تستهويه قراءة ما بين السطور
محمد الطويل: تغريني الكلمة الجميلة أيا كان مصدرها
حوار ـ عبد الحليم البداعي:شاعر يخط طريقه
بثقة نحو غاية رسم حدودها بعناية يملك أدواته الخاصة التي يسعى
حثيثا إلى توظيفها في نصه الذي تشاغبه الكثير من الهواجس والهموم
الإنسانية ويظل طابع الحزن والتشاؤم هو السمة الغالبة على معظم
كتاباته..لماذا؟! سؤال ملح ينتظم في سلسلة من الاستفهامات حملنا
أوتارها وعزفنا بها على طاولة النقاش فكان هذا الحوار مع الشاعر
محمد عبدالرحمن الطويل والذي خرجنا منه بالتالي..
* متى كان إبحارك الأول في محيطات الشعر
وما هي الروافد التي ساهمت في تشكيل عالمك الشعري؟
** الإبداع موهبة. وأنت عليك تنميتها وسقيها بماء المطالعة قبل
أن تسكب ماءك المكتوب على الورق، وحينما تدرك أنك شربت حد الظمأ
من القراءات المتنوعة ستجد موهبتك نضجت وكلماتك شكلت طابعا يخص
ذاتك مقتبساً من جماليات الاطلاع المتنوع، وبالتالي هكذا نمت
الموهبة لدي منذ الصفوف الأولى بالدراسة وحتى ولادة أول خاطرة
لي ونشرها بجريدة عمان وأنا بالصف الثاني الثانوي أذكر عنوانها
(سحابة صيف عابرة) وكان الأجدى أن أسميها (سحابة صيف ماطرة)
لأنها أمطرت في ذاتي إبداعاً جميلاً لا زال يهطل ولله الحمد.
* قصائدك تشي بمدى الاشتغال الكبير الذي بذلته على اللغة واحتفاؤك
البالغ بها حد التمجيد ما فلسفتك في هذا الجانب؟
** اللغة العربية كنز في أسفل القاع البعيد ولا يمكن الوصول
إليه، فكلما أيقنت أنك وصلت وأنك تمكنت منها فإذا بك تكتشف جوانب
أخرى لترى أنك لا زلت في البداية وهنا تكمن روح الجمالية التي
ترتقي بقلم الكاتب ليظل يبحث عن أبجديات جديدة وأساليب متنوعة
وطرح مميز مستنبت من رحم لغتنا الجميلة وهذا طبعاً يعود إلى
المطالعة وتنوع واختلاف المدارس الأدبية وصهرها لتكون لدى الكاتب
وليحسن توظيفها بالشكل الصحيح.
* ما هي رؤيتك تجاه جدلية الأشكال الشعرية (عمودي ـ تفعيلة ـ
نثر)؟
** الشعر يبقى هو البوح الذي تنفث به الصدور، وهو المتنفس الجميل
للشاعر وأياً كان نوعه أو شكله أو اختلفت مدارسه ومصادره فستجد
من يتذوقه وستجد قراءه على اختلافهم، والكاتب المتمكن يستطيع
أن يبحر في كل الاتجاهات رغم صعوبة ذلك. وشخصياً أقرأ كل المدارس
وأحبها وأحاول أن أكون في الوسط آخذاً من ذاك التنوع شكلاً مغايراً
ولا يخل بالطابع الإبداعي الأدبي، كما أنني قارئ نهم للشعر النبطي
وتستهويني قراءة ما بين السطور وحالياً أطبع قراءة في ديوان
(الشاعر محمد البريكي "سكون العاصفة") الذي سيرى النور
قريباً، ولكنني ككتابة للشعر النبطي لا أستطيع لأنني لا أملك
أدواته ربما أو لأنني أتلذذ بقراءته أكثر.
* تتعدد الرؤى والمدارس والتيارات الأدبية ولكل منها اجتهاداته
الجمالية الخاصة.. أيها أكثر إغراء لمحمد الطويل؟
** مع تعدد المدارس الأدبية تتعدد قراءات محمد الطويل لينتج
من ذلك التنوع إبداعاً متنوعاً قاطفاً من كل بستان زهرة. وأكثر
ما يغريني الكلمة الجميلة أياً كان مصدرها.
* سؤال ربما يكون غريبا بعض الشيء ولكن.. لماذا الشعر بالذات؟!
** الشعر ليس ذا طابع محدد أو مسيطر على محمد الطويل، بل هناك
مساحات شاسعة للخواطر والتي هي بحد ذاتها شعر نثر طويل (هكذا
أظنه) وبه الكثير من المفردات وبأسلوب تمثيلي مختلف وبين جوانحه
مشاعر دافئة تحمل ربما عتمة اكتسبت الروح بها أو فرح شحيح يولد
ليموت. وأعتبر كل ما أكتبه مهما اختلفت أساليبه شعراً. ولكنه
شعر خاص بطابع أو سمة محمد الطويل آخذاً منه شكله ولونه وطباعه.
* ما هي القصيدة التي لا تزال تؤرق محمد الطويل وينتظر تباشير
قدومها بفارغ الصبر؟
** من الجميل أن القصيدة التي لا زالت تؤرقني لم تأتِ بعد ولا
زلت انتظرها، ولهذا تجدني دوماً على رصيف الانتظار. هي تلك القصيدة
التي لم أحدد ملامحها بعد، فهذا الانتظار ربما هو من خلق في
ذاتي مساحة للسير على ردهات الأرصفة كاتباً ما يمليه القلب من
مشاعر وباحثاً عن قصيدة لم تأتِ بعد ولم تتشكل حتى، وسأبقى سائراً
ومنتظراً كلما طال بي الدرب، وأتمنى أن لا أجدها كي يستمر البحث
عنها فأخشى إن وجدتها ذات يوم أن يقف قلمي وتنكسر مبراته وتموت
الأحاسيس.
* برأيك ما أهم السمات التي يتصف بها جيلك الشعري.. وما أبرز
طموحاته؟
** إن أجمل السمات التي يتصف بها جيلي الشعري الصبر ومصارعة
البقاء (إن صح التعبير) وسط هذه الفوضى الشعرية والأقلام المتثاقفة
والشللية الملموسة في الوسط الثقافي العماني والتي تسيطر على
كل شيء، وأقصد تلك الشللية التي زاحمت الشاعر والمبدع الحقيقي
فكانت هي الحاكم وهي الجلاد فتجدها تارة في الشعر تحمل الشعر
نفسه وتلقيه في المناسبات فهي الفئة (المصطفاة) وكأن الله لم
يخلق في هذا البلد غيرها، وتارة تجدها على منصات التتويج متصدرة
قائمة حصد الجوائز والتكريم، وتارة تجدها في لجان التحكيم فتميز
من تهواه ومن تراه يستحق بالظن وبالمصالح الشخصية لا بالإبداع
وهنا تسقط الأقلام الحقيقية وتندثر لتبرز أقلام نشاز والسبب
قاعــدة غريبة (أنا أعرفك إذن أنا أقدمك للآخر حتى وإن كنت لا
ترقى بما تقدمه) وللأسف ذاك هو حال ثقافتنا السائد.
أما عن أبرز الطموحات مع جيلي الشعري أن نتخطى هذا الحاجز الشائك
وأن نتسلق هذا الجدار العالي وأن نفرض بأقلامنا إبداعنا الحقيقي
والنقي على هذا الدخان العالق في هواء ثقافتنا والذي بدأ يتلاشى
في الأفق بعد أن أثبتته المهرجانات وطريقة الاختيار وأثبتت الجدلية
ذاتها القائمة على تلك الفوضى.
* القصيدة وطن الشاعر ومتنفسه الذي لا يجد ملجأ منه إلا إليه..
ما القصيدة التي كتبتها وترى بأنها مثلت تجربة محمد الطويل قلبا
وقالبا؟
** يقول عبدالرحمن منيف: "إن الشاعر وهو ينتقي كلماته لا
يحرص على أن تكون جميلة، أنيقة فقط، بل وأن تكون كلماته هو،
أي عاشت في حناياه دهراً إلى أن انصقلت، ثم اختمرت، وبعد أن
تغتسل تبدو في الختام وهي ترى النور لها قرابة ونسب، وقد أخذت
من ملامحه وتحولت على يديه إلى كائن حي".
لقد وصف منيف لحظة الكتابة ونسبها وهو التعبير المجازي الذي
يمكن أن يصف، وبالتالي كل قصيدة أو خاطرة كتبتها أحدها تمثلني
وأجد فيها ذاتي وتأخذ من صفاتي لأنني ببساطة هي من كتبتني ومن
استدعاني لها ولم أكتبها ولم أدعها لي. فكل نص يمثل لي الشيء
الكثير.
* هلا وصفت لنا تجلياتك الشعرية؟
** كما قلت لك سابقاً أن الكتابة هي تفرض نفسها عليك ومن الصعب
أن يكون العكس ولا يمكن أن تحمل أدواتها كالقلم والقرطاس وتختار
المكان وتقول أنني سأكتب، هنا قد لا تجد ما تكتبه وإن وجدت قد
لا تجده يمثلك فليس سوى قشور قد تكبتها، وبالتالي لحظة ولادة
النص أو الكلمة هي لحظات تسافر بك إلى خارج حدود الذات وترنوا
بعيداً في فضاءات شاسعة لا تعي بجماليتها إلا بعد أن تحقق مرادها،
حينها تدرك كم كان ذاك السفر جميلا.. لتظل المطاردة قائمة بين
الكاتب ولحظة الإبداع وهنا تكمن المتعة.
* ما القصيدة التي لم يكتبها الطويل بعد وتشكل هاجسا ملحا بالنسبة
إليه؟
** لا زلت أحلم أن أكتب قصيدة لوطني تعبر عن حبي الصادق لهذا
الوطن الغالي ولقائده المفدى، وربما لأن الحب يفوق الكلمة ولأن
الوطن أكبر من حجم الإبداع تظل تلك اللحظات هاجسا جميلا يدعوني
للتجربة الحقيقية رغم أنني كتبت في حب الوطن من خلال تقديم كلمات
لأوبريت غنائي في اختتام مهرجان مسرح الطفل العماني الأول الذي
أقيم بكلية الرستاق، ثم كتبت كلمات أوبريت آخر بعنوان (عمان
بلادي) قدمه أطفال وطلبة وطالبات المدارس الخاصة بمسقط بما يقارب
150 طفلا وطفلة وهذا بمثابة بداية توجه جديد لأسلوب إبداعي آخر
قد تراني فيه قريباً بشكل أوسع.
* هناك نبرة حزن ونظرة سوداوية تطغى على معظم نصوصك الشعرية..
لماذا كل هذا التشاؤم؟
** تقول الكاتبة السعودية بدور إبراهيم الإحيدب: حين نكتب فنحن
ننقش جراحنا.. نرسمها بكل ما فيها من أبعاد، نبحث عن حلم جميل..
حين نكتب فنحن نصرخ في وجه الألم لنقول له: ما زلنا أحياء..
النهج السوداوي الذي تراه بين أحرفي ربما هو أسلوب ولد عليه
قلمي واتبعته ولا أستطيع الحياد عنه كالسمكة من الصعب أن تعيش
خارج الماء، وبالتالي لا أجد نفسي إلا في هذا المحور رغم تعدد
الأوجه لكنني أراني هنا مرتاح. وهذا لا يعني أنني لا أحمل مشاعل
للغد.. أبداً فلا توجد عتمته ولله الحمد في طريقي.
* ما بين "وجع على خد الغروب" و"مطر في الداخل"..
وبين "سفر".. مسافة زمنية كافية لـ(ترسيخ ـ زعزعة)
كثير من المفاهيم.. ما الذي تغير في تجربة محمد الطويل؟
** (وجع على خد الغروب) إصدار ولد عام 2004م تكون في 125 صفحة
وشمل 46 نصاً كان تجربة ومجازفة غير مسبوقة لشخصي وجرأة في الطرح
ولله الحمد وزعت منه ألف نسخة إلا واحدة مما يعني أن كل النسخ
وزعت إلا واحدة احتفظت بها كإرث لشخصي وهذا يدل على نجاح التجربة.
في التجربة الأخرى ولد (مطر في الداخل) وذلك عام 2006م تكون
في 40 صفحة وشمل 24 نصاً شعرياً وهو يعد تجربة مختلفة جداً عن
الإصدار الأول.
أما "سفر" فإصدار سيكمل سلسلة الإصدارات وهو يتكون
من 200 صفحة تقريباً وعبارة عن مجموعة نصوص صقلت موهبة الإصدارين،
في حين أعكف على الانتهاء من قراءة (سكون العاصفة) للشاعر الأنيق
محمد البريكي وهو الديوان الشعري النبطي وسوف يطبع على نفقتي
كما طبعت الإصدارات الثلاث على نفقتي الخاصة.
* كلمة أخيرة؟
** دوماً أؤمن بالبيت الشعري لأبي القاسم الشابي
(ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر)
فهذه المطبات (إن صح التعبير) التي نصادفها وهذه العوائق هي
تعطيني الدافع الحقيقي للاستمرار ربما إثباتاً للحق وربما هو
هاجس التمرد على الذات كي لا تنكسر كما انكسرت أقلام وتاهت إبداعات
حقيقية والسبب أناس لا يعوون بالأدب فيفعلون ما يرونه مناسباً
لهم لا مناسب لمعطيات الثقافة ويتنصلون من رسالتهم السامية التي
حرص مولانا جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه ـ على عدم الركون
للأهواء الشخصية ويجب أن تكون المصلحة العامة هي الأساس.
أعلى
اليوم.. بدء فعاليات الأسبوع الثقافي بولاية أدم
أدم ـ الوطن: تنطلق اليوم فعاليات وأنشطة
الأسبوع الثقافي بولاية أدم والذي ينظمه نادي البشائر بالتعاون
مع مركز أدم لمحو الأمية وتعليم الكبار في الفترة من 7 إلى 12
فبراير 2009، ويرعى حفل الافتتاح سعادة الشيخ عوض بن عبدالله
المنذري ـ والي أدم ـ ويشتمل الحفل على الفنون الشعبية والقصائد
والأناشيد الوطنية وعرض مفصل عن فعاليات الأسبوع الثقافي، وبعد
ذلك سيقوم راعي الحفل بقص شريط المعرض المصاحب لهذا الأسبوع
والذي يحتوي على معروضات ورسوم فنية ومشغولات يدوية وتراثية،
وصور فوتوغرافية وأجهزة علمية وكتب ثقافية متنوعة، ويشارك في
المعرض كل من نادي البشائر ومركز أدم لمحو الأمية وتعليم الكبار،
وجمعية المرأة العمانية بأدم ومركز الخدمات الصحية بأدم، وجمعية
البيئة العمانية ومجموعة مساندي البيئة.
الجدير بالذكر أن الأسبوع سيكون حافلا بالعديد من الفعاليات
وبمشاركة العديد من الجهات الحكومية والأهلية. ففي اليوم الأول
سيتم افتتاح المعرض صباحا وفي المساء ستكون هناك أمسية ثقافية
متنوعة تشمل عرضا مسرحيا. وفي يوم الأحد 8 فبراير ستكون هناك
محاضرات توعوية متنوعة وستقام مسيرة للتضامن مع مرضى السكري
والتي ينظمها مركز الخدمات الصحية بولاية أدم بالتعاون مع فريق
القادسية، وفي فترة المساء ستقام أمسية الإبداع للنساء.
وفي يوم الإثنين 9 فبراير سيقام سباق للجري بالتعاون مع فريق
العروبة وجلسة ثقافية للنساء، ومحاضرة مرورية بالتعاون مع فريق
الجامع.
وفي يوم الثلاثاء 10 فبراير ستكون هناك جلسة ثقافية للنساء وسباق
للدراجات بالتعاون مع فريق التضامن بأدم، فيما ستقام محاضرة
عن تربية الأبناء في مسجد التقوى بأدم.
وفي يوم الأربعاء 11 فبرايرستنطلق حملة لا لأكياس البلاستيك
والتي تنفذها جمعية البيئة العمانية بالتعاون مع مجموعة مساندي
البيئة ECO GROUP، وفي فترة المساء ستكون هناك محاضرة دينية
للرجال والنساء في جامع السلطان قابوس بأدم.
وسيقام حفل الختام يوم الخميس يتم خلاله تكريم المشاركين والمساهمين
في فعاليات الأسبوع.
أعلى
مدنها تتنفس وتتعايش بسلام
التشكيلية اللبنانية منوويلا: اللوحة ترجمة لما أشعر به
حوار ـ حنان جناب :شغلت تفاصيل المدن أحاسيس
الفنانة اللبنانية منوويلا غيراغوسيان، منذ طفولتها الأولى،
فقدت ولدت في بيروت المدينة الضاجة بالحركة والحياة ثم انتقلت
الى باريس ثم نيويورك، وما زالت تتنقل بين دبي ومسقط وبيروت
ومدن أخرى، حتى تحولت المدن إلى لوحات تتنفس وتتعايش بسلام،
كيف كان هذا؟ ......
تجيب الفنانة حينما التقتها " الوطن " ضمن معرضها
الشخصي الذي أقيم بصالة بيت مزنة للفنون: ولدت في مدينة بيروت
عام 1972. وأنا الابنة الصغرى للفنان اللبناني غير المعروف بول
غيراغوسيان. ترعرعت في مرسم والدي, فكان لا بد أن أتأثر بالفن
والرسم. وفي عام 1989 سافرت مع والدي الى باريس لحضور معرضه
في الأونسكو، ولم نتمكن من العودة إلى بيروت بسبب الحرب التي
استمرت لفترة طويلة.
وتضيف منوويلا خلال تواجدي في فرنسا صممت 13 شخصية للأطفال واسمتهم
" أرتيشو" ، وأقمت معرضي الأول الذي تضمن عرضا لهذه
الشخصيات في "لا ديفانس " في باريس وفي عام 1991 عرضت
هذه الشخصيات في بيروت بالمركز الثقافي الفرنسي. في عام 1997
انتقلت منوويلا للعيش في لوس انجلوس ودخلت جامعة كاليفورنيا
للفنون الجميلة، وهي جامعة أسستها شركة "وال ديزني"،
وكنت ضمن 20 طالبا وطالبة قبولي بهذه الجامعة، وكنت الطالبة
الوحيدة من الشرق الأوسط، في الصباح كنت ادرس الرسم في الجامعة
وفي المساء ادرس الفنون المتحركة.
وتضيف تخرجت من الجامعة سنة 2002 وأنجزت العديد من الأفلام المتحركة.
وشاركت بالعديد من المعارض الجماعية في لوس أنجلوس وبيروت. وأقمت
معرضي الثاني في بيروت، في غاليري" إماغوس" عام 2000،
وعبرت الأعمال عن الأساطير والخرافات عند الشعوب القديمة مثل:
الفينيقيون واليونان والمصريون. بعدها عدت إلى الشرق الأوسط
وتنقلت بين دبي وبيروت، وكانت لي مشاركات بالعديد من المعارض
منها معرض آرت باريس في أبو ظبي.
واليوم أقدم تجربتي الثالثة في المدن والتي جاءت بعنوان "سيتي
سكيب"، وتتضمن 20 عملا فنيا.
وتستطرد حاليا أنا متفرغة للفن والتجوال بين المدن، و أحاول
إتمام مسيرة والدي الذي توفى قبل 15 سنة، وانا اهتم بأعماله
والحفاظ عليها في المتحف.
وفي ردها على السؤال حول الرابط الذي يجمعها بوالدها قالت: هناك
روابط كثيرة تجمعني بوالدي، فقد كان رحمه الله فنان يرسم الإنسان
والناس في الشوارع والقرى والمناطق الشعبية والأطفال وهم يلعبون
والنساء والحرفيين، وحاول نقل كل تلك الأحاسيس الى اللوحة، وكان
يطلق على نفسه فنان الشعب والإنسان، كل تلك الأفكار التي كان
يحملها والدي، أثرت في خاصة وأنا أعيش في بيت كله فن ورسم، فأخي
الكبير مانويل نال شهادة الدكتوراه في الرسم، ما زال يدرس الفن
في الجامعة، كل تلك الأفكار نمت في داخلي، وأصبح الإنسان همي
وشغلي الشاغل .
وحول الأفكار التي تحملها لوحاتها تقول: ارسم المدن, كل المدن
بلا استثناء تشغلني، وأجد في كل مدينة جمالية وخصوصية خاصة بها.
وهذا المعرض يتضمن 20 عملا فنيا قدمت فيه فكرة الاختلاط الحاصل
بين الشعوب التي تعيش بسلام في مدينة واحدة مندمجة رغم الاختلاف
في عاداتها وثقافاتها. وأريد القول بأننا نحتاج بعضنا لبعض،
ولا نسائل عن الأصول والجنسيات والمذاهب، وان هناك تكاملا وتعايشا
بين سكان المدن، ومن هنا جاءت فكرة المعرض. وقدمت المدن بأوقات
مختلفة منها في الليل والنهار أو المساء، والمشاهد يرى الغضب
في بعض اللوحات. لقد رسمت دبي وبيروت ومسقط, وكانت الأخيرة واضحة
في معرضي الأخير.
وتقول منوويلا: أحب التجوال في المدن والتعرف على سكانها أحيانا
اجري حوارات معهم من اجل التعرف على حياتهم وماذا يفعلون وكيف
يقضون يومهم، ،وهناك مدن نسمع عنها ولا نراها، كل ذلك اختزنه
في ذاكرتي، ويساعدني في العمل ، وما يلبث أن يخرج في اللوحة.
وفي إجابتها على سؤالنا لها: كيف تصفين نفسك؟ قالت: أنا إيجابية
وإيجابيتي تخرج على اللوحة، وأجد أناسا فرحين يساعد بعضهم الآخر،
وكل ما يجده المشاهد في اللوحة هو ترجمة لما أشعر به.
أعلى
صوت
نحن والفأر
إذا ما استعصى على شخص أمر من الأمور في
شؤون الحياة والمعاش، واستنفد كل طاقته في معالجة هذا الأمر
أو استنباط الحل له، من الطبيعي أن يلجأ بعد ذلك إلى تحري تجارب
الآخرين حول هذا الأمر، والاستعانة بها لتجاوز هذا الاستعصاء
والخروج بحل عملي يكون قد ثبتت مسبقاً نجاعته من خلال التجربة
التي هي خير برهان، لهذا الأمر (وما الجديد في ذلك، قد يغمز
قارئ ضاق ذرعاً بهذه الزاوية كل أسبوع، وقد يكون له الحق)، فالحديث
عن التجربة كمنجز إنساني والفرص الكبيرة المتاحة للإفادة منها
واستثمارها في مسيرة التطور للجنس البشري، هو إجمالاً ما يشكل
تاريخ الحضارة الإنسانية على هذا الكوكب بداية من الاكتشافات
الأولى في مسيرة الارتقاء التي حققتها الإنسانية منذ الانسان
الأول، من واقع حاجاته الضرورية الماسة لتحسين معيشته وجعلها
أقل مشقة.
لكن هذه التجارب التي واجهها الإنسان طوال مسيرته الحضارية،
والاستنباطات والاكتشافات التي تحققت من خلالها، ما كانت قد
تثمر لها هذه الأهمية والفائدة، لولا تميز هذا الإنسان وامتلاكه
كخاصية له وحده من دون كائنات الأرض الأخرى، ما يمكن تسميته
بالوعاء الحافظ لهذه التجارب: الذاكرة، فبواسطة الذاكرة التي
خص بها أمكن له المحافظة على هذه التجارب واستعادتها وقت الحاجة
إليها كما أن المحافظة عليها مكن له مراكمة تجاربه في خط تطوري
صاعد، دائما وهذا بالتالي ما حقق له ميزة ينفرد بها وحده من
دون كائنات الأرض كافة، وهو كونه أصبح بفضل ذاكرته وما ينتج
عنها من تراكم متسق تجاربا وأحداثا، كائنا تاريخيا ولذلك يمكن
القول إن وعيه للزمن لم يعد وعياً دائرياً ينتهي في نفس النقطة
التي يبدأ منها، إنما الزمن أصبح لديه امتداد بين ماض يسكن الذاكرة
بتجاربه ومستقبل مأمول به ومنشود من على شرفة الحاضر الذي هو
راهن بمقدار استغراقه في الوقت لمشارفة المستقبل، من ثم ينكفئ
ماضيا كي يسكن في أضابير الذاكرة.
حول التاريخ كظاهرة إنسانية يختص بها أو ينتج مادتها البشر،
يشكل الفأر وتجربته الفاشلة في كل مرة في اتقاء الوقوع في المصيدة،
مثالا ملائما يبرهن على تعذر أن يكون الفأر كائناً تاريخياً
مقارنة بالبشر، يعود بالدرجة الأكبر إلى انتفاء حدوث التراكم
للتجارب السابقة، التي في كل مرة هم فيها الفأر لالتهام قطعة
الجبن (الطعم) وقع في المصيدة وهكذا بشكل متكرر ومتواصل، بما
يعني عدم الاستطاعة وعدم القدرة في الإفادة أو حتى الاتعاظ من
التجارب السابقة أو وضعها في الحسبان بالمرة .
هكذا فإن الخبرات البشرية وتراكمها في الذاكرة والإفادة والاغتراف
منها في سبيل تنمية المشروع الحضاري الإنساني وتطوره، هي التعريف
الحقيقي للتاريخ ، لا تاريخ السيف والحروب (مع الاعتذار لأبي
تمام) ، ولا تاريخ المؤامرات وحياكة الدسائس السياسية في أروقة
القصور.
بقي القول أن العرب ومنذ فترة اضمحلالهم الحضاري وانقطاعهم عن
المساهمة بدورهم الفاعل السابق الذي كان لهم في الحضارة العالمية
وحتى اليوم، هم بعيدون كل البعد عن مبدأ مراكمة الخبرة المعاشة
في حياتهم، والإفادة منها، فتاريخهم خلال هذه المدة الطويلة
قد كتب بمعزل عن الخبرة ومراكمتها، تاريخ ابسط ما يوصف به أنه
تاريخ عقل دائري مغلق يدور حول نفس النقطة ذاتها، حسبما وصف
المفكر المغربي محمد عابد الجابري العقل العربي، فما أشبهنا
بالفأر وما أشبه الفأر بنا في ذلك.
أحمد الرحبي
ara7bi@hotmail.com
أعلى