير
، والحجم الصغير ) بها نقـوش وألوان زاهية . ويبدعن في صنع السعفيات
مثل :( الملهبة ، الشـت ، الزبيل ، والجبة ) .
10.ـ ( المعصـرة ) ..
عصر أعواد القصب ، لاستخراج السـكر من العصير ، يدخل هذا ـ سكر القصب
ـ في صناعة الحلوى العمانية الداكنة اللون . تتكون المعصرة من اسطوانتين
خشبيتين متلاصقتين ويمرر الرجل أعواد القصب بينهما لعصره . تدور المعصرة
بواسطة ثور فحل وهو مشدود إلى سـاقية المعصرة بفرع غليظ وطويل من الأشجار
اليابسة فيحرك الإسطوانتين القائمتن ، كل منهما عكس الأخرى ، ويتساقط
السائل في القعر حيث يجمع في أوعية كبيرة ويصفى ويترك حتى يتبخر ويترسب
السكر وينفصل عنه ( الزيج ) الذي يشبه العسـل الأسـود الذي يستخدم
مع بعض الأكلات الشـعبية . أمّا السـكر اليابس يحبذ إستخدامه في صـناعة
الحـلوى العمـانية .
( للحديث بقية ـ الأسبوع القادم )
عبدالسـتارخليف *
* كاتب وروائي مصري
أعلى
مِنْ سيرةِ شبَحٍ "غائِمْ"
( 1 )
وقالَ :
هو الحُبُّ هذا ....
فلا تتحولْ صدًى يتردَّدُ
لو تتخَطّاكَ أجراسُنا.
فحينَ احترقنا بدأنا نضيءُ
وكُنَّا نُقدِّسُ كالشمسِ تِمْثالَكَ الحُلُمِيَّ
فإيّاكَ تعجَلُ
تبغيه ربًّا كأسلافِكَ الناجِمِينَ عنِ الدهْرِ.
أسلافُكَ الناجمون أتوه فرادى فرادى،
وأنتَ أتيتَ سرابًا دُخانًا
تَمُجُّ الموسيقى
وتُشطرُكَ الأرضُ خبزًا وماءَ و أشطار فِكرَةْ.
و خَلْفَكَ مِنْ خشَبَاتِ المسارِحِ
مَنْ جَعلتْ مِنْ هواها إلها
وقالَ:
كأجدادِنا الساحقينَ
سيُلبِسكَ الحُلْمُ معطَفَهُ الشتويَّ..
وأنتَ بنيسانَ
تِهْ في غمامِ السِجَارَةِ،
أو حَبَّةِ الأسبرينِ
وفي أرَقٍ، قَلَقٍ،
في صُداعٍ
وفي ثِقَلِ الأصدقاءِ..
جفافِ الحجارةِ، غِلْظَتِها
في. . . . ...... ــ
و [جُرْحُكَ، جُرحُكُما]
سينشَقُّ عنْ عُشبَةٍ تَملَاُ الرُوحَ راحًا و راحًا و راحا.
( 2 )
ظَلَلْتُ أضيِّعُ وقتي/
وأحسبُ كم حلُمًا مَرَّ ما بين ظِلِّي وظلِّكَ
في انتظارِ الذي ( قد ) يَجيءُ
وكنتُ أُدنْدِنُ أغنيةً من "فلكلورِ زارٍّ قديمٍ"
وقد كان ظِلُّكَ عاجًا
فلهَّيتُهُ بقصائدَ تُشبِهُ منفيَّةً في بلادٍ ليس لها حاضِرٌ مِنْ
أمومةْ.
و تُشْبِهُهَا الأرضُ،
لَمْ تَكُ عذراءَ يومًا
وهل كانتِ الأرضُ عذراءَ يومًا؟!
إذًا كيفَ تنسِلُ هذي المقابرُ سُنْبُلَةً...
كيفَ تنسِلُ تفاحةً أخرجتْ أبوينا من الجَنَّةِ التي وُعِدَ المُتَّقونْ.
( 3 )
خطيئَتُنا شهوةٌ -في اختلاس انتظاري-،
أُمارِسُها إذْ تَخَيَّلْتُ شاعِرَةً حلوةً "بَخّرتِ" الشِعرَ
في شاعرٍ يُشْبِهُ الشافِعِيَّ:
{ لَمَحْتُكَ كالبرقِ في غيمَةٍ،
مُطْلَقًا مُطْلَقًا مُطْلَقا.
تذكَّرتُ وجهكَ في مشهَدٍ عابرٍ
بارِدًا أزرقا.
تَجُرُّكَ وسوسةُ أنك وحْدَك
يُضيئُكَ وحيُ تَجَلِّيكَ في ملكوتِ الهوى، وفي سِرِّ عِرْفانِنا
أيا كائنًا كانَ وِفْقَ مشيئَةِ عاشِقهِ
كَنْ آخَرًا، كالصباحِ الجديدِ/
وكُنْ سَرْمَدًا عاشِقَا. }
وقالتْ:
أرِيدُكَ لي/
ترْسِمُ الصوتَ في زهرةٍ، لَمْ تأتِ بعدُ
وفي امْرأَةٍ ما رَأَتْها القلوبُ، ولا سجدتْ لِهواها المُلوكُ..
أريدُكَ لي/
صوتُكَ القرَوِيُّ الذي فجّر الماءَ بي،
فيبعثُ في جسَدي رعشَةَ البرْدِ
يسمَحُ لي أنْ أُكَوِّنَ من جنونيَ معنى.
فصعْبٌ وصعْبٌ على غيرنا يفهمونَ معانيَ هلوسةِ العاشقينْ.
فقالَ الصدى:
" يا لَهُ الحُبُّ،
يا لِلْمُتَيَّمِ، يا لِلْمُولَّهِ ، يا لِلْمُعَنّى،
ويا للغَمامةِ تغْسِلُنا
إنّا ألوا العرفانِ بالصهيلِ،
لأنهُ رمزيةُ الرحيلِ
طرائقُ الوصولُ للروحِ التي..
ما عرفت طرائقَ الوصولِ
( 4 )
وقالتْ لِعاشِقِها:
لا أشتهي عشقَكَ المُتحضِّرَ يمشي على الأرضِ،
كنتَ النبيّ الذي يمنحَ الكذبَ رونقه الأبديَّ
فارجعَ كما كنتَ ذاك: المتيمَ والعاشِقَ المُتولِّهَ،
شرنِقْ حياتيَ بالحُلْمِ،
صَفِّقْ لِرَقْصِي طويلا،
واعصِبْ عيوني و عينيكَ عَنْ قلقِ الوقتِ...
- إنَّ المسافةَ باهِتَةٌ. /قاطَعْتُها.
ثُمَّ جاشَتْ وثارتْ:
ألا أيُّها البدويُّ الغليظُ،
تَركتَ الخيامَ بلا حارسٍ فبكيتَ النساءَ،
قريبًا سيأتي الغزاةُ،
و يخطفُني سيِّدٌ ليس يُتْقِنُ دورَ الممثِّلِ في الحُلْمِ،
آمرُهُ:
اْحْرُقِ اْسبرطَةَ، واقتُلِ اسْبارتاكوسْ
...........................
...........................
تَرَكتُها تَهذي،
كراسي المسارِحِ فارغةٌ،
وفي مسرَحٍ آخرٍ عاشقانِ،
وفي مسرَحٍ ثالثٍ، سابِعٍ، عاشِرٍ....،
مسارحَ ظِلٍّ لِمَنْ يَدَّعي العِشْقَ عبر الهواتفِ،
إنَّ الهداهدَ كاذبةٌ،
والحَمامَ يُغنِّي مِنَ المَلَلِ.
وفوقَ الأرائكِ،
شقَّتْ قميصيَ مِنْ قُبُلِ
لا عاشِقٌ مسَّهُ الحُبُّ يصعدُ نحو السماءِ،
يُتِمَّ السِناريو، ليَكتملَ المشهَدُ الهزَليُّ بِمَعنىْ.
يونس البوسعيدي*
* شاعر عماني
أعلى
ظواهر لغوية
تناوب حروف الجرّ
يشيع في حديث الناس (اتصلت فيك ) بدلا من ( اتصلت بك)، و(مررت عليك)
بدلا من ( مررت بك ) وغير ذلك مما فيه وضع حرف جرّ مكان آخر.
وقد نجد بعض النحاة واللغويين قديما وحديثا أو ممن أخذوا من العلم
بطرف من يخطّئ هذا الاستعمال، والجَليُّ أنه لاوجه لهذه التخطئة، فهذا
الاستعمال مما اصطلح عليه ( تناوب حروف الجر ) .
ولا براح أن هذه الظاهرة جلية واضحة في أكثر من موضع من مواضع الدرس
النحوي عند النحاة العرب المتقدمين و المتأخرين ، ويتجلّى اهتمامهم
بها في كثير من جوانب ذلك الدرس الذي له علاقة مباشرة بالدلالة .
ويتحدد مجال النيابة الذي نعنيه على مايرى بعض النحاة في إيقاع بعض
حروف الجر موقع بعضها الآخر، بما يحدد تلك الحروف بوظيفة دلالية معينة،
ويوسِّع من دائرة المعاني التي تخرج إلى هذه الحروف.
وفي نيابة الحروف عن بعضها خلاف مستفيض بين اللغويين فهم فريقان: فريق
أجاز هذا التناوب، وفريق وقف موقف المانع المشكك، وقد امتلأت مصنفات
اللغويين الذين أفاضوا في هذه الظاهرة، فعقد ابن قتيبة (ت 276هـ) في
كتابه (تأويل مشكل القرآن) بابًا خاصًا لحروف الصفات التي يقع بعضها
موقع بعض ، وذهب إلى مثل ذلك ابن سيدة (ت 458هـ) وعقد لها فصلاً سّماه:
(دخول بعض الصفات على بعض) ، وعمل ابن السّيد البطليوسي (ت 512هـ)
عمل سابقيه فخصص بابًا لذلك سماه: دخول بعض الصفات مكان بعض ،وعقد
الهروى (ت 415هـ) كذلك بابًا من كتابه (الأزهية) وعقد الثعالبي (ت430هـ)
في كتابه (سر العربية) فصلاً في وقوع حروف المعنى موقع بعض ، وغير
ذلك مما هو في تضاعيف كتب اللغة والنحو.
وقد اشتجر الخلاف بين اللغويين في أمر تناوب حروف الجر، فألفيناهم
على مشارب مختلفة: فجمهور البصريين ومن تابعهم من المتأخرين يمنعون
إنابة حروف الجرّ، بعضها عن بعض، ويحمل البصريون ما أوهم من هذه الحروف
على تضمين الفعل فعلاً آخر يتعدّى بذلك الحرف، وقد فسروا هذه الظاهرة
بالتوسّع في الاستعمال.
وقد يلجأون إلى التفسير البلاغي مع شيء من التكلف في بعض الأحيان،
وأبرز هذا التكلف ما ينقله ابن جني (ت 392هـ) الذي يُعدّ من أكثر المانعين
وأشدهم حماساً: "هذا باب يتلقاه الناس مغسولاً ساذجًا من الصنعة،
وما أبعد الصواب عنه، وأوقعه دونه"{ الخصائص : 2/ 7-8 }
فالبصريون يذهبون إلى أن حروف الجرّ لا ينوب بعضها عن بعض إلا شذوذًا
أما قياسًا فلا، وما أوهم ذلك فهو مؤول، إما على التضمين أو على المجاز،
كما في قوله تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل ( (طه: 71)، فذهب الكوفيون
إلى أن (في) بمعنى (على)، وذهب البصريون إلى أنه ليس معنى (على) ولكنه
شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحالّ في الشيء فهو من باب المجاز،
وإما على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى{ مغني اللبيب 1/ 11 }
وذهب الأستاذ عباس حسن من المحدثين إلى إجلال هذا المذهب ووصفه بالنفاسة
قال: "لا شك أن هذا المذهب نفيس لأنه عملي وبعيد من الالتجاء
إلى المجاز والتأويل ونحوهما من غير حاجة، فلا غرابة في أن يؤدي الحرف
معاني متعددة مختلفة وكلها حقيقي، ولا غرابة في اشتراك عدد من الحروف
في تأدية معنى واحد، لأن هذا كثير في اللغة، ويسمى بالمشترك اللفظي"{
النحو الوافي ،2/414}.
وقد أجاز الكوفيون نيابة حروف الجر عن بعضها بطريق الوضع؛ وذلك لأن
حرف الجرّ لا يقتصر على معنى واحد بل قد يأتي لمعانٍ متعددة { انظر
: مغني اللبيب لابن هشام ، 1/11}
وقد أخذ ابن قتيبة برأي الكوفيين وارتضى نيابة الحرف ويبدو ذلك واضحًا
في كتابه (أدب الكاتب) { ص 506- 620}. "باب دخول بعض الصفات مكان
بعض"وأفرد بابًا في كتابه تأويل القرآن{ ص 567- 581}: باب دخول
بعض الصفات مكان بعض..
وعلى الرغم من أن المذهبين الكوفي والبصري قد هيمنا على أكثر آراء
النحاة ، لكن بعض النحويين قد تفرّد برأي خاص له في هذا الباب، فمنهم
المبرّد (ت 285هـ) حيث يرى أن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض إلا أنه
اشترط أن يأتي الحرفان في معنى واحد في بعض المواقع { الكامل في اللغة
والأدب ، 2/82 } ، وقال ابن السراج (ت 316 هـ): "فهذه حقيقة تعاقب
حروف الخفض فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز"{ الأصول في النحو ،
1/414-415 } .
وقد كان ابن السِّيد البطيوسي أكثر توضيحًا لهذه الظاهرة وبخاصة شرط
تقارب الحرفين يقول في ذلك: "هذا الباب أجازه قوم من النحويين
أكثرهم من الكوفيين، ومنعه قوم أكثرهم من البصريين، وفي القولين نظر؛
لأن من أجاز دون شرط وتقييد، لزمه أن يجيز سرت إلى زيد، وهو يريد مع
زيد قياسًا على قولهم: "إن فلانًا لظريف عاقل إلى حسب ثاقب"
أي: مع حسب، ولزمه أن يجيز (زيد في عمرو) أي: (مع عمرو)... هذه المسائل
لا يجيزها من يجيز إبدال الحروف، ومن منع ذلك على الإطلاق لزمه أن
يتعسف في التأويل لكثير مما ورد؛ لأن في هذا الباب أشياء كثيرة ييعد
تأويلها على غير البدل.
ولا يمكن للمنكرين لهذا أن يقولوا إن هذا من ضرورة الشعر لأن هذا النوع
قد كثر وشاع، وأنه يخصّ الشعر دون الكلام فإن لم يصح إنكار المنكرين
له، وكان المجيزين له لا يجيزون من كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على
السماع غير جائز القياس عليه. { الاقتضاب ، 1/338-339 }
ونورد تاليًا أمثلة من القرآن الكريم يرى بعض النحاة والمفسرين بأنها
من باب التناوب ، ثم نقفّيها بأمثلة وردت في تراث لحن العامة يرى بعض
اللغويين أنها من باب التناوب ..
فقد جعل مفسرو الذكر الحكيم من التناوب قوله تعالى : ( ومن أهل الكتاب
من أن تأمنه بدينار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك
( (آل عمران: 75)، قال الطبري (ت 310 هـ) إن الباء في قوله (بدينار)
وعلى يتعاقبان في هذا الموضع كما يقال مررت به ومررت عليه. "
{ تفسير الطبري ، 3/315}.
ومن ذلك قوله تعالى : ( ينظرون من طرف خفي ) { الشورى : 45 } فقد قال
بعض النحاة إن( من ) تنوب عن ( الباء ) { انظر : البرهان للزركشي 4/445
} وروى بعض النحاة عن العرب أنهم يقولون : ( ضربته من السيف ) أي بالسيف
، إلا أنه ذكر أنه يحتمل أن يكون لابتداء الغاية . { معاني القرآن
للأخفش ،3 / 86- 87}. ، وذكر آخر : أنه يجوز في ( من ) أن تكون لابتداء
الغاية ، وأن تكون تبعيضية ، وأن تكون بمعنى (الباء ) وبكل قد قيل
. { الدر المصون ، 6 / 86 }
ومما جعله بعض النحاة من التناوب قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر
وأنتم أذلة ) { آل عمران / 123 } فيرى العكبري في قوله تعالى ( ببدر
) أن ( الباء ) بمعنى ( في ) { التبيان ، 1/ 231 } ومن ذلك قوله تعالى
: ( إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر ) { القمر ،/34}
أي في سحر ، ومما ورد في تراث لحن العامة :
.بنى بأهلِه: وهذا التركيب ذو صلة بعرف اجتماعي عربي، وأصله أنه من
أراد أن يدخل بزوجته بني عليها قُبّة، فقيل لكل داخل: "بان"{
درة الغواص ، 205 }، وقد رفض الحريري، وابن الجوزي هذا التركيب بصيغته
هذه ورأيا بأن الصواب أن يقال: (بنى على أهله)، لكن ما ذهب إليه الحريري
لم يلق قبولاً عند الشهاب الخفاجي، فقال: "ما أنكره لا شبهة في
صحته فإنه بمعنى دخل بها فيتعدى تعديته لتضمنه معناه، وقال ابن برّي
غير منكر، لأن بني بها بمعنى دخل بها وقال (ابن قتيبة): يقال لكل داخل
بأهله بانٍ، والباء وعلى قد يتعاقبان على معنى واحد، نحو أفاض بالقداح
وعليها"{ شرح درة الغواص ، 205 } وجاء في القاموس المحيط: "بنى
على أهله وبها زفّها كابتنى" { الفيروزأبادي ، 632}.
. جَلَس على بَابِه. ورد هذا التركيب عند ابن هشام اللخمي وذكره الحريري،
وهما متفقان على منعه، ويريان الصواب أن يقال: بنى على أهله، وعلة
المنع عندهما: لئلا يتوهّم السامع أنّ المراد به: استعلى على الباب
وجلس فوقه{ درة الغواص ، 205}
وقال الخفاجي في ردّه على الحريري: وهذا أيضًا ليس بشيء، فإنّ الباء
مثل حرف الاستعلاء فيه كقولهم: مررت على فلان ومررت بفلان، وأما توهّم
خلافه فلا يخطر ببال عاقل"{ شرح درة الغواص ، 607-608}.
. رضى الله عليك. ورد هذا التركيب عند البطليوسي في كتابه الاقتضاب
{ 1/340} وقد تأولّه قائلاً: إنما عُدّى رضي بـ (على) لأن الرضا يعنى
الإقبال.
واستدل بقول الشاعر: [من الوافر].
لعمرُ اللهِ أعْجبَني رِضَاها
إذا رضيت عليَّ بنو قُشيرٍ
وبعد: فأمر التناوب ينبغي أن يوقف عنده، فهو
عند جمهرة من المتقدمين من علماء العربية والمتأخرين والمعاصرين سائغ
ومتقبل، وأساليب منه لغة سائرة في عصرنا الحاضر، فمن الناس من يقول:
اتصلت عليك، بدلا من اتصلت بك، ومن الناس من يقول: مررت عليك، بدلاً
من مررت بك، ومنهم من يقول: حَرَص بمالِه، وعَاج بالمكان.
وبالجملة لا يمكن إلغاء النيابة على وجه الإطلاق أو قبولها على وجه
الإطلاق أيضًا استنادًا إلى عنصر السياق أو التركيب الذي يرد فيه الحرف
المعيّن، فبطريق السياق يمكن قبول النيابة في أكثر من موضع رفضه الرافضون،
ويمكن من طرف آخر رفض مبدأ النيابة في تراكيب استدل المجوزون بها على
صحة النيابة، والذي يباعد بين النيابة أو عدمها زيادة على مبدأ السياق
هو القدرة على تأويل ما يمكن تأويله بعيدًا عن النيابة أو إلقاء ما
يمكن إلقاؤه في باب التضمين، فإن تعذّر هذا وذلك يمكن التسليم بنيابة
الحرف المعين عن الحرف المعين الآخر.
وهذا الذي سبق يساوق رأي محمد العدناني { معجم الأخطاء الشائعة ص ،
90} الذي يجيز التبادل بين حروف الجرّ إذا لم يكن هناك لبس، ولكنه
يُؤْثِر وضعها كما وردت في المعاجم مراعاة للدقَّة .
د. سالم البلوشي
salemabdullah@gmail.com
أعلى
قراءات في ظاهرة الهجرة الحضرية ومشكلات المدينة
يصطدم المهاجرون بأمراض المدينة التي لم يعهدوها
في القرى مثل الكآبة والقلق على المستقبل وغياب الأمان الاجتماعي وانتشار
الجريمة والبطالة والتخريب والعصابات وارتفاع مستوى المعيشة .
لا تزال موجة الهجرة من الريف للمدينة تتصاعد
وتيرتها, حيث يهاجر أكثر من 20 مليون فرد للمدينة سنويا وهو رقم هائل
غير مسبوق في التاريخ البشري كله. وقد قفزت أعداد السكان بالمدن العالمية
من 200 مليون في العام 1950 إلى مليارين في العام 1990, ويتوقع أن
يصل هذا العدد إلى 3 مليارات في العام 2025. وهناك مع نهاية القرن
العشرين 20 مدينة ضخمة تحوي أكثر من 10 ملايين نسمة. كما أن 19 مدينة
من أصل الـ 25 مدينة ضخمة تنتمي للعالم الثالث. وهناك أكثر من 60 مدينة
في العالم يبلغ تعداد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة.
وسبب موجة النزوح للحضر من الريف يعود للتطور الصناعي الذي غزا العالم
الحديث بالإضافة إلى تدهور وضع الأراضي الريفية وتقلصها وأحيانا الظروف
المتعلقة بتلوث البيئة مما يشجع الهجرة من الريف للمدينة.
وتشهد قارة أفريقيا أكبر موجة هجرة للمدينة من باقي قارات العالم الحديث
حيث تسود في المدن فرص أفضل للعمل والحياة, بيد أن معظم مدن العالم
تعاني نتيجة فائض الهجرة من صراع على الموارد الطبيعية وفرص العمل
وضغط على السكن أكثر بكثير مما يمكنها توفيره مقارنة بالمساحة الجغرافية
لهذه المدن.
وفي عام 1990 أجرت لجنة الأزمة السكانية بالتعاون مع 130 مؤسسة أبحاث
حضرية حول العالم دراسة نشرتها حول أكبر 100 مدينة عالمية لتقييم مستوى
الخدمات والرفاه التي تقدمها المدن للمواطنين من خلال معايير منها:
السلامة العامة وتكلفة الغذاء والمساحة المتوفرة للسكن ومستوى الخدمات
الإسكانية ونقاء الهواء والمواصلات والأمان الاجتماعي.
كانت نتيجة الدراسة أن المدن التي سجلت نتيجة "جيد جدا"
تقع في شمال أميركا وأوروبا وأستراليا واليابان. أما المدن التي سجلت
نتائج "جيد" فكانت تقريبا في نفس المواقع السابقة بالإضافة
إلى بعض مدن شرق أوروبا. أما المدن ذات مستوى المعيشة "المقبول"
فكانت مدن جنوب أميركا الكبيرة والصين وكوريا وشمال أفريقيا. أما الدول
ذات مستوى المعيشة "السييء" حيث التزايد المطرد للسكان مقابل
الخدمات المتدنية وفرص العمل فكانت في الهند وبيرو والبرازيل والباكستان
وأفريقيا. أما مدينة لاجوس فكانت أسوأ المدن في مستوى المعيشة على
الإطلاق.
عوامل الطرد والجذب الحضري
في عام 1925 كان هناك أقل من 10 بالمائة من السكان
في الدول النامية يعيشون في المدن. بين العام 1950 والعام 1975 استقطبت
المدن الحضرية في هذه الدول النامية أكثر من 400 مليون نسمة. وحسب
دراسات البنك الدولي فقد نزح للمدن الحضرية في البلدان النامية بين
العام 1975 والعام 2000 أكثر من 1000 مليون نسمة, نصفهم من السكان
الذين يعيشون في هذه المدن أصلا وذلك بفعل الزيادة الطبيعية العالية
وعدد أفراد الأسرة الكبير طبيعيا.
أما عوامل الطرد من القرى فهي: سوء استعمال الأرض الزراعية وتدهور
أوضاعها ونقص الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة وتناقصها وعدم التوزيع
الجيد للأراضي الزراعية والجفاف والعواصف والفيضانات ونقص الغابات
والأخشاب القابلة للتزويد بالحطب ونقص المياه الصحية ونقص الخدمات
والموارد الحديثة وزيادة التعداد السكاني للقرى وتزايد الأعباء الاجتماعية
التقليدية والمنازعات العقدية الدينية وتدهور الإقتصاد المحلي للإقليم
الريفي والحروب المحلية القبلية.
أما عوامل الجذب فهي: توفر فرص العمل والدخول العالية والرفاه الحضري
وأضواء المدينة والمدنية والإنضمام للنازحين من القرية إلى المدينة
من المعارف والأقارب والهرب من ضغوطات المعيشة وضنك العادات والتقاليد
التقليدية وتوفر الرعاية الصحية الجيدة والتعليم.
لكن الهجرة للمدينة لا توفر الحل السريع والرفاه العاجل فكثير من القادمين
للمدينة يعيشون في أوضاع معيشية وصحية متدنية نظرا لاكتظاظ هذه المدن
وعدم قدرتها على استيعاب أعداد المهاجرين مما يتطلب رحلة كفاح مريرة
للحصول على الحد الأدنى من متطلبات الرفاه التي ينشدها المهاجرون.
وعدا عن ذلك يصطدم هؤلاء بأمراض المدينة الحديثة التي لم يعهدوها من
قبل في القرى مثل الكآبة والقلق على المستقبل وغياب الأمان الاجتماعي
وانتشار الجريمة والبطالة وانتشار التخريب والعبث بالممتلكات وعصابات
الشباب وارتفاع مستوى المعيشة والجرائم الأخلاقية كتجارة الأطفال وانتشار
التجارة الجنسية وبائعات الهوى وعمالة الأطفال واستغلالهم.
طبائع المدن ومواردها الطبيعية
المدن "الطفيلية" هو مصطلح يطلق عموما
على المدينة الحديثة نظرا لطبيعة التجمعات الحضرية التي تعتمد على
غيرها لدوامها واستمرارها مثل الغابات المجاورة والبحار وثرواتها والأراضي
الزراعية المجاورة التي تلتهمها بمرور الزمن. وهناك عوامل صناعية تعتمد
عليها المدينة في وجودها كمحطات الطاقة والمصانع والتي تساهم في تدمير
البيئة الطبيعية أكثر فأكثر. فالمدينة تستهلك موارد الطاقة الطبيعية
وهي منتج رهيب للمخلفات من الصناعة والمخلفات الأخرى. وتدمير المدن
للغابات الطبيعية والأراضي الزراعية مستمر. فمعدل استهلاك الفرد السنوي
من ورق الكتابة بالكيلو جرام يبلغ 268 في أميركا يليه 124 للفرد في
بريطانيا ثم 115 في فرنسا و11 كيلوجراما للفرد سنويا في ثايلاند ثم
10 في مصر ثم 2 في الهند. وتستهلك مدن العالم وتحتاج إلى كميات هائلة
من الماء لاحتياجات الفرد للشرب والاستحمام ووظائف الحياة والترفيه.
ويتمتع مواطنو شمال أميركا بحظوة كبيرة عن نظرائهم وبخاصة مواطنو العالم
الثالث إذ يحصل الفرد الواحد على معدل 6400 لتر من الماء يوميا ما
بين الشرب والري ومتطلبات التصنيع والصناعة مقابل 3 إلى 6 لترات يوميا
وبأحسن الأحوال في العالم الثالث.
وقد كانت احتياجات المدن من الغذاء على الدوام مطلبا اساسيا بتوفيره
بالكلفة والسعر الأرخص, وهذا مطلب تاريخي منذ مدن الرومان ولغاية اليوم.
وتوفير الغذاء الرخيص يعني استقدامه وجلبه من أي مكان في العالم حتى
لو كان في النصف الآخر للكرة الأرضية.
أما توفير اللحوم لسكان المدن فيعني توفير الحيوانات بكميات كبيرة
في مزارع خاصة لها وظيفة وحيدة هي تربية الحيوانات لذبحها للاستهلاك
البشري مما يعني تطوير اساليب العناية البيطرية واستعمال المواد الكيماوية
حديثا لتنميتها بسرعة. لكن فضلات ومخلفات الكيماويات المستعملة في
العناية البيطرية ورعاية الحيوانات وتربيتها تظل محل قلق للكثيرين.
ويقوم سكان التجمعات الحضرية والمدن في العالم المتطور بإنفاق 15 إلى
20 بالمائة من دخلهم على الغذاء, لكن الخبراء يعتقدون أن البحث عن
الغذاء الرخيص لتوفيره للمستهلك لا يمثل بحال الكلفة الفعلية والخسارة
التي تتكبدها صناعة الغذاء وتوفيره للمستهلك على المدى البعيد, حيث
أن مشكلات انجراف التربة الزراعية والضرر الذي يتكبده التوازن البيئي
الريفي بواسطة الزراعة الحديثة هي كلفة إضافية مبطنة غير منظورة.
أما الفضلات التي تطرحها المدينة فهي مشكلة كبيرة بحد ذاتها, وبقدر
زيادة الرفاه الاجتماعي للمدن بقدر ما تزيد أطنان الفضلات التي تطرحها
يوميا. وتتصدر العالم قاطبة مدينة نيويورك في طرح أكبر كمية فضلات
يوميا حيث يطرح كل فرد 1.6 كيلو جراما يوميا من القمامة, وتتخلص مدينة
نيويورك يوميا من 24 ألف طن من القمامة. وفي المقابل يطرح الأوروبيون
عموما نصف ما يطرحه الأميركان رغم أن كمية القمامة المطروحة تظل عالية.
وفي بعض المدن مثل كالكتا بالهند يتم حل بعض مشكلة القمامة حيث يعتاش
بعض الآدميين على الطعام المتوفر في القمامة!
أما مشكلة السوائل الكيماوية السامة التي تطرحها المدينة يوميا فهي
تجسيد للمدن الصناعية المعاصرة ومظاهر المدنية. فالكميات الهائلة التي
تطرحها المدن من مخلفات التنظيف الصناعية ومخلفات الزيوت ومساحيق التنظيف
والأسمدة الكيماوية ومبيدات الحشرات تمر جميعا في شبكات الصرف الصحي
مما يهدد العيش الصحي لسكان المدن ويمتد أثره للتلوث البيئي وتلوث
الغذاء كما يهدد الثروة السمكية والكائنات البحرية.
أما التلوث الأكبر في المدن اليوم فتقوده السيارة وهو تلوث صوتي وتلوث
بيئي (في العام 1988 ضخت السيارات في العالم التي يبلغ مجموعها حوالي
400 مليون سيارة أكثر من 500 مليون طن من الكربون في الجو). ومشكلة
السيارة في المدينة الحديثة يتعدى ما سببته من تشوه وتغير كبير على
نسيج المدينة الفيزيائي والاجتماعي ليمتد أثرها كخطر على الصحة حيث
يشكل الجلوس خلف عجلة القيادة بمثابة "الإدمان" مما يقلل
من الرياضة الجسدية والمشي اليومي المفيد لحرق بضع مئات من السعرات
الحرارية والكولسترول الضرورية لجسم سليم وصحة جيدة. وفضلا عن ذلك
تقود حوادث السيارات في بعض مدن العالم الثالث غيرها من عوامل القتل
والوفاة بأرقام فلكية مذهلة (ففي العام 1985 بلغت أعداد الوفيات نتيجة
حوادث السيارات في العالم أكثر من ربع مليون شخص!).
وتستهلك الولايات المتحدة في صناعة السيارات خمس الحديد المتوفر بأميركا
وثلثي المطاط. ويخصص تقريبا ثلث الارض في المدينة لطرق السيارات المعبدة,
ففي الولايات المتحدة الأميركية يحتل كل كيلومتر من الطرق السريعة
حوالي 6 هكتار من الأرض. أما الطاقة التي تستهلكها المدن لإنارتها
ليلا للمنازل والمناطق التجارية والترفيهية فلم تكن ممكنة لولا محطات
الطاقة الهائلة وتوفر النفط بأسعار زهيدة. لكن هذه المدن الضخمة يمكن
أن تتوقف الحياة بها في حال توقفت مصادر الطاقة الهائلة هذه.
تلوث الهواء هو من أخطر مظاهر العيش بالمدينة حيث يعيش أكثر من بليون
نسمة من الجنس البشري, أي خمس البشر, في مدن هواؤها غير صالح للتنفس.
ومصادر هذا التلوث متعددة منها الفحم المنزلي المحترق المستعمل في
مناطق واسعة من شرق اوروبا وآسيا. وقبل قانون "الهواء النقي"
في العام 1955 الذي طبقته لندن فقد مات أكثر من 4000 شخص عام 1952.
وهناك مصادر أخرى للتلوث منها المصانع والمصافي ومعامل التكرير ومحطات
توليد الطاقة والطائرات ووسائل النقل الحديثة التي تتسبب بأمراض العصر
المزمنة مثل الربو. وهناك بعض المدن العالمية الضخمة, مثل مدن الصين
حيث يتم حرق 900 مليون طن من الفحم يوميا, تختفي خلف سحب الدخان الكثيفة,
التي يطلق عليها "التنين الأصفر", وبحيث تتعذر رؤيتها بالإقمار
الصناعية. وفي هنغاريا تعزو الجهات الصحية موت كل واحد من 17 حالة
إلى تلوث الهواء.
أما في بومباي فالوضع أكثر سوءا حيث أن استنشاق الهواء في شوارع المدينة
يعادل تدخين 10 سجائر يوميا. أما في بكين بالصين فإن امراض الجهاز
التنفسي شائعة لدرجة تسميتها "سعال بكين". وتعد مدينة مكسيكو
أسوأ مدينة من حيث الهواء الملوث على وجه الأرض, وهي أسوأ أربع مرات
من مدينة لوس أنجلوس وأسوأ ستة مرات من الحد المسموح به بحسب معايير
منظمة الصحة العالمية. وسبب ذلك هو موقع مدينة مكسيكو الذي لا يسمح
للهواء الملوث بالتجدد حيث تقع على "صحن" مرتفع محاط بالجبال.
أما مستوى الاوزون فيتجاوز مستويات المكسيك المترهلة أصلا ويكون الفصل
الجاف أسوأها. ويعزى 90 بالمائة من مشاكل الجهاز التنفسي للهواء الفاسد
الملوث بالمدينة. ويؤثر تلوث الهواء كذلك على النباتات والغابات المجاورة
للمدينة, حيث لوحظت آثار ذلك على الغابات بألمانيا في بداية الثمانينيات.
أما اليوم فتشير إحصائيات الحكومات الأوروبية إلى أن أكثر من 50 بالمائة
من الدمار الذي يصيب الغابات الطبيعية مرده تلوث الهواء ومما تخلفه
المصانع من مزيج كيميائي قاتل ينتشر بأجواء المدن وما حولها. ويسبب
تلوث الهواء إضعاف قدرة النباتات على مكافحة الأمراض التي تصيبها مما
يزيد من قدرة الطفيليات والعفن الذي يصيبها. وتقدر قيمة الخسائر في
الأخشاب نتيجة لذلك في أوروبا سنويا بأكثر من 29 بليون دولار. أما
في أوروبا الشرقية وحدها فتقدر قيمة الخسائر في محاصيل الأخشاب اللازمة
للصناعات الورقية وغيرها من أعمال النجارة أكثر من 70 مليون متر مكعب,
مقارنة بنظيرتها في بقية أوروبا والتي تقدر بحوالي 48 مليون متر مكعب.
ونتيجة لثراء المجتمعات الحضرية وتنامي المدن العالمية الضخمة بما
تتطلبه من حرق مصادر الطاقة والوقود لتسيير حياة سكانها اليومية وتصاعد
الغازات الضارة في الجو وتلوث الهواء وانتاج الكميات الهائلة يوميا
من ثاني اكسيد الكربون والميثان وثاني اكسيد النيتروجين وغيرها فقد
تسبب كل ذلك في تكون ظاهرة "التسخين العالمي" أو (Global
Warming) والتي تجر العالم نحو هاوية سحيقة, حيث يحتبس الإشعاع الحراري
في طبقات الجو العليا مما يرفع من درجة حرارة الجو.
وهذه الظاهرة يجمع العلماء على تناميها في المائة عام الأخيرة فقط
حيث زادت درجة كمية ثاني اكسيد الكربون بنسبة 25 بالمائة خلال القرن
المنصرم وحيث زاد معدل درجات الحرارة بمقدار نصف درجة مئوية منذ الثورة
الصناعية وكانت أكثر السنوات حرارة في الثمانينيات والتسعينيات مقارنة
بمثيلاتها من القرن السابق.
أما تغير منسوب مياه البحر فتعاني منه معظم المدن العالمية التي تقع
على سواحل البحار والأنهار مثل نيويورك ولوس انجلوس وميامي وريو دي
جانيرو ولندن وباريس وامستردام وفينيسيا وبومباي والإسكندرية ودكا
وشنغهاي وهونج كونج وسيدني. جميع هذه المدن وغيرها ستعاني من نقص مصادر
الغذاء نتيجة الإرتفاع المتزايد لمنسوب المياه نتيجة التسخين العالمي
والفيضانات وذوبان كتل الجليد الهائلة في القطب الجنوبي. وما يزال
الأمل بمكافحة التسخين العالمي بزراعة كميات هائلة من النباتات والمحافظة
على الثروة الحرجية, حيث يمكن بزراعة مليون واحد مربع من امتصاص بليون
طن من ثاني اكسيد الكربون, والترشيد في استهلاك الطاقة والوقود.
وهناك مناطق عالمية تعد مناطق منكوبة من ناحية بيئية وصحية وتقودها
في هذا المضمار دول أوروبا الشرقية ودول الإتحاد السوفييتي السابقة,
حيث تأثرت مباشرة بالتصنيع الذي عاث في بيئاتها فسادا دون اعتبار للنتائج.
وتظهر الدراسات والإحصاءات الرسمية لحكومات هذه الدول شرق الأوروبية
أن 16 بالمائة من مناطق الاتحاد السوفيتي السابقة هي مناطق منكوبة
بيئيا.
وتقدر التكفلة التي يتم صرفها لمكافحة التلوث بما يعادل 11 بالمائة
من مجمل الدخل القومي لهذه الأقاليم. ويعد الهواء الملوث في 103 مدن
من أوروبا الشرقية حيث يقطن أكثر من 50 مليون نسمة ملوثا بأكثر من
10 أضعاف النسبة المسموح بها حسب المعايير الصحية العالمية.
ويقل معدل عمر الفرد في المدن الصناعية في بولندا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا
وهنغاريا ورومانيا وألمانيا الشرقية بحوالي خمس سنوات عن نظيراتها
في الدول نقية الهواء. ففي بولندا مثلا تزيد معدل أمراض الجهاز التنفسي
في المناطق الصناعية بنسبة 155 بالمائة عن المناطق غير الصناعية, وتزيد
إصابات السرطان بنسبة 30 بالمائة. وتتزايد أمراض مثل نقص المناعة العامة
للجسم والقرحة والالتهابات والتشوهات الخلقية للأجنة وسرطان الرئة
واللوكيميا وأمراض الدم.
وتعد مدينة (Bitterfeld) في ألمانيا الشرقية "سابقا" الأسوأ
في العالم الصناعي حيث مصانع الكيماويات والمواد الكيماوية القاتلة
للحشرات ومصانع البلاستيك. كما أدت مصانع المدينة إلى تلوث نهر (Mulde)
بحيث ماتت تماما جميع مظاهر الحياة البحرية فيه. وهذه المدينة كانت
قمة المدن الألمانية الصناعية حيث وظفت مصانعها أكثر من 350 ألف عامل
وشكل دخلها الصناعي لوحدها أكثر من 20 بالمائة من ناتج الدخل القومي
لألمانيا الشرقية, لكنها بالنتيجة أصبحت "خرابة صناعية"
لا تصلح فيها الحياة البشرية أو الحيوانية أو النباتية حيث أصبح تنفس
الهواء فيها خطرا. وتم إقفال المصانع بها تماما اليوم.
كل هذا وغيره إنما هو من بعض المشكلات البيئية التي تتسبب بها يد المدنية
الإنسانية فيما حولها من بيئة طبيعية مما قد يتجاوز مرحلة اللاعودة
للإصلاح. وبهذا يكون الفساد الذي تقوم به يد الإنسان في المحيط من
بر وبحر مما يعكس أحد مظاهر الآية الكريمة:" ظهر الفساد في البر
والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون".
سورة الروم آية 41, فهل ينتهي الإنسان ويرجع عن غيه في تدميره الممنهج
للتوازن البيئي الدقيق لهذا الكوكب قبل فوات الأوان؟
الجفاف وشح الموارد وقساوة العيش جعلت الناس
تهجر الأرياف
نيويورك .. أكثر المدن إنتاجا للقمامة
د. وليد أحمد السيد*
* قارئ وباحث في العمارة والتراث ـ مجموعة لونارد ودار معمار بلندن
sayedw03@yahoo.co.uk
أعلى
كأنها السمكة خرجت من المياه
(جديد في المدينة) .. تجربة في الجليد لريني
زيلويجر
تُعد الفنانة ريني زيلويجر أول من يخبرك من الفنانين
أنها مندهشة جدا بطريقة لا تُصدق من أن حياتها وعملها الفني قد نجحا
وأجديا نفعا. وهي عملت في فيلم نال جائزة الأوسكار وحازت على المجد
والشهرة والمال الوفير وأدت كل الأدوار في شتى الأفلام. ولكن ربما
هذا هو الوقت الذي عانت منه في فنها. وهذا ـ كما تمزح ـ هو ما فعلته
عندما انطلقت إلى التحرك في الثلوج وأدت بعض الكوميديا البدنية (التي
تتطلب حركة بدنية). والفيلم المعني وهو "جديد في المدينة"،
الذي افتتح حديثا.. وهو قصة رومانسية كما يُقال مجازا عن "سمكة
تخرج من المياه" يحكي عن موظفة بشركة تطير جوا من ميامي إلى نيو
أولم بولاية مينيسوتا في الشتاء لتبدأ فترات تبطل أو توقف عن العمل
في أحد المصانع، ولكنها عوضا عن ذلك تجد حسن جيرة وتسامحا وقبولا وحبا،
وهذا الفيلم كان اختبارا في الجليد للنجمة المولودة بتكساس.
تقول ريني زيلويجر " أخذ الأمر وقتا للتغلب على الإنكار والرفض،
ذلك الإنكار والرفض في الجنوب الأميركي وقلت لنفسي سأكون على ما يرام..
ثم بدأت أدرك وألاحظ طبقات الملابس الثقلية التي هي ضرورية ولازمة
تماما، وأدوات التدفئة اليدوية الدبقة التي صفعت ظهري وفي حذائي وتنورتي،
كانت ضرورية أيضا. وتتساءل قائلةً" هل كنتُ مستعدة لذلك العمل؟
.. ليس كثيرا ".
إن تصوير فيلم في وحول منطقة "وينيبيج" بمانيتوبا في الشتاء
كان شيئا مضيئا منيرا للفنانة زيلويجر البالغة من العمر 39 عاما حيث
تقول:" أنا لم أدرك حقيقة أنك تحتاج حقا إلى معطف يبدو مثل الدفتين
(نسيج مخملي). الجميع كانوا يسيرون بأحذيتهم الطويلة عالية الرقبة
وكنت أضحك. كانوا يبدون مثل "جين سيمونز"، 10 بوصات ارتفاعا
عن الأرض! ولكنك تحتاجها. وتقول" أنت تتكيف مع الوضع، لقد وجدت
ذلك فيه قدر من المغامرة. إن أولوياتك تتغير.. من الشيق السير في الثلوج.
وتضيف: في كل يوم يوجد تحدٍ جديد .. هل يمكنك أن تنهي هذا المشهد قبل
أن تتجمد عدسات الكاميرا؟ وكم طول الوقت الذي يمر حتى يتفجر المصباح
في البرد؟".
انسوا تراث والدها سويسري المولد ووالدتها النرويجية. فهي قد تربت
وترعرت في كاتي بولاية تكساس ولا تتعامل مع أخطار مشاهد الصقيع. ولكنها
نادرا ما تدع طبيعة تكساس تظهر على الشاشة في وصف رعب العمل الخارجي
في الشتاء في الشمال الأبيض الكبير "جريت وايت نورث".
والفنانة زيلويجر خجولة عندما تُسأل لماذا كان لها مثل تلك الكيمياء
في العمل مع فنانين كبار مختلفين جدا - بدءا من كروز إلى كاري إلى
كلوني إلى هاري كونيك في الفيلم الجديد. وهي يمكن حتى إن تكون ساحرة
إلى جوار الأنماط المختلفة من أهل مينيسوتا الريفيين المعتمد عليهم
في الفيلم الجديد.
وتقول:" إن سائر أميركا تحتضن مينيسوتا بسبب الصورة الذهنية التي
لدينا عنهم، أنهم أناس مجتهدون يمكنهم أن يتعاملوا مع المناخ الأسوأ
في العالم.. نحن فخورون بهم". إن فيلم "جديد في المدينة"
يمكن أن يكون أتى في فترة ركود وتعطل لم يتوقعها منتجو الفيلم.. ولكن
الفنانة زيلويجر رأت فيه تلك المزايا والخصائص والصفات الخالدة التي
تتشارك فيها كوميديات الشاشة الكلاسيكية.
وتقول:" إنني أجد من المُسلي جدا عندما يفشل شخص ما يكون من المُقرر
أن يكون من دعاة الإتقان والكمال.. ونحن جميعا نفعل ذلك. ولكننا نحاول
تخطي الصعاب والقيام من الوقوع ونتظاهر بأننا لم نفشل. والأكثر طرافة
هو أن الكوميديا الواسعة هي من أيام سعدي بالنسبة لي. وإذا كانت درجات
الحرارة تحت 55 درجة، يمكنني أن أتعامل مع ذلك ما دام لديّ وقت طيب
في معرفة واكتشاف كيف أجعل من السقطة والغلطة المضحكة نجاحا ".
وطوال هذا العمل الفني، كانت الفنانة زيلويجر التي تكون وجنتها مثل
التفاحة وتكون متجمدة أيضا، كانت تتوهج بما تلخصه "موسوعة بيوجرافيا
السينما الجديدة بأنه" الميزة أو السمة الداخلية في الفنانة التي
تحبها الجماهير". وسمة الضحية أو المظلومة أو التي تعاني من متاعب
وصعوبات والتي تميز أفضل أدوارها على الشاشة السينمائية ( "يوميات
بريدجيت جونز" و"جيري ماجوير") كانت جلية واضحة، مرة
أخرى بفضل الطقس. وتقول: لقد جعلني ذلك الفيلم أعود بالذاكرة إلى تلك
الأيام الخوالي عندما كنت فتاة صغيرة وكنت أريد أن أصبح ممثلة وأقف
في الثلج..
روجر مور*
* خدمة " إم سي تي " - خاص بـ" الوطن "
أعلى
سفر في ورقة...
تسافر عيناي في هذا البياض, أمعن بصمت في لون
السطور، أحاول أن أكتب، أتخيل حروفا تصير كلمات تخاصرها الخطوط أراها
مبللة بعطر الحبر ومغسولة بالأزرق الدافئ الذي يسكن روحي منذ أن صار
وطني .. ومنذ أن سكنتني ورقة.. وصاحبت محبرة...
يتنفس قلمي فتخرج من أنفاسه قبلات وحكايات تستلقي بهدوء على الخطوط
السوداء النابضة بقلب ورقي حالم..
وأنا أحرق قصاصات أفكاري وأرى دوائر الدخان تتطاير فوقي ،، تتعانق
،، تتشابك ببعضها ، تطوقني .. تراقصني ،، أجدني داخل حلقات من سراب
، أتوه في ضبابها الهش في بياضها المترف .. في الصمت المثخن بغبار
أحلامي .. أصير غيمة معذبة بعناق الفصول أو سنبلة لها لون الشمس ورائحة
الضحى تنام وحيدة في عمق أرض خصبة وبجانبها يرقة تائهة.. أصير حمامة
تهدل بحزن لتجمع حولها رفاقها الذين تركوها تتوه في سماوات غريبة عنها
لا تعلم أين ستوصلها تلك الدروب الهلامية.. لا تعلم أي وطن يحتضنها..
أي جناح يشق غمام الحرية.. أي عش ينتظرها..
باحثة أنا عن فرح أنتشيه حبا .. أتنهده من الأعماق .. لم أجد سوى قلم
يراقص أصابعي .. ويرش قطرات زرقاء على قلب صفحة نقية لم يربكها الحبر
بعد ولم يخدش صفاءها الخجول ... خجلة هي الأوراق وحين يهمس لها القلم
أسراره ترتعش بنزق وتذوب فيها الحروف ... يمسها الهيام والشوق..
الآن أسكن بقعة البياض فتتكون في القلب قصائد وأمنيات،، ليس ثمة حزن
يتدلى من شرفة الذاكرة .. ولا بكاء تتأهب دموعه للسقوط على حافة وجه
تسكنه الطفولة وتعرفه النهارات الصيفية وجه لوحته كثيرا شمس الحنين
والغربة..
الآن لا أسكن العتمة ولا تسكنني فقط أصبح قنديلا ضوؤه العاشق يشتاق
لفراشة .. لرفرفتها الرشيقة وبوحها الشفاف كأغنية مطر .. كقبلة خافتة..
الآن أجلس منتشية دفء اللحظات حيث لا هدوء ولا سكينة دون أحيا بين
مدن الورق، دون أن أدخل أبوابها السرية أو أن أعيش متسعا من الصمت
مع قلم أنيق يداعب المفردات التي تقف منتصبة وربما مائلة كأنها نوتات
موسيقية تتأهب لتخرج نغمة طرية تنساب بسلاسة من قيثارة الوجد.
الآن أفتح نافذتي وأتجاذب حديثا عابرا مع عصفور مهاجر.. أقرأ في عينيه
الزجاجيتين قصة حب دافئة قال إنه مسكون بالشغف والسفر وراء الغيم وعناق
الصباحات باحثا عن دفء شجرة ظليلة ...
قلت إنني عصفورة مثله لي جناحان وعش وصفصافة وسحابة أبكي في حضنها
كلما آلمني فراق أحبتي .. العصفور لوح لي وغاب بعيدا ابتلعته مسافات
الأفق الممتد وبقيت وحدي أنسج حكايات آخرى من خيوط رقيقة ، من صور
الظلال .. من ندف الضياء.. من شعاع يمتد ويلامس وجهي ووجعي وشيئا من
أحلامي... بقيت وحدي أنكمش رويدا على هامش الصمت علني أجد من ينصت
لي... علني أستمع لثرثرة عابرة... أو أغنية منسية أو آهة تنغمس في
وجع آخر ... علني أختبئ في صمت آخر...
أجدني أحاور المرايا وأهشم الفراغ بداخلها وربما أشاكس لوحة المفاتيح
وترسم سبابتي في مربع اللمس دوائر وأشكالا مبهمة فأرى شاشة الحاسوب
تضحك أتفرس في الرموز بداخلها أطفئها بضجر وأتفرغ للقراءة .... وأفكر
أن أمرر يدي على رفوف مكتبتي وألمس بكل حنان وجوه الكتب إنها تبتسم
لي وتخبرني بأسرار لا يعرفها سوانا ثم تتسع ابتسامتي حين أتذكر أن
أحد تلاميذي الصغار أهداني ياسمينة خبأتها في كتاب ما ،، جفت لكن بقي
عطرها عبقا بالطفولة والحب وذكريات الدراسة وضحكة الصغار والزي الكحلي
والشرائط المعقودة بعناية على جدائل مجعدة ومسترسلة...
أقفز الآن من نافذة الطفولة،،، أزيح ستارها وأتقدم خطوتين باتجاه مكتبتي
الصغيرة وأتحسس حواف كتبي أتخيل أبطال الروايات يخرجون من بين الأغلفة
والصفحات..
يشكون قسوة نهاياتهم وموتهم المبكر يعلنون الحرب على الكاتب وقلمه...
ذاك غرنوي يصنع عطرا جديدا ولن يقتل الحسناوات بعد الآن... وقال مرزوق
إن الأشجار لم تعد تثمر وفكر أحدهم باغتياله وبكت ملكة العنب لأجل
الفقراء وجفاف ماء الحياة ونسج عنكبوت الحزن على الأم واحتار جوركي
أي نهاية تضع حدا لهذا الهراء وأي حزن يسكن الأم المسكينة وأي حلم
غائب لم يولد بعد... ومنيف جمع حقائبه وغادر مدن الملح.. وأصبح عالمه
بلا خرائط ثم انعطف بعيدا قبل أن يعبر الجسر ورحل بلا عودة..
أنصت لحديث الكتب وأدخل في تفاصيل الحكايات وأسكن برهة مع الأبطال
أقتحم عالمهم المسيج بالخيال .. المشظى بالوجع والمآسي...
رأيت سنتياغو وقد تمكن من اصطياد السمكة الحلم.. رأيته يحادث الرياح
والنوارس بكل حميمية ،، دلته النجوم على الدروب المضيئة .. وصادقته
المواسم وعانقته الأشرعة ...... رأيت همنجواي يلوح من خلف الصفحات
حين أشرقت شمس أيامه ولم يودع السلاح كما كتب لكنه أعلن عن موته حين
أخذ بندقية أبيه وقرر أن ينتحر... لماذا يا همنجواي ذهبت للموت منقادا
ألم يكن عجوزك صامدا يحب الحياة والبحر ثم تمكن من انتصاره وتحقيق
هدفه.. أنا الآن في حالة حصار مع الكلمات ودرويش نادى بصمت سجل أنا
عربي .. سمعت صوته فدثرتني الطمأنينة ونبت في باحة بيتي شجرة زيتون
وغرد في قلبي سنونو حزين ما أجملك يا درويش لكنك رحلت الآن وتركت حصانك
وحيدا وبقي صوتك يسكن الذاكرة وبقيت قصائدك نابضة فينا.. ووطنك يسكننا
رغم أنف الغافلين.. نعم نكتوي بحثا عن السلام ليس لنا سوى قلم ينبض
وورق يتنفس الحب عن بعد ويشم رائحة الحرية وهي تكاد لا تبين...
إذن أي فرح نراقصه الآن؟ بل أي دمعة تترقرق في محاجرنا الممسوسة بكحل
الألم؟أي ليل مدلهم يرقد فينا.. أي ثرثرة أكتبها وأنا الممسوسة بالصمت
الحزين؟ أي باب أوصدها لتنفتح أمامي أبواب كثيرة تبعثر ظلال أنفاسي
وخطواتي.. تبعثر دروبي الزهرية وحكاياتي الصغيرة..
الآن أعود لسفري.. إذ ليس هناك من يحتضنني سوى ورقة .. وليس لي سوى
نافذة أرى منها الحياة وكتاب أبحر في سطوره..
أشبه الآن ظلا وحيدا يتكئ على جدار.. أو شجرة تظلل عابرا غريبا يبحث
عن كنف يستقر فيه أو بيت يجمع شتاته وهمومه وأحلامه..
لا أشبه سوى حكاية هاربة من صدر كتاب أو من ورقة منهكة.. لا أشبه سوى
نسمة دافئة تدغدغ زهرة ليلكية ثم ترحل وأجدني أغرق مرة أخرى في ورقة
عذبة.
عزيزة الوهيبي...
alwahibi112@maktoob.com
أعلى
تاريخيات
نابليون بونابرت وعمان
في عام 1799م، عندما وصل نابليون بونابرت في
قيادة حملته إلى مصر ارسل رسالة إلى السيد سلطان بن احمد ( 1792 -
1806 ) ، سلطان مسقط ، جاء فيها :
" أكتب إليكم هذه الرسالة لأخبركم بالذي لاشك أنه قد نمى إلى
علمكم، وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر ، وبما أنكم كنتم أصدقاء ومخلصين
في مختلف الظروف والأحوال فإنني أود أن تكونوا مقتنعين تماما بأن رغبتنا
هي توفير الحماية اللازمة لكل البواخر التجارية التي ترسلونها إلى
السويس لأغراض التجارة .... "
وعلى الرغم من أن هذه الرسالة كانت في اطار التنافس
البريطاني الفرنسي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، وكذلك الهند
، غير أنها من زاوية أخرى تكشف في الحقيقة الأهمية الاقتصادية والنشاط
التجاري لعمان في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، والسمعة الطيبة
التي حققتها مسقط في هذا المجال ، مما دعى كبرى الدول الأوروبية في
التسابق نحو التنافس في اقامة علاقات ودية ودبلوماسية مع مسقط ، ومن
ضمنها فرنسا التي كانت حريصة من الاستفادة من العلاقات والتبادل التجاري
المنتظم بين مسقط وبين سلطنة ميسور، ومن الوساطة التجارية التي كان
يقوم بها العمانيون مع جزيرة موريشيوس وكذلك موانئ الهند .
وتعتبر موريشيوس من أهم الوجهات التجارية التي كان يقصدها العمانيون
للتجارة، والتي حرصوا على تقوية علاقاتهم التجارية البحرية معهم ،
حيث تعتبر موريشيوس جزيرة تقع في المحيط الهادي على مسافة 800 كم ،
إلى الشرق من جزيرة مدغشقر الإفريقية ، وتبلغ مساحتها حوالي 2045 كم2
، ويبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة، وتعتبر من أكثر الجزر كثافة
بالسكان ، اكتشفها البرتغاليون عام 1505م ، ثم احتلها الهولنديون عام
1598م وأطلقوا عليها موريشيوس نسبة إلى الحاكم الهولندي Moritz ron
Nassau، وعندما احتلها الفرنسيون عام 1715م أبدلوا اسمها إلى الجزيرة
الفرنسية Isle de France، وجعلوا منها مركزا تجاريا ، وبقيت بسيطرتهم
حتى سقوطها بيد الانجليز عام 1810م ، واستمر احتلاله الانجليز لها
حتى 12 / 3 / 1968م ، حين منحت الاستقلال ، كدولة دستورية ملكية في
إطار الكومنولث البريطاني.
وبخلاف الأهمية التجارية لهذه الرسالة بالطبع ، فإنها تكشف ايضا مثلما
ذكرنا ، أهمية الموقع الاستراتيجي لعمان ، وامكانياتها المختلفة ،
مما جعلها محط أنظار مختلف الدول في العالم في تلك الفترة .
ولكن هذه الرسالة لم تصل إلى السيد سلطان بن احمد ، حيث قامت السفن
البريطانية بمصادرتها ، قبل وصولها إلى مسقط ، وذلك تخوفا منها من
ازدياد النفوذ الفرنسي في المنطقة ، وافشال أي محاولات فرنسية لإقامة
علاقات مع دول المنطقة قد تؤثر على المصالح البريطانية ، خاصة في ظل
الاستياء العام الذي شمل البلاد العربية والاسلامية من حملة نابليون
بونابرت على مصر والغضب العارم الذي ساد المنطقة ضد هذه الحملة، والتي
جند فيها ما يقارب أربعين ألف جندي واكثر من ألف عالم وخبير في مختلف
المجالات، والتي كانت تهدف السيطرة على الطريق التجارية للهند ورفع
شأن فرنسا كدولة عظمى واستعمارية في أوروبا.
ويعتبر نابليون بونابرت الذي ولد في 15 أغسطس من عام 1769م في جزيرة
كورسيكا الايطالية، من أعظم القادة العسكريين في التاريخ الفرنسي ،
حيث عمد إلى تأسيس امبراطورية فرنسية، ودخل في حروب مع أعظم القوى
العسكرية في العالم في تلك الفترة وهي بريطانيا وروسيا والنمسا ، وتمكن
من تحقيق بعض الانتصارات المتقطعة عليها ، ولكنه لم ينجح في تحقيق
أهدافه من وراء حملته على مصر وبلاد الشام، حيث دخلت العسكرية البريطانية
في صراع معه وحالت دون تحقيق ما كان يسعى عليه وتمكنت من انزال هزيمة
قاضية به في معركة أبو قير البحرية، التي تفوق فيها الأسطول البريطاني
على نظيره الفرنسي، ليتحول بعدها نابليون إلى عكا، ولكنه فشل أيضا
في السيطرة عليها.
وانتهت مغامراته العسكرية في عام 1815 عندما هزم على يد التحالف البريطاني
الروسي ضده ، ليتم أسره ومن ثم نفيه إلى جزيرة هيلانة التي توفي فيها
في 5 مايو عام 1821م .
محمد بن حمد الشعيلي
اكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
alshaili@hotmail.com
أعلى
تــراثيـات
أسفار خالدة:
(الأذكياء) لابن الجوزي
كتاب ممتع، في نوادر الأذكياء وطرائف أخبارهم،
بناه ابن الجوزي على ثلاثة وثلاثين باباً، وقال في مقدمته: وأحببت
أن أجمع كتاباً في أخبار الأذكياء الذين قويت فطنتهم وتوقد ذكاؤهم
لقوة جوهرية عقولهم، وفي ذلك ثلاثة أغراض. الأول: معرفة أقدارهم بذكر
أحوالهم، الثاني: تلقيح ألباب السامعين، وقد ثبت أن رؤية العاقل ومخالطته
تفيد ذا اللب، الثالث: تأديب المعجب برأيه إذا سمع أخبار من تعسر عليه
لحاقه. قال د. محمد أمين فرشوخ، في مقدمته لطبعته 1990م: "طبع
الكتاب مرات عديدة في مختلف البلاد العربية، وأكثر النسخ المتداولة
منقولة عن بعضها بلا عناية، مما زاد في الأخطاء الطباعية حتى كاد الأصل
أن يضيع خللاً وحذفاً. وأقدم هذه الطبعات طبعة المطبعة الفاخرة في
مصر، بإدارة محمود أفندي، أحد تجار خان الخليلي عام 1277هـ في 215
صفحة مصورة عن نسخة لم يذكر تاريخها) وطبع الكتاب أيضاً في دمشق سنة
1985م بعناية أسامة الرفاعي، معتمداً على مخطوطة الظاهرية، وهي في
127 ورقة، كتبت بالمداد الأسود والأحمر، فرغ ناسخها منها يوم 17/ رجب/
828هـ".
ــــــــــــــــــــ
معجم الحسن!
مُعجَمُ الحسنِ بخـالـين عـلَـى
ثغرِهِ الأصغرُ والخـدِّ الأجـلّ
فالذي في الـخـدِّ طـوراً آفـلٌ
تحت صدغٍ فوق صبح قد رحلْ
يتـجـافـى فـإذا لاحـظـتـه
رجعَ الصُّدغُ إليه فـانـسـدلْ
فكأنَّ الصّدغَ يَخشـى عـابـثـاً
ثارَهُ فهو عليهِ مُـشـتـمـلْ
وكأنَّ المعتـلـي مَـبـسـمَـهُ
جاءَ من عندِ أخيه لـلـقـبـلْ
فسعَى حتَّى إذا مـا اشـتـمَّـهُ
غلَبَ الرَّوعُ علـيه فـمَـثـلْ
يوسف بن هارون
ــــــــــــــــــــ
مدرسة العشق
بنفسيَ ألحاظٌ إذا ما تـشـبَّـثـتْ
بجاهلِ عشقٍ علَّمتْ كيفَ يعشقُ
وخدٌّ شروقُ الشَّمسِ في صفحاتِـهِ
فما قابلتْ من مُهجةٍ فهي تُشرقُ
حكَى مرتعاً في كلِّ حينٍ فـنـوْرُهُ
أقاحٍ وسوسانٌ ووردٌ مـنـمَّـقُ
وما ألهَجَ الصبَّ المشوقَ بحِّـبـهِ
سوى لهجةٍ في وعدِهِ ليسَ تصدقُ
علي بن أبي الحسين
ــــــــــــــــــــ
مبلغ العلياء
إذا بلغ الرأي المشورة فاستـعـن
بحزم نصيح أو نصـاحة حـازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضةً
فإن الخوافي رافـد لـلـقـوادم
وخل الهوينا للضعيف ولا تـكـن
نؤوما فإن الحـر لـيس بـنـائم
وأدن من القربى المقرب نفـسـه
ولا تشهد الشورى امرأً غير كاتم
وما خير كف أمسك الغل أختـهـا
وما خير سيف لـم يويد بـقـائم
فإنك لا تستطرد الهم بـالـمـنـى
ولا تبلغ العليا بغير الـمـكـارم
بشار ابن برد
ــــــــــــــــــــ
بريد فطنة ودهاء
عن الأصمعي قال حدثنا شيخ من بني العنبرة قال
أسرت بني شيبان رجلاً من بني العنبر فقال لهم أرسل إلى أهلي ليفدوني
قالوا ولا تكلم الرسول إلا بين أيدينا فجاؤوه برسول فقال له ائت قومي
فقل لهم إن الشجر قد أورق وإن النساء قد اشتكت ثم قال له أتعقل قال
نعم اعقل قال فما هذا وأشار بيده فقال هذا الليل قال أراك تعقل انطلق
فقل لأهلي عروا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء وسلوا حارثة عن
أمري فأتاهم الرسول فأرسلوا إلى حارثة فقص عليهم الرسول القصة فلما
خلا معهم قال أما قوله أن الشجر قد أورق فإنه يريد أن القوم قد تسلحوا
وقوله إن النساء قد اشتكت فإنه يريد أنها قد اتخذت الشكا للغزور وهي
الأسقية وقوله هذا الليل يريد يأتوكم مثل الليل أو في الليل وقوله
عروا جملي الأصهب يريد ارتحلوا عن الصمان وقوله اركبوا ناقتي يريد
اركبوا الدهناء فلما قال لهم ذلك تحملوا من مكانهم فأتاهم القوم فلم
يجدوا منهم أحد.
ــــــــــــــــــــ
لص ولكن..
قال أبو جعفر محمد بن الفضل الضميري كان في بلدنا
عجوز صالحة كثيرة الصيام والصلاة وكان لها ابن صيرفي منهمك على الشرب
واللعب وكان يتشاغل بدكانه أكثر نهاره ثم يعود إلى منزله فيخبئ كيسه
عند والدته، فدخل إلى الدار وهو لا يعلم فاختبأ فيها وسلم كيسه إلى
أمه وخرج وبقيت هي وحدها في الدار وكان لها في دارها بيت مؤزر بالساج
عليه باب من حديد تجعل قماشها فيه والكيس فخبأت الكيس فيه خلف الباب
وجلست فأفطرت بين يديه فقال اللص الساعة تقفله وتنام وأنزل وأقلع الباب
وآخذ الكيس فلما أفطرت قامت تصلي ومدت الصلاة ومضى نصف الليل وتحير
اللص وخاف أن يدركه الصبح فطاف في الدار فوجد إزاراً جديداً وبخورا
فاتزر بالإزار وأوقد البخور وأقبل ينزل على الدرجة ويصيح بصوت غليظ
ليفزع العجوز وكانت جلدة ففطنت أنه لص فقالت من هذا بارتعاد وفزع فقال
أنا جبريل رسول رب العالمين أرسلني إلى ابنك هذا الفاسق لأعظه وأعامله
بما يمنعه عن ارتكاب المعاصي فأظهرت أنها قد غشي عليها من الفزع وأقبلت
تقول يا جبريل سألتك إلا رفقت به فإنه واحدي فقال اللص ما أرسلت لقتله
قالت فبم أرسلت قال لآخذ كيسه وأولم قلبه بذلك فإذا تاب رددته عليه
فقالت يا جبريل شأنك وما أمرت به فقال تنحي عن باب البيت وفتح هو الباب
ودخل ليأخذ الكيس والقماش واشتغل في تكويره فمشت العجوز قليلاً قليلاً
وجذبت الباب وجعلت الحلقة في الرزة وجاءت بقفل فقفلته فنظر اللص إلى
الموت ورام حيلة، نقب أو منقذ فلم يجد فقال افتحي لأخرج فقد أتعظ ابنك
فقالت يا جبريل أخاف أن أفتح الباب فتذهب عيني من ملاحظة نورك فقال
إني أطفئ نوري حتى لا يذهب بعينيك فقالت يا جبريل ما يعوزك أن تخرج
من السقف أو تخرق الحائط بريشة من جناحك ولا تكلفني أنا لتغوير بصري
فأحس اللص أنها جلدة فأخذ يرفق بها ويداريها ويبذل التوبة فقالت دع
عنك هذا لا سبيل إلى الخروج إلا بالنهار وقامت فصلت وهو يسألها حتى
طلعت الشمس وجاء ابنها وعرف خبرها وحدثته الحديث فأحضر صاحب الشرطة
وفتح الباب وقبض على اللص.
ــــــــــــــــــــ
سبب وجيه
روى ابن الجوزي: قال رجل من أهل الشام قدمت المدينة
فقصدت منزل إبراهيم بن هرمة فإذا بنية له صغيرة تلعب بالطين فقلت لها
ما فعل أبوك قالت وفد إلى بعض الأجواد فما لنا به علم منذ مدة فقلت
انحري لنا ناقة فإنا أضيافك قالت والله ما عندنا قلت فشاة قالت والله
ما عندنا قلت فدجاجة قالت والله ما عندنا قلت فبيضة قالت والله ما
عندنا قلت فباطل ما قال أبوك:
كم ناقة قد وجأت منحرها
بمستهل الشؤبوب أو جمل
قالت فذاك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء
ــــــــــــــــــــ
ليس في الدنيا كاتب!
قال الجاحظ: ينبغي للكاتب أن يكون رقيقَ حَوَاشي
الكلام، عَذْبَ ينابيع اللسان؛ إذا حاور سدَد سهمَ الصواب إلى غرض
المعنى، لا يكلم الخاصة بكلام العامة، ولا العامة بكلام الخاصة.. وقال
أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحراري: ما المنزلة التي
إذا نزل بها الكاتب كان كاتباً في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون
مطبوعاً على المعرفة، مُحْتَنكاً بالتجربة، عارفاً بحلال الكتاب وحرامه،
وبالدهور في تصرّفها وأحكامها، وبالملوك في سِيَرِها وأيامها، وأجناس
الخط، وبادية الأقلام، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس
في الدنيا إذاً كاتب.
ــــــــــــــــــــ
دهاء ملك
يروى:شخص الاسكندر عن فارس إلى الهند فتلقاه
ملكها في جمع عظيم ومعه ألف فيل عليها السلاح والرجال وفي خراطيمها
السيوف والأغمدة فلم تقف لها دواب الإسكندر فهزم وعاد إلى مأمنه فأمر
باتخاذ فيلة من نحاس مجوفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها
ثم أمر فملئت نفطاً وكبريتاً وألبسها الدروع وجرت على العجل إلى المعركة
وبين تمثالين منها جماعة من أصحابه فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النار
في جوف التماثيل فلما حميت انكشف أصحابه عنها وغشيتها الفيلة فضربتها
بخراطيمها فتشيطت وولت مدبرة راجعة على أصحابها وصارت الدائرة على
ملك الهند. ونزل مرة على مدينة حصينة فتحصن أهلها منه فأخبر أن عندهم
من الميرة قدر كفايتهم فدس تجاراً متنكرين وأمرهم بدخول المدينة ورحل
عنها وأمدهم بمال ومتاع فباعوا ما معهم وابتاعوا الميرة فلما اكنزوا
كتب أن أحرقوا ما عندكم من الميرة واهربوا ففعلوا، فزحف إلى المدينة
فحاصرها أياماً يسيرة فأخذها وكان إذا أراد محاصرة بلد شرد من حولها
من القرى فهربوا إليها فيسرعون في أكل الميرة فتقل فيحاصرهم فيفتحها.
ــــــــــــــــــــ
قطر الندى
في الشّعر...!
قديما، عرف العرب الشعر واهتموا به، وإذا كان
لكل أمة مجال الفن تجسّد فيه عبقريتها، فإن مجال الامة العربية هو
الشعر. كما يقول الشاعر الكبير سليمان العيسى. لهذا قيل إن الشعر ديوان
العرب. ومن أعماق الجاهلية كان الشعر وتر العروبة الخالد الذي يقص
ملحمة العروبة ويخلّد ايام العرب، وظل الشعر نشيد العرب في معركة العروبة
نحو الحرية والخلاص والوحدة، الى أيامنا هذه.
فالعرب قوم يطربهم البيان وتسحرهم اللغة المنداحة على ألسنة المبدعين.
وقد ظل الشعر يؤدي دوره ويقدم رسالته في أحلك الظروف حتى اليوم.
ومن هنا جاء الحديث المشهور: ان من البيان لسحراً وان من الشعر لحكمة.
فكان الشاعر العربي يمدح فيرفع، ويهجو فيضع، وكان يصوغ تجاربه في الحياة
شعراً عذباً يقطر حكمة، ويزدان بمعاني الحياة وأغانيها المطبوعة المطربة.
وقد تبارى الشعراء في أي ابياتهم امدح، وايها اوجع هجوا، وقد قيل ان
الأهجى كان قول الشاعر:
فغضّ الطرّف إنّك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابامأ/ة
(ونمير وكعب وكلاب من قبائل العرب المعروفة)
وأما الامدح فقيل إنه قول شاعر آخر:
قوم هم الانف والاذناب غيرهم
ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟
وكان قوم يسمون (أنف الناقة) وكان الناس يعيّرونهم بهذا الاسم حتى
قال الشاعر هذا البيت فاصبحوا يفخرون باسمهم ولا يأبهون لمن ينتقدهم.
والأصل ان للشعر رسالة وله غاية ودور، فاذا لم يحمل تلك الرسالة فكأنه
لا شيء، وفي ذلك قيل:
الشعر إن لم يكن (ذكرى وعاطفة)
فهو تقطيع وأوزان..!
ولا ادري ماذا يمكن ان يقول بعض دعاة قصيدة النثر امام هذا القول المفحم!
أما شعر هذه الايام فقليل منه ما يحمل رسالة الشعر، وقد اكتفوا بالحديث
عن (بغال الريح)! وترجموا الشعر الغربي والاجنبي بعامة حتى بتنا نحتاج
الى من يترجم لنا لغتنا.
ولست هنا في معرض انتقاد هذا اللون من الشعر المسمى الحديث او الحرّ
او قصيدة النثر، او ما تلاه او ما سيتلوه، فقد يكون له قراؤه، ومريدوه،
على انني اراهم قلة، وارانا عائدين الى ذائقتنا العربية الجميلة وشعرنا
العربي الاصيل وزناً وقافية، والله اعلم، فنحن نحتاج الى شعر مطبوع
لا شعر مصنوع، ولعل لنا وقفة أخرى عند هذه المسألة.
د. محمد ناجي عمايرة
أعلى
الأدب الشعـبي
بـوح
استأذنك
استأذنك ..
هالحائط أشبه بالوداع !! آه يالوداع
هذا الطريق اللي جمعني
والوداع اللي نثـــــــرني بهالضياع
مري علي بهالوجع
إنسان في هيئة دمـــــع
***
احباب خانوا هالضمير .. ما يشعلوا للعطــف نور
أحباب يبنوا للحيـــــــاة .. حيطان من بعد الجسور
مرو علي ..
يقسو علي ..
من الولع
مرو علي بهالوجع
إنسان في هيئة دمـــــع
***
في ليلة الفرح الكبير .. مديت لأجل آصافــــــــحك
إيدي تلّوح - لك - وفاء واحساس يا دنيا الضياع
جيتي سراب ..
رحتي سرابٍ ..
وانخـــدع !!
مريتي بطيفك وجع
إنسان في هيئة دمـــــع
***
يا عشق ودّع هالحياة .. يا صبح فارقني ضياه
استأذنك ..
هذا الرحيل أقسى من صروف الزمان
- هالدنيا يملاها الطمع - !!
مرت علي بهالوجع
إنسان في هيئة دمـــــع
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
ــــــــــــــــــــ
لو القصايد رصاص
أكتبك .. و أرجـع أمسـحّ مـا كتبـت بدمـي
دايــم تـخـون المطـالـع شـاعـرك لابــداك
إذا أقبـل الصبـح نتثـاوب قصيـد أعجـمـي
وإذا لـفـى اللـيـل نتسـلـف ردا مــن رداك
لــو للقصـايـد ثـمـن خـبـزه فـكـفّ آدمــي
بذبح سمان القصايد لـك.. عشـاك وغـداك
ولو القصايد رصاص إفرغت لك محزمي
و صفيت لك من حروفي ناس لبّـت نـداك
و لـو القصايـد تـحـرك صمتـنـا / إعلـمـي
جاتـك جحافـل مشاعرنـا.. تحـارب فــداك
لكـنّ يـا غـزّه يليـتـك فــي دمــي تحتـمـي
عسـى تحسـي وهــج نيرانـنـا مــن قــداك
الله شـاهـد زرعــت إسـمـك هـنـا فنسـمـي
و بللت صوتـي بذكـر الله هـداي و هـداك
أدعيـه يبقيـك نـور الحـق .. مــا تظلـمـي
ما غيـرة المستجيـب لْصوتنـا مـن صـداك
ما عندنا غير صدق إحساسنا .. و إرحمي
شعّـار قـد خاننـا كــل البـشـر .. مـاعـداك
مـا نملـك إلا قصايـدنـا .. عـسـى ترتـمـي
إذا يـشـا ربّـنـا بأطـهـر تـرابـك .. فـــداك
خميس المقيمي
ــــــــــــــــــــ
وصية
لا مت طلبي لي الغفــران
وادري عيونـــــك تفــّديني
لعلّ ربي عظيـــــم الشان
سحــاب رحْمتــْه يسقيني
قولي له فلان ولـْد فلان
عبدك، فقيرك، نظر عيني
كان الهوا لي وكان وكان
أجمل حلـــم عذب يأويني
والماي والدفء والتحنان
والناي وأنــــدى تلاحيني
من همْسته تزهـر الوديان
ديرة عطــــر تبتهـج فيني
زخـّـاته تـْجوبني .. بستان
نـَـدى صبـاحـاتي وتيني
وتطير بي تلــّـة الأشجان
ترهف لمزمــــاره أذنيني
تـْحبـّني لحظته .. بيبــــان
تسأل دروبي عنــــاويني
ربّاه ، ربّاه يا رحمـــــان
والسجدة لي فيــك تفنيني
أجأر وصوتي ذكر وإيمان
وألقى الخطى لك تودّيني
عبدك وهو عبدك العريان
تكسيه عطفك ، وتكسيني
تدمح ذنوبه يظلّ انسـان ..
خطـااااء ، ويمتّ له طيني
أخطأ اشـْ كثر وأكثره مندان
يا واااسع العفو ، ويديني
تمتد ، تمتد للغفــــــــــران
نخلة رجــــــا من شراييني
حمود الحجري
ــــــــــــــــــــ
زفة حكي
صارت أكبر حقوقي حلم
أنقض العلم واسفه
بين جرحي وعزمي ظلم
عيت الروح تشتفه
غربتي في مساحة سلم
موطني يا نزف ضفة
جيت والسيف ما يزلم
جيت دام الحكي زفة
جيت غزة وغزة لم
تجهل الحق في صفه
الجروح الجروح البلم
أو أذن عاشقه دفه؟
المسا أو ظنوني حلم
تفتق الجرح ما تسفه؟
راشد بن سعيد الشامسي
ــــــــــــــــــــ
صدر الكآبة
لا تزرع الفانوس بأرْض التساهــيــــل
الدّهر طيّر في عيونـك غرابـــــــــه
اللي نوى يمشي طريق الألف ميــــــل
لا يشْتكي بأن الــدّروب اتّــشابــــــه
وجه الشّبه بين الفــرحْ والغرابيــــــــل
مثل الشّبه بين الطّـبـل والربابـــــــه
لو كانت دموع الصّبح تبْكي الليـــــــل
ما كان شقّ الليل صـدْر الكآبـــــــة
وان مات فيك الحلْم من دون تأويــــل
حتى الليالي ما تعَـــرْف الإجابــــــة
حلّ الحصاد وطاح سوق المحاصيــل
والفقر متوسّد عيـــون الذيابــــــــه
من صهْوة البغْلة إلى صهْوة الخيــــل
كلّ الجروح تعيش نفْس الرتابــــــة
حتى السّكون اللي سبق جارف السّيل
يدفع فواتير الأسى من حسابــــــــه
لين الدّمع فاحتْ قهوْتــه بلا هيـــــــل
من دون ما يفقد معاني الصّلابـــــة
يا دمْع ياللي تستفــــزّ المناديــــــــــل
وش فيك ما راعيت حـقّ القرابــــة
العين لو تهطلك وبــــْل وهماليـــــــل
تبْكي على ضيم الليالـــي سحابـــــة
سالت من الذّكرى وجوه ومراسيـــــل
تنسي الجرح نزْف الألمْ وانسكابـــه
وجْه النهار يسيل والعتمة تسيـــــــــل
وكل الجهات تصيح ياااااا للغرابـــة
ما مالت الكفّة قبل ميلـة الكيـــــــــــل
إلا لأن الــ... (شي ما ينحكابـه)
يوم اعتلى الميزان سوق المهابيـــــل
حطّتْ على خشْم العدالـة ذبابــــــــة
يا راعي الفانوس خلّـي الأناجيـــــــل
كل واحدن منا بيقرا كتابــــــــــــــه
لولا عروق الشّمس تتــجرّع اللّيـــــل
ما كان شقّ اللّيل صدْر الكآبـــــــــة
فيصل الفارسي
ــــــــــــــــــــ
زمّل
زمـّل معاذير الجفــا وإستر الحال
بعض التـــــودد فــــيه ذل وفشيله
ما ينكسر قدرك معي لــو بزلزال
حبك تعــتق فالحشـا وش يزيله!!
البارحه مجفــي تهاديـت مختال
والعيـن راحـت تتبعك دون حيله
ناديتك بحسـره : حبيبـي ولا زال
صوت الصدى فالبال يصدح عويله
رحت الغرور اللي نهش صده البال
والشوق زمجر فالضلــوع النحيله
ألزمت عينـــي بالبكـــا والبكا طال
مصلوب بين أربـــع زوايــا هزيله
منديل ليلي يستر االدمـع لا سال
ليـــن الدجـــى لملــــم مناديــل ليله
كفـّيت هـــدر الدمــع والقيل والقال
وأخفيت حزنـــي والهمـــوم الثقيله
صنت إحترامي عـن سخافات عذال
علمت نفســـــي مــــا تكــون الذليله
ياللي جفيت الأمــس والحــــق ينقال
توني عرفـــــت إن الأمانـــي بخيله
نحلم ونرسم فالهــــــوى جملة آمال
وتمــوت آمــــــــــال المحبــه قتيله
البارحه مجفــــــي تهاديــت مختال
ناديتك بحســـره..ولـه..دون حيـله
واليوم جيت بشوق تشكي لي الحال
زمــّـــل معاذيرك تراهـــــــــا فشيله
أحمد العلوي
ــــــــــــــــــــ
انتظرتك
انتظرتك لين مل الإنتظار
انتظرت كثير يا أجمل ملاك
انتظرتك ليل شابه للنهار
يحترق قلبي بنار من جفاك
صرت أسأل يا ترى وش فيك صار؟
هو تغلى ؟ آه يا مكبر غلاك
حار عقلي وهل دمعي بانحدار
من بعد فرقاك خلي وش بلاك
والشعر بعدك بيوته ف اندثار
يندثر شعري وأنا ميت بلاك
صار تفكيري يخالف للمسار
من بعد غيبتك عانقت الهلاك
كل ما حولت بالتفكير طار
طار تفكيري وحلق في سماك
والله لولا حشمتي لك والوقار
كان جافيتك وبدلت سواك
وما تعب فكري بكثر الانتظار
ولا تكحل ناظري دمعة جفاك
بس أنته غير (نت الإختيار)
ولا هجيت إنسان بينافس حلاك
ألف كلمة فيك تحسب إختصار
وأبعد الأوطان تقرب في خطاك
يالله إرجع يكفي فيني ياللي صار
بعد ذا التعذيب خلي ما كفاك؟
إقترب قبل أنتهي لك باحتضار
إقترب يا ورد يا أجمل ملاك
عبد الملك بن عيسى القرني
أعلى
دروازة
ماذا يحدث أمام بوابة الكهف؟
في بداية الأمر، خرج دخان غليظ من بوابة الكهف،
فانتشرت رائحة عطنة في أرجاء القرية، رائحة تشبه رائحة جلود محترقة،
وفي الليل صار الناس يشاهدون في القمم البعيدة نيرانا تشتعل، بعدها
صارت تتكاثر شيئا فشيئا مع الأيام، حتى أن بعضهم أقسم أن ليالي القرية
قد صارت مثل النهار تماما، فانتشر الرعب بين الناس ودخلوا بيوتهم وأوصدوا
عليهم الأبواب، لكنهم بقوا متوجسين من أمر تلك النيران حتى لا تنتشر
بين نخيلهم ومساكنهم، ثم قام مؤذن القرية بحثهم على الصلاة، فدخلوا
المساجد، ودعوا الله متذللين خاضعين أن يكشف عنهم هذه الغمة التي ألمّت
بهم، كانت تلك النيران تختفي مع طلوع الفجر، كانت تخفت شيئا فشيئا
كلما طلع النهار، لكن تلك الرائحة بقيت في الأرجاء، فتسببت للبعض بالكرب
الشديد، وقد أقسم أحد من عاصر هذا الحدث، أن ذلك الدخان الخارج من
الكهف كان يشبه في انبعاثه حيوانات لها أشكال غريبة، يقال أن تلك الحال
استمرت أسبوعا وبعضهم يزيد أياما قليلة عليه، كان ذلك قبيل فصل الشتاء،
وبعدها مباشرة هطل المطر غزيرا فسالت الأودية، وامتلأت المنحدرات بالمياه،
فغسل الماء الأرجاء من تلك الرائحة، فقد لاحظ الناس أن الدخان قد خبا
ولم يعد يخرج من الكهف، بعدها عادت الحياة كسابق عهدها في القرية وبدأ
الناس في نسيان الحادثة شيئا فشيئا مع تعاقب الأيام، لكنها بقيت مع
البعض يحلو لهم أن يحكونها خصوصا للغرباء الذين يمرون عليهم كضيوف
أو عابري سبيل يتساءلون عما تناقلته الألسن عن تلك الحادثة العجيبة.
بعد سنوات لاحظ البعض كلبا وقد بسط ذراعيه أمام بوابة الكهف، فقد ظنوه
من الكلاب الضآلة، كان هناك كل نهار على حالته، وفي الليل يأتي نباحه
خافتا، ولكنه مع الأيام بدأ ذلك النباح يعلوا شيئا فشيئا، ثم لاحظ
الناس كلبا آخر قد تمدد أمام بوابة الكهف، ومع الأيام تكاثر العدد،
فرأى الناس عددا كبيرا من الكلاب، وفي الليالي يتصاعد نباحها حتى خاف
أهل القرية من الهلاك خشية أن تهجم على بيوتهم وعلى مواشيهم وأطفالهم،
فتشاورا في الأمر ثم اتفقوا على أن يجتمعوا نهارا بالقرب من ذلك الكهف،
ثم يهجمون على الكلاب من كل جانب، محاولة منهم في قتل أكبر عدد منها
وتخليص القرية من خطرها الذي يؤرقهم، وعندما هموا بتنفيذ ذلك، دخلت
الكلاب جميعها في ذلك الكهف ولم تخرج أبدا، عندها تقاسم الرجال نوبة
مراقبة بوابة الكهف تحسبا من خروج شيئا من تلك الكلاب، فقد تمت المراقبة
لأسابيع، وعندما تيقنوا من اختفائها كفوا عن ذلك ثم نسوا الحادثة تدريجيا.
يقول أحد الطاعنين في العمر، لا تأمنوا تقلب الأيام، وتوجسوا من هذا
الكهف وراقبوه بين الحين والآخر، فإن أي شيء يحدث أمام بوابته ولو
كان ضئيلا سوف يتكاثر ويعم القرية، فقد أخبرني أحدهم من زمن بعيد أنه
شاهد حشرات صغيرة جدا تتطاير هناك تماما أمام تلك البوابة، وبعد أيام
لم نستطع النوم ولا الأكل ولا حتى التنفس من كثرة تلك الحشرات الصغيرة،
ولولا لطف الله بنا لدخلت تلك الحشرات تحت جلودنا وامتصت الدماء ولكن
من العجب أنه بعد أيام بعث الله بريح باردة في المكان أخذت معها كل
تلك الحشرات واختفت نهائيا من المكان، ولقد شاهد أحدهم آخرها وهي تدخل
إلى داخل الكهف غائبة فيه إلى الأبد.
زهران القاسمي
أعلى
بين التاريخ والسياسة
مسرحية "النمرود" .. شخصية رمزية
اتسمت بالجبروت فكان الهلاك نهايتها
استخدام الأقنعة قلل من اللعب على أوتار الجسد،
فجاء الأداء أقرب إلى النهج اليوناني القديم
التاريخ والأسطورة؛ هما بعض المصادر التي تلهم
المبدع المسرحي لنظم روائعه الفنية لتظل خالدة بخلود تلك المآثر، وبالمثل
فإن اقتباس التاريخ، يعد أيضا مغامرة فليس كل ما كتبه المؤرخون على
صفحاته، يصلح لأن يقدم على الركح، ونستطيع أن نطلق عليه " دراما
تاريخية" !.. إضافة إلى ذلك، وأنه عند معالجة موضوع تاريخي، لابد
من استرجاع أجندة واقعنا المعاصر، مما يساعد المشتغلين في المجالات
الأدبية والفنية على غربلة التاريخ بما يتوافق مع الواقع الآني، بالطبع
مع الاحتفاظ بالحقائق الثابتة، لكونها لا تحتمل التغيير أو التحريف
مهما حصل!.. ويعتبر عرض مسرحية " النمرود" من العروض الحديثة
التي جعلت التاريخ والأسطورة تصافحان شخصيات من واقعنا.
وهذا العرض من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
عضو المجلس الأعلى بدولة الإمارت العربية المتحدة حاكم الشارقة، وهو
من إخراج المنصف السويسي. وعرضت مسرحية " النمرود" في أكثر
من عاصمة عربية، وقد شاهدنا هذا العرض على "مسرح دار الأوبرا"
ضمن فعاليات مهرجان دمشق المسرحي في دورته الرابعة عشرة.
ويحكي العرض قصة "النمرود" الأسطورية المتغطرسة الذي أراد
أن يحكم شعبه بيد من حديد، وتشير المصادر التاريخية إلى وجود هذه الشخصية
في أرض بابل، أما نسبه ـ كما ذكر في الإنجيل القديم ووثق في موسوعة
"جينيس" في الفصل العاشر ـ فيعود إلى نوح عليه السلام الذي
كان له ولدان هما سام وحام، فمن أولاد حام كنعان وهو والد النمرود،
وقيل: "كوش لكن كوش هو اخو النمرود وهم الحاميون".
بالرغم من البعد الزمني التاريخي لموضوع المسرحية وأبطالها، والذي
بدا موغلا في القرون الغابرة، إلا أن المسرحية ركزت على الشخصية كعامل
أساسي مهم لتحريك الحدث،كما أنها تشبعت بالعديد من الاسقاطات السياسية
المعاصرة. فظهر البطل (النمرود) كشخصية رمزية، لها تأوليها من خلال
استدعاء شخصيات اتسمت بالجبروت، وقدست نفسها على حساب الآخر، لذا كان
نهايتها الهلاك!
أما عن الأحداث التي تم سردها عبر هذه المسرحية،
فهي تصف لنا النمرود، والذي استطاع القضاء على " الضاحك"
بمساندة الشعب، ولكنه ما لبث أن تمرد وأدعى الربوبية وطلب من الشعب
عبادته، وتحدى "رب العالمين" لذا أصبح عقابه واجبا، وتم
ارسال البعوض إليه بعد شروق الشمس. وبالرغم من صغر حجم هذه الحشرة،
إلا أنها استطاعت أن تقضي عليه، ليكون عبرة لمن يغتر بجاهه ونفوذه
وماله، وينسى بأن العدالة السماوية قادرة على إحقاق الحق وازهاق الباطل،
مهما كان جبروت الإنسان وظلمه.
على مستوى الأداء التمثيلي، فقد التزمت الشخصيات بالنص، فبرغم مدرسية
الإخراج التي اتبعها المخرج في تجسيد شخوصه، إلا العرض استقطب عددا
من النجوم، مما جعل أداء الممثل أقوى عناصره الحية، وخاصة وأنه حظي
بمشاركة عدد من الممثلين المحترفين فيه، بلغ عددهم أكثر من ثلاثين
ممثلا، مما فرض على المخرج مجهودا إضافيا، وخصوصا عند رسم حركة الممثلين
وتحريك المجاميع على الركح، بما يخدم فكرة العمل العامة.
قام المخرج بتقديم فني يصور المعارك الحربية على الخشبة، فظهرت السينوغرافيا
المشهدية العامة للعرض المسرحي، وكأننا أمام" فيلم سينمائي"
تاريخي يخرج على خشبة المسرح. إلا أنه في نفس الوقت، لابد من الإشارة
إلى أن التزام المخرج بحرفية النص، وهذا جعل الرؤية الإخراجية فيه
غير واضحة في هذا العمل .
فضلا عن ذلك، فإن استخدام الأقنعة قلل من اللعب على أوتار جسد الممثل،
فجاء الأداء أقرب إلى النهج التمثيلي في المسرح اليوناني القديم. كما
أن اللوحة التعبيرية الأولى التي استهل المخرج( السويسي) العرض بها،
حملت العديد من الدلالات، برغم من ذلك لم تقنع المشاهد بشرعية وجودها،
وخاصة بعد متابعتنا لبقية أحداث المسرحية، بالإضافة إلى أن فكرة "
كسر العلبة الإيطالية" من خلال السماح للممثلين بالتسلل بين صفوف
المتفرجين، كانت من النوافل التي يمكن التخلص منها، دون أن تؤثر على
مجريات الحدث العام.
وتوافقا مع دلالات الشخصيات من حيث البعد التاريخي والزمني الأسطوري
لقصة العمل المسرحي، فقد ارتدت الشخصيات الملابس التاريخية، بالإضافة
إلى الأقنعة التي لازمتها طوال فترة العرض، وحملت الدروع والأسلحة
والتروس. كما أن توظيف الإضاءة تمركز حول لحظات الذروة فقط، وما عدا
ذلك فقد استخدمت الإضاءة المسطحة ذات المستوى الواحد.
أما بالنسبة للموسيقى، فقد ألزمت عناصر العرض الإيحائية المستلهمة
من التاريخ والأسطورة على استخدام المقطوعات الموسيقية ذات التأثير
الدرامي على الأحداث، وصولا إلى لحظات الذروة والالتفاف حولها، بما
يتوافق مع المضمون الغني بالمفاجآت...كما تناغم ذلك مع الألحان المنبعثة
على الجانب الأيسر من صالة المتفرجين.
يذكر أن عرض مسرحية " النمرود" بلغت تكلفته الإنتاجية أكثر
من مليون درهم، وهذا يؤكد دعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد
القاسمي، للأعمال المسرحية خصوصا تلك التي يخرجها مسرح الشارقة الوطني.
ويغلب على نصوصه الدرامية الاتجاه السياسي، ومن أعماله ( القضية ـ
عودة هولاكو ـ الواقع...صورة طبق الأصل ـ الأسكندر الأكبر والنمرود
).
عزة القصابي*
* ناقدة فنية عمانية
أعلى
رسائل ممطرة
قناديل الروح
عبر كل طريق لنا ذاكرة, جفاف من الروح, وجه صديق
قديم, هل نسيناه..لا ربما. قليل من الكلمات إذن..وقليل من النزفِ ربما..هي
القلوب وحدها من تصنع فينا كل هذا الوجد وهذا الزيف, وقد نختلف, تماما
كما يختلف الصبح بين صيفٍ وبين خريف قديم!.
للأيام آثارها المبهمة, وللأصدقاء أجنداتهم, ولكن هل تراهم مضوا تاركين
بُذار لبعض حكاياتنا في الدفاتر, إنها قصة لرحيل نعود إلى دربه من
جديد, شموخ صفصافه ربما لا تنفضه رياح الغياب, فما سر إخلاصنا يا ترى
,شامخ حدَّ هذا النخيل, حزين مثل جدول!. فهل نُسَّمى كل هذا الإخلاص
فينا "هزائم", وأي هزائم تلك التي تبقى معاركها موجعه!.
كم مرَّ من الزمن يا ترى, ومضينا ثم تركنا في أثره صديق زاجل, عرفنا
بأنه سيتركنا في آخر المفترق..كيف.. لسنا ندري..لما..ربما لأن نصفه
كان طائرا يبحث عن عشٍ يأويه, ونصفه ريشة كانت تبحث عن موعد مع الريح
لكي تحترق!. هكذا كانوا هم جميعا يتساقطون في الطريق, وينزفون مثل
غيمة, ثم يجفون في نفس الرصيف القديم, وللرصيف القديم تبقى لنا الذكرى
العابرة, وما أن نمر قليلا هناك نرااااهم على طريق يمر الفراش به,
وعلى طريق تخجل الشمس من غيماته, وأحيانا وسط طرق يزحمها بوح كل هذا
النخيل!.
الواقع هناك أيضا "أصدقاء" مضوا وسط صخب المعابر,وخلف انحناء
الطريق المؤدي إلى مدن الحالمين, ومن لم ينسونا في بطاقات العيد من
كل عام جديد ـ ولكن ـ طالعنا المُر ينذر بنفس الخاتمة, يغيبون, ينطفئون,
ويحترقون مع أسرارهم دون ذنب اقترفناه نحن..دون حتى وداع.. ويتركون
أشياءهم, قناديلهم مضاءة في القلب. لن نقول جميعهم, سنقول العزيزين
منهم, الذين أخجلوا "وردة القلب" ولم يطلوا, إنهم لا يختلفون
كما هو الزمن معهم, ـ يا أمسهم ـ كم تتشابه أفعالهم, برد سيسبانهم,
وكذب براءتهم, والصدق الذي يكفرون به!.
إنها حكاية تمر مع الوقت, ولكن تبقى في المفكرة القديمة صورة لزينب,
إيمان, ليلى, وورد جفَّ منذ سنين لنعيمة الصغيرة, وآخر بسمات زهرة
في بطاقة ميلاد أمي قبل أن تحتويها المجاهيل وتنطفئ كالباقين تاركة
لا شيء غير رقم جوال قديم لا يستجيب حتى لعذر رسالة!!.
رسالة ساقطة :
( يا ذا الوجد
أحبابي على رغد الوسائد
يهنئون الآنَ
كيف يرون مصلوباً على أغصان فتنتهم
هو الطير المغرد فرحة الإبحارِ
يا أطياف صورتها
التي ما أثبتت في الرُوح ِ
غير الجُوع ِ
يا قلبي الذي أمسى يئِّن
كطائرٍ مفجوع
سجادتي نامت وما اكتملت صلاتي بعدُ
يا ذا
الوجدُ !!)
(علوان مهدي الجيلاني)
سميرة الخروصي*
* شاعرة عمانية
أعلى
|