الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


سيرة الحجر






مبتدأ

خلال تواصلنا مع الكتاب والمثقفين والمبدعين في السلطنة، لمعرفة ورصد الإدارات العمانية الجديدة التي يتوقع أن تطرح في معرض مسقط الدولي للكتاب في دورته الحالية، علمت (أشرعة) أن القاص والمسرحي هلال البادي يتولى الإشراف على طباعة أكثر من مشروع لطباعة الكتب العمانية في الخارج.
هلال البادي قدم استعراضا بانوراميا يتضمن خمسة وعشرين كتابا عمانيا جديدا، تنشرها (أشرعة) في هذا العدد الذي يتزامن مع انطلاق معرض مسقط الدولي للكتاب الرابع عشر الليلة. وبالطبع فهناك أكثر من هذا العدد من الإصدارات العمانية الجديدة سنتناولها بالنشر والعرض أثناء أيام المعرض في الصفحة اليومية المخصصة، بغية تعريف القارئ بما هو جديد في المشهد الثقافي لدينا.
الدكتورة الشاعرة فاطمة الشيدي تكتب في هذا العدد بجمالية متناهية عن الالتواءات في كاحل الفراغ، التي ضمنتها رسائل قصيرة تبوح بالكثير من الشجن والبسملات والشعر.
من جانبها تكتب آمن الربيع عن المصيدة، التي تؤكد أنها مصيدة خاصة تحيل القارئ إليها مباشرة إلى الفصل الثالث من مأساة هاملت لشكسبير!
وتتواصل الأقلام النسائية حيث نلتقي مع الكاتبة عزة القصابي، التي تكتب عبر صفحات هذا العدد رؤاها النقدية، أو بالأحرى الجزء الأول من قراءاتها النقدية لجانب من العروض المسرحية التي قدمتها أيام صحار المسرحية. فيما نقرأ لسميرة الخروصي عمودا أدبيا تحت عنوان (قصب) يجف. وفي سياق الحديث عن الأقلام النسائية نقرأ نصا قصصيا جديدا للقاصة أمل المغيزوي يحمل عنوان (حروف).
الشاعر صالح العامري يكتفي في هذا العدد بكتابة (عندما..) هذ الكلمة المفخخة والمعبأة بحمولات الحنين والذكريات حلوها ومرها، يرصدها العامري عبر ذاكرة لا تمل سرد تفاصيل الألم.
عبدالله خميس يكتب في هذا العدد عن فيلم آخر بعنوان (تشانجلينج).. تدور قصته حول صراع أُمٍّ استبدلت الشرطة ابنها المفقود بطفل آخر، ليقدم عبدالله خميس مقاربته النقدية الجميل لهذا الفيلم.
هذا العدد من (أشرعة) يأتي زاخرا بالمواضيع والقراءات والنصوص الإبداعية.. فإلى صفحاته.

المحرر

أعلى




شتات الأناءات

في صمت الوحدة وفي وحدة الصمت تتضارب في داخلي مشاعر عدة، وتتخالط مع رائحة العطن القادمة من القبو أسفل المصعد.. أضغط على زر الطابق الأخير.
وحين أصل أضغط على زر الطابق الأرضي، أكرر العملية عند انفتاح باب الوصول للطابق بدون وعي تام وأدراك لأحظى بشيء من الخصوصية والوحدة، ولأتوحد مع كثرة الأناءات التي تجول في داخلي...
صوت من الضمير يؤنبني في زمن لا يوجد فيه ضمائر إلا للفقراء.. طفلة بضفائر مجدولة على جانبي رأسها تجلس في وسط لوح خشبي، في حبل نصب على غصن شجرة تتأرجح في عيني, شيء ما في داخلي يتأرجح معها فيوقظ الدمع على خدي.
واحدة من الأناءات تعود بي للطفولة، وواحدة أخرى تعود بي للأمس, وواحدة أسوأ تعود بي لمقاعد الدراسة, تتزاحم جميعها حول قفصي الصدري، ولا أجد نفسي في واحدة منها... لا أستطيع أن أميز ملامح الطفلة، وحده الشعر المجدول والشريط الأحمر الذي ينتهي به يقترب ويبعد أمامي.
تجذبني رائحة رطوبة الأماكن المغلقة القادمة من القبو, أنا أخرى جديدة تتراقص بمخيلتي.. الأنا المتبلدة والساذجة، تبدو ملامحها كسلحفاة تهرب من الخطر لتتقوقع على نفسها.
أنا أخرى عرفتها اليوم وتيقنت من وجودها ضمن مجموعتي الأنا الحاقدة والمنتقمة، ربما لم تلتهب جذوتها بعد ولكني أحس بجذورها تتغلغل ببطء في داخلي.
لا أدري لماذا أقوم الآن بمثل هذه المحاسبة الذاتية على غير المعتاد، ربما لأنه لم يعد لدي ليل ألتجئ إليه لأحاسب نفسي فيه وأجمع الأناءات من شتاتها.. وحده جرس المصعد يوقظني من خلوتي مع أناءاتي.

دارين العبري


أعلى






رسائل قصيرة
التواءات في كاحل الفراغ


* إلى (م. الرومي):

كلما سمعت أغنية (ابحث عني) أشعر أن ثمة امرأة تنسلخ من حدود الصوت، امرأة من نور الحكمة، ومن نار الأجساد، من ذاكرة العطر، ومن حنين الرؤى الغامضة والغاصة بالفقد، امرأة خاصة مقدودة من منطقة الحلم في مخيلة شاعر، تسكن بؤرة ضوئية في زاوية ما من هذا العالم الرمادي، لها أجنحة شفافة تكاد لا ترى، وكأنها مستعدة أبدا للغياب، أو للغرق في بحيرة زرقاء، لها هالة خرافية من نور ممزوج بالحلكة تجعلها متألّهة بالحزن، وكأنها نورسة مجنونة استشرفت خذلانات العالم، وابتهجت برنين العزلة في منطقة خارج البحر واليابسة معا، أو بجعة بريش باهت بين الأزرق والأخضر والرمادي، لها لون خارج اللونية السائدة أو المتعارف عليها.
امرأة تجمع كل الضديات في نظرتها الشاردة، وفي ضحكتها الغامضة التي تخرج من بوتقة الروح التي صهرت في بؤرتها كل الانفعالات حزنا وفرحا وغيابا وكرها وعشقا، لتخرج ممتزجة بالسمو والعبث الحنون والوجع الرؤوم.
امرأة بشعرها الداكن وعينيها الغائرتين تجلس في بهو بيت متواضع، وبأصابعها الطويلة والناحلة كشموع في نسغ الليل، أو كمراود من فتنة تغزل الكريشوه بإبرة فضية براقة صدارا لعاشق لن يأتي، وتعود لتنكث غزلها كل صباح لتلتذ بفتنة الانتظار، في النهارات تستحم بالضوء، وتختبئ في عيون أطفالها العشرة، وفي الليالي تحضّر العشاء لحبيب لا يأتي، ثم تعانق المرايا، وتذرو قصاصات من الورق الملّون على دروب الحلم، وتمد يديها نحو رغبة التحليق، وتغني (ابحث عني)!

* إلى (م. العامري) شاعر على فراش المرض..

أيها الشاعر انفض شرشفك الأبيض عدة مرات في مدارات عزلتك البهية:
في المرة الأولى سيتطاير الفراش ويملأ شوارع الفراهيدي.
وفي المرة الثانية ستتجمع الغيوم فوق رأسك لتدثرك من أي مكروه.
وفي المرة الثالثة ستمطرك السماء بألف حورية مرمرية تدثر وجعك وتطبب جراحاتك الشعرية.
وفي المرة الرابعة سيمتلأ الكون أطفالا يعبئون رئة الأرض بكركراتهم الخضراء.
في المرة الخامسة سيمتلأ المكان زهورا ملوّنة ستجعل المكان جنة استثنائية.
وفي المرة السادسة سيهجم النحل على المكان وتسيل أنهار العسل فيتلقفه الشعراء والكتاب ويجعلونه مدادا لكتاباتهم لألف عام مقبل.
وفي المرة الأخيرة سيمرض المرض، ويهرب للأبد خجلا أمام كل هذا البهاء، وتعود كضوء يخاتل الغيم في صباح ممطر، أو كشاعر عبَر المرض مجازا في قصيدة.

* إلى (ع. علي):

ألمح روحكِ ترفرف في عبورها نحو الموت، وأحس بكل خفقة تنازع في قلبك المضطرب، المنتزع الروح بمنقار صقر اعتاد أن يقتات على الأجداث، أذوب مع لهفتك المتكورة نصا لا يريد أن يقدم نفسه إلا حالة بوح فقط، كي يسكب قليلا من ماء الطمأنينة على جمر الأحشاء المستعرة.
ويحرقني صدى الغرغرة إذ تتصاعد في حنجرتك، وتستبسل في هرق الروح لتشخب دما لا يسيل، وتقتلني رائحة الاحتراق المتصاعد من صدرك دخانا، وأستشعر مرارة الذبح من الخلف دون مداعبة تليق بأضحية حجر ؟!
أيتها الساجية أرهقتك الزوايا (البحر/ المرآة/ اللغة) أخشى عليك الارتهان سليلة الفوضى، أخشى عليك التخثر، تبعثري قليلا، وانفضي الملح عن وجه المسافة، وافتحي يديكِ قليلا للشمس كي لا يتعفن الجنون أو يصدأ الفرح!
ياطفلة الفرح: تعالي لنغيب قليلا في الضحك ياعزيزتي، فالضحك والغياب هو فقط ما نتقنه، وهو ما يليق بنا حين لا نكترث بالرعب المنضود على قارعة الوعي، وحين نجاهر الكون بالأشياء ناقصة، وبلا رغبة لها في الاكتمال، حين نعلننا خفافا من النعل المشدود للرمل، ومن الثقل المرفوع للسماء، كحادي الرمل، يترنم بالمعشوقة الحلم، ويبكي بلا دموع.

* إلى (ف):

أيها المقدودة من شهقة مراجيح الغيب ومن لظى حرقة الأسئلة، المنفلتة من ربقة الأشكال ومن حيثيات الأشياء، أيها اللون الذي خلقه الله قبل البياض، أيها النبيلة بالمعنى الأول للنبل، الخارجة من العتمة مشرقة ومتعددة بلون قوس قزح، حاملة مجازر الكينونة على صدرك السماوي، تعالي لنصلح ما تشقق من الروح، فكلماتك تجعلني فجأة امرأة ملونة، وأنا قبلك باهتة بلا ألوان، الآن أشد على قلبك بحجم الفرح يقف ساخرا، وبلون البحر يشهر صدره لعناق الريح، وبرائحة الأشياء الحقيقية.
تعالي لندلل أوجاعنا يا صديقة، فأنا أسمع شوكة تغني في حنجرتك، تعالي نعتني بها معا، نربيها في حدائق الوجع، فقلوب يحزها الوجع، ويرتقها الغياب، ويسترها الخوف فقط هو قلوب حقيقية!

* إلى (ن الزبير):

ياسادنة الليل، تكورين الحرف، وتدفعين أشرعة اللغات إلى ما لا يجيء، وكل هذا الشجو بقايا نشيج، وغيبوبة الشعر احتراف، فاقذفينا ببعض المعاني لنصحو، فكل هذا الضوء يدفع كل الجهات إليك، ويثقل المرء عن ظله.
وها أنت أبدا بلثغة دوري عذب تزقزق روحك القرمزية، وبحزن (لا بأس بلونه الحالك) يكتسيه قلبك ريشا مدهونا بألم غض، يجعل منه مالحا خفيفا يتسرب للداخل بلذة، تغنين الغياب، وهذا القطار الذي يرتب شتاتنا، فأي رسائل تقصقص مخالبه الطويلة التي تستبيح عرانا ..؟
يا صديقة الشعر: كيف نقايض الحظ عن لعنة الأشقياء، وكيف نغمس نبيذ الأولياء بما في يديك لنكتمل في البياض، وكيف نغنّي للشعر كيما يجيء بهيا بلون الصلاة!
منذ زمن، وأنا أتتبع غبارك، وأجهض معه آخر شمعة كنت أدخرها للحلكة، فيطبق ذراته على بياضي، يصبح كل شيء حليبيا، ومتمرس هذا الغبار الذي يعلق بخياشيم الوقت، أما وقد توسط الغبار حلقي وجاهر بالغصة، فها أعلن أني نيأنأحبك!

* إلى (أ. أحمد):

تخلعين على اللغة رداءات الوهج، والوجع، فتخضوضر، وتحفرين عميقا فأصاب بالدوار، أحدق في كف عرافة الربيع، وأقطف زهور اللغة لأعلقها تميمة خرافية لامرأة بجاذبية لغة مدمرة، تنداح وهي تخلق الوجع المطّهِر دوائر/دوائر، وكما الدخان بهذا التيه الذي تلبّسنى، أو كالإغماءة و الآه تتسلقني متنملة الوله، أنشج بوحك، فتأتين ربيعا دائما.

* إلى (س.خواتمي):

كلامك أنيق بما يكفي لكي أرتب ما تناثر من وجع في مرايا حضورك. وعبورك الواسع يدلق حرقة الوعي وجحيم الأسئلة كرماد في عيون الكون الأعمى، فننشج بالفرح والحزن معا، نحن الذين لا نخشى الموت، مع أننا ندرك أنه كالمايسترو الذي يوزع قفلاته علينا بأناقة مذهلة، ونحن في غيابنا المثير منتشين لا نأبه له؛ حتى يغمز (هذاااااا) فيُحدِث قفلته المحكمة على ذلك اللحن المتناهي البهجة.
يا صديقة: دعينا نخلص أقلامنا من الفخاخ الجاهزة، ونقرأ كل شيء في هذه الكينونة من دندنات الفرح حتى شحوب الحزن، من سورة العشق، حتى بلاغة الموت، ثم نكتب نكتب لتليق بنا أقلامنا. فنصوصنا ما إلا مساحة لاختصار أو ترويض الهباء في أعمارنا، وما إلا فتنة الخلق، ومجابهة التيبس المطل علينا من قوى الجفاف والموت. فلنكتب لنحيا!

* إلى (ر. اللواتي)

لك أن تكتبي له/ عنه/ عنك، وعن الحنين الذي يزم خطاه كلما شاهد عصفورا ينقر خطى سنابل الضوء، أو يعانق طيف غيمة تتوضأ من مشارب الشفق، وعن الحزن المبجل الذي يتصاعد كالدخان حين نقترب من لسعة تخيط كفن الأمنيات بإبرة من شوق مشتعل بالأغنيات، وعن السعار المتقيح في جوف الماء حين تهمي المراكب بعناق الشطآن، وعن حرقة الموج حين يترنح القمر على شرفات الليلك، وعن العشق الذي في أعماقنا، ونحن نفتتن بخربشات أظافره في الفراغ الفاصل بين القلب والرب، ونبارك الاحتراق المكتمل البهجة، والموت المبجل والعشق الناقص!

* إلى (قارئة تتعشق السفر):

تشدين وجه المسافات نحو التوله بغواية حرف، وتهزمين بشوق فوضى الترقب والانتظار!
هل تعلمين كم من الوجد تحتاج هذه الخرائط كي تتلاشى؟؟ كيما نؤوب إلينا؟؟ أو نصالح نرسيس ونبكي بين يديه، أو نعانق ظلنا في الغياب؟؟
وها نحن ياصديقة نربي الأحلام النيئة، وننادم السماء السابعة، ونمضي غير آبهين برنين الأجراس التي تخلفها خطواتنا الواسعة، ها نحن كائنات الألم المضاعف والفرح القليل، نستمد من جهة ضوئية غيبية في هذا العالم حنينا أزليا للحياة، وهي التي تهب لنا طعناتها المتكررة وابتساماتها الشحيحة بادئ ذي بدء..
ونضحك من الخيبات أكثر مما نضحك من المسرات، حقا كم هي معادلة تافهة!!

* إلى (مجنون)

وكأن صوتك الهائم في ملكوت الحضرة والغياب إذ جاء؛ أيقظ كل قبائل الصعاليك، والدراويش فجاءوا يحملون مجامرهم بدخانها المتصاعد، ومسابيحهم بخرزاتها الكبيرة والملونة، يرددون (حيي، حييي، حيييييييي) ويخربشون أساطيرهم وخرافاتهم على جدران الكون.
وأنت تفتتح النهارات باحتمالاتك الشاردة عن مساحات اليقين، وتشرّب الليل هلوساتك الحبلى بالشك، وتأتلف مع العالم بوداد مؤثث بالعذوبة والغباء اللذيذ، الغباء حالتك الخاصة حين تتسرب من شقوق الأشياء عريضة المنكبين، وتجلس على حواف الكون لتخيط الكلمات كشال تعده لحورية لا تجئ، وتؤنث اللغات واللعنات والحزن وتسامر النجوم كدرويش أسكره الهيام، وتتحدث عن الموتى كأنك منهم.
ما أجمل أن نموت للحظة أيها العارف المريد، فحين نموت نخلع كل الأشياء التافهة، ونحتفظ بالأشياء الكبرى فقط زادا للخلود، وحين نموت نخلع المشاعر المزيفة، ونحمل الحقيقة. الحقيقية فقط، حين نموت نكون صادقين كما ينبغي لأننا لا نرتدي سوى البياض ولا نفكّر سوى في التحليق ولا نزاحم الكائنات على الخرق البالية، تصبح لدينا قناعة أخيرا، فنضحك على التهافت المريض، نضحك علينا أيضا!
أيها الغائب في مساحات التحليق الرائعة، اخرج من معطفك وقاسم الموتى في هذه الحياة (وهم كثر) نكتة تافهة، أو ضحكة خضراء تنمو على جدار كنباتات الزينة، ودع أجنحتك تكايد ضوء القمر الذي تعود على تحليقك الليلي، ولك الحياة كلها..

* إلى(حرباء):

كثيرة كل هذه المراوغة، وكل هذا الرقص الأفعواني على منتصف السلالم المؤدية للاشيء، وكثيرة جدا كل هذه المساومات اللاموقفية، وهذا الضجيج الذي يقصي الفراغ إلى موائد الرحمة، وكل هذا التكرار للنشيج يوهن الوجع المخاتل والذي يتربى ببطء كسرطان قديم، فلنؤذن بالحرب، أو لنجاهر بالسلام والاستسلام.

* إلى البدوي الجميل:

تسكن خارج خيمتك، وتحتفظ بكل نبلك وأخلاقياتك الرفيعة، في زمن الثقافة الجاهزة، والأخلاقيات الجاهزة أيضا!
ما أجملك تتقدمنا سفيرا رائعا لأرواحنا المتشحة بالرمل، وللمعاني النبيلة التي يحدث أن تصبح لها معانٍ أخرى، ممن يجيدون نفخ الكلمات!

* إلى الشعر:

كم تفسدك المهرجانات، وكم تعجز عن الرقي بها سنتيمترا واحدا!!

* إلى الثقافة:

أيتها الغانية العجوز ياللعجب! كيف تجمعين في بيتك الصغير كل هؤلاء الملائكة والشياطين، والأولياء والأشقياء، والقراصنة والدراويش معاااا.

* إلى الأسماء الكبيرة، والأسماك الكبيرة، والأظافر الكبيرة، (وبضوء أقل) إلى الأخلاق الكبيرة.
؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!

* إلى(الزبد):

تطفو فوق الكؤوس في الغيبوبة والغياب، والوعي المغادر، تصنع الفوضى الذاهبة نحو التكريس والتصفية، والانتباهات القصيرة، والإغفاءات الطويلة، وتمعن في سرد ما تبقى من سيرة الحضور، والأمكنة، والوجوه، والنصوص، والجماليات الخفية.
فكم تملك من السطوة!!

* إلى العش الأجمل:

لديك أيها الضوء الأبيض، أيتها الأسطورة الخالدة، من كل عاهة وإعاقة، تحمل في يدها من المعاول بكل الأحجام والألوان والأشكال، ما تحاول به أن تقتلع زهورك الصغيرة، وتخنق زغاليلك البضة، وتفسد جمالك الممتد بعمر التاريخ، وبعظمة الجغرافيا، منها الأصيل ومنها المستورد أيضا!!

* إلى (الضوء):

كم كنت في مأمن من القراصنة، ومن ذكريات الغرق في أعين البحارة المنتشين بالملح، وفي أمان من كارثة التصدي للريح. وفي أمن من الكارثة.
كنت في حلٍ من جرس الحضورات الناقصة، فقد كان لدي من رنين الخلاخيل من زمن الغوص والفرح والشعر ما يكفيني!! فهل كان يجب أن نشرع ما تيسر من الضوء على مداخل الشمس الحارقة، وننتشل أفنانه القصيرة من خرافية العتمة المبهرة، والعزلة الذاهبة نحو السمو؟! وهل المقابل يستحق؟!

* إلى الفوضى:

تعالي لأرتب ارتباكاتك قليلا، لأشذب حواف استطالتك العشبية في دمي وأصابعي ولساني، تعالي لأضفر شعرك الأشعث في ضفيرتين طويلتين كطفلة شقراء، وأضع ما تناثر من جواربك وأشرطتك الوردية في أدراج الفراغ، أو دواليب الوقت، وأنسحب بك بهدوء حذر إلى العدم، والعتمة الباهرة، تعالي لأجلس على سريرك الخشبي، أغني لك أغنية قديمة تستمد ألحانها الناشزة من ذاكرة الحلم، ثم أحضنك وننام معا، فأنا يا طفلتي ترعبني الأشباح، والحروب الوهمية، ولا أقوى على صدها إلا بالصمت الرفيع، والعزلة الفارهة.

د. فاطمة الشيدي*
* شاعرة عمانية


أعلى






مبارك العامري كما عرفته

لم تكن روح الدعابة والمرح تفارقه وخصوصا عند أصدقائه المقربين، فلا يكاد يسمع طرفة أو نكته إلا ويضحك لها من قلبه
أحب السفر والترحال منذ لحظات الكتابة الأولى، وكان مولعا بـ(ماركيز) و(لوركا)


حنين إلى ذكريات الصفاء الجميلة

من الجميل أن تتذكر من تحب، ولكن من المحزن أن تسمع عنه خبرا يؤلمك ويحزنك. آلمني ذلك الخبر الذي يفيد أن الأديب مبارك العامري تعرض لجلطة دماغية من خلال المقالة التي كتبها أستاذنا الصحفي الأديب عبد الستار خليف في صحيفة (الوطن) ذلك الرجل الذي عهدنا فيه الوفاء لأصدقائه منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها أقدامه هذه الأرض الطيبة.
والحديث عن أخي وأستاذي مبارك العامري يطول ليستغرق حلقات من الكتابة ولكني سأختصره في محطات وذكريات تعود إلى بداية الثمانينات حين تعرفت إليه في مجلة العقيدة، وكنت يومها طالبا بالسنة الأولى في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.
من الغريب أن هذا الخبر جاءني متزامنا مع خبرين مفادهما أن الأخ الشيخ الأديب هلال بن محمد العامري والشيخ حمود بن سليمان العامري قد أصيبا بظروف صحية وعادا بعدها إلى أرض الوطن، فبادرت على الفور بزيارة أخي الشيخ الأديب أبي الليث هلال العامري في مكتبه بوزارة التراث والثقافة وكان معه الأستاذ سالم البهلولي فقلت مازحا يا أبا الليث جئت اليوم مطمئنا على صحة ثلاثة من الأصدقاء العوامر فلك أن تسمي هذه الزيارة بـ"المقامة العامرية"

مجلة العقيدة ولحظات التوهج و الإبداع

شكل الملحق الثقافي أو الأوراق الثقافية بمجلة العقيدة الذي يشرف عليه مبارك العامري منتدى ثقافيا متواضعا يجتمع فيه رواد الكتابة والإبداع من جيل السبعينات وبداية الثمانينات في وقت لم تكن فيه المؤسسات الثقافية والمقاهي الراقية اليوم متوفرة وإن وجدت فلم يكن لها ذلك الدور الذي نجده اليوم فكانت اللقاءات إلى جانب العقيدة لقاءات أخرى في صحيفة الوطن وعمان ومجلة السراج ومجلة النهضة في مبناها القديم بمطرح والجديد بالوطية أو منزل أحد الأدباء أو مكتبة إن كان يعمل في القطاع الحكومي.
أذكر عددا من الأدباء الذين كانوا يثرون الملحق الثقافي بمجلة العقيدة بكتاباتهم ومنهم زاهر الغافري وحمد بن رشيد وشبر بن شرف الموسوي وخالد بن منصور الفارسي وصالح بن سليمان الحارثي وأنور بن سليمان الجهضمي وأحمد بن سالم الفلاحي وسالم الدرمكي وسالم بن ضحي الحسني وإبراهيم بن عبدالله المعمري إلى جانب عدد من الكتاب العرب المقيمين بالسلطنة.
وأذكر أول مقابلة صحفية قمت بإجرائها تلك المقابلة التي كلفني بها الأستاذ أحمد سليم (رحمة الله عليه) مدير تحرير مجلة العقيدة وقمت بإجرائها مع سعادة الأستاذ الشاعر/ علي حسن أبو العلا وكيل إمارة منطقة مكة المكرمة في أوائل الثمانينات.
كان سعادته يقيم مع الوفد الرسمي المرافق له في فندق قصر البستان، وعندما علم إنني طالب بجامعة الملك عبد العزيز وعندي بعض المحاولات الشعرية سر بذلك وأهداني بعض دواوينه الشعرية.

تلك المقابلة الصحفية والمقالات التي كنت انشرها في ملحق العقيدة والمراجعة اللغوية لبعض المواد التي كان يكلفني بها الأخ مبارك العامري بشكل ودي فتحت لي الآفاق الصحفية والإعلامية فدرست بعض المواد الاختيارية في الصحافة والإذاعة والتليفزيون وعملت محررا متدربا ومساعد مترجم بدائرة الإعلام والترجمة بشركة تنمية نفط عمان ومراجعا ومصححا لغويا في جريدة عمان وتلفزيون سلطنة عمان بأجر مقطوع.

العامري وريادة الصحافة الثقافية في عمان

عندما أقول إن مبارك العامري يعد أحد أكبر رواد الصحافة الثقافية في عمان بل من أوائل الصحفيين العمانيين فليس ذلك من قبيل المبالغة فمبارك حسب ما ذكر لي أنه التحق بالعمل في مجلة العقيدة في سن مبكرة، وكان له الشرف في تغطية أخبار الجبهة في ظفار.
وقد أراني يومها بعض صوره التي شكلت بداياته الأولى في حقل الصحافة حيث يتنقل بكاميراه من مدينة لأخرى لتغطية الجديد ولمتابعة حركة التنمية الشاملة في العديد من الولايات حتى أنه تعرض لحادث سير أثناء عودته من إحدى هذه المهمات ترك على أثرها السياقة.

الزيارة العائلية الأولى

دعاني مبارك لزيارته زيارة عائلية أولى في الأيام التي تعارفنا فيها فزرته في منزل العائلة الذي يقع ـ على ما أذكر ـ في أحد أحياء السيب القديمة أو في الحيل القديمة كما أكد لي عندما زرته مؤخرا بعد الجلطة التي تعرض لها.
وعندما مرض زاره عدد من الأصدقاء والأدباء فسألت زوجته أم غسان عن سبب عدم وجودي ألى جانبه رغم الصحبة القوية والقديمة فاعتذرت له ولها بعدم علمي بالمرض إلا من خلال الصحافة.

مبارك العامري الأديب الإنسان

مبارك العامري رجل إنسان يحمل من المعاني الإنسانية الكثير، إذ أذكر أنه عندما علم بزواجي بادر إلى نشر تهنئة خاصة في إحدى الصحف العمانية، وعندما حصلت على مركز متقدم في الشعر في المسابقة التي نظمتها الهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية في بداية الثمانينات بادر إلى نشر تهنئة خاصة لزملائه الفائزين وكنت أحد هؤلاء.
وعندما التحق بالعلاقات العامة في شرطة عمان السلطانية سعى جاهدا لتعييني معه إلا أنني اعتذرت عن قبول العرض.
وطوال مدة وجوده في ثلاث مؤسسات صحفية لم يرد لي مقال أو محاولة شعرية أو تحقيق بل كان يشجعني ويطلب مني المشاركة بقلمي في الصفحات الثقافية والأدبية إن في مجلة العقيدة المحطة الأولى أو في صحيفة الوطن التي عمل فيها لعدة سنوات أو في مجلة الشرطة التابعة للعلاقات العامة التي استقر فيها.
وعندما أقول له أنت صاحب فضل عليّ يا مبارك يرد مبتسماً، أي فضل يا عزيزي وأنت صاحب موهبة والمؤسسات التي عملت فيها تفتح أبوابها لأمثالك من المبدعين والكتاب.
لم تكن روح الدعابة والمرح تفارقه وخصوصا عند أصدقائه المقربين فلا يكاد يسمع طرفة أو نكته إلا ويضحك لها من قلبه.
وعندما نشر روايته "شارع الفراهيدي" أوعزت إلى الأخ الصديق الدكتور عطا أبو جبين خبير المناهج بوزارة التربية والتعليم ونسقت مع الزملاء في النادي الثقافي لأن يقدم مداخلة عن هذه الرواية في لقاء نظمه النادي الثقافي احتفاء بصدور هذه الرواية. ونشرت هذه المداخلة بعد ذلك في إحدى الصحف العمانية على حلقات.

العامري صحافة و ترحال

في حديثه عن الأستاذ مبارك العامري يقول الأستاذ عبد الستار خليف أنه عندما سأله عن المدن قال: المدن الجميلة كالنساء الجميلات. وأذكر أن السؤال نفسه وجهه لي الأستاذ عبد الستار خليف في ملفه الذي نشره في صحيفة (الوطن) قبل سنوات بعنوان "السفر في حياة الأدباء" وكان ردي قريبا أو مشابها لرد الأستاذ مبارك العامري. عندما يبتلى الإنسان بصفتي الإبداع والترحال تصبح الكتابة عن رحلاته أمرا حتميا.
أحب مبارك السفر والترحال منذ لحظات الكتابة الأولى على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فقد سافر إلى العديد من الدول العربية والأوروبية وأهم زياراته الأوروبية زيارته مدينة الثقافة والنور والحرية فرنسا، وأجمل رحلاته تلك التي سافر فيها إلى أسبانيا حيث حدثني عن تلك الرحلة وعن المجد العربي الإسلامي الغابر وعن قصر الحمراء.
وكنا نجلس سويا لنشاهد تلك الصور التي التقطها لأهم المدن الاندلسية كأشبيلية وطليطلة وغرناطة وغيرها من المدن والآثار الشاهدة على الحكم العربي الإسلامي لتلك البلاد لقرون من الزمان. كان مولعا بالأديب الروائي الكولومبي "جابرييل جارسيا ماركيز" والشاعر الأسباني "لوركا" وغيرهما من الأدباء الأوروبيين، ولم أزره مرة إلا ووجدته يقرأ في هذا الكتاب أو ذاك.

تواضع جم وسؤال دائم

كان مبارك العامري دائم الاستشارة في الأمور اللغوية عندما تشكل عليه مسألة منذ أن كنا سويا في مجلة العقيدة، وكان يحيل إليّ بعض المقالات لأقوم بمراجعتها لغويا بحكم التخصص. لا تمر شهور إلا ويرن الهاتف ويكون المتحدث هو مبارك العامري مستفسرا عن قضية من قضايا اللغة أو النحو أو غيرها من الأمور الثقافية.
وأذكر أن أحد بناته كانت تقدم برنامجا للأطفال قبل عدة سنوات، فاحتارت في قضية لغوية فما كان منه إلا إن اتصل، وطلب مني البحث عن الرأي الأصح في هذه المسألة.
هذا هو مبارك العامري الرجل الإنسان المتواضع الأديب المثقف الصحفي المحب لوطنه ومهنته.
أما آن الأوان لنرد له بعض ما غرست يداه؟

د. سعيد العيسائي*
* كاتب عماني



أعلى




للصورة بعدان
المصيدة

دلالات المصيدة في اللغة تشير إلى معاني متقاربة، جُلها يدور في فلك القنص وأخذ الشيء بالحيلة. شخصيا لا أنوي وضعكم في مصيدة! لأن المصائد التي نقع فيها على نحو من الأنحاء يوميا هي كثيرة جدا، ولا تحصى، فمن يشاهد نشرات الأخبار في الفضائيات المتخصصة أو العابثة، يستنتج أنه واقع في مصيدة! ومن يشاهد فيديو كليب الأغاني المسطحة والغارقة في التفاهة أو السفاهة، يستنتج ذلك! وماذا نقول عن المسرحيات التهريجية الباذخة التكاليف وفي النهاية تجدها مسخرة في مصيدة أو مصيدة في مسخرة، بسهولة يستنتج ذلك! وحدث ولا حرج عن المسلسلات الدرامية المدبلجة السقيمة، وكذلك عن القنوات الفضائية الجديدة التي ظهرت مؤخرا، ويقال إنها ضُربت بـ"الشلوت" شتما وقذعا، لا امتداحا وترحيبا، يمكنه أن يستنتج ذلك! والخلاصة أن المتفرج هو الطريدة والفريسة السهلة بالنسبة للصائد.
ومصيدتي التي أنوي التحدث عنها هي مصيدة من نوع خاص جدا. سنلج إليها من خلال قراءة المشهد الثاني من الفصل الثالث لمأساة هاملت. يدخل هاملت مع اثنين أو ثلاثة من الممثلين، وكلامه الذي يقوله إنما يوجهه شكسبير ممتدحا طريقة فرقته في مسرح ألـ"غلوب" في فن التمثيل، ذاما فيه أسلوب بعض الفرق المسرحية، فيقول: "أرجوك أن تلقي العبارة كما قرأتها لك، كأنها تقفز خفة على لسانك. أما إن كنت ستتشدق بها، كما يفعل معظم ممثليكم فخير لي أن أطلب إلى دلاّل المدينة أن يتلو أبياتي هذه. ولا تنشر الهواء نشرا بيدك، هكذا، بل ترفق بالقول. لأن عليك حتى في دفق العاصفة وعصفها، بل وإعصارها، أن تدرك وتولد اعتدالا يضفي عليها النعومة والسلاسة. لشد ما يسوؤني أن أسمع غلاما مستعر القحف والشعر يصطخب ويمزق العاطفة مِزَقا وخرقا بالية، ليشق آذان الحائشة من المشاهدين، وهم الذين على الأغلب لا يفقهون من التمثيل إلا مالا يُفسَّر من العروض الصامتة والجعجعة. بوسعي والله أن آمر بجلد ممثل كهذا يتعدى الطرمغان في هوله، وهوميروس في هيروديته. أرجوك أن تتجنب ذلك. كما أرجوك ألاّ تبالغ بالإلفة واللين. فلتكن فطنتك أستاذك. لائم الكلمة حركتها، والحركة كلمتها، متقيدا بهذا الشرط: وهو ألاّ تتخطى حشمة الطبيعة. فكل مبالغة في القول والحركة، إنما هي نابية عن غاية التمثيل...إلخ".
في أحد الأفلام الوثائقية التي صاحبت غزو غزة، عُرض برنامج وثائقي على الجزيرة الفضائية بعنوان حكايات من غزة. ومن بين الأفلام الوثائقية المؤثرة ثمة فيلم بعنوان "طفل من غزة يروي المعاناة". لا شك أن غالبية كبرى من المتفرجين قد شاهد هذه الأفلام، مجتمعة أم متفرقة. لكن ما أدهشني أن يتم التعامل مع هذه المادة وترويجها عبر الإيميلات تحت عنوان صفيق أو قبيح آخر هو "أتحدى أطفال الخليج والشيوخ" لتفرّغ المادة من إنسانيتها وتكتسب لبوسا سياسيا لا معنى له سوى التقليل من حجم التعاطف مع قضية متفق عليها أنها عادلة، على اعتبار أن كل الحروب ليست حروبا غير عادلة كما كتبت سوزان سونتاغ وأعلنت عن موقفها المعادي لحرب أميركا ضد فيتنام في غير مرة. فمن الذي وقع في المصيدة هنا، عبر ترويج هذا الإيميل وتحت ذلك العنوان الشرير أو العدواني؟ وما دخل أطفال الخليج في هذه المسألة؟ ولماذا الزّج بالطفولة إلى خضم حال من البربرية الثقافية اليوم؟! إن مبدأ المعايير المزدوجة مبدأ يبدو أنه قد طال الجميع، القريبون والبعيدون، المتعاطفون وغير المتعاطفين. فماذا لو ترك الطفل يتكلم كما هو، في دفق العاطفة وعصفها، بل وإعصارها، دون أن يتشدق المتشدقون، أو يتنطع المتنطعون ليضيفوا عنوانا لشد ما يسووء قراءته أو حتى سماعه في أوساط بعض المثقفين العرب، هل كان سيغير من قوة التعاطف شيئا، أو من صدق عدالة القضية؟! لنقرأ هذا الحوار الذي يقوله الطفل وهو يروي شكلا من أشكال المعاناة:
"...لا في فراش ولا أكل ولا ماء ولا كهرباء. هذي حياة هذي! هذا حصار.. هذا أكبر حصار لإسرائيل. أقول يعني يشوفونا كيف عايشين هانا مرميين، لا بنروح نلعب ولا بنضحك ولا بنتعلم ولا بنحضر برامج أطفال، بفتح التلفزيون بلقيه كله تشييع جنازات وطخ وموت وحرب دبابات.. بلاقيش برامج أطفال أتسلى وأتعلم منهن.. بلاقيش رسوم متحركة ألعب وأتفرج عليها.. نحن هنا مرميين زي الشحاذين.. نحن علينا حصار تقريبا سنتين ولا شيء يسووا لنا.. لا بيفتحوا المعابر حتى يعبر لنا أكل...إلخ
كانت العبارات السابقة كما سمعتها تقفز بخفة على لسان الطفل، الذي لم يبلغ الثماني سنوات حسب تقديري. وما كان الطفل يتشدق كما فعل المتشدقون. أظننا كمتفرجين نقع في كثير من المصائد، وهذه الحكاية التي يرويها طفل عن شكل من أشكال المعاناة اليومية في ظل الحصار من جهة، ويروجها بعض المثقفين العرب والأكاديميين في ظل سيادة المعايير المزدوجة، وبعض التناقضات، تجعل من مشهد حكاية الطفل غير المصطنعة في إطار الحياة، على اعتبار أن الحياة كلها مسرحية طبيعية كبيرة، تجعله علامة سيميائية ذات دلالة خطيرة. فقد استطاع المشهد أن يكشف بعض المناطق المعتمة للتفكير الإنساني، ويؤكد على تنوير مدى التخبط العقلاني في ظل هيمنة المعايير المزدوجة والعواطف المتناقضة والانفعالات، من دون توفر قسط من الاعتدال في الحكم، أو توجيه نقد للذات، وكأن المشهد يفسر لنا ما يحدث اليوم، أو ما سيحدث لاحقا، إن ظلت عبقرية التدمير المتذاكي تعمل عملها في تفجير المتفرجين من داخلها بأدوات القاتل ذاته.

آمنة الربيع


أعلى






توهجت بمواهب الشباب
رؤية تحليلية في عروض أيام صحار المسرحية (1ـ2)

تفخر كلية العلوم التطبيقية بصحار بحصادها الثاني خلال أيام صحار المسرحية، بعد أن عايشت العام المنصرم أولى بذور هذه التظاهرة الفنية، وذلك بغية تأسيس ثقافة مسرحية في المؤسسات التربوية والتعليمية، والتي تعتبر بؤرة تنويرية لدى الأجيال المتعاقبة.. الأمر الذي من شأنه أن يعرف الناس بدور المسرح الرائد في الارتقاء بالحضارات الإنسانية، فهو فن وعلم وأدب لا يختلف عن باقي العلوم.
وفي السابع من شهر فبراير الجاري، احتفلت كلية العلوم التطبيقية بأيام صحار المسرحية الثانية من خلال تقديم عروض مسرحية من نتاجات الطلبة خلال خمس أيام متتالية.
في اليوم الأول قدم الطلبة عرض مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) وهو من تأليف الكاتب الشهير محي الدين ومن إعداد وإخراج أحمد العجمي، وفي اليوم الثاني قدمت مسرحية (زرياب) المقتبسة عن مسرحية (عفوا مموزين) للكاتب أحمد اسماعيل من إعداد وإخراج حمد الزدجالي، وفي اليوم الثالث شاهدنا عرض مسرحية (وحوش المدينة) للمؤلف درويش الأسيوطي، ومن إعداد وإخراج الطالب تركي البلوشي، ثم تقديم عرض مسرحية (بلها واشرب مايها) للكاتب ناصر العيسائي ومن إخراج مؤيد العيسائي...وأخيرا، سعدنا بمشاهدة عرض مسرحية (زهرة الحكايا) من تأليف عباس الحايك وإخراج إسراء العجمي.
في الأسطر القادمة نقدم قراءة نقدية سريعة لعروض هذه الأيام التي أبهجت الجمهور الطلابي والمتخصصين والجمهور العام على حد سواء.

صراخ الصمت الأخرس
مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) من تأليف محي الدين، وإعداد وإخراج الطالب أحمد العجمي. ولكي نتحدث عن هذا العرض سوف ننطلق أولا من النص الذي يعتبر الوثيقة الأساسية لأي عمل درامي. ويمكن اعتبار نص مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) نصا مركبا يحمل العديد من الدلالات والإيحاءات الفلسفية والفكرية التي يصعب اختراقها بسهولة، وهذا يجعل من يريد أن يخرجه يتوقف عنده مليا، بغية النبش والغوص في ثنايا مضامينه الخفية والظاهرة معا.
وانطلاقا من ذلك، ندرك مدى الجهد الذي قد يتطلبه إعداد مثل هذا العمل، والذي يتكئ على المخرج بالدرجة الأولي، ويجعلنا في نفس الوقت نتساءل ماذا لو قدم هذا العمل من قبل محترفين في مجال المسرح؟... سنجد هناك ضرورة إلى وجود ما يسمى بـ(الدراماتورج) أي الشخص الذي يقوم بالبحث في مضامين العمل الخفية ويساعد المخرج في وضع تصور للعرض؟.. ونظرا لتباين مستويات النص، فإنه يستدعي ضرورة الاستعانة بمخرج يستطيع أن يمسك بنقاط القوة فيه، الأمر الذي كان سيقلل من رتابة الحوارات الفلسفية الطويلة.
ونستنتج مما سبق، بأننا أمام نص مسرحي يصعب اختراق دهاليزه الغائرة في أعماق شخوصه.. لذا كان التحدي كبيرا أمام "فريق العمل الطلابي" عند الشروع في تقديم هذا العمل!.. ولكن على يبدو أنهم قبلوا الرهان، فكان إخراج مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) !.
ومنذ الوهلة الأولى للعرض، وضع المخرج نصب عينيه، ضرورة تلخيص أسباب المعاناة التي يعيشها بطلا العرض، وذلك عن طريق لوحة "خيال الظل" والتي اعتمد فيها على الأداء الحركي الصامت بغية تجسيد "جريمة القتل" التي شكلت هاجسا مزعجا لدى شخوص العرض.
وانطلاقا، من تلك اللوحة، أصبح المشاهد يعي حجم الوحشية الإنسانية التي تتجاهل حقوق الإنسان، بغية اسقاط ذلك على الحاضر الراهن، والذي أصبح مترهلا ومثقلا بالكثير من القضايا، نتيجة انتهاك حقوق الناس المدنية، وتعرضهم للضرب والقتل والإهانة!.. والمتابع للعرض يجده يسير في خطين متوازيين، الأول يبدو بسيطا من خلال قصة رجلين، أحيانا يفقدان الاتصال بالعالم الخارجي وأحيانا أخرى ينجحان في الاتصال به، وفي الوقت ذاته، فإنهما لا يعرفان لماذا هما موجودان في نفس المكان!
والمستوى الآخر، يتمثل في فهم كنه الحوارات السردية، والتي بالرغم من ارتباطها بمعاناة الناس، إلا أنها تتضمن العديد من الأبعاد الإيديولوجية التي يصعب تفسيرها للمشاهد العادي، والذي جاء ليستمتع بمشاهدة عرض يفترض أن يراعي كافة شرائح الجمهور!... إلى جانب ذلك، أن طول مساحة تلك الحوارات، جعل الجمهور غير قادر على التواصل مع المنصة، وخاصة، وأن هناك مشكلة في تقنية الصوت جعلته يرتفع وينخفض، وهذا قلل من احتمالية وصول رسالة العرض، بالإضافة إلى غموض بعض مفردات النص الدرامي .
أما فيما يتعلق "بالرؤية الجمالية" للعرض المسرحي، فقد بذل المخرج مجهودا إضافيا بغية الاقتراب من موضوع المسرحية المتناهي الأبعاد، محاولا بذلك "الصراخ" من خلال عناصر (السينوغرافيا) التي تمثلت في "الديكور" المستخدم في تجسيد الحدث، والذي ابتعد عن الواقعية ومال نحو "التجريد"، إلا أنه وقع في مطب تداخل المدارس الفنية عند تنفيذه.
فبرغم أن أحداث المسرحية دارت معظمها على الرصيف، حيث قصاصات الجرائد المتناثرة هنا وهناك... إلا اللوحة التي رمز بها إلى البيت لم يكن لها داع.. وذلك لأنها شجبت "الفضاء المسرحي" الذي كان من الممكن استغلال مساحاته بشكل واسع وجميل في التعبير والحركة، كما أن وجود خلل في تقنية الإضاءة والمؤثرات جعل إيقاع العمل ضعيفا.
تميز الفنان تركي البلوشي برشاقة الحركة على الخشبة، وهو خامة جيدة يمكن الارتقاء بها مستقبلا، مع ضرورة الابتعاد عن التشنج والصراخ، وتسخير أدوات الممثل الإبداعية وطاقاته الداخلية، بالإضافة إلى ضرورة التركيز على الوجه، على اعتبار أنه أداة تعبيرية مهمة لتوصيل رسالة العرض .

زرياب

(زرياب) مقتبسة من مسرحية (عفوا مموزين) للكاتب أحمد إسماعيل إعداد وإخراج حمد البلوشي... وهو عرض مسرحي يجعل من التجريب والموهبة أهم أبجدياته الأساسية، حيث كنا على موعد مع تجربة الطلبة المشاركين بقيادة مخرج العمل حمد البلوشي. ومما لا شك فيه، أن الطلبة في هذا العرض، غامروا عندما حاولوا تكسير "بنية النص الدرامي"، بهدف إضافة نص آخر مرتجل، ومن هنا كانت انطلاقة فكرة عرض مسرحية (زرياب) .
إن النظرة الأولى للعرض، تشعرنا بأن ما سيقدم هو إعداد للنص الأصلي (ممو زيين) للكاتب السوري أحمد إسماعيل، ولكن بعد المتابعة، يتضح بأن معدي النص قاموا بقلب موازينه وتغيير الهدف العام له... الامر الذي ساعد على تجزئة العمل، وكان يفترض أن يقدم ضمن الوحدة العامة للعرض، علما بأن هذا العرض يتقارب مع مسرحية (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) للكاتب الايطالي (لويجي بيرانديلو)، من حيث الفكرة العامة.
ومن جانب آخر، فقد وقع منفذو العمل في مغالطة، عندما جعلوا هناك فاصلا زمنيا بين المشهد الأول والثاني... وكأن المشهد الأول عبارة عن (اسكتش) وانتهى!.. لتبدأ مسرحية جديدة منفصلة بعد حوالي ربع الساعة من العرض الأول، حيث استخدمت "الشاشة التليفزيونية" على جانبي المسرح في إعلان أسماء المشاركين في هذا المشهد، وكأننا بذلك سنشاهد عرضا جديدا آخر! ... وكان الأفضل من المخرج أن يتفادى ذلك الفاصل الطويل، ويستعين بالديكور "التجريدي" البسيط الذي يسهل استعماله ونقله على الخشبة، دون أن يستغرق ذلك وقتا طويلا... في حين أن إظلام الخشبة كسر حدة المتعة الفنية التي يمكن الحصول عليها لو قدم كعرض متكامل دون فواصل.
أما إذا انتقلنا إلى "تحليل مضمون" المشهد المضاف، فإنه ستواجهنا قضية تغيير الموضوع، وهذا جعل المشاهد يظن بأنه سوف يتابع عرضين منفصلين، بالرغم من "القفلة الأخيرة" التي عادت بنا إلى المشهد الأول.. كما أن رسالة العرض لم تتضح وخاصة من خلال المشهد الثاني، حيث يتضح للوهلة الأولى بأن العرض سوف يسلط الضوء على جانب معين من حياة المطرب الأندلسي (زرياب) الذي رصدت حياته كتب التاريخ، حيث يعد (زرياب) فنان العود الأول الذي أضاف الوتر الخامس للعود الشرقي..ولكن بعد متابعتنا للأحداث لم نستطع أن نربط بين شخصية (زرياب) المعروفة وبين الشخصية الظاهرة في العمل، حيث لم يكن هناك أي رابط سوى استعارة اسم (زرياب) فقط!
كما أن الفكرة الرئيسية للمشهد بدت مبهمة!... وذلك نتيجة الحوار السردي الطويل عندما استرسل (زرياب) في الحديث عن أطلاله الماضية، و لم يتضح للمشاهد ما الموضوع الذي يريد العرض أن يطرحه؟... فكما هو معروف بأنه ليست كل تفاصيل الحياة، تصلح بأن تقدم على الركح، ولكن لا بد من انتقاء بعض المواقف الفنية المؤثرة على النظارة.
بالرغم من ذلك التباين المشهدي وغموض الموضوع إلى حد ما، إلا أن المخرج حمد البلوشي استطاع أن يكسب الرهان، من خلال اللعب بجدارة على أوتار "الرؤية البصرية والجمالية" للعرض المقدم. ففي المشهد الأول، يمكن أن نستدل على مفردات الموضوع من خلال الصالة التي كان يتدرب الممثلون عليها، حيث الملابس المعلقة والإكسسوارات الأخرى التي ترتبط بالموضوع..
وفي المشهد الثاني ظهرت "جمالية العرض" من خلال اللوحة التي زرعت في وسط خشبة المسرح، والتي استعانت بالكورس بطريقة جمالية، ففي أحد المقاطع كانت رؤوس (الكورال أو الكورس) تتخللها، بغية صنع "فرجة مسرحية" داخل العرض بطريقة فنية، بالإضافة إلى دخول وخروج الممثلين منها وإليها، حسب تفاعل البطل مع الموقف الدرامي المقدم.
كما تم توظيف (الكورال) كمؤثر صوتي ضمن تلك اللوحة في أكثر من موقف درامي، منها على سبيل المثال وليس الحصر، عند إشعار المشاهد بتأثير الناس على شخصية (زرياب).. بالإضافة إلى سماع صوت "طنين" الذبابة التي اقتربت من زرياب، كما سمعنا صدى قطرات الماء ينبعث من خلال تلك اللوحة. إضافة إلى ذلك، عندما كان زرياب يسترجع ذكريات طفولته، شاهدنا تجسيد حواره مع أمه عن طريق "خيال الظل" عبر مفردات اللوحة أيضا.
علاوة على ذلك، فإن(الكورال) رمز إلى عناصر الشر في حياة (زرياب) من خلال الشخصيات الشريرة التي كانت تظهر في المستوى الأعلى من خشبة المسرح، وبالتحديد فوق الإطار العلوي للوحة الرئيسية، وهي ترتدي ملابس سوداء اللون، للدلالة على تأثيرها السلبي على نفسية (زرياب)، وهذا بدوره صنع "رؤية جمالية" جعلت المشاهد يستمتع بالفضاء المسرحي.
ومن ناحية أخرى، كان يفترض من المخرج أن يقلل من ازدحام الخشبة بالديكور، وذلك عن طريق استحداث قطع إضافية خفيفة، يمكن تحريكها بسهولة، مع الاكتفاء باللوحة التي في الوسط، بغية أعطاء وهج جمالي ومؤثر في نفس الوقت، دون الحاجة إلى باقي مفردات العرض... وهذا يجعل هناك ضرورة ملحة تتطلب الاستغناء عن الحواشي الإضافية، خاصة وأنها تعزف على وتيرة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يعطي الممثل مساحة أكبر للحركة. إلى جانب ذلك، فقد زج بالشاشة السينمائية في العرض لاستعراض لقطة واحدة ! دون أن يعاد استخدامها مرة أخرى!
وفي هذا العرض جازف المخرج بمشاركة ممثلين يقفان لأول مرة على الخشبة، لذا لم يكن بغريب أن تكون هناك حاجة إلى مزيد من التدريب على مستوى الأداء التعبيري والأداء الصوتي لهما، بغية الابتعاد عن الأداء المدرسي، حيث من الملاحظ بأن طبقات الصوت لدى الممثلين كانت على مستوى واحد... الأمر الذي جعل إيقاع العرض يختل ويسير على نفس الوتيرة.

عزة القصابي*
* ناقدة فنية عمانية


أعلى






مبني على أحداث حقيقية وقعت في لوس أنجلوس عام 1928
"تشانجلينج".. فيلم عن صراع أُمٍّ استبدلت الشرطة ابنها المفقود بطفل آخر!

الفيلم من تلك النوعية التي تسبقها سُمعة حسنة لكنها لا تصمد كثيرا أمام التوقعات

رؤية ـ جيمس بيراردينيللي
ترجمة ـ عبدالله خميس

يقع فيلم "تشانجلينج"* للمخرج كلينت إستوود في فخ شائع: إنه يسعى لتحقيق أشياء كثيرة، إلا أنه لا ينجز إلا القليل. إذا بدا الفيلم محشوا بالكثير من الأشياء وفاقدا للتركيز، فإن ذلك عائد إلى السيناريو الذي كتبه "جي مايكل ستراشينسكي" مؤلف العمل التليفزيوني "بابيلون 5"، حيث يحاول السيناريو صهر قصتين لا علاقة بينهما ودمجهما في فيلم واحد. الحصيلة هي أن القصة الرئيسية المتعلقة بـ إنجلينا جولي كأم مكلومة بفقدان ابنها يتم التشويش عليها بتفاصيل بالكاد لها علاقة بالموضوع. مع تقدم أحداث الفيلم، يصبح واضحا كيف أن كلا القصتين مرتبطان ببعضهما بشكل ما، لكن طريقة الربط تفتقر للتناغم.
يجذب فيلم "تشانجلينج" انتباه مشاهديه بمشهد افتتاحي لافت للنظر يُعلَن فيه مكان وزمان الأحداث: لوس أنجيليس، 1928. يبدو الفيلم جيدا للغاية من حيث محاولته جعل كل شيء يبدو حقيقيا، وهو ما يجعلنا نغفر له الكثير من عثراته. لفترة غير قصيرة في بدايات الفيلم، لا يبدو أن هناك الكثير من المنغصات في القصة عدا انحرافها نوعا ما تجاه لون الميللودراما.
يقدم لنا الفيلم الأم العزباء كريستين كولينز (لعبت دورها إنجلينا جولي) التي تغمر بالحنان الفائض ابنها الوحيد ذا الأعوام التسعة المسمى والتر (جاتلين جريفيث). إنها أم رائعة بجميع المقاييس، وابنها طفل رائع. وذات يوم سبت، تعود كريستين إلى البيت لتجده خويا وتجد أن طفلها والتر قد اختفى. تذهب الأم للشرطة وتعلمهم باختفاء ابنها فيردون أنه لاشيء بوسعهم يمكن اتخاذه قبل مرور 24 ساعة على اختفاء الطفل.
في نهاية المطاف تبدأ الشرطة بتحري الأمر، لكن الأيام تتحول إلى أسابيع. يتحمس قِسٌّ اعتاد أن يُلقي مواعظه بإذاعة محلية يدعى جوستاف بريجليب (جون مالكوفيتش) لقضية كريستين، وهو شخص مهجوس بفضح الفساد الذي ينخر أوساط شرطة لوس أنجيليس. ذات يوم، تتلقى كريستين زيارة من النقيب جي جي جونز (جيفري دونوفان) الذي ينقل إليها آخر الأخبار: لقد تم العثور على الطفل والتر. إلا أن لقاء الأم بابنها ـ الذي اختفى عدة أشهر ـ والذي تم تنظيمه أمام عدسات الصحافة يأتي بمفاجأة غير سارة. إن الطفل الذي قدمته لها الشرطة على أنه والتر ليس هو ابنها. ما يحدث بعد ذلك هو أنه كلما زادت كريستين إصرارا على أن الطفل الذي منحوها إياه ليس هو ولدها الحقيقي، كلما ضغطت عليها الشرطة أكثر للرضوخ للواقع!
بموازاة قصة كريستين يحكي لنا فيلم "تشانجلينج" قصة أخرى، ألا وهي قصة المحقق ليستر بارا (مايكل كيلي) الذي يذهب إلى مزرعة تدعى مزرعة "نورثكوت" بحثا عن مراهق عن طريق كندا بصورة غير مشروعة. بعد العثور على الصبي وإيداعه داراً لرعاية الأحداث، يروي الصبي حكاية مروعة عن كيفية قيامه هو وعمه (المسمى نورثكوت) باختطاف وقتل 20 طفلا ـ لعل والتر كان من بينهم. تتحول هذه القصة لاحقا إلى ما عُرِف باسم "جرائم حظيرة وينيفيل للدجاج" والتي تصبح واحدة من تحقيقات جرائم القتل الأسوأ سمعة في جنوبي كاليفورنيا في عشرينيات القرن الماضي.
المشكلة المركزية لفيلم "تشانجلينج" هي أن جرائم القتل التي يتحراها المحقق ليستر بارا تأتي هي وتفاصيلها الثانوية كقصة غير ضرورية في الفيلم تعطل سريان الحكاية الأولى الخاصة بغياب الطفل والتر. في كل مرة يبتعد فيها الفيلم عن كريستين وكفاحها المحموم لاسترداد ابنها يفقد شيئا من طاقته. إن قصة كريستين التي تعاني من فقدان ابنها، ومرورها بمرحلة إيداعها في مصحة عقلية، وانتهاءها بالوصول إلى صدام مباشر مع رجال الشرطة وصل إلى أروقة المحاكم، كل هذا يصنع خيوط قصة كافية لفيلم مثير دونما الحاجة إلى إقحام قصة ذلك المحقق في المنتصف. يبدو فيلم "تشانجلينج" طويلا ومشتتا لأنه ببساطة طويل ومشتت.
والحق يقال فإن المخرج كلينت إيستوود قد عالج قصة كريستين بكفاءة رغم أن الصواب لم يحالفه في بعض التفاصيل التاريخية (أيعقل أننا في عام 1928 ولكننا نجد أُمّا لا تمتلك صورة واحدة لطفلها ولا تجد من يشهد معها أن تبديلا للطفل قد تم ارتكابه من قِبَل رجال الشرطة؟!). على أية حال فإن هذا يذكرنا كم تغيرت الأمور منذ ذلك العهد في أقل من قرن واحد. ما كان ملغزا عام 1928 لا يمكن له أن يكون كذلك اليوم، فكل الأسئلة المتعلقة بهوية الطفل بمقدور فحص سريع للـ دي ـ أن ـ ايه DNA أن يحلها اليوم بكل بساطة. إن الجرائم اليوم لم تعد هي ما كانت عليه في الماضي. لقد تم تقديم قصة الفيلم الميللودرامية الرئيسية بشكل حاذق. غالبية الجماهير سيجدون أنفسهم مأسورين بقصة كريستين للدرجة التي ستبدو لهم فيها تدخلات قصة المحقق بارا متطفلة وفي غير محلها.
أداء إنجلينا جولي مقبول ولكنه بعيد كثيرا عن أن يكون آسرا. بالنسبة لأدائها لدور جاد، فإن إنجلينا جولي كانت أكثر تميزا في فيلم "قلب عظيم"، أما مشاركتها في الصيف الماضي في فيلم "مطلوب القبض عليه" فقد حولتها إلى إحدى قوى الطبيعة (بحيث لا يمكن مقاومتها). في "تشانجلينج"، تبدو جولي خرساء ومقموعة بالأزياء التاريخية وتكاليف الإنتاج العالية. لم تقم جولي بوضع أية بصمة خاصة على شخصية كريستين. قوة التمثيل في "تشانجلينج" تبرز أكثر لدى من لعبوا الأدوار الثانوية. بدا "جاسون بطلر هارنر" متدفقا للغاية في دور القاتل الشيطاني المعقّد الذي جعل المشاهدين يتلوون على مقاعدهم في كل مرة يظهر فيها على الشاشة، أما "جوف بيرسون" الذي لعب دور محامي كريستين فقد كان مسيطرا تماما على المَشاهد التي ظهر فيها.
فيلم "تشانجلينج" من تلك النوعية من الأفلام التي تسبقها سُمعة حسنة لكنها لا تصمد كثيرا أمام التوقعات. شجرة نسب الفيلم تتضمن اسما حاصلا على الأوسكار يتولى دفة القيادة (كلينت إيستوود)، وفائزا آخر بالأوسكار في الدور الرئيس (إنجلينا جولي). إن تاريخ عرض الفيلم المحدد من قبل شركة "يونيفيرسال" يدل على أن الشركة لديها أحلام لحصد بعض جوائز الأوسكار. على أية حال فإن القصة هي العنصر الأضعف في الفيلم والأكثر فقدا للجاذبية.
لا تنحصر معضلة الفيلم في تزاحم التفاصيل في نسيج الحكاية فحسب، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن الكثير مما يحدث داخل الفيلم لا علاقة له بالقصة الرئيسية، بل إنه يشكل عامِل تشتيت لها. إن القصة الرئيسية كانت بحاجة لمزيد من الاهتمام بها. فضلا عن ذلك توجد مشكلة في نهاية الفيلم التي تُرِكت معلّقة، وإن كنا ندرك أنه ليس هناك الكثير مما كان بوسع المرء فعله بخصوص النهاية طالما أن التاريخ نفسه قد تركها مفتوحة بلا حل. من زاوية بصرية خالصة، يقف فيلم "تشانجلينج" بجوار الأعمال السينمائية العظيمة التي تناولت مدينة لوس أنجليس خلال عشرينيات القرن العشرين (حيث يحضر للذهن تحديدا فيلم "الحي الصيني")، لكن هنا تنتهي أوجه التشابه. إذ عندما يتعلق الأمر بسرد الحكاية، فإن "تشانجلينج" فيلم عادي تماما.

* هامش:
"تشانجلينج" هو اسم مخلوق أسطوري قادم من فولكلور غرب أوربا، حيث قامت مجموعة من الجنيات بترك هذا المخلوق مكان طفل قمن بأخذه معهن. وفقا لبعض المصادر فإن كاتب سيناريو فيلم "تشانجلينج" قد استخدم هذه التسمية كعنوان مبدئي للفيلم على أمل أن يغيره لاحقا، لكن الاسم عَلِقَ بالفيلم وظل متسميا به بعد إخراجه.

* كاتب عماني


أعلى





في (سر الحبوب) .. هناك الكثير يستحق المضغ

دان زاك *:
أبرز ما يلفت النظر في فيلم "سر الحبوب" أن هناك الكثير من وجبة الكسكسي، ولكن سرعان ما تدرك أنه ليس فيلما سعيدا عن الطعام. فإن الكسكسي لا يغذي شخصيات مثل الصامتين المتحركين على نار هادئة في فيلم (ايت درينك مان وومن) أو فيلم الطبل الايطالي (ليلة كبيرة).
"سر الحبوب" عبارة عن مائدة عضوية كئيبة، لمدة ساعتين ونصف عن آباء واهنين وأبناء فاشلين وكوارث ثقافية ضئيلة. كما يوجد الكثير من الطعام لكن الجميع في النهاية يتضور جوعا ـ ـ حرفيا ، وعاطفيا ، ووطنية ، او كما تحدد أنت.
الأسرة الواقعة في الأزمة عبارة عن مجموعة تونسية مهاجرة استقرت في مدينة فرنسية ساحلية على البحر المتوسط. سليمان عامل بالمرسى مقطب الجبين يثقل كاهله وظيفة منخفضة الأجر، وزوجة سابقة وأطفال نكدين الذين يطالبونه بنفقة لا يستطيع أن يتحملها ، وصديقة ، لها ابنة في سن المراهقة، تسمى ريم، لا يستحق حبها، وغير قادر على مبادلتها نفس الشعور. وفي لقطة من لقطات الفيلم يقول: لم افعل شيئا ، ولم اترك شيئا ، وبدا مذهولا من أن الهجرة أدت به إلى الفشل بدلا من النجاح.
وكما كل مطرود من الخدمة يقامر من اجل الخلاص فإن سليمان يختار طريقا محفوفا بالمخاطر حيث يقرر فتح مطعم للكسكسي على متن قارب متهالك مستغلا قرضا مصرفيا، وبراعة زوجته السابقة في الطبخ. بقية البلدة تسخر منه، ولكن سليمان ، بعزم ورباطة جأش يقترب اكثر فأكثر إلى تحقيق هدفه. وأحد مؤيديه الحقيقيين هي ريم الشجاعة، التي تلعب دورها حفيظة حرزي، وهي الوحيدة من بين أفراد الأسرة المتصلة بالواقع بدلا من الانغماس في الذاتية والأنانية أو الشفقة.
على الرغم من تصويره بكاميرا محمولة على مسافة قريبة الا ان فيلم سر الحبوب يغلب على أجوائه طابع حميمية وتقشف، وإذا كان أشبه بالفيلم الوثائقي الا انه اكثر دهاء وفوضى في التصميم، كما لو كانت نسجت من لقطات قديمة.
تدور الاحداث وتتوالى المشاهد، ويدور الحوار في حلقات، نحن عالقون نستمع الى زوجة ابن سليمان تندب انهماك زوجها في المغازلات. ثم نجد انفسنا عالقين في مشاهدة سليمان يذوي ويذبل مصعوقا تحت تقييم لاذع على يد ضابط القرض. ثم نعلق مجددا على حواف طاولة الطعام نشم رائحة الاستياء في الهواء؛ وهناك أيضا الكسكسي ، ولكن من يهتم.
بكاميرته الرصينة يبني المخرج التونسي الاصل عبدل كشيش فيلمه على مجموعة من الإهانات من عنصرية بين الفرنسيين والعرب، وكدح البيروقراطية القاتل للاحلام، ونكاية الأطفال، والعجز النفسي المتولد بسبب الاقتصاد الفقير، وكل ذلك بدون تحويل "سر الحبوب" الى فيلم له رسالة الفيلم أو درس في المدنية.
لكن ما هو البديل؟ هل هي مأساة مملة عن رجولة مستغلة؟ هل هو تجسس صادق في الثقافات المختلطة عن طريق الاتصال الجنسي لكنها تشعر بعدم الارتياح؟ هل هي حبة تبتلع باسم الرغبة في مشاهدة افلام جادة؟ ربما كل هذا.
ليس هناك من مأزق ، ولا ثقل، ولا مشاهد لا تنسى، ولكن هناك تشويقا آسرا يبدأ في التضخم خلال الـ 20 دقيقة الاخيرة، عندما تترنح مقامرة سليمان بين النجاح والفشل. اما التوترات المرتبة فتنضج على نار هادئة، ويبدو الفصل الأخير من الفيلم يصبح أسود قبل أن يغلي.


* خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست ـ خاص بـ(الوطن)

أعلى





في معرض مسقط الدولي للكتاب
أكثر من عشرين إصدارا تقدم الثقافة العمانية بشكل مغاير!

للمرة الأولى يصدر هذا الكم من الكتب العمانية في معرض واحد فقط، مما يدل على أن الكتاب العمانيين قد تجاوزوا مسألة العزوف عن النشر

الفكرة ليست مجرد طباعة كتاب وإنما تسويقه عبر منافذ متعددة تأتي معارض الكتب العربية في مقدمتها

أكثر من خمسة وعشرين إصدارا عمانيا في دار نشر عربية واحدة تعرض لأول مرة في معرض مسقط الدولي للكتاب الذي يفتتح أبوابه اليوم، عشرون منها تأتي ضمن إنتاج كل من النادي الثقافي والجمعية العمانية للكتاب والأدباء.
إنها المرة الأولى التي أذكر فيها أن تصدر هذه الإصدارات بهذا الكم في معرض واحد فقط، مما يدل على أن الكتاب العمانيين قد تجاوزوا قطعا مسألة العزوف عن عملية النشر وانعزالهم في صورة التواضع، ويبدو أنهم أدركوا أن ثقافة أي مجتمع لا تتبلور من خلال الكلام الشفاهي، ونشر المقولات الإبداعية عبر الهواء، بل إن المساهمة في صناعة النشر عبر مزيد من الجرأة ومزيد من الانفتاح على النشر يضمن تخليق جو ثقافي يدوم لأزمان بعيدة، ليس ذلك فحسب، بل إنه يضمن طيا تحسن مستويات الكتابة لدى صاحب أي إصدار بل تسريعها وتنميتها.
وبدءا من عام 2006م، بدأ الكاتب العماني: شابا ومخضرما، في الاتجاه إلى النشر عبر دور النشر العربية، مدعوما بتلك المبادرات الخلاقة التي أطلقها النادي الثقافي أولا بتبنيه فكرة الإصدار المشترك في نهايات عام 2006م، والذي نتج عنه في المرحلة الأولى إصدار كتب عشرة، تنوعت بين الشعر والقصة والمسرح وأدب الطفل.
وها هو النادي الثقافي يستكمل مشروعه الخلاق بتبني إصدارات جديدة، ومتعددة التوجهات، إذ لم يعد الشعر وحده حاضرا، ولا القصة أو المسرح، بل بدأ النادي الثقافي ينتقي أعمالا وكتابا يدعمهم ويدعم كتاباتهم المتنوعة في النقد الأدبي والكتابات السينمائية ورصد مراحل كتابية لكاتب بمقام سيف الرحبي.
تلك الإصدارات العشرة يضاف إليها عشرة أخرى تقدمها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، هذه الجمعية التي بدأت وحولها الكثير من الأقاويل، وأمامها الكثير من التحديات، ويبدو أن الإصدارات العشرة المدعومة من قبل معالي السيد عبد الله بن حمد البوسعيدي صاحب المبادرات الجميلة، ستحلق فوق تلك الأقاويل وتلك التحديات وتقدم أفضل المساهمات في المجتمع المدني الحديث.
لقد تنوعت إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء فقدمت الشعر بشقيه الفصيح والنبطي، وقدمت السرد بأشكاله: قصة قصيرة وقصة قصيرة جدا ورواية وكذلك سيرة أدبية إضافة إلى الدراسة العلمية التي تنطلق من اللغة وقواعدها.
لقد نجحت هاتان المبادرتان: مبادرة النادي الثقافي ومبادرة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، في مشروع مطلوب، في مشروع يمتد نجاحه إلى أزمان لاحقة، خاصة إذا ما كانت الفكرة ليست مجرد طباعة كتاب وإنما تسويقه عبر منافذ متعددة تأتي معارض الكتب العربية في مقدمتها، وهذا هو الدور البارز الذي تقدمه المؤسسة الشريك في عملية النشر، مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، هذه الدار التي عرفها الكاتب العماني وبات في كل معرض يتوجه إليها لكونه يدرك جيدا أن الكتاب العماني سيكون حاضرا بقوة بين صنوف المنشورات العربية الأخرى المتعددة، وهذا الكلام لا يحسب فقط على معرض مسقط الدولي للكتاب بل يتعداه إلى معارض الكتب الأخرى.
إصدارات النادي الثقافي
يواصل النادي الثقافي مشروعه الجميل وذلك من خلال انتقاء عشرة إصدارات جديدة ليطرحها ضمن أجندة نشره للعام الماضي.
وقد تنوعت هذه الإصدارات فشملت القصة القصيرة بواقع مجموعتين قصصيتين، وشملت المسرح بواقع إصدار واحد هذه المرة، وشملت أيضا النقد بأنواعه، وهو الحاضر هذه المرة بشكل مميز من خلال إصدارات ثلاثة، اختار اثنان منها أن يتوجها إلى القصة القصيرة، وأما الثالث فهو كتاب نوعي ويعد ـ ربما ـ الأبرز والأول من نوعه على مستوى السلطنة حيث يتوجه إلى الكتابة عن السينما وفي السينما مزاوجا بين الدراسة التحليلية والنقد الراصد بمهنية عالية، تؤكد تعمق صاحبها في مجاله، وصبره الدؤوب على إنتاج مساهمة مميزة في هذا المجال، إضافة إلى إصدار وحيد يمثل نتاج مقالات متعددة في الثقافة والأدب، وترصد ضمنا مسيرة حافلة لصاحبها.
حياة على عجل
يحسن الشاعر سيف الرحبي انتقاء عنوان كتابه الذي يحتوي على مقالات تمخر عباب الزمن متنقلا من محطة إلى أخرى وكأنها مقلات تنساق إلى صلب سيرة الكاتب سيف الرحبي، وهي نوعا ما كذلك.
سينمائيات:
لعله واحدا من إصدارات قليلة في الذائقة العربية التي تتحدث عن السينما وتكون الشاشة الكبيرة مادته الأثيرة، وعبد الله حبيب يرصد تاريخا من الصبر في كتابة هذه المادة التي لا تبتعد عن البصمة الأدبية ولا تبتعد بحال أو آخر عن النهج العلمي، في ممازجة جميلة تجذب إليها القارئ.
القلعة الثانية
قراءات متعددة في القصة القصيرة العمانية، منطلقة من مبدعي هذا المجال، أمثال محمود الرحبي ومحمد اليحيائي ومازن حبيب وعبد العزيز الفارسي وسالم آل تويه، راصدا فيها الدكتور ضياء خضير العديد من العلامات الفارقة في الكتابة القصصية.
إنه كتاب نقدي بامتياز، وتتضح فيه المنهجية العلمية الأكاديمية، وهو جهد يحسب لصاحبه الذي يواصل التنقيب في السرد العماني مشكلا وعيا نقديا معينا في الساحة الثقافية وإضافة إلى ذلك فالكتاب الضخم يحوي على نماذج قصصية لكتاب عمانيين تدعم الكلام النقدي وتفتح مجالات الرؤيا لدى القارئ.
وأخيرا استيقظ الدب
مجموعة قصصية خامسة للكاتب عبد العزيز الفارسي، يمارس فيها استحضاره للشخصية الشناصية، للمرة الثانية بعد مجموعته العابرون فوق شظاياهم.
هذه المجموعة تركن للتجريب القصصي عبر استحضار اللهجة الشناصية، وجعلها ذات حضور فاعل في مجريات النص القصصي لدى عبد العزيز، والذي يكتب هذه المرة سردا أكثر سخرية مما قبل، بحيث تدخل كثير من النصوص إلى نقطة السخرية السوداء.
حنين بحجم حبة خردل
هي المجموعة الشعرية للشاعر يحيى اللزامي، الذي يبدو أنه كان يخفي نصا شعريا خاصا به، يمتلك نبرة خصوصية لا يمتلكها إلا صوته هو فقط.
ليس بالضبط كما أريد
المجموعة القصصية الثانية لهدى الجهوري، التي تحاول من خلال نصها السردي هنا التخفف من أعباء نصها السابق المتخم باللغة، عبر الانحياز للأفكار البسيطة، وعبر إنتاج نص حكائي يعتمد على إرث ذاكرة مفعمة بأحاديث النساء.
سعفة تحرك قرص الشمس
قراءات قصصية متعددة قدمها عدد من الكتاب في أمسيات أقامتها أسرة كتاب القصة في فترات متعددة خلال عامين، وقد حاول كل من سليمان المعمري ومازن حبيب انتقاء أهم ما قد يحرك قرص الشمس أو القصة العمانية.
وحده قلقي
الإصدار الشعري الأول للشاعر إسحاق الخنجري، يقدم فيه تجربة شعرية مختلفة عن التجارب الشعرية الأخرى التي قدمت بعضا من تجاربها عبر النشر.
بروفة لاثنين
نصان مسرحيان آخران للكاتب هلال البادي يرصد من خلالهما تواصل تجربته المسرحية، وهذا هو الإصدار الرابع في مجال المسرح.
في السهل يشدو اليمام
مجموعة نصوص شعرية يضعها لنا محمد الحضرمي، نابعة من البيئة التي هي محرك بوصلة الحضرمي تجاه صور مغايرة.

إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء

تحذو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء حذو النادي الثقافي فتبادر إلى طباعة عشرة كتب لكتاب عمانيين، انطلاقا من الدعم الذي حصلت عليه من معالي السيد عبد الله بن حمد البوسعيدي، الذي مد يدا كريمة ليس للجمعية فحسب، بل للكتاب العماني وللثقافة العمانية ككل.
وقد تنوعت الكتب التي أصدرتها الجمعية ما بين شعر وقصة ودراسات في اللغة وسيرة ونصوص مفتوحة ورواية لتشكل إضافة إلى نتاج النادي الثقافي نوعية خاصة من الإصدارات.
أشكال تشظيات ومضامين
كتاب لم يرد له صاحبه عبد الله حبيب إلا أن يكون " عنوانا مبدئيا في أحسن الأحوال وأسوئها" خالطا فيه السرد والشعر والنقد والسيرة والرؤية الكلية للعالم ومقدما في النهاية نصا مفتوح التأويل، ويوميات جديرة بالقراءة والاستمتاع.

فيزياء1


الرواية الثانية للكاتبة الدكتورة بدرية الشحي بعد عشر سنوات من النجاح الذي حققته روايتها الأولى الطواف حيث الجمر، تعود فتقدم هذا العمل، الذي يؤكد على امتلاك بدرية قدرات لم تقدمها كلها حتى الآن.

شمس النهار من الماء

المجموعة القصصية الثانية للكاتب حمود الشكيلي، بعد مجموعته الأولى سرير يمتطي سحابة، ومن خلالها يواصل تجربته مع السرد بأسلوبه الخاص، الذي تكشفت عنه مجموعته القصصية الأولى، ويبدو من خلال مجموعته الجديدة أكثر اتقانا للعبة السرد، ويبدو المكان حاضرا بشكل لافت.

لا ظل للأسماء يحرسها

الديوان الشعري الأول لشاعر طالما انتظرنا ديوانه، إنه الشاعر علي الرواحي، صاحب الصوت الشعري المختلف، النابع من لغة خاصة وأسلوب شعري مغاير.
سفر المنامات
مجموعة قصصية ثانية للقاصة رحمة المغيزوي، تتوجه فيها هذه المرة إلى المرأة ككيان، دون أن تلج الحكاية الشعبية التي قدمتها بشكل مميز في مجموعتها القصصية الأولى كاذية بنت الشيخ بل تبني حكايات المرأة عبر الأحلام سواء في الصحو أو في المنام؟

أحكام الوجوب عند سيبويه

دراسة علمية في النحو، نالت بها صاحبتها موزة المقبالي درجة الماجستير في اللغة العربية، وهذا هو الإصدار الأول لصاحبته، كما أنه يعد من الإصدارات القليلة التي تخصص للدراسات النحوية بالسلطنة في الوقت الراهن.

تتسع حدقة على آخر مداها

ديوان شعري نبطي، يقدم فيه حمود الحجري تجربة جديدة مع القصيدة الشعبية، التي تقترب كثيرا من عوالم القصيدة الفصحى.

عباءات الفراغ:

ديوان شعري ثان للشاعر أحمد بن هلال العبري بعد مجموعته الأولى هنا مروا، وهو عبارة عن نصوص كتبها الشاعر خلال السنتين الماضيتين محافظا فيه على الشكل الكلاسيكي للنص، محاولا سبر التجديد عبر العمود الشعري.

ثايبة ليست بعيدة من هنا

قصص قصيرة جدا كما أسماها عيسى البلوشي صاحب هذه المجموعة الجديدة، يحاول من خلال نصوصه تلك أن يقدم التقاطات مختلفة للمجتمع من حوله مقدما من خلالها المفارقة الساخرة في كثير من الأحوال.

نبضات قلب راحل

كتاب يسجل جزاء من حياة القاص الشاب الراحل إبراهيم الراشدي، فهو بذلك سيرة إبداعية لهذا الكاتب الذي اغتالته الحوادث، ولم تشأ يد الأقدار أن تمد في مشواره الإبداعي نبضات قلب راحل جمعه وأعده عبد الحميد الجامعي، ووضع فيه كل نتاج الأديب الراحل من نصوص وخواطر ورسائل إنسانية، وما قيل بعد رحيله المباغت.

إصدارات أخرى

وعن المؤسسة ذاتها ثمة إصدارات أخرى ستكون حاضرة في معرض مسقط الدولي للكتاب، لعلنا نعرف بعضها كديوان حسن المطروشي (على السفح إياه) وتلخص قصائد هذه المجموعة تغيرات حياتية ورؤية وثقافية وشخصية كثيرة في تجربة المطروشي. وقد ضمت بين دفتيها 25 نصا شعريا، مقسمة على جزئين. حمل الجزء الأول عنوان (دفتر الملاك) وهو يحتوي على القصيدة الطويلة، أما الجزء الثاني فحمل عنوان (دفتر الفراشة) وهو يحتوي على القصائد القصيرة والومضات الشعرية التي تنتهي بالمفارقات والخواتيم اللامتوقعة.. تماما كما تنتهي الحياة.
وهناك إصداران مميزان للقاص محمد بن سيف الرحبي، ويمكن أن نسميهما (البوحان) وهما (بوح سلمى) و(بوح الأربعين) كما تصدر لمحمد الرحبي له رواية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان الخشت،
الشاعر عبد الله حمد يصدر له كتاب فكري يحمل عنوان (سفر المنظومات).
ومن الإصدارات الجديدة الأخرى بمؤسسة الانتشار العربي، ديوان شعري للشاعر خالد بن علي المعمري حمل عنوان (وحدك لا تسافر مرتين) يقدم فيه المعمري نصه الشعري الخاص، مواصلا من خلال إصداره هذا خطابه الشعري الذي بدأه بديوانه الأول (وقال نسوة في المدينة).
وحدك لا تسافر مرتين صدر حديثا عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت وسيكون حاضرا في جناح المؤسسة بمعرض مسقط الدولي للكتاب يحتوي على أربعة عشر نصا شعريا تمثل تواصلا لتجربة خالد المعمري الشعرية، والتي توجت مؤخرا بحصوله على المركز الثالث في مهرجان الشعر العماني السادس الذي أقيم في محافظة البريمي نهاية السنة الماضية.
نقتطع من المجموعة الواقعة في إحدى وتسعين صفحة من القطع المتوسط هذا المقطع:
"وكنت إذا ما عبرت حروف المساء
تذكرت أمي
طويلا أرتب في راحتيها اشتياقي
تقول إذا أذن الغيم صيفا لأفق المسافر:
ولدت كما يولد الأنبياء
فقيرا يتيما
وترعى الشياه"
كما يصدر للكاتب عبد الله حبيب كتاب ثالث عن هذه المؤسسة بعد كتابيه الصادرين ضمن منشورات النادي الثقافي والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، كتابه الثالث يحمل عنوان (رحيل).
وهناك إصدار قصصي للقاص سليمان المعمري يحمل عنوان (عبد الفتاح المنغلق لا يحب التفاصيل) وهو الإصدار القصصي الثالث الذي يصدر لسليمان المعمري بعد مجموعتيه (ربما لأنه رجل محزون) و(الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة).
عبد الفتاح المنغلق لا يحب التفاصيل، هو عنوان الإصدار الثالث للقاص سليمان المعمري، والذي صدر حديثا عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت وسيكون حاضرا في جناح المؤسسة بمعرض مسقط الدولي للكتاب الذي يفتتح في الرابع والعشرين من الشهر الجاري ويستمر حتى السادس من مارس المقبل
سليمان في مجموعته الجديدة، يتخذ من تفاصيل شخصية واحدة هي عبد الفتاح المنغلق منطلقا لكتابة سردية متصلة منفصلة، في ابتكار يحسب للكاتب الذي نزع عنه طريقته القديمة في الكتابة وابتكر أسلوبا جديدة عبر هذه الشخصية التي يتسم السرد حولها بكثير من السخرية، وهي سخرية نابعة من المفارقات التي تصادف عبد الفتاح المنغلق في كل حكاية يقدمها لنا سليمان المعمري
تحتوي المجموعة التي تقع في ستين صفحة من القطع المتوسط على ثلاثة عشر نصا منها (امباع، العزاء، أقول وقد ماتت بقلبي حمامة، الفاشست، الصابونة، حرية شخصية، خطأ فادح، كاريزما)
يذكر أن هذه هي المجموعة الثالثة للقاص سليمان المعمري بعد مجموعتين صادرتين عن مؤسسة الانتشار أيضا، هما (ربما لأنه رجل محزون 2000م) و(الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة2005م) كما شارك المعمري في إعداد ثلاثة كتب هي: (ليس بعيدا عن القمر، وقريبا من الشمس) وهما بالاشتراك مع القاص والروائي عبد العزيز الفارسي والكتاب الثالث هو (سعفة تحرك قرص الشمس) بالاشتراك مع القاص مازن حبيب والصادر حديثا أيضا ضمن منشورات النادي الثقافي والذي يتضمن قراءات نقدية قدمت في أماسي قصصية لأسرة كتاب القصة.
هلال البادي*
* قاص عماني


أعلى




ظواهر لغوية
من استعمالات الهمزة

يتطلب إنتاج صوت الهمزة جهدًا عضليًا فائقًا، بسبب انطباق الوترين الصوتيين على بعضهما في أثناء عملية النطق، الذي يعقبه انفتاح سريع للأوتار الصوتية.
وبسبب صعوبتها مالت بعض اللهجات العربية قديمًا إلى التخلص منها، وظهر ذلك عند قريش بخاصة والحجاز بعامة، ففي الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه (ت 40هـ)، أنه قال: "نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أنّ جبريل عليه السلام نزل بالهمزة على النبي صلى الله عليه وسلم ـ ما همزنا"{ شرح الشافية ، 3/32 }
ولقد أحس سيبويه بجهد الهمزة في أثناء النطق بها فوصفها بأنها: {3/548 } "نبرة في الصدر تخرج باجتهاد". وتكاد الروايات تجمع على أن التزام الهمز وتحقيقه من خصائص قبيلة تميم في حين أنّ القرشيين يتخلصون منها بحذفها أو تسهيلها أو قلبها إلى حرف مدّّ { أنيس ، في اللهجات العربية ، 75 } وذلك التخلص مشروط بألاَّ تكون تلك الهمزة في أول الكلمة، في حين أن الدارسين المحدثين يفسرون ذلك بأنه ظاهرة من ظواهر الاقتصاد في الجهد، ومعنى ذلك أن التقسيم القبلي والجغرافي للهمز وعدمه مرن وغير صارم بسبب التأثير والتأثر الاجتماعي الذي أعقب الفتح الإسلامي.
وقد تعددت الظواهر اللغوية لصوت الهمزة وهذا التعدد راجع إلى صعوبة نطق هذا الصوت ويمكن أن نذكر من ذلك حذف الهمزة مع التعويض عنها بإشباع الحركة وهذا التعويض يكون بإشباع الضمة واوًا فقد تحذف الهمزة ويُعوَّض عنها الحركة التي تسبقها وهي الضمة، وفي هذا يقول سيبويه{ 3/543}: "وإذا كان ما قبلها ـ يعني الهمزة ـ مضمومًا فأردت أن تخفف أبدلت مكانها واوًا، وذلك قولك في (الجؤنة) و(البؤس) و(المؤمن): (الجونة) والبوس) و(المومن)"
وقد قرىء: (قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض( (الكهف: 94) بالهمزة، وهي قراءة عاصم وغيره، وقد ذكر الفرّاء أن الهمز فيها لغة بني أسد{ البحر المحيط ، 6/154} ، ومن ذلك قول العامة : (مُونة) بدل (مُؤنة) فقد سقطت الهمزة ثم عوّض عنها بإشباع الحركة السابقة لها وهي الضمة .
وقد يكون التعويض بإشباع الفتحة ألفًا وفي ذلك يقول سيبويه:{ 3/543} "وإذا كانت الهمزة ساكنة قبلها فتحة فأردت أن تخفف أبدلت مكانها ألفاً، وذلك قولك في (رأس) و(بأس) و(قرأت): (راس) و(باس) و(قَرَات) وقد قرئ قول تعالى: ( وكشفت عن ساقيها (.... (النمل: 44) (سأقيها) بالهمزة{ إعراب القراءات السبع 2/152} وقرأ الباقون بترك الهمز، وقيل: إن ساق وسأق لهجتان، مثل: كأس وكاس ويأس وياس { الحجة في علل القراءات ، 530 }و من لغة العامة كلمة (اللبا) بدل (اللبأ) وذلك بإشباع الفتحة ألفاً بعد حذف الهمزة.
وقد يكون التعويض بإشباع الكسرة ياءً وفي ذلك يقول سيبويه: { 3/544} "وإذا كان ما قبلها مكسورًا أبدلت مكانها ياءً، كما أبدلت مكانها واواً إذا كان ما قبلها مضمومًا، وألفًا إذا كان ما قبلها مفتوحًا، وذلك الذئب والمئرة، (ذيب) ومِيرة)، و إنما تبدل مكان كل همزة ساكنه الحرف الذي منه الحركة التي قبلها، لأنه ليس شيء أقرب منه ولا أولى به منها ومما ينخرط في هذا السلك قول العامة (الميزر) بدلاً من (المئْزر) وقد تحذف الهمزة مع استبدال النبر بالواو ومن بين ذلك كلمات عوّض عنها بشبه الحركة (w) ، ففي كلمة مثل (آجرته) التي تحذف همزتها فتصبح (واجرته) ومن ذلك يمكن ذكر الآتي : آتيت فلانًا واتيته ، آجرته ، واجرته ،آكلت فلانا واكلته ، لبؤة ، لبوة وماتقوله العامة في زمننا هذا وماكان قبله مخالف للقياس ، لكنه لغة ، فقد حكى الأخفش: آخذته وواخذته { المدخل إلى تقويم اللسان 115} ، وقد قرأ ورْش( لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ( (البقرة: 225). بالواو دون همز ( يواخذكم ) { الإتحاف ،1/439} وقد تحذف الهمزة ويعوّض عنها بشبه الحركة (y) في كلمة مثل (قرأت) التي تحذف همزتها فتصبح (قريت) ومن ذلك قولنا: أبطأت :أبطيت، وعبأت المتاع : عبيت ، ملأت الإناء : مليت .
وهذه لغة قديمة لها حضورها في لهجات العرب قديما، ومن ذلك أن الأنصار يقولون في (بدأت) (بديت) قال ابن برّي: قال ابن خالويه: "ليس أحد يقول: بديت بمعنى بدأت إلاّ الأنصار.{ اللسان ، 14/67}
وهذه اللغة باقية إلى يومنا هذا فلا أكاد أجد من العامة في بلاد الخليج العربي، ونجد والحجاز والشام ومصر إلا ويقول: بَدَيت، ومَلَيت، وهَدَيت، ولا يقول بدأت، وملأت، وهدأت لما في حذف الهمزة من راحة في النطق وسهولة في إخراج اللفظة.
وقد تحذف الهمزة دون أن يعوض عنها شيء وهذا الحذف يلحق الكلمة في أولها، وفي وسطها وفي آخرها.
فمن الحذف من أول الكلمة قول بعض الناس من مثل : ( سبوع ) في ( أسبوع ) و( بهام ) في ( إبهام ) و( رزّ) في ( أرز )
وقد تحذف الهمزة من وسط الكلمة دون أن يعوّض عنها شيء وقد ورد من لغة العامة في القرن السادس قولهم: في (مِرْآة- مِرَاة)
وجاءت بعض القراءات القرآنية محذوفة الهمزة دون تعويض، ومنها قوله تعالى: ( فإن اتبعتني فلا تسألني (الكهف: 70) فقد قرأ أبو جعفر (تسلنَّي) من غير همز مشددة النون. { البحر المحيط ، 6/140}
وقد تحذف الهمزة من آخر الكلمة دون أن يُعوّض عنها، وتسمى هذه الظاهرة (قصر الممدود) والظاهرة هذه عميقة الجذور في التراث اللغوي العربي، ولها استخداماتها على مستوى العامة والخاصة، ويجد الشاعر دون الناثر مندوحة أكبر في التعبير عن المعاني التي تعتلج في صدره، وقد أورد ابن قتيبة { أدب الكاتب ، 340} عددًا من الألفاظ، ممدودة تارة، ومقصورة تارة أخرى، أدرجها في (باب ما يُمَدُّ ويُقْصَر) وقد نصّ على أن الاسم الممدود، ُيَمدُّ ويقصر، وإذا قصر كتب بالياء أو الألف ومن ذلك قوله: (الزِّناء) يمدُّ ويقصر، والوفاء يُمد ويُقصر، والدهناء يُمد ويقصر . وقد وردت بعض القراءات القرآنية بقصر الممدود.
فقد قرأ الأعمش وزيد بن علي قوله تعالى: ( وشجرة تخرج من طور سيناء ( (المؤمنون: 20) بالقصر { البحر المحيط ، 8/102} وفي حفص بالمد والهمز.
وقرأ يحيى بن يعمر: ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ( (الفتح: 29) بقصر (أشدّاء) { البحر المحيط ، 1/30} وهي في حفص بالمد والهمز
و قصر الممدود لغة شائعة عند الخاصة العامة في العصر الذي نعيش به ،ومن أمثلة ذلك : إيلياء إيليا ، الرهاء الرها ، اللوبياء اللوبيا .
وقد يرتجل صوت الهمزة ، وهذه الهمزة هي التي ليس لها وجود في الأصل المستعمل للكلمة ومعنى ذلك أن من الناس من يهمزها، ومنهم من لا يهمزها، ومن ذلك قراءة (ولا الضألين) فقد ذكر أبو الفتح أنها لغة { البحر المحيط ، 8/102 }
ومن ذلك قول الشاعر:[من الطويل ] { شرح المفصل ، 5/355}
بياضاً وأمّا بيضُها فادْهأمَّتِ

وللأرضِ أمَّا سُودَها فتجلّتِ

ومن ذلك أيضًا ما ورد في اللسان: قال أبو زيد: وسمعت رجلاً من بني كلب يقول: هذه دأبّة، و هذه امرأة شأبّة، فهمز الألف فيهما{ لسان العرب ، 1/22} وقد علل ابن جني الهمز في هذه الكلمات وأمثالها بقوله : " وذلك لأنه كره اجتماع الساكنين فحرك الألف لالتقائهما ، فانقلبت همزة ، لأن الألف حرف ضعيف ،واسع المخرج ، لايحتمل الحركة ، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف منه ،وهو الهمزة . { سر صناعة الإعراب ، 1/82 }
ومن الهمزة المرتجلة تلك الناشئة عن تقصير الحركات الطويلة ، فيجري تقصير الحركة هنا من حركة طويلة إلى حركة قصيرة واحدة، ومن ذلك قراءة ابن كثير: ( فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ( (محمد: 29) بهمز الضمة الطويلة { البحر المحيط ، 8/102 } وهذا التقصير للحد من اندفاع حركة المدّ الطويلة وانطلاقها، وهو تقصير يخل ببناء الكلمة مما يدفع إلى التعويض عن طريق إضفاء مزيد من التوتر والضغط الذي تتولد عنه الهمزة.
ومن ذلك قول بعض الناس (سد مأرب) بدل (مارب) فإن (مارب) تبدأ بمقطع طويل مفتوح (ص ح ح) فعندما قصّرت الفتحة الطويلة وصار المقطع الطويل المفتوح مقطعًا قصيرًا مفتوحًا (ص ح) فَوَجدتْ فجوةُ تخِلُّ ببناء الكلمة، فجرى التعويض عنها بإغلاق المقطع القصير بالهمزة فصار هكذا (ص ح ص).
ومن مظاهر الهمزة مايدعى بالهمزة المتوهمة، ومصطلح التوهم عند القدماء هو المصطلح المعروف بالقياس الخاطئ Falsche analogie عند المحدثين، وقد كانت معالم هذه الظاهرة واضحة عند اللغويين العرب القدماء فقد استعمل سيبويه { 2/367} لفظ (التوهم) قال: "فأما قولهم مصائب فإنه غلط منهم، وذلك أنهم توهموا أن مصيبة فعيلة، وإنّما هي مُفعِلة".
وقد كان ابن جنيّ أكثر توضيحًا لهذا المفهوم حين قال { الخصائص ، 3/277} : "وذلك أنهم شبهوا مصيبة بصحيفة، فكما همزوا صحائف همزوا أيضًا مصائب، وليست ياء مصيبة بصحيفة، لأنها عين ومنقلبة عن واو، وهي العين الأصلية، وأصلها مصوبة، لأنها اسم فاعل من أصاب".
ومن التوهم قول امرأة من العرب: رثأت زوجي بأبيات بدل: رثيت، وقد وضحّ الفرّاء ما في هذا المثال من توهّم أو خطأ في القياس، بقوله: "وهذا من المرأة على التوهّم، لأنها رأتهم يقولون: رثأت البن، فطنّت أن المرثّية منها".{ المزهر ، 2/ 460}
ويعرّف الدكتور رمضان عبد التواب هذا المصطلح بأنه: "الميل العارض الذي يمكن التنبؤ بحدوثه من كلمة أو صيغة أخرى مشابهة حقيقية أو متوهمة بينهما". { التطور اللغوي ، /100} ومن القراءات القرآنية في قوله تعالى: ( يامريم لقد جئت شيئا فريا ( (مريم: 27) قرأ أبو حيوه: فرئاً{ البحر المحيط ، 6/ 176} بالهمزة، وهو توهم أو قياس على الأنماط المهموزة.
فقد يتوهم المتكلم أن اللفظ ينبغي أن يهمز بناءً على أنه كان مهموزًا في الأصل وبناء على بعض الصيغ التي تشبهه صوتيًا ، ويمكن أن يذكر من ذلك : جعد - أجعد ، رضا الله - رضاء الله ، سبط - أسبط ، نياط القلب- أنياط .

د. سالم البلوشي


أعلى





أعلن عن موته قبل وفاته الفعلية بخمسة عشر عاما
قراءات في كتاب (التاريخ اليهودي والديانة اليهودية: عبء ثلاثة آلاف عام) لشاهاك
كان ضد التمييز العنصري في كتاباته وخطاباته العامة مما جعله غير مرغوب به في إسرائيل
لم يكن من عادته أن يكتب عن أمر لم يكتشفه بنفسه أو لم تره عيناه أو يحس به مباشرة

كتاب(Jewish History Jewish Religion) من منشورات مطبعة (Pluto) بلندن يسجل بقلم الكاتب والمفكر الإسرائيلي شاهاك أبرز ممارسات الدولة العبرية كدولة عنصرية تستمد أبرز أيديولوجيات قوانينها المدنية من تأويلات الحاخامات التلمودية في تمييز عنصري فاضح مع "غير اليهود".
الطبعة الجديدة للعام 2008 قدم لها مجموعة من أبرز المفكرين الفلسطينيين واليهود المنصفين على حد سواء, ومنهم إدوارد سعيد الذي وصف شاهاك على أنه واحد من المفكرين المتميزين في الشرق الأوسط المعاصر. يقول عنه إدوارد سعيد في تقديمه لطبعة 1997 من الكتاب:" هو رجل شجاع ويجب تكريمه لخدماته للإنسانية". أما (Ilan Pappe), "إيلان بابي" الأستاذ بجامعة اكستر البريطانية, فيصور في تقديمه للكتاب معالم العوامل التي دفعت شاهاك لمناصرة الحق الفلسطيني المسلوب على أيدي الصهاينة ودولة إسرائيل وأبرزها ما تولد لديه مما يسميه "رحلة إلى الماضي بأثر رجعي" حيث كان شاهاك هو نفسه ممن شاهد بعينيه في طفولته مذابح النازية لليهود واضطهادهم في مخيمات (Bergen Belzen) في بولندا, ليعاصر نموذجا أبشع من ممارسات اليهود الناجين من التعذيب النازي ضد شعب أعزل آخر.
تمثل إعادة طباعة الكتاب بمثابة تقدير للكاتب الإنسان الذي ما فتئ يدافع عن الحق ويناهض ما يراه باطلا حتى لو كان ضد الدولة التي كان مواطنا فيها. فالكتاب لاقى ترحيبا من المنصفين في إسرائيل والدول العربية والعالم, حيث ركز على تعنت دولة إسرائيل وتصلبها في قهر واضطهاد الفلسطينيين.
ولد شاهاك في بولندا ونجا من الإضطهاد النازي فهرب مع والدته إلى فلسطين عام 1945. وكغيره من اليهود الذين قدموا لفلسطين انخرط في الجندية وخدم في الإحتياط لسنوات عديدة استجابة للقوانين الإسرائيلية. وما شاهده من ممارسات لا أخلاقية وقمعية وهمجية على أيدي الصهيونية والدولة العبرية اسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة, كل ذلك دفعه لمعاودة التفكير ومساءلة الأسس التي قامت عليها دولة اسرائيل وتاريخها وأيديولوجيتها وخطابها السياسي, والتي سرعان ما اكتشف أنها غير معلومة للكثير من غير الإسرائيليين وبخاصة في الخارج ومنهم اليهود في العالم والذين يعتقدون أن اسرائيل تمثل دولة ديمقراطية ونموذج الدولة الرائعة الحديثة التي تستحق كل الدعم والتأييد الكامل. وهذا بالتالي دفعه للإنضمام وتأسيس رابطة اسرائيلية لحقوق الإنسان حيث كان رئيسا لها.
ما يميز إسرائيل شاهاك أنه لم يكن يبالي إن قال الحقيقة فيما إن كان ذلك ضد مصلحة إسرائيل أو اليهود, وكان ضد التمييز العنصري في كتاباته وخطاباته العامة مما جعله وبسرعة غير مرغوب به في دولة إسرائيل, لدرجة أنه تم الإعلان عن موته قبل وفاته الفعلية في العام 2007 بخمسة عشر عاما. فقد أوردت الواشنطن بوست نبأ وفاته من خلال تقرير صحفي, مما دفع شاهاك للدخول على مقر الجريدة بلحمه وشحمه لنفي مزاعمها وإثبات أنه ما يزال على قيد الحياة, برغم أن الجريدة بعدها لم تكذب الخبر الأول أو تصححه! مما أدى لإعتقاد الكثيرين بوفاته قبل وقت طويل وهي دلالة على المدى الذي كانت كتاباته و"حياته" تزعج الإسرائيليين. وهو كثيرا ما استعمل مصطلح (اليهودية النازية) لوصف ممارسات اسرائيل القمعية تجاه الفلسطينيين.
لم يكن من عادته أن يكتب عن أمر لم يكتشفه بنفسه أو لم تره عيناه أو يحس به مباشرة. وتميزت كتاباته عن غيره من المنصفين من اليهود أنه عمد إلى الربط بين الصهيونية واليهودية وممارسات إسرائيل الهمجية تجاه "غير اليهود", واستخلاص النتائج في كتاباته ومؤلفاته. ولم يجد مبررا لمن نجا من أهوال الممارسات النازية تجاه اليهود كي ينكل هؤلاء الناجين من اليهود بشعب آخر هو الشعب الفلسطيني.
لم يكن عمله كأستاذ محاضر في الكيمياء العضوية في الجامعة العبرية لخمسة وعشرين عاما أو بحثه العلمي الدؤوب يمنعه من ممارسة نشاطاته كحقوقي ومناصر لحرية الإنسان أو بحثه في التاريخ اليهودي. وقد أصبح عضوا في جمعية الحقوق الإسرائيلية الإنسانية والمدنية بعد حرب 1967 وتم انتخابه رئيسا لها عام 1970 حيث قاد الجمعية ـ التي كان أعضاؤها من الإسرائيليين والفلسطينيين ـ ضد ممارسات اسرائيل القمعية الإحتلالية ضد الفلسطينيين.
وفي فترة السبعينيات قرر شاهاك أن يسمع صوته للعالم وبخاصة في الولايات المتحدة, فشهدت السبعينيات والثمانينيات جولاته المتعددة لإلقاء المحاضرات وتنظيم المؤتمرات خارج إسرائيل حيث التقى بالمفكر الفلسطيني الراحل إدوار سعيد الذي كتب عنه تقديرا لمؤلفاته وجهوده الإنسانية كناشط حقوقي.

ما أثار حفيظة شاهاك وما دفعه لبحث ومساءلة الديانة اليهودية, بحسب اعتقاد "إيلان بابي", هو تجربته الشخصية ومشاهداته الواقعية في بداية الخمسينيات بعد تأسيس دولة إسرائيل, والتي رآها بعد بحثه في أصول النصوص التوراتية والديانة اليهودية تنطلق من عقيدة عنصرية في النظر لغير اليهود مما عزز مناهضته للدولة العبرية والأسس التي قامت عليها. فشاهاك, كما يقول (Ilan Pappe), شاهد التفسيرات اليومية للعقيدة التوراتية اليهودية التي تترجم إلى نظرة اليهود ليس فقط للفلسطينيين, وإنما "لغير اليهود", بحيث غدت الممارسات اليومية تتجاوز كون الفلسطينيين محل إضطهاد سياسي قمعي لماكينة الحرب العسكرية وإنما هم ضحايا أيديولوجيا عقدية عنصرية تنبع من التفسيرات الثيولوجية للديانة اليهودية من قبل كهنة اليهود والتي تستقي منها الدولة العبرية منابع أيديولوجيتها العنصرية "لغير اليهود".
يقول شاهاك في كتابه:" على الرغم من أن هذا الكتاب موجه للناس خارج اسرائيل وهو لذلك مكتوب باللغة الإنجليزية, إلا أنه يمثل خلاصة مبادئه السياسية كيهودي إسرائيلي". ويشير شاهاك إلى بداية نشاطاته السياسية كحقوقي وناشط في العام 1965 في احتجاج عام تم تنظيمه والذي أثار ضجة كبرى وفضيحة انتصارا لحقوق الإنسان في ذلك الوقت.
يسجل شاهاك أنه كان شاهدا شخصيا على قضية دينية يهودية مارسها يهودي يوم السبت حيث رفض أن يتم استعمال تليفونه لطلب الإسعاف "لغير يهودي" سقط مغشيا عليه في مدينة القدس. وبدلا من الكتابة عن هذه الفضيحة في الصحافة, آثر شاهاك بحث الأمر مع المرجعية العليا للحاخامات والقضاء في القدس, والتي تتكون من مجموعة منتخبة من الحاخامات اليهود.
يقول شاهاك في كتابه:" طلبت اجتماعا وسألت مجلس الحاخامات اليهود عما إذا كان هذا التصرف من ذاك اليهودي الذي رفض "إعارة" تليفونه لطلب الإسعاف ـ تصوروا ليس هو من يطلب الإسعاف ـ لغير اليهودي يوم السبت صحيحا, وفيما إذا كان هذا التصرف منسجما مع تعاليم الدين اليهودي؟ كانت إجابتهم أن ذلك اليهودي قد تصرف بعين الصواب, بل وبما يتماشى مع يهوديته. وفوق ذلك فقد دعموا أقوالهم بنصوص من التلمود مكتوبة هذا القرن! فلم يكن من شاهاك إلا أن كتب في صحيفة هآرتس اليومية عن هذه الفضيحة الأخلاقية والتي شكلت قضية إعلامية هائلة آنئذ. لكن نتيجة ذلك لم تكن إيجابية, فلم يدن أحد هذه الممارسة اليهودية المنبثقة من عقيدة تلمودية, بل جاءت المداخلات أسوأ من الحادثة نفسها وأضاف المجتهدون الحاخامات أنه يمكن لليهودي أن يدنس حرمة يوم السبت "فقط" في حال تعرض حياته هو نفسه للخطر وليس حياة غير اليهودي!
أما أبرز المفاهيم الأساسية التي يبحثها الكتاب فهو تعريف من هو اليهودي؟ فبحسب القانون الإسرائيلي يعتبر الفرد "يهوديا" في حالات: الأولى أن تكون أمه أو أصولها من جداتها معتنقات للديانة اليهودية, والثانية أن يتحول الشخص لليهودية بما ترضى عنه السلطات الإسرائيلية المختصة, والثالثة أن لا يكون قد تحول عن الديانة اليهودية سابقا حيث لا يكون يهوديا بنظر السلطات الإسرائيلية. أما الحالة الأولى فهي تجسيد لتعريف "اليهودي" بحسب التلمود والأصولية اليهودية. فالتلمود والتأويلات الحاخامية ما بعد التلمود تعترف بمن أصبح يهوديا باعتناقه لها ـ كذلك شراء عبد غير يهودي من قبل يهودي واعتناقه اليهودية بعدها ـ بشرط أن يتم ذلك بإشراف الحاخامات وبالطرق الشرعية "المعترف بها"! وهذه ("الطرق المعترف بها"!) تتضمن, للإناث, طقوسا تتمثل بعملية "تفحص" من قبل ثلاثة حاخامات أثناء تغطيس الأنثى في "حمام التطهير" وهي عارية!
وبالرغم من هذا التعريف "الديني" لمن هو يهودي, إلا أن دولة إسرائيل تمارس رسميا التمييز العنصري والديني لمصلحة "اليهودي" عن "غير اليهودي" في مجالات مختلفة في الحياة العملية, منها ثلاثة يعتبرها شاهاك في كتابه الأكثر أهمية وهي: حقوق الإقامة, حقوق العمل, وحق المساواة أمام القانون.
أما الأول وهو (التمييز العنصري والديني في مجال حق الإقامة) فيستند إلى حقيقة أن 92 بالمائة من الأراضي في دولة إسرائيل تمتلكها الدولة وتديرها هيئة تعرف "بهيئة أرض إسرائيل" (Israel Land Authority) ضمن قوانين تصدرها "الميزانية القومية اليهودية" (Jewish National Fund) وهي هيئة تابعة مباشرة "للمنظمة الصهيونية العالمية" (World Zionist Organization).
وبحسب قوانين "الميزانية القومية اليهودية" فإنه يمنع لمن كان غير يهودي أن يقيم في أي مكان في دولة إسرائيل, أو يتداول التجارة أو يزاول أية مهنة, أو حتى أن يعمل فيها, وذلك فقط لأنه "ليس يهوديا" ـ أي أنه قانون تمييز عرقي ديني محض! وفي الوقت ذاته يسمح لليهودي ممارسة كل ما ذكر.
ويضيف شاهاك معقبا على هذا القانون العنصري المجحف, أن هذا القانون لو طبق في أية دولة في العالم ضد اليهود لتعالت صيحاتهم واحتجاجاتهم بأن هذه الدولة "معادية للسامية" ولحقوق الإنسان! أما حين يتعلق الأمر باليهود فلهم الحق في ممارسة ما يشاؤون "كأيديولوجية يهودية" ضد غيرهم من الشعوب "غير اليهودية", والتي يعتبرونها أدنى مرتبة منهم إذ هم شعب الله المصطفى المختار الذين لهم اليد الطولى في عمل ما يشاؤون, وهم معفون من أية ملامة أو ذنب ـ وبخاصة في أرض استولوا عليها ومارسوا عمليات التطهير العرقي لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين!!!
أما الثاني وهو (قانون تحريم وتجريم العمل لغير اليهودي في "أرض إسرائيل") فموجود ومطبق. وبين الحين والحين تعمل دولة إسرائيل على تفعيل وتطبيق مثل هذه القوانين النابعة من الأيديولوجية اليهودية. فمثلا تطبق وزارة الزراعة الإسرائيلية قانون منع حصاد ثمار البساتين التي تعود ملكيتها لليهود في أرض إسرائيل, والتي تسميها " الأراضي القومية", من قبل العمال العرب, وحتى أولئك العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية!
كما تمنع إسرائيل وبشكل قاطع اليهود المقيمين على ما يسمى "الأراضي القومية" لدولة إسرائيل من تأجير ولو جزء بسيط جدا من أرضهم وبساتينهم للعرب, ولو لفترة زمنية بسيطة جدا جدا! ومن يخالف يتم ملاحقته قضائيا وتوقيع غرامات مالية باهظة جدا عليه من قبل السلطات الإسرائيلية! وفي المقابل ليس هناك تقييد من تأجير الأراضي أو البساتين من اليهود لليهود.
ويقول شاهاك في هذا الموضوع مستهجنا:" وهذا يعني أنني كيهودي يحق لي تأجير بستاني ليهودي آخر فقط ولا يسمح لي بالتعامل مع العربي أو أية جنسية أخرى في زراعة وقطف ثمار بستاني داخل أرض إسرائيل القومية"! ـ ومما يذكر في هذا الإطار أن أولمرت وقبل أشهر من كتابة هذه السطور أهدى بستانا مليئا بالثمار للرئيس الفرنسي ساركوزي داخل مدينة القدس!
أما المظهر الثالث من العنصرية وهو (المساواة امام القانون لغير اليهود), فبحسب النصوص الدينية للتلمود والتي تعتمدها دولة إسرائيل عمليا فلا يتمتع "غير اليهود" بالمساواة أمام القانون, فهم "ليسوا سواسية" مطلقا. ولا تشير القوانين صراحة "لغير اليهود" تجنبا لظهور فساد هذه القوانين على السطح للعالم, لكنها تشير في موادها الأساسية "لليهود" فقط متجاهلة الآخرين ضمنيا. فمثلا في قانون يسمى قانون "حق العودة" أو (Law of Return) يحق لليهود المعترف بهم ضمن قوانين الحاخامات واليهودية المشار إليها أعلاه العودة التلقائية لدولة إسرائيل والإقامة فيها. وبمجرد دخولهم إسرائيل يحصلون على شهادة هجرة والتي تزودهم فور وصولهم بالجنسية الإسرائيلية تلقائيا بمجرد عودتهم لما يسمى "بأرض الوطن الموعود", وبمجموعة من الإمتيازات المالية التي تتراوح قيمتها بناء على الدولة الأوروبية التي قدموا منها والتي تسمى "منحة الإستيعاب" وتصل إلى أكثر من 20 ألف دولار أميركي للعائلة, وكذلك يحصلون على ميزات لتعليم أولادهم العالي وقرض سخي لشراء شقة بتسهيلات خيالية.
وبحسب هذا القانون يحق لكل اليهود العائدين لإسرائيل التصويت في الإنتخابات وترشيح أنفسهم للكنيست ـ حتى لو لم يفقهوا كلمة واحدة من اللغة العبرية! وبمقابل هذه الإمتيازات التلقائية لليهود يتم منع "غير اليهود" منها وبشكل منهجي رسمي صارم. ويتم تطبيق قانون التمييز العنصري بعدم المساواة أمام القانون الإسرائيلي من خلال بطاقة الهوية التي يكتب عليها الجنسية مثل "عربي" أو "يهودي" أو "درزي" مثلا, وليس "إسرائيلي". وحتى لو طالب أحدهم بأن يكتب على بطاقة هويته "يهودي ـ إسرائيلي" مثلا تصله رسالة من وزارة الداخلية تفيد بأن القانون يحظر استخدام كلمة "اسرائيلي" على البطاقة ـ ولا يعرف من أقر هذا القانون أو متى ـ يتساءل شاهاك!! جميع هذه التسهيلات لليهود والتضييقات أمام "غير اليهود" تهدف, بوضوح, لخلق "دولة يهودية" خالصة كما يعقب شاهاك.
هذه السياسة الصهيونية بخلق "دولة يهودية" تحوي معالم الخطر للدولة ذاتها كدولة عنصرية وتشكل خطرا رابضا صامتا لجيرانها. فصميم عقيدتها الصهيونية يحوي أطماعا توسعية تفضحها التعاليم الحاخامية, "فأرض الميعاد" المزعومة تشكل فلسطين المحتلة قلبها لكنها تتجاوز بكثير حدود دولة إسرائيل الحالية. وتشكل محورا للعديد من الحروب والصراعات الإقليمية التاريخية والمنتظرة باتجاه تحقيق هذه النبوءة التوراتية, مما يشمل استراتيجيات اسرائيل "الإمبريالية" بالمنطقة لاستعادة "مملكة سليمان وداود" بحدودها التوراتية.
وهذه المملكة, مما يتداوله حاخامات اليهود اليوم, تشمل: من الجنوب جميع أرض سيناء وجزء من شمال مصر وحتى مشارف القاهرة. ومن الشرق جميع الأردن وقسم كبير من السعودية وجميع الكويت وجزء من العراق جنوب الفرات. ومن الشمال جميع لبنان وسوريا وجزء كبير من تركيا (حتى بحيرة فان). ومن الغرب قبرص. وهذه المملكة اليهودية التي سيتم اعادة بنائها يجري تداولها بشكل منهجي في الخرائط والكتب والنقاشات داخل إسرائيل وبين الأوساط الدينية لحاخاماتهم.
هذه القراءات السريعة والدلائل تشير لعمق الترصد اليهودي لما حولهم من شعوب ومقدرات وجغرافيا, فضلا عن طبيعتهم في النظر لمن حولهم وعدم التعايش معهم. هذا بالرغم من أن التاريخ الشرق أوسطي يشهد للشعوب الأخرى باستيعابهم ضمن الحضارات والديانات الأخرى كالإسلامية.
ففي الإسلام تبرز فضائل الفاروق عمر بن الخطاب وعدالة الإسلام مع اليهودي الشيخ الذي أوصى له عمر بمبلغ يدفع من بيت مال المسلمين مشيرا لأن عدالة الإسلام تقضي برعايته شيخا بعد أن دفع الجزية شابا قادرا على العمل في خلافة الإسلام. ومن قبله عاش اليهود في الجزيرة العربية ولهم حقوق العمل والتعاملات التجارية, فالرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت له هناك تعاملات مع اليهود بدليل أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي.
وبعد ذلك يطلع علينا اليوم ساسة إسرائيل, وبعض منافقي الغرب, بأن دولة اسرائيل أنما هي "الديمقراطية" الوحيدة في الشرق الأوسط! فلتذهب ديمقراطيتهم هذه إلى الجحيم. فلئن كانت هذه الدولة تمثل نموذج الديمقراطية, والتي بمفهومها الواسع ينبغي أن تعني المساواة والعدالة والشورى والتساوي أمام القانون, وبخاصة في دول العالم الحديثة حيث التعددية الفكرية والثقافية والإجتماعية من مختلف الأعراق, فما هي الدكتاتورية إذن؟
تخيلوا لو أن بريطانيا مثلا طبقت قوانين تحظر على "غير المسيحيين" الإقامة والتملك والعمل والمساواة أمام القانون, ماذا ستفعل الجاليات اليهودية المقيمة فيها والمتنفذة اليوم في اقتصادها وسياستها وخيراتها؟ إن كانت هذه الدولة المارقة التي قامت على أشلاء مزارعين عزل تم تطهيرهم تطهيرا عرقيا من قراهم؛ هذه الدولة التي تقوم على "أيديولوجيات ومعتقدات دينية" تنظر "بدونية" لمن يعيش بين ظهراني اليهود على أنهم أعلى قليلا من مرتبة الحيوانات في حقوقهم وما تمنحهم, فأين هي الدكتاتورية إذن؟ بل لعل التاريخ القديم منه والحديث لم يشهد انتهاكا صارخا لأبسط حقوق الإنسان, حتى أميركا العنصرية وتمييزها ضد السود لم تنزل لهذا الدرك من الإنحطاط ثم تتماهى بعدها بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". فالديمقراطية تعني أكثر بكثير من مفهوم النفاق والإزدواجية والتستر خلف صناديق الإقتراع! كل هذا يدل على "عقيدة الجيتو" اليهودية التي تتحوصل على ما سرقته لتنشئ حولها الأسوار العازلة والقوانين التي تكرس هذه الأيديولوجية الإستيطانية الصهيونية.
وما هذه القراءات العاجلة في المعتقدات اليهودية التي تشكل دعائم استراتيجية لدولة إسرائيل تطبقها على أرض الواقع إلا قمة جبل الجليد من خبايا السياسات الإسرائيلية التي تنبثق من عقيدة التوسع والإحتلال مما يشكل صفعة للموهومين بسراب السلام الخادع, فبأي حديث بعده يؤمنون!

د. وليد أحمد السيد*
* باحث وأكاديمي ـ مؤسس مجموعة لونارد لدراسات بيت المقدس بلندن

أعلى





( ديار الأحبة )
دار ابن نظيرة .. مسعود الأعوري


دار ابن نظيرة ..
مسعود الأعوري .
لا نعرف اسما له غير هذا !!
أشاهده أحيانا في المساء ، يقف أمام دكان البقال ، يرتدي الجلباب السكروته ، فوقه البالطو الكاكي الخفيف من مخلفات الجيش البريطاني ، يباع في سوق الجمعة بجوار الجامع القديم . غطاء الرأس الطاقية القماشي المزهرة صيفا ، والغطاء الصوفي الضارب للإخضرار شتاء . في قدميه النعال ـ أبو استك ـ ذو الرقبة القصيرة .. يصنع النعال الأسطى جرجس يوناس في سوق المدينة التي نطلق عليها الكفرالجديد ـ الكفر القديم بجوار محطة السكة الحديد دارت معركة عرابي التي انتصر فيها على الإنجليز ـ في بلدتنا الصغيرة مازل المعمر مرسي أبو مرسي الزفلوط يحكي عن هوجة عرابي . محل الأسطى جرجس لكل من يسأل عنه من أهالي الزقاق ، يقول ابن نظيرة :
ـ بجوار قهوة الخواجه كوستا اليوناني ..
دار ابن نظيرة ، عندها تبدأ أرضية الزقاق في الارتفاع .. من سبقونا ، من الرجال المسنين والمعمرين من أهل بلدتنا ، قالوا .. كانت البلدة في بدايتها تربض فوق كوم عال من الأحجار والرمال والتراب والصخور وقطع الحصي والشقف المتبقي من الآنية الفخارية التي كانت ومازلت تستعمل حتى الآن ـ الجرار ـ لحفظ الماء واللبن الحليب وتخزين الحبوب ، وحفظ الجبن القديم والمش المعتق.
أول من أقام هنا.. بردلوا أغا العثمانلي . أحيانا تنطق برتلوا أغا..
هنا قمة الربوة العالية .. تقف خرابة سيد البشير ، ودار ابن نظيرة الأعوري ، باب داره من ضلفة واحدة خشبية متآكلة ، تفتح على الزقاق . الأرضية العالية المتربة تبدأ تميل قليلا ناحية اليمن ، تقف دار تونا القبطية أم الأخوين حنين ومراد نخلة.تونا شقيقة حبيب تادرس مينا ، من أغنياء بلدتنا والباشكاتب ـ سابقا ـ في دائرة الخواجه اليوناني جناكليس .. في الصحراء الغربية .
تذكرت كل هذا وأنا أقف أمام دار ابن نظيرة . عندما فتح الباب ، مسعود الأعوري ، شاهدت وراءه ممرا طويلا ضيقا لايسمح بمرور أكثر من نفر واحد . مال برقبته ناحية اليسار كعادته وقال في صوت ذليل ، تفضل ياسيدنا الأفندي.وأنا لم أتخط المرحلة الإلزامية بعد.. دخلت ومشيت خلفه في الممر غير المسقوف ، يفتح على الفضاء ، تبدو النجوم من هنا واضحة جلية أكثر من الزقاق . أعواد الحطب وقش الأرز والذرة اليابسة تتراكم فوق الأسطح وجباه الأبواب وتحجب سماء الزقاق . الممر الضيق الطويل يشبه سكة الثعبان ، يفضي إلى غرفة واحدة تلتصق في جدار غرفة الشيخ سيد البشير البدوي ، أمامها فسحة وسقيفة صغيرة أسفلها زير فخاري لتنقية مياه الشرب ، فوق الغطاء الخشبي كوب من الزنك له يد صغيرة لونه أبيض لامع . أسفل الزير تنام زلعة صغيرة ، هيه.. !! هذه الغرفة اليتيمة عندما دخلتها وتأملتها قلت في نفسي : سلبت من دار البشير في الزمن البعيد . ودققت النظر في الجدار الشرقي الذي أمامي ، يوجد آثار باب قديم في الجدار وقد تم إغلاقه حيث الخلف دهليز الخرابة . لم يكن الأعوري يود أن يحدثني عن شيء . ومتوجس من زيارتي .هذا الأعوري المنبوذ من أهل بلدتنا، عمل في معسكرات الإنجليز في التل الكبير والإسماعيلية !! البعض يقول إنه عميل لهم ، في أيام الحرب الكبيرة ومازال حتى اليوم..لكن البعض الآخر يقول إنه مازال يعمل في معسكرات الجيش البريطاني في سيدي بشر يقدم خدماته لهم ، يعرف بعضا من لغة الإنجليز ، ولكنه ينفي عن نفسه هذه التهمة ويقول إنه يعمل في الخردة التي تخرج من المعسكرات ، وفي بيع ـ السكند هاند ـ ينطقها هكذا لكل الزقاق وهم لايعرفون الألف من كوز الذرة الشامية !! أخته فرزانه التي تصغره كان لي معها حكاية ، في غيط الذرة ، لا أريد أن أذكرها الآن ، فلن أنجو من علقة ساخنة من أخي علوان الغشيم !! سأحكيها في آخر الليل ، يكون هو خرج لصلاة الفجر ، لأن يومه يبدأ بعد الفجر، وينتهي بعد غروب الشمس .
مسعود الأعوري وزوجته العوراء . شهرته في الزقاق .. ابن نظيرة ، هو ابن أمه البدناء ، تربية امرأة شديدة الدهاء ، هو داهية مثلها !! أخاف منها كثيرا ، أبصق في صدري كلما مررت من أمام باب دارها !! أجدها تضع طبقا قديما ملتصقا على جبهة الباب ، لا أعرف السبب وراء ذلك ، ربما زوجها التايه هو الذي فعل ذلك عند بناء المدخل . هذه المخاوف من المرأة لا أدري لها سببا ، هل من لون بشرة وجهها المائل للزرقة . عيناها السمراوان الجاحظتان الكحيلة كعيني الشيطان ، ابتسامتها الغامضة المحيرة كلما شاهدتني أمر من أمام باب دارها ؟! هل كانت تعرف مادار بيني وبين فرزانة في غيط الذرة الأخضر ؟!.
هناك شيء آخر يحيرني ـ التايه ـ زوجها الذي هجرها خوفا أن تضربه كل ليلة بعد أن ينام الزقاق ، بسبب أو بدون سبب . ونحن لانعرف السر الدفين بين الرجل وزوجته في النصف الآخر من ليل الزقاق الساكن . التايه يدور على القرى والعزب والنجوع يعرض بضاعته للحريم . الصرة الكبيرة التي يحملها على ظهره لايوجد بها بضاعة تخص الرجال ، كلها للنساء !! رجل غريب الأطوار.. يقال أن الرجل يحب معاشرة النساء والطعام الدسم ولاشيء غير هذا .. غير هذا على الأرض السلام وبالناس المسرة ، كما تقول تونا القبطية . بصوتها الذي يشبه قأقأة الدجاج .
مسعود ، ابن نظيره ، قليل الكلام ، كثير الصمت . عندما خرج من سجن الحضرة عمل خاطبة للعوانس ، إنسان غريب ومحير وغامض ، الفكرة أخذها من رفيق له في الزنزانة ، كان يقوم بها واستفاد من تجربته ، وزاولها وزاد عليها القواده ، ولم ينتبه إلى نصيحة رفيق الزنزانه بأن يبتعد عن مرافقة بنات الليل إياهم أصحاب الكار وبيوت الدعارة سواء المرخص لها من قبل الإنجليز أو غير المرخص لها وخاصة بنات اليهود ، هن مثل الذباب ، إن كن يفيدنه فسوف يضرونه ، فعليه الإحتراس منهن ، لكنه لم يهتم . وأودت به القواده إلي الحبس مرة أخرى .. كيرياليسون.
لأول مرة ألاحظ عينه المعطوبة اليسرى..وزوجته التي كانت تجلس معنا تعد لنا الشاي الأسود الغامق تكز على عينها اليسرى وتحاول إخفاءها بشالها الأسود الخفيف ، والصغير أيضا. أبناء عائلة الأعوري الكبير التايه ـ الجد ـ وأحفاده كذلك ، كأنما أصابتهم لعنة سيد البشير، من جراء اغتصاب داره الكبيرة ..أهالي الزقاق يتشاءمون من الدار ، دار ابن نظيمة ، ومن زوجته العوراء .. الحاج يونس الحراز تاجر المواشي في الأسواق يقيم عند نهاية الزقاق ، قرب الجامع القديم ، يقول عنها:
ـ في يوم السوق عندما أشاهدها تخرج لجلب الماء ، أرجع من السوق مكسور الخاطر وخسران ومتكدرا. وعندما لم أرها في صباح السوق ، أحمد ربنا ، وأقبل يدي وجها وظهر ، وأسرع في الذهاب ، أعود مجبور الخاطر وجيوبي عامرة بالورق أبو مئذنة !!
هيه .. العوار ، أخذوه وراثة عن الجد التايه.أعرف أن نظيرة ليست عوراء. لكن التايه اسمع إنه الأصل ، زرع البذرة في من جاء من صلبه ، لم اشاهده أبدا..اسمع عنه حكايات كثيرة ، لن يكفي الليل بطوله لسردها ، مثيرة ومشوقة ، كنت أتمنى أن أراه وأجلس معه.. في جعبته حكايات عن نساء غريبات الأطوار والأفعال ، التقى بهن في البلاد البعيدة ، أخجل من ذكرها.. ومع ذلك يقولون إنه رجل طيب ، ابن حلال مصفي ، عندما يقابلك يرحب بك ويعاونك ويقدم لك المساعدة دون أن تطلبها . رجل خسارة !! كما يقول مراد نخلة ، لكن سوء بخته .. ويهز الشاب رأسه ويستكمل بصوت خافت : أوقعه الرب في نظيرة ، لتطهره من ذنوبه.. وينال الجزاء في دنياه بدلا من آخرته..
يقال والله أعلم ، أن التايه متزوج في بلدة صغيرة على أطراف صحراء أبيس، بلدة صغيرة ومنسية..اسمها سيدي حمودة ، كوم سيدي حموده العرباوي ، متزوج بدوية شابة ترعى الغنم وتعيش في خيشة من الوبر. هرب من نظيرة ـ البغلة ـ كما كان يسبها وأقام هناك. ابنتها ـ فوز ـ الممتلئة البدن ، لها نقطة بيضاء على عينها اليسرى ، واضحة وظاهرة ، شاهدتها يوم قابلتها في غيط الذرة..لكن ابتسامتها وخفة دمها وصوتها الريان يخفي هذا العيب الصغير ، وهي لاتحس بنقص في هذا.. وهي تقبل معاكسات الجميع ، وتتمادى معهم وتشجعهم ، ولاتوقفهم عند حدودهم .أو تتظاهر بالغضب منهم وتقول حاسب ، إبعد إيدك عني ، أحسن أمي تشاهدنا..لم اسمعها تذكر اسم شقيقها مسعود ، مرة واحدة..
أبناء عائلة الأعوري ، وأحفادة ، لعنة البشير..أصابتهم !! يقال إن ليلة مقتله كانوا يسمعون صوته وهو يستنجد بهم ، ولكنهم لم يتحركوا لنجدته مثل بقية الجيران..
خرج الأعوري من الحبس إلى مزاولة مهنة الخاطبة مرة أخرى . أفادته كثيرا في دخول البيوت ومعرفة أسرار الأغنياء والطليان واليونان واليهود والغانيات ، والزواج العرفي ، وزواج المتعة ، والصداقة والأنيس والونيس والمرافقة ، والمريضة من صاحبات المزاج السادي. الأعوري المنجوس ، ممنوع عليه دخول أي دار من الزقاق أو ديار البلدة . منبوذ من الجميع . لانشاهده في أية مجلس من مجالس السراء أو الضراء ، لايظهر في نهار البلدة بين الديار ، يخرج قبل الشروق ويعود بعد الغروب ، يقف أحيانا أمام دكان البقال أثناء إحتياجه لشراء باكو دخان فرط ماركة سمسون الحناوي أبو غزالة. البقال اللئيم يرحب به كثيرا ليعرف منه أخبار الأهالي والمدينة البعيدة والحرب وروميل والعلمين ومتى تدخل قوات المحور الأسكندرية وهروب الجاليات اليهودية منها قبل وصوله ..وأخيرا يسأله عن الشح في المواد التموينية ..
مسعود زاول العديد من الأعمال وفشل فيها . هذا الأعوري لايخاف شيئا ، ولايحب شيئا . جمع الكثير من الأموال وفقدها ..سألت الأعوري الخبير ببواطن الأمور عن ليلة اختفاء سيد البشير . صمت الملعون ، بعد مدة أجاب بدهاء وكذب : اسأل غيري من أهل الزقاق . هم عاصروه . أنا سمعت عنه مثل بعض الناس ولم أكن موجودا هنا . كنت أعمل في الحضرة القبلية ...

وصمت ..
الأعوري ، عمل بالميناء ـ مستخلص ـ في مكتب السويسي..لكنه منع من الدخول بعد محاولة تهريب لفائف الدخان داخل شحنة من الخيش ، تمت مصادرة أجولة الخيش ، ولفائف ـ التبغ ـ الدخان الفرط غير المعبأ في علب صغيرة .وحكم عليه بسته أشهر حبس ، قضاها في سجن الحضرة الشهير بالأسكندرية ..بعد خروجه منع من دخول الدائرة الجمركية ، واستبعده صاحب العمل من المكتب نهائيا.
حكاية سيد البشير ، قريبة . حدثت قبل مولدي . مازال الدم لم يجف من الخرابة. رائحة بخور الهند والسند التي كان يحرقها مازلت أشمها في الجدران القديمة ..بعد مدة قصيرة مال برأسه نحوي ، سألني الماكر بخبث: جئت للبحث عن كلب الزقاق ، أو البحث عن طريق الدراويش ؟! لا أدري ماذا أقول له ؟! الدراويش ، الأتباع ، الحلقة التي تعقد مساء يوم الخميس .أين دفنوا..في الخرابة ؟! عضة الكلب كانت البداية ياكلب الزقاق . أنت ابن التايه وابن الوز عوام !! أخذتني وذهبت بي بعيدا إلى سنوات خلت ، قبل مولدي.في ليلة الكلب .. تفجر كل شيء .كانت هي النواة التي تسند الزير ، وسقطت النواة ، وسقط معها الزير الفخاري وتحطم ، وجرت المياه في كل مكان ، بدأت أشياء غريبة تظهر على السطح ، بدأت أحس بأحاسيس كثيرة..مبهمة وغامضة ، ماهي العلاقة بيني وبين هذا الرجل الطيب ، سيد البشير ؟!
أوقعني أعور العين المنجوس في حيرة..داهية الدواهي ، تربية امرأة لئيمة . ابن الوز عوام ..بل هو غواص ، يبحث عن رزقه ، من أي طريق ، الحلال أو الحرام ، لايهتم .لاشيء يهم .كلب الإنجليز الأجير ، ذمته واسعة وخراب . ذهاب الأب المفاجئ والذي لم يكن يتوقعه بهذه القسوة والصدمة ..فاجأته ، خرج من المدرسة الإلزامية ، لمواجهة أعباء الحياة وتحمل مسئولية الأم البدناء وأخته الصغيرة ، والدار خالية خاوية ، كانت الدار كبيرة وعريضة قبل أن يتزوج ويقسمها بينه وبين أمه وشقيقته بسبب كثرة المشاكل بينهما وبين فريدة زوجته!! وكانت البطون جائعة . ماذا بفعل ؟ عمل صبي في المقهى التي على قمة زاوية عبود شيخ الدرويش. وتعلم توزيع المخدرات والأفيون وكافة المكيفات بعد أن جربها ، أخذ يبيع تذكرة الحشيش المخلوط بالحنة بريال واحد ، مقابل أن يحصل من التاجر على قرش صاغ عمولة على كل تذكرة..صاحب المقهى عبدالمنصف التمراز عندما اكتشفه خاف على إغلاق القهوة مصدر رزقه ورزق عياله ، ضربه بعنف وطرده . معرفتة بالقراءة والكتابة ، ساعدته بالإلتحاق بوكالة كساب الصعيدي لشراء وبيع الخضروات والفواكه بالجملة ، غالط في تدوين الحسابات وسرق الفلوس من درج المعلم كساب أبوالهراس..عندما أحس أبو الهراس الصعيدي ، بنقص الفلوس ونقص الإيراد عن السابق ، أخذ يراقبه حتى ضبطه متلبسا وطرده ولم يعطه بقية أجره الشهري..وظل هكذا طوال حياته..
أحست نظيرة البدناء بأن ابنها فاشل ، وكذاب وصائع وضائع ومحال إصلاحه.. فلم يكن في اليد حيلة.. سوى أن فتحت نافذة غرفتها التي تطل على الزقاق للبيع والشراء بالقرش والتعريفة والمليم والنكلة والنصف فرنك ، وبالمقايضة عينا بالبيض وكيزان الذرة وقدح الأرز.. تبيع الشاي والسكر والعسل الأسود وعلب الكبريت وباكو الدخان وعلب النشوق . والفول السوداني ، والزيت والكيروسين .. ظللت صامتا . مال برأسه نحوي ، همس بكلمات غير مفهومة :
ـ نارهم ولا خلو دارهم !!
وأنا قاعد على الحصير بجانبه الأيمن ، اريح ظهري للجدار الطيني الخشن ، اتسعت عينه اليتيمة ، وكز على المعطوبة خيل إليّ إنه يرى بها وهي مغمضة بهذه الطريقة ، همس ، كأنما الصوت يأتي من بئر عميق ، بعيد القرار ، لا أحد يعرف الحقيقة .. ماتت . لن يعود الموتى !! ولم أعقب عليه ، من يعرفها لن يتكلم ليخبرك بشيء ...
سألت : هل تعرف ما حل بالغول ؟!
قال الأعوري بهدوء: علي حبوه الغول ، كبير العائلة ، استولى على أخشاب سقف الدهليز ، وسقف بها المقعد المبني فوق الربع ، غرفة السطح..اسمع إنه مات في محاجر سجن طره ، حيث وضع ظلما.. ناس تخلّص ذنب ناس !! جاء رجل غريب ، عابر سبيل ، وتعرف عليه وهو مستريح في الغيط تحت ظل شجرة التوت التي تقف بجوار مدار الساقية الخشبية ، وأقنعه بالذهاب معه ، إلى أين ، الله أعلم !! وانقطعت أخباره عن الزقاق ، قالوا مات في بلاد الله الواسعة ، ولكن .. عندما مات حقا ، أرسلوا الجثة إلى المركز .. هنا عرفنا حقيقة ماجرى ، هيه .. عاش بعيدا غريبا معذبا ، محبوسا في ليمان طره بلا ذنب أو جريرة .يخشى أن يعلم أحد من أهل بلدتنا به ، فحبس سره في صدره ووضع الغطاء عليه لحين انقضاء مدة حبسه والإفراج عنه ويعود ليقول لنا إنه كان مسافرا مع رجل صالح إلى بر الحجاز .. لكن ، انكشف سره وفضح أمره ، ودفع ثمن ما أخذه من دار سيد البشير مضاعفا ..
سألت : وأبناء علي حبوه الغول ؟
أجاب : أولاد الغول ، كانوا رجالا يأكلون الزلط ، وهم من طينة واحدة ، سالم البغل وأبومناع غول الليل وحسين الطيب ، وأمهم المعزوزة بنت الدرزي ، وأختهم السنيورة بهيجة.. بعد موت الرجل الكبير غريبا مهينا في الحبس ،أصابتهم معرة كسرت رقابهم ، انعزلوا عن البلدة ، حبسوا أنفسهم في دارهم ، وأغلقوا عليهم بابهم بالضبة والمفتاح ، طوال الليل والنهار ، لا أحد يعرف إن كانوا بالداخل أو بالغيط ، يأكلون أو يعانون من الجوع ، يومهم من البيت للغيط ، ومن الغيط للبيت، لايختلطون بأحد ولا أحد يختلط بهم ، عاشوا في حزن طوال حياتهم ..عاشوا في فقر طوال حياتهم . أعرف أنهم كانوا يباتون ، في بعض الليالي ، دون عشاء !! .
سألت : ومناع الغول ..
قال : أبو مناع ، رجل حر .. نفسه فيه ، عافت الطعام والشراب ..ولم يحتمل الحبس بين جدران البيت ، فانطلق إلى الخلاء ، وعاش مع الليل ، رفيقه الوفي الذي يثق فيه ..أصبح غول الليل .
الأعوري ابن نظيرة ، عندما سألته مرة أخرى عن سيد البشير ، هل قابلته ؟ أجاب الأعوري ابن نظيرة في صوت مكتوم : لا ، اسمع عنه ، كان يقيم بجوارنا ، هو وزوجته الشابة قوت القلوب ..
سألته وأين أختفى ؟!
أجاب : سمعت إنه عاد من حيث أتي إلى جبل الشيخ عون المبارك وانقطعت أخباره عنا ..
وصمت . بعد أن انتهينا من شرب أكواب الشاي الصغيرة ، اعتدل في مجلسه وقال بصوته العادي : حصلت لنا البركة ..أنا الحين واصل من سوق الكفر القديم .. أعمل بالسوق طوال النهار .. ومتعب . أريد أن آكل مع أولادي واستريح .. وأنا عندي عمل مستعجل وضروري في الصباح الباكر.. ونظر إلى زوجته العوراء وهي تلاعب طفلها ، يا أم رجب ، حضري العشاء للضيف الغالي ..قاطعته : لا داع ، سألحق ببقية الزقاق قبل النوم ..
على باب الدار ، أخبرني بأنه تذكر أن أهل الزقاق قالوا كانت عنده فرسة لونها أسود غامق ، مثل الجني . عرفت من يقصد بالكلام هذا ، هززت رأسي واستدرت ..
وأنا على عتبة باب الأعوري ، أسعى للبحث عن الكلب صاحب العضة ، قال بكلمات غريبة هذا الداهية ، وراء ظهري :
ـ من منا يتحمل أفعال من سبقوه من أهل الزقاق .. لا يلام الأبناء على ما فعله الآباء والأجداد !!
أعتقد إنها ليست كلماته ، إنها كلمات التايه الخبير المحنك ، فهي لاتخرج من فم تلميذ لم يتعد المرحلة الإلزامية ، فهو قضى أربع سنوات بالمدرسة وخرج منها. قلت لنفسي ربما فتح بابا آخر للحديث عن سيد البشير ، لكنه ظل صامتا لم يستكمل .. قلت لنفسي يجب أن أخرج وأسعى للبحث عن كلب الزقاق ..
كلب الإنجليز لن يفيدني بشيء..
وأغلق الباب الضيق ورائي ..


عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري



أعلى






تـراثيـات

قطر الندى
في الثقافة..أيضا

قلنا ان الثقافة تستعصي على التعريف، فليس لها تعريف واحد محدد، بل عدة تعريفات، وتتصل تلك التعريفات بمفهوم العلماء وتعكس فهم بعض العلوم الاجتماعية للثقافة، كعلم الاجتماع، وعلم النفس وعلم الانسان، كما انها تتصل بشيء من علم التاريخ والعلوم الانسانية الاخرى، وبذلك تشمل حقولا ومصنفات عديدة، متداخلة متكاملة وعليه يصبح مفهومها مركبا ومصطلحها معقدا، ويضحى تعريفها المحدد صعبا، لكن هناك تعريفات اوردنا بعضها، تسمى تعريفات اجرائية أي لغايات الدراسة، وهي تنحصر في العلم الذي تتأطر فيه.
وثمة ثقافات لا ثقافة واحدة، بمعنى ان اختلاف التعريفات وتناقض المفاهيم وتداخل التصورات يجعل الثقافة متعددة، بوصفها ظاهرة عامة، وتعددها يحمل معه تنوعها، لا تكرارها، وتنوعها يقود الى تصنيفها في أطر او دوائر متداخلة.
فهناك ثقافة محلية، لمجتمع معين، او جماعة او فئة محددة، وهناك ثقافة اوسع تسمى وطنية لبلد معين، وغيرها ثقافة قومية لأمة بذاتها، او لاقليم بعينه. كما ان هناك ثقافة اوسع يشمل اطارها أمما متعددة ويمكن ان نطلق عليها اسم الثقافة الإنسانية وهي تحتفظ بالقواسم المشتركة لثقافات قومية او اقليمية او وطنية او جهوية.
وبقدر هذا التداخل والتعدد في اطارات الثقافة وحدودها، فإن مضامينها تختلف، وهنا يبرز دور العلوم الانسانية والاجتماعية المختلف في هذا الصدد. فقد تشمل الثقافة اللغة والدين والعقائد والمثل والمقيم العليا والتقاليد والأعراف، كما تشمل التاريخ المشترك والتراث المكتوب منه والشفوي والمادي والمعنوي، وقد يتعدى ذلك ليشمل الآداب والفنون والفن الشعبي بخاصة، وهذا يشير الى مدى اتساع المفهوم ورحابة المصطلح، وهو اتساع محمود بالطبع، لكنه يجعل الثقافة (كلا معقدا متراكما) من ذلك كله، ويعيدنا الى تعريف تايلور القريب من علم الانثروبولوجيا ، ولكن الامر يظل متروكا، كما قلنا، للباحث والمدقق، والكاتب في اختيار المضمون الذي يرغب في ادخاله ضمن مفهوم الثقافة ليحدد لنا الاشياء التي يجب لنا ان نتعامل معها او بها، حين نلفظ كلمة الثقافة.

د. محمد ناجي عمايرة


ـــــــــــــــــــ


من المكتبة العربية:
(تاريخ الآداب العربية) للويس شيخو
كتاب غزير الفائدة، فريد في مواده وأبحاثه وهو مجموعة تراجم نادرة، وإحصائات علمية، وبحوث قيمة، حول تاريخ الطباعة ومجرياتها في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وقد نشرت هذه البحوث تباعًا كفصول في مجلة الشرق التي كان يصدرها مؤلف الكتاب. وقد رتب مواد الكتاب حسب وفيات السنين، فيأتي في كل سنة على ذكر من توفي فيها من المستشرقين وأصحاب المطابع ومشاهير الناشرين، ويأتي في صدد ترجمتهم على ذكر خدماتهم في نشر التراث العربي.

ـــــــــــــــــــ

أعلام:
صالح بن عبدالرحمن التميمي
أبو الوليد اول من حول كتابة الدواوين من الفارسية الى العربية في العراق، وكان يجيد الانشاء في اللغتين. اصله من سبي سجستان، نشأ في بني النزال، من آل مرة ابن عبيد، فصيحاً بالعربية، قوي الحافظة. واتصل بالحجاج الثقفي قبل ان يلي العراق، فلما ولى جعله في كتاب ديوانه، ثم قلده امر الديوان (وكان يكتب بالفارسية) فنقله صالح الى العربية سنة 78 هـ ووضع اصطلاحات للكتاب والحساب استغنوا بها عن المطلحات الفارسية. قيل لما اراد نقل الديوان الى العربية، بذل له كتاب الفرس ثلاثمائة الف درهم، على ان لا يفعل، فأبى. ووفد على سليمان بن عبدالملك في الشام، فولاه خراج العراق، فعاد الى الكوفة، فاستمر ايام سليمان كلها. واقره عمر بن عبدالعزيز مدة سنة، ثم استعفى فأعفاه وقيل عزله ولما ولي يزيد بن عبدالملك كان صالح بالشام، فكتب عمر بن هبيرة الى يزيد في انفاذه اليه، ليسأله عن الخراج، فأرسله اليه واوصاه به. فلما وصل الى ابن هبيرة قتله. وكان جميع كتاب العراق في عصره تلاميذ له. قال عبدالحميد بن يحيى الكاتب لله در صالح ما اعظم منته على الكتاب.


ـــــــــــــــــــ


أمثال:

حتفه من فوقه
إن الجبان حتفه من فوقه الحتف الهلاك ولا يبنى منه فعل وخص هذه الجهة لأن التحرز مما ينزل من السماء غير ممكن. يشير إلى أن الحتف إلى الجبان أسرع منه إلى الشجاع لأنه يأتيه من حيث لا مدفع له. قال ابن الكلبي: أول من قاله عمرو بن أمامة في شعر له وكانت مراد قتلته فقال هذا الشعر عند ذلك وهو قوله:
لقد حسوت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقـه
كل امرئ مقاتل عن طوقه
والثور يحمي أنفه بروقـه

ـــــــــــــــــــ

من لي بفتى كريم؟!
سمع رجل أبا العتاهية ينشد:
فارمي بطرفك حيث شئـ
ت فلن ترى إلا بخيلا
فقال له: بخلت الناس كلهم. قال: فأرني واحداً سمحا! وقال ابن حازم:
وقالوا لو مدحت فتى كريماً
فقلت وأين لي بفتى كريم?
بلوت ومر بي خمسون عاماً
وحسبك بالمجرب من عليم
فلا أحدٌ يعـد لـيوم خـير
ولا أحد يعود على عـديم
وقال بعض الشعراء في بخيل:
ميت مات، وهو في كنف العـي
ش مقيم في ظل عيش ظـلـيل
في عداد الموتى وفي عامر الدنيـا
أبو جعفر أخـي وخـلـيلـي
لم يمت ميتة الـحـياة ولـكـن
مات عن كل صالح وجـمـيل

ـــــــــــــــــــ

هدايا
كتب بعض الشعراء إلى بعض أهل السلطان في المهرجان: هذه الأيام جرت فيها العادة، بإلطاف العبيد للسادة، وإن كانت الصناعة تقصر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب، فجعلت هديتي هذه الأبيات، وهي:
ولما أن رأيت ذوي التصافي
تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديتي وداً مقـيمـاً
على مر الحوادث والزمان
وعبداً حين تكرمـه ذلـيلاً
ولكن لا يقر على الهـوان
يزيدك حين تعطيه خضوعاً
ويرضى من نوالك بالأماني
وأهدى أبو العتاهية إلى بعض الملوك نعلاً وكتب معها:
نعل بعثت بها لتلبـسـهـا
تسعى به قدم إلى المجـد
لو كان يصلح أن أشركها
خدي جعلت شراكها خدي
وأهدى علي بن الجهم كلباً، وكتب:
استوص خيراً به فـإن لـه
عندي يداً لا أزال أحمدهـا
يدل ضيفي علي في غسق ال
ليل إذا النار نام موقـدهـا

ـــــــــــــــــــ

عد نفسك من الزمنى!
قال الجاحظ: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه يوم الرأس، وكان له يوم معروف يأكل فيه رأساً لا محالة، وكان يجلس ابنه معه: ويقول: إياك يا بني ونهم الصبيان، وأخلاق النوائح، ونهش الأعراب، وكل مما يليك، واعلم أنه إذا كان في الطعام لقمة كريمة، أو مضغة شهية، أو شيء مستطرف، فإنما ذلك للشيخ المعظم، أو للصبي المدلل، ولست بواحد منهما. وقد قالوا: مدمن اللحم كمدن الخمر. أي بني، عود نفسك الأثرة ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السباع، ولا تخضم خضم البراذين، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، فإن الله جعلك إنساناً، فلا تجعل نفسك بهيمة. واحذر صرعة الكظة، وسرف البطنة، فقد قال بعض الحكماء: إذا كنت نهماً فعد نفسك من الزمنى، واعلم أن الشبع داعية البشم، والبشم داعية السقم، وأن السقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة لأنه قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألأم من قاتل غير.


ـــــــــــــــــــ

موعظة
قال لُقمانُ لابنه: إذا أتيت مجلسَ قومٍ فاْرمهِمْ بسَهْم السلام ثم اجلس، فإن أفاضوا في ذِكر اللهّ فأَجِلْ سَهمْك مع سِهامهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فَتَخَلَّ عنهم وانهض...وقال: يا بني، استَعِذ باللّه من شِرَار الناس وكُنْ من خِيارهم على حَذَر. ومثلُ هذا قولُ أكثَم بن صَيْفي: احذر الأمين ولا تأتمن الخائن، فإنّ القُلوب بيد غيرك. وقال لُقمان لابنه: لا تركنْ إلى الدنيا، ولا تَشْغَل قلبك بها، فإِنك لم تُخْلَق لها، وما خَلَق الله خَلْقاً أهون عليه منها، فإنه لم يجعل نعيمَها ثواباً للمُطيعين، ولا بلاءَها عُقوبة للعاصين. يا بني، لا تضحك من غير عجب، ولا تَمْش في غير أرب، ولا تسأل عما لا يَعْنيك.
وقال حكيم لبنيه: يا بني، إياكم أن تكونوا بالأحداث مُغْتَرين، ولها آمنين، فإني واللّه ما سَخِرْت من شيء إلا نزل بي مثله، فاحذَروها وتوقَّعوِها، فإنما الإنسان في الدُّنيا غرَضٌ تَتَعاوره السِّهام، فمُجَاوزٌ له ومُقصِّر عنه وواقعٍ عن يمينه وشماله، حتى يُصيبه بعضها؛ واعلموا أن لكل شيء جرَاءَ ولكل عمل ثواباً. وقد قالوا: كما تَدِين تُدَان، ومن بَرِّ يوماً بُرَّ به. وقال الشاعر:
إذا ما الدَّهر جرَّ على أُناس
حوادثَه أناخَ بـآخَـرِينَـا
فقُلْ للشّامتين بنا أَفـيقـوا
سَيَلقى الشامِتون كما لقِينا


ـــــــــــــــــــ


مضمار الخير
ومرَّ الحسنُ بقومٍ يَضْحكون في شَهْر رَمضان، فقال: يا قوم، إنّ الله جعل رمضان مِضْماراً لِخَلْقِه يَتسَابقون فيه إلى رَحْمتِه، فَسَبَق أقوامٌ ففازُوا، وتخلَّف أقوامٌ فَخَابوا، فالعَجب من الضاحِكِ اللاّهي في اليوم الذي فاز فيه السابقون، وخاب فيه المتخلِّفون? أما واللّهِ لو كُشِف الغِطاء لَشَغَلَ مُحْسِناً إحسانُه ومُسِيئاً إساءتُه.

ـــــــــــــــــــ


عزلة
قيل لإبراهيم بن أدهم:ِ لمَ تَجْتنب الناس? فأنشأ يقول:
ارضَ بالله صاحبَـا
وَذَرِ الناس جانِبَـا
"قَلِّب الناسَ كيفا شِئ
ت تَجدْهم عَقارِبـا"
وكان محمد بن عبدالملك الزيَّات يأنَسُ بأهل البَلادة ويسْتوْحش من أهل الذكاء، فسُئِلِ عن ذلك، فقال: مَئونة التحفُّظ شديدة. وقال ابن مُحَيْريز: إن استطعتَ أن تعْرِف ولا تُعرَف، وتَسأل ولا تُسأل، وتمشي ولا يُمْشى إليك، فافعل: وقال أيوب السخْتياني: ما أحب الله عبداً إلا أحب أن لا يُشْعَر به.
وقيل للعتَّابي: من تُجالس اليوم? قال: من أبصُق في وجهه ولا يَغْضَب؛ قيل له: ومَن هو? قال: الحائط وقيل لِدِعْبل الشاعر: ما الوَحْشة عندك? قال: النظر إلى الناسِ، ثم أنشأ يقول:
ما أكثر الناسَ لا بَلْ ما أَقلَّهم
الله يَعْلَم أني لم أقُلْ فـنَـدَا
إنِّي لأفْتَحُ عَيْني حين أفتَحُهـا
على كَثير ولكن لا أرَى أحِدا



أعلى




عودة إلى قصائد الحوليات والإبداع الشعري
محمد بن راشد آل مكتوم يقدم الذهب والفضة والألماس في لغزه الثامن

إعداد ـ فيصل بن سعيد العلوي:
طرح سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ـ حاكم دبي ـ قصيدة اللغز في دورتها الثامنة والتي تشكلت من لغز رئيسي، وألغاز الذهب، وألغاز الفضة، ولغز الألماس. تعد قصيدة (اللغز) لمحمد بن راشد آل مكتوم هي المتنفس للشعراء في الوطن العربي في إطار القصيدة الأحجية التي تحتاج لإنشائها ذهنا ثاقبا وقدرة على استخدام البلاغة لتوفير أقصى ما يمكن من انزياح شعري يحول السؤال إلى مستوى أعمق هو مستوى اللغز..


كما أن إنشاء السؤال في قصيدة اللغز أصعب بكثير من الإجابة عليه وهذا ما يميزها عن غيرها كنوع شعري، إضافة إلى ان قصيدة اللغز تتميز باكتمالها الفني، وامتلاكها لعناصر القصيدة الطويلة كلها, فضلا عن أنها أخذت ما يناسبها من مراحل النضج الفني, فهي تتخذ وزنا واحدا وقافية واحدة, وفي الوقت ذاته تنقسم إلى مقدمة وأسئلة متعددة ثم مقطع اللغز الذي يدور حول أمر واحد يكون هو محور القصيدة كلها وبعده الخاتمة المناسبة للموضوع. وتمثل الألغاز عودة إلى قصائد الحوليات والى الإبداع الشعري الذي يحتفظ بقيمته على تباعد الزمن, فضلا عن أنها احتفال بالشعر يأخذ زهوه من القصائد, فقد تصل قصائد الرد إلى ألفي قصيدة أو أكثر كلها على وزن شعري واحد وقافية مشتركة في كل لغز، وتعد قصيدة (اللغز) بعيدا عن كونها مسابقة، ظاهرة أدبية تحقق الحضور المتميز لمختلف ساحات الشعر في الوطن العربي وتجمع مدارس مختلفة على مستوى تقنية الكتابة وتقدم صورة واضحة على مدى قدرة الشعراء الخليجيين والعرب في صياغة الرد بحسب متطلبات القصيدة ذاتها والتي يقدم فيها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدة الحل بعد الإعلان عن نتائج هذه المسابقة وقد استوفت كل ما يتعلق باللغز من أفكار وأسئلة، فتكون قصيدة اللغز قد حققت الغاية المرجوة، ويشترط في حل هذا اللغز أن يكون الرد شعراً من الوزن والقافية التي أنشئت عليه القصيدة الرئيسية، بحيث تتضمن الأبيات الجواب المقصود بين قوسين في القصيدة نفسها.

نبذة تاريخية

عرف العرب الألغاز كونها فناً من فنون القول تثير العقل وتستحثه على البحث عن إجابة لها. واللغز لغةً: ما يعمى به أو يموّه من كلام، ويقال لغز كلامه أي عمّى مراده أضمره على خلاف ما أظهره. وقد سمى العرب الألغاز أوابد لأن الآبدة هي الأمر العجيب يُستغرب له، وأوابد الكلام غرائبه وعجائبه. وتناول العرب الألغاز لأسباب منها: طلب المتعة وتدريب العقل لما فيها من غرابة ودعوة للتفكير، ومن الألغاز ما كان للتحدي أي يتحدى صاحب اللغز منافساً، واللغز في الشعر العربي لا يتعدى البيت والبيتين وهو يعتمد أساليب البلاغة العربية في التورية والجناس والكناية وغيرها. ونهج الشعر النبطي نهج الشعر العربي القديم في الألغاز، وكان اللغز يطلق بين الناس فيجاب عليه شعراً أو نثراً، وقد توجه إلى خاصة الناس من الشعراء أو للجميع، وكادت أن تنسى في الشعر الشعبي حتى حولها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى فن شعري خاص من فنون الشعر الشعبي المعاصر.

ماهيته وتأثيره

ويعرّف الشاعر خميس بن خلفان الوشاحي اللغز في الشعر الشعبي بأنه احد أوجه الكتابة لدى الكثير من الشعراء الشعبيين، فسابقا كان الشعراء وبالذات شعراء المحاورة يعتبرون هذا الصنف من الشعر صنفا هاما ويتنافسون في حل الألغاز وهو ما ظهر جليا في فن الرزفة (الحماسية) فقد كان الشعراء يتبارون في المناسبات وبالذات في الأعراس على حل التلغيز وفق أسس وقواعد ثابتة ومحدده وهو ما يتطلب من الشاعرين المتباريين في (الميدان) سرعة بديهة وفطنة وقدرات خاصة قد لا يجيدها شعراء النظم الآخرين.
ويضيف الوشاحي: هذا الفن ظهر أيضا وبشكل آخر في إشعار الميدان والرزحة والفنون الأخرى، الآن وفي السنوات الأخيرة أصبح الشعراء في السلطنة وبقية الدول الخليجية والعربية الاخرى ينتظرون بشكل مستمر لغز الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وقد اثبت شعراء السلطنة وخلال السنوات الماضية تميزا في حصد جوائز هذه المسابقة وهو ما يؤكد ارتفاع وتطور الكتابة لدى الشعراء العمانيين وقدرتهم على الإبداع في مختلف مجالات الشعر ونطاقاته، وشخصيا كانت تجربتي مع اللغز مبكرة جدا فاذكر انني شاركت في (لغز العصا) وحصدت احدى جوائز تلك المسابقة، والجميل في هذه المسابقة انها تحفز الشعراء على المشاركة والتواصل ومحاولة فك المحتوى المتماسك وهو ما يولد اختلافا في وجهات النظر تقود بالتالي الى المزيد من المعرفة في أوزان الشعر وتثري لغة الشاعر ومفرداته.
وفي الختام يقول خميس الوشاحي أن بعض النقاد يرى أن اللغز في حد ذاته يدخل في مسالة الصناعة الشعرية وانا اتفق مع وجهة النظر تلك، لكن ذلك لا يمنع من كون اللغز مناسبة احتفالية رائعة للشعر والشعراء وانها عامل مساعد على التطوير والابتكار ومحاولة البحث عن الجديد، فشكرا لصاحب اللغز وداعمه.

نهضة المبادرات

ويقول الشاعر صالح بن سعيد الرئيسي: ان وجود اللغز كتجربة تم تحويلها إلى فن شعري من فنون الشعر الشعبي هو بحد ذاته ينم عن ثقافة وفكر واع من القائمين عليه، وما المشاركة في محاولة الرد على هذه القصيدة إلا بمثابة التدريب نحو إبراز القدرات التي يتمتع بها الشاعر وتوظيف المفردة الخالصة التي تتطلب الدقة والتركيز بحسب ما هو متاح من فكر لدى الشاعر، وهذه العوامل ومقتضياتها تصب أولا وأخيرا في خدمة القصيدة الشعبية التي يقابلها الدعم المادي والمعنوي الكبيرين، ولاشك في ان لغز محمد بن راشد آل مكتوم هو أحد المبادرات الجميلة للنهوض بالشعر الشعبي في الخليج والوطن العربي.

آفاق رحبة

اما الشاعر محمد بن صالح الصالحي فيقول: ان مثل هذه المبادرات الجميلة في تاريخ الشعر الشعبي تمثل قفزة نوعية على صعيد ممارستها وتجربتها، بحيث تفتح آفاقا جديدة وتطلعات رحبة على مستوى النص الشعري الذي يكتبه الشاعر. ويضيف الصالحي بأن يقوم أولا بفهم النص الرئيسي للغز ومن ثم تحديد الإجابات، يليه كتابة قصيدة توافق متطلبات النص الرئيسي، وهذه المجاراة تتطلب ثقافة عالية وفكرا واسعا في تاريخ هذا النوع من الكتابة وكيف السبيل للوصول في نتائج موفقة تقترب من الدقة.


أعلى





رسائل ممطرة
قصب يجف

دعني أترك في نبض كفك البيضاء "حمامة", لست أعلم ما قد سيتركه العمر لك, وما قد ستتركه الأيام لك من قلق القادم, هل ستبقى هذه السدرة لك متكئا, هل سيبقى لك في هذه الأرض أصدقاء مخلصون, هي هكذا تصير لنا الأسئلة فضاء ضيقا, حين نجدنا عصافير تبحث عن موطن دافئ "لصغارها" النائمين, وها نحن في لحظة صرنا نلملم سكر الأحلام, وكلما وزعناه قصبا, وجدنا في الروح جوعا كثيرا!!!.
لكم نحن نخاف من الأغراب على أطفالنا, ومن شحوب السحاب على وردنا المتروك في الشباك. يا سيدتي ـ إنها الدنيا ـ طالع نجهله, ألم تكن بالأمس نهرا شربنا من نقاوته؟
ـ نعم ـ ولكننا قد مضينا وفوق السماء كان حمام يطير وبين البساتين كان نخل يشيخ, وصبية يكبرون!.
تأخرنا قبل أن نفكر بأننا سنصبح يوما يتامى, وأن بيتنا الصغير هذا سيصبح يوما عشا صغيرا, نعلق فيه قناديلنا الناعسة, وأنه لن يصبح يوما لنا ـ آه ـ ما أجمله حين كنا نراه بحجم الفضاء, لكأنه اليوم قصب يجف كما جفت براءتنا واختلفت محطات العمر, ماذا سنترك اليوم في ورق الرسائل, صورة, خصلة شعرٍ, وردة محمدية, أم قصاصة من قصة صغيرة منسية, ربما وصية من سطرين لطفليَ الصغير, أخبره أن يرتب صورتي في كل مساء, وأن يظل طيبا كما أعرفه ـ يالله ـ ما أطيب قلبه الصغير ـ طاهر كنقاء يمامة!.
يظل التمني نشيدا, نشيجا, وفي آخر الهزيع ناي حزين, فالليل ممر يوقظ أحيانا ثقل المتاهة, وترجع ذاكرة القلب, يرجع حلم قديم!. نعود لنلقي السلام على اخوة ضائعين, ونشعر بالدفء أكثر حين يمر الكثيرون منهم, وما أن يهيئ المساء نجومه للرحيل, نعود نفكر قي أطفالنا النائمين, ماذا ترانا سنمنحهم أكثر من الروح, وأكثر من هذه الحياة الباقية في حصار عقارب الوقت, نفكر فيهم كثيرا كثيرا, ونبقى نقيس المسافة بين ربيعين مَرّا, بين صباح لعبنا فيه النرد مع الأصدقاء ثم مضينا دون أن نفكر من خسر اللعبة فينا, وبين صباح صار يلعب بنا حالة الاوقت والهرولة, وتصفح آخر أخبار هذي الجريدة!.
رسالة ساقطة:
(أتذكرُ مدرسَةً كُنتَ فيها أبي/ ساعديَّ
وكُنتُ أنا أستريحُ حمامَةَ مئذنةٍ لا تُغّني الفُراقَ,
وكُنتَ بقلبي ـ قُبيلَ اضطرابِ النفوسِ ـ تُغّني: عليكَ
السلامُ, فَنَمْ
أيَُها النايُ أقبلْ عليَّ,
فقد راعني في الحياةِ اهتياجُ الطّبولِ
طُبولٌ.. طبولٌ وما من غناء)
( محمد هشام المغربي)

سميرة الخروصي*
* شاعرة عمانية


 

أعلى



سيرة الحجر
الهديّة

الظل الممتد يشعر الكائنات بالطمأنينة، ظل الجبال العالية، وتلك الصباحات الصيفية التي تحمل بقايا نسمات لطيفة، قبل أن تشرق الشمس بوهجها، قبل أن يشتد لهيب الصيف الحارق، وقبل أن تهرب الظلال إلى مكامنها الأبدية في الكهوف والشقوق العميقة، في تلك البقعة من الكون، البقعة الصماء إلا من طائر الحربوق يرفرف متنقلا من قمة إلى أخرى، مغردا ومناديا في هذا الحضور الصامت على كائنات قد تلقي بها يد القدر فجأة في محيطه فتقلب وحدته، وتلغي امتلاكه للأمكنة.
في ذلك الظل لتلك الوديان السحيقة، يظهر أحد الرعاة وهو يسوق قطيعه، متوجها صوب الأعالي، حيث يستطيع أن يشرف على الأمكنة من فوق، وحيث المكان مسطح بصورة تكفي لصنع بيته، يظهر وقد احتضن طفلا بين يديه، طفلا رضيعا ملفوفا في قماطه، يخرج صوته بين الفينة والأخرى ضعيفا ومختلطا مع ثغاء الشياه، ليثبت وجوده في هذه البيئة الصامتة، البيئة التي يتردد فيها الصدى مسافرا أبديا من قمة إلى أخرى.
وهناك في الأعالي، تقوم شجرة سمر وحيدة تستقبل الفضاء بأغصانها الكثيفة، بينما تبدو امرأة منهمكة في تحضير شيء ما بالقرب من موقد النار، هناك تنتظره وهي تسمع جلبة مرافقيه، تبدو مطمأنة، ويبدو المكان مرتبا في وضع الأشياء في أمكنتها المخصصة لها في هذا البيت الأنيق. لم يعد زوجها وحيدا هذه المرة، جاء محتضنا طفلا رضيعا، جعلها تقوم من مكانها وامارات الارتباك بادية على وجهها، لكنه لن يترك لهواجسها أن تتمادى كثيرا فأخبرها قصته.

إنه القدر، قال: لقد عرجت في طريقي على القرية الفلانية، كان مساء البارحة، تذكرت أن أشتري لك بعض الحاجات وأنا في طريقي، فتركت الأغنام في مأمن مع الكلب، وأخذت الحمار معي، ونزلت المنحدر صوب القرية، وفي أحد الشغاف الضيقة، سمعت ما يشبه الأنين، كان هنالك صوت خافت يصل إلى مسامعي من بين الصخور، وكلما اقتربت زاد وضوحه، ثم وقفت، أصغيت جيدا، فبدأت في تمييز الأصوات، عندها ربطت الحمار، وتسللت باتجاه الأصوات، فكمنت خلف صخرة كبيرة وتلصصت بنظري، فرأيت في ذلك الوادي المليء بالصخور، رأيت تحت صخرة كبيرة منه امرأتين، إحداهما في حالة الوضع، والأخرى كانت تقوم بدور القابلة، فأغراني المشهد فقلت سأجلس مكاني وأرقب ما الذي سيحدث، وبعد لحظات ارتفع في المكان صوت طفل رضيع، فرأيت القابلة وقد لفته في خرقه ودسته تحت صخرة أخرى، كانتا هناك، لقد رأيتهما بأم عيني، قامت الأم التي أنجبت من رقدتها، كانت فتاة صغيرة السن، سحبتها الأخرى من يدها بعد أن لملمت الأشياء، واتجهتا صوب القرية، كانت الفتاة تنظر إلى ورائها وتبكي، بينما الأخرى تجرها من يدها صامتة.
بقيت هناك عاجزا عن الحركة، لقد أذهلني ما رأيت، إن هذه المرأة قد تركت فلذة كبدها بين الصخور معرضا للهوام والموت جوعا وعطشا، يا للهول، ثم قفزت من مكاني ناحية تلك الصخرة التي يندس فيها ذلك الكائن الذي يصدر بين الحين والآخر بعض الأنين، فانتشلته، ويا للعجب، لقد أدخل في قلبي شيئا لم أعهده، فنحن كما تعلمين لم يقدر لنا الإنجاب، وأنت هنا وحيدة، فقلت في نفسي، لعل كل هذه ما هي إلا صورة لكي يهبنا الله طفلا يؤنس وحشتنا، عندها لم استطع تركه، لففته في قماطه وجئت به إليك، فهل ستقبلينه هدية مني، يملأ المكان بضحكاته وبحركاته حياة جديدة؟.
الظهيرة تطرد الظلال إلى مكامنها، والوهج يطرد الكائنات فتندس مطاردة بدورها انزياح الظلال، وهناك تحت تلك الشجرة الوحيدة في القمة، رجل وامرأة يصنعان مهدا وأرجوحة لضيفهما الجميل.

زهران القاسمي

أعلى



عندما...


-1-
عندما أحدق في أرقام هواتف أصدقائي الرّاحلين، أهمّ بالاتصال بهم وإزعاج سكينتهم الخالدة. أحدق في تلك الأرقام فأكتشف تغضنها وتقشرّها وانسلاخها عن معنى الأرقام. أحدق في جماليتها وترابطها وتشكلها فأدرك أنها أرقام ضائعة تبحث عن مؤلفها الفقيد. أحدق في معناها فتنكشف لوعة الوجوه الميتة الملقاة على قارعة دفاترنا وذكرياتنا. أحدق في العبثية المؤلمة وأمضي وحيداً تحت دثار الليل الذي سيأكل رأسي بعد قليل...


-2-
عندما كانت العطالة والفقر والحبّ المفجوع هي البواعث الأساسيّة للشهم الهمام دونكيخوته، فارس دالامنتشا، التي ألجأته إلى قراءة كتب الفروسيّة، فقد بلغ بها حدّ الشجاعة والإرادة كي يتكرس فارساً أبدياً، ويخرج مبتهجاً من قريته لمكافحة شرور العالـَم ومآسيه المخجلة.
عندما تفشّت عطالته وفقره وحـُبّه، ألهمه ذلك أن يحارب طواحين الهواء المرعبة ويصارع أشرار وأشباح الحياة في اليقظة كما في معظم المغامرات، وفي الحلم كما في معركة زقاق النبيذ الأسود، في الإقدام كما في جميع المغامرات الباسلة وفي الإحجام والتعالي كما في المغامرة التي خاضها ضدّ عربة موكب الموت.
يثبت "أونامونو" في كتابه النفيس عن حياة الدون كيخوته أنّ: "البطالة والحبّ المفجوع، قد حملاه على مطالعة كتب الفروسية.. ولقلة نومه وكثرة قراءته فقد جفّ دماغه وفقد رشده.. كان فقيراً وعاطلاً عن العمل، عاطلاً في أغلب أيّام السنة. ولا يوجد ما هو أكثر عبقرية في العالم من الفقر والبطالة، كان الفقر يحبب إليه الحياة ويبعده عن كل شـَبَع، ويغذيه بالآمال، وكانت البطالة ولا شكّ تجعله يفكر في الحياة التي لا تنتهي، في الحياة المعكِّرة للصفو. لقد رعتْ أحلامُ الطموحِ من بطالته وفقره. وبزهده عن مِنَح الحياة تاق للخلودِ الأبديّ.."
يقول أونامونو: "عن طريق الكتابة والقراءة، دخل الجنون إلى العالم" وما فعله دونكيخوته هو أنّه قرأ فـَـقـْـرَهُ وكتب عطالـَتـَهُ من بوابة البطولة والجنون..
مرحى للعاطلين والفقراء والمفجوعين المُصابين بالدّوارِ الخالد، وهنيئاً لهم مقاماتهم التي تغذي فقرهم بالخصوبة وعطالتهم بالفعل الضامر العظيم وفجيعتهم بالعزاء النبيل!..


-3-
عندما لا تكون ثمّة موسيقى في هذا المكان، يعبر العابرون دون أن تكترث بهم. أمّا وهناك موسيقى تعزف آلاتها بحدّة وقوّة، فإنّ كلّ الأجساد موقعة حسب التتاليات اللحنية، كلّ الأجساد تمشي وفق انسرابها النغميّ، وحتّى لو كنتَ تمثالاً لـفّتْكَ الموسيقى واحتضنتكَ وأعطتكَ شكلا. إن تحرّكتَ صرتَ موسيقى، وإن توقفتَ رأيناك تمثالا موسيقياً يدسّ في داخله ابتسامة وحركة مضمرة.


-4-
عندما يكون الآخَرُ طويلاً جدا يرميكَ بتهمةِ القـِصَر، وعندما يكون قصيراً جداً يلمِزُكُ من قناةِ الطول. وعندما يكون سميناً جداً يطالع سردينتَك، وعندما يكون نحيلاً جداً يتلفت إلى فيلـِـك. وهكذا يُفـَصِّلـَك، من حجرته العلوية أو التحتية، حسب قامته وعلى قدّ حجمه، وعلى مستوى بالوناته المنتفخة أو المفرغة الهواء، وعلى مقاس معطياته الجسدية، التي لم يثق فيهما العلم والشعر في يوم من الأيّام...
وإذا قال لك رأياً، ذلك السمين، استخدم طبله ومكبّر صوته، وإذا قال لك رأياً، ذلك النحيلُ، استخدم مثقابه الصوتيّ كي يثقب أذنيك.. إنهم يستخدمون الصوت في نفخ أفكارهم وآلاتهم الكلاميّة، لكنها الجلبة التي لا تصنع حالة، والضجيج الذي لا تستفيد منها حدقة ولا خبرة ولا حياة...
واحديون حتّى الموت، لا يتغيّرون، يمشون على ذات الجسر إلى وجهة واحدة، لا تخدشهم فكرة طارئة ولا تنهب أرواحهم جمرة أو حسّ مفاجئ أو اجترار خلاق، ولا تخترق أفهامهم زهرة أو مكر مباغت. ولا تزال تلك الحكاية المدوّرة عن القصيدة العمودية والحُرّة والتفعيلة والنثر مثل عجز ٍمستبدٍّ فارع، جاثم على العقول والأبدان، ولا يزال الحديث عن الحداثة مثل جريمة يتوجّب استئصالها، ومِنـّة يجب فقأ عينيها..
أفلا ينخلع مرّة واحدة هذا أو ذاك من تلك الغُرفات؟، ألا يتحرّك مسافة ما فينظر من عل ٍ ومن أسفل ومن حول ٍومن جِوار ومن زوايا نظر عديدة لم يحاول أن يفتح نوافذها التي عشّشَ العنكبوت عليها وباض فيها الغُراب؟ ألا يجرؤ أحدٌ منهم أن يفتح مرّة واحدة البابَ المُوارَبَ بركلةٍ وحشيّةٍ من قدمه المعطّل وبخبطةٍ حُرّةٍ من رأسِهِ الهامد؟..

-5-
عندما عُدتَ إلى البيت، بدأ طائرُ الليل يرغي ويزبد بآلاته ومناشيره، بسلاسله التي يقذفها في الرُوحِ والرَّوْع، بأدوات حِدادته التي تصمّ الأبدان، بكراته الحديدية التي تخبط الجسد. عُدتَ، لكنَّ النوافذ تـُهَرِّبُ الخبث، والخلاءات الليلية تسرب جحيم الطائر المزعج الذي يُرسِلُ شواظه الصوتيّ... لكنَّك سألتَ نفسَكَ أيضاً: ما قيمة هذا الطائر إذا لم يزعجك؟ ما قيمتك أنتَ إذا لمْ تـَكـُن منزعجاً من طائر ليليّ كهذا، يختبر أعصابك وصبرك ويجسّ حساسيّتك المفرطة؟... والآن أفهل عليك أن تلعن الطائر؟ أم تلعن الظلام؟، أن تصرخ؟ أم تحاول النوم؟ أن تخرج من جديد، أم أن تنتكس في الحديدة التي تخرق رأسك؟...
كلّ ليلةٍ ولها طائرها الصدّاح الذي ينوح في داخلك وينهب سَكينتك!..

-6-
وعندما تـُذبَحُ الدجاجة تبتسم البيضة، وعندما يُذبحُ الكبشُ يبتسم العيد، وعندما يموت الثريّ يبتسم الورثة، وعندما ..... (يمكن أن نكمل بلا نهاية هذه اللعبة، هذه الابتسامات!).


-7-
عندما كانت الأكواخ تتمايل في أكفّ العواصف والأمطار، في القرى السعفية القديمة، كان النّاس يحلمون وينامون داخل تلك الأكواخ، غير مكترثين بأمر العاصفة، لأنهم كانوا جزءاً منها ومن أكفّها وجسدها المتقدّم في القرية.. وحينما تصلهم الضوضاء الليلية التي تحرك العاصفة بها أوانيهم وأشياءهم المتطايرة، لم يكونوا يلجأون، في الليل البهيم، إلا إلى إطفاء ذبالات الأسرجة خوفاً من الحرائق. وفي الصباح الباكر يفتحون أعينهم الحالمة على الصديقة التي مرّت بسلام وحيّت أرواحهم، ماضية هي إلى السماء، وماضون هم إلى بحرهم ومزارعهم وأقدارهم المنقوشة بخفة ولطافة...

-8-
وعندما يكون في الجنوب
يسهر في الشّمال
وكلّ الكتب مقطـّـَعَة ٌ في جيبِهِ
لأنّه يُحِبّ ُذِكرى الصيّاد
وحتى أظافره يدفنها
لكيلا يفقد طيوره
ونملـُهُ لا يعرِفُ العَمَل.
وبِغِوايةِ مَنْ لا يَصِلونَ
مِـنْ على البُرجِ يـَراكُمْ
وقد غِيضَتِ
المسافة...


صالح العامري*
* شاعر عماني

 

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept