|
فتاوى وأحكام
ـ الإنسان يسعى إلى تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلّم والاقتداء
به بقدر إمكانه ولكن في بعض الأحيان لا يجد تلك العاطفة المتنامية
التي تدفعه إلى تقديم الكثير من صور القدوة ، فما هي الطرق التي يقوي
بها الإنسان عاطفته تجاه النبي صلى الله عليه وسلّم ؟ وهل الذي قصّر
في ذلك ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلّم ( لا يؤمن أحدكم
حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده ) ؟
النبي صلى الله عليه وسلّم بيّن أن حبه بعد حب
الله سبحانه وتعالى من مقتضيات الإيمان بالله وبه صلى الله عليه وسلّم
، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة
الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء
لا يحبه إلا في الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف
في النار.
ويقول صلى الله عليه وسلّم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
وولده والناس أجمعين.
ويقول : والذي نفسي بيده لا يؤمن حتى أكون أحب إليه من والده وولده
.
والرسول صلى الله عليه وسلّم يبين لنا قيمة حبه في موازين الإيمان
وذلك بعد حب الله .
ولا ريب أن الحب ينشأ في نفس الإنسان تجاه غيره لأحد سببين: إما تفوقه
عليه وعلى غيره، وإما بسبب يد سخية كانت منه عليه بحيث قدمت إليه خيرا
.
وعلى كلا الأمرين النبي صلى الله عليه وسلّم يجب أن يفوق حبه حب الناس
أجمعين، على كلا الاعتبارين، فإذا جئنا إلى عظم قدره صلى الله عليه
وسلّم ، فمن من البشر من يسامي النبي صلى الله عليه وسلّم في قدره
؟ مَن مِن البشر يصل إلى ذلك المقام الرفيع الذي رفع الله عز وجل نبيه
صلى الله عليه وسلّم إليه ؟
حسبنا هذا الثناء الذي في القرآن الكريم على شخص النبي صلى الله عليه
وسلّم ، وحسبنا أن الله عز وجل كما قرن كلمة التوحيد بالشهادة له صلى
الله عليه وسلّم بالرسالة ، حيث أُمرنا أن نقول أشهد أن لا اله إلا
الله وأشهد أن محمد رسول الله .
وحسبنا أن في الأذن يتردد ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه
وسلّم .
وحسبنا أن نجد في كتاب الله سبحانه أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم
تُقرن بطاعة الله عز وجل .
وحسبنا أننا نجد في كتاب الله أن الوعيد على معصية الرسول صلى الله
عليه وسلّم يقترن بالوعيد على معصية الله عز وجل.
إذن هذا قدر رفيع رفع الله تعالى إليه النبي صلى الله عليه وسلّم .
فإذا جئنا إلى عظم شخصيته صلى الله عليه وسلّم نجد في القمة.
وإذا جئنا أيضاً في نفس الوقت إلى ما كان فضل على الإنسانية فهو يفوق
الناس جميعاً في ذلك، بل النبي صلى الله عليه وسلّم كان رجلاً حانياً
كريماً يحنو على هذه الإنسانية ويحب أن ينقذها من ورطتها ، ويحب أن
يخلصها من مأزقها ، ويحب أن يدخلها في رحمة الله تعالى ، فإذن كان
بهذا القدر وتفانى وصبر وصابر من أجل إبلاغ هذه الدعوة ، ولولا هذا
التفاني ولولا هذا الصبر الذي كان بتوفيق الله لما وصلنا إلينا من
الإسلام شيء ، فإذن هو أولى بأن يُحب فوق الناس جميعا .
هذه المشاعر عندما تمتزج بأحاسيس الإنسان لا ريب أنه في هذه الحالة
يحس بقدر شخص النبي صلى الله عليه وسلّم ، ويجتمع الشعور النفسي مع
التفكير العقلي حتى يصير الإنسان مقدراً لشخصه صلى الله عليه وسلّم
ومعظماً له ومتفاعلاً مع هذا الإحساس الذي يصدر عنه .
ـ شخص يقوم بشراء أرض وهو لا يستطيع تحديد موقعها كونه لم يُدل عليها
ولكن أرقامها واضحة بياناتها واضحة عادة تكون في المواصفات ، ما حكم
هذه المعاملة ؟
البيع والابتياع لا بد من أن يكون بطريقة واضحة
سليمة ليس فيها غرر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر،
والغرر بيع الشيء الذي يُجهل، كأن يبيع شيئاً في ظرف من غير أن يُنقش
الظرف ويُعرف ذلك الشيء وتُعرف ماهيته أو يُعرف وصفه كما هو، أو بيع
ما لم يُدرِك كذلك هو من بيوع الغرر ، وكذلك بالنسبة إلى ما جُهل الشيء
المجهول، لأن هذه الأرض قد يختلف ثمنها بين مكان وآخر، قد تكون في
مكان ما أكثر ثمناً وفي مكان آخر أقل ثمناً، ولذلك يجب أن يكون الموقع
معروفاً لأجل تفادي الغرر ، فإن الغرر يُمنع إذ لا يجوز لأحد أن يأخذ
مال أخيه إلا بحق ، وهذا ليس حقاً ما دام هو لا يعرف حقيقة المبيع
، ولا عبرة بمعرفة مواصفات الأرض ، فقد تكون الأرض بمواصفات معينة
هذه المواصفات تختلف قيمتها ما بين مكان ومكان آخر فإن للأمكنة تأثيراً
في رفع السعر أو خفضه .
ـ هل يجوز شراء شقة بواسطة مكاتب عقارية هي لم تزل قيد التخطيط ، واضح
في التخطيط حجمها وواضح أيضاً ربما ما قد يستخدم فيها ولكن هي غير
مشيدة إلى الآن ؟
هذا من بيع غير الحاضر ، بيع غير الحاضر لا يكون
إلا بطريقة السَلَمْ ، وطريقة السَلَمْ أباحها النبي صلى الله عليه
وسلّم عندما جاء إلى المدينة المنورة أباح البيع بطريقة السَلَمْ لأجل
رفع الحرج عن الناس كانوا يُسلمون في الحبوب التي كانوا يشترونها ،
فالنبي صلى الله عليه وسلّم أباح على أن يكون السَلَمْ في كيل معلوم
أو وزن معلوم بحيث يضبط المُسْلَم فيه من حيث الكيل أو من حيث الوزن
مع ضبط الجنس لا بد من ذلك ، أما ما عدا ذلك فقد اختلف الفقهاء فيه
، منهم من رخص في العروض أن يُسْلَم فيها قبل أن تحضر ولو كانت غير
طعام ، ومنهم من حصر السَلَمْ في الطعام كما كان فعل النبي صلى الله
عليه وسلّم إذا أقر أهل المدينة على هذه المعاملة .
ونحن نرى بالنسبة إلى العروض إن كانت مما يمكن ضبطه بالدقة بحيث يضبط
طوله وعرضه إن كان مما لا يوزن وتضبط جميع أوصافه كأن يكون السَلَمْ
في سيارة مثلاً يؤتى بها من مكان بعيد فلا حرج ، أما في الأصول فإن
السَلَمْ في الأصول لم أجد دليلاً على جوازه ، كيف يجوز السَلَمْ في
الأصول هذه أصول ثابتة وليست بعروض ، والسَلَمْ هو بيع غائب بحاضر
أي أن يباع بنقد بكيل معلوم أو وزن معلوم كما أخبر النبي صلى الله
عليه وسلّم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالة الاحتفال بمولد خير البشر
السرحني:
علينا أن نتأسى بصاحب الذكرى فهو الأسوة والقدوة الحسنة
وأن نغير الخطاب الدعوي بحيث يكون خطاباً يرتكز على الحكمة والدليل
والبرهان
والوحدة والتعاون والاتزان
حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي حياة الكون
بأسره
رسالته صلى الله عليه وسلم روح تسري في الوجود
كله
اصطفى الله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون شاهداً
على الناس جميعاً
علمنا الرسول أن ننزل الناس منازلهم فنعاملهم
معاملة طيبة تليق بهم
حاوره ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
ما زلنا أخي القارئ الكريم في هذه الأيام نحتفل بذكرى سيرة الرسول
ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث
طويل ذو شجون، حديث لا ينتهي، حديث لا يمل ولا يسئم منه؛ لأنه حديث
عن الوجود بأسره، وعن الكون كله، وعن الحياة ذاتها، إنه حديث عن الإسلام
بكل مراميه ومعانيه، وبكل مبادئه وتعاليمه. ولكي نأخذ من هذه السيرة
الدروس العبر فحديث السيرة النبوية حديث جلل ينبغي على المسلم أن يكرس
عمله وعلمه من خلال المنهج الذي رسمه الله تعالى للعبادة فحري بنا
نحن في الوطن الديني ( الدين الحياة) أن نطوف بالقارئ الكريم عن سيرة
المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خلال هذا اللقاء مع الشيخ الدكتور
يوسف بن إبراهيم السرحني...
دلالة الاحتفال
مازلنا هذه الأيام نحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف فما دلالة هذا
الاحتفال؟.
يعيش المسلمون هذه الأيام في مشارق الأرض ومغاربها غمرة الاحتفال بالمولد
النبوي الشريف، حيث يكثر الكلام نثراً وشعراً عن هذه المناسبة الجليلة
وهذه الذكرى الخالدة تعبيراً صادقاً عن حب النبي صلى الله عليه وسلم.
إن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث طويل عريض، حديث ذو شجون،
حديث لا ينتهي، حديث لا يمل ولا يسئم منه؛ لأنه حديث عن الوجود بأسره،
وعن الكون كله، وعن الحياة ذاتها، إنه حديث عن الإسلام بكل مراميه
ومعانيه، وبكل مبادئه وتعاليمه، وبكل دلالاته وأحكامه، وبكل كلياته
وجزئياته، والمتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يجد نفسه بين أمرين
هما: الخوف والحيرة، أي يكون خائفاً وفي الوقت ذاته يكون متحيراً،
يكون خائفاً خشية التقصير في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون متحيراً
من أين يبدأ الحديث؛ من أي جانب من جوانب عظمة النبي صلى الله عليه
وسلم، ومن أي زاوية من زوايا حياته صلى الله عليه وسلم، ومن أي جانب
من جوانب سيرته الزكية العطرة.
هل يكمن أن تسلطوا الضوء على جوانب عظمة النبي صلى الله عليه وسلم؟.
إن حياة النبي صلى الله عليه وسلم عظيمة بكل دلالاتها وأبعادها، عظيمة
بكل مجالاتها وجوانبها. إنها عظيمة في مداها الزماني، واتساعها المكاني،
وبعدها الإنساني، وفي شمولية موضوعاتها. هي عظيمة بكل مقاييس العظمة
الحقيقية وموازينها، فعظمة أي إنسان إما أن تكون بصفاته الشخصية الكريمة
التي يتصف بها، وإما أن تكون بما يقدمه من أعمال جليلة، وإما أن تكون
بما يتركه من آثار حميدة، والنبي هو وحده فقط الذي جمع العظمة بكل
أطرافها، فكان صلى الله عليه وسلم عظيم الأخلاق والخصال، وعظيم الأفعال
والأعمال، وعظيم المآثر والآثار، وهو حده الذي كشف حياته كلها للناس
كافة، فكانت كتاباً مفتوحاً، ليس فيه صفحة واحدة مطوية، أو سطر واحد
مطموس، يقرأ فيه من شاء ما شاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم لو لم يكن
خاتم الأنبياء والمرسلين لكان - بلا نزاع - أعظم العظماء، وبطل الأبطال
على الإطلاق.
حياة النبي صلى الله عليه وسلم هي حياة الكون بأسره، هي حياة الإنسانية
جمعاء، لذلك أقسم الله تعالى بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم
يقسم بحياة أحد غيره من البشر، يقول الله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ
لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)، وفي هذا القسم تشريف عظيم، ومقام
رفيع، وجاه عريض، قال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه قال: " ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً
أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد
غيره "
إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم روح تسري في الوجود كله سريان الروح
في الجسد، وسريان الدم في العروق، وسريان الماء في الشجر، وسريان الضوء
في الكون، وسريان التيار الكهربائي في الأسلاك، فالله تعالى أمر أن
يذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذكر اسمه تعالى في الأذان،
وفي الصلاة، فاسمه صلى الله عليه وسلم يتردد في الكون كله في كل لحظة
على مدار الساعة، فها هم خلفاء بلال رضي الله عنه يرفعون الأذان خمس
مرات في اليوم والليلة، فيذكرون اسم النبي صلى الله عليه وسلم شاهدين
له بالرسالة، بعد أن يذكروا اسم الله تعالى شاهدين له بالوحدانية "
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا لله، أشهد أن محمداً
رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله ".
ولمزيد من التكريم والتشريف والرفعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن
الله تعالى وملائكته يصلون على النبي، كما أمر سبحانه المؤمنين بالصلاة
والسلام عليه، قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا? فهل هناك إنسان يذكر أكثر من محمد صلى الله
عليه وسلم؟، وهل هناك إنسان يصلى عليه أكثر من محمد صلى الله عليه
وسلم؟، وهل هناك إنسان يسلم عليه أكثر من محمد صلى الله عليه وسلم؟.
الإجابةُ: قطعاً بالنفي لا، وألف لا، فهنيئاً لرسولنا الكريم المصطفى،
ونبينا الأمين المجتبى، هذه الرتبة السامية الفريدة، والمكانة السامقة
التي أُكرم بها من قبل ربه عزَّ وجلَّ.
التربية الإلهية والإعداد الرباني
هل بالإمكان الحديث عن رعاية الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم
وإعداده لحمل الرسالة الإسلامية؟.
من المعلوم أن والد النبي صلى الله عليه وسلم وهو عبد الله بن عبد
المطلب قد مات والنبي صلى الله عليه وسلم جنين في بطن أمه السيدة آمنة
بنت وهب، ثم ماتت أمه وهو في سن السادسة من عمره، يقول الله تعالى:?أَلَمْ
يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى?، ويقول سبحانه: ?وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ?،
وقد سأل أبو بكر الصديق ذات يوم النبي صلى الله عليه وسلم، قائلاً
له يا سيدي يا رسول الله: لقد خالطت العرب والعجم فلم أجد أحداً أكثر
منك أدباً، فمن أدبك؟، قال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي "،
وعندما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قالت: " كان خلقه القرآن " وقد عُرف منذ صغره
بمكارم الأخلاق، وجميل الخصال، ومحاسن الصفات، واشتهر بين قومه بالصدق،
والأمانة، حتى لقب بالصادق الأمين.
إن هذه التربية الإلهية، والإعداد الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم
إنما كان لأجل أمرين جليلين هما:
الأول: أن الله تعالى هو وحده يعلم حقيقة تربية وإعداد النبي صلى الله
عليه وسلم، لأن الله تعالى هو وحده الذي يعلم حقيقة الوحي، والرسالة
التي تلقى عليه، فلكي يتناسب هذا الإعداد مع حقيقة الرسالة العالمية
الخالدة، تولى الله تربيته وإعداده، يقول الله تعالى: ?إِنَّا سَنُلْقِي
عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا?.
والأمر الثاني: حتى لا يقول قائل: إن فضل هذا التربية، وهذا الإعداد
إنما يعود إلى والديه صلى الله عليه وسلم، أو إلى أحدهما إن لو كانا
حيين. لأن الإنسان أول من يتأثر به هما الوالدان، فالوالدان هما أقرب
الناس إليه، وأكثر التصاقاً به.
فعمر النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى مرحلتين: الأولى من لحظة
ولادته إلى بعثته، والثانية من لحظة بعثته إلى وفاته، فالمرحلة الأولى
هي مرحلة الإعداد لتلقي الوحي، والمرحلة الثانية هي مرحلة تلقي الوحي،
والدعوة إلى الله تعالى، وتبليغ الرسالة الخالدة العالمية.
عاش النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة، كانت فترة الإعداد
لتلقي الوحي أربعين سنة، بينما كانت فترة تلقي الوحي، والدعوة ثلاثاً
وعشرين سنةً، وعليه فإن فترة الإعداد لتلقي الوحي طويلة، إذا ما قورنت
بفترة تلقي الوحي، والدعوة، وتبليغ الرسالة، التي تقدر بثلثي عمره
صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على عظمة رسالة الإسلام، لأن كلما كان
الهدف عظيماً، والغاية ساميةً، كان الإعداد لذلك طويلاً، ودقيقاً ومحكماً.
خصائص النبي
هناك خصائص أُختص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهل لكم أن تحدثوننا
عن بعض تلك الخصائص؟.
يتفرد النبي صلى الله عليه وسلم بخصائص عظيمة كثيرة، ويختص بفضائل
جليلة عديدة، وحسبنا ما جاء في كتاب الله تعالى ومن تلكم الخصائص:
أن الله تعالى اصطفى النبي صلى الله عليه وسلم ليكون شاهداً على الناس
جميعاً، يقول الله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا?، ويقول سبحانه: ?فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا?، ويقول تعالى:
?وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ
وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ?،
ويقول سبحانه:?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا
مُّنِيرًا?.
أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون شاهداً لله تعالى بالوحدانية،
وأنه لا إله غيره، وشاهداً على الناس جميعاً بأعمالهم يوم القيامة،
فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: " يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك
يا رب، فيقول: هل بلغت؟، فيقول نعم، فيقال لأمته هل بلغكم؟، فيقولون:
ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟، فيقول: محمد وأمته، فيشهدون
أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فذلك قوله جل ذكره: ?وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً? والوسط: العدل " إن
التزكية أصل أصيل، وركن عظيم في الشهادة، وقد زكى الله تعالى نبيه
محمداً صلى الله عليه وسلم؛ زكى الله عقل النبي صلى الله عليه وسلم،
ونطقه، وفؤاده، وبصره، وخُلُقه، فقال تعالى: ?وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى
* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *
ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى
عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ
عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ
الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ
مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ
آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى?، وقال الله تعالى: ?وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
عَظِيمٍ?، وصفة ثانية أن الله تعالى لا يخاطب النبي صلى الله عليه
وسلم باسمه كما هو الحال مع الأنبياء الآخرين عليهم الصلاة والسلام،
وإنما يخاطبه بعبارة " يا أيها النبي "، أو " يا أيها
الرسول "، من ذلك قول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ?، وقوله تعالى: ?يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن
لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ?، وقوله
تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى الْقِتَالِ ?. وقوله سبحانه: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ? وقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا?، وقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلًا?، وقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ
وَسِرَاجًا مُّنِيرًا?.
وقوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ
اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ?، وقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا
يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا?، وقوله تعالى: ? يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...?.
بينما يخاطب غيره من الأنبياء بأسمائهم مباشرة، ففي شأن آدم عليه السلام،
يقول الله تعالى: ? قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ...?
ويقول تعالى: ? وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ...?
، وفي شأن نوح عليه السلام، يقول تعالى: ? قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ...? ، وفي شأن
إبراهيم عليه السلام، يقول تعالى: ? وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ
* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ?،
وفي شأن زكريا عليه السلام، يقول تعالى: ? يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ
بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا?
وفي شأن يحيى عليه السلام، يقول تعالى: ? يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ
بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا?، وفي شأن موسى عليه السلام،
يقول الله تعالى: ? وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى?، وقوله تعالى:
? ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي?
وفي شأن عيسى عليه السلام، يقول الله تعالى: ? إِذْ قَالَ اللّهُ يَا
عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ ?، وقوله تعالى: ? إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى
ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ
أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ?، وصفة ثالثة أن النبي صلى الله عليه
وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فبه خُتمت النبوات، وبرسالته خُتمت
الرسالات السماوية، وبموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي، فلا نبي
بعده، ولا رسالة بعد رسالته، فهو صلى الله عليه وسلم حبيب الحق، وخير
الخلق، وكامل الخُلُق، هو مسك الختام، وبدر التمام، ومصباح الظلام،
هو خير الورى، ونور الدجى، وبلسم الشفاء، وهو صاحب اللواء المعقود،
والحوض المورود، والمقام المحمود، وهو صاحب الرسالة السمحاء، والجبهة
الغراء، والراية البيضاء، يقول الله سبحانه وتعالى: ? مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ
أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا? أي: آخر النبيين،
خُتمت النبوة به، فشريعته باقية إلى يوم الدين، وهذه فضيلة عظيمة اُختص
بها صلى الله عليه وسلم من بين سائر المرسلين، فهذه الآية الكريمة
نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بعده بالطريق
الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فلا رسالة إلا
بعد نبوة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما مثلي في
النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأكملها وأحسنها، وترك فيها موضع لبنة
لو يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم
وضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة "، وقال عليه
الصلاة والسلام: " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي
ولا نبي "، قال: فشق ذلك على الناس، فقال: " ولكن المبشرات
"، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟، قال: " رؤيا الرجل
المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة "، وفي رواية أخرى قال صلى الله
عليه وسلم: " لا نبوة بعدي إلا المبشرات "، قيل: وما المبشرات
يا رسول الله؟، قال:" الرؤيا الحسنة " أو قال: " الرؤيا
الصالحة ".
إن من رحمة الله تعالى بالعباد إرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
إليهم، ثم من تشريفه له ختم به الأنبياء والمرسلين، وأكمل به الدين
الحنيف، وعليه فإن كل من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم
في حياته عليه الصلاة والسلام، أو بعد موته، فهو كذاب أفاك.
التأسي بصاحب الذكرى
في ختام هذا اللقاء هل من كلمة تودون توجيهها ونحن نعيش غمرة الاحتفال
بالمولد النبوي الشريف؟.
علينا أن نتأسى بصاحب الذكرى العطرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
فهو الأسوة الطيبة، والقدوة الحسنة، والمثل الأعلى، وعلينا أن نغير
الخطاب الدعوي بحيث يكون خطاباً يرتكز على الحكمة والدليل والبرهان،
وعلى الوحدة والتعاون والاتزان، وعلى الشمول والواقعية والاعتدال،
ويقوم على تقبل الغير واحترامه، والاعتراف بالطرف الآخر ومحاورته،
وعلى نقد الذات والوضوح والانفتاح والإقناع، إضافة إلى نبذ الشعارات
الفئوية، والعبارات الجانبية، وعدم التعصب للمسائل الفرعية التي هي
محل نظر واجتهاد، فالخلاف في الكثير منها خلاف لفظي، كذلك عدم الاهتمام
بالظنيات والمتغيرات على حساب الثوابت والقطعيات، ولا بالنوافل والمندوبات
على حساب الفرائض والواجبات، ولا بالجزئيات على حساب الكليات، وعلينا
أيضاً أن ننزل الناس منازلهم، فنعاملهم معاملة طيبة تليق بهم، ونخاطبهم
وفق مستوياتهم بود ورفق، فما دخل الرفق في شىء إلا زانه، وما نزع من
شىء إلا شانه، ولأن النفوس جبلت على من أحسن إليها هذا والله ولي التوفيق.
أعلى
في بيت النبوة مع فاطمة الزهراء رضي الله عنها
2ـ2
في الحلقة الماضية من هذا الموضوع تكلمنا عن
سيرة الزهراء رضي الله عنها ومكانتها عند أبيها وتوقفنا عند تقدم الامام
علي كرم الله وجهه لخطبتها واليوم نواصل هذه السيرة العطرة...
أخي الكريم: تعتبر السيدة فاطمة ذات مكانة عالية في عصرها وإلى اليوم؛
فهي خير نساء العالمين، وابنة خير خلق الله، وابنة سيدة قريش السيدة
خديجة، ولكن هل عاشت في عز ورخاء كما تعيش الأميرات في هذا الزمان؟
طبعاً لا فمحمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته كانوا جميعهم طلاب الآخرة،
ولا تساوي الدنيا في عيونهم جناح بعوضة، فقد عاشت رضي الله عنها، حياة
الفقر والتقشف، وهاهو زوجها الامام علي كرم الله وجهه يحكي ما كانا
يملكانه بعد الزواج قائلاً: (لقد تزوجت فاطمة ومالي ولها غير جلد كبش
ننام عليه بالليل ونجلس عليه بالنهار مالي ولها خادم غيرها، وأرسل
رسول الله مع فاطمة عند زواجها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحاءين
وسقاء وجرتين).
والسيدة فاطمة كانت ضعيفة البنية لذلك أشفق عليها زوجها من الأعمال
الشاقة التي كانت تقوم بها فطلب منها بعدما علم أن رسول الله أصاب
بعض العبيد من إحدى المعارك أن تذهب إليه وتطلب منه أن يعطيها خادماً،
فذهبت إلى أبيها ولكنها استحت أن تطلب ما أرادت، وفي اليوم التالي
زارها رسول الله في بيتها فسأل علياً عن حاجة فاطمة ـ رضي الله عنها
ـ فقال له: يا رسول الله لقد أدارت الرحى حتى أثرت في يدها، وحملت
القربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تسألك فتستخدمها
خادماً يقيها التعب وما هي عليه من الشدة).
ولكن رسول الله رفض طلبهم، وقال له: (والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة
تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق أثمانهم عليهم).
ورجع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لبيته ثم رجع إلى بيتهم وقد
أشفق لحالهم، فقد كانا يلتحفان بلحاف، إن غطى رجليهما كشف عن رأسيهما
فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: مكانكما، ألا أخبركما بخير
مما سألتماني؟
قالا: بلى يا رسول الله.
فقال لهما: كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، تسبحان في دبر كل صلاة
عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا، وإذا آويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثا
وثلاثين وتحمدان ثلاثا وثلاثين وتكبران أربعا وثلاثين)
ففعلا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفاهما الله.
وقد أخبر رسول الله ابنته بالأجر العظيم كلما عملت المرأة في بيتها،
ولذلك رضي الله عنها تحملت مشقة العمل في البيت لوحدها، ولم تعد تفكر
في الحصول على خادم ليقوم بشؤون البيت عنها، حتى إنها في إحدى المرات
أهداها زوجها سلسلة ذهبية علقتها في رقبتها، وعندما أرتها لأبيها،
استهجن عملها وقال لها: (يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس هذه فاطمة بنت
محمد وفي يدها سلسلة من نار) فأخذت السيدة فاطمة السلسلة وباعتها واشترت
بها عبداً ثم أعتقته.
وقد تحملت السيدة فاطمة الحزن منذ نعومة أظافرها، فأمها توفيت عنها
صغيرة، وبعدها أختها رقية ثم زينب ثم أم كلثوم، وقد صبرت واحتسبت أجرها
من الله تعالى.
وعندما اشتد المرض على أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهبت لزيارته،
عندما رأته وهو يحتضر ويقاسي المرض حزنت حزنا شديداً فقالت: وا كرب
أبتاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا كرب على أبيك بعد اليوم).
وطلب منها أن تقترب منه فأسر لها سراً في أذنها جعلها تبكي وبحرقة،
ثم همس لها سراً غيره فضحكت فرحاً وسعادة، تعجبت السيدة عائشة من تصرفها،
وسألتها عما أسره لها ولكنها رفضت قائلة: ما كنت لأفشي سر رسول الله.
وعندما توفي أبوها حزنت عليه حزنا شديدا، ولما دفن عليه أفضل الصلاة
والسلام أقبلت على أنس بن مالك فقالت له: يا أنس كيف طابت أنفسكم أن
تحثوا التراب على رسول الله.
وبعدما ووري والدها الثرى، أخذت حفنة من تراب القبر وأخذت تشمها وهي
تقول:
ماذا على من شم تربة أحمــد ألا يشم مدى الزمان غواليا؟
صُبت علي مصائـب لو أنـها صبت على الأيام صرن لياليا
وعندما سألتها السيدة عائشة عما أسره أبيها لها قبل وفاته قالت: في
المرة الأولى حدثني: (أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وأنه
عارضني العام في هذه السنة مرتين وأني لا أحسب ذلك إلا عند اقتراب
أجلي فاتقي الله واصبري فنعم السلف لك أنا، وأنت أسرع أهلي لحوقاً
بي) فبكيت فلما رأى جزعي قال: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين
أو سيدة نساء أهل الجنة) فضحكت.
وما هي سوى بضعة أشهر، ربما ستة أشهر حتى توفيت السيدة فاطمة الزهراء
رضي الله عنها بعدما عانت من المرض، وكانت وفاتها ـ وقد اختلف في تاريخها
ـ كانت سنة إحدى عشرة للهجرة.
وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كانت أول من لحق به من أهل بيته،
وبذلك خلفت الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وهم لا يزالون أطفالاً صغاراً،
وقد كان عمرها حين وفاتها تسعة وعشرون سنة، وقد حزن زوجها علياً حزنا
شديدا على فراقها بعدما حزن على فراق أبيها، ولذلك أنشد قائلاً:
أرى عـلل الدنيــا علـي كثيـرة وصاحبها حتى الممات عليـل
لكل اجتماع من خليلين فرقـــة وكل الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمــد دليل على ألا يـدوم خليــل
عزة بنت محمد الكمياني
Azza2002@live.com
أعلى
" وخالق الناس بخلق حسن"
2ـ2
نواصل الحديث اليوم بمشيئة الله تعالى في ما
تكلمنا فيه سابقا من موضوع مخالقة الناس بخلق حسن، ولا بد للإنسان
عندما يخالط الناس بخلق حسن، أن يستشعر أنه إنما يعمل عمله لوجه الله
تبارك وتعالى، فهو بهذا الشعور فإنه يجد لذة في قلبه لإكمال العمل
الذي يقوم به بالوجه المشروع.
ولا بد لنا أن ننظر في أنفسنا ما هي أوجه التخلق بالخلق الحسن في حياتنا؟
فميدان التخلق بالخلق الحسن هو مجال التعامل مع الآخرين، ولا بد لنا
أن نكون على تام، فمثلا في مجال البيع والشراء فنرى الناس تقبل على
البائع الذي يكون هاشا باشا، يتلقى الناس بوجه طلق، ولسانه لا يكون
سليطا على من يشتري عنده، وبالتالي سيحافظ على أن يتردد عليه هذا المشتري،
بسبب حسن تعامله، ودماثة خلقه في تعامله مع زبائنه، فعلى الواحد منا
في التعامل مع الآخرين أن يطلب ودهم كأنه يرجو منهم خيرا، وهو بالفعل
ينتطر منهم خيرا في أن يتحصل على أجر من الله تعالى.
فكل من قرأ في التاريخ الإسلامي عرف ان كثيرا من الشعوب دخلت في الإسلام
من خلال تعاملهم مع أهل الإسلام، بدون أي جهد بل كان السبب هو تطبيق
أهل الإسلام لقواعد دينهم في التعامل مع الآخرين، وهذا عنصر فقدناه
في كثير من تعاملتنا في هذا العصر، بل طغت لغة المصالح على الجميع/
وكل واحد يسعى لمصلحة تتحقق له إلا من رحم الله ـ بل أن كثيرا من الناس
من لهم وجاهة بسبب منصب أو مال، صاروا يتشككون في كثير من العلاقات
التي تقام معهم بدعوى الصداقة، بسبب أن خبايا كثير من الناس في مثل
هذه العلاقات هو المصلحة فقط لا غير ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ومن الأمثلة الأخرى التي نجدها في واقعنا العملي، أن بعض الناس ممن
هم يقومون على امانة بعض المصالح المتعلقة بالعباد لا يراعون لهذا
الجانب سبيلا، فمثلا يأتي إليهم الشخص ليراجع في أمر من أموره، وقد
يكون قد بذل من الوقت والمال والجهد الشيء الكثير، بل قد يكون استهلك
من الوقت للوصول للمكان المقصود ما يزيد على الساعتين، ويأتيه الجواب
وللأسف الشديد في أقل من خمس ثوان، دون أن يراعى هذا المسكين والتعب
باد عليه، فلماذا نظن عليه بابتسامة تذهب عنه تعبه، أو كلمة تطيب خاطره،
فدائما حسن التعامل هو دليل على رقي الشخص الذي تتعامل معه، ودليل
على أن من تتعامل معه يتمتع بأخلاق عالية، بل الشخص المراجع وإن لم
يظفر بنتيجة فيما أتى من أجله فعلى الأقل فإنه يخرج من عندك بنفس راضية
مطمئنة، وهذا من صميم من أمرنا به ديننا الحنيف، فالنبي الكريم يخبرنا
أن الصدقة ليست مقتصرة على اعطاء المال فقط، ألم يقل الحبيب المصطفى
عليه السلام :"تبسمك في وجه أخيك صدقة"؟
فعلينا أن نسعى جهدنا كي نمتثل الأخلاق العالية، وأن نكون مهتدين في
هذا برسول رب العالمين الذي قال فيه رب العزة والجلال :"وإنك
لعلى خلق عظيم".
إعداد : مصطفى بن ناصر الناعبي
أعلى
النيرات المنيرات
الزينبيات 2
هي زينب بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان شيبة
ممن تنصر من قريش قبل الإسلام. ذكر ذلك ابن حجر.
لم تذكر كتب الطبقات زينب بنت شيبة وإنما ذكرتها كتب الأنساب.
تزوجت زينب من زمعة بن الأسود قتل يوم بدر كافرا وأنجبت له عبدالله
الأكبر بن وهب بن زمعة قتل يوم الدار مع عثمان بن عفان أو يوم الجمل
وكان له صحبة وهو غير عبدالله الذي تزوجته زينب بنت أبي سلمة وابنة
أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وهو الذي يقول في عثمان:
آليت جهدا ألا أبايع بعده*إماما ولا أرعى إلى قوله قائل
وله أيضا أبيات أخرى في عثمان فإذا كانت قد عاشت حتى فتح مكة, فهي
صحابية ولكن المصادر ذكرت أن أم عبدالله بن زمعة هي: قريبة بنت أبي
أمية بن المغيرة أخت أم سلمة رضي الله عنها لذا فقد تكون هي: أم وهب
بن زمعة وهو من مسلمي الفتح وليست أم عبدالله أو هي زوجة وهب وأم ابنه
عبدالله الأكبر.
زينب بنت عثمان
هي زينب بنت عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وقد خطب
زينب ابن عمر, والمغيرة بن شعبة فمال عمها قدامة بن مظعون لابن عمر
لأنه ابن أخته زينب بنت مظعون فزوجها له فأرغبهم المغيرة بن شعبة في
الصداق فأوحت اليها أمها (أم زينب بنت مظعون) ألا تجيز الزواج. فكرهت
الزواج وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك هي وأمها. فرد الرسول
صلى الله عليه وسلم زواجها, فتزوجها المغيرة بن شعبة.
زينب بنت عقيل
هي زينب بنت عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب هو
ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه
ويقول له: (يا أبا يزيد إني أحبك حبين: حبا لقرابتك مني, وحبا لما
كنت أعلم من حب عمي إياك,كان عقيل عالما بالنسب وخرج الى بدر مكرها
ففداه عمه العباس رضي الله عنه ثم أتى مسلما قبل الحديبية وشهد غزوة
مؤتة وكان أكبر من أخيه جعفر رضي الله عنه بعشر سنين.
وكانت زينب متزوجة من: علي بن زيد بن ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن
المطلب بن عبد مناف فأنجبت له عبدة بنت علي بن يزيد التي تزوجت من
كبير بن عبدالله بن زمعة, فأنجبت له وهبا بن كبير بن عبدالله الذي
لقب بأبي البختري وكان قاضيا لهارون الرشيد ثم ولاه المدينة وقضاءها.
وزينب هي التي خرجت على الناس بالبقيع تبكي قتلاها قائلة:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم*ماذا فعلتم وأنتـــــم آخــــر الأمـم
بأهل بيتي وأنصاري وذريتي*منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم؟
فقال أبو الأسود:
نقول: ((ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)).
إعداد/أم الزبرجد.
زينب بنت شيبة
أعلى
وتسامت السراير بميلاد
الهدى
مما لا ريب فيه أن ميلاد النبي صلى الله عليه
وسلم يعد باكورة الأيام، ودرة اللحظات، وبداية النور، ونهاية الظلام،
كيف لا؟ وفيه انطوى الليل الدامس، وبزغ الفجر المشرق الذي بات يجدد
ضياءه إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكان لهذه
الذكرى العطرة مكانة خاصة في قلوب المسلمين تعيد تأريخها، وتجدد أريجها،
وتنسج ثوبها بحلة بهية تزداد جمالاً يوماً بعد يوم، ورونقاً زكياً
يشعشع في نفس المؤمن الحق الذي جعل من هذه الذكرى زادا يتزود به في
الدار الأولى ليجني ثمارها في الدار الآخرة.
أيها الأحبة:
إن مولد الهدى كان ولا يزال هو ميلاد للكون بأسره، حيث سطرت لنا الكتب
أعظم الوقائع وأجل الأحداث التي صاحبت أنفاسه الشريف لحظة وضعه ليسطع
النور في هذه الحياة التي جعلت منه شخصية عظيمة يتحدث عنها التأريخ
كأعظم رجل في الدنيا، فإذا كان عليه الصلاة والسلام قد صاغ العباقرة
أمثال أبي بكر وعمر، فماذا عسى أن أصفه إلا أنه حبيب الله وخيار العالمين
اختصه بعنايته ورعايته الإلهية، ليقود زمام الأمة خير القيادة، وينتشلها
من أوحال الجاهلية العمياء إلى رياض الإسلام ونوره، ومن ضيق الدنيا
إلى سعة الدنيا والآخرة هذا من جانب، ومن جانب أخر هو ميلاد حقيقي
للنفس البشرية يتجدد بين الفينة والأخرى، والذي يتضمن ترسيخ المبادئ
والقيم والأخلاق السامية والتحلي بأحاسنها وأفاضلها التي جاءت بميلاد
خير الأنام، والتي احتضنتها قلوب الصحابة والتابعين والصالحين من بعدهم
لتتجسد في أفعالهم وأقوالهم وحسن تصرفهم في شتى المواقف، فكان نتاجه
استتباب الأمن والسلام،والحب والإخاء بين أفراد المجتمع ليصبح كأسرة
واحدة، يتقاسمون أفراحهم وأتراحهم في آن واحد، واليوم قد غاب بريق
تلك القيم في خضم أحقاد الدنيا ومتاعبها إلا من رحم الله لذلك عاث
الناس في الأرض الفساد، وانتشر الخوف،و بدأت الشحناء والبغضاء تجتاح
الأنفس الخاوية،حيث تسللت هذه الآفات لتدمر كيان المجتمع المسلم، لتجعله
أشبه بمجتمع الغاب الظالم، فهذه الذكرى الشريفة التي أبهجت الدنيا
ومن فيها كان لها حق علينا وهو أن نحياها بكل جوارحنا، ونتذكر أحداثها
ونتأملها، وكيف تجلت البشائر في شريط حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
المتمثلة في رسالة الإسلام الذي جاء لينتقل بالبشر خطوات فسيحات إلى
حياة مشرقة بالفضائل والآداب، وأنه اعتبر المراحل المؤدية إلى هذا
الهدف النبيل من صميم رسالته، كما أنه عد الإخلال بهذه الوسائل خروجا
عليه وابتعادا عنه.
فالأخلاق ليست من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها بل هي أصل من
أصول الحياة التي يرتضيها الدين ويحترم ذويها، ولو جمعنا أقوال صاحب
الرسالة في التحلي بالأخلاق الزاكية لخرجنا بسفر لا يعرف مثله، فقد
كانت دعوته -عليه الصلاة والسلام_ حارة إلى محامد الأخلاق، ومحاسن
الشيم:
فعن أسامة بن شريك قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما
على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب
عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: " أحسنهم أخلاقا". الطبراني
، وقال صلوات ربي وسلامه عليه: " إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام
في شيء، وإن أحسن الناس إسلاما، أحسنهم أخلاقا". الترمذي، وسئل
" أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ قال: أحسنهم خلقا " .الطبراني،
وعن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "
ألا أخبركم بأحبكم إلي،وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة ؟ _فأعادها مرتين
أو ثلاثا _ قالوا:نعم يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقا" .أحمد
بورك للأمة جمعاء بميلاد خير الرسل، نسأل الله أن نكون ممن عاش واستنشق
عبيرها وارتقى بنفسه للعلا، والصلاة والسلام عليك أيها النبي صلى الله
عليه وسلم.
عائشة بنت يوسف بن إبراهيم السرحنية
أعلى
العالِمُ التَّقليديّ
الاستمرار في تكوين العالم التّقليديّ سواء في
المجال الدّيني أو العُلُوم الإنسانيّة يقف عقبةً في سبيل أي حضارةٍ
منشودة، فإنّ الهيمنة على الفُصُول الدّراسيّة والوسائل الإعلاميّة
والقنوات الثقافيّة لن تساعد إلا في الانتهاء إلى نتائج لا تتناسب
مع المتغيّر من الحاجات، فحتى التّيار المتشدّد الذي بنى وجوده على
التَّحرر من التَّقليد نجد أنه أصبح يدُورُ في فلك الأشخاص فما هو
الفرق بين الالتزام الحرفيّ باجتهادات المذاهب المعتمدة، والتعصب لبعض
الرموز الحاليّة. لقد وصل التّقديس لبعض الرُّموز من بعض الفئات مبلغًا
لم تبلغه مبالغات كافّة المقلّدين، حتى أصبح فصل الخطاب هو ترديد أقوال
وعبارات لهذه الرُّموز.
إن خريجي الجامعات وخصوصًا بعض الجامعات المتشدّدة في العالم الإسلامي
لا يعدون عن كونهم حاملين لأسفار يحار الواحد منهم في إمكانيّة تطبيقها
اليوم، بل لقد انصب الأمر على مناوراتٍ وبحوثٍ في العقيدة، ولم نجد
أي تقدّم فكريّ للمستجدات الحاليّة والمعاصرة، وأصبحت الدعوة لا تعني
إلا الهُجُوم على المذاهب الأخرى في العقيدة إلى حد الإسفاف، وضحالة
تامّة في العلوم الاجتماعية الحديثة التي لا غنى للعالم عنها حتى يفهم
طبيعة المجتمع والزمن الذي يحياه، فالعالم الذي لا يدرك شيئًا عن علم
الاجتماع وعلم النفس وعلم النّفس الاجتماعي والأفكار المعاصرة جيّدها
ورديئها، فإنه لا محالة لن يخشى عرضه البضاعة التي لن تجد الرّواج
في عالم اليوم.
لذا نجد انصراف الغالبيّة العظمى عن هؤلاء العلماء التّقليديين وقضاياهم
التي يثيرونها، لتجاوزهم القضايا الهامة لحياة البشر كالعدل والمساواة،
والنَّماذج الجديدة من الاستبداد الاقتصادي والفكري والاجتماعي، بل
لقد وصلت القطيعة إلى حد قُصور خريجي هذه الجامعات عن احتواء القنوات
الثقافية المعاصرة من تلفزة وخلافها، والذي يكفي ظهور أحدهم على شاشة
التلفاز أو الراديو للإسراع في إقفاله، فترك المجال لفكر ثقافيٍّ دخيل
كي يشكل العقل والفكر العربي الحديث.
فكان حالنا كمن ينفي من ذهنه المشاكل القائمة، ويعتقد بأنه بمجرد نفيها
أو تجاهلها أنها زالت، ونعيش في مغالطة كبرى مع النفس، فيعيـش المجتمع
في حالة انفصام وضياع الهوية، بل وفي هذه الأجواء تُزرع الأفكار السامة
مثل مفهوم تعارض الدَّين مع العلم. والواقع ليس ثمة تعارض مع الدّين
في جوهره، ولكن هنالك كلّ التعارض بين منهج العرض التّقليدي المتعصب
وواقع الحياة. ومتى ننـزل العلم الديني بوضوحه ونقائه ومنهجه القائم
على الحوار والحكمة والموعظة الحسنة إلى الواقع نكون بذلك قد وضعنا
الخطوة الأولى نحو التَّصحيح.
إن الأمم التي أرادت أن تدخل زمن الحضارة استطاعت أن توائم بين قيمها
وبين العلوم العصريّة، وظلَّت تضرب أمثالاً على تمسكها بقيمها (مثل
اليابان). إن هذه الحضارة بُنِيت على تعاون تام بين النُّخبة المثقفة
والنُّخبة الحاكمة، والرُّموز التقليديّة وليس على صراعٍ وتوهم للعداء،
أو مصادرة فئة حرية الفئات الأخرى. إن الازدواجيّة، بل وبعبارة أوضح
التَّبعثر الثقافي سواء في النّواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة،
إنما هو تبعثر وليد للانقسام الدّيني أساسًا. فالتّصنيف الذي تعتمــده
بعض التّيارات الدّينية المعاصرة المتشدّدة لم يسلم منه أحد، فهذا
أشعري، وذلك قبوري، وهذا حنفي، وهذا شيعي، وهذا مفوض. ولقد وصل الانقسام
إلى داخل صُفُوف المتشددين، فاليوم نعاصر ما يزيد على أكثر من أربعين
فرقة متشدّدة، كلٌّ منها تدعي بأن الحقّ بجانبها، فانشغلوا بأنفسـهم،
وتناسوا المشاكل التي يعانيها المجتمع الإسلامي وابتعدوا عن التّصدي
لها.
لقد انتشر الصراع واحتدم بين الفرق المتطرّفة المختلفة في آرائها،
وتحول هذا الصِّراع إلى ممارسات الإسلام بريء منها، وانعكس ذلك سلبًا
على الإسلام، فأصبح العالم ينظر بذعر إلى الإسلام والمسلمين، وبهذا
نكون قد أعطينا الفرصة لأعداء الإسلام لمهاجمته، وبعد هذا فلا غرابة
أن لا ينتج فكر ثقافي قادرٌ على نقلنا نقلةً حضاريّة، فاختلفت المعايير
واختلفت النفوس، وأصبحنا نعيش في زمنٍ توسيد الأمر لغير أهله، في زمن
تطاول الحفاة العراة بالبنيان، وهذا أكبر دلالة على انقلاب المعايير،
فتظهر طبقات لا مبرر لوجودها، وتختفي أخرى أيضا بغير مبرّر، وأصبح
العلم محتقرًا والمال مقدسًّا، والعدل مرهوبًا، والمنصب مرغوبًا.
فهل هناك من بصيص أمل، هل تستطيع الأمة بمفردها أن تخرج من هذه الدائرة
المغلقة؟ أم لا بُدَّ من عونٍ خارجيٍّ لتصحيح الأوضاع، أيُّ كارثةٍ
اجتماعيّة تجعل الانتقال إلى مرحلة الفوضى التّامة، والفتنة العامة
هي البديل لأنّها الوضع الطبيعي لمجتمع لم يتطوّر تدريجيًّا، ولإيجاد
الجوِّ الملائم لهذا التَّطور التَّدريجي والانتقال الهادئ، وفي ظلِّ
غياب البرامج التي تتبناها الجماهير، والزَّعامات التي تثق فيها الجماهير،
فالبديل هو رعاع ودهماء لن تبقي ولن تذر. وأول وقود هذه الفتنة هم
حرّاس الظلم والاستبداد الفكريّ فالمكاسب الوقتية لن تدوم.
محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي
mohdzahidgol@hotmail.com
أعلى
الصدق والوفاء
يقول الله تبارك تعالى ( واذكر في الكتاب إسماعيل
إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ) مريم:54 في هذه الآية الكريمة
إشارة صريحة إلى شرف وقدر ومكانة صدق الوعد وتوفيته وعدم الإخلال به
هذه الصفة العالية وهذا الخلق النبوي الكريم الذي كان لصيقا بنبي الله
إسماعيل هي نفسها التي امتدح الله بها عباده المؤمنين الذين صدقوا
عهودهم مع الله وعهودهم مع الناس ورعوا الأمانات المختلفة الدينية
والدنيوية وثبتوا على هذه الحال حتى لقوا ربهم عز وجل يقول تعالى فى
سورة الأحزاب 23 ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم
من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ).
وصدق الوعد والوفاء بالعهد خلق عظيم وصفة كريمة تدل على شرف النفس
وقوة العزيمة وإن الله تعالى لا محالة سائلنا عنه يوم القيامة، يقول
تعالى: ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ) الإسراء: 34 ثم إن ربنا
سوف ينظر كيف تعامل كل واحد منا مع عهد الله وميثاقه فيكافئ كلا بما
يستحق ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله
فسيؤتيه أجرا عظيما ) الفتح: 10
إذا كان الواجب يحتم علينا أن نحافظ على وعودنا وأن نوفي بعهودنا التي
نقطعها على أنفسنا بين الحين والحين وعند هذه المناسبة أو تلك، فإن
العقل والمنطق والمصلحة تقتضي أن نكون أرعى وأحفظ لذلك العهد الذي
أخذه الله علينا في عالم الغيب عالم الذر قبل أن نصير إلى هذه الدنيا
يقول تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على
أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) سورة الأعراف: 172
إنه العهد مع الله المؤسس على التوحيد توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك
به وإخلاص العبادة له يقول تعالى ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا
تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) يس: 60 إنه العهد بتحمل الأمانة
التي أبت السماوات والأرض والجبال حملها وأشفقن منها والتي تحملها
الإنسان وتعهد بحملها. إنه العهد بالخلافة في الأرض وبعمارتها إنه
عهد لا تنفع معه الغفلة لتكون مسوغا لنقضه أو نسيانه إذا كان المسلم
مطالبا بالوفاء بعهده مع الله والثبات على طريق الحق فإن ذلك لا يعني
أن نخون عهودنا ومواثيقنا وأماناتنا فيما بيننا لأن العهود بين الناس
إنما تستمد قدسيتها وحرمتها من عهد الله الذي نشهده على عهودنا ونجعله
كفيلا على مواثيقنا ووكيلا عليها، يقول تعالى ( قال لن أرسله معكم
حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم
قال الله على ما نقول وكيل ) يوسف:66 إذا فعهود الناس ومواثيقهم متصلة
اتصالا مباشرا بالعهد مع الله، فلا يظن أي واحد منا أن التفلت منها
هو أقل شأنا من نقض عهد الله والتفلت منه، فكثير من الناس اليوم يقسم
الأيمان المغلظة ويعطي عهوده بالله ثم يغدر ، فمن تجارنا من يعطون
عهودهم بالله ويغدرون، ومن صناعنا من يعطون عهودهم بالله ويغدرون،
ومن حرفيينا ـ البناؤون والنجارون وغيرهم ـ من يعطون عهودهم بالله
ويغدرون.
إن كان ديننا قد حثنا على الوفاء بالعهود وأوصانا بذلك وحذرنا من مغبة
وخطورة الانزلاق في منزلق نقض العهد والتفلت منه ونسيانه مع الله وفيما
بين الناس فإنه قد دلنا وأرشدنا إلى عدم الوثوق في عهود من لا عهد
لهم ولا ميثاق؛ حتى لا نبني علاقاتنا معهم على الأوهام، يقول تعالى
منبئا ومخبرا عن حال بني إسرائيل مع العهود والمواثيق ومدى التزامهم
بها وإتمامها إلى مدتها: ( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم
لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من
الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) البقرة:
100، 101 كلما تفيد الاستمرارية والاستدامة، فكيف يمكن بعدها الوثوق
في عهودهم؟! فقد نبذوا عهودهم مع الله ومع الأنبياء والرسل، فكيف يحافظون
على عهودهم مع الناس
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
سعة رحمة الله تعالى
يحيط بابن آدم أعداء كثير، من شياطين الإنس
والجن، يُحسًنون له القبيح، ويُقبًحون الحسن، تنضم إليهم النفس الأمارة
بالسوء، والشيطان، والهوى، يدعونه إلى الشهوات، ويقودونه إلى مهاوي
الردى. ينحدر في موبقات الذنوب صغائرها وكبائرها، ينساق في مغريات
الحياة، وداعيات الهوى، يصاحب ذلك ضيق وحرج وشعور بالذنب والخطيئة
فيوشك أن تنغلق أمامه أبواب الأمل، ويدخل في دائرة اليأس من روح الله
والقنوط من رحمة الله.
ولكن الله العليم الحكيم، الرؤوف الرحيم، الذي يعلم من خلق وهو اللطيف
الخبير؛ فتح لعباده أبواب التوبة، ودلهم على الاستغفار وجعل لهم من
أعمالهم الصالحة كفارات، وفي ابتلاءاتهم مكفرات. بل إنه سبحانه بفضله
وكرمه يبدل سيئاتهم حسنات قال تعالى :والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً
عَظِيماً,, يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ
ضَعِيفاً [النساء:27، 28].
أخي المسلم : لقد جعل الله في التوبة ملاذاً مكيناً وملجأ حصيناً،
يدخله المذنب معترفا بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، غير مصرٍ
على خطيئته، يحتمي بحمى الإستغفار، يتبع السيئة الحسنة ؛ فيكفر الله
عنه سيئاته، ويرفع من درجاته.
التوبة الصادقة تمحو الخطيئات مهما عظمت حتى الكفر والشرك ( قال تعالى:
قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ
سَلَفَ [الأنفال:38].
وقتلة الأنبياء ممن قالوا إن الله ثالث ثلاثة وقالوا إن الله هو المسيح
بن مريم تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا . لقد ناداهم المولى بقوله:
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ [المائدة:74].
فتح الله تعالى أبوابه لكل التائبين، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار،
ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، و في الحديث القدسي: (يا عبادي
إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر
لكم) وفي التنزيل: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ
لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53 } ومن ظن أن
ذنباً لا يتسع لعفو الله فقد ظن بربه ظن السوء. كم من عبد كان من إخوان
الشياطين , فمنً الله عليه بتوبة محت عنه ما سلف فصار صواماً قواماً
قانتاً لله , ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((إذا
أذنب عبد فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفر لي , فقال الله: علم عبدي
أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنبا آخر
فذكر مثل الأول مرتين أخريين حتى قال في الرابعة: فليعمل ما شاء )
يعني مادام على هذه الحال كلما أذنب ذنباً استغفر منه غير مُصر.
وسئل علي رضي الله عنه عن العبد يذنب؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل:
فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله
ويتوب. قيل حتى متى؟ حتى يكون الشيطان هو المحسور.
وقيل للحسن رحمه الله: ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم
يعود ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا
من الاستغفار.
إلى جانب التوبة والاستغفار أيها الإخوة تأتي الأعمال الصالحة من الفرائض
والتطوعات تكفر بها السيئات، وترفع بها الدرجات. طهارة وصيام وصدقات
وحج وجهاد وغيرها.
من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله يقضي فريضة من فرائض
الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة(والصلوات الخمس
والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. ومن توضأ
فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة
وزيادة ثلاثة أيام ) أخرج كل ذلك مسلم في صحيحه من أحاديث أبي هريرة
رضي الله عنه. وهذا باب واسع لا يكاد يقع تحت حصر, فهناك طلب الرزق،
وإطعام الطعام، وحسن الخلق، والسماحة في التعامل، وطلب العلم، وقضاء
الحوائج، وحضور مجالس الذكر، والرحمة بالبهائم، وإماطة الأذى. فأبشروا,
وأحسنوا الظن بالله تعالى.
إن العبد إذا اتجه إلى ربه بعزم صادق وتوبة نصوح موقنا برحمة ربه واجتهد
في الصالحات دخلت الطمأنينة إلى قلبه، وانفتحت أمامه أبواب الأمل،
واستعاد الثقة بنفسه، واستقام على الطريقة، واستتر بستر الله تعالى
ورحمة الله واسعة , فعلينا أن نلزم باب التوبة في كل وقت وحين , والله
تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عمن تاب إليه وأناب . فاللهم اقبل
توبتنا , اللهم آمين..
إبراهيم السيد العربي
أعلى
|