|
فتاوى وأحكام
* إذا كان شخص مصاب بمرض خطير ويخفي عنه أبناؤه هذا المرض خشية أن
تتأثر معنوياته هل يأثم الأولاد ؟ وهل الأولى إخباره ؟
** أما الإثم فلا
يأثمون بذلك ، بل في ذلك خير، إذ في إخفاء هذا المرض عنه رفع لمعنويته،
ولا ريب أن انهيار معنوية المريض تؤدي به إلى خطر كبير، فقد يصاب المريض
عندما يُخبر بأن به مرض شديد مرض خطير مرض يؤدي إلى هلاكه يصاب بأزمة
نفسية حادة، وقد تكون تلك الأزمة هي السبب في وفاته.
وفي الأيام القريبة أُخبرت أن امرأة عُرضت على بعض الأطباء فأخبرها
بأن بها مرضاً خطيراً فأصيبت بانهيار، بلغ الحد هذا الانهيار وحُملت
إلى المستشفيات الخارجية، وقيل لها بأن هذا الذي قيل لها ليس له أثر
من الواقع ليس بصحيح فعادت إليها معنويتها، وعادت بنفس هذا الخبر عادت
وهي نشيطة قد زال عنها ما ألمّ بها من قبل .
فلا ينبغي أن يفجع المريض بمثل هذه الأخبار التي تذهب بعقله والتي
تورثه الكآبة وتورثه الحزن ، وتؤدي به إلى القلق البالغ وقد تفقده
حياته .
ولكن مع هذا ينبغي لهم أن يحسّسوه بضرورة التوبة والرجوع إلى الله
، والتخلص من التبعات، والمحاللة بينه وبين الناس الذين تعامل معهم
بطريقة أو بأخرى من غير أن يفجعوه بمثل هذا الخبر .
* هل يصح لمن فقد
عضواً من أعضائه أن يشتري مثل ذلك العضو من كافر ؟
* أولا ً ليس من السائغ
لا للمؤمن ولا للكافر أن يبيع شيئاً من أعضائه ، الأعضاء لا يتصرف
فيها الإنسان .
هب أن أحداً من الناس قُطعت يده أو قطعت رجله أو قُطع شيء من ذلك هل
يجوز لأحد من الناس أو يؤثره برجله، أو أن يؤثره بيده، أو أن يؤثره
بأي شيء من أعضائه ؟ لا .
ولئن كان لا يجوز الإيثار في هذا فكذلك البيع .
والإنسان عليه أن يستشعر نعمة الله فكيف يبيع عضواً من أعضائه لغيره
مع أنه يملك منفعة ذلك العضو ولا يملك رقبته، الإنسان لا يملك أي شيء
من أعضاء جسمه وإنما يملك المنفعة فلا ينبغي أن يُفتح هذا الباب .
ثم من ناحية أخرى
فإن الإنسان في أمور ما قد ينتفع بما عند الكافر ، لو كان هذا الكافر
عنده دم زائد عن حاجته لا حرج إن تبرع به لمسلم أو إن أخذه منه مسلم
بطريقة أو بأخرى لا حرج في ذلك لدفع الضرورة عنه لأن الضرورة تبيح
مثل هذه التصرفات بشرط أن تكون بقدر الحاجة من غير خروج عن حدود الاعتدال
.
* ما حكم الاستنساخ ؟
قضية الاستنساخ قضية شائكة، قضية تكتنفها مخاطر جمة، وتؤدي إلى تغيير
طبيعة هذه الحياة ، فإن الله سبحانه وتعالى جعل حياة البشر حياة تقوم
على النظم الاجتماعية وعلى التعاون وهذا لأجل أن يتحمل الإنسان مسئوليته
في الخلافة في هذه الأرض ، إذ وجوده في هذه الأرض ليس كوجود غيره ،
هو وجود مسئولية وتكاليف .
الله تبارك وتعالى خلق الإنسان من أجل عمارة الأرض بعبادة الله وبكلمة
الله وبشرعه ، وخلق له الأرض وما فيها ، وخلق له منافع الكون أيضا
، سخر له منافع الكون تكريماً لهذا الإنسان ، وجعل القيام بهذه المسئولية
أمراً منوطاً بتعاون البشر بعضهم مع بعض ذلك لأن الإنسان مدني بطبعه
، فهو يفتقر إلى بني جنسه ولا يستغني فرد عن جنسه أبداً ، لا يستغني
فرد من البشر ولا يستقل بحياته عن الآخرين ، وجعل الله تعالى العلاقة
النسبية لها أثر كبير في هذه الحياة الاجتماعية فيما بين الجنس البشري
، وجعل الحق سبحانه وتعالى هذه العلاقة النسبية إنما تكون مع أصلين
، مع الأم ومع الأب ، فالأم لا تستقل بنفسها بشئون تربية الأولاد ،
والأب أيضا لا يمكن أن يستقل بنفسه فيتعاونان جميعا ، فكيف إذا وُجد
أحد وهو مبتور عن هذه العلاقة مقطوع عن الآخرين .
إن راحة الإنسان أن يعرف أن له أباً ينتمي إليه وأماً ولدته ، أما
أن يدرك نفسه هكذا استنسخ من أحد فهذا أمر فيه حرج كبير ، أمر فيه
حرج لهذا المُستنسَخ نفسه ، ويؤدي إلى الفساد في الأرض ، قد يؤدي إلى
عدم التزاوج بين الناس استغناء بهذه الطريقة الشاذة الخارجة عن الطبيعة
المألوفة .
نعم لو أمكن استنساخ الأعضاء حتى تُسد حاجة البشر ولا يحتاج مريض إن
تلف عضو من أعضائه إلى أن يتبرع له بذلك العضو من غيره ، فلو أمكن
أن تستنسخ أكباد مثلاً حتى تُسد حاجة مرضى الأكباد ، أو أن تستنسخ
قلوب ، أو أن تستنسخ عيون، أو أن يستنسخ أي شيء من هذه الأشياء التي
تدعو الحاجة إليها يكون الاستنساخ في هذا مؤدياً لغرض سام ومؤدياً
لخدمة بشرية لها وزن في حياة البشر.
أما أن يُستنسخ إنسان بأسره فهذا أمر لا يمكن أن يُقر ولا يُقبل عقلا
ًولا شرعا ، والله تعالى المستعان .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
العلاّمة سعيد بن حمد الحارثي الفكر والتجليات
محمد بن عامر العيسري
- نتائج الأقوال خلاصة قصة عمرها عشرة قرون
- أول معجم في المفردات الدارجة العمانية
- تجليات للهوية العمانية في فكر الحارثي
- السفر والترحال علامة فارقة في حياته
الشيخ العلامة سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي
علم بارز في سماء المعرفة وأحد الأساطين في فضاء الثقافة العمانية
، لم يكن ذا نزعة تحيل شخصه إلى الانغلاق والتقوقع على فكر تقليدي
صِرف، بل اتجه بكامل قواه الفكرية إلى الانفتاح على المعارف والأدبيات
وثقافات الشعوب بالأخذ منها بما يتوافق والمنهج والتصور الإسلاميين.
وبرحيله انطوت صفحة حياة هامة من هامات الفكر والعلم، وقامة من الشخصيات
الأدبية والاجتماعية ، إلا أنه إن رحل بجسده ففكره حاضر في الوسط المعرفي
والاجتماعي ، قد تركه للأجيال وللأمة وللتاريخ.
استطاع الشيخ الحارثي أن يجمع خلاصة فكره فيما وضع من تآليف في الفقه
واللغة والأدب والتاريخ والرحلات ، وفي هذا التنوع دلالة بيّنة على
اتساع أفقه ومداركه العلمية.
الكثير ممن رحلوا لم يبق من مآثرهم إلا الرسم والاسم مع كونهم في تصنيف
الأعلام ، ويختلف عن هؤلاء أولئك الذين نقشوا في سجل الحضارة حروف
الفكر والإبداع وخلفوا أوعية العلم والمعرفة تغترف منها الأجيال وأحيوا
سنناَ لهم أجرها وأجر من عمل بها.
إن الغاية الأولى لهذا الصنف من أعلام الأمة ديمومة العمل وأثره من
الثواب ، والذي ينقطع بموت ابن آدم سوى من ثلاث منها علم ينتفع به.
كان العلامة سعيد بن حمد الحارثي ممن أطفئوا شموع العمر في التحصيل
أولاً وفي خدمة دينه ومجتمعه ووطنه بكل ما تعنيه الكلمة ثانياً وفي
الكتابة والتأليف ثالثاً ، فهي إذن حياة ملؤها العطاء لا يمكن لأسطر
كهذه أن تفصح عن كنهها ، وليس في تسطيرها سوى بوح ببعض خلجات النفس
تجاه شخصية عالم جليل وفقيه أديب ، لعل في ذلك شيئا من الوفاء ، وإن
كان الوفاء أبعد من ذلك بكثير.
شخصية الفقيه وفقه الشخصية
بدأت رحلة العلامة الحارثي الفقهية مع مراحله الأولى في تلقي العلوم
ببلده المضيرب ، وقد كان استقطاب والده لأهل العلم بمثابة تكوين مدرسة
علمية تخرج منها بنوه وبعض بني بلده دون تمييز ، وهكذا كانت الانطلاقة.
ثم اتسع نطاق الرحلة ليشمل التنقل بين عالم وآخر وبين هذا الفقيه وذاك
، وبين من يعلمه الفقه إلى من يعلمه الفرائض إلى غير ذلك من العلوم.
لم تكن الحصيلة لتجتمع بين عشية وضحاها ولم يكن للتحصيل العلمي إطار
زماني وضعه لينتهي عنده بل كان لسان حاله " اطلبوا العلم من المهد
إلى اللحد ".
كانت المراحل الأولى تهيئة للمدارك الذهنية لأن تستجمع قواها العقلية
لاستيعاب ما يمكن من هذا البحر الواسع من العلم وإدراك كنهه ، لتتلوها
مرحلة التنقل بين العلماء والفقهاء التي دفعت بشخصية هذا الفقيه الناشئ
إلى تبوء مراتب أعلى كان الطموح المفعم بروح الإخلاص محورها وكان تحصيل
العلم غايتها.
لم يفتأ الشيخ الحارثي يتزود بسلاح العلم وقد بلغ مرحلة التأليف ليقدم
عصارة فكره في الفقه متأثراً إلى حد كبير بما جرى عليه أساطين العلم
العمانيين في التأليف والتصنيف وفي مقدمتهم الإمام نور الدين السالمي
، فكما أن الشيخ السالمي رحمه الله كانت مصنفاته بمثابة مناهج دراسية
أريد لها أن يتناسب كل منها مع مقدرات فئة عمرية معينة بدءً بـ "
تلقين الصبيان " وانتهاءً بـ " معارج الآمال " فقد
سار الشيخ الحارثي في مصنفاته متأثراً بهذا النهج ، فقد وضع سلسلة
غرس الصواب لتكون سهلة التناول عذبة المشرب، وهي بلا شك مداخل إلى
الفقه الإسلامي ينطلق منها طالب الفقه، ويتناولها حتى عوام الناس ،
وكذا كان صنيعه في سلسلة غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ليقدم شيئاً
من السيرة النبوية في مختصرات تقرب المشهد في أنصع صوره بمادة ميسرة.
بين مختصر الخصال ونتائج الأقوال ، قصة عشرة قرون
وفي المحور ذاته، محور التأثر بمنهج الإمام السالمي الفقهي نجد الشيخ
الحارثي قد اتجه إلى تقديم خلاصة كتاب " معارج الآمال "
ذلك الكتاب الذي بدأت قصته في القرن الخامس الهجري ووقفت حتى الآن
عند الشيخ الحارثي ولا يدرى ما إذا كانت للقصة فصول أخرى قادمة.
ولعل من نافلة القول إن نشير هنا إلى القصة بإيجاز ، فالبداية كانت
بكتاب (مختصر الخصال ) للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي الذي
عاش في القرن الخامس الهجري وتردد على عمان وأئمتها آنذاك الإمام الخليل
بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي والإمام راشد بن سعيد اليحمدي ،
وقد جمع فيه خصال الشريعة وتناول فيه أبواب الفقه بأسلوب بديع مختصر
، وقد وصفه الشيخ السالمي بقوله : " الجامع للقواعد الحاوي للفوائد
المسمى بـمختصر الخصال لاختصاره خصال الشريعة وجمعها في أبواب وكتب
".
وقد ظل مختصر الخصال أحد أهم المراجع تتناقله الأجيال وتتناثر مادته
الفقهية في مصنفات فقهاء عمان عبر العصور ، ويشار إليه بالبنان في
المباحث الفقهية حتى جاء الإمام السالمي رحمه الله في القرن الرابع
عشر الهجري ونظم كتاب مختصر الخصال في أرجوزته الشهيرة ( مدارج الكمال
) التي قال في خاتمتها:
هذا تمام هذه المدراج ** فهيئ الآمال للمعارج
وفي ذلك بلا شك استشراف للأهداف التي يرمي إليها في مسيرة التصنيف
وتمهيد للمتلقي كي يأخذ بزمام العزيمة على مواصلة الدرب.
فجاء كتاب معارج الآمال غاية في التحقيق وسلامة المنهج وتحري الدقة
والأمانة العلمية ، وغزارة المادة الفقهية.
وظل الكتاب حتى يومنا مرجعاً لا غنى عنه لكل متلقٍ وهو بحق موسوعة
بوأت المؤلف مرتبة عليا في مصاف علماء الفقه الإسلامي ومجتهديه.
وفي خضم احتكاك العلامة سعيد الحارثي بطلبة العلم في معهد القضاء آنذاك
وفي حلقات الذكر في المساجد وخلال الزيارات والمحافل واللقاءات , ولما
كان الإمام السالمي رحمه الله في (معارج الآمال) يسوق أقوال أهل العلم
في المسائل على اختلافها مع الترجيح والميل إلى ما يراه تارة ودون
أن يرشح عن ذلك ترجيح في بعض الأحايين ، فقد انعكس ذلك على طلبة العلم
الذين حكى الشيخ سعيد الحارثي عنهم عدم استيعاب مادة كتاب معارج الآمال
بقوله في ديباجة كتابه " فقد سمعت كثيراً من الطلبة يقولون إن
عقولنا لم تستوعب ما جاء في معارج الآمال من كثرة الاختلاف في الأقوال
ولم ندر بأيها نأخذ فبقينا في ارتباك".
من هنا ولد مشروع ( نتائج الأقوال ) لتصل قصة (مختصر الخصال) إلى القرن
الخامس عشر الهجري عبر ( مدارج الكمال) أولاً و (معارج الآمال) ثانياً
و( نتائج الأقوال ) أخيراً وليجد الشيخ الحارثي داعي الهمة يناديه
فسرعان ما لبى ، وفي ذلك يقول : " وحيث أن المؤلف رضوان الله
عليه استفرغ في هذا المؤلف وسعه، فحشر أقوال أهل العلم في المسائل
الفقهية لا سيما مسائل الصلاة ، لما رأيت كل ذلك دعتني الهمة إلى تسنم
ذروة هذه المهمة فعزمت بتوفيق الله وعونه على أن اختصر هذه الأقوال
على قول واحد مختار عند المؤلف أو عند من يرتضيه من أهل الملة ، وأسوق
دليله في أثره واقتصر في عملي هذا على المسائل الفرعية من الفقه فقط
، ولا أتعرض لما جاء فيه من المسائل الأصلية ؛ لأن الحق فيها واحد
وليس ثمة خلاف فيها عند أصحابنا رحمهم الله".
وبالفعل فقد تسنم ذروة المهمة كما قال فأنجز مشروعه الذي أراد وبلغ
غاية المراد ، وفي اعتراف للإمام السالمي بالفضل وبتواضع جم نجد الشيخ
الحارثي قد سطر قوله : " وقد ألف الشيخ هذا الكتاب ليكون مرجعاً
لأهل العلم ولذلك جعله بهذه السعة وليس للمبتدئين مثلي ، لأن عقولنا
لا تتسع لذلك ".
ثم لا يفوته أن يشير إلى قصده وغايته من القيام بهذه المهمة ليوجز
ذلك بقوله : " كان قصدي من القيام بهذه المهمة شيئين أحدهما أن
أحبس نفسي على قراءة جميع الكتاب لأستنير منه الطريق وثانيها لأخفف
على إخواني من الطلبة عبء التحقيق . ثم من رزقه الله منهم طول باع
في البحث فسيكون هذا المختصر كالتقويع لما سيزاد عليه من التحصيل والتفريع
).
والحق يقال لم يكن اختصار كتاب بحجم ( معارج الآمال ) أمراً يسيراً
فلا بد للاختصار أن يكون غير مخلّ وأن يقدم خلاصة ما أراد المؤلف إيصاله
باستقراء الآراء المتعددة التي ساقها في المسائل الفقهية واستخلاص
رأيه أو رأي من يطمئن إليه كما أشار الشيخ الحارثي، وعليه فإنجاز المهمة
على الوجه الأكمل يتطلب مهارات لا يسع من يفتقدها التصدي لعمل كهذا
، ومن هنا نجد أن إنجازه هذا شهادة على كفاءته الفقهية وجدارته العلمية.
وبما أن كتاب معارج الآمال لم يكتب للإمام السالمي رحمه الله إكماله
حيث وقف عند باب الاعتكاف إذ لم يمهله العمر لإتمامه أراد الشيخ الحارثي
أن يكون كتاب نتائج الأقوال مكتملاً يشتمل على كافة أبواب أرجوزة مدارج
الكمال ، فرأى أن ينثر الأبواب التي تلي باب الاعتكاف من أرجوزة مدارج
الكمال ويمضي فيها على ذات النهج الذي اتبعه في تقديمه لخلاصة معارج
الآمال بأن يقدم أرجح الأقوال عند المؤلف أو أقربها إلى رأيه ، فجعل
نثر ما لم يدرك الشيخ السالمي إتمام شرحه من مدارج الكمال في الجزء
الثاني من نتائج الأقوال.
الهوية العمانية في فكر العلامة الحارثي
في عطاءات الشيخ الحارثي المعرفية نرى تجليات الهوية العمانية ماثلة
وبصماتها واضحة ، فنجده قد صنف أول معجم في مفردات الدارجة العمانية
وأصولها في قواميس العربية الفصحى وسماه ( إزاحة الأغيان عن لغة أهل
عمان ) ومن خلاله انتصر للغة العربية من خلال الدارجة العمانية فيقول
في مقدمته : " إني نظرت في اللغة الدارجة بين العمانيين فوجدتها
اقرب لغة إلى اللغة العربية الفصحى من سائر لغات أهل الأمصار ، لأني
تتبعت من القاموس فأخرجت لكل كلمة دراجة أصلاً من اللغة العربية ،
إما نصاً أو استخراجاً من كلمة تضاهيها. وأرجو أني وفقت في الإخراج
انتصاراً لأهل عمان في أن لهجتهم عربية فصيحة ، وأخرجت أنموذجاً منها
، لأني لم أحصها كلها ، ويكفي أننا لم نهجر العربية والحمد لله ".
وفي أراجيزه ونثره في أدب الرحلات عقد في كثير من المواضع مقارنات
بين عادات الشعوب وثقافاتها وبين ما عليه المجتمع العماني من عادات
وتقاليد وأبدى دهشته واستغرابه من بعض المواقف والمشاهدات خلال ترحاله
وتجواله في شتى البقاع مما لم يألفه ومما ينفر منه الطبع في بعض الأحيان
وانتصر لعمانيته سلوكاً وثقافة وطباعاً ، ولم يتخل حتى عن لباسه خلال
أسفاره كافة.
وتعد جهود العلامة سعيد الحارثي في توثيق ما رواه عمن سبقه وما شهده
في عصره عبر مذكراته الشخصية علامة فارقة عن غيره من شخوص الفكر والمعرفة
إذ قلما نجد اعتناء كهذا من الرموز العلمية في مجتمعنا ، ونتيجة لذلك
ضاعت الكثير من الأحداث والمواقف في غياهب النسيان.
وجهوده تلك لا شك تعد مثار إعجاب بقدر ما هي نقل لصورة حقيقية عن واقع
المجتمع العماني في عصره.
وفي تآليفه الفقهية نجد الحضور العماني أيضاً من حيث الاستشهاد بالأمثال
والمفردات العمانية ، ناهيك عن المصطلحات التي تنفرد بها الخصوصية
العمانية ، فنجده مثلاً في شرحه لمصطلح ( التقويع ) يقول : "
هو ترك الشيء في الماعون - عند أهل عمان - فيقولون فلان يقوّع إذا
كان يلتقط حبة حبة في ماعونه أو يأكل أكلاً خفيفاً بين يدي أكله الحقيقي".
وتأكيداً للخصوصية العمانية في كتابه " إزاحة الأغيان "
لم يفته تخريج وشرح أسماء بعض البلدان بعمان وفق الترتيب الهجائي ،
مع تقريب المعنى إلى الفهم حال اقترابه من الأصل أو الجذر الوارد في
المعجم.
مسيرة التأليف ، دوافع وحقائق
تضافرت عوامل عدة هيأت للشيخ سعيد الحارثي التصنيف والتأليف منها كفاءته
العلمية التي جاءت نتيجة تراكمية لمشوار طويل مع العلم والعلماء والفقه
والفقهاء بدأت بمرحلة الطفولة ولم تنته إلى أيامه الأخيرة ، كما أن
المكنة الأدبية التي تمتع بها جعلت قلمه دفاقاً ليخرج للأجيال عصارة
فكر وعلم مرصعين بجواهر الأدب .
ولما وجد العلامة الحارثي نفسه متفرغاً للكتابة والتأليف بعد تقاعده
من مهامه الوظيفية ، ومع بلوغه مرحلة النضج الفكري والمعرفي رأى أن
الوقت قد حان لتفريغ ما في جعبته في قوالب معرفية ، ورأى أن خير ما
يقوم به في هذه المرحلة هو التأليف والتصنيف ، كما أنه لم يقف عند
هذا الحد من التزود بالمعرفة بل رأى أن الوقت قد حان لبعث الهمة من
جديد والانكباب على القراءة ، وقد عبّر عن ذلك قائلاً: " ولم
يبق مما نتقرب به إلى الله بعد أداء الفرائض إلا القراءة ، ولم يبق
عندي من القراءة إلا ابتغاء الثواب من النظر في الكتاب ، وإلا فالعقول
شاردة والقرائح جامدة والهمم للنفع الأنفع هامدة ، وسوق التسابق كاسدة
، وحسبنا العاجلة هي الفائدة وزهدنا كل الزهد في العائدة ".
ونراه هنا بتواضع العلماء وزهد الأتقياء يرمي نفسه بالقصور ويعتبر
الغاية الأولى من القراءة نيل الثواب ، وفي ذلك بلا شك مظنة النجاح
والفلاح إذ الإخلاص كما قيل ثمرة اليقين.
من هنا عرف الرجل طريقه إلى الكتاب قراءة وتصنيفاً ، فبعد أن قضى سنين
طويلة في الخدمة متبوئاً مناصب عدة في خدمة وطنه ومجتمعه أراد أن ينصرف
معيداً الكرة إلى ساحة العلم والمعرفة ويتفرغ للكتاب والكتابة والتأليف
والمؤلفات بعيداً عن الأضواء والضوضاء.
إن تمكن الشيخ الحارثي من الأدب يعد أحد العوامل التي دفعت به إلى
التأليف ، فقد كان شاعراً بدأ في نظم الشعر وهو في مقتبل العمر لم
يتجاوز الخامسة عشرة ، وقد كان ولعه بالأدب نظماً وشعراً جاء نتيجة
للوسط الأدبي الذي عاش فيه ، فقد كان الشعر والحكمة يترددان على ألسن
المحيطين به صباحاً ورواحاً ، فلا يكاد يخلو مجلس أو سمر من مطارحات
شعرية ومناوشات أدبية ، وحين كان متلقياً جيداً فقد تملك الأدب من
شغاف قلبه ، فغدا شعاره في مجلسه ومع طلابه وفي إنجازه لمهامه الوظيفية
، وفي تآليفه وكتاباته ، فنجد تآليفه زاخرة بعذب الكلام وجزالة الأسلوب
وبلاغة العبارة .
كما زيّن الشعر أغلب تآليفه ، وصار رفيق دربه ، فهو حتى حين ضاق ذرعاً
بموقف جرى له ذات مرة ، فزع إلى الشعر واستحضر قول القائل :
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ** ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فقال مخمساً لها :
ما راعني أمر دهاني إذ عتا ** سلطت من جلدي عليه مصلتا
ورضيت عن سر القضاء بما أتى ** فلرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعاً وعند الله منها المخرج
فعوائد الله الجميلة ذاتها ** لما تزل تسري بنا نفحاتها
كم كربة جلّت وقلّ هداتها ** ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
وليس أبلغ من تمكن الأدب من مجامع قلبه اعتناؤه بديوان المتنبي واستخراج
درر الحكم منه والتعليق عليها في كتابه ( الصيب من حكم أبي الطيب )
ونظمه لبعض رحلاته في أراجيز وعدم اكتفاءه بتدوين أحداثها نثراً ،
ناهيك عن قراءاته الدائمة في كتب الأدب ودواوين الشعر وانكبابه عليها.
التميز ، علامة فارقة
تخرج الشيخ سعيد بن حمد الحارثي كغيره من أعلام جيله ومن سبقوهم من
الكتاتيب وحلقات العلم المساجد ، تلكم هي المؤسسات التعليمية آنذاك
، أما اجتماعياً فإن جلسات السبلة والصحبة في الأسفار هي أهم ما دفع
بتلك الشخصيات إلى الفضاء المجتمعي وأسس كينونتهم الاجتماعية .
كانت البساطة شعار المعيشة آنذاك ، تساوى بها الوجيه ومن هو دونه .
ومع كون الشيخ سعيد من أسرة جمعت بين الوجاهة والشغف العلمي والمعرفي
فلا شك أن ذلك كان بوابة لمد جسور التواصل مع العلماء والوجهاء وغيرهم
من شرائح المجتمع ، فكان نتاج ذلك تلكم الشخصية الفذة ذات النزعة الإسلامية
المفعمة بالغيرة على الدين والتقاليد والموروث الحضاري.
تميز الشيخ سعيد الحارثي بالغيرة على المكتسبات الحضارية العمانية
فنتج عن ذلك توثيقه لبعض مفردات الدارجة كما أسلفنا ، وتوثيقه لمشاهداته
في مذكراته الشخصية مع ما تحمله من مفردات الحياة الاجتماعية في عمان
آنذاك ومن سرد لوقائع وأحداث ما كان يكتب لها البقاء لولا ما قام به
من تدوين.
كما تميز الشيخ الحارثي بتمسكه غير العادي بالعادات والتقاليد العمانية
الأصيلة المنبثقة من الروح الإسلامية ، والتي لم يتخل عنها قيد أنملة
حتى في تطوافه في بقاع العالم ، فكان يذب عنها ويحث على التحلي بها
متى ما أتيح له ذلك.
وتعد أسفاره الكثيرة وتدوينه لما شاهد شعراً ونثراً أحد مفردات التميز
أيضاً ، وهنا لم تمنعه نزعته الإسلامية العمانية من الإقبال على ثقافات
الشعوب ، فقد سجل ثناءاته ولم يخف إعجابه بالكثير مما شاهد مما لدى
الشعوب من عادات حسنة وتقاليد عريقة ومآثر ومكتسبات حضارية.
والحق أن القلم يعجز عن إنصاف شخصية العلامة سعيد بن حمد الحارثي في
أسطر كهذه ، فلا يزال الدرب طويلاً في إزاحة الستار عن مآثره وقراءة
فكره واستجلاء مسيرة حياته.
سيرة في سطور
- سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي
- ولد في المضيرب يوم الاثنين 13 من رجب سنة 1346هـ .
- تلقى علومه الأولى في بلده المضيرب ورحل متنقلاً بين العلماء لتلقي
العلم منه الشيخ يزيد بن خالد بن الوليد البوسعيدي من منح و الشيخ
سعود بن سليمان بن جمعة الكندي من مدينة نزوى والشيخ سعيد بن راشد
بن سيف الحارثي من المضيرب والشيخ ناصر بن سيف البطاشي وقد كان أستاذه
في الفرائض والشيخ ناصر بن سعيد النعماني والشيخ ناصر بن حميد الراشدي
من سمد الشأن.
- تقلد مناصب عدة منذ بزوغ فجر النهضة المباركة منها والياً على بعض
مناطق الشرقية وكانت تشمل آنذاك المضيرب وإبراء ووادي نام ، ثم نقل
واليا على الرستاق وكان ذلك سنة 1391هـ / 1971م فبقي تسعة عشر شهرا
ثم التحق بوزارة التربية والتعليم وعين مشرفاً على الجوامع التعليمية
وذلك سنة 1975م ثم انتقل ليتولى رئاسة جهاز التربية الإسلامية في نفس
الوزارة ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (آنذاك) وعين
مساعداً لمدير الشؤون الإسلامية، وفي عام 1396هـ ترأس بعثة الحج العمانية
كما ترأسها في الأعوام التالية حتى عام 1400هـ ، وفي سنة 1398هـ /
1978م عين مديرا للشؤون الإسلامية وفي سنة 1400هـ / 1980م عين مديرا
لمعهد القضاء والإمامة والخطابة ( أنذاك) ، وفي سنة 1406هـ / 1986م
أحيل للتقاعد.
- عشق السفر وقد وفق لزيارة معظم دول العالم سائحاً متجولاً.
- قدم للمكتبة العربية والإسلامية عدداً من المؤلفات منها :
1- نتائج الأقوال من معارج الآمال
2- غرس الصواب في قلوب الأحباب
3- إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان
4- الصيب من حكم أبي الطيب
5- الشذرات ، جملة ما للنبي من غزوات
6- الوصول إلى معرفة كيف حج الرسول
7- عبر وذكريات من أدب الرحلات
8- زهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع
9- سيرة ذاتية بعنوان ( حياتي )
10- مجموعة من القصائد والأراجيز والمطارحات الشعرية والأدبية.
- توفي عصر الأحد 9/ربيع الآخر/ 1430هـ الموافق 5 /إبريل/2009م.
أعلى
قراءة في كتاب
غرس الصواب في قلوب الأحباب
سالم بن سعيد العيسري
ترك الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ـ رحمه الله ـ شأنه شأن العديد من العلماء
المهديين تراثا علميا وتربويا وفكريا ساهم في ثراء المكتبة العمانية
وتدوير عجلة العطاء الحضاري العماني للأمام، وليس أدل على ذلك من سفره
الرائع المسمى بـ: "غرس الصواب في قلوب الأحباب" والذي أودع
فيه خلاصة قراءاته وملاحظاته وشخصيته.
الكتاب كما يظهر في عنوانه يهدف إلى غرس مجموعة من مبادئ الإسلام عقيدة
وفقها وسيرة، ولا يستهدف فئة معينة فقد استعمل مؤلفه رحمه الله براعته
الأدبية وذلاقته البيانية ليصوغ الكتاب بعبارات تناسب كل طبقات المجتمع
دون أن ينزل بمستواه اللغوي إلى الركاكة والضعف
بدأ إصدار الكتاب في أجزاء متفرقة وصلت إلى خمسة عشر جزءا قبل أن تجمع
في كتاب واحد، حيث تعرضت خمسة أجزاء منها لأركان الإسلام وثلاثة أجزاء
للعقيدة الإسلامية وجزء للزواج وجزء للسيرة النبوية وثلاثة أجزاء للأخلاق
وجزء للتاريخ وجزء للجهاد واللافت للنظر أن الشيخ رحمه الله لم يتبع
الأسلوب التقليدي الجاف في عرض المسائل وأقوالها وأدلتها بل ابتكر
في عرض مادته العلمية أساليب شائقة رائقة، ففي معرض ذكر العبادات يذكر
أثرها في بناء الشخصية المسلمة ويطعم ذلك بسلسلة من القصص عن السلف
الصالح ممزوجة بأبيات من الوعظ والتذكير، مما يأخذ بتلابيب نفس القارئ
ويغرس في نفسه مكارم الأخلاق والسعي نحو العمل الصالح. أما منهج الشيخ
رحمه الله في الاستشهاد فلم يند عن المنهج المتبع لدى الفقهاء، ففي
البداية يستشهد بآيات القرآن الكريم ثم يعرج إلى السنة النبوية دون
أن يغرق القارئ في معمعة اختلاف العلماء في المسائل بل يقدم للقارئ
القول المعمول به محفوفا بالترغيب بالعمل الصالح. وقد ظل الحس الأدبي
البياني يلح على المؤلف ـ بحكم تمكنه من ناصية الأدب ـ فتراه بليغ
الصياغة محكم السبك لا يلجأ للحشو الممل ولا الاختصار المخل، كما أن
المؤلف نمق كتابه بطائفة غير قليلة من الأبيات الشعرية التي تستل الملل
من نفس القارئ، ففي بداية الكتاب يبين اهتمام العرب باختيار الأم الماجدة
العفيفة للولد مستشهدا بقول الشاعر:
فأول إحساني إليك تخيري *** لماجدة الأعراق باد عفافها
كما أنه يسلي القارئ ببعض الحكم التي تنبض خلقا وحكمة كاستشهاده بقول
الشاعر
ومن دعا الناس إلى ذمه *** ذموه بالحق وبالباطل
ولا يفوت المؤلف أن يرقق قلب القارئ ببعض أبيات الزهد والحكمة فتأمل
استشهاده بقول أبي مسلم رحمه الله:
تمثلت لهم الدنيا فما جهلوا *** حقيقة الأمر أن العيش ثعبان
جازوا لجسور خفاف الحال وقرهم *** زهد وخوف وإصبار وشكران
جاز المخفون من دار الغرور فلا *** خوف عليهم ولا بالقوم أحزان
كما لا ينسى المؤلف رحمه الله أن يطعم كتابه ببعض الأمثال العربية
والعمانية في مجال الحث على خصلة خيرة أو الكف عن طبع سيئ كاستشهاده
في معرض الحديث عن انحراف بعض المسلمين بالمثل العربي" فحسبك
من شر سماعه" كما يستشهد في مجال تربية الصبي بالمثل " لا
تري الصبي سنك فيريك استه" ولأن الشيخ رحمه الله كان معتزا بتاريخه
وبلدته فلم يهمل إمتاع القارئ ببعض الأمثال العمانية التي تنفح تجربة
وحكمة كالمثل العماني " ما يستوي شغلين في شغل" وغيرها من
الأمثال التي تشرح نفس المطلع وتدعوه للاستزادة من الاطلاع والقراءة.
وقد عرف عن الشيخ رحمه الله كثرة أسفاره وجولاته في أنحاء المعمورة
مما صقل شخصيته ومنح تجربته في الحياة بعدا علميا وحيويا عميقا، فقابل
في تلك الرحلات شخصيات علمية وسياسية عملاقة واطلع على حضارات الشعوب
الأخرى وواجه من المصاعب والمتاعب ما قوى ثقته بنفسه، ولذا فلم ينس
أن يروح عن القارئ بين الفينة والأخرى ببعض هذه النوادر والتي خصص
لها فيما بعد كتابا أسماه" عبر وذكريات من أدب الرحلات"،
ففي معرض حديثه عن تكفل الله بالرزق ذكر قصته في إحدى أسفاره عندما
سيق لهم الرزق دون أن يحسبوا حسابه.
ولا يألو الشيخ جهدا في اتباع كل أسلوب جديد من شأنه أن يغرس الصواب
فمن الملاحظ أنه كثيرا ما يستشهد ببعض الوقائع التي حدثت له شخصيا
كقصته مع أبيه حينما اكتشف أنه لم يستجمر، وما فعله حينما رزق بمولودة.
وجماع القول أن هذا السفر الرائع جاء في مرحلة تاريخية حساسة شهدت
البلاد فيها الانتقال من التقليدية والجمود إلى فضاء التجديد، وقد
استطاع مؤلفه بحق أن بكل حذاقة ومهارة أن يكون حلقة في سلسلة النقلة
النوعية في التأليف والتوعية.
رحم الله الشيخ وغفر له وأسكنه فسيح جناته.
أعلى
سعيد بن حمد الحارثي .. صوت الاعتدال والحكمة والتنوع
في لقاء أخير مع الشيخ العلامة الراحل سعيد بن
حمد الحارثي قبل أشهر، كانت علامات الاستعداد للرحيل واضحة على الرجل
الكبير الذي كان يختم كل عبارات حديثه الوئيد بذكر الله وبحمده وبشكره،
ويغتنم فرصة الصمت بين حديثه وحديث غيره في ذكر خافت أو مسموع، وحين
يتوقف الحديث فإن حديثه بالذكر العميق لله لا يتوقف، بدا لي حينها
أنه رجل على مشارف الآخرة ، وأن حديثه الوئيد المتمهل وصوته الأجش
كان حس حكمة وإدراك، وعلى عادة علمائنا العمانيين الربانيين فإن الآخرة
خاصة حين تدنو النهاية تبقى هي ما يتحسب له وتنتفي الحسابات الأخرى
ليبقى التجرد لله فحسب، ولذلك حرص الشيخ سعيد بن حمد الحارثي حينها
على أن يتجنب مناطق الخلاف مؤثراً ـ وهو العالم بتفاصيل الخلاف ـ السلامة
من وجهة نظر منحازة، كان حريصاً بوعي نافذ وورع حذر أن يخرج منها "لا
علي ولا ليا" كما في بيت الحكمة المشهور. هذا العالم الكبير بمواقفه
الوسطية المعتدلة التي نجح عبرها على البقاء بعيداً عن التصنيفات المسبقة
داخل دوائر الفقهاء، ثم كان موئلاً لكل الأطياف المتنوعة داخل تلك
الدوائر بين الفقهاء وطلبة العلم الشرعي من أجيال مختلفة ومشارب متعددة،
كلها تراه مرجعاً فقهياً وصوت حكمة متشبثاً باعتداله، مع انجذابه الواضح
إلى تنوع الرأي الفقهي وتعدده كما سمعت ذلك في بعض مجالسه التي حضرتها
مرة قبل سنوات.
كان مدهشاً أن صوت الاعتدال والحكمة والتنوع هذا هو الذي اعتنى بتلك
المناطق المسكوت عنها والمهملة في الثقافة العمانية، بل كان رائداً
في بعضها، ولذلك كانت كل مؤلفاته رغم عددها المحدود إضافة نوعية حقيقية
للمنجز التاريخي والفقهي واللغوي بل والتربوي في خطاب الثقافة العمانية
خلال العقود الثلاثة المتأخرة، ولذلك أيضاً ـ وهو أمر بالغ الأهمية
ـ كانت مثار جدل اجتماعي وثقافي، ومثار أخذ ورد وخلاف، وهذا هو شأن
المؤلفات والكتابات الحية التي تخترق المألوف وتربك الخطاب الذي ألف
الاستقرار إلى حد الجمود. فأحد مؤلفاته "إزاحة الأغيان عن لغة
أهل عمان" هو المعجم الأول ـ ربما ـ لدراسة اللهجات العمانية
وإعادة تأصيل مفرداتها وربطها باللغة الفصحى، وهو بذلك رائد على مستوى
الثقافة العمانية للدراسات العلمية المنهجية التي أتت بعد ذلك لتطبق
المناهج العلمية الحديثة في دراسة اللهجة العمانية وخصائصها. وكانت
عناية الشيخ سعيد بن حمد الحارثي بالجوانب التربوية واضحة في جهده
العلمي حين وضع مختصراً شيقاً ورائعاً لكتاب العلامة السالمي رضي الله
عنه "معارج الآمال" ليجعل المعرفة الفقهية قريبة المأخذ
من طلبة العلم، وقدم فيه خلاصات قراءته لذلك الكتاب في مجلدين أسماهما
"نتائج الأقوال من معارج الآمال". ومن وجهة نظري فإن أهم
جهد تربوي قدمه الشيخ الحارثي كانت سلسلة كتيباته "غرس الصواب
في قلوب الأحباب" التي اعتنى فيها بالأجيال المتطلعة للمعرفة
الدينية الفقهية، وكان هذا الكتاب ولا يزال محور التدريس في مدارس
القرآن الكريم والمدارس الصيفية، وهو مرتكز تربوي إليه يعود الفضل
في نشأة أجيال من الشباب على فكر إسلامي معتدل ووسطي ومدرك لخصائص
المعرفة الدينية في نموذجها المعتدل. كان من الواضح في شخصية الشيخ
سعيد بن حمد الحارثي أنها شخصية جوابة لآفاق متنوعة يشهد لذلك تنوع
اهتماماتها التي تجلت في تأليفاته المتنوعة في اشتغالها على التأريخ
تارة وعلى اللغة تارة والفقه وتقريب مآخذه تارة أخرى، وهي شخصية جوابة
طوفت العالم، فكان أحد الرحالة العمانيين القلائل الذي طوفوا العالم
ودونوا انطباعاتهم عما رأوا، فقد جاب الشيخ رحمه الله العالم بعين
المستكشف البصير الذي يسجل دهشته أمام مفارقات الحياة خاصة حين تكون
نتيجة لافتراق الشعوب في مسالك عيشها، طوف العالم وهو يتشبث بعمانيته
وبسمته وبوقاره وبهيئته التي لم تفارقه إلى آواخر أيام حياته، وكانت
تلك التطوافات في أصقاع العالم المختلفة مورداً دفاقاً للتجارب المتنوعة
التي استوعبتها بعض مؤلفاته بروح من الطرافة العذبة والروح المرحة
المنبثة في كتاباته التي تضع الطرفة والمعرفة واللمحة الروحية والحقيقة
الإيمانية في عبارة واحدة وهي تسجل مواقفها تجاه الحياة والأحياء.
أعلى
سيف بن محمد الطوقي
:محاورات أدبية في عمر الطفولة
حاوره ـ محمد بن عامر العيسري:
للعلامة سعيد بن حمد الحارثي أقران عاشوا ذكريات الطفولة التي بقيت
محفورة في الذاكرة، حاورنا الشيخ سيف بن محمد الطوقي أحد رفاقه في
طفولته الذي قال:
عرفت الشيخ سعيد بن حمد الحارثي من خلال الزيارات المتبادلة والمتكررة
بين آبائنا. العلاقة كانت وطيدة وزادها توطيداً أستاذي الشيخ سعيد
بن عبدالله بن غابش الذي تربطه بأسرة الشيخ الحارثي روابط مودة وجوار
وعلم وتعلم.
يكبرني الشيخ سعيد الحارثي بعامين إذ ولد هو سنة 1346هـ وولدت سنة
1348هـ، ومن المواقف الطريفة التي لا أكاد أنساها المراسلات والمحاورات
الشعرية والأدبية التي كانت بيني وبين الشيخ سعيد الحارثي رغم صغر
السن. ومما بقي مخطوطاً مما تبادلناه، أبيات أرسلها إلي يستفهمني في
مسألة نحوية وكنت حينها لم أتجاوز الثالثة عشرة من عمري في حين لم
يتجاوز هو الخامسة عشرة، وهذ هي:
وفـــــــــــي نقــــــــــــي أريحـــــــي
ممجد
عنيت به سيفاً سليل محمد
أفدني عزيزي إنك اليوم مقصدي
عزيز صلاة والسلام بسرمد
محبّا عزيزاً محسناً في الشدائد
يزيح العمى والجهل يا خير مرشد
ووالدك الزاكي سليل الأماجد
تجلى علت هماته في الفراقد
تلاميذه خصوكم بعد سيدي
على المصطفى المختار أكرم سيد
عليهم سلام الله في كل مقعد
إلى الشيخ زاكي الأصل والفرع أمجد
سلالة أشراف كرام أفاضل
أخي ومودي صاحب الجود والندا
سقت ديمة غناء روضة أحمد
بنصب عزيز والسلام أفد تكن
فهاك وقد أرجو جواباً بسرعة
عليك سلام الله ما هبت الصبا
وأستاذك المرضي قدوتنا الذي
كما من هنا شيخي الكريم أخو الحجا
فهذا وصلى الله ما بارق أضا
كذا الآل والأصحاب طراً بأسرهم
فأجبته على إثرها:
وظبية بدو وشحت بالزمرد
بحسن خلاخيل عليها وعسجد
بحسن أصافير وطيب تغرد
سلبت عقولاً فامهلي وتمهدي
من الباسل الزاكي الجلال الممجد
بهمته كيوان أعلى الفراقد
رضيع المعالي والعناصر مقتدي
كما تبعت للدين أمة أحمد
أقاموا سواه سيدا بعد سيد
وتعدل عن بحر من العلم مزبد
إليه هلموا واقدموا للموارد
غريراً بآل وسط قاع ممدد
وإلا فإني في التخبط أرتدي
برد جواب مع قصور التجلد
نظاماً فخذ ما وافق الحق واحمد
بمفعولها الثاني سقت فتجرد
بقد سرت والنيل العظيم بمقصدي
إلى الحق أو لا فالقه بالتذود
بعزّ وتمكين وخير مسدد
وإخوتك الآساد نسل الأماجد
وإخوانكم في الله أهل التودد
بأثنى سلام شامل بعد والدي
يفوهون تسليماً مدى الدهر سرمدي
بودق على خير البرية أحمد
بأسجاعها فوق الغصون النوائد
بديعة حسن رصعت بالزبرجد
وحورية هذي بتيه تخطرت
وهذي طيور في الغصون ترنمت
عجيب فما هذا التنوح والبكا
أأم ذا نظام راق في الحسن والبها
سعيد بن نسل الأكرمين الذي علا
أديب لبيب عاقل متواضع
بآبائه الأسد العباهل تابعاً
له الحمد إن رب العلا اختار سيداً
أيا فارس الشرفا أترضى ببلة
فقد خلت إلا قلت ذا الماء دونكم
فذاك خيال صاح فاقصر ولا تكن
فيا صاح أرجو العذر إن أنت عاذري
فلولا الجفا ما كنت ألفظ لفظة
فإن كنت ترضى بالوشيل فهاكه
فنصب عزيز يا أخا العقل والعلا
ونصب السلام قد أراه مشابهاً
فهذا بما قد بان لي إن رأيته
أيا صاحب الشرفاء دمت مؤيداً
وخص أباك الشهم مني تحية
وأستاذكم ثم التلاميذ بعده
كما من هنا أستاذنا قد يخصكم
وإخوتنا ثم التلاميذ كلهم
فهذا وصلى الله ما انهلت السما
وآل وصحب ما تغنت بلابل
ويضيف سيف بن محمد الطوقي قائلا: والمحاورات
بيننا كانت كثيرة إلا أن الزمن أتى عليها، وفي مرضه الأخير كنت في
رحلة علاجية إلى خارج الوطن فقدّر لي أن ألتقيه هناك وقد قدم لذات
الغرض الذي ذهبت من أجله، فجلست إليه واستذكرت معه مواقف الطفولة والشباب
ووجدت ذاكرته فياضة بذات المشاعر النبيلة التي اعتادها. فكان لقاء
ووداع في أرض غير أرض الوطن، رحمه الله وغفر له.
أعلى
دور الأسرة في تكوين شخصية العلامة الحارثي
يعقوب بن سعيد البرواني
الأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع, وقد ورد في الذكر الحكيم "وكان
أبوهما صالحا" إشارة إلى المرجعية التاريخية للأسرة ودورها في
التنشئة الاجتماعية, وقديما قال العرب "وينشأ ناشئ الفتيان فينا,
على ما كان عوده أبوه", ", وتعدت دعوات السابقين لأبنائهم
بالصلاح والفضيلة, من هنا كان الشيخ سعيد بن حمد الحارثي امتداداً
لذرية صالحة كان للأسرة فيها الدور الأكبر في تنشئته وترقيه.
وإذا ما استعرضنا نسب الشيخ سعيد نجد في سلسلة نسبه رجال علم وفضل
ومنهم: الشيخ راشد بن سعيد بن رجب الحارثي جده الثامن, وكان من قضاة
الإمام سلطان بن سيف اليعربي على بلدة إبراء وله أسئلة وأجوبة فقهية
في كتابه جامع ابن رجب. ومنهم الشيخ عيسى بن راشد بن سعيد الحارثي
جده السابع وهو جد العائلتين أولاد صالح أهل القابل وأولاد حميد أهل
المضيرب, وكان عاملا للأئمة اليعاربة. والشيخ محمد بن عيسى بن راشد
الحارثي جده السادس وهو رجل من رجال الإصلاح والشيخ حميد بن عبدالله
بن محمد الحارثي جده الثاني, وهو جد الأسرة أولاد حميد ومنه تفرعوا,
وكان ذا رأي وبصيرة ومستشاراً مؤتمناً اشتهر بالحكمة ورزانة العقل
وتوفي سنة 1303هـ , وأنجب من الأبناء عبدالله بن حميد والذي لقب بطبيب
الشرق واشتهر بالطب وتوفي سنة 1350هـ , وحمدون بن حميد وكان شجاعا
مقداما توفي سنة 1360هـ , وسليمان بن حميد , كما بزغ منهم عبدالله
بن سليمان بن حميد الذي ترأس الجمعية العربية بزنجبار في بعض الدورات,
وأحمد بن حمدون بن حميد الفقيه الأديب الذي عاش بزنجبار ومات بها سنة
1387هـ ، الشيخ سليمان بن حميد بن عبدالله الحارثي جده الأول , ولد
سنة 1270هـ وكان شجاعا فارسا كريما مهابا.
كان لهذه الأسرة الطيبة دور في تنشئة الشيخ سعيد بن حمد, فمنهم استلهم
عظائم الأمور والالتفاف على عمود الاستقامة والدين, وجعل في نهجه أن
الدين هو السلعة الرابحة, وعندما يرى المرء صلاح أجداده وسيرتهم العطرة
يحذو حذوهم ويستنير بدربهم.
وقد استقدم حمد بن سليمان المربين لتربية أبنائه, فنهل سعيد بن حمد
من علوم الفقه واللغة والتاريخ وناهيك بمخالطة الأشياخ فإنها تهذب
النفوس وتلين الطبع وتنير الدرب.
كما كان لوالدة الشيخ سعيد الأثر الأكبر في تربيته فكانت تربيهم على
معالي الأمور وحب الدين, وقديما قالوا إن وراء كل عظيم امرأة فناهيك
بتربية الأمهات. وتتلمذ الشيخ سعيد بن حمد على يد نخبة من علماء الاستقامة
أشهرهم الشيخ ناصر بن سعيد النعماني المولود سنة 1330هـ ببلدة خبة
من الباطنة والذي انتقل للشرقية سنة 1356هـ , كما أخذ العلم عن الشيخ
سعيد بن ناصر الراشدي الذي عمل مدرسا في المضيرب بعد سنة 1371هـ, والمتأمل
لسيرة الشيخين يجد أنهم تتلمذوا على يد النخبة الأولى من العلماء وترسموا
منهجهم فكان أن نهج سعيد بن حمد نهجهم, وصدق من قال عنه إنه بقية من
علماء الأئمة.
وهكذا نرى في هذه الأحداث الموجهات الفكرية التي كانت تدفع الشيخ سعيد
بن حمد والتي استلهمها من القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح, وهي موجهات
اكتسبها من مخالطة العلماء العاملين في مسيرته التعليمية وتنشئته الاجتماعية.
كما كانت لأسفاره الكثيرة وتأمله في حياة الناس
والمجتمعات والثقافات والشعوب والأمم والحضارات الأثر الملموس في اتساع
أفقه وسعة مداركه.
وكان لاختلاط الشيخ سعيد بن حمد بطلبة العلم في معهد القضاء والإمامة
والخطابة (سابقاً) وترؤسه لهذا المعهد لفترة من الزمن الدور الأكبر
في تربعه في قلوب المتعلمين, فكان أن تعلقت قلوبهم معا ففتح لهم مجلسه
ليلا ونهارا وقابلهم بالابتسامة والترحاب, فلا غرو أن توافد الناس
بالآلاف لتشييع جنازته بمسقط رأسه ليلة الأحد 9 ربيع الثاني 1429هـ
/ 5إبريل 2009م.
ولا ننسى صنوه الشيخ سالم بن حمد فكانا كفرسي رهان في طلب العلم ,
وما أجمل أن يكون لك أخ يوقد فيك همة طلب العلم كلما فترت همتك, ومن
سوابق الأقدار أن انتقل الأخوان في يوم الأحد وفي أشهر ربيع / إبريل
وبينهما سنتان حيث توفي الشيخ سالم يوم الأحد 2 ربيع الأول سنة 1427هـ
الموافق 30 إبريل سنة 2006م.
وهكذا انطوت يوم الأحد مسيرة الشيخ سعيد بن حمد, ليكتب له التاريخ
صفحات من نور, ويستنير بسيرته أصحاب اللب والبصيرة, فرحم الله شيخنا
وأسكنه الفردوس من الجنان.
أعلى
مكوّنات الشخصية عند العلاّمة سعيد بن حمد الحارثي
سالم بن سعيد البوسعيدي
كنت في سنوات دراستي الأولى في أدم بين كتاتيبها ومساجدها نتعلم بعض
الكتب الصغيرة بأجزاء مختلفة، كنت أحب أسلوبها وأحيانا أحاول سرقة
بعضها لأقرأها في البيت حتى أرجعها بعد حين، كانت أجزاءً متعددة تحمل
عنوانا واحدا "غرس الصواب في قلوب الأحباب"
أعجبني الاسم كثيرا، وأكثر ما أعجبني كلمة الأحباب، كنت استشعر خلالها
حناناً متدفقاً ينهمر من خلالها ويقع على قلبي متدفقا رقراقا لتزهر
بساتيناً من الحب والطمأنينة والتواصل، أحسست أنها ليست كلمات فقهية
فقط بل أنها تحمل شيئا من الإشعاع العاطفي الآسر، لعليّ لم أتعوّد
في كتابات الفقهاء تلك العاطفة بل تعودت الصرامة، وخطاب التقرير أذكر
أنني كنت أقول : ليتني أعرف مؤلفها ، كانت تصدر مذيلة على الغلاف بـ
"مشائخ دار القرآن"، كنت أسأل الشيخ أين تقع دار القرآن
تلك ، وكان يرد عليّ : " لا أعرف " فأقول في نفسي رائع أن
يجمع الإنسان بين العلم والفقه والتواضع وحب الناس وكبرت قليلاً و
إذا بكتاب آخر يقع بين يدي يقرره علينا المدرّس وهو "نتائج الأقوال"
وقد كتب أسفله تأليف الشيخ العلامة سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي
، قرأت الكتاب وقلت" لقد عرفت مؤلف "غرس الصواب ، إنه ذات
الشيخ" لقد تعلمت من الكتابين الأخلاق و التواضع و الوضوح أكثر
من معلومات فقهية عارية يعرضها أي فقيه، وكانت بداية علاقتي مع الشيخ.
ومذ ذلك التاريخ وأنا أرقبه قارئاً وأتابعه قدوة و كان من حظي أن أتابع
مؤلفات الشيخ حتى كان يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الآخر / السادس
من إبريل حيث انهالت علي رسائل النعي بوفاة الشيخ، وفقد الوطن -كل
الوطن- قامة دينية ووطنية وفكرية وسلوكية وتاريخية برحيله طيب الله
ثراه.
ولكن ما رحل من ترك مدرسة بحجم إرث الشيخ، فقد قامت مقام جامعة حية
تمتع العقل وتلهب الشعور وتقدّر الإنسان أيا كان:
مكارم لن تبيد ولن تنالا
فقد كانت تطول به اختيالا
من العلماء أنبلهم فعالا
مضى لسبيله حقا وأبقى
فإن يعلو البلاد له خشوعٌ
أصاب الموت يوم أصاب منا
ما آلمني حقا أن تمر أخبار رحيل النابهين من العلماء والمخلصين من
علماء الدين والوطن دون أن نجد لها صدى فيما نقرأ ونشاهد في برامج
ونسمع ، على كثرة من يطبل لهم و يزمر من أعلام الفكر السطحي و الفن
الهابط.
ولكن الراحل بعض من أسلم وجهه إلى الله وهو مؤمن واستمسك بالعروة الوثقى
وجاهد في سبيل عقيدته ووطنه، فلم تكن الشهرة همه في حياته وهو في غنى
عنها بعد وفاته، إنما من يحتاج ذلك الوطن و أبناء الوطن، والتاريخ
و روّاد التاريخ :
نواحيه أكفانا عليك ثيابها
وقد سدّ من دون العوائد بابها
سقى الله قبرا يا سعيد تضمّنت
وحفرة بيتٍ أنت فيها موسّد
فمن الناس من تقرأ حياتهم فتخالها أسطورة خرافية
لما حوت من غرائب الشجاعة وعجائب الإصرار والإرادة وفن التضحية وعناصر
البذل والترفع عن الأنانية، وهي مفردات يتعذّر في العادة أن تجتمع
في فرد واحد في مثل هذا الزمن الطافح بالأنانية وحب الظهور والشهرة.
لكن ندرتها لا تعني استحالتها فأنت إذا قرأت "نور الدين السالمي"
ظننت أن الرجل معجزة خارقة، إذ كيف استطاع وحده أن يبعث الحياة في
شعب أثقلت كاهله عوامل الفقر والمرض والجهل فإذا به يبعث مشروعه الإصلاحي
العلمي، ولنا أن نضم إلى أسطورة السالمي العلمية أسطورة الشيخ الحارثي
الأخلاقية ، الذي كان في جميع أدوار حياته مثال الدأب المتواصل والكفاح
النشيط والعمل الرزين والفكر المتسامح و التقدير الصائب وهو في ذلك
كله يثير في النفس رغبة جامحة في التوغل في جوانب شخصيته الباهرة حدّ
الذهول فقد كان أمة وحده في كل مفردات حياته الباهرة، وإن موهبة مثل
الشيخ الحارثي كيف يمكن أن نجد من يتنكر لها .
أعلم أن الشيخ لا تعجبه الإطراءات فليعذرني ، فهذه الإطلالة إضاءة
للشباب المسلم ليتعرف على سر هذا الرجل الذي ودعته عمان، وهي محاولة
لإضاءة جانبٍ من جوانب شخصية الشيخ، ومن يريد معرفة الشيخ ليس بحاجة
لمراجعة الوثائق بقدر ما هو بحاجة إلى قراءة كتبه والجلوس معه، واليوم
أكتب عنه وقد غادرتنا روحه الزكية متوجعين لفقده، متأملين في إرثه:
أكذا الزمان يضعضع الأجبالا
حتى إذا ملأ الأقالم زالا
هيهات كلفتَ الزمان محالا
أكذا المنون يقطّر الأبطالا
جبل تسنمت البلاد هضابه
يا طالبا من ذا الزمان شبيهه
وأنت تعجب - وحق لك العجب - حين ترى الشيخ في مصلاه في الثمانين من
عمره يقرأ و يشرح ويسبح و يفكر و يرجح وهو مع كل ذلك مبتسم الثغر واضح
الجبين وقد آثر أن يكون جنديا يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
يؤلف في صمت - وأحسبه لا يحب أن يكتب حتى اسمه على غلاف كتاب كغرس
الصواب- ويعظ في هدوء - قال عنه أحد العوام لو كان في عمان مثل وعظه
الهادئ لصلحت البلاد في ثلاثين يوما- ويرحل في مثابرة وتحدٍّ - فالمؤمن
لا يجهل ما حوله، ويترك للأيام أن تنضج بذوره الطيبة دون تعجل.
صحيح أن الشيخ ليس دكتورا في جامعة ولا طبيبا في مشفى ولا تاجرا في
سوق لنجله فوق مفهومنا المادي البسيط.
لكنه طبيب من نوع خاص ودكتور في جامعة الروح وتاجر في سوق الآخرة تلك
هي الوظائف الجديرة بالاحترام حقا.
في كل كتبه ما زال يدعونا لنطهر نفوسنا من عفن المادة يذّكرنا بتاريخنا
وآبائنا وعناويننا وحقيقتنا ليخلصنا من جاذبية الدنيا وضغط المادة.
نعم أكلنا كثيرا من بساتينه المتنوعة، قطفنا ثمارا فقهية وفواكه عقدية
وزيتونا سلوكيا وأدوية تعلمنا كيف نطبب جراحنا ما أعرف أننا بفقده
فقدنا جامعة سلوكية كل الأشياء في ردهاتها وأزقتها إسلامي حتى النخاع:
ويخطر بين اللمس والقبلاتِ
وتدفعه الأنفاس مستعراتِ
وضاقت عيون الكون بالعبراتِ
مشى نعشه يختل عجبا بربه
تكاد الدموع الجاريات تقله
بكى العلم فارتجت له الأرض رجة
أعلى
وقل اعملوا
العقود المنظمة للأجر في الاقتصاد الاسلامي
الجعالة
أيها القراء الأعزاء:
كنا نتحدث في الحلقة الماضية عن النوع الثاني من أنواع العقود المنظمة
للأجر في الاقتصاد الاسلامي وهو (الجعالة) وسنكمل ما تبقى لنا من بيان
حول هذا الموضوع.
*أهم أحكام الجعالة:
1/ يجوز للجاعل أن يزيد أو ينقص في الجعل قبل الفراغ من العمل, وإذا
علم العامل بذلك فإنه يستحق ذلك الجعل, أما إذا لم يعلم بالزيادة أوالنقصان
وعمل فإنه يستحق أجر المثل, لأن النداء الثاني ـ بالزيادة أو النقصان
ـ فسخ من المالك, والفسخ أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أجر المثل.
2/ يجوز لكل من الجاعل او العامل المعين الفسخ قبل تمام العمل, لأن
الجعالة عقد جائز من الطرفين, ولو فسخ الجاعل بعد شروع العامل بالعمل
فله أجر المثل لما عمله.
3/ يد العامل على ما وقع فيها إلى أن يرده إلى المالك يد أمانة, فلا
يضمن إلا بالتعدي أو التقصير. ولو تلف المردود قبل وصوله إلى مالكه
بغير تسبب المالك في تلفه فلا يستحق العامل الجعل, بخلاف ما إذا تسبب
المالك في هلاكه فإن العامل يستحق الجعل.
على الرغم من أن الجعالة نوع إجارة, لوقوع العوض في مقابلة المنفعة
إلا أنها تختلف عن الإجارة في بعض الأحكام التالية:
صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه.
صحة الجعالة على عامل غير معين.
العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل.
لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل بالقبول.
يشترط في الجعالة عدم التأقيت لمدة العمل.
جهالة العوض في بعض الأحوال, ففي رواية عند بعض أهل العلم أن الجعالة
تصح مع الجهل بالعوض إذا كان الجهل لا يمنع التسليم, كقول الجاعل:
من رد ضالتي فله ثلثها.
الجعالة عقد غير لازم.
سقوط كل العوض بفسخ العمل قبل إتمام العمل المجاعل عليه.
ثالثا: الاستصناع
لعقد الاستصناع أهمية كبيرة في الحياة الاقتصادية المعاصرة, إذ أن
الأفراد يحصلون على عدد من المنتجات من خلال المعروض الفعلي منها,
كما أن العدد من الصفقات الصناعية اليوم إنما تتم من خلال طلبات خاصة
تتقدم بها شركات أو مؤسسات أو حكومات حرصا على الظفر بمصنوعات تتسم
بالجودة والإتقان. وهذا النمط من التعامل يكتسب أهمية كبرى في الحياة
الاقتصادية, فضخامة هذه الصفقات وتكررها تعني أنها تشبع حاجة متزايدة
لدى كلا الطرفين: الصانع والمستصنع, ومن ثم لدى كل الأفراد, والقطاعات
في المجتمع.
هذا وقد تناول بعض أهل العلم عقد الاستصناع بشكل مفصل وشامل حيث عدوه
عقدا مستقلا لذا سنذكر مفهومه ومشروعيته والأحكام المتعلقة به.
مفهوم الاستصناع
الاستصناع لغة: مصدر استصنع الشيء, أي: دعا إلى صنعه, ويقال: اصطنع
فلان بابا: إذا سأل رجلا أن يصنع له بابا, كما يقال: اكتتب أي: أمر
أن يكتب له.
وشرعا: عقد على مبيع في الذمة, شرط فيه العمل. كذا عرفه بعضهم. والأصح
عندهم أن الاستصناع عقد بيع ـ وليس وعدا ـ إلا أنه بيع من طبيعة خاصة,
وسمي استصناعا لتمييزه عن البيع المطلق بأمرين أساسيين هما: إثبات
خيار الرؤية فيه مطلقا, أما البيع المطلق فلا يثبت فيه إلا بالشرط
ـ واشتراط العمل فيه ـ أما المبيع المطلق فلا يشترط فيه العمل.
إعداد /علي بن عوض الشيباني.
أعلى
الحكمة من الزواج
تحدثت في لقاء سابق عن الحث على الزواج والترغيب
فيه، واليوم بإذن الله تعالى نذكر الحكمة من الزواج، حتى يتبين لنا
مدى عظمة الإسلام عندما يدعونا إلى الرجوع للفطرة التي فطر الله الناس
عليها.
وأول هذه الحكم: أن الزواج يصرف النظر عن التطلع إلى ما لا يحل له
ويحصّن الفرج ويحفظه كما قال صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من
استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج).
ثانيا: أنه يبعث الطمأنينة في النفس، ويحصل به الاستقرار والأنس، قال
تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل
بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
ثالثا: أنه سبب لحصول الذرية الصالحة, التي ينفع الله بها الزوجين
وينفع بها مجتمع المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود
الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).
رابعا: أن الزواج سبب لنموّ غريزة الأبوة والأمومة, لدى الزوجين في
ظلال تربية الأطفال، وتنمو مشاعر الود والعطف الحنان.
خامسا: الشعور بتبعة الزواج مما يبعث على النشاط والجد في طلب الرزق
وبذل الوسع في ذلك، حتى يستطيع الزوج القيام بكفالة زوجته ونفقتها
وتوفير الراحة لها وصيانتها ورفعتها عن التبذل والامتهان في طلب مؤنتها
وإعزازها من الذلة والعنوسة والكساد في بيت أهلها.
سادسا: ومن حكم الزواج وضع الغريزة الجنسية في موضعها الطبيعي في الحلال
وهو أنسب مجال حيوي لإشباع الغريزة الجنسية.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة
شيطان فإذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه فليأت أهله فإن ذلك يرد ما
في نفسه)
هذه بعض حكم الزواج. وبعد الذي ذكرت من حكمة الزواج هل بعد هذا يتردد
أعزب عن الزواج؟ أو هل يحجم ولي امرأة عن تزويج ابنته؟ ويعضلها ويجلسها
في البيت حتى العنوسة؟
أرجو ألا يكون شيء من ذلك, وأتمنى أن يُسهًل أولياء الأمور تزويج أبنائهم
وبناتهم, لكي تقل الفواحش التي من أهم أسبابها هو الصد عن الخير وإعاقة
أمر الزواج, وتصعيبه أمام شبابنا المستهدف، من أعداء الدين الذين يتربصون
بهم الدوائر, من إغراء وتهييج، وإثارة حتى يقع هؤلاء الشباب ضحية المرأة
العارية التي ليس لها هم سوى إغواء الشباب البعيد عن الزواج حتى يصبح
هذا الشاب ليس له همّ ولا طموح, ليكون لنفسه, حياة زوجية سعيدة, بل
يذهب إلى هنا وهناك ليطفئ سعار الشهوة المتهيجة في نفسه، فالله الله
في فتيانكم وفتياتكم يسّروا أمر الزواج ولا تعسروه, وكونوا مفاتيح
للخير مغاليق للشر.
وأما عن غلاء المهور فنقول: إن غلاء المهر سبب رئيسي لإحجام الكثير
من شبابنا, وعزوفهم عن الزواج خوفا من أن يثقل أحدهم كاهله بدين يصعب
على الجبال الراسيات حمله، ولقد استنكر النبي صلى الله عليه وسلم:
المغالاة في المهور، كما ورد ذلك عنه في الحديث الصحيح أنه قال لرجل:
(على كم تزوجت)؟ قال الرجل: على أربع أواق يعني من الفضة، فقال له
عليه الصلاة والسلام: (على أربع أواق، كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا
الجبل) قال العلماء: أنكر عليه هذا المبلغ لأنه كان فقيرا، فالفقير
يكره له تحمل الصداق الكثير, بل يحرم عليه إذا لم يتوصل إليه إلا بمسألة
أو غيرها من الوجوه المحرمة والغني يكره له دفع المهر الكثير إذا كان
من باب المباهاة، ولأنه يسن سنة سيئة لغيره: وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(خير الصداق أيسره) وقال أيضا: (أكثر النساء بركة أيسرهن مؤونة).
فالتوسط هو الأفضل, والوليمة بمناسبة الزواج مستحبة فقد قال النبي
لبعض أصحابه لما تزوج: (أولم ولو بشاة) وهي على قدر حال الزوج فلا
ينبغي الأغنام الكثيرة أو الإبل. ثم لا تؤكل ويُلقى بلحمها إلى القمامة
أو يهدر في التراب إن بساطة المهر، وقلة تكاليف حفل الزفاف، خطوة تحتاج
إلى عزيمة صادقة وهمة عالية، ولا نُبالي بأقوال سفهاء الناس ودهمائهم.
فنحن نطالب أولياء الأمور: أن يتقوا الله في بناتهم وألا يكونوا حجر
عثرة أمام تزوجهن، وأن يبادر أحدهم بالبحث عن الزوج الكفء لابنته إن
لم يتقدم إليها أحد ولا عيب في ذلك, كما فعل عمر بن الخطاب عندما بحث
بنفسه عن زوج لابنته حفصة رضي الله عنها, فتزوجها الرسول عليه الصلاة
والسلام، وهذه أفضل من أن يمانع, من زواج ابنته ويعرضها بعد ذلك، لأمور
لا تحمد عقباها فلنتنبه لهذا الأمر جيدا. ومن العقبات أيضا: تأخير
زواج البنت بحجة الدراسة حتى يصير عمرها خمسا وعشرين أو ثلاثين سنة,
فلا يفكر حينئذ أي أحد أن يتقدم للزواج منها لأنها قد كبرت ولم تصبح
أهلا للزواج، وليس معنى هذا أننا لا نرى دراسة المرأة بل تدرس وتطلب
الشهادات العليا لكن إن تقدم إليها عريس وكان كفؤا فلترض به ولتتزوج
ولا تتعذر بالدراسة لأنه قد يكون أول عريس وآخر عريس ويفوتها القطار
وتعض بعد ذلك أصابع الندم.
ومن العقبات: ما يفعله بعض الناس من تحجير المرأة على ابن عمها أو
قريبها لا يزوجها إلا به ولو كانت لا تريده وهذا من الخطأ ومن الظلم.
وفي الختام نسأل الله التوفيق لكل المسلمين والمسلمات اللهم آمين.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
النظافة والطهارة
كان من أول ما أوحى الله به إلى نبيه أن قال:
(يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) وما
قوله سبحانه وتعالى وثيابك فطهر إلا لأهمية الطهارة والنظافة ولأنها
صفة يحبها الله عز وجل.
وفسر بعض المفسرين الطهارة هنا بطهارة ونظافة الداخل والخارج، وبطهارة
السر والعلانية، فطهارة الخارج أن يكون العبد نظيفاً أنيقاً، وذلك
يجعل له ولدعوته القبول عند الناس، وطهارة السر: أن تكون النفس بعيدة
عن أدران المعاصي ووسخ الذنوب، وألا ينعقد القلب على الضرر أو الخداع
أو نحو ذلك من الصفات الذميمة.
ولما كان المسلم في عبادته يتصل بالملك القدوس أي المتنزه عن النقص
والعيب، في ذاته وفي أفعاله وفي صفاته سبحانه، لما كان المسلم يتصل
في عبادته بالملك القدوس ناسب أن يكون حاله موافقاً لمقامه، فلا بد
من طهارة المكان الذي يقوم فيه: (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع
السجود) الحج:26 ولا بد أن يتطهر من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فالطهارة
من الحدث الأصغر تكون بالوضوء. والطهارة من الحدث الأكبر وهو الجنابة
أو الحيض أو النفاس تكون بالاغتسال، بل الصلاة نفسها طهارة من الدرن
ومن الذنوب والخطايا يقول النبي الكريم والرسول العظيم صلى الله عليه
وسلم (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه
كل يوم خمس مرات) رواه مسلم، وسن النبي اهتماماً بالطهارة والنظافة
وحسن المظهر الاغتسال يوم الجمعة قال (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر
ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق
بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما
بينه وبين الجمعة الأخرى) وحتى يناجي العبد ربه بفم نظيف طاهر قال
(لولا أن أشق على أمتي ـ أو قال على الناس ـ لأمرتهم بالسواك مع كل
صلاة) متفق عليه. وصرح النبي بأهمية السواك فقال (السواك مطهرة للفم
مرضاة للرب) وسن الهادي البشير خصالا أخرى عدها من الفطرة كما تروي
ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله (عشر من الفطرة:
قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر،
وغسل البراجم "أي عقد الأصابع ". ونتف الإبط، وحلق العانة،
وانتقاص الماء "أي الاستنجاء") قال الراوي (ونسيت العاشرة
إلا أن تكون المضمضة) رواه مسلم.
وبيوت الله أولى الأمكنة بالتنظيف والتطهير لذا نجد الرسول يقول (البزاق
في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) متفق عليه. هذا إن كانت أرض المسجد
ترابا وإلا أزالها بأي طريقة مناسبة من غسل أو حك أو مسح أو غير ذلك
كما فعل رسول الله، فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تروي عن رسول
الله (أنه رأى في جدار القبلة مخاطاً أو بزاقا أو نخامة فحكه) متفق
عليه.
ومن هنا يتضح لنا خطأ الذين يدخلون بنعالهم المتسخة على فرش المسجد
يمرون بالماء في الشوارع وبالقذر ثم يدوسون بتلك النعال على مفارش
بيت الله، وعلى مواطن سجود جباه المسلمين، وترى أحدهم يدوس بقدميه
حافيا في مواطن القذر ولا يستبرئ قدميه قبل دخوله إلى بيت الله!! أو
تراه يطيل ثوبه إلى ما دون الكعبين فيعصي ربه، ويمسح الأوساخ والأقذار
بذيل ثوبه ثم يدخل به إلى المسجد ليؤذي من يصلي بجواره ولينقل إلى
ساحة المسجد ذلك القذر وتلك النجاسة.
إن في هذا الدين مراعاة لشعور الناس وحفظا لأحاسيسهم ومشاعرهم مع حرصه
الشديد كما بينا على مظاهر الطهارة حتى لتجد النبي لما خطب الناس يوم
الجمعة فرأى عليهم ثياب متسخة فقال (ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ
ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته) رواه ابن ماجة. يريد النبي من أصحابه
وأمته أن تكون في أبهى صورة، وأزهى حلة، وأطيب ريح، ولا سيما فى حال
العبادة، وترك النظافة والطهارة قد يكون فيه أذى شديد للمؤمنين والمؤمنات،
والله تعالى يقول: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا
فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) الأحزاب:58 وهنا نرى رسول الرحمة
مرة أخرى يحذرنا من ذلك فيقول (اتقوا اللعانيْن. قالوا: وما اللعانان؟
قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) رواه مسلم (ونهى رسول الله
أن يبال في الماء الراكد) رواه مسلم عن جابر. فالمسلم مطالب بالطهارة
والنظافة في سره وفي علانيته، في عباداته وفي عاداته، في نفسه وفي
أهله، في بيته وفي مسجده، في حضره وفي سفره، في يومه وفي غده، بل في
كل أيام عمره.
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
|