شراع
خديعة ضد السودان
مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية
الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب ما يسمى جرائم
حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور، لا تعدو عن كونها أداة
من أدوات الاستعمار الجديد الذي بدأ يعود إلى الواجهة بأسلوب جديد
وبأدوات جديدة ، بعيدًا عن الوسائل القديمة التي كانت تقوم على القرصنة
البحرية والغزو المباشر عبر السلاح الذي استعاض عنه بأسلحة جديدة
تحمل صفة القانونية والشرعية والدولية ، ظلمًا وعدوانًا ، وترفع
شعار الدفاع عن حقوق الإنسان ، زورًا وبهتانًا ، ويبرز مجلس الأمن
(الخوف) الدولي والمحكمة الجنائية (الجانية) الدولية كإحدى أهم أداتين
يوظفهما المستعمرون الجدد لسرقة مقدرات الشعوب والأنظمة المستضعفة
، بمعنى آخر أن لصوص العصر الحديث طوروا أساليب سرقتهم لتكون بشكل
حضاري ـ وفق نظرتهم الضيقة ـ ومقولبة بقالب شرعي قانوني يخفي الأبعاد
الأخرى من وراء ذلك.
محزنٌ ذلك الاصطفاف واللهاث العربيان وراء الحصول على العضوية في
مثل هذه المنظمات والمؤسسات التي تحمل صفة الدولية أو حتى إبداء
الاحترام لها والبقاء في عضويتها، خاصة بعد أن تم اختطافها من قبل
لصوص العصر الحديث ، لتكون مقاصل توضع على مفاصل الوطن العربي المفصل
تلو المفصل ، بالأمس كانت فلسطين وأمس العراق واليوم السودان والبقية
تأتي والحبل على الجرار، ومع ذلك يبقى الارتهان العربي لهذه المؤسسات
والمنظمات عصيًّا عن إبداء أي تحرك أو موقف يحفظ ماء الوجه أو يوقف
زحف الاستعمار الجديد القادم من الغرب البعيد.
إن موقف المحكمة الجنائية تجاه رئيس دولة (عربي) على رأس عمله سابقة
خطيرة ، وتؤسس لطريق ومنهج غربي جديد رسم لابتزاز الدول العربية
وقادتها، يلوح به في وجه كل من يخلص لوطنه ويرفض الانجرار وراء مطالب
اللصوص وخدمة مصالحهم ، ومن المؤكد أن لكل واحد من الساسة العرب
قد هيئ له من المكائد والخدع ليقاد إلى مهاوي الردى.
لكن لماذا يتم إصدار هذه المذكرة سيئة الذكر في حق رئيس يمارس مهام
عمله في هذا الوقت بالتحديد؟ الراجح أن هناك أطرافًا لها مصلحتها
الخاصة في ذلك ، وهي التي تهيمن عليها وتقف وراءها، وبالتالي كل
كوادرها ما هم إلا دمى أو بيادق شطرنج تحركها هذه الأطراف ، الأمر
الذي يرفع عنها صفة العدالة والنزاهة أو حتى صفة (الجنائية) ، ويدلل
على أنها مسيسة حتى النخاع ، بل إن السياسة مشربها ومأكلها ، خاصة
وأنها أسست وفق مشاورات سياسية وليس وفق قرار دولي، ولعل بمراجعة
الظروف والأسباب تتبين حقيقة رفع المذكرة في هذا التوقيت، والتي
من بينها: أولاً: هناك تحرك عربي وتحرك من قبل بعض القوى والمنظمات
الأخرى لجمع أدلة تدين مجرمي الحرب الإسرائيليين على ما ارتكبوه
من جرائم في حق المدنيين في قطاع غزة في عدوانهم الأخير، وبالتالي
التشويش على ذلك مطلب إسرائيلي بالدرجة الأولى ، أي حملة إسرائيلية
مضادة للحملة العربية ، يساندها الحلفاء الغربيون لإسرائيل الرافضون
لتأجيل مذكرة اعتقال الرئيس البشير، لكن هل تنتهي بالمقايضة بحيث
يوقف العرب تحركهم مقابل وقف مذكرة اعتقال البشير؟ قد يبدو الأمر
مستبعدًا، لحالة الهوان في الموقف العربي وعدم القدرة على تنسيق
أدواته واللعب بأوراق قوته. ثانيًا: ثمة أزمة اقتصادية ومالية طاحنة
أطاحت باقتصادات الغرب الذي بات يبحث عن شتى الوسائل والسبل من أجل
يوقف اقتصاده على أقدامه ويضعه في السكة مرة أخرى ، وقد حاول جاهدًا
الوصول إلى الصناديق السيادية العربية ليعيد الحياة إلى اقتصاده
، وتشكل الثروات النفطية والطبيعية الهائلة في إقليم دارفور ، فضلاً
عن المساحة الزراعية الشاسعة موردا كبيرا يمكن أن يضخ في اقتصادات
الغرب المنهارة ، كما أن الرقعة الزراعية من شأنها أن تسد حاجات
الوطن العربي من الغذاء، ما يهدد المنتجات الزراعية ويصيبها بحالة
كساد. ثالثا: يوجد بالسودان مخزون كبير من اليورانيوم يسيل لعاب
العديد من القوى والدول وخاصة اسرائيل.
رابعا: إن السودان برقعته الجغرافية الواسعة يلبي المخططات التآمرية
لتوطين اللاجئين الفلسطينيين ، كما أن تقسيم السودان إلى أقاليم
ودويلات هو مخطط غربي ـ إسرائيلي قائم في إطار مخطط تفتيت الدول
العربية.
وإزاء كل ذلك يقف البشير ، الذي فضل الشركات الصينية على غيرها والذي
تم تخييره بين التنحي عن الترشح لفترة رئاسية جديدة وبين إيقاف مذكرة
الاعتقال، حجر عثرة وعقبة في وجه تمرير هذه الأطماع والمخططات.
ولذلك لا أستبعد في ظل إصرار السودان على عدم التعاون مع المحكمة
الجنائية أن تحال القضية إلى مجلس الأمن الذي من المحتمل أن يصدر
قرارات بفرض حصار على السودان وإنشاء منطقة حظر طيران في دارفور
على غرار العراق، خاصة وأن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن قال
ذلك صراحة وأحد المتشددين نحو تطبيق ذلك، وأن يتم دعم الحركات المتمردة
والانفصاليين للقيام بانقلاب على حكومة البشير، أو من الممكن أن
نرى سيناريوها مشابهًا لسيناريو العراق ، أن تقوم جيوش الاستعمار
الجديد بغزو السودان وتنصيب حكومة موالية مقابل تسليم ثروات السودان
للصوص الجدد.
إن ما يجري ضد السودان هو خديعة مشابهة لخديعة العراق ، لأن المجرم
الحقيقي هو ذلك الذي يمد المتمردين والانفصاليين بالسلاح والمال
والدعم السياسي ، وأقصى ما يتمناه المواطن العربي أن يستشعر القادة
العرب مغزى هذه الإهانات ويلملموا شعثهم ويوحدوا موقفهم وكلمتهم
وإلا النهاية ستكون (أكلت يوم أكل الثور الأبيض).
خميس التوبي
أعلى

باختصار
سيف من خشب
مرة أخرى عن غضب يروي قصة سيف لم يستل: حين
لايقف العرب وقفة رجل واحد فماذا تطلب من المجتمع الدولي اذا ماصدئت
سيوف العرب. بهدلة للجميع ان يتدخل الافارقة الذين تتنقل المعارك
في مساحاتهم طالبين وقف العمل بالقرار ولو لسنة واحدة ولا يتقدم
العرب خطوة باتجاه احتضان قضية عمر البشير التي تطالهم. اليوم رئيس
السودان وغدا غيره .. لعل هذا القرار " الدولي " هو الاخطر
كما قال الروس ومثلهم السوريون.
عندما لاتدافع عن حقوقك الخاصة تصبح عرضة للفلتان ، لكن الحقوق الخاصة
للعرب تخص كل واحد منهم. السودان جزء من الامة ، اي أحد اعضائها
التي شكت فاذا بالجسم كله في ضرر. والسودان خير الامة ، فكيف نتعلم
الحلم على غبار. اذا كان للعرب من قضايا دائمة فلأنهم على ارادة
وقدرة ، لكن السيف المخبأ يظل لاقيمة له اذا لم يسحب من نصله وفي
وقته المطلوب.
عام 1967 غنت فيروز قصيدة حماسية كتبها الشاعر سعيد عقل عنوانها
" سيف فليشهر " .. انه أبلغ كلام في حضرة الفجيعة المترامية
الاطراف .. ولولا حركة في السادس من اكتوبر 1973 لكانت قضايا العرب
معلقة على صليب تنز دما ومجللة بالشوك . فتاريخ الامم هو القدرة
على كتابته لاانتظار " أقلام " الاخرين الذين افتتحوا
المنطقة منذ سايكس - بيكو وأودعوا فيها اقامتهم ولم يمشوا . ظل الانقسام
قائما ، وظلت الشعارات تظلل ابواب العواصم وكلما نده صوت محارب تعب
من غياب الآخرين.
لايجوز استمرار قضية البشير لانه بداية مسلسل ، او تجربة لمعنى آخر
، او ترميز لما قد تتفوه به مرة أخرى تلك المحكمة الجائرة ضدنا .
واذا مامر قرار اعتقال البشير فغدا هدف آخر ، وبعد غد الأمة كلها
اهداف محشورة في زنزانات . ولا يجوز ايضا ان يبقى البشير ابن افريقيا
لانه من صنو العرب ومن اريحيتهم ومن كبريائهم الذي تستعجل الدول
الكبرى اهانته.
صحيح ماقاله السودانيون " ليبلوا ويشربوا ماء " القرار
، لكن القرار اصبح واقعا لتكون وحدة السودان هي الشهيدة ، ومن خلالها
وحدة العرب التي كلما اهتزت اركانها ابتعدت عن مسرح جاهز لها . اذا
لم نحتضن البشير في لحظة صراعه مع الجائرين ، فمتى يطيب الاحتضان
. من المؤسف عدم استعمال القوة التي نمتلك ، والمؤسف أكثر اظهارها
في لحظة عنوان للضعف.
سنظل نقول ان سيوفنا من خشب اذا لم تستجب لادنى مطالب اثبات الذات
في مسرح لايدخله الا الاقوياء لانه يأبى الضعف ويكرهه . فسلام على
أمة تقبل الظلم لأن سيوفها مخبأة لاسباب معلومة !
زهير ماجد
أعلى

أطــياف
الهدف ليس عمر البشير
قبل أن نتحدث عن موضوعنا اليوم ، أجد من الضرورة
معرفة بعض ما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية ، التي تختلف عن محكمة
العدل الدولية ، وحتى لا يحدث خلط بين المحكمتين ..
ظهـرت المحكمة الجنائية الدولية إلى الوجود بصفة قانونية في الأول
من يوليو عام 2002، وهي أول هيئة قضائية دولية تحظى بولاية عالمية
، وبزمن غير محدد ، لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية
وجرائم إبادة الجنس البشري التي وقعت ما بعد هذا التاريخ ، إذ لا
يمكنها النظر في الجرائم المرتكبة قبل ذلك .
صادقت على قانون المحكمة 105 دول حتى الثاني من نوفمبر عام 2007،
تشمل غالبية أوروبا وأميركا الجنوبية، ونصف أفريقيا. 41 دولة أخرى
وقعت على القانون لكن لم تصادق عليه بعد. وقد تعرضت المحكمة لانتقادات
من عدد من الدول منها الصين وروسيا والهند إضافة الى الولايات المتحدة
، وهي من الدول التي تمتنع عن التوقيع على ميثاق المحكمة.
في عام 2002، سحبت دولتان توقيعهما على قانون المحكمة ، وأشارتا
إلى أنهما لا ترغبان بعد الآن بالعضوية وبذلك لم يعد هناك ما يحملهما
على تنفيذ ما يترتب عليهما من التزامات تجاه المحكمة، والدولتان
بالطبع ودون جهد في التفكير هما الولايات المتحدة وإسرائيل .
المحكمة منفصلة عن الأمم المتحدة ولا علاقة لها بتلك المنظمة الدولية
. وبحسب ما أملك من معلومات فإن أغلب الدول العربية لم توقع على
معاهدة الانضمام الى المحكمة أو لو تصادق عليها بعد ، سوى دولتين
هما الأردن وجيبوتي . ولا أدري بكل صراحة إن زاد عدد الدول العربية
في انضمامها الى معاهدة المحكمة .. وأحتاج الى مساندة المهتمين بالقضايا
القانونية من المحامين لتعديل وتصحيح هذه المعلومة عن العرب المنضمين
لمعاهدة تلك المحكمة .
المهم أن الدول التي لم تنضم الى المعاهدة أو لم تصادق عليها بعد
حتى لو تم التوقيع ، فإنه لا يلزمها ما يصدر عن المحكمة . هذه نقطة
أولى وهي التي أحسب أن السودان يعرفها جيداً ، لكنها ليست هي المشكلة
بقدر ما هي كامنة في الأمم المتحدة وتحديداً في مجلس الأمن . كيف
؟
هذه المحكمة التي لا يزيد عمرها عن ستة أعوام ، يمكنها الاستناد
إلى مجلس الأمن في دعم قراراتها أو هكذا هي آلية عملها . يعني هذا
أن المشكلة الآن ليست في صدور قرار بإيقاف السيد عمر البشير رئيس
السودان الشقيق ، وإنما فيما بعد ذلك ، أي تحركات ونشاطات مجلس الأمن
حول هذا الموضوع الذي أحسب أن الوقت قد بدأ للعرب أن يقفوا متحدين
في هذه المشكلة التي وراءها الكثير من النتائج والتبعات في حالة
الفرقة والانقسام ..
وللحديث بقية .
عبـداللــه الـعمـادي
أعلى

اقول لكم
قانون أوكا
لويس مورينو اوكامبو المدعي العام للمحكمة
الجنائية الدولية تم اتهامه بالاستغلال الجنسي لصحافية من جنوب افريقيا
عام 2006 وبرأته المحكمة، لكن سعاره الجنسي اصبح صيدا سهلا لمن يوظفون
هذا النوع من السقطات في ابتزاز كل من يمتلك سلطة دولية، وكانت هذه
السقطة مجرد تحذير لأوكامبو يضعه امام خيار الافتضاح والطرد من وظيفته،
او دفع الثمن الذي تحدده عصابة دولية حتى يستمر في منصبه والانغماس
في رذائله والتمتع بالمباهج التي توفرها فلوس العصابة..إنحاز الرجل
للخيار الثاني بتطبيق قانون أوكامبو ـ او اوكا كما يدللونه في بلده
ـ وهو نسخة معاصرة من قانون ولاية ساكسونيا الالمانية كان يدين البرئ
ويحكم على النبيل بقطع ظل رأسه او رأس ظله!.
المهام الاولى لتأهيل الكبش الارجنتيني الشبق كانت إطلاقه وراء بعض
الحكام العسكريين في بلده، وعندما اختاره تحالف اللصوص، مدعيا عاما
للمحكمة الجنائية الدولية كانت القضايا المطروحة امامه تتعلق ـ فقط
ـ باربع دول للحرامية فيها مآرب مختلفة هي اوغندا وافريقيا الوسطى
والكونغو والسودان، وقد فرغ اوكا من الدول الثلاث الاولى وتفرغ الآن
للسودان لتأمين حصة من مياه النيل تروي صحراء النقب، وحصة من اليورانيوم
وبراميل نفط دارفور لهاليبرتون وشركاها ، ويساعده على إتمام مهمته
مطايا محلية ـ ما أكثرها ـ اعلنت انها سوف تبادر بفتح سفارة اسرائيلية
بمجرد اعلان استقلال دارفور..وهكذا فان تحالف الحرامية لا يتخلى
عن اهدافه لكنه يحققها الآن بقانون الكبش الارجنتيني اوكا وحمير
دارفور!.
نبلاء ساكسونيا المعاصرون مثل جورج ووكر بوش وتوني بلير وإيهود اولمرت
وتسيبي ليفني وايهود باراك وهم خارج نطاق وصلاحيات قانون اوكا كما
يقول الكبش الارجنتيني فالأجير لا يدين سادته، وفي أسوأ الاحوال
قد يحكم بقطع رؤوس ظلالهم الوارفة، والتقارب الذي يكاد يصل لدرجة
التطابق بين الاسم الثاني للمدعي العام الدولي (مورانو) وسلالة خراف
(مارينو) يشير الى ان تحالف اللصوص يختار كباشه بعناية ويعلفها جيدا
ويوفر لها فرص النط على كل النعاج مقابل قيامه بمهمة ضبط القطيع،
ولا حل يجدي في هذا الموقف المعقد سوى اخضاع كباش مورانو ـ مارينو
للخصي ـ وسلخ جلود كل حمير دارفور!.
شوقي حافظ
أعلى

3 ابعاد
النقود الصغيرة تتبخر
مع انتشار الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية
إلى مزيد من الدول في أركان الأرض يشعر المهاجرون في أنحاء العالم
بالخطر ، لأنهم أول من يفقد وظائفهم في البلدان التي يعيشون فيها
بعيدا عن اوطانهم. ومع هذا الخطر يأتي خطر آخر، وهو انكماش حجم الأموال
التي يبعث بها هؤلاء المهاجرون الى أسرهم في اوطانهم الأصلية. هذه
الأموال ليست صغيرة، بل يقول البنك الدولي إنها تشكل المصدر الرئيسي
للدخل في العديد من الدول الفقيرة. هذه النقود تصل على دفعات صغيرة
ومتفرقة. مائة دولار او ثلاثمائة دولار في الدفعة الواحدة. ولكنها
تتراكم على مدار السنة حتى تصل إلى إجمالي مقداره ثلاثمائة بليون
دولار سنويا. هذا هو حجم الأموال التي يبعث بها المهاجرون في الولايات
المتحدة واوروبا الى اسرهم في الدول الفقيرة. بل وحتى المهاجرون
في روسيا يسهمون في الدخل القومي لأوطانهم الأصلية عن طريق النقود
التي يبعثون بها الى أسرهم. هذا الإجمالي يزيد في واقع الأمر ثلاث
مرات عن حجم المساعدات الخارجية في العالم، مما يجعل نقود المهاجرين
الى اسرهم المصدر الرئيسي للأموال المتدفقة من الخارج على الدول
الفقيرة والنامية. من بين هذه الدول في العالم العربي الأردن ولبنان
وفلسطين. ثمانون في المائة من هذه الأموال تنفق فورا على الطعام
والتعليم والمسكن والملبس وعلى شراء الكماليات والضرورات. ولكن عشرات
البلايين من هذه الأموال تعمل في الادخار والاستثمار. وعلى الرغم
من ان اموال المهاجرين اثبتت انها اهم عامل في تخفيف فقر الأسرة،
فإن الحكومات في الدول المعنية بدأت تدرك اهميتها في النمو الاقتصادي.
البنك الدولي يتعقب حركة ومقدار اموال المهاجرين، وهي مهمة صعبة
بالنظر الى ان قدرا كبيرا من هذه الأموال يسافر بطرق غير رسمية.
البعض يسافر شخصيا ويحمل معه النقود. والبعض يستخدم البريد، والبعض
الآحر يستخدم الاصدقاء لحمل هذه النقود. وفي النهاية فإن الأرقام
التي يقدمها البنك الدولي انما هي الحد الأدني، وقد تكون اكبر كثيرا
من المبلغ المذكور.
في 38 دولة في العالم النامي تمثل اموال المهاجرين 10 في المائة
من اجمالي الناتج المحلي. في فلسطين هذه النسبة تصل الى 30 في المائة
، وفي لبنان النسبة هي 25 في المائة . اي ان ربع اجمالي الناتج المحلي
في لبنان يأتي من نقود المهاجرين اللبنانيين في العالم. وفي الأردن
تبلغ النسبة 19 في المائة من اجمالي الناتج المحلي. وهناك 60 دولة
اخرى تلقت كل منها بليون دولار في العام الماضي. روسيا تلقت حوالي
4 بلايين دولار من المهاجرين الروس الذين يعيشون في بلدان اخرى في
العالم. وهناك مهاجرون في روسيا يعملون ويرسلون نقودا الى اسرهم
في جمهوريات سوفييتية سابقة مثل جورجيا وارمينيا وطاجيكستان وقرغيزيا.
ولكن المهاجرين في روسيا يواجهون اليوم خطرين في آن واحد. الخطر
الأول هو حملات العنف والقتل التي تشنها جماعات عنصرية بيضاء ضد
المهاجرين من الدول المجاورة لروسيا. والخطر الثاني هو ان المهاجرين
في روسيا، شأنهم شأن المهاجرين في اوروبا واميركا، هم اول من يفقد
اعمالهم في ظل ازمة اقتصادية. الدراسات تشير الى ان ثلث اموال المهاجرين،
او 96 بليون دولار تقريبا، تأتي من الولايات المتحدة. وبسبب سعر
الدولار مقابل العملة المحلية في تلك الدول، فإن 800 دولار مثلا
تتحول الى حوالي مليون دينار عراقي. هذا مبلغ كفيل بمحاربة الفقر
في بغداد.
الدراسات الجديدة تشير ايضا الى ضرورة الاهتمام بنقود المهاجرين
في النمو الاقتصادي. وهناك حملة دولية الآن تسعى الى تخفيض تكلفة
تحويل المال عن طريق البنوك لتشجيع المهاجرين على التحويل عن طريق
البنوك وليس بالطرق الخاصة. كما تشجع الحملة هؤلاء المهاجرين على
فتح حسابات في البنوك المحلية في بلادهم الأصلية لأن وجود المال
خارج النظام المصرفي لن يفيد كثيرا في التنمية الاقتصادية للدولة.
المشكلة الآن هي ان اموال المهاجرين الى اسرهم انكمشت بنسبة كبيرة
بسبب اختفاء فرص العمل، كما ان ثقة الناس بالبنوك انكمشت هي الأخرى
بسبب الأزمة المالية الراهنة. وهذا يعني في النهاية ثلاثة امور هامة.
الأول هو ان الأسر التي انقطعت عنها اموال المهاجرين سوف تعاني من
فقر أشد. والثاني هو انه بدون زيادة كبيرة في حجم المساعدات الخارجية
للدول الفقيرة لسد الثغرة التي سوف تنشأ عن انقطاع اموال المهاجرين،
لن يكون هناك نمو اقتصادي في الدول الفقيرة والنامية. والثالث هو
انه بدون ثقة في النظام المصرفي الدولي سوف تظل نقود المهاجرين الذين
لم يفقدوا وظائفهم بعد تصل الى اسرهم عن طريق الاصدقاء والطرق الخاصة
مما لن يفيد في التنمية الاقتصادية.
عاطف عبد الجواد
أعلى

خط بياني قومي منحدر
لايمكن لعربيين اثنين ، بغض النظر عن انتمائهما
القطري أو الديني ، أن يختلفا في تشخيص علامات الوضع المضطرب الذي
يمر به العالم العربي ، ذلك الوضع الذي انتقل ، بكل نجاح وكفاءة
، من الحلقات المحدودة والعصبيات البسيطة ليشمل، بل وليجرف العديد
من الأنظمة العربية التي ينبغي أن تكون هي القوى الحارسة والمدافعة
عن الوضع القومي العربي العام؛ إلاّ أن اشخاصاً مخضرمين، من أمثالي،
لا يمكن أن يفلتوا من ملاحظة الخط البياني الشديد الهبوط ، بدرجة
إنحدار حادة ، لشكل الوضع العربي العام ، من المحيط الأطلسي إلى
الخليج العربي. ربما يحتاج هؤلاء إلى علامات تذكير كي يعود بهم "تيار
الوعي" إلى عقود خلت كانت فيها العلاقات العربية العربية على
أحسن حال تحت ظلال حكومات وأنظمة عربية ما فتئنا إستذكارها بشيء
من الألفاظ والتعابير المحطة من قدرها كـ"الرجعية" و "الدكتاتورية"،
وما شاكل من توصيفات ونعوت أبدعنا في إبتكارها وإدخالها في حركة
التداول الإعلامي بأعلى درجات التكرار والإجترار.
لست أبالغ إذا ما قلت أن الوضع العربي العام اليوم له "كلمة
سر" واحدة، وهي الوصف الأكثر دقة له ، والكلمة هي: "تنقية
الأجواء". وساعد الله هؤلاء الذين يفترض أن يضطلعوا بأعباء
تنقية الأجواء، من موظفين إقليميين، ووزراء خارجية، ورؤساء منظمات
جماعية وإقليمية عربية "قومية". هذه الأعباء ثقيلة بمعنى
الكملة: فهي تشمل قائمة مطولة أخرى من التعابير الخاصة بالعرب فقط،
وليس بغيرهم، ألفاظ من نوع "رأب الصدع" و "جسر الفجوات"
و "المصالحات"، إلى نهاية القائمة التي تفوقت بها الأقلام
العربية على مثيلاتها ومكافئاتها لدى الحضارات الأخرى، كالحضارة
الأوربية التي لم تكد تفكر بالإندماج والوحدة حتى تمكنت من إقامة
البنى الأساس ومد الجسور الشاملة التي إرتكنت إليها الوحدة الأوربية
في تلك المرحلة وإلى الأبد، كما يبدو.
أما نحن في هذا العالم العربي المضطرب (مع الإعتذار لمن لا يريد
مواجهة الحقيقة بقبحها ومرارتها)، فإننا نمر بمحطات ومراحل كي ننتهي
إلى "غاية المراد" اليوم، وهي مرحلة "تنقية الأجواء"
المتكررة في كل نشرة أخبار: تنقية الأجواء الثنائية بين هذه الدولة
وتلك، بين فلان من القادة والزعماء وفلانين منهم! ما هذه الحال؟
في ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي (ولعلم المتابعين الشبان
للأوضاع العربية اليوم) كانت كلمة السر، أو ما يسمى بـ"سر الليل"
في الخدمة العسكرية، وهو السر الذي يمنحك حرية الإنتقال من نقطة
لإخرى، في الوحدات العسكرية الفعالة، هي: "الوحدة العربية.
وكانت الخلافات بين الزعامات العربية آنذاك لا تتجاوز أشكال الوحدة
وطرائق تحققها وبلوغ أهدافها "السحرية" بالسرعة الممكنة،
فكانت تشيع في التداول تعابير من نوع "الوحدة الإندماجية"
و "الوحدة الفورية"، و "الوحدة الإقتصادية"،
زيادة على "الوحدة الثنائية" (مصر وسوريا) و "الوحدة
الثلاثية" (بإضافة العراق إلى تلك الأسماء!) وهكذا! لقد "فاضت"
الوجدانيات والعواطف الوحدوية حقبة ذاك حتى شملت بلداناً غير عربية
مثل جزر نائية في البحر المتوسط. ولكن ما أن بدأت الثمانينيات، وقفز
بطل التحرير القومي من العراق إلى داخل حدود الجمهورية الإسلامية
ثم إلى الكويت، لم يعد أحد يجرؤ على الحديث عن أية "وحدة"
قومية، إندماجية كانت أم "فورية" أم "إذاعية".
وصار من يتكلم عن القومية مدعاة للتندر وللإستهانة. بل صار من يصف
نفسه بأنه "قومي"، معرضاً لأنواع الإستهجان والإستهزاء.
أليست هذه حقيقة؟ لماذا لم نكن نهزأ بالقوميين الأوائل الذين إفتخروا
بتراث الأمة حد دعوتهم لتوحيدها وإزالة الحدود الفاصلة بين قطر عربي
وآخر ؛ ولماذا أصبح هؤلاء اليوم "قومجية"؟ نقول مع بداية
عقد الثمانينيات من القرن الزائل تغيرت "كلمة السر" أو
"سر الليل" عبر العواصم العربية، على سنوات قيادة الشاذلي
القليبي لجامعة الدول العربية، فصارت الكلمة هي "التضامن العربي"،
مستحضرة قائمة أخرى من إبتكارات دوائر جامعة الدول العربية والدوائر
الملحقة بها وكتابها المحترفين ، إذ شملت القائمة "التضامن"
و"التآزر" أو "العمل المشترك" أو "مؤسسة
القمة العربية" أو "التكافل القومي" أو "لجنة
القدس" التي لم نعد نسمع عنها شيئاً بعد أن بدأت جرافات إسرائيل
تزيل دور العرب والمسلمين في القدس الواحد تلو الآخر، بعد أن إنتهت
مشاغلها وأعمالها "الجرافيّة" في غزة المنكوبة بهم وببعض
العرب أنفسهم!
ان الوضع العربي العام، الشعبي والرسمي، ينذر بالخطر ، خطر الإنهيار
والسقوط النهائي لفكرة القومية وللرابطة العروبية التي كانت دوماً
الركيزة الأساس للإتساق وللتضامن والتآخي العربي. ولا أريد أن أخفي
على الأخوة والأخوات من أقراني حادثة تهز التيقنات القومية حدثت
أمامي قبل بضعة ايام، إذ أجاب شاب عربي (في دولة أجنبية) سائله:
"هل أنت عربي؟" بالقول "لا، أنا من القطر الفلاني"
ولا أرى نفسي عربياً، بل "فلانياً"، أي بإسم الدولة العربية
التي ينتمي إليها، كناية عن ترفعه عن العروبة والقومية التي منيت
(في سني حياة هذا الشاب) بكل الهزائم والتراجعات الكافية لجعله يترفع
عن إنتمائه القومي، بل وينكره لصالح إنتمائه المحلي المحدود.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
أعلى

وقفة مع المقاومة في مؤتمر نصرتها
التقت في طهران وفود برلمانية وشخصيات روحية
وثقافية وقانونية وإعلامية من معظم قارات الأرض ، في مؤتمر تحت عنوان
" دعم فلسطين رمز المقاومة ، وغزة ضحية الإجرام"، عقد
في يومي 4 و5 مارس 2009 بدعوة من مجلس الشورى الإيراني. وعلى مدى
أربعة وعشرين ساعة عمل كانت فلسطين هي العنوان، والمقاومة ضد الاحتلال
الصهيوني هي محور الحديث والاهتمام والمواقف، وهي الخيار الشعبي
المعتمَد والمبارك ، ومركز الاهتمام والتأييد ، والقضية الأولى للحاضرين
وما يمثلون من قوى وتنظيمات وقدرات.. ودعم غزة " رمز العزة
والكرامة والمقاومة، والجرح النازف، والسجن البشري الكبير المحاصر
بالهمجية الصهيونية التي تفوقت على النازية في جرائمها." هو
أكبر الأهداف. وكانت إدانة العدوان الصهيوني، والمطالبة بمحاكمة
المجرمين الصهاينة واعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز
العصري على كل لسان.
لا شك في أن التضامن الصادق يبلسم بعض جراح النفس والمجتمع، ويشحذ
الهمم، ويزيد المقاومين صلابة وثباتاً على المبادئ، والمحاصرين صموداً
وتعلقاً بالنصر، ويعلن موقفاً جماهيرياً له ثقله .. ولكن الشهداء
والجراح والمعاناة البشرية، والبيوت والمؤسسات المدمرة .. وجرائم
الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الصهاينة ضد الإنسان
والعمران في المدينة البطلة.. لا يعوضها ولا يشفيها ولا يعيدها ولا
يبلسمها الكلام على ضرورته وأهميته، كما أن الكلام وإعادته واستعادته
في ظروف ومواقيت مناسباتية أو شبه مناسباتية لا يؤسس لتعزيز المقاومة
مادياً على الأرض ، ولا يردع العدوان المتكرر والتهديد باستئنافه
في كل وقت.. ولا يبدل الوضع المأساوي في غزة " السجن البشري
الكبير المحاصر بالأعداء وأعوانهم"، ولا يصنع أرضية متينة لتحقيق
هدف تحرير فلسطين، كل فلسطين، ودحر الصهيونية والإمبريالية الأميركية
والغربية في المنطقة.
إن كل ما قيل في هذا المؤتمر، وما حمله بيانه الختامي من مواقف وقرارات
وتوصيات وتوجهات ، جاءت في مقدمة وسبع وعشرين فقرة ، هو غاية في
الأهمية ، ويعبر عن صحوة نضالية وفكرية ووجدانية إسلامية وعالمية
مبشرة بالكثير، ويفتح أفقاً واسعاً ويغذي أملاً كبيراً.. ولكن علينا
أن نتذكر أنه لا تنقصنا الأفكار والتوصيات والبلاغة بل ينقصنا العمل
المؤسساتي الجاد المنسق المتكامل وفق أهداف واستراتيجيات واضحة ومتفق
عليها، وحسب مناهج وبرامج وآليات صحيحة ودقيقة وممكنة وواقعية، وينقصنا
أيضاً توظيف الجهود والطاقات والكفاءات البشرية والإمكانيات المادية
توظيفاً علمياً يتمركز حول نضال هادف نعززه بإيمان والتزام وإبداع
وعقل علمي وتطبيق عملي، ومعرفة شاملة أو شبه شاملة بالمعطيات والمؤسسات
والجهات الدولية الفاعلة من جهة، وبما يملكه ويقوم به العدو الصهيوني
وحلفاؤه وصنائعه وأدواته من جهة أخرى.
لقد ذهب كثير من الكلام باتجاه توحيد الصف الفلسطيني والمصالحة الداخلية
المرتقبة.. وهذا مطلب متفق عليه على كل المستويات، وتطالب به كل
الأطراف المتصلة بالموضوع فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً ..
ولكن يبقى السؤال الأساس ما هو الهدف الرئيس الذي يتوحد خلفه الفلسطينيون؟
وهل خلافهم على سلطة ورئاسة ومراكز ومناصب أم على أمور أخرى جوهرية
تتصل بالقضية والمستقبل؟
إن تصريحي محمود عباس في مؤتمره الصحفي مع سولانا بعد جلسة الحوار
وبيان التوجه نحو عمل اللجان في القاهرة ورد خالد مشعل عليه.. يعيدنا
إلى المربع الأساس للاتفاق والاختلاف .. أي إلى المنبع الرئيس لأس
المشكلات.. إنه بإيجاز شديد:
ـ خيار المقاومة والتحرير التام وفق مراحل وتوجهات تتخذ في البيت
الفلسطيني الكبير "منظمة التحرير الوطني الفلسطيني بعد إعادة
بنائها وتطويرها، وفق ميثاقها الأصلي قبل التغيير والتعديل اللذين
تما بحضور الرئيس كلنتون، ووفق الأهداف الرئيسة لذلك الميثاق..
أو..
ـ خيار أسلو وفروعها وأخواتها وما تؤسس له وبني عليها، وتقرره من
التزامات وتنازلات ومفاوضات.. معروف تاريخها و معروفة خطواتها ونتائجها
وما يمكن أن تقود إليه وتسفر عنه في النهاية.
إنني أومن بضرورة وحدة الصف الفلسطيني وتنظيم البيت الفلسطيني ليكون
للجميع .. ولكنني لا أرى أن حل الخلافات أو الصراعات الفرعية التي
نشأت بسبب أوسلو أو تحت مظلتها، لا سيما ما يتصل من ذلك بالسلطة
ومشتقاتها ومخرجاتها، سيحل المشكلة، حتى لو توافقت فتح وحماس على
أسلوب تداول السلطة أو ممارستها.. بل أرى أن الخلاف والصراع هو بين
منهجين يستقطبان فصائل وشخصيات وتوجهات وجماهير فلسطينية، وتقف مع
كل منهما أنظمة ودول وقوى رسمية وشعبية. وبتقديري أن الصراع والخلاف
سوف يستمر بتغذية وتحريض داخلي يرتد إلى الدوائر المحيطة، وخارجي
ينفذ من الدوائر الخارجية المحيطة بالفضاء الفلسطيني إلى داخل ذلك
الفضاء. ولا أميل إلى القول بأن التدخل الخارجي وحده يقسم الصف الفلسطيني
إلى مقاوم ذي مواقف ومطالب جذرية ومفاوض ذي مطالب ومواقف براغماتية
، على الرغم من الدور الكبير للخارج أياً كان في ذلك .. بل أقول
إن الاستعدادات الفلسطينية تنادي الخارج في الاتجاهين.
من الطبيعي أن ينشأ الخلاف وأن تتعارض وجهات النظر داخل البيت الواحد
لا سيما في مواضيع وقضايا جوهرية ومصيرية، ولكن ليس من الطبيعي أن
يصل الخلاف الفلسطيني إلى درجات دموية وجذرية مزمنة تمس الجوهر والمستقبل
وتذهب إلى مدى بعيد كما هو حال الوضع الفلسطيني في الوقت الراهن.
إنني مع وحدة الصف الفلسطيني والبيت الفلسطيني ولكنني لست متفائلاً
بإمكانية الوصول إلى ذلك باستقرار واستمرار، على الرغم من وجود معطيات
كثيرة ودروس وتجارب تؤدي قراءتها إلى استنتاجات واضحة ترجح خياراً
من الخيارين السابقين على الآخر. لست مع الباب الموارب في هذه الحالة،
إن خياري هو خيار المقاومة المستمرة المتصاعدة المحتضَنة من الجماهير
الواسعة ومن ما يمكن أن تستقطبه من أنظمة عربية وجهات إسلامية وعالمية
وصولاً إلى التغيير العربي القادم وتحرير فلسطين الكامل.. فالمشروع
الصهيوني يتضاد مع أي مشروع نهضوي عربي، والصهاينة والغرب يعملون
على إضعافنا وعلى أن نتنازل عن كل شيء، وعلى توظيفنا وزجنا في حروب
بالوكالة، كما هو الشأن في خلق تحالفات معتدلة ومحاور متطرفة، وإضرام
نار الفتن الطائفية والمذهبية لإشعال تلك النار.
المقاومة الفلسطينية واللبنانية أصبحتا عنوان واقع جديد ومرحلة جديدة
وتوجهات جديدة، واستقطبت المقاومة ضد الاحتلال في لبنان وفلسطين
والعراق والصومال.. جماهير واسعة، وأصبحت عنوناً لصحوتين إسلامية
وشعبية، ومن ثم فقد غيرت المقاومة معادلات وحسابات و" تكتيكاً
عسكرياً" وأساليب مواجهة، وأدخلت المقاومة معطيات جديدة تدعو
إلى إعادة نظر في حساب موازين القوة.. لقد دخل الإنسان والأيمان
في صلب تلك الموازين ، ولا يلغي ذلك العقائد القتالية ودور الأسلحة
المتقدمة ولكنه لا يجعلها الفيصل .. وبدأت القطاعات الشعبية العربية
والإسلامية على الخصوص ، تأخذ دوراً أو تمهد لأخذ دور بارز في الحسابات
السياسية المستقبلية على صعيد البلدان وأنظمتها وعلى صعيد المقاومة
وقواها وتأثيرها ونصرتها، بل على صعيد تحريك الجماهير ومنظمات أو
مجموعات الضغط في العالم ول بصور أولية.. وكل هذا يجعل من آفاق المستقبل
وحساباته ومواجهاته موضوع نظر وتقييم جديدين.
إن مؤتمر " دعم فلسطين رمز المقاومة، وغزة ضحية الإجرام"،
أحد المحطات الهامة في تعزيز مواقع المقاومة الفلسطينية واللبنانية
وأي مقاومة للاحتلال، وتؤشر المشاركة الواسعة فيه لا سيما من بعض
دول أميركا اللاتينية وأوروبا إلى انفتاح في تلك الدول على الحق
والحقيقة وتخلص من أكاذيب الصهيونية والغرب الاستعماري.. كما يشير
إلى دور الجماهير والمنظمات في دعم الحق والعدل والحرية والتحرير،
ونصرة غزة وتعزيز صمودها، وفي ملاحقة الإجرام الصهيوني والمجرمين
الصهاينة. وكل ذلك لن يكون بلا معنى من كل الوجوه وفي كل الحسابات.
والله ولي التوفيق
علي عقلة عرسان
كاتب وأديب عربي سوري
أعلى
هل ستختفي معادلة "الممانعين والمعتدلين"؟
انطلق قطار المصالحات العربية ، وشهدت الأروقة
الدبلوماسية العربية خلال الأيام القليلة الماضية جولات وزيارات
وتصريحات تصب جميعها فى تنقية الأجواء العربية ، والتخلص من حالة
الاستقطاب التي وسمت العلاقات العربية - العربية طيلة الشهور القليلة
الماضية ، والتي وضحت بشكل جلي إبان الحرب على غزة.
وباعتقادي أن ثلاثة عوامل رئيسية قد دفعت الدول العربية للدخول فى
جولة مصالحات ، أولها هو الإدراك العربي "المتأخر" بأن
المستفيد الوحيد من الانقسامات العربية هي الأطراف الإقليمية بالإضافة
إلى إسرائيل. وأن ما حدث خلال الحرب على غزة أوضح أنه كلما ازدادت
حدة هذه الانقسامات كلما كان ذلك على حساب المصالح والقضايا العربية.
وثانيها ، صعود اليمين المتطرف فى إسرائيل وتهديد ليس فقط للفلسطينيين
وإنما للاستقرار فى المنطقة بوجه عام. وثالثها اقتراب انعقاد القمة
العربية بالدوحة أواخر الشهر الحالي.
وقد بدت الفترة الماضية كما لو كانت لحظة تاريخية أمام العرب، فإما
الاستمرار فى سياسات الانقسام والاستسلام لمعادلة الممانعين والمعتدلين
التي ملأت الفضاء "الإعلامي" العربي طيلة العامين الماضيين
، وما رتبه ذلك من تحديات وفجوات وسمت العلاقات العربية - العربية
، وإما وقف نزيف التقارب العربي والتعامل بواقعية مع الأزمات الملّحة
فى المنطقة من منظور المصلحة المشتركة. لذا فقد وجد الممانعون أن
ثمة فرصة جيدة يجب التقاطها من أجل إعادة التفكير فى مواقفهم وأوضاعهم
، وأدركوا أنه لا مفر من إبداء قدر من المرونة مع المعتدلين ، فى
حين وجد المعتدلون أن الوقت قد حان لإنهاء القطيعة مع الممانعين
، والعمل على احتوائهم حتى لا ينفرط العقد العربي أكثر من ذلك. أي
أن ثمة أرضية مشتركة قد توفرت فى النهاية للجمع بين الطرفين.
بيد أن السؤال هو: هل ستنتهي لعبة المحاور ومعادلات الممانعين والمعتدلين
فى المنطقة؟ وهل سيستطيع الطرفان أن يتجاوزا مصالحهم الضيقة وعلاقاتهم
المعقدة مع الأطراف الإقليمية لدفع المصالحة العربية قدما؟ واقع
الأمر فإنه من المبكر التكهن بحدوث اختراق فى العلاقات العربية -
العربية، والانطلاق نحو الاتفاق على رؤية موحدة لمعالجة القضايا
العربية والإقليمية.
وباعتقادي أن ثمة اختبارات جدية تنتظر المصالحة العربية ويمكن الإشارة
إلى ثلاثة منها أولها يتعلق بالمحاكمة الدولية التي تجرى بخصوص التحقيق
فى اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، والتي بدأت جلساتها
فى لاهاي قبل أيام قليلة. وهذه القضية تمثل تحدياً جدياً لمدى صلابة
العلاقات السعودية - السورية، نظراً لما تنطوى عليه القضية من حساسية
لدى كلا الطرفين.
وثانيها، الانتخابات النيابية التي ستجرى فى لبنان فى السابع من
يونيو القادم، وهي تمثل اختبار حقيقي لميزان القوى في الساحة اللبنانية.
أما القضية الثالثة فهي مسألة دمج حركة حماس، وهي قضية بالغة الأهمية
والتعقيد. فهل سيقبل المعتدلون العرب دمج حماس فى التفاعلات العربية
- العربية؟ أم سيتم الاكتفاء بحركة فتح وزعيمها محمود عباس؟ وهل
سيسعى العرب لدمج حماس في المجتمع الدولى أم سيستمر الحصار الدولي
علي حاله؟ وهي قضية من شأنها إعادة الجميع إلى المربع الأول. ولسوء
الحظ فقد تم تجاهل حماس نهائيا خلال المؤتمر الدولي الذي عقد قبل
أسبوع بمدينة شرم الشيخ للبحث فى مسألة إعادة إعمار غزة، مع أنها
الطرف الرئيسي المهيمن على القطاع. والأكثر من ذلك أن أصل الخلاف
بين المعتدلين وحركة حماس ليس بسبب ما قامت به هذه الأخيرة حين استولت
على قطاع غزة بالقوة قبل عامين، وإنما بالأساس فى الخطاب السياسي
للحركة، وخياراتها الاستراتيجية فيما يخص العلاقة مع إسرائيل. فحماس
تتبع منهجاً يكاد يكون مناقضاً لذلك الذي تتبعه كتلة المعتدلين فى
العلاقة مع إسرائيل. فحماس تتبع منهج الرفض التام لأي علاقة مع تل
أبيب ، فيما يشبه بقاء خيار المقاومة كأساس للعلاقة ، فى حين يري
المعتدلون أن السلام خيار استراتيجي لا يجب العدول عنه.
المصالحة العربية إذا ليست مجرد تبادل القبلات والكلمات المعسولة،
بقدر ما هي تبادل للرؤى والأفكار والقدرة على اتخاذ قرارات جادة
وجريئة، لا تستهدف فقط تحقيق المصلحة العربية المشتركة من منظور
واقعي، وإنما أيضا الحد من التدخلات غير العربية. ولعله من المفيد
أن يتم تشكيل لجنة متابعة دائمة تكون مهمتها نزع "الألغام"
التي قد تعوق العلاقات العربية - العربية، وذلك حتى لا تعود الكرة
من جديد ونجد أنفسنا محاصرين بين "ممانعين ومعتدلين".
خليل العناني
كاتب مصري
kalanani@gmail.com
أعلى
أفرجوا عن المذكرات القانونية السرية لإدارة بوش!
في اليوم الثاني من تسلمه لمهام منصبه، أصدر
الرئيس أوباما توجيهاته لجميع موظفي إدارته بالعمل على اتباع "مستوى
غير مسبوق من الإنفتاح" موضحاً بأن الشفافية سوف "تقوي
ديمقراطيتنا وتعزز الكفاءة والفاعلية في الحكومة الفيدرالية".
والآن يستطيع الرئيس أوباما أن يبدأ في الوفاء بوعده الذي يتعلق
بالشفافية من خلال الإفراج عن عشرات المذكرات القانونية، التي لا
تزال تحمل صفة السرية، والتي أعدها مكتب المستشار القانوني لإدارة
بوش.
وتكمن مهمة مكتب المستشار القانوني، وهو جزء من وزارة العدل، في
تقديم آراء قانونية موثوق بها إلى الرئيس الأميركي، وأجهزة السلطة
التنفيذية، تبين للجميع ما يسمح به القانون، والمحظورات القانونية،
وهي الأهم.
وكانت داون جونسون، التي عينها أوباما لرئاسة هذا المكتب، الذي كان
لا يحظى بشعبية كبيرة من قبل، والتي عقدت جلسة تثبيتها في منصبها
يوم الأربعاء الماضي، قد كتبت في مقال يتعلق بمراجعة القانون عام
2007 بأن مكتب المستشار القانوني للرئيس الأميركي "يجب أن يكون
على استعداد لأن يقول "لا" للرئيس". بيد أن ما حدث
في عهد إدارة بوش هو أن المكتب لعب دوراً مختلفاً تماماً عن الدور
المنوط به، حيث تصرف كبار المحامين العاملين فيه ليس كمصدر للإرشاد
القانوني النزيه، وإنما كأفراد متواطئين يزينون السلوك غير القانوني
للرئيس.
وعلى سبيل المثال، أخبر محاميو مكتب المستشار القانوني الرئيس بوش
بأن مادة "الحماية" الواردة في التعديل الرابع والمتعلقة
بالحماية من عمليات التفتيش والإعتقالات غير القانونية لا تنطبق
على العمليات العسكرية التي تتم داخل الولايات المتحدة. وعلاوة على
ذلك، ابتكر هؤلاء المحامون حجة قانونية لتبرير برنامج التنصت على
المكالمات الهاتفية بدون إذن، والذي طالبت به المؤسسة الأمنية. وقدم
هؤلاء الأشخاص مذكرات سمحت لوكالة الاستخبارات المركزية بإخضاع المعتقلين
لعمليات تعذيب منها التهديد بالغرق، وأساليب الإستجواب البربرية
الأخرى، والتي كانت الولايات المتحدة تنظر إليها في الماضي على أنها
جرائم حرب.
وقد تولى المحامون العاملون في المكتب، ومن بينهم جون يو وستيفن
برادبيري وجاي بايبي، صياغة وديباجة عشرات المذكرات المتعلقة بالتعذيب،
والترحيل غير القانوني للمعتقلين إلى دول أخرى، والإعتقال بدون توجيه
أي تهمة، والتنصت على المكالمات الهاتفية بدون إذن. وكانت معظم تلك
المذكرات تتجاهل ببساطة قرارات المحكمة العليا، التي ترفض النظرية
التي كان هؤلاء الرجال يبنون مواقفهم عليها وهي "عندما يفعل
الرئيس شيئاً ما فإن ذلك يعني أن هذا الشيء قانوني".
والأسوأ من ذلك، أن بعضاً من تلك المذكرات كانت تهدف بوضوح إلى حماية
مسؤولي إدارة بوش من المسؤولية الجنائية، وإضفاء نوع من الحصانة
على التصرفات غير القانونية. وقد أدان جاك جولد سميث، الذي اضطر
إلى سحب بعض مذكرات التعذيب المفرطة التي كتبها يو وبعض المحامين
الآخرين خلال فترة رئاسته لمكتب المستشار القانوني، مذكرات التعذيب
على وجه الخصوص، كما انتقد "الجهود الكبيرة وأحادية الجانب
الذي بذلها محاميو المكتب للقضاء على أي عقبات يفرضها قانون التعذيب
..... والتي يمكن أن تفسر على أنها كانت مصممة لكي تضفي حصانة على
الأفعال السيئة وغير القانونية".
ووفقاً لجريدة واشنطن بوست والمصادر الأخرى، يؤكد تقرير الأخلاقيات
الذي سوف يصدره مكتب المسئولية المهنية التابع لوزارة العدل على
أن المحامين في مكتب المستشار القانوني قد أساءوا عرض أو حرفوا القانون
بشكل دولي من أجل دعم الأهداف السياسية لإدارة الرئيس بوش.
وقد يشعر المرء بالرغبة في طرح السؤال التالي: كيف يمكن أن نعرف
ما الذي كان يقوم به مكتب المستشار القانوني إذا كانت الوثائق التي
أعدها هذا المكتب لا تزال طي الكتمان؟ والحقيقة هي أن هذه المذكرات
لم تعد كلها طي الكتمان، حيث تم نشر مذكرتين منهما بناءً على دعوة
قضائية رفعها "اتحاد الحريات المدنية الأميركي". وعلاوة
على ذلك، كانت الأوراق القانونية الرسمية الخاصة بالإدارة الأميركية
تحتوي في أحيان كثيرة على إشارات إلى بعض تلك المذكرات، كما تم تسريب
بعض من هذه المذكرات لوسائل الإعلام، ومنها على وجه الخصوص، المذكرة
التي تعرف التعذيب بأنه تلك الممارسة التي تلحق ألماً يمكن أن يؤدي
إلى إحداث عجز أو فشل في الأعضاء أو تفضي إلى الموت.
ولكن يمكن القول إن إدارة بوش قد نجحت بوجه عام وبشكل ملحوظ في إخفاء
الممارسات التي ارتكبها المكتب عن الرأي العام، فضلاً عن أنها لا
تزال تحتفظ حتى الآن بمذكرات غاية في الأهمية ترتبط بتفسير السياسات
الأكثر تطرفاً لهذه الإدارة. وكانت نتيجة ذلك هي أن الرأي العام
لا يزال يفتقر إلى القدرة على الوصول إلى المعلومات الأساسية، المتعلقة
بالطريقة التي كانت إدارة بوش تضع من خلالها سياسات الأمن القومي،
والموظفين الرسميين الذين كانوا يشاركون في صياغتها، والحجج القانونية
التي كانت تدعم مثل تلك السياسات.
والحجة التي دأبت إدارة بوش على تقديمها في المحاكم لتبرير عدم نشرها
لتلك المذكرات هي أن مجرد نشر هذه الوثائق قد يعرض الأمن القومي
الأميركي للخطر، وهي حجة مردود عليها عبر القول بأن معظم مذكرات
الإدارات الأميركية المتعاقبة كان يتم نشرها بشكل طبيعي.
وفي ضوء معرفتنا للسياسات التي كانت تدعمها هذه المذكرات، نجد أنه
من الصعب التغاضي عن الإستنتاج بأن هذه المذكرات قد تم إخفاؤها من
قبل إدارة بوش لأسباب سياسية محضة، ولحماية حجج قانونية، لا يمكن
تبريرها، من عمليات التدقيق العامة، وحماية المسؤولين الرسميين من
المحاسبة.
وفي جلسة تثبيتها، قالت جونسون بأنها سوف توصي بمراجعة المذكرات
التي ما زالت سرية تمهيداً لنشرها، بدلاً من إعادة صياغتها أو حتى
الإحتفاظ بها بشكل كامل لأسباب تتعلق بالأمن الوطني الأميركي. وقد
تكون عمليات إعادة الصياغة المحدودة ضرورية في الحالات الإستثنائية،
ولكن الأمن الوطني يجب ألا يستخدم كذريعة لإخفاء هذه المذكرات بشكل
كامل. وهناك أسباب منطقية للإفراج عن هذه المذكرات الآن. ومن خلال
نشر هذه المذكرات، سوف ترسل إدارة أوباما إشارة على أنها تنوي بالفعل
إنهاء الحقبة التي تورطت خلالها وزارة العدل بشكل مؤسف في جرائم
التعذيب الأكثر بشاعة في التاريخ المعاصر. والشيء الذي لا يقل أهمية
عن ذلك هو أن نشر هذه الوثائق سوف يتيح الفرصة للرأي العام لكي يفهم
بشكل أفضل السياسات التي حددت توجهات إدارة بوش، وشكلت التاريخ،
وكذلك فهم الدور الذي لعبه مكتب المستشار العام في تطوير وتبرير
والدفاع عن هذه السياسات.
وخلال عشرات المؤتمرات الصحفية، والعروض القانونية الموجزة، لم تتمكن
إدارة بوش مطلقاًً من تقديم سبب مفصل ومقنع لإخفاء تلك المذكرات
عن عامة الشعب. وكان يجب أن يتم نشر هذه المذكرات منذ فترة طويلة.
ويتعين على إدارة الرئيس أوباما ألا تتأخر في نشر هذه المذكرات الآن.
جميل جعفر
مدير مشروع الأمن الوطني لإتحاد الحريات المدنية الأميركي، ومؤلف
كتاب: "إدارة التعذيب: سجل موثق من واشنطن إلى أبو غريب وما
وراء ذلك" بالإشتراك مع أمريت سينغ.
خدمة لوس أنجلوس تايمز، خاص بـ (الوطن)
أعلى
أجواء عاصفة تحوم حول ألمانيا!
تهدد الأزمة المالية العالمية بضرب ألمانيا
وبقية دول الإتحاد الأوروبي بقوة تشبه قوة الأعاصير خلال الفترة
القادمة. وتعاني ألمانيا، الدولة الرائدة في مجال التصدير بالعالم
والمحرك الإقتصادي الأساسي لأوروبا، من أسوأ تراجع لها منذ عام 1990.
ومع انكماش حركة التجارة العالمية وتزايد عمليات تسريح العمال والموظفين،
يمكن أن يساهم التراجع اللولبي لألمانيا في انقسام دول الإتحاد الأوروبي
بشكل إضافي. ويمكن أن يحد هذا الأمر أيضاً من قدرة برلين على العمل
بشكل أكثر تقارباً مع الولايات المتحدة في الأجندة الإستراتيجية
المشتركة التي تتنوع من قضية أفغانستان إلى الوضع في منطقة الشرق
الأوسط.
ويمكن أن يحدث تحول سياسي هيكلي بعد الإنتخابات المحلية الألمانية
المزمع إجراؤها يوم 27 سبتمبر القادم. ويبدو أن فرصة نجاح الإئتلاف
الحاكم الكبير الذي يربط الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تتزعمه المستشارة
أنجيلا ميركل بالحزب الديمقراطي الإجتماعي المائل إلى يسار الوسط،
محدودة على الرغم من أغلبيته التي تصل إلى نسبة 75% في البرلمان
الألماني. وقد يسمح انتقال الشعبية إلى الأحزاب الصغيرة لـ "ميركل"
بتحقيق رغبتها في تشكيل حكومة يمين وسط مع الحزب الديمقراطي الحر،
الذي من المتوقع أن يحقق مكاسب كبيرة في الإنتخابات القادمة.
وسوف ينظر إلى هذا الأمر بشكل عادي على أنه يمثل أخباراً جيدة للمصالح
الإستراتيجية الأميركية لأن حكومة الإتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب
الديمقراطي الحر سوف تسعى بحماس لسن إصلاحات تعزز من سياسات السوق
الحرة وتتبنى بشكل عام سياسات خارجية وأمنية مقبولة للولايات المتحدة.
ولكن الخطورة تكمن في أن الأزمة الإقتصادية العالمية قد سرعت من
حدوث إرتفاع في الشعور الحمائي الوطني في مختلف دول أوروبا بطرق
من المحتمل أن تصرف ألمانيا عن لعب دور حاسم ومساعد بدور أكبر في
دعم المصالح الأميركية.
وأدت الخلافات القائمة بين ميركل والرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي
إلى حدوث انشقاق في المحور الفرنسي الألماني، الذي كان يتميز بشكل
تقليدي بحيوية دوره الفعال في الإتحاد الأوروبي. وقد اتهم ساركوزي
وميركل كلاهما الآخر باتباع سياسة حمائية. وتشعر المستشارة الألمانية
بغضب شخصي إزاء طريقة ساركوزي في التعامل معها، بينما انتقد الرئيس
الفرنسي دعوة ميركل لإنشاء "مجلس إقتصادي عالمي" شبيه
بمجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة. وفي نفس الوقت، يبدو الإتحاد
الأوروبي مشلولاً بفعل الرئاسة الضعيفة لجمهورية التشيك في العام
الحالي، بينما ينتظر نتيجة استفتاء آخر في أيرلندا (من المتوقع إجراؤه
في شهر أكتوبر القادم) على تحديث هيئات الإتحاد الأوروبي.
وفي ظل تعرض مؤسسات الإتحاد الأوروبي للشلل، تتعرض إقتصاديات الدول
الأوروبية لضغط متزايد. وتركز ألمانيا بشكل كبير في الوقت الحالي
على الإنتخابات المحلية المزمع إجراؤها في شهر سبتمبر القادم. ويبدو
أنه من المحتمل دخول ألمانيا في مرحلة من التركيز المطول على الداخل.
ونتيجة لهذا، يمكن أن تتعرض برلين لوقت صعب في تنفيذ الوعود التي
كانت قد قطعتها على نفسها والتي تتلخص في تدريب قوات الشرطة في أفغانستان
والمشاركة في جهود إعادة الإعمار التي تجري حالياً في هذه البلد.
والسياسة سوف تحظى بتأييد من قبل كافة الأطياف السياسية الألمانية
هي المقاربة الإسترضائية بشكل إضافي لروسيا. وكانت ألمانيا قد أبدت
ممانعة لمعاداة روسيا بخطوات إضافية من خلال معارضتها لتوسيع عضوية
حلف الناتو، وسوف تستمر في نصح الولايات المتحدة وحلفائها من دول
حلف شمال الأطلنطي بمتابعة سياسة "السير ببطء" تجاه ضم
جورجيا وأوكرانيا إلى عضوية الحلف.
وبينما كانت ميركل مستعدة لإنتقاد التوجهات الإستبدادية لرئيس الوزراء
الروسي فلاديمير بوتين والإجراءات الصارمة التي يفرضها على الحريات
العامة، فإنها تتعرض لضغوط هائلة من قبل الجماعات التجارية من أجل
تعزيز شراكة أكثر إيجابية قائمة على التعاون مع روسيا، وخصوصاً لأن
ألمانيا تأمل في حصد مكاسب هائلة من الإستثمار في مجال حقول النفط
والغاز بإقليم سيبيريا وخطوط أنابيب بحر البلطيق. وفي ضوء هذه الأمور،
فقد ولد إستعداد الإدارة الأميركية "للضغط على زر إعادة التشغيل"
حسبما ذكر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في مؤتمر ميونيخ للأمن
الذي أقيم مؤخراً، وإشراك روسيا في حوار جديد، حماساً كبيراً بين
كافة الأحزاب في ألمانيا.
وسوف يكون تأييد ألمانيا القوي للسيطرة على الأسلحة حاسماً في إقناع
الشركاء الأوروبيين الآخرين، وخصوصاً بولندا وجمهورية التشيك لدعم
أي اتفاقيات مستقبلية من أجل تقليص القوى النووية والقوات التقليدية
في أوروبا. وقد حظيت مبادرات الرئيس أوباما وقراره بإغلاق معتقل
جوانتانامو، ومنع التعذيب وأجواء التغيير التي يتبعها بترحاب كبير
في الدول الأوروبية. ولكن ألمانيا تأمل في أن الولايات المتحدة سوف
تبدأ حقبة جديدة من التعاون المكثف مع روسيا من أجل خفض ترسانتها
النووية وتحسين الجوانب الأخرى من الأمن الأوروبي. وقد يكون هذا
واحداً من أفضل النتائج في ما يشكل العام المليء بالمخاطر للدول
الأوروبية والعالم.
ويليام دروزدياك
رئيس المجلس الأميركي الألماني
خدمة إنترناشيونال هيرالد تريبيون، خاص بـ (الوطن)
أعلى