|
فتاوى وأحكام
السؤال
رجل كان يقرأ التشهد بدل الفاتحة في الركعة الثالثة ثم انتبه والإمام
قد ركع لكنه بدأ في قراءة الفاتحة وأكملها ففاته الركوع وأدركهم في
السجود ، فما الحكم ؟
الجواب :
ما كان ينبغي له ذلك ، ولكن بما أنه فعل هذا فعند من اعتبر الركعة
كلها حداً واحداً لا يمنعه من هذا الفعل ، وبما أنه وقع فليأخذ بأرخص
الأقوال . وفي المستقبل لا يفعل ذلك .
السؤال (تابع )
هل يقضي الركعة كاملة ؟
الجواب:
يصلي ما أدركه وليقض ما فاته .
السؤال
إمام سها فسجد سجدة واحدة ثم قام منتصباً فسبح له المأمومون فهل يعود
ليسجد السجدة الثانية ؟
الجواب :
نعم . يعود إلى المكان الذي كان فيه ثم يسجد بتكبيرة .
السؤال
من جاء من سفر وبقي عن العمران خمسة كيلومترات وأرد أن يجمع الصلاتين
، فهل يصح له ذلك ؟
الجواب :
الذي نأخذ به إن كان قصر للصلاة خارج الأميال بحيث صلى الرباعية ركعتين
فإنه يصطحب القصر داخل الأميال .
أما إن كان خرج ولم يقصر الصلاة بحيث لم تحضره صلاة مطلقاً أو حضرته
صلاة لا تقصر كصلاة المغرب وصلاة الفجر ، أو أنه صلى رباعية وراء إمام
متم ففي هذه الحالة إن دخل الأميال فلا يقصر الصلاة بل يتم .
هذا الذي نأخذ به وإن قال بعض العلماء بخلاف ذلك .
ولكن مع هذا فإن الجمع يسوغ حتى مع الإتمام عندما تكون هنالك حاجة
ملحة داعية إلى ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلّم صلى الظهر والعصر
معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا
مطر ، كما جاء ذلك في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند الربيع
رحمه الله ، والحديث مروي عند الشيخين وغيرهما بلفظ ( صلى رسول الله
صلى الله عليه وسلّم الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء معاً من غير
خوف ولا سفر ) ، وفي رواية ( من غير خوف ولا مطر ) .
السؤال
رجل عثر على قطعة من الذهب في سوق مزدحم وبقرب محل للذهب ماذا يصنع
بها ؟
الجواب :
هذه القطعة تعتبر لُقَطة ، وفي هذه الحالة يؤمر بأن يُعرّف بها إن
كانت عليها علامة تعريف بحيث يمكن أن تُعرّف بشيء ، فإن مضت المدة
التي يمكن أن يتصور بأن يأتي صاحبها ولم يأت أحد سائلاً عنها بحيث
لم يظهر لها رب ، في هذه الحالة تدفع إلى فقراء المسلمين ويكون في
ذلك خلاص لصاحبها .
سؤال ( تابع )
هل يكفي هذا التعريف أن يعلق إعلانا في ذلك المحل مثلاً ؟
الجواب :
هذا من جملة التعريفات ، لكن ينبغي أن يعرف من خلال إعلان ذلك عند
خروج الناس من المساجد على أبواب المساجد ، وإن كان ذلك في السوق فعند
خروج الناس إلى السوق .
السؤال
ما حكم ما مضى من الصلاة بعد الوقت بالنسبة لصلاة الصبح لاحتمال أنه
قد صلى مع الطلوع وهو لم يراقب الشمس لجهله ؟
الجواب :
في هذه الحالة يصطحب الأصل ، وباصطحابه الأصل لا حرج عليه ، والأصل
أن الوقت باق حتى يُتيقن خروج الوقت ، أي يتيقن أن الشمس شرعت في الطلوع
، فإن لم يتيقن ذلك فلا حرج عليه فيما مضى ، وليحتط في المستقبل .
السؤال
ما حكم ما مضى من الصلاة قبل الوقت بالنسبة لصلاتي العصر والعشاء ،
أي بدأ بالصلاة قبل دخول الوقت ودخل الوقت وهو لا يزال في صلاته ؟
الجواب :
إذاً أحرم لها قبل الوقت وبما أنه أحرم لها قبل الوقت فلا يسوغ له
ذلك اللهم إلا إن كان في حال الجمع بين الصلاتين .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
عمل المرأة في الإسلام
العمل في الإسلام حق لكل مسلم
لا يستطيع أحد أن يقوم مقام المرأة في تربية الأجيال التي يتوقف عليها
مستقبل الأمة وبها تتكون أعظم ثرواتها وهي الثروة البشرية.
كرّم الإسلام المرأة وأعلى شأنها ورفعها إلى
مصاف الكرامة والعزّة
الإسلام وضع للمرأة ضوابط و أصولاً يجب التزامها
بيروت ـ الوطن ـ د. مؤيد حاج إبراهيم:
العمل عماد الحضارة وسر التقدم، وأساس السعادة والرفاه في كل أمة وجيل،
وفي جميع الميادين، والدنيا بلا عمل سكون وركود، فلا زراعة ولا صناعة
ولا تجارة إلا بالعمل. ولهذا فإن الشارع الإسلامي حرص على العمل أشدّ
الحرص، ورغّب فيه أشدّ الترغيب ونوّه إليه في كثير من آياته البيّنات،
فمن ذلك قوله تعالى: {وَقُلْ اعْمَلُوْا فَسَيَرَىْ الله عَمَلَكُمْ
وَرَسُوْلَهُ وَالمُؤْمِنُوْن} [التوبة: 9/105].
العمل في الإسلام ليس سرّ السعادة في الدنيا فحسب، ولكنه سر السعادة
في الدنيا والآخرة معاً، فلا جنة لمن لا عمل له، قال تعالى: {وَمَنْ
يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّة} [النساء 4/124].
والعمل في الإسلام حق لكل مسلم، لا فرق فيه بين صغير وكبير، وغني وفقير،
وعالم وجاهل، وذكر وأنثى، وهو مفتوح على مصراعيه أمامهم ما داموا يرغبون
فيه، ولا يمنعون منه إلا أن يتسبب في ضرر لهم أو للآخرين، فيكون المنع
عندها دفعاً للضرر، وهو مصلحة يراعيها الشارع الحكيم ويحافظ عليها،
وذلك مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا ضَرَرَ ولا
ضِرَار}.
وقد وضع الإسلام للعمل ميزاناً صحيحاً يتفق مع الطبائع البشرية، والفطرة
الإنسانية، ذلك الميزان هو الإجادة والاتقان في العمل، فالعمل يسمو
بمقدار الاتقان فيه أياً كان نوعه، وينخفض بمقدار الإهمال فيه أياً
كانت صفته.
ولا عتب على الإسلام إذا ما قدّم النساء حيث وجب تقديمهنّ، وقدّم الرجال
حيث وجب تقديمهم، فإن ذلك غاية الحكمة، ولم لا؟ فهو شرع الله الحكيم
العادل الذي يعرف السر وأخفى، القادر الذي لا يداري ولا يماري.
إن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيها منازع، ولا ينافسها
فيه منافس، هو تربية الأجيال، التي هيأها الله له بدنيّاً، ونفسياً،
ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان،
فإن أحداً لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير الذي
يتوقف عليه مستقبل الأمة، وبه تتكون أعظم ثرواتها، وهي الثروة البشرية.
العمل اصطلاحاً: عبّر عنه علماء اللغة: "بأنه الفعل المفضي إلى
اجتلاب نفع أو دفع ضرر"، وقد جعل الإسلام العمل بهذا المفهوم
حقّاً لكل فرد لا فرق بين صغير وكبير، وذكر وأنثى، وعالم وجاهل، وغني
وفقير، ما دام مشروعاً في القرآن الكريم والسنة المطهرة، من ذلك قوله
تعالى: {فَامْشُوْا فِيْ مَنَاْكِبِهَا وَكُلُوْا مِنْ رِزْقِهِ وَإِليْهِ
النْشُوْر} [الملك: 67/15]، وجاء في تفسير هذه الآية: "أن الله
تعالى جعل الأرض سهلة يمكن السلوك والاستقرار عليها، فامشوا في أطرافها
وطرقها وفجاجها وحيث أردتم، وترددوا في أقاليمها بأنواع المكاسب والتجارات".
مكانة المرأة عبر التاريخ
ويضيف: لقد كان وضع المرأة لدى أغلب الأمم قبل الإسلام وضعاً مهيناً
قاسياً مذلاً، فلم يكونوا يعدّونها إنساناً ذا روح بل كانوا يعتقدون
أنها من روح وضيعة، وهي عندهم أصل الشرور ومنبع الآثام.
"ولم يكن للمرأة عند الهنود أي حق من الحقوق، وهي خادمة فقط لزوجها،
أو أبيها ولا تملك الأهلية للتصرف في مالها، بل لم يكن لها حق الملكية
ذاته إذ كل ما تملكه يعود إلى زوجها أو أبيها أو إلى ولدها وكانت إذا
مات زوجها أحرقوها حية ودفنوها معه وبقيت هذه الجريمة النكراء حتى
بعد أن دخل الاستعمار البريطاني إلى الهند وفرض قانوناً يمنع إحراقها
حية ومع ذلك فقد استمر إحراق الزوجة من حين لآخر حتى في القرن العشرين".
وفي شريعة حمورابي كانت تعد المرأة مثل السائمة وليست لها الأهلية
للملكيّة ولا للتصرف، وإذا قتل رجل ابنة رجل آخر فعليه أن يسلمه ابنته
ليقتلها أو يسترقها حسبما يشاء.
وكذلك كانت المرأة عند اليونان والرومان لا تملك لنفسها أمراً ولا
نهياً، ولا يزيد وضعها عن وضع السلعة، وليس لها حق في الميراث، ولا
في الملكيّة، ولا في التصرف، "أما الأهلية المالية فلم يكن للبنت
حق التملك وإذا اكتسبت مالاً أضيف إلى أموال ربّ الأسرة ولا يؤثّر
في ذلك بلوغها ولا زواجها".
وفي اليهودية "كانوا يضعون المرأة في مرتبة الخادم ولأبيها الحق
في بيعها وهي قاصرة، ولا ترث شيئاً إلا إذا لم يكن لأبيها ذرية من
الذكور، فالمرأة لا ترث ما دام في الأسرة رجال، بل أنها هي نفسها تورث
كمتاع إذا مات زوجها ويرثها أقرب ولي لزوجها".
"وكانت المرأة عند اليهود والنصارى تُعدّ أصل الشرور، ومنبع الخطيئة،
ومصدر الآثام، وهي نجسة، وخاصّة في أيام حيضها، ومن لامسها يكون نجساً
سبعة أيام، وهي عندهم سبب خروج آدم من الجنة، فهي التي أغرته بأكل
التفاحة (الشجرة المحرمة)، وهي سبب اللعنة الأبدية التي نزلت بآدم
وذريته فيولد كل ذريتها ملطخين بعار الخطيئة ولا يخلّصهم منها إلا
إذا آمنوا بعيسى المسيح المخلص والإله، (أو ابن الله) وفي معتقدهم،
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً".
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن اليهود كانت إذا حاضت منهم
المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها، ولم يجامعوها، فقال صحابة رسول
الله ما نصنع يا رسول الله؟ قال اصنعوا كل شيء إلا النكاح".
أما نبي الإسلام صلوات الله عليه، فقد كان يضطّجع مع نسائه، وإذا انسلّت
إحداهن دعاها إلى خيمته لتنام معه، وكان يُباشرهنّ فوق الإزار، وكانت
عائشة رضي الله عنها تسرّح شعره وهي حائض وكان يقرأ القرآن وهو في
حجرها وهي حائض.
أما العرب في جاهليتهم، فكانوا يرون المرأة كالمتاع أو سقط المتاع،
وكان إذا مات أحدهم جاء وليّه فوضع عليها ثوبه فلا تستطيع أن تتزوج
حتى يوافق هو على ذلك أو تفتدي نفسها منه بمال، وكانوا يحسبونها على
الصبي حتى يكبر، إذا شاء تزوجها وإذا شاء زوّجها من يشاء وأخذ صداقها
ما لم تكن أمه فلم يكن ينكحها.
وقد منع الإسلام ذلك كله، وفرض لها نصيباً معلوماً: قال تعالى: {لِلرِّجَالِ
نَصيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ
نَصيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ
مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} [النساء: 4/7] وكانوا في
الجاهلية لا يكتفون بأن يحرموا المرأة من الميراث؛ بل إنهم في أحيان
كثيرة يحرمونها من الحياة ذاتها، فكانت المرأة إذا ولدت له امرأته
بنتاً أخذها وحفر لها حفرة فرماها فيها، وأهال عليها التراب، وما هو
أشد وأشنع من ذلك أنه قد يكون مسافراً حين تلد امرأته فيتركها حتى
تكبر فيأخذها من أمها ويحفر الحفرة وتنفض عنه ابنته التراب فيغافلها
ويدفعها فجأة إلى الحفرة ثم يهيل عليها التراب، وهي تصرخ، قال تعالى:
{وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (5) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:
81/8 - 9].
مكانة المرأة في النظام الإسلامي
وقد جاء الإسلام في وقت كان فيه التفريق بين الناس هو الأصل في النظام
الاجتماعي، وفي النظام السياسي على السواء، ففي بلاد الشام المجاورة
لجزيرة العرب كانت تطبق شريعة روما وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم
التي تقسم الناس إلى أحرار وأرقاء، وكان الأحرار هم المتمتعون وحدهم
بالحقوق المدنية والسياسية، أما غيرهم فكانوا محرومين.
وفي جزيرة العرب التي ظهرت فيها رسالة الإسلام كان الرقّ أصلاً من
أصول الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يكن للرقيق عبدا
كان أو أمة شيء من الحقوق.
كما كانت الأمم بما فيها العرب تتفاضل أيام البعثة بالمال والجاه،
والشرف واللون، وتتفاخر بالآباء والأمهات، والقبائل والأجناس، في هذا
الجو الذي يسوده التمييز بين الناس ويعمّه التفاخر بالأحساب والأنساب،
جاء الإسلام يدعو إلى المساواة بين الناس كافة؛ بين الحر والعبد، والأبيض
والأسود، والعربي والأعجمي، والرجل والمرأة.
وقد أودع الإسلام مبدأ المساواة، وعدم التمييز بين البشر لأي سبب كان
في دستوره، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوْباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوْا
إِنَّ أَكرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتقَاكُمْ} [الحجرات: 49/13].
"لقد كرّم الإسلام المرأة، وأعلى شأنها ورفعها من وهدة الذلّ
ومن مستنقع الرذيلة، ومن حفرة الوأد، وحقارة الشأن إلى مصاف الكرامة
والعزّة، الجنة تحت أقدام الأمهات، وهي زوجة، تعامل بالرفق واللين،
وهي ابنة، وكفالتها واجبة، وهي مؤمنة قانتة، قد أعدّ الله لها مثل
ما أعدّ للمؤمنين القانتين لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى، قال تعالى:
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَاْمِلٍ
مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:
3/195]".
"فالقرآن الكريم لا يفرّق بين الذكر والأنثى أبداً، فهما متساويان
أمام الله عز وجل في الثّواب والعقاب، فالإسلام دين المساواة، ويسعى
لإيجاد أجواء سليمة ونزيهة، يسودها العقل والمنطق".
إن المرأة في عهد الحضارة الإسلامية، وعت أن القرآن الكريم يريد أن
يجعل منها إمرأة قادرة على تحمّل الأمانة، فاستجابت لذلك، وتكاملت
مع أخيها الرجل في حمل أمانة الخلافة على الأرض بثقلها ومسؤولياتها،
واستطاعت حماية حقوقها التي منحها الله عزّ وجل إياها، دون أن تفرّط
فيها أو تتنازل عنها أو تتساهل فيها، كما عملت على أداء واجباتها غير
منقوصة تجاه ربها أولاً، ثم تجاه نفسها وأسرتها ومجتمعها وأمّتها،
وعاشت في ظل كل هذا مكرّمة ومعزّزة، لكن هذه المكانة تسلّل إليها الوهن
والخلل حين ابتعد المسلمون عن منابع وجودهم، القرآن والسنة، فساء تصوّرهم
للمرأة ولحقوقها وواجباتها وساء تبعاً لذلك سلوكهم في معاملتها، وتعدّوا
حدود الله في ذلك فظلموا أنفسهم، وخصوصاً في عصور التخلّف التي بعدت
الأمة فيها ـ إلا من رحم ربك ـ عن هديّ النبوة ووسطية الإسلام ومنهج
السّلف الذي يتميز باليسر والاعتدال.
الضوابط الشرعية لعمل المرأة
وقد حدد البحث مجموعة من الضوابط الشرعية لعمل المرأة بعد استعراض
آراء مختلف العلماء ما بين من يجيزون عمل المرأة ومن يمنعون، فذكر
من هذه الضوابط:
أولاً: الحجاب وهو شرعاً: (تطلق كلمة حجاب على اللباس الذي تؤمر المسلمة
بارتدائه لستر ما أوجب الشارع الحكيم عليها ستره، فالحجاب إذاً يقصد
به الستر الشرعي) والحكمة الباعثة على مشروعية الحجاب تتمثل في أن
تختفي المثيرات الجنسية، والمفاتن الغريزية عن أبصار الناظرين إليها
من الرجال، فلا يستثيرهم منها شيء إلى أي تحرش إو إيذاء، ولا يبصرون
من الفتاة أو المرأة إلا شريكة معهم في الخدمات الانسانية، وبذل الجهود
الاجتماعية المتنوعة، ما دام المجال الذي يتم فيه التلاقي بينهما مجالاً
اجتماعياً يتداعى فيه الجميع إلى التعاون في بناء المجتمع وإقامة دعائمه
الحضارية.
ثانياً: الإذن:
"يقال أذنت له في كذا أي أطلقت له فعله" والمقصود به هنا:
أن يُؤذن للمرأة أن تخرج من بيتها للعمل من قبل زوجها أو ولي أمرها.
والإذن على وجهين بحسب حال المرأة كما يأتي:
1 ـ فإذا كانت المرأة متزوجة تحتاج إلى إذن زوجها لها بالخروج من المنزل.
ـ ودليل ذلك: من القرآن الكريم قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِيْ
عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوْفِ} [البقرة: 2/228].
2 ـ وإذا لم تكن متزوجة، تحتاج إلى إذن من أبويها في حال وجودهما،
ثم الجد في حال عدم وجود الأب.
ـ ودليل ذلك: أن نفقة البنت الفقيرة تجب على أبيها الموسر، وفي حال
وجود الأب، أو كان موجوداً ولكنه فقير غير موسر، فإن النفقة تنتقل
إلى الموجود من الأصول، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقَهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بالْمَعْرُوْفِ} ثم يقول تعالى في نفس الآية: {وَعَلَى
الْوَاْرِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 2/233]، أيضاً من جهة الولاية
فالأب ولي ابنته ثم الجد في حال عدم وجود الأب.
ومن جهة البرّ والصلة فقد أمر الإسلام ببر الوالدين وطاعتهما والإحسان
إليهما، فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوْا إِلا إِيَّاهُ
وَبِالْوَاْلِدَيْنِ إِحْسَاْناً} [الإسراء: 17/23].
ثالثاً: عدم كون العمل معصية، أو معيباً تعيّر به أسرة المرأة:
ومن تلك الأعمال: الغناء، والعزف على الآلات الموسيقية والرقص والنوح
والندب والسحر والشعوذة والتنجيم... وغيره من الأعمال المعيبة والموقعة
في المعاصي.
عندئذٍ يصبح عمل المرأة حراماً، فالعمل مهما كان شريفاً يغدو غير شريف
إذا استدعى من المرأة أن تخرج من سلطان سترها وكرامتها.
رابعاً: عدم الاختلاط بالرجال الأجانب:
وذلك لما ينتج عن الاختلاط من فساد وانحلال في الأخلاق، حتى لا تظهر
ملامح الفساد والرذيلة، فقد بنى الإسلام قواعد تُعدّ أصولاً حيال مسألة
الاختلاط بين الجنسين منهما:
أ ـ منع الانفراد أو الاختلاء بالأجنبيات من النساء.
ب ـ منع اختلاط الأطفال في المراقد في سن التمييز، ولو كانوا إخوة
وأخوات.
ج ـ تخصيص الصفوف الخلفية للنساء في صلاة الجماعة بالمساجد، لأن من
حق المرأة أن تنال ثواب الجماعة بالمسجد.
د ـ جواز اختلاط الرجال بالنساء في مناسك الحج لضرورة أو حاجة، مع
اجتناب الزحمة.
وبالتالي من الواضح أن الإسلام لم يحرّم اختلاط الرجال بالنساء مطلقاً،
بل عمل على ضبطه ووضع أصولاً يجب التزامها لتكوين المجتمع الإسلامي
القوي السليم، وعندما يكون الاختلاط مدعاةً إلى إثارة الغرائز والشهوات
فلا يجوز ذلك، وقد حرّم الإسلام في ميدان العمل ميدان الجدّ والنشاط،
خلوة الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية، وحرّم مصافحة المرأة للرجال
الأجانب.
خامساً: طبيعة العمل أو (الوظيفة) الذي تؤدّيه المرأة خارج منزلها:
فلا يجوز للمرأة أن تشتغل بالأعمال الشاقّة، التي تتطلب جهداً بالغاً
متصلاً يثقل كاهل المرأة ويرهق جسمها ويفقدها أنوثتها أو كرامتها الانسانية.
سادساً: ألا يكون عملها على حساب واجبات أخرى لا يجوز لها إهمالها،
كواجبها نحو زوجها وأولادها وهو واجبها الأول وعملها الأساس.
سابعاً: أن تلتزم آداب المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها في الزّي
والمشي والكلام.
ثامناً: ألا يكون عمل المرأة سبباً في قطع سبيل الاكتساب أو تضييقه
على الرجال، لأن ذلك يؤدي إلى نشوء اضطراب في نظام المسؤوليات المنوطة
بالرجال بالنسبة لقضايا الأسرة خاصة والمجتمع الإسلامي عامة.
أعلى
(( مكانة الأخلاق في الإسلام))
إن للأخلاق في الإسلام مكانة عالية، فقد مدح
الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم ، وأمرنا
الله تعالى أن نتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أموره، وهو الذي
قال: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، ولقد حث الإسلام على حسن
الخلق، فجعل جزاء من حَسُنَ خُلُقُه الجنة، قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (( أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا))، وحسن الخلق
كلمة تجمع كل خلق حميد، كالأدب والإيثار، والكرم والشجاعة والصدق،
والوفاء وغير ذلك،.
والمسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى هذه الأخلاق عامة , وإلى الأدب
خاصة، لأن ذلك من الإيمان، فأي نقص في الأخلاق دليل على نقص في الإيمان،
وإن أولى من يجب على العبد أن يتحلى بالأدب معه هو الله تعالى، ومن
ثم نبيه صلى الله عليه وسلم والوالدين وبعد ذلك المؤمنين والناس عامة.
فيجب على المسلم : أن يستحيي من الله تعالى حق الحياء، فإن من الأدب
ألاَ تعصي الله وهو يراك، وأن لا تعصه على أرضه، وإن من الأدب مع الله
تعالى، والذي لا يستقيم إيمان عبد بدونه، أن تؤمن بالقدر، وأن تسلم
لأمر الله، فإن من تذمر من قضاء الله أو تشكى، أو قال: لماذا أنا من
دون الناس؟ فقد أساء الأدب مع الله وكفر بالقدر، وإن من سوء الأدب
مع الله تعالى أيضا ما يفعله البعض من تعجل إجابة الدعاء، قال النبي
صلى الله عليه وسلم: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم
يستجب لي))، وإن من إساءة الأدب : أن يرفع المرء صوته بالدعاء كما
يفعل البعض ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس أربعوا
على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا،
وهو معكم))، واعلم أخي المسلم: أن من أعظم أنواع إساءة الأدب مع الله
تعالى أن يقدم العبد عقله ورأيه على أوامر الله تعالى وشرعه، فإن ذلك
من جنس الكفر الذي وقع فيه إبليس، الذي أمره الله عز وجل بالسجود لآدم
فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، وكم من أشباه المسلمين
اليوم من يقدم عقله السقيم ورأيه الوخيم على كلام رب العالمين ، وشرع
سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال الله تعالى:( يا أيها الذين
آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم)
، أخي المسلم الكريم: إن من أفتى بغير علم، أو رفض , ورد أمرا من أوامر
الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, لأنها تُخالف هواه وما تعود عليه،
أو قدًم أقوال أحد من البشر على قول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله
عليه وسلم فقد وقع في المحظور الذي نهى عنه ربنا سبحانه و تعالى في
قوله: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ، ولقد جعل الله تعالى رفع الصوت
فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم محبطا للعمل، فكيف بمن يرفع رأيه
وذوقه وعقله فوق كلامه صلى الله عليه وسلم؟
وإن من إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادى باسمه مجردا،
كما يفعل ذلك بعض الكتاب، فيقول مثلا: ذهب محمد ابن عبد الله. إذ المشروع
أن يقول المسلم: رسول الله أو نبي الله صلى الله عليه وسلم.
وانظر إلى أدب العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أنت
أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله؟
وإن من إساءة الأدب معه : أن تسمع من يستهزئ أو يطعن في سنته وأنت
لا تدافع عنها ولا تذب عن دينك، كذلك من إساءة الأدب أن تعلم أن نبيك
صلى الله عليه وسلم من سنته كذا وكذا، ثم أنت ترغب عن فعلها واتباعها،
وتعرض عنها والعياذ بالله،
لقد أمر ربنا عز وجل بالإحسان إلى الوالدين، وقرن حقهما مع حقه فقال
تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ،إلا أن الواقع
الذي نراه يخالف ما أمر الله تعالى به، فأنت ترى من يرفع صوته على
والديه ويشد نظره إليهما، ويدخل الحزن والأسى على قلوبهما، ويسيء معاملتهما
ويمتن عليهما ولا يحسن إليهما، أو يعاملهما معاملة الند والصنو، بل
إن من المسلمين من قد ينادي أباه أو أمه باسمه المجرد، وربما أشار
إليهما بلفظ الشايب والعجوز، وهذا والله كله من العقوق.
إن الآداب كثيرة، وأثرَها ونفعَها كبير وعظيم في الدنيا والآخرة، فيجب
على المسلم أن يتحلى بها كلها أو بمعظمها، ويجب على الصالحين الملتزمين
بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذين يطبقون كل صغيرة وكبيرة ,في
مظهرهم ولبسهم أن يُضيفوا إلى ذلك, تطبيق السنة في تعاملاتهم، وأن
يتحلوا بهذه الأخلاق والآداب، إذ هي أولى بلا شك من سنن اللباس والمظهر
الخارجي، ولا يعني ذلك أبدا أن يستخف أو يستقل الإنسان بإعفاء اللحى
أو بتقصير الثياب، فإن ذلك من الواجبات، ولكن من الواجبات أيضا أن
يُحسن المرء أخلاقه وتعامله مع المسلمين وغير المسلمين، فالواجب أولا:
أن يتبع المسلم أوامر الله ورسوله بحذافيرها، والواجب ثانيا أن يكون
قدوة للعوام والجهلة الذين يتحججون ويتذرعون بأفعاله، عصمنا الله وإياكم
من الزلل في الفعل والقول والعمل، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي
لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.اللهم
آمين *
إبراهيم السيد العربي
أعلى
|