|
فتاوى وأحكام
* المتساقطون على طريق الدعوة ليسوا بقليل في العالم الإسلامي ، هل
ترى سماحتكم أن بعضهم أخفق في سبيلها إن كان ذلك كذلك ، فإلى أي الزوايا
مرد ذلك الإخفاق ، أهو فساد معتقد أم انحطاط فكر ؟
** حقيقة الأمر هناك أسباب متعددة ، فقد يكون
الغبش في التصور سبباً من أسباب هذا التساقط ، وقد يكون أيضاً غلبة
النزوة والشهوة سبباً من هذه الأسباب ، ولا أعني بالشهوة شهوة معينة
، هنالك شهوات مختلفة تغري الإنسان وتدفعه دفعاً إلى ارتكاب الموبقات
من بينها شهوة حب الظهور ومن بينها شهوة المال ، ومن بينها أن يحب
بأن يتبوأ مكاناً عالياً بين الناس إلى غير ذلك من الأمور التي تردي
الإنسان ، ولا ريب أن هذه كلها مهلكات فإن الله تبارك وتعالى يقول
(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ
عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
(القصص:83( .
ونحن نرى كيف أن الله تبارك وتعالى بدأ بالعلو
هناك قبل الفساد لأن حب العلو في الأرض هو الذي يدفع بصاحبه إلى الفساد
دفعا ، فلذلك ضرورة تنقية النفس من جميع هذه الشوائب .
ولا ريب أن المتساقطين كثر ، فما أكثر أولئك
ظهوراً للناس أولاً بمظهر الدعاة المخلصين الراغبين في إنقاذ المجتمع
وإنقاذ الإنسانية كلها من الورطات وإذا بهم يقعون فيما كانوا عنه ينهون
، ويترامون إلى ما كانوا منه يحذرون ، هذا كله إنما يعود إلى ضعف هذه
النفوس أمام المغريات المختلفة والمؤثرات المتباينة فلذلك على كل أحد
أن يحرص بأن يكون موصولاً بربه سبحانه وأن لا يأمن مكر الله فإنه لا
يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ، ووصل الأمر ببعض أولئك الذين كانوا
يتظاهرون بذلك المستوى العالي أن انحدروا إلى دركات الإلحاد وإلى دركات
أنواع الفساد ، فما أجدر الإنسان أن يحرص كل الحرص على أن يتقي الله
تبارك وتعالى ، وأن يحاسب النفس باستمرار محاسبة دقيقة ، وأن يكون
كما قال شعيب عليه السلام (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى
مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ )(هود: من الآية88) ، فكيف يحذر الإنسان من
أمر ثم يقع فيه بنفسه ؟
هنا تعجبني كلمات قالها بعض الدعاة يقول : (إن
الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة إذا هي لم تخرج
من قلب مؤمن بها ، ولن يؤمن إنسان بما يقول حتى يستحيل هو ترجمة حية
لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق ، حينئذ تخرج الكلمة كلها دفعة
حياة لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها ، وجمالها من حقيقتها
لا من بريقها ) ، والله تعالى المستعان .
* بعض الشباب هداهم الله يستغلون شبكة الانترنت فيما حرم الله من تصفح
المواقع الإباحية ويضيعون أوقاتهم وأموالهم .
ما النصيحة التي تقدمونها شيخنا لهؤلاء الشباب ؟
** قبل كل شيء نصيحتي لهم أن يتقوا الله تعالى
في حياتهم ، وأن يتقوا الله في شبابهم ، فالإنسان مسئول عن عمره كله
، ومسئول عن شبابه كله ، (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند
ربه حتى يُسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ،
وعن ماله من أين اكتسبه ، وفيما أنفقه ، وماذا عمل فيما علم) ، يُسئل
الإنسان عن ذلك كله ، يُسئل عن العمر لأنه الموهبة الكبرى .
وهؤلاء الذين يقضّون أوقاتهم في مطالعة هذه المواقع
الإباحية إنما يضيعون أعظم شيء في حياتهم لأنهم يضيعون الحياة نفسها
، والحياة هي أعظم شيء لأن نعم الله تبارك وتعالى تنبني على هذه النعمة
الكبرى ، فلولا نعمة الحياة لما أحس الإنسان بنعمة قط من نعم الله
سبحانه وتعالى ، على أن هذه الحياة وهبت له لا لأجل أن يتهالك فيها
على ملذاتها ، وإنما وهبت له من أجل أن يعمل فيها لحياة أفضل ، لحياة
الخلود ، لحياة البقاء ، لحياة الجزاء ، لحياة لا يعقبها موت وكل ما
فيها من خير لا يهدده شر ، فصحتها لا تكدر بمرض ، وغناها لا يهدده
فقر ، وشبابها لا يكدره ذكر هرم ، وإنما تلكم حياة أبدية لمن آمن وعمل
صالحاً ثم اهتدى بحيث سلك الطريقة القويمة التي تسعده في الدار الآخرة
عند ربه سبحانه .
فعلى هؤلاء أن يتقوا ، وأيضاً عليهم أن يعرفوا
نعمة شبابهم ، فالشباب ليس فرصة للتهالك على هذه الموبقات ، وإنما
هو فرصة للعمل الصالح ، للطموح إلى معالي الأمور ، فالأمم تقاس بشبابها
رقياً وانحطاطا وتقدماً وتأخرا ، فبقدر ما تكون شبيبتها على صلاح واستقامة
وبر ووفاء وحب لله تعالى وخشية منه تكون الأمة عزيزة ، تكون كريمة
ذات شأن عظيم ، وبقدر ما يتهالك شبابها على موبقات الأمور تكون أمة
ساقطة لا قيمة لها ، فمن هنا كانت الضرورة إلى تربية هؤلاء الشباب
على الصلاح والاستقامة والبر والإحسان والطموح إلى معالي الأمور والترفع
عن سفاسفها .
هؤلاء نصيحتي لهم أن يعرفوا قيمة شبابهم ، وأن
يعرفوا قيمة عمرهم ، على أن الإنسان قد يكون في غضارة الشباب ، وفي
ميعة الفتوة فإذا به يأتي ريب المنون ليقطع دابره فجأة واحدة فيتحول
إلى جثة هامدة ثم يتحول بعد ذلك إلى عظام نخرة ، ولا يدري الإنسان
متى يفجأه ريب المنون ، فالناس جميعاً مثلهم في هذه الحياة كمثل سجناء
حكم عليهم جميعاً بالإعدام ولكن لا يدري الإنسان ساعة تنفيذ الحكم
، وأي حكم أبلغ من حكم الله تبارك وتعالى الذي يقول (كُلُّ نَفْسٍ
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)
، جدير بالإنسان أن يتقي الله ، وأن ينهنه نفسه عن هذه السفاسف ، وأن
يربأ بنفسه عن الانحدار إلى هذه الدركات ، وعن الرعي في هذه المراعي
الوبيئة ، هذه هي نصيحتي لهم ، والله المستعان .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الصحبة الصالحة ودورها
في الحياة
السلماني : الصحبة والصداقة هي عاطفة سامية صداقة
من أنبل العواطف الإنسانية
أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامري:
صحبة الصالحين من أعظم وسائل الثبات على الإيمان إنها مصدر من مصادر
الطاقة
الإيمانية التي تدفع المرء تجاه السلوك القويم وطاعة الله وحبه وابتغاء
رضا الله على من سواه ومن توفيق الله للإنسان أن يكون بين قوم صالحين
إن أمر بمعروف آزروه وإن نهى عن منكر أعانوه وإن احتاج إلى شيء من
الدنيا ساعدوه وإن مات دعوا له وشيعوه قال تعالى(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا
وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (28الكهف ) عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الرجل على دين خليله
فلينظر أحدكم من يخالل) رواه الترمذي وعن الصحبة الصالحة ودورها في
حياة الإنسان وكيف الإنسان يختار من يصاحب في حياته كان لـ(لوطن) هذا
اللقاء مع سعيد بن راشد السلماني موجه كوادر دينية بوزارة الأوقاف
والشئون الدينية .
أثر الصحبة في حياة الإنسان
في بداية هذا اللقاء نرجو أن نبين للقارئ دور الصحبة الصالحة في حياة
الإنسان ؟
الصحبة والصداقة هي عاطفة سامية صداقة من أنبل العواطف الإنسانية ،
والحديث عنها عذب المذاق لذيذ المطعم حلو المشرب كيف لا والشارع الحكيم
أسس قواعدها وأشاد بنيانها وأعلى مكانها ورسوله المصطفى طبقها واقعا
معاشا في حياته.
فالصحبة لها أثر عظيم في حياة الإنسان حيث عظم شأنها وعلا مكانها ففي
الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ـ فذكر منهم ـ ورجلان
تحابا في الله اجتمعا وتفرقا على ذلك) وقد ذكر بعض المفسرين الصاحب
بالجنب المذكور في الآية هو الصديق أو الجليس في الحضر والسفر وقيل
هو الصاحب في السفر، وما هذا التذكير في كتاب الله بحق الأخوة والصحبة
إلا لعظم مرتبة الصحبة ، و قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنه خرج في سفر مع أحد أصحابه وهما على راحلتين فدخل رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - غيضة فقطع قضيبين أحدهما معوج ، فخرج فأعطى لصاحبه
القويم ، فقال: كنت يا رسول أحق بهذا ! فقال : " كلا يا فلان
إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صاحبه ولو ساعة من نهار "
ويكفي الأصحاب والأصدقاء فخرا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان
متخذا صاحبا وله صحابة ، بل إن الله خلد شأن الصحبة حين اختار لحبيبه
المجتبى ورسوله المصطفى صاحبا في أهم وأخطر رحلة في التاريخ البشري
بأسره رحلة الهجرة المباركة " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله
معنا " وهذا أمر ينبغي أن لا يعزب عن بال مسلم وهو يطالع أحداث
الهجرة ويستقي منها الفوائد والعبر.
فالصداقة أصلها من الصدق ، والصدق عكس الكذب والصديق هو من صدقك وعادى
عدوك ، والإنسان كائن اجتماعي بفطرته ينزع إلى أن يشارك الناس في همومهم
وأحزانهم كما يشاركهم في فرحهم وسعادتهم ، لكنه يختار أناسا يصطفيهم
لخاصة نفسه يشاركهم في عقولهم ويستقر في قلوبهم يفرح لفرحهم ويحزن
لحزنهم هم بمثابة نفسه لكن تشاكلت الأجساد ، حبهم مؤسس على البر والتقوى،
ينفع المرء في الأولى والأخرى ، فمن محكمات القرآن أن " الأخلاء
يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " (الزخرف 67) فهي خلة قائمة
على الأخوة الصادقة ، هذه أخوة متنامية ويزداد نماؤها بعد الموت ،
يتطور إلى الدار الآخرة ، ويدخل الله السعادة على قلب المؤمن بلقيا
أخيه المؤمن في الجنة "على سرر متقابلين " وعكسهم الكافرون
فلهم الحسرة والندامة " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم "
فمنن الله على الأصدقاء منن لا تنفد ما دامت صداقتهم قائمة على قواعد
متينة من التقوى والصلاح وأول هذه المنن تآلف القلوب ، فالألفة بين
المؤمنين هي من خلق الله! واسمع إلى قوله تعالى " ولو أنفقت ما
في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " قد
يقول قائل إن بالأموال تشترى الرجال وتباع الذمم ، ولكن أبدا لا يمكن
أن تشتري بمالك ولو أنفقت ملايين الأرض من الدنانير والدراهم مودة
ومحبة لم يخلقها الله في قلب امرئ تجاهك ، ربما بالمال تستلطف القلوب
لحين من الزمن لكن العداوة والبغضاء تبقى غائرة في الصدر متمكنة في
الفؤاد ، ولذلك جاء في الأثر " الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها
ائتلف وما تنافر منها اختلف " إنها وكما قيل " رب أخ لك
لم تلده أمك " فما دامت الصداقة هذا شأنها فينبغي للمرء أن يتخذ
له أخوان الصفاء وأصدقاء الوفاء ولهذا أوصى أحد الحكماء بقوله "
أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم
"
وفي ذلك يقول الشاعر :
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ولكن إخوان الثقات ذخائر
معايير الاختيار
- ما هي المعايير التي يمكن أن يختار منها الإنسان أصدقاءه ذوي الصحبة
الصالحة؟
جاء عن الحبيب المصطفى - صلوات ربي وسلامه عليه-" المرء على دين
خليله فلينظر أحدكم إلى من يخالل" فهذا الحديث منه -صلى الله
عليه وسلم- حث على التدقيق في عملية اختيار الأصدقاء، وقد أجاد بعض
العلماء حين قسم الصداقة على ثلاثة أنواع:
ا- صداقة المنفعة أو المصلحة:
هي صداقة قوامها المنفعة العاجلة والمصلحة الدنيوية، كأن يصاحب الرجل
لأجل ماله فإن ذهب ماله ذهب أصحابه، أو أن يصاحب لأجل منصبه فإن ذهب
منصبه تفرق أصحابه،
رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال
ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا
رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهبُ
ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا
رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة
ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة
ب- صداقة اللذة:
صداقة قائمة على الشهوة واللذة ومحفزها العشق والهيام فإن انقضت اللذة
وانقطعت الشهوة تبعثرت تلك الصداقة وتقطعت تلك المحبة.
ج- صداقة الفضيلة:
هي الصداقة الحقة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل
حين، قائمة على إعجاب كل طرف بمحاسن الآخر من حسن خلق ورجاحة عقل وسعة
علم وفضل وأدب ، محبة لله لا لغيره من أعراض الدنيا الزائلة، نفعها
ممتد للآخرة.
فليست الصداقة هي صداقة المنفعة ولا صداقة اللذة ، فهذه ليست بمعدودة
في خصال الشرف، وإنما الذي يصح أن يعد خصلة شريفة هو الصداقة التي
يبعثها في نفسك مجردُ اعتقادِ أن صاحبك يتحلى بخلق كريم.
"وهذه الصداقة تشبه سائر الفضائل في رسوخها في النفس، وايتائها
ثمراً طيباً في كل حين، وهي التي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل
سخاءً؛ فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر؛ ليحمي صديقه
من نكبة، والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانباً من ماله
لإنقاذ صديقه من شدة؛ فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها
الذميمة؛ فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع
الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئاً من كظم الغيظ، ويجلس لأصدقائه في
حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعدُ متواضعاً حليماً.
والفضل في خروجه من رذيلتي الكبر وطيش الغضب عائد إلى الصداقة.
وإن شئت فقل: إن حب الشخص لك لفضيلتك علامة على كمال أصل خلقه؛ فإنك
لا ترجو من شخص أن يحبك لفضيلتك إلا أن يكون صاحب فضيلة.
وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي إلا امرؤ كان ذا
فضل وذا أدب"
الاختيار
وعن كيفية اختيار الأصدقاء وتقييم الناس لاختيار الصديق الصالح؟
إن عملية اختيار الصديق تحتاج لعناية فائقة وتأن ، وحقيقة أن الصداقة
ليست أمرا اختياريا تماما بل تكون في كثير من جوانبها أمرا جبليا يفطر
عليه المرء بأن يميل نحو شخص ما يألفه ويستريح له قلبه ،
وما يلبث الإخوان أن يتفرقوا إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل
وقال آخر :
عصابة جاورت آدابهم أدبي فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت أبداننا بشـآم أو خـــراسان
فلو دخل مؤمن بين ألف منافق وفيهم مؤمن واحد لحن إليه والعكس كذلك
لو دخل منافق بين ألف مؤمن وفيهم منافق واحد لانجذب المنافق إلى قرينه
، وليس هذا بأن الصداقة كالحب يطبع عليه المرء بل المراد أن الإنسان
إذا استراح قلبه لإنسان ووجد كثيرا من نقاط التوافق بينهما واختبره
في سفر أو بصفو الحياة وكدرها فلم ير منه إلا المعدن النفيس والخلق
الكريم فهذا الصديق الذي يجب أن يشدد عليه يدا ويدخره لصروف الدهر
ونوائبه.
وإذا صفا لك من زمانك واحد فاشدد عليه وعش بذاك الواحد
والناس في عهدنا اختلفت مشاربهم في النظر للصديق الوفي فمن مدع إن
الزمان أصبح لا يجود بمثلهم ، أو أننا نسمع ونقرأ أخبارهم وأما الحاضر
فلا أثر لهم أو أن يقول بعضهم ليس هناك صديق إلا لمصلحة أو منفعة ،
ودعوى أن الصداقة الخالصة مفقودة ، حتى أن هذه النظرة التشاؤمية انتقلت
إلى الأدباء فهذا أبو الجوائز الحسن بن علي يقول :
وشيئان معدومان في الأرض درهم حلال وخل في الحقيقة ناصح
وقول آخر :
زمان كل حُب فيه خِب وطعم الخِّل خَل لو يذاق
له سوق بضاعته نِفاق فنافق فالنفاق له نفاق
بل إن بعضهم بالغ أيما مبالغة حين عد الصديق أشد ضررا من العدو فقال:
احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فكان اعلم بالمضرة
وجميع هذه الأشعار والآراء محمولة على صديق المصلحة ، أما توأم الروح
ونور القلب فحاشا أن يكون كذلك ، ولن يعدم الإنسان شبيها له يشاكله
في صلاحه وتقواه ، وإن كنا لا ننزه الأصدقاء عن الخطأ والزلل فهو أمر
بشري محض ولا ينبغي لصديق أن يقطع صديقه لخطأ...
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسن فقط
وقد أجاد بشار بن برد حين قال :
إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
ولكن لا بأس بأن يعاتب الأخ أخاه إن علم أن هناك
تقصيرا في واجبات وحقوق الصداقة والأفضل أن يقيم له عذرا في نفسه إن
استقر في نفسه إن ذلك لم يكن بتقصير منه ، وجميل قول القائل :
أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما سامني منه اغتراب
إذا ذهب العتاب فلا وداد ويبقى الود ما بقي العتاب
الصفات
ما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها الصديق حتى يكون قائما بحق الصحبة
؟
لنا القدوة المثلى في حبيب رب الأرض والسماء
- صلوات ربي وسلامه عليه- فمن أراد معرفة حقوق الصديق، فلينظر إلى
أعظم صحبة وأجمل صداقة سطرها التاريخ، صحبة الحبيب مع أصحابه وبالأخص
الصديق الصدّيق حيث ذكرت عائشة إنه كان يزوره في بيته كل يوم وهذا
من تواضعه وطيب معشره ، فمن أراد معرفة صفات الصديق فلينظر لهذه الصداقة
ففيها من العبر الشيء الكثير ، ومن جميل صداقة السلف ما ذكر من المحبة
والصداقة بين جابر بن زيد وأبي بلال المرداس بن حدير ، حيث كان يفترق
بليل فيرجع أبي بلال لبيته وكان في أطراف البصرة وفي الفجر يصلي بمسجد
جابر ، ما جاء به إلا الشوق لصاحبه وإن أحببنا مزيد بيان لحقوق الصداقة
فنجملها في :
1- معاملة بحسن خلق وطيب عشرة ، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه
وسلم : " وخالق الناس بخلق حسن " من بشاشة الوجه وحلاوة
اللسان ولطف الخطاب وسعة القلب وأيضا تزوره إذا غاب عنك ، تعينه على
نوائب الدهر وكذلك اجتناب كل ما يخل بصفو هذه العلاقة من الغيبة والنميمة
والسخرية والهمز واللمز ، ومن أروع القصص في حفظ غيبة أخيك نقرأ في
تاريخ الأندلس أن الوزير هاشماً بعثه السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي
على رأس جيش، فوقع هذا الوزير أسيراً في يد العدو، وجرى ذكره يوماً
في مجلس السلطان محمد بن عبدالرحمن، فاستقصره السلطان، ونسبه للطيش
والعجلة والاستبداد بالرأي، فلم ينطق أحد الحاضرين في الاعتذار عنه
بكلمة، ما عدا صديقه الوليد؛ فإنه قال:
((أصلح الله - تعالى - الأمير، إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور،
ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق
الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيدهِ، فخذله مَنْ وثق به، ونَكَل عنه
من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى مُلِكَ مقبلاً غير
مدبر، ملبياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه؛ فإنه لا طريق
للملامة عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم.
وأيضاً فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضاً للأمير، واجتناباً لسخطه،
فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب التقصير، فذلك معدود في سوء الحظ)).
وقع هذا الاعتذار من السلطان موقع الإعجاب، وشكر للوليد وفاءه لهاشم،
وترك تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه.
ووصل خبر هذا الاعتذار إلى هاشم، فكتب خطاب شكر للوليد ومما يقول في
هذا الخطاب: ((الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذب
عنك في الغيب لا في المشهد، والوفي من وفى لك إذا خانك زمان)).
ومما جاء في هذا الخطاب من الشعر:
أيا ذاكري بالغيب في محفل به تَصَامَتَ جَمْعٌ عن جوابٍ به نصري
أتتني والبيداءُ بيني وبينها رُقَى كلماتٍ خَلَّصَتْني من الأسر
سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر
فكتب إليه الوليد جواباً يقول فيه:
((وصلني شكرك على أن قلتُ ما علمتَ، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما
ذكرته للسلطان من ذلك، والله - تعالى - شاهد على أني أتيت ذلك في مجالس
غير المجلس المنقول إلى سيدي، إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق،
ما أردت بها إلا أداء بعض ما اعتقده لك، وكم سهرتَ وأنا نائم، وقمتَ
في حقي وأنا قاعد، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً)).
2- سلامة الصدر من الأحقاد وترك الحسد والبغضاء " إلا من أتى
الله بقلب سليم "والالتزام بالمواعيد لأن إخلاف الوعد من علامات
النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم " آية المنافق ثلاث - وإذا
وعد أخلف " .
حمل كلامه على أحسن الوجوه ومناداته بأحب الأسماء إليه إلى غير ذلك
من الأخلاق والآداب .
3- مساعدتهم في شؤون حياتهم وعدم الترفع عنهم ((فالنبي عليه الصلاة
والسلام كان مع أصحابه في سفر ، فأرادوا أن يعالجوا شاة ، دققوا قال
أحدهم : عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليها سلخها ، وقال الثالث : وعليّ
طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، فقالوا : نكفيك
ذلك ، فقال : أعلم أنكم تكفونني ذلك ، ولكن الله يكره أن يرى عبده
متميزاً على أقرانه .))
صفات الأخوة
- يصعب تحقق جميع مواصفات الصديق الصالح في هذا الزمان، فربما تجد
به عيبا أو عيبين، فالأصدقاء بهذه المواصفات يندر وجودهم؟
صفات الأخوة نعم يندر وجودها في شخص واحد لكن
من وجدت أغلب الصفات فيه فهو من تصاحبه وترتقيان ببعضكما ، وعلى المرء
أن ينظر نظرة إيجابية أن يحاول أن يوفر هذه الصفات في نفسه أولا وسوف
يجد من يشاكله بإذن الله.
كلمة أخيرة نختم بها هذا اللقاء ؟
يقول الشيخ السالمي:
أحب أخواني لي المدين ومن بحبه أدين
إن غبت عنه غيبة يعذرني وإن رددت نحوه يقبلني
وقال حكيم"لا تصاحب من لا ينهض بك حاله ولا يدلك على الله مقاله"
أعلى
|