|
فتاوى وأحكام
* شاب لديه المقدرة الكافية لقراءة الكتب الفقهية وللتفقه فيها ولديه
ذاكرة جيدة للحفظ ويريد أن يقرأ في كتب أهل الحق والاستقامة في كتب
المذهب، ويريد منكم أن ترشده إلى الطريقة التي يتمكن بها من ذلك ؟
** يبتدئ في القراءة بالأهم قبل المهم، بحيث يبتدئ بالمختصرات قبل
أن يقرأ المطولات فيقرأ مثلاً كتاب الوضع وحاشيته، وكتاب القواعد وكذلك
حاشية القواعد إن وجدت عنده ، ويقرأ كتاب الإيضاح وجامع أبي الحسن
وجامع أبي محمد ، ثم يتدرج بعد ذلك إلى الموسوعات بحيث يقرأ مثلاً
شرح النيل وكتاب التاج وغيرها من الكتب الموسعة ففي ذلك خير كثير إن
شاء الله. هذا بالنسبة إلى الفقه أما بالنسبة إلى الأصول فإنه يتدرج
أيضا من المختصرات إلى المطولات وهكذا وكذلك كتب العقيدة ، والله تعالى
أعلم .
* هل على الجمعيات الأهلية زكاة؟
** نعم ، إن كانت هذه الجمعية خاصة بحيث لم تكن وقفاً عاماً ينتفع
منه الكل فهي ملك خاص ولما كانت ملكاً خاصاً ففيه الزكاة .
** الجمعيات هذه التي أصبحت معروفة لدى الناس التي تستمر مثلاً لعشر
سنوات أو أقل يشترك فيها مئة أو مئتان فيحصل الواحد على دوره بعد سنة
أو سنتين فيستلم مبلغاً طيباً ، فهل فيه زكاة ؟
** أما ما كان في صندوق الجمعية مشتركاً ما بين الجميع بحيث لم يسلم
إلى شخص بعينه فزكاته إنما هي على الجميع لأنه لم ينتقل بالملك إلى
شخص معين بحيث كان ملكاً له وحده وإنما هو ملك للكل فإذاً من نفس الصندوق
تكون تزكيته. أما ما دفع إلى شخص معين فهذا الذي دفع إليه إن ظل عنده
إلى أن حال عليه الحول أو ظل عنده إلى الوقت الذي يؤدي فيه زكاة جنسه
أي زكاة نقده ، وكان عنده من النقد ما تجب فيه الزكاة ، أي عنده الأصل
الذي يرد إليه هذه الزيادة التي يعبر عنها الفقهاء بالفائدة ففي هذه
الحالة تجب عليه الزكاة. أما إن استهلكه قبل أن يحول عليه الحول وقبل
أن يحول عليه حول زكاته أي الميقات الذي يزكي فيه ففي هذه الحالة لا
تكون عليه الزكاة لأنه قد استهلكه .
أما بالنسبة إلى الآخرين فإنهم في هذه الحالة تسقط عنهم الزكاة لأن
هذا بمثابة الدين الذي لم يحضر أجله ، والدين الذي لم يحضر أجله فإن
زكاته لا تكون على الدائن إنما تكون على المدين إن كان موسراً .
أما عندما يحضر وقته ويتمكن الدائن من استرداده ففي ذلك الوقت تكون
زكاته على الدائن، ومعنى هذا أن القسط الذي حضر وقته فزكاته على الجميع
إن كان هذا القسط الذي حضر وقته على وفيّ مليّ أي على شخص من عادته
الوفاء لا يماطل في أداء ما عليه، وفي نفس الوقت مليّ أي واجد عنده
ما يقضي به دينه، والله تعالى أعلم .
* لكن هذا الصندوق لا تبقى فيه الأموال فهي بعد كل شهر تصرف إلى واحد
منهم .
** فلما كان كذلك فالجواب كما قلنا ، هذا الذي صرف إليه المبلغ إن
ظل ذلك المبلغ في يده فعليه زكاته لأنه صار ملكاً له ، أما إن لم يبق
في يده بحيث استهلكه فلا زكاة عليه ، ليست هنالك عين تزكى .
* ما حكم من وجبت عليه الزكاة مليونين فأخرج مليوناً وترك الآخر في
متجره ليستخدمه ثم أخرجه في آخر السنة ؟ وكيف يتنصل ؟
** ما معنى وجوب زكاة مليونين وإخراجه مليوناً ، فإن الزكاة إنما هي
ربع العشر في النقود وما في حكم النقود، إلا إذا كانت الزكاة نفسها
هي بمقدار مليونين، أي لم يكن ما يملكه مليونين وحدهما بل هو مبلغ
كبير بمقدار ثمانين مليوناً ، فنعم زكاة ثمانين مليوناً هي قدر مليونين
لأن زكاة النقود تجب بمقدار الواحد من الأربعين ، فإن كان على حسب
الذي تبين لي أخيراً فإنه في هذه الحالة إن أخرج الشطر من الزكاة الواجبة
عليه وأخر الشطر الثاني واستخدمه في هذه الحالة عليه أن يدفع ذلك الشطر،
وإن أخره إلى مضي عام ثان فعليه أن يخرج زكاته لذلك العام ويخرج زكاته
مع ما ربحه منه في العام الثاني ومع ما ربحه من غيره ، والله تعالى
أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الأخلاق بين النظرية والتطبيق
إعداد ـ محمد بن عامر العيسري:
- آيات القرآن تهدف إلى بناء صرح أخلاقي متين
- مبدأ التغيير بالتحلي والتخلي ليس مستحيلاً ولا متعذراً
- النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها
- تزكية النفس جسر إلى الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة
الأخلاق مفهوم يعبر عن المبادئ والقواعد المنظمة
للسلوك الإنساني ، وفي دين الإسلام يحدد الوحي هذه القواعد والمبادئ
لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على
الوجه الأكمل والأتم، ولما كانت رسالة الإسلام قائمة أسسها على الأخلاق
(وإنك لعلى خلق عظيم) فإن الحاجة تغدو أكثر إلحاحاً إلى العودة إلى
الأخلاق مع كثافة حجب الحياة المادية التي يشهدها العالم اليوم .
يرى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام
السلطنة أنه لا تمكن التفرقة بين الاجتماع والأخلاق في الإسلام ويقول
سماحته :(إن الأخلاق هي أسس الاجتماع بل أستطيع الجزم بأن العنصر الخلقي
لا يعدم في أي جزء من التشريع القرآني والنبي صلى الله عليه وسلم قد
حدد الغاية من رسالته في قوله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والله
تعالى عندما أثنى عليه صلى الله عليه وسلم وصفه بالخلق العظيم حيث
قال فيه :(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وما أجل هذا الوصف وأعظم
هذا الثناء وأفخم هذا الشرف الذي ألبسه الله تعالى عبده ورسوله صلى
الله عليه وسلم ليبقى متلوا على لسان الدهر ما بقي الزمن، وأهم ما
نستفيده من هذه الآية ومن ذلك الحديث أهمية الأخلاق في الإسلام، وإذا
تدبرنا آي القرآن وجدناها تهدف إلى بناء صرح الأمة الإسلامية على أسس
متينة من الأخلاق ودعائم ثابتة من الاجتماع ولذلك كان العنصر الخلقي
ملموسا في كل جزئية من جزئيات تشريعه، وبالإجمال فإن القرآن الكريم
جاء حاضا على مكارم الأخلاق وداعيا إليها فهو يدعو إلى الصدق والأمانة
والوفاء والكرم والعفاف والتواضع من غير ذل والترفع من غير استكبار
وتجنب كل إساءة إلى الغير سواء أكانت باللسان أم اليد أم إشارة العين
والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أجدر الناس بأن يتجسد فيه الخلق
القرآني لأن الله تعالى اصطفاه من بين خلقه بإنزال القرآن عليه ليبلغه
الناس بلسانه وليترجم بفعله ومن ثم كان كما وصفته الصديقة ابنة الصديق
أم المؤمنين عائشة رضي الله عن أبيها وعنها في قولتها التاريخية الصادقة
عندما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت" كان خلقه القرآن
الكريم" وبما أن الإنسان مدني بطبعه اجتماعيا بفطرته تتداخل مصالح
بني جنسه وتتشابك معاملاتهم كان ميزان التعامل السليم فيما بينهم الخلق
الفاضل).
وللأخلاق الفاضلة منزلة رفيعة في ولها ارتباط قوي بقوة الإيمان وحسنه،
وتدين المرء وتمسكه بالشريعة، ولها أعظم الأثر في قوة الأمة ووحدة
صفوفها ولأن الأخلاق يمكن اكتسابها، ولا ريب أن أثقل ما على الطبيعة
البشرية تغيير الأخلاق التي طبعت عليها النفس، إلا أن ذلك ليس متعذرًا
ولا مستحيلاً، بل إن هناك أسبابًا، ووسائل يستطيع الإنسان من خلالها
أن يكتسب حسن الخلق.
ومن ذلك ما يلي:
1ـ سلامة العقيدة: فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر ومعتقد،
وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد،
فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا؛ فإذا
صحت العقيدة؛ حسنت الأخلاق تبعًا لذلك؛ فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها
على مكارم الأخلاق، كما أنها تردعه عن مساوئ الأخلاق.
2ـ الدعاء: فيلجأ إلى ربه، ليرزقه حسن الخلق، ويصرف عنه سيئه، والنبي
صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعاء الاستفتاح: (...اهْدِنِي لِأَحْسَنِ
الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي
سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ...). وكان
يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ
وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ).
3ـ المجاهدة: فالخلق الحسن نوع من الهداية يحصل عليه المرء بالمجاهدة،
قال عز وجل: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
والمجاهدة لا تعني أن يجاهد المرء نفسه مرة، أو مرتين، أو أكثر، بل
تعني أن يجاهد نفسه حتى يموت؛ ذلك أن المجاهدة عبادة، والله يقول:
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) .
4ـ المحاسبة: وذلك بنقد النفس إذا ارتكبت أخلاقًا ذميمة، وحملها على
ألا تعود إليها مرة أخرى، مع أخذها بمبدأ الثواب، فإذا أحسنت أراحها،
وأرسلها على سجيتها بعض الوقت في المباح. وإذا أساءت وقصرت أخذها بالحزم
والجد، وحرمها من بعض ما تريد.
5ـ التفكر في الآثار المترتبة على حسن الخلق: فإن معرفة ثمرات الأشياء،
واستحضار حسن عواقبها؛ من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتمثلها، والسعي
إليها. والمرء إذا رغب في مكارم الأخلاق، وأدرك أنها من أولى ما اكتسبته
النفوس، وأجل غنيمة غنمها الموفقون؛ سهل عليه نيليها واكتسابها.
6ـ النظر في عواقب سوء الخلق: وذلك بتأمل ما يجلبه سوء الخلق من الأسف
الدائم، والهم الملازم، والحسرة والندامة، والبغضة في قلوب الخلق؛
فذلك يدعو المرء إلى أن يقصر عن مساوئ الأخلاق، وينبعث إلى محاسنها.
7ـ الحذر من اليأس من إصلاح النفس: فهناك من إذا ابتلى بمساوئ الأخلاق
وحاول التخلص من عيوبه فلم يفلح؛ أيس من إصلاح نفسه، وترك المحاولة،
وهذا الأمر لا يحسن بالمسلم، ولا يليق به؛ بل ينبغي له أن يقوي إرادته،
وأن يسعى لتكميل نفسه، وأن يجدَّ في تلافي عيوبه؛ فكم من الناس من
تبدلت حاله، وسمت نفسه، وقلت عيوبه بسبب مجاهدته، وسعيه، وجده، ومغالبته
لطبعه.
8ـ علو الهمة: فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن
الدنايا ومحقرات الأمور. والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن
مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات
الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد، قال أحد العلماء :(فمن علت
همته، وخشعت نفسه؛ اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه؛ اتصف
بكل خلق رذيل).
وقال: (فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها،
وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما
يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش،
ولا بالسرقة ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل. والنفوس المهينة
الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك). فإذا توفر المرء على اقتناء الفضائل،
وألزم نفسه على التخلق بالمحاسن، ولم يرض من منقبة إلا أن الأخلاق
في الشريعة السمحة لا تقوم على نظريات مذهبية، ولا مصالح فردية، ولا
عوامل بيئية تتبدل وتتلون تبعا لها، وإنما هي فيض من ينبوع الإيمان
يشع نورها داخل النفس وخارجها، فليست الأخلاق فضائل منفصلة، وإنما
هي حلقات متصلة في سلسلة واحدة، عقيدته أخلاق، وشريعته أخلاق ، لا
يخرق المسلم إحداها إلا أحدث خرقا في إيمانه .. يقول الرسول صلى الله
عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر
حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن "
وسئل صلى الله عليه وسلم : أيكذب المؤمن ؟ قال: (لا) ثم تلا قوله تعالى
: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ
اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) .
فالأخلاق دليل الإسلام وترجمته العملية ، وكلما كان الإيمان قوياً
أثمر خلقا قوياً.
كما أن الأخلاق في الإسلام ليست لونا من الترف يمكن الاستغناء عنه
عند اختلاف البيئة ، وليست ثوبًا يرتديه الإنسان لموقف ثم ينزعه متى
يشاء ، بل إنها ثوابت شأنها شأن الأفلاك والمدارات التي تتحرك فيها
الكواكب لا تتغير بتغير الزمان لأنها الفطرة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)
مقاييس الأخلاق في القرآن
وحول مقاييس الأخلاق في القرآن يقول سماحة الشيخ المفتي : (مقاييس
الأخلاق في القرآن، وفي سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ليست
نابتة من التراب وإنما هي نازلة من السماء فلا تستخرج من بيئات الناس
فالبيئات كثيرا ما تتأثر وتتعفن وقد تستحسن بيئة ما تستقبحه أخرى،
وأفكار الناس كثيرا ما تتأثر بطبع البيئة وما يدور فيها، وإذا كان
الإسلام قد أبقى بعض العادات التي كان عليها أهل الجاهلية فإن ذلك
لا يعود إلى استحسان الجاهلية وإنما يعود إلى استحسان الحسن بقطع النظر
عمن يتلبس به من الناس، ومدار الأخلاق والاجتماع في الإسلام على الطهارة
فهو يدعو إلى طهارة الضمير وطهارة الفكر وطهارة الوجدان وطهارة اللسان
وطهارة واقع الحياة ومن هنا نرى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
تحرص على طهارة المسلم في نفسه وطهارة صلته بالآخرين وقد أحاط الإسلام
الأسرة المسلمة بسياج يمنع تسرب أي تلوث إليها).
التزكية جسر إلى الأخلاق الفاضلة
أقسم المولى عز وجل بالنفس (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها،
قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها) ، تزكية النفس تتألف من شقين:
تخلية وتحلية وهي تخلُّقٌ وتحقُّقٌ وتطهيرٌ، وعلى هذا فمعرفة زكاة
النفس وسيلة من وسائل تزكيتها لأنه بلا معرفة لا تتم التزكية، فالعلم
يسبق العمل عادة، فكثيراً ما تكون الوسائل غايات، والغايات وسائل،
من خلال نوعٍ من النظر.
دلالات الخلق النبوي العظيم
من أعظم ما وصف الله به نبيه عليه السلام قوله
( وإنك لعلى خلق عظيم ) وفي ذلك يقول المفكر الإسلامي سيد قطب :( تتجاوب
أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم؛ ويثبت هذا الثناء
العلوي في صميم الوجود! ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور، عن وصف قيمة
هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله،
لعبد الله، يقول له فيها: (وإنك لعلى خلق عظيم). ومدلول الخلق العظيم
هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين!
ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تبرز
من نواح شتى: تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير
الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله.
وتبرز من جانب آخر، من جانب إطاقة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتلقيها.
وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة. ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة
كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة،
التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين.
إن إطاقة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتلقي هذه الكلمة، من هذا المصدر،
وهو ثابت، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ـ ولو أنها ثناء ـ ولا تتأرجح
شخصيته تحت وقعها وتضطرب.. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن..
وهو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.
ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة، وعلى لسان
أصحابه روايات منوعة كثيرة. وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي
عنه. ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر. أعظم بصدورها عن
العلي الكبير. وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير،
وبقائه بعدها ثابتاً راسخاً مطمئناً. لا يتكبر على العباد، ولا ينتفخ،
ولا يتعاظم، وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير!
والله أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلا محمد ـ صلى الله عليه وسلم
ـ بعظمة نفسه هذه ـ من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية
الكبرى. فيكون كفوا لها، كما يكون صورة حية منها.
إن هذه الرسالة من الكمال والجمال، والعظمة والشمول، والصدق والحق،
بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه الله هذا الثناء. فتطيق شخصيته
كذلك تلقي هذا الثناء. في تماسك وفي توازن، وفي طمأنينة. طمأنينة القلب
الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم. ثم يتلقى
ـ بعد ذلك ـ عتاب ربه له ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته، بذات التماسك
وذات التوازن وذات الطمأنينة. ويعلن هذه كما يعلن تلك، لا يكتم من
هذه شيئاً ولا تلك.. وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم. والعبد
الطائع. والمبلغ الأمين.
إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة. وإن عظمة هذه النفس من عظمة
هذه الرسالة. وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى
أي مجهر يملكه بشر. وقصارى ما يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة
أن يراها ولا يحدد مداها. وأن يشير إلى مسارها الكوني دون أن يحدد
هذا المسار!).
ثم يبدي سيد قطب إعجابه قائلاً : (مرة أخرى أجد نفسي مشدوداً للوقوف
إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه
الكلمة من ربه، وهو ثابت راسخ متوازن مطمئن الكيان.. لقد كان ـ وهو
بشر ـ يثني على أحد أصحابه، فيهتز كيان صاحبه هذا وأصحابه من وقع هذا
الثناء العظيم. وهو بشر وصاحبه يعلم أنه بشر. وأصحابه يدركون أنه بشر.
إنه نبي نعم. ولكن في الدائرة المعلومة الحدود. دائرة البشرية ذات
الحدود.. فأما هو فيتلقى هذه الكلمة من الله. وهو يعلم من هو الله.
هو بخاصة يعلم من هو الله! هو يعلم منه ما لا يعلمه سواه..
ثم يصطبر ويتماسك ويتلقى ويسير.. إنه أمر فوق كل تصور وفوق كل تقدير!!!
إنه محمد ـ وحده ـ هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة.. إنه محمد
ـ وحده ـ هو الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفخة الله في
الكيان الإنساني. إنه محمد ـ وحده ـ هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية
العالمية الإنسانية؛ حتى لتتمثل في شخصه حية، تمشي على الأرض في إهاب
إنسان.. إنه محمد ـ وحده الذي علم الله منه أنه أهل لهذا المقام. والله
أعلم حيث يجعل رسالته ـ وأعلن في هذه أنه على خلق عظيم. وأعلن في الأخرى
أنه ـ جل شأنه وتقدست ذاته وصفاته، يصلي عليه هو وملائكته (إن الله
وملائكـته يصلون على النبي) وهو ـ جل شأنه ـ وحده القادر على أن يهب
عبداً من عباده ذلك الفضل العظيم..
ثم إن لهذه اللفتة دلالتها على تمجيد العنصر الأخلاقي في ميزان الله؛
وأصالة هذا العنصر في الحقيقة الإسلامية كأصالة الحقيقة المحمدية).
المراجع
- الاجتماع والأخلاق في الإسلام - سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
- في ظلال القرآن ـ سيد قطب
- الأسباب المفيدة في اكتساب الأخلاق الحميدة '- محمد بن إبراهيم الزلفي
أعلى
ركن الطفل المسلم
دعوات مستجابات
حسبنا الله ونعم الوكيل
ناصر عبد الفتاح
انطلق أهل بابل إلى الغابات الممتدة في أرجاء العراق واقتلعوا الأشجار
الضخمة ثم نقلوها إلى الأرض الفسيحة التي ستشهد نهاية محطم أوثانهم.
انهمك القوم في تهيئة الساحة تدفعهم روح الانتقام ممن سب آلهتهم وحطم
أصنامهم ودعا إلى عبادة الله.
وقف آزر بين الجموع وتذكر يوم رآه ابنه إبراهيم ينحت صنما وسأله متعجبا:
لماذا تصنع تلك التماثيل يا أبي؟
ولم يكتف إبراهيم بذلك بل أبدى تعجبه منه لأنه يطلق على التماثيل التي
ينحتها بيديه آلهة وتعجب أكثر حين رأى الناس يتزاحمون على بضاعة أبيه
ويتهافتون على شرائها ورأى بعضهم يضعون تلك الأصنام في بيوتهم ويقفون
أمامها خاشعين ويتوسلون إليها ثم يسجدون لها وبعضهم يضعون أمامها الأطعمة
والأشربة لعدة ساعات ثم يأخذونها وقد ظنوا أن الآلهة باركتها.
وكانت صدمة كبيرة لآزر حين أخبره ابنه أن الله أوحى إليه واختاره نبيا
وأمره أن يدعو قومه إلى الإيمان بالله وينهاهم عن عبادة الأصنام.
همس آزر لنفسه:
لقد حذرته كثيرا ونصحته لكنه لم يستمع إلى وقال:
((..يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا
يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ
مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ))
ووصل بإبراهيم الأمر أن حذرني قائلا:
(( يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا )).
لكنني غضبت منه وخاصمته وهددته بالرجم فقال لي:
((سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي
حَفِيًّا)).
وتركني ولدي إبراهيم وانصرف إلى أهل بابل كي يدعوهم إلى الدين الجديد
لكن القوم لم يستجيبوا له وغضبوا منه لأنه فارق دين آبائه وأجداده
وهددوه بالرجم وانتهى به الأمر إلى ذلك المصير المؤلم.
لكن لماذا يعد أهل بابل تلك النيران الضخمة لإبراهيم؟!
لقد رفض نبي الله إبراهيم عليه السلام الذهاب إلى معبد قومه في يوم
عيدهم وانتظر حتى انتهى القوم من زيارة الأصنام وعادوا إلى بيوتهم
.. تسلل إبراهيم إلى المعبد ودخل قاعة الأصنام فرأى كثيرا من الأطعمة
أمام أقدامها.
نظر إبراهيم بغيظ إلى وجوه الأصنام القبيحة وحمل بعض الطعام وقربه
من أفواهها وصاح:
ألا تأكلون ؟! ما لكم لا تنطقون ؟!
اشتد غيظ إبراهيم لأن قومه أشركوا بالله وعبدوا تلك الأحجار العاجزة
وفي الحال قرر أن يثبت لقومه أن آلهتهم عاجزة عن حماية نفسها.
أحضر إبراهيم فأسا وانقض بها على الأصنام فحطمها ولم يترك منها سوى
الصنم الضخم الواقف في نهاية القاعة.
علق إبراهيم الفأس في رقبة ذلك الصنم وانصرف عائدا إلى بيته.
وفي المساء.. عاد القوم إلى معبدهم كي يأخذوا أطعمتهم ظنا بأن الأصنام
باركتها ولما دخلوا إلى القاعة الكبرى أصابتهم صدمة كبيرة وتساءلوا:
(من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين)
صاح بعض الحاضرين:
سمعنا فتى يسب آلهتنا ويصفها بأنها عاجزة لا تنفع ولا تضر.
تساءل القوم:
من هو؟
قال رجل : إبراهيم بن آزر.
أمسك القوم بإبراهيم وسألوه :
( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم )
أشار إبراهيم إلى الصنم الضخم وقال :
( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون )
نظر القوم إلى الأرض خجلا وقالوا:
أنت تعلم أن آلهتنا لا تنطق.
قال إبراهيم: أفتعبدون أصناما لا تنفعكم ولا تضركم أفلا تعقلون؟!
صاح القوم: احرقوا إبراهيم وانتقموا لآلهتكم.
أعد القوم أرضا واسعة وبنوا حولها سورا عاليا وانطلقوا إلى الغابات
فجمعوا حطبا كثيرا وألقوه في الأرض ثم أشعلوا النيران في الحطب.. قيد
القوم إبراهيم واستعدوا لإلقائه في النار.
لجأ نبي الله إبراهيم عليه السلام إلى ربه ودعاه:
لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك.
اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك.
حمل القوم إبراهيم وتقدموا ليلقوه في النار فدعا الله قائلا:
"حسبنا الله ونعم الوكيل".
وفي الحال أمر الله تعالى النار المتأججة أن تصير كالهواء البارد اللطيف
فقال:
( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم )
وصار إبراهيم عليه السلام جالسا داخل النار دون أن يشعر بألم وأراد
الله تعالى أن يؤنسه في وحدته فأرسل إليه جبريل عليه السلام.
مرت أيام وأيقن القوم أن النار التهمت إبراهيم وانتهى أمره لكنهم لم
يصدقوا أعينهم عندما خمدت النيران ورأوا نبي الله إبراهيم سليما لم
يمسسه أذى.
آمن عدد قليل من أهل بابل بالله تعالى واتبعوا نبي الله إبراهيم عليه
السلام بينما استمر كثير من القوم على عنادهم وكفرهم.
الجنة والنار
لقد خلق الله الخلق لتنفذ فيهم قدرته وتجري عليهم أحكامه الشرعية والقدرية
، قال تعالى (( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير )) الأنعام:18
خلق الكون بالحق ليطاع جل وعلا ويعمر الكون بالصلاح والإصلاح وجعل
للمكلفين مشيئة واختيارا أناط به التكليف ولا يخرج العبد بتلك المشيئة
عن قدرة الله ومشيئته ، فمن وافق مراد الله المحبوب له وعمل بالحق
الذي لأجله خلق الكون وأطاع ربه جزاه الله الجزاء الحسن في الدنيا
وفي الآخرة كما قال تعالى: (( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن
فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )) النحل:97
ومن ضاد مراد الله المحبوب له وعارض شريعة الإسلام وعصى ربه عاقبه
الله في الدنيا والآخرة ، قال عز وجل: (( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا
يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى
)) طه:123،
وأعمال العباد محصاة عليهم صغيرها وكبيرها ليجازوا عليها كما قال عز
من قائل سبحانه (( ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا
بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى )) النجم:31 فالجزاء الحقيقي
الدائم في الآخرة وأما في الدنيا وإن كان فيها جزاء على الخير أو على
الشر فإنه جزاء قليل وجزاء منقطع تنقضي أيامه وتسرع ساعاته حتى إن
عمر الدنيا كلها يراه العصاة مقدار ساعة من نهار كما قال تبارك وتعالى:
(( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون
)) الروم:55 ولكن الجزاء الأبدي السرمدي الذي لا ينقطع في الآخرة ؛
إما دار نعيم وإما دار جحيم.
والجزاء بالجنة على الأعمال الصالحة والعقاب بالنار على الأعمال الشريرة
في غاية المناسبة والمجانسة، فإن الجزاء من جنس العمل، فلما كانت الأعمال
الصالحة تتنوع في حقائقها ومنافعها كان نعيم الجنة منوعا في حقائقه
ومنافعه وطعومه ولذاته، ولما علم الله منهم العزم والتصميم والإرادة
الجازمة على دوام عبادة الله وطاعته أدام الله عليهم النعيم المقيم
كما قال تبارك وتعالى: (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم
جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا )) الكهف:107، 108
ولما كانت الأعمال الشريرة تتنوع في حقائقها المرة ومضارها وخبثها
وشرورها كان عذاب النار منوعا في شدته وألمه ومرارته بحسب الأعمال
ولما علم الله أن أهل النار دائمو العزم والإرادة على الكفر والمعاصي
وأنهم إن ردوا إلى الدنيا عادوا إلى الكفر والعصيان ، لما علم الله
منهم ذلك أدام عليهم العذاب الأليم ، قال تبارك وتعالى: (( ولو ترى
إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون
من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما
نهوا عنه وإنهم لكاذبون )) الأنعام:27، 28
إن أصفى ساعات المسلم وأفضلها وأرقى درجاته أن يستولي على قلبه الطمع
في الجنة والخوف من النار، وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يغلب
على قلوبهم الخوف من النار والطمع في الجنة في كل حال من الأحوال ،
فصلحت أعمالهم واستقامت لهم أمورهم فعمير بن الحمام رضي الله عنه لما
قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة بدر ( قوموا إلى جنة عرضها
السموات والأرض ) كان في يده تمرات ، فرمى بهن وقال: لئن بقيت حتى
آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، فقاتل حتى استشهد رضي الله عنه
وأنس بن النضر رضي الله عنه قال: إني لأجد ريح الجنة من دون أحد ،
وذلك في غزوة أحد ، فاستشهد رضي الله تعالى عنه
والكلام عنهم في هذا يطول ، ونحن بحاجة إلى ذكر الجنة والنار في قلوبنا
ونوادينا وفي ليلنا ونهارنا لتستقيم أحوالنا وتصلح أعمالنا ولا سيما
في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وتظاهرت الفتن وانتشرت وقل الناصح
وضعف الإيمان وتزينت الدنيا بزخرفها وزهرتها وأثقلت الكواهل بكثرة
مطالبها وأرهقت الأعصاب بتشعب حاجاتها ، حتى صار التحاب من أجلها والتباغض
من أجلها والتواصل لها والتقاطع لها إلا من شاء الله تعالى ، فكانت
أكبر ما يصد عن الآخرة ، قال الله تعالى: (( إن الذين لا يرجون لقاءنا
ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك
مأواهم النار بما كانوا يكسبون )) يونس:7، 8
الطمع في الجنة قائد والخوف من النار زاجر وسائق الجنة حق أن يطلبها
المسلم جهده ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ( ألا هل مشمر
للجنة ، فإن الجنة لا خطر لها ، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة
تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة
ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية
بهية ) قالوا: نعم يا رسول الله ، نحن المشمرون لها ، قال: ( قولوا:
إن شاء الله ) فقال القوم: إن شاء الله. رواه ابن ماجه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ( بناء الجنة لبنة
ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك وهو ما يكون بين اللبن وحصباؤها اللؤلؤ
والياقوت وترابها الزعفران ومن يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت
ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه) وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه
عن النبي قال: ( إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ،
طولها في السماء ستون ميلا ، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن
، فلا يرى بعضهم بعضا ) رواه البخاري ومسلم وأما شرابهم فكما قال الرب
جل وعلا: (( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن
وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من
عسل مصفى )) محمد:15
وأما النار وما أدراك ما النار فلا أريد الحديث عنها وأكتفى بأن أقول
أنها مثوى الأشرار ومكان الخبث والذلة والخزي والصغار ، بعيدة القعر
، لو أن الحجر يلقى من شفيرها ما أدرك لها قعرا سبعين خريفا. رواه
مسلم
والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
الهمسة الثامنة
أين أثرك؟
أختي الطالبة: كل من سار على هذه الأرض ترك أثرا وعلامة تدل على مروره
عليها، فإن سرت على الرمال بدت آثار قدمك. فأين أثرك؟! لك سنوات تتعلمين
العلم فأين أثر علمك؟ قضيت سنوات عمرك في دراسة، ومعدل ما تقضينه في
المدرسة خلال اسبوع 35 ساعة تقريبا، فأين أثرك في ساعة من ساعاتها؟
ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لمجتمعك؟ ماذا قدمت لأخواتك من نصيحة؟
ماذا عملت بعلمك الذي تتعليمنه؟! أختي إن اقل ما يمكن تقديمه هو إحياء
سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها واقعاً تمثلينه في حياتك، شعارك
(من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).
وإليك بعضا منها:
1ـ البدء بالسلام بقول (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
2ـ إماطة الأذى عن الطريق (صدقة) وذلك بعدم رميه إلا في المكان المخصص
3ـ الابتسامة فهي أسرع وسيلة تمتلكين بها القلوب (تبسمك في وجه أخيك
صدقة).
4ـ تشميت العاطس بقول: (يرحمك الله).
5 ـ نصيحة تقدمينها لمن تغش في الامتحان (من غشنا فليس منا).
6ـ مناداة الأخوات بأحب الأسماء إليهن (المسلم من سلم المسلمون من
لسانه ويده).
7ـ تقديم العون والمساعدة للزميلات ـ شرح درس ـ (والله في عون العبد
ما دام العبد في عون أخيه).
8ـ استغلال حصة الاحتياط في النافع المفيد (من حسن إسلام المرء تركه
مالا يعنيه) أي لا يفيده في الدنيا والآخرة ولا يعود عليه بالنفع،
وزميلاتك يعنيك أمرهن وأمر إصلاحهن، فأنت وإياهن تمثلن سفينة المجتمع،
ويا حبذا لو تم استغلال هذه الحصة في النقاش الهادف والمسابقات الثقافية
أوحل الواجبات أو تقديم نصيحة للطالبات والتعرف على مشاكلهن والاستعانة
بذوي الخبرة من المعلمات لإيجاد الحلول المناسبة.
9ـ الهدية بهدف كسب القلوب نحو الخير (تهادوا تحابوا).
10ـ المشاركة في الانشطة المدرسية سواء في الاذاعة بالقاء المواضيع
الهادفة أم الصحافة بعمل لوحات تضم الحكمة والقصة الهادفة والكلمة
الباقية.
11ـ التخلق بالأخلاق الفاضلة لتكوني قدوة في الالتزام بآداب الإسلام
في اللباس والكلام والصمت (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا).
وهنيئالك أختي هذا الأثر الذي يشهد لك يوم القيامة.
عبير بنت سعيد بن ناصر الخصيبي
واعظة بقسم الإرشاد النسوي وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
أعلى
الإنسان يولد على الفطرة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإنسان
يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
هذا الحديث النبوي الشريف درسناه في المدرسة واستوعبناه جيدا، ولكن
هل يا ترى ترسخ في أعماقنا أم اننا نسيناه بمجرد انتهاء السنة الدراسية؟
هذا الحديث النبوي الشريف يجعلنا نغير نظرتنا في غير المسلمين، فلو
أنا عشنا في نفس بيئتهم لكنا تربينا ونشأنا نفس نشأتهم، فينبغي علينا
أن ندعوهم إلى الإسلام علهم يصححوا طريقهم بعدما يتبينوا الحق.
فكم من يهودي أو نصراني أو ملحدٍ علماني عاد إلى الفطرة التي فطرها
الله عليه وأعلن اعتناقه للإسلام، الآلاف طبعاً من هؤلاء صحح طريقه
بعدما انحرف بسبب البيئة التي كان يعيش فيها، ولكن إذا درسنا حياة
هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً سنجدهم قد خدموا الإسلام أكثر
منا، فالمسلمون الجدد يخدمون الإسلام أكثر من المسلمين الذين توارثوه
أباً عن جد.
فهناك عشرون ألف أميركي يدخلون في الإسلام سنوياً، وآلاف أخرى في ألمانيا
وفرنسا وكثير من دول العالم، ومن حسن حظ الإسلام أن يكون معظم من يعتنقونه
حديثاً هم من الفئة المثقفة، ومن فئة العلماء، وهم يكونون واعين أكثر
من غيرهم بصدق هذا الدين، وبضرورة نشره لكي يكون سبباً لخلاص الإنسان
من آلامه النفسية، وربما السبب الذي أدى بهؤلاء إلى نشر الدعوة الإسلامية،
وبعضهم كرس حياته كلها بعد اعتناق الإسلام إلى الدعوة لله تعالى، والسبب
طبعاً أنهم ذاقوا طعم الإيمان وأحسوا بحلاوته بعد مرارة الإلحاد أو
تحريف الأديان التي اعتنقوها من قبل.
إحساسهم بحلاوة الإيمان جعلهم يتمنون أن يتذوقه كل من لم يتذوقه من
قبل. وهؤلاء المسلمون الجدد لديهم طرق عجيبة في الإقناع إلى دين الإسلام،
فهذا الداعية الشيخ خالد ياسين الأميركي الذي اعتنق الإسلام منذ عام
1965م ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن لا يزال يدعو إلى دين الحق، فقد
أنشأ مؤسسة للدعوة إلى الدين الإسلامي، وقد اعتنق الإسلام على يديه
أكثر من ستة آلاف شخص حول العالم، إذا نظرنا إلى أسلوبه الدعوي سنظن
أنه يعلم أطفال عن الدين الإسلامي، ولكن هذا في نظرنا نحن لأنا نعرف
عن ديننا أكثر مما يرويه لهؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً عن الدين الإسلامي
ولذلك نرى أن أسلوبه غريب علينا، وربما لذلك نجح في إدخال هذا الكم
الهائل في ديننا الحنيف.
وقد اعتبر البعض أن هؤلاء الدعاة أصبحوا موضة لم ترق لهم، فكيف لكل
من يعتنق الإسلام أن يكون داعية، ولكني أقول لهؤلاء الذين لم ترق لهم
هذه الفكرة، أن الدعوة لله تعالى واجبة على كل مسلم ومسلمة، ولا يجب
أن يكون الداعية عالمٌ فقيهٌ بكل تعاليم الدين الإسلامي، وإذا اهتدى
أحد على يديه فإنه باستطاعته أن يرسله إلى عالم دين يفقهه الدين الإسلامي
وكيفية أدائه للعبادات.
وها هو الداعية يوسف أستيس الذي أراد أن يقنع مسلماً بالنصرانية فإذا
بالمسلم هو الذي يقنعه بالإسلام، وأيضا يوسف إسلام (المغني كات ستيفنز
سابقا) الذي دعا ربه عندما كاد أن يغرق يوماً.
في البحر أن إذا نجيتني يا رب سأخدم دينك الحق، وأنجاه الله ووفى بوعده
بعدما عرف الدين الحق، واعتنقه. وغيرهم كثيرون.
المسلمون الجدد يتفوقون علينا في طرق الإقناع لديننا الذي ورثناه عن
أبائنا وتعلمنا عنه الكثير منذ نعومة أظافرنا وحتى أصبحنا مسؤولون
عن أنفسنا؛ بمعنى أن مسؤولية استمرارنا في تنفيذ تعاليم هذا الدين
وترسيخه في أنفسنا أصبحت مسؤوليتنا نحن بعد أن انتهت مسؤولية الأهل
والمدرسة.
ولكن لنسأل أنفسنا ماذا فعلنا لكي نرسخ هذا الدين في أعماقنا، ولننظر
إليه على أنه دين جديد علينا، يجب أن نعرف عنه كل كبيرة وصغيرة بعيداً
عن الدين الذي تعلمناه في المدرسة ومن الأهل، بمعنى فلنحاول أن نكتشف
الدين من جديد ليرسخ بطريقة أخرى غير الطريقة التي رسخ بها من قبل
بالورث عن الآباء.
ولكي نكتشفه من جديد يجب أن نقرأه من الكتب الدينية والتي تختلف عن
كتب المدرسة التي درسنا الدين منها، وقد تختلف عما تعلمناه من آبائنا
في كيفية أداء الصلوات والعبادات الأخرى، فمعظم الآباء لم ينالوا قسطاً
كافياً من التعليم وربما قد تعلموا بعض الأخطاء في تأدية العبادات
ويجب علينا نحن أن نصححها لهم ونعلمها لأبنائنا إن تيقنا من الطريقة
المثلى لتأديتها كما كان يؤديها رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام،
وربما نكون قد تعلمنا الدين بطريقة صحيحة ولكنا نسينا بعضاً مما تعلمناه،
فالإنسان مهما حصل على شهادات ومهما بلغ من علم إلا أنه يظل يحتاج
للتعلم إلى آخر لحظة في حياته.
ولنسأل أنفسنا أيضا ماذا فعلنا لخدمة هذا الدين؟ وإذا كانت الدعوة
إلى الله تعالى واجبة على كل مسلم ومسلمة، وتيقن من هذا الواجب المسلمين
الجدد فهل تيقنتها أنفسنا؟
أقل ما يمكن فعله لخدمة هذا الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والالتزام بتعاليم هذا الدين في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، فلا يمكن
فصل الدين عن الحياة، فالدين ينظم كل حياتنا فكيف نفصله عنها؟ وإيمان
الإنسان يجعله يتحرى كل خطوة يخطوها في حياته إن كانت متناسبة مع الفطرة
أم لا، ولا يعرف ذلك إلا بالرجوع لحكم الله فيها، فالله تعالى هو خالقنا
وهو أدرى بما ينفعنا وبما يضرنا، عالمٌ بأنفسنا أكثر من علمنا نحن
بها، إذن أفلا يجب أن نتبعه؟
اكتشافنا للدين من جديد سيجعلنا أكثر إيماناً ويقيناً، وسيجعلنا ندعو
من حولنا، وسيجعل أداء العبادات راحة للنفس لا واجب ثقيل عليها، سيجعلنا
نؤدي العبادات بكل طيب خاطر، وسيكون الذهاب للمسجد شيئا رائعا تتوق
له النفس عند كل صلاة، يعني عندما نكتشف الدين من جديد ستتلون حياتنا
بألوان رائعة جذابة، وسنهنأ في حياتنا براحة النفس والضمير، فلتجربوا
نصيحتي ولتبدؤوا باكتشاف دينكم من جديد؛ لكي تتذوقوا حلاوة الإيمان
كما تذوقها المسلمون الجدد الذين تعلموا الدين من القرآن الكريم ومن
الكتب.
عزة بنت محمد الكمياني
azza2002@live.com
أعلى
النيرات المنيرات
ريحانة وريطة وزائدة
ريحانة
هي ريحانة بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عمة عثمان
بن عفان أمها: أم الحكم والمغيرة, وهي: رقية بنت الحارث بن كعب بن
مخزوم.
تزوجت ريحانة من: عثمان بن بشر بن عبد دهمان بن عبدالله الثقفي. فأنجبت
له محمدا وسلمى.
وقد كان عثمان من خيار الصحاب ولاه النبي صلى الله عليه وسلم الطائف
كما قام بغزو فارس وكذا ثلاثة من بلاد الهند. وله فتوح وينسب شط عثمان
بالبصرة اليه.
أما أمه فهي: صفية بنت أمية بن عبد شمس.
هذا وقد ذكرت ريحانة في كتب الأنساب ولم تذكرها كتب الطبقات. فإذا
كانت على قيد الحياة حين تم فتح مكة فهي صحابية.
ريطة
هي ريطة بنت أبي أمية بن عبدالله بن عمر بن مخزوم (أخت أم سلمة رضي
الله عنها ذكرها ابن حجر: وذكر أنها كانت زوج صهيب بن سنان بن مالك
بن عبد ابن عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة من بني سعد بن خزيمة بن
زيد مناة, وأمه من بني مالك بن تميم وكان قد سباه الروم وهو صغير وكان
أبوه وعمه على الأبلة من جهة كسرى ومنازلهم على دجلة من جهة الموصل
ثم اشتراه رجل من كلب فباعه لابن جدعان وقيل هرب من الروم الى مكة
فحالف ابن جدعان, وقد ذكر البلاذري أن صهيبا كان مولى لعبدالله بن
جدعان كما ذكرها البلاذري قائلا: (.. ويقال بل هي ابنة أبي ربيعة بن
المغيرة ابنة عم أبي سلمة) وصهيب هو صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم
وله في المدينة عقب كثير. والمعروف أن صهيبا كان من السابقين الى الاسلام
فأسلم هو وعمار بن ياسر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم
شهر بدر والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي سنة 38 أو
39 هـ , فقد تكون ريطة لذلك من المهاجرات الى المدينة.
ريطة بنت الحارث
هي ريطة بنت الحارث بن جبيلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة
(ويقال) رائطة أمها: زينب بنت عبدالله بن ساعدة الخزاعية.
أسلمت ريطة قديما بمكة وبايعت وهاجرت الى الحبشة الهجرة الثانية مع
زوجها الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب التيمي, فأنجبت له في
الحبشة موسى وعائشة وزينب وفاطمة. ثم توفيت ريطة وأبناؤها كلهم ـ عدا
فاطمة ـ وذلك من أثر ماء شربوه في طريق عودتهم للمدينة.
هذا وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن خالد من: بنت عبد
بن هاشم بن عبد المطلب بن مناف.
ريطة بنت عبدالله
هي ريطة بنت عبدالله بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم واسم عبدالله
كان عبد شمس سماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله وقد كان من المهاجرين
للمدينة قبل فتح مكة فمات بالصفراء ودفنه الرسول صلى الله عليه وسلم
في قميصه.
وقد ذكر ابن حجر أن ابن سعد قد ذكر ريطة في ترجمة والدها وكانت وفاته
سنة اثنين من الهجرة ووضعها في القسم الأول من الصحابة.
ريطة بنت منبه
هي ريطة بنت منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم (وهي)
هند بنت منبه. أم عبدالله بن عمرو بن العاص وأمها: خثعمية. وقد ذكر
ابن الأثير, أن أمها هي: زينب بنت وائل بن هشام ابن سعيد بن سهم. بينما
ذكر مصعب أن أمها بنت معمر بن حبيب. أسلمت ريطة يوم فتح مكة وهي زوج
عمرو بن العاص بن وائل ـ وأم ابنه (عبدالله) كما بايعت النبي صلى الله
عليه وسلم وقد كانت ريطة ضمن نساء قريش اللاتي خرجن مع الكفار يوم
أحد لحرب المسلمين.
وقد كانت ريطة بعد إسلامها (تلطف برسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاها
يوما فقال: (.. كيف أنت يا أم عبدالله) قالت: بخير وعبدالله رجل قد
ترك الدنيا.
وعبدالله بن عمرو بن العاص من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
,روى الحديث عنه, وكان يصوم الدهر ويقوم الليل.
زائدة
هي زائدة (وقيل) زيدة مولاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورد ذكرها
في حديث لعائشة رضي الله عنها ذكرت فيه أنها أقبلت على النبي صلى الله
عليه وسلم وكانت من المجتهدات في العبادة ـ وذكرت له أنها قابلت الخضر
عليه السلام, وقيل: رضوان خازن الجنة, وأنه أقرأها السلام منه للنبي
صلى الله عليه وسلم.. الحديث. وقد ذكر الحديث في فضل النبي صلى الله
عليه وسلم وأمته (وأن الله أعطاك الأمة المرحومة والدعوة المقبولة
وأعطاك نهرا في الجنة) هذا, وقد ذكر ابن حجر نقلا عن الذهبي في الذيل
أن الحديث يظهر أنه موضوع ووافق ابن حجر على ذلك.
إعداد/أم الزبرجد.
أعلى
الشياطين
لقد أرسل الله تعالى نبيه إلى الثقلين الجن
والإنس، فالجن خلق من خلق الله، خلقوا من نار، منهم المؤمنون ومنهم
الكافرون، يفضلون الأماكن الخالية من الناس كالصحراء، ومنهم من يسكن
مع الإنس في البيوت، ومنهم من يسكن المزابل والقمامات؛ لأنهم يأكلون
فضلات طعام الإنس، قال عليه الصلاة والسلام: (لكم كل عظم ذكر اسم الله
عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم).
والشياطين تنفر من البيوت التي يذكر الله فيه ويقرأ القرآن، قال عليه
الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت
الذي يقرأ فيه سورة البقرة) والبيت الذي خرجت منه الملائكة فإن الشياطين
تدخله وتستقر فيه، وقد تؤذي أهله بشتى أنواع الأذية، بالصرع والحزن
والوسوسة، وما من أحد يحب أن يدخل بيته الشياطين وتخرج منه الملائكة،
ولكن هذه هي حال أكثر البيوت اليوم، يقول النبي: (قال لي جبريل: إنا
لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تصاوير) وكم من بيوت المسلمين اليوم لا تدخلها
الملائكة لوجود الكلاب والصور والتماثيل فيها لقد أخبرنا نبينا بأن
الملائكة لا تدخل بيتا فيه جرس، وقال أيضا كما في صحيح مسلم: (الجرس
مزامير الشيطان) والجرس المقصود في الحديث هو الذي يكون على شكل ناقوس
النصارى، وكم من بيوت المسلمين اليوم يوجد فيها ما هو أخطر من الجرس،
كآلات الطرب والموسيقى وغيرها من الأمور التي تطرد الملائكة طردا،
فيحل مكانها الشياطين والعياذ بالله.
فمثل هذه البيوت لا شك أن الشياطين تستولي وتستحوذ على أهلها بدون
أن يشعروا هم بذلك، خاصة إن كانوا من المبذرين، وإن من التبذير تلك
البيوت الفارهة التي تزيد بكثير عن حاجة الإنسان الطبيعية، قال نبينا:
(فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان) بل إن
من المسلمين من لم يكتف بتواجد الشياطين في بيته، فقام بإدخالهم معه
في سيارته، قال نبينا: (ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا
كان ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان) ولعل هذه الأغاني
التي يسمعها الناس في سياراتهم ويرفعون الصوت بها، لعلها هي من أهم
أسباب حوادث السيارات، حيث إنها تزيد من حماس السائق وتجعل فيه قوة
وعدوانية وطيشا، فتكون المحصلة النهائية حادثا مروعا نسأل الله العافية،
ولعل هذا مصداق قول الله تعالى مخاطبا إبليس: في سورة الإسراء:64 (واستفزز
من استطعت منهم بصوتك) فصوته المزامير والمعازف.
واقرأ معي أخي القارئ الكريم هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ويجهله
الكثيرون منا، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم
فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل
فخلوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا
مغلقا، وأوكئوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم
الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم) في هذا الحديث
جملة من الأوامر والآداب التي تعين على إبعاد الشياطين، فمن ذلك حبس
الأطفال ما بين غروب الشمس إلى أذان العشاء؛ والسبب أن للشياطين في
ذلك الوقت خطفة وانتشارا، ومن المؤسف أننا نرى الأطفال يلعبون في الشارع
في هذا الوقت، وربما لبس أحدهم ثيابا عليها تصاوير ورسومات، فيكون
هدفا سهلا لتلبس الشياطين والعياذ بالله.
ولقد أمرنا نبينا بأن نغلق الأبواب وأن نربط القرب وأن نخمر الآنية
مع ذكر اسم الله مع كل تلك الأفعال، فيجب تغطية الآنية ولو بوضع عود
عليها كما جاء في الحديث؛ لأن النبي قال (إن في السنة ليلة ينزل فيها
وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه
من ذلك الوباء) رواه مسلم.
إن الشيطان يحاول جاهدا أن يمنع المسلم من فعل ما يقربه من ربه ويبعده
عن النار، جاء في صحيح البخاري أن النبي قال: (يعقد الشيطان على قافية
رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل
فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى
انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
الروح الرياضية..
الحلقة السادسة
إصلاح المظاهر السلبية والانحرافات الأخلاقية المرتبطة بالرياضة، مثل:
العدوان والعنف والشغب والغرور والفساد السلوكي تقع على كاهل العديد
من الهيئات والمؤسسات واللجان الدولية والوطنية، كما أن كل هيئة أو
مؤسسة أو لجنة عاملة في المجال الرياضي الدولي أو الوطني تتحمل نصيبًا
من هذه المسؤولية المشتركة، وقبل وبعد كل ذلك إرادة الإنسان وسلوكه
وقدراته القيادية لأعصابه وأهوائه، ومما لا شك فيه أن تحديد هذه المسؤوليات
يساعد على الحد من هذه الظواهر السلبية التي تشكل خطورة بالغة على
الرياضة والرياضيين، ويمكن تلخيص أهم الإجراءات والتدابير التي يمكن
بها إصلاح الخلل والفساد الأخلاقي الرياضي، ومكافحة العنف والشغب للمنافسات
الرياضية على النحو التالي:
1ـ الاهتمام بالتربية والتعليم والتدريب للشباب والأطفال: فتقوم التربية
بدور متميز في مكافح العدوان والعنف المرتبطين بالرياضة، وهي تمثل
نوع من العمل الدائم الذي تظهر نتائجه على المدى الطويل، وتعتبر التربية
منذ الطفولة المبكرة من الأمور الهامة في الوسط المدرسي والجماعي،
وفي المنظمات الرياضية وحركات الشباب التي تعمل على تنمية الروح الرياضية؛
لأن غرسها في نفوس الأطفال والفتيان يعتبر أمرًا ضروريًا في كل تربية
تهدف إلى تنمية القدرات الفكرية والجمالية والبدنية للإنسان، وإلى
تعزيز الاستقامة والتضامن والاحترام المتبادل والتفاهم مع الغير.
ومن الضروري أن تحسن المدارس والجماعات استثمار الرياضة، وأن تعترف
بأن الرياضة نشاط تربوي ومادة دراسية من شأنها أن تسهم على قدم المساواة
مع المواد الدراسية الأخرى في تنمية الشخصية للأطفال والشباب، فالرياضة
أساسًا هي تربية عن طريق التعليم والتدريب.
2ـ تشجيع الروح الرياضية: ينبغي توجيه عناية خاصة للروح الرياضية سواء
في مجال تقييم اللاعبين أو المدربين أو الإداريين أو تقييم نتائجها
كما يمكن إدراج الروح الرياضية ضمن معايير التدريب في المنافسة المخصصة
للشباب، كما يمكن تطبيقها أيضـًا على الكبار، كما يمكن إعطاء أولوية
خاصة للبرامج التدريبية الخاصة بأخلاقيات الرياضة.
ومما لاشك فيه أن رصد الحوافز المنافسة لجوائز الروح الرياضية يمكن
أن يسهم في التشجيع على التمسك بهذه الأخلاقيات، كما أن إجراء منافسات
منتظمة في الروح الرياضية في كل فروع الرياضة والاتحادات والأندية
الرياضية يعتبر من العوامل التي تؤدي إلى تعزيز الجهود في هذا المجال.
3ـ دور الإعلام الرياضي: لا يمكن تجاهل الدور الهام الذي يقوم به الإعلام
الرياضي على مختلف مجالاته في التأثير على مظاهر العدوان والعنف والشغب
في الرياضية، وتفعيل الميثاق الدولي للتربية البدنية والرياضية الذي
أصدرته منظمة اليونسكو والذي ينص على أنه ينبغي لكل من يعمل في مجال
وسائل إعلام الجماهير أن يكون في إدراك تام لمسؤولياته إزاء الأهمية
الاجتماعية والتربوية والغاية الإنسانية والقيم الأخلاقية التي تنطوي
عليه التربية البدنية والرياضية، وينبغي على النقاد الرياضيين إبراز
الجوانب السلبية لمظاهر العنف والعدوان الرياضي، ومحاولة التخفيف من
الأهمية التي تعطى للفوز بغض النظر عن الرياضة والقيام الخلقية.
وكذلك ينبغي على المعلقين الرياضيين التحلي بروح المسؤولية وعدم التحيَّز،
كما يمكن لبرامج التلفاز أن تكون ذات عون هام في مجال ترويج وتوضيح
أخلاقيات الرياضة والتعريف بالجهود المبذولة للنهوض بها.
ولنا بقية...
يحيى بن أحمد بن علي بني عرابة
معهد العلوم الشرعية
أعلى
المسجد وآدابه
يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (إنما
يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة
ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين
القارئ الكريم: إن المساجد بيوت الله، أمر تعالى بتطهيرها لعبادته،
وهي أحب البلاد إلى الله، فيها تتطهر النفوس وتزكو، وبها يجد المؤمن
راحته، حيث يناجي مولاه، ويتوجه إليه بالركوع والسجود، وتلاوة الكتاب
والدعاء (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)
وقد شهد الله تعالى لعمار المساجد بالإيمان، ذلك أن من قصد المسجد
ليعمره بالصلاة والتلاوة ومدارسة العلم، إنما يفعل ذلك رجاء ثواب الله
ورحمته ورضاه إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام
الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله.
لذلك كان على قاصد المسجد أن يراعي آدابه التي منها أن يقول عند الدخول
بعد الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم افتح لي أبواب رحمتك،
وعند الخروج: اللهم إني أسألك من فضلك، وأن لا يجلس قبل صلاة ركعتين
لقوله: ((إذا جاء أحدكم المسجد فليصل ركعتين من قبل أن يجلس)).
ونظافة المساجد ,وإبعاد الروائح الكريهة عنها من أوجب الواجبات، فإذا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, قد نهى آكل الثوم والبصل من الدخول
إلى المسجد، فما بالك بمن فيه رائحة العرق أو الجوارب أو الدخان، فالروائح
الكريهة تتأذى منها الملائكة كما يتأذى منها الإنسان.
والمؤمن مطالب بأن يلبس الثياب الحسنة عند المجيء للمسجد، خاصة لصلاة
الجمعة والعيدين، قال تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد،
روى عن الحسن السبط أنه كان إذا قام للصلاة لبس أجود ثيابه، فسئل عن
ذلك فقال: إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي، وهو يقول: خذوا زينتكم
عند كل مسجد.
ومما ينبغي أن يحذره زائر المسجد، أذية عُمًاره من المصلين بتخطي رقابهم،
روى أبو داود والنسائي أن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي
يخطب فقال له: ((اجلس فقد آذيت وآنيت)) أي تأخرت.
وينبغي للجالس بالمسجد أن يحذر من غلبة النعاس، الذي قد ينقض وضوءه،
قال : ((إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره))
وعلى الداخل للمسجد أو الخارج منه أن يمشي بالسكينة والوقار، عن أبي
قتادة قال : بينما نحن نصلي مع النبي إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال:
((ما شأنكم)) قالوا استعجلنا إلى الصلاة، قال: ((لا تفعلوا إذا أتيتم
الصلاة فعليكم بالسكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) رواه
الشيخان.
وتسوية الصفوف, وسد الخلل مما ينبغي العناية به قبل الدخول في الصلاة،
وعلى الإمام أن يأمر بذلك، عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم
يقبل علينا بوجهه قبل أن يُكبًر فيقول: ((تراصوا واعتدلوا)) رواه البخاري
ومسلم.وأيضاً ((سووا صفوفكم, فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)).
و من علامات الخير حب المساجد , والمؤمن يحب بيوت الله ويعمل على عمارتها،
ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله
في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم: ((ورجل قلبه معلق بالمساجد)
وحب المساجد، علامة على حب الله، وحب دينه ورسوله.
ويوم الجمعة يوم من أيام الله :فضًله على أيام الأسبوع، وجعله عيدا
لهذه الأمة، قال عليه الصلاة والسلام: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم
الجمعة، فيه خُلق آدم عليه السلام ، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها
، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)).
في يوم الجمعة يجتمع المسلمون في مختلف أقطارهم في بيوت الله يذكرون
الله ويتوجهون إليه ضارعين خاشعين، فينبغي للمسلم أن يراعي حرمة هذا
اليوم، وأن يتأدب بالآداب اللازمة في هذا الجمع المبارك، والتي منها:
التبكير إلى صلاة الجمعة، والحرص على ملء الصفوف الأولى، وعدم تخطي
الرقاب، والإنصات إلى الخطبة، وعدم الكلام أثناءها، ولو كان آمرا بمعروف
أو ناهيا عن منكر.
وينبغي الاجتهاد في الدعاء في هذا اليوم , والإكثار فيه من الصلاة
والسلام على من أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، فرسول الله سيد
الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست
لغيره، فاغتنموا فضل هذا اليوم، وصلوا وسلموا على من بعثه الله رحمة
للعالمين.
وقد يقع تهاون من البعض في أداء صلاة الجمعة لذلك وجب التنبيه إلى
أن صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم عاقل مقيم قادر على السعي إليها،
خال من الأعذار المبيحة للتخلف، أما المتهاون، فيكفي أن نذكره بقول
رسول الله: ((لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون
عن الجمعة بيتهم) وقوله: ((من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه))
نسأل الله تعالى السلامة في الدنيا والآخرة *
(( إبراهيم السيد العربي))
أعلى
(ربيع الأبرار) في معاني الصلاة والأذكار
عبدالسـتار خليف
يقول الشيخ أحمد بن سعود السيابي في مقدمة الكتاب: يأتي كتاب (ربيع
الأبرار في معاني الصلاة والأذكار) الذي ألفه الشيخ القاضي: حمود بن
عبدالله الراشدي، مبينا وموضحا أهمية الأدعية والأذكار بالنسبة إلى
المسلم وهو يتوجه إلى ربه خاشعا في صلاته، يدعو الله بقلبه وجوارحه.
ويضيف: ولا ريب أن الكتاب بهذه المعاني العظيمة يفيض طمأنينة وسكينة
وروحانية، لكي يعيشها القارئ وهو يتجوَّل بين صفحات الكتاب، يسأل الله
تعالى أن يغفر له ذنبه، ويتقبل منه صلاته وسائر عمله ويعينه على ذكره
وشكره وحُسن عبادته.
ويشير المؤلف إلى الأسباب التي دعته لكتابة هذه الرسالة في معاني الصلاة
وبعض الأذكار وفي حكمها مما جاءت به الأخبار عن الجهابذة الأخيار،
ولذا سمي الكتاب ربيع الأبرار في معاني الصلاة وبعض الأذكار، فجاءت
بفضل الله وعظيم كرمه كما شاء الله العزيز القهار، ويرجو كاتب هذه
الرسالة من الله أن ينتفع بها من شاء من عباده المؤمنين وأن يثيبه
الله على ذلك، وأن يغفر له وللمشايخ وجميع الأخوان، وعزم على كل من
رأى فيها ماهو مخالف للحق وأهله وخارج عن دائرة الرأي، أن يقوم بإصلاحه
إن كان مؤهلا لذلك وإلا فلا، ولاشك أن السالم من العيب هو عالم الشهادة
والغيب، والله حسبنا ونعم الوكيل، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد جعل الرسالة في أربعة أبواب ومقدمة وخاتمة.
الباب الأول: معاني الوضوء والأذكار.
الباب الثاني : معاني الأذان والإقامة والأذكار.
الباب الثالث : معاني الصلاة والأذكار.
الباب الرابع : الحكمة في الوضوء والأذان والصلاة وما اشتمل على ذلك.
الخاتمة : جاء في الخاتمة، بيان هذه العبادات أهي معقولة المعنى أم
لا. يجيب: اختلف أهل العلم في الغسل، والوضوء، والصلاة، قال بعضهم
بالأول، وقال آخرون بالثاني، وبعضهم فصل في ذلك، فمن قال: إنها غير
معقولة المعنى. قال: هذه العبادات أمر الشارع بفعلها، وأوجب على العبد
الامتثال بتأديتها، على الحال التي أمر الله عز وجل بها، وسكت عما
عدا ذلك، ومن قال: إنها معقولة المعنى. علل وتوسع وصرح بحكم تلك العبادات،
ولعل بعضهم صرح بالحكمة في مشروعية هذه العبادات، مع قطع النظر عما
سبق، من التأصيل أو التفصيل، ولذا جمعت ما شاء الله الرحمن الرحيم
جمعة، من حكم هذه العبادات من آثار المسلمين وأجوبة بعض المشايخ المتأخرين،
راجيا من الله العلي القدير أن ينفع بها من شاء الله من عباده المؤمنين،
وأن يجعلها لنا ذخرا بين يدي رب العالمين، وأن يغفر لنا ماكان منا
من زلل، أو خطأ، أو عمد، أو سهو، أو سوء فهم، وأن يغفر لجميع المؤمنين،
والمؤمنات، الأحياء منهم، والأموات، ممن حيي أو مات، على طاعة الله،
ووحدانيته، إنه قريب مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه
أجمعين، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي تكملة الرسالة يورد الكاتب هذا الدعاء: اللهم اجعل لنا من كلِّ
همٍّ فرجا، ومن كلِّ ضيق مخرجا، ومن كل عسر يسرا، ومن كل ضلالة هدى،
وإلى كل خير سبيلا، اللهم أسالك كمال الحسنى، وسعادة العقبى، والفردوس
الأعلى، والعمل بما ترضى، والتوفيق لخير الآخرة والأولى، ياذا الجلال
والإكرام والمنن العظام، والعز الذي لا يرام.
كتاب ربيع الأبرار في معاني الصلاة والأذكار تأليف العلامة القاضي:
حمود بن عبدالله بن حامد الراشدي. الناشر: مكتبة مسقط، سلطنة عمان
ـ الطبعة الأولى1430 هـ ـ 2009م.
عدد الصفحات : 103 صفحات من القطع المتوسط.
أعلى
حلاوة الإيمان 1
إعداد سالم البوسعيدي
قوّة التواصل الصادق بالحب
كنتُ جالساً في بيتي مُتْعَباً مكدوداً قد اشتدّ عليَّ المرض.
وكنت أُغالِبُ نفسي لعلّي أستطيع أن أقرأ شيئاً ممّا أمامي من الكتب..
والنفسُ تَشُدُّني شَدّاً إلى الفراش .
ورنّ جرس الهاتف.. رفعت السماعة فإذا صوت أخي الدكتور م-م
قال:
- أتدري من أين أتحدّث إليك؟
قلتُ:
- وأنّى لي أن أدري!
قال:
- "أنا أتحدّث إليك من الحرم المكّي.. أنا جالس قُبالةَ الكعبة..
بيني وبينها عشرون متراً فقط.. وقد ذكرتُك في هذا الجوّ الروحيّ الرائع،
والقلوبُ متوجّهةٌ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، ففاضت مشاعرُ الأُخوّة والمحبة
في نفسي فاتصلت بك.."
لقد نَفَذَتْ إلى قلبي هذه المخابرة.. من الحرم.. من هذا الجوّ، وهذه
الظروف، ما أروع أن يكون للإنسان أخ محبّ يذكره على بُعْدِ المسافات..
في مكان مقدّس ينشغل فيه الإنسان عن كلّ ما سواه.. وأن يدعو له بظهر
الغيب، وضعتُ سمّاعةَ الهاتف، وأنا أشعر بسعادة لهذه المخابرة، وبنشاط
يَدِبُّ في النفس وفي الجسم.. وإذا بي أُقْبِلُ على القراءة والعمل:
إنَّ عَلَيَّ ألاّ أقعد عن أداء الواجب مهما كانت الظروف، وأن أؤدّي
حقَّ هذا الحبّ الجميل في اللَّه عزَّ وجلَّ .
* * *
يعتريني في بعض الأحيان شَكّ في فائدة ما أكتب، ولربّما صرفني ذلك
عن الكتابة فترة تَقْصُر أو تَطُول، وقد عبّرتُ عن هذا الشعور مراراً..
ومن ذلك قولي في العدد الماضي:
"يخطر لي عندما أكتب في بعض الأحيان هذا السؤال:
هل أَخُطُّ كلماتي في قلوب وعقول أم أخطّها على رمال؛ وما أضيعَ الكلماتِ
التي تُخَطُّ على الرمال، وحياةَ الكاتب الذي يخطّ على الرمال!"
وفي أزمة من أزمات الشكّ هذه، التي يَرْفِدُها ويُقوّيها المرض والتعب..
رنّ الهاتف عندي، وما أكثر ما يرنّ هذا الهاتف! ولمّا رفعت السماعة
بلغني صوتٌ حَيِيٌّ خافت مُتَرَدِّد:
- أنا فلان الفلاني مِن "..." ..أنتَ لا تعرفني.. هل تزعجك
المخابرة الآن؟.. لا تؤاخذني على الإزعاج.. هل أتابع الكلام؟
- نعم نعم.. تفضّل.. أهلاً وسهلاً
- أنا طالب في كلية "..." في جامعة "..." في "..."
"وذكر اسم الكلية والجامعة والبلاد التي يدرس فيها في قارّة أخرى
غير قارّتنا".. أردتُ أن أطمئنّ عليك فأنت لم تكتب منذ فترة طويلة
- اطمئن فأنا والحمد لله بخير
- أنا لم أجتمع بك من قبل، ولكنّني أحبّك كثيراً.. أحبك في اللَّه
عزَّ وجلَّ، وأقرأ لك كلّ ما أصل إليه.. لقد أَثَّرتْ كلماتك في حياتي
تأثيراً عميقاً، ونقلتني من حال إلى حال.. أنا أحفظ كثيراً من هذه
الكلمات عن ظهر قلب.. أرجوك أرجوك ألا تنقطع عن الكتابة.. أنا وأمثالي
بأمس الحاجة إلى ما تكتب.."
انتهت المخابرة فقمتُ فوراً إلى المكتب وأمسكتُ القلم بهِمّة جديدة
ونشاط جديد، وأنا أستشعر المسؤولية الكبيرة والواجب الكبير، وأستغفر
اللَّه من القعود والتقصير.
عندما صدر العدد السابق ، ومشى ـ أو طار ـ إلى البلاد التي يمشي عادة
أو يطير إليها.. كان ممّن اتصل بي مستفسراً أو معلّقاً أخي الجليل
الأستاذ م ـ س ـ ز، لقد قرأ ما نَشَرَتْهُ الرائد لي من كلمات بعنوان:
"من حديث القلب والفكر" فتأثّر لما قرأ، وتفاعل مع ما أقرأ،
وسارع إلى الاتصال العربي.
وكان بيننا حديث شهيّ غنيّ طويل.. فيه ما هو خاص وما هو عام.. ما هو
ذاتيّ وما هو موضوعي.. ما هو تاريخيّ وما هو فكريّ.. ما يتّصل بالحاضر
وما يَنْظُرُ إلى المستقبل.. وهو في ذلك كلّه يفتح آفاقاً للشعور والتفكير،
ويحفز إلى مزيد من العمل والتقدّم على كل صعيد إنّ من عيوبنا نحن الإسلامييّن
أننا لا نتفاعل تفاعلاً إيجابيّاً حيّاً مع ما نشهد أو نسمع أو نقرأ
.
قال لي مرّةً كاتب إسلاميّ كبير:
- أنا أكتب من أكثر من أربعين سنة وكأنني أصرخ في واد، أو أمشي في
صحراء خالية من الناس.. نعم، لي قراء كثيرون يحبّونني؛ ولكنهم صامتون
كأنّهم لا يقرؤون.. خُرْسٌ كأنهم لا يتكلّمون، فلا يكاد أحدنا يجد
عندهم صدىً لِما يكتب.. كم تمنّيتُ أن أجد في قرائي المحبيّن من يقول
أخطأتَ عندما أُخطئ.. أصبتَ عندما أُصيب.. أحسنتَ عندما أُحسن.. أسأتَ
عندما أُسيء.. إنَّ هذا التفاعل والتجاوب والتواصل ضرورةٌ لتنشيطنا
وتشجيعنا وتقويمنا، وسُلَّمٌ لارتقاءِ أدائنا، وإغْناءِ عطائنا، وعنصرٌ
فعّال في بعث حيوّيتنا، وتحريك حياتنا، وأداء رسالتنا، وتحقيق آمالنا
المشتركة
* * *
وبعد؛ ماذا أردتُ بالقصص التي قدّمتها، وعندي من تجاربي الشخصية عشرات
وعشرات مثلُها؟
لقد أردتُ أن أقول لكل أخ من إخواني، وقارئ من قرّائي:
-إذا أحببتَ أخاً لك في اللَّه، أو أعجبك فيه خَصْلَة من الخصال، أو
أرضاك منه عمل من الأعمال.. فاكشفْ له عمّا في قلبك بأمانة وصدق وإخلاص،
وأخبره بما تحمل له من المحبّة والتقدير، فذلك جدير بزيادة المودة،
وتوثيق الصلة، والتشجيع على الواجب والخير، وفتح أبواب التعاون على
البر والتقوى يا إخوتي!
نحن نعيش في عالم غَلَبَتْ فيه الكراهيةُ على الحبّ، والظلمُ على العدل،
والمادة على الروح والباطلُ والتزويرُ على الحقيقة والحقّ، والفسادُ
بمختلف أشكاله ودرجاته على الصلاح والإصلاح المسلمُ الإنسان البريء
تلاحقه الافتراءات والاتهامات والمضايقات في كثير من الأماكن والحالات
والمناسبات..
المسلمُ المؤمن البريء يكاد يختنق أحياناً بأجواء الشكّ والانتقاص
والعداء، وينكسر ظَهْرُهُ تحت وطْأة المشكلات والأعباء..
فهل من الكثير عليه أن يجد في قلوب إخوانه وأصدقائه واحَةَ حُبّ ٍ
وعَزاء، وفي صدورهم مُتَّكَأَ اطْمِئنانٍ وحَنان، وفي مجتمعهم جوّاً
من التوادّ والتعاطف والتراحم يتنفَّسُ فيه الصُّعَداء؟!
نحن بحاجة لصدر دافئ حنون، ليس هو صدر الزوجة وأهل النسب، بل صدر نستشعر
به لذة الإيمان وعطر الحب وطمأنينة الدفء العاطفي.
لا طعم للحياة ولا نكهة ولا مذاق دون التواصل وقوّة التواصل الصادق
بالحب تلك عنوان مقالة لعصام العطار، من أجمل من قرأته في هذا الجانب،
لكنها تدق ناقوس الخطر، علينا أن ننقذ أنفسنا من دنس المادية القاتلة،
علينا أن نتحرر، أن نجرب طعم الحب، الحب الحقيقي الناصع الصافي دعوا
هذه القلوب تتحرر من برودتها من سكونها من سجنها دعوها تلتهب بالحب
لتصبح أكثر بريقا ولمعانا وحيوية، لتتحرر من الشوائب كما تتحرر المعادن
بالنار من شوائبها.
أخواني: أحبّوا بعضَكم بعضاً، واكشِفوا عمّا يحملُه بعضُكم لبعض من
الحبّ.. ولْيَهْتَمَّ بعضُكم ببعض ـ بصدق وإخلاص ـ كما تهتمّون بأُسركم
وأبنائكم، وسوف تجدون بالتجربة أنكم ستَسعَدون بذلك كثيراً، وتستفيدون
كثيراً، وتنالون بالحبّ والتآزر والتعاون.. ما لا يناله أحدكم بمفرده
لقد حَزَّ في نفسي ـ واللَّه ـ رسالة تلقّيتُها من أخ فاضل يعيش في
مدينة غربيّة فيها عدد كبير من المسلمين.
قال الأخ الفاضل في رسالته:
- "لقد غَيَّبَني المرضُ عن إخواني شهوراً طويلة كنت بأمسِّ الحاجة
فيها إلى أُخُوَّةِ الأخِ، وصداقةِ الصديقِ، ولَمَساتِ القلوبِ والشعور..
لا نَفَحاتِ الجيوب، فقد أغناني اللَّه بفضله عن نَفَحاتِ الجيوب..
فما اتصل بي أحد، وما زارني أحد.. وبيني وبين بعضهم خطوات!!"
يا إخوتي!.. إذا أردتم خير الدنيا والآخرة لأنفسكم، ولمجتمعكم، وللإسلام
والمسلمين، وللإنسانية والإنسان في عالمكم وعصركم.. فعليكم بالحبّ
ِ الخالص فيما بينكم تُضْمِرونَه وتُعْلنونه، والتكافلِ الصادق تَشْعرونه
وتُجَسِّمونه، والتعاونِ الشامل الدائم البصير على البرّ والتقوى.
ولنا بقية للموضوع...
أعلى
وقل اعملوا...
أساس تحديد الأجور
أيها القراء الأكارم:
تحدثنا في الحلقة الماضية عن قولين من أصل أربعة أقوال تتحدث عن الأساس
الذي يبنى عليه تحديد الأجور للعمال ونتحدث في هذه الحلقة عن القول
الثالث والرابع.
*القول الثالث: وهو رأي الأستاذ (محمد فهر شقفة), ومضمونه أن الأجرة
تحدد بناء على نظرية الأجر العادل لقوله تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل
والإحسان)), ولا تتحقق فكرة الأجر العادل إلا إذا توافر لها نوعان
من العدالة, النوع الأول: وهو عدالة التوزيع حيث يأخذ عمال المهنة
الواحدة أجرا واحدا إذا ما بذلوا قدرا متقاربا من الجهد وكانت كفاءاتهم
متقاربة, وذلك بغض النظر عن حاجاتهم الشخصية, وأوضاعهم العائلية. والنوع
الثاني: عدالة السعر وتقتضي أن يأخذ العامل أجرا متعادلا مع ما بذل
من جهد دون التأثر بالتيارات, والاحتكارات التي تتحكم في سوق المنفعة.
وقد تخوف الأستاذ محمد فهر من احتكار أصحاب الأعمال وتحديدهم الأجرة
بأقل من سعر المنفعة, وتأثير قانون العرض والطلب وكثرة العمال فيختل
بذلك سعر المنفعة وينقص دون الحد الأدنى, لذلك أوجب على الدولة أن
تعمل على إبقاء سعر المنفعة فوق الحد الأدنى للأجور. ويرى أن ذلك يمكن
أن يتم بالأسلوبين التاليين:
*الأول: العمل على تشغيل اليد العاملة الباحثة عن العمل للقضاء على
ظاهرة البحث عن العمل والوصول الى مرحلة الاستخدام الكامل للموارد
البشرية, وبذلك تستطيع الدولة أن تحد من فعالية قانون العرض والطلب
في التحكم بسعر المنفعة في السوق.
*الثاني: زيادة أجر العامل عند التضخم النقدي بنسبة ما هبط من قيمة
النقد.
ونوقش هذا الرأي بأن نظرية الأجر العادل لا تخرج عن نظرية المثل التي
قال بها بعض الفقهاء, فإن أجر المثل يقتضي عدالة التوزيع, إذ يقدر
للعامل أجر مثله في المقدرة والكفاءة والجهد, وذلك بصرف النظر عن الحاجات
الشخصية والأوضاع العائلية. ثم إن أجر المثل يقتضي أيضا عدالة السعر,
وذلك بتقدير أجره بما بذل من جهد, لأن الأغلب أن تكون اجرة المثل مقابل
المنفعة المستوفاة وذلك بتقدير خبراء مختصين.
أما التخوف الذي طرحه صاحب هذا الرأي وهو اجتماع أرباب الأعمال واحتكارهم
فهو تخوف في غير محله لأن مثل هذه الأمور ينبغي أن لا تكون موجودة
مع وجود ولي الأمر العادل الذي يمنع هذه الأعمال ويعاقب عليها.
وأما اقتراحه بتشغيل الأيدي العاملة وزيادة الأجور عند التضخم فهو
حل لمشكلة البحث عن عمل أكثر من صلاحيته لتحديد الأجور.
*القول الرابع: يرى أصحاب هذا القول أن أساس تحديد الأجر هو إعطاء
العامل الأجر العادل الذي هو حد الكفاية الذي يكفي العامل وأهله من
غير إسراف ولا تقتير.
وقد قال بهذا الرأي العلامة الماوردي والقاضي أبو يعلى من الفقهاء
القدامى, والدكتور محمد شوقي الفنجري, والأستاذ أحمد مجذوب أحمد, وغيرهم
من الباحثين المعاصرين.
ويرى الماوردي أنه يجب إعطاء العامل كفايته حتى يستغني عن الناس, وأن
الكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه: أولها: ينظر الى عدد من يعوله العامل
من ذرية. وثانيها: ينظر الى عدد ما يملك ــ مما يركب. وثالثها: ينظر
الى الموضع الذي يحله الغلاء والرخص. وتقدر كفايته في نفقته وكسوته...
لعامه ثم تعرض حاله في كل عام. وقد نص الماوردي أيضا على جواز إعطاء
العامل فوق كفايته إذا اتسع المال في بيت المال.
ويستنتج من قول الماوردي ورأيه في اعتبار الكفاية للعامل عند تقدير
الأجور بعض التوجيهات والملاحظات عند القيام بعملية تحديد الأجور.
ينبغي مراعاة الوضع العائلي للعامل لأن كفاية العمال تختلف باختلاف
من يعولون فيفرق بين الأعزب والمتزوج عند تقدير الأجرة.
مراعاة مستوى الأسعار والعلاقة بين الأجر النقدي للعامل والأجر الحقيقي,
ومن ثم فينبغي على الدولة أن تعيد النظر في حال العامل كل عام على
الأقل من حيث النظر في أجره, كي يواكب تطور ارتفاع الأسعار. وهذه إشارة
عظيمة من الماوردي لقضية التضخم التي لم يجد لها علماء الاقتصاد حلا
حتى الآن. وأكد هذه الفكرة القاضي أبو يعلى الذي يرى أنه يمكن زيادة
أرزاق الجيش فيما إذا حدث سبب يقتضي ذلك, مثل: زيادة الأسعار.
ينبغي مراعاة الوضع الاقتصادي للدولة عند تقدير الأجور إذ يمكنها أن
تزيد من أجور العمال وكفايتهم فيما إذا ازدهرت اقتصاديا وكثر مالها.
وهذه اشارة أخرى عظيمة للماوردي سبق بها علماء الاقتصاد, وترضى بها
الاقتصادات الحديثة وتسعى الى تحقيقها.
على الرغم من وجاهة رأي الماوردي هذا ومعقوليته إلا أنه لا يسعف الباحثين
المعاصرين ـ الذين استدلوا به ـ ليجعلوه أساسا في تحديد الأجور, لأنهم
عمموا كلام الماوردي على جميع العاملين في القطاعات كافة, بينما كلام
الماوردي صريح في فئة معينة من العمال, وهي الجند الذين يعدون من فئات
القطاع العام أو ـ الحكومي ـ هذا من ناحية. ثم إن صاحب العمل في القطاع
الخاص غير ملزم شرعا بكفاية العامل الذي يعمل عنده ,لأن ذلك من واجب
الدولة الاسلامية من ناحية أخرى.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|