الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان

نبذة عن الوطن
About Us
اكتشف عمان
اتصل بنا
مواقع تهمك

الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


قضايا



قضايا

الحروب التجارية قادمة
أوباما يعلن الحرب التجارية على العالم

ادانت استراليا التي تعد واحدة من اكبر الدول المصدرة للحديد والصلب في العالم على لسان وزير خارجيتها سايمون كرين البند المتعلق بتشجيع شراء البضائع الاميركية الموجود في خطة الرئيس اوباما لانقاذ الاقتصاد الاميركي. وحذر الوزير الاسترالي من ان خطة حماية مصنعي الحديد والصلب قد تقود الى حرب تجارية انتقامية. واضاف الوزير : ان مجلس الشيوخ الاميركي اتخذ قرارا خاطئا بالتصويت على الإبقاء على هذا البند في خطة الانقاذ.
تتضمن خطة الرئيس اوباما سلسلة من الاجراءات الهادفة لزيادة الدعم السياسي، مثلا تقليص الضرائب وزيادة الانفاق على مشاريع البنى التحتية، للولايات التي تواجه مشاكل مالية. اما البند الخاص بشراء البضائع الاميركية الذي كان يستهدف ضمان استعمال الحديد والصلب والمنتجات الاميركية في المشاريع التي تمولها الخطة فقد خففه الكونجرس الأميركي بعض الشيء واعدا العالم بان الولايات المتحدة ستحترم التزاماتها التجارية الدولية، الا ان الانتقادات كانت قوية في الداخل والخارج (ومنها تصريحات لوزراء من دول اوروبية ومن الصين والبرازيل..وغيرها) وعبرت تلك الاصوات عن قلقها الشديد من ان هذا البند سيشجع الحمائية التجارية مما سيؤثر على العلاقات التجارية وربما سيعيد الاجواء التي سادت في نهاية عشرينيات وبداية ثلاثينيات القرن الماضي نتيجة للركود الاقتصادي الذي ضرب العالم في تلك الفترة . وقال باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة العالمية علمتنا التجربة : ان وضع العراقيل امام التجارة سيزيد الامور سوءاً. ان العدو الاول في الازمات الاقتصادية هو العزلة، واضاف باسكال لامي ان الحمائية يمكن ان تزيد الامور تدهورا وكما حدث في عام 1929.
قال بعض المؤرخين ان الركود الاقتصادي الذي حدث في عام 1929 لم يكن بسبب تهاوي بورصات الاسهم وانما يعود في المقام الاول الى انفجار ما يعرف بالفقاعة الاقتصادية، خاصة وان اسواق الاسهم تستطيع استرداد عافيتها بسرعة بمساعدة اجراءات مالية حكومية بناءة مثلما حدث في عام 1987 (تراجعت اسواق الاسهم بنسبة 23% الا انها عادت ووقفت على قدميها ثانية خلال 9 اشهر) وفي 1998 (كانت النسبة في التراجع 26% واستردت الأسواق عافيتها خلال 3 أشهر) وفي عام 2002 (تراجعت الاسواق 37% الا انها عادت خلال شهرين فقط). الا ان ذلك لم يحدث في عام 1929، وذلك بسبب ما يعرف بقانون سموت وهارلي للرسوم الجمركية (قانون يقف وراءه عضوا الكونجرس ويليس هارلي وريد سموت وأقره الكونجرس في 17 يونيو 1930 ويقضي بزيادة الرسوم الجمركية على حوالي عشرين الف سلعة مستوردة) وادى ذلك القانون الى نشوب حرب عالمية تجارية استمرت حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبينما نجح الاقتصاد الاميركي في التخلص من براثن الركود من خلال التعبئة للحرب وبسبب الهجوم الياباني على بيرل هاربور (هايتي) في 7 ديسمبر 1941 الا ان اقتصاديات دول العالم الاخرى لم تنج من ذلك الركود حتى اندلاع الحرب الكورية في 1951.
ويبدو ان العالم اليوم، وعلى الرغم من انتشار العولمة والتجارة الحرة واقتصاد السوق، الا ان الحمائية تتوسع وتنتشر بسرعة كبيرة مهددة بنشوب حرب تجارية واسعة. المضحك في الامر ان هذه الحرب الجديدة لم تشنها الاقتصاديات الفقيرة انما الولايات المتحدة التي سجلت ارباحا على جميع الاصعدة نتيجة للعولمة والتجارة الحرة وكذلك الاتحاد الاوروبي.
اما اليابان فهي لم تتخل مطلقا عن الحمائية ولم تفكر يوما جديا بسياسة المنافسة على الدول الغنية ان تعترف ان محاولاتها لامتصاص كل ما تصل اليه في السياسات التجارية غير العادلة ستقود العالم لا محالة الى ركود بغيض. يقول التاريخ ان الدول الفقيرة هي اكثر من يعاني من الركود الاقتصادي، الا ان الدول الغنية لن تنجو من مخالب ذلك الركود حيث ستضربها الفوضى السياسية متمثلة بالحروب او الثورات او ربما الاثنين معا.
خلال الحرب الباردة لم تكن التجارة الدولية الحرة موجودة كانت الكتلتان الرأسمالية والشيوعية منفصلتين تماما. وكانت اقتصاديات كل كتلة تتفاعل فيما بينها وتتلقى الاعانات من القوة العراب (الولايات المتحدة بالنسبة للرأسماليين والاتحاد السوفيتي بالنسبة للشيوعيين) وكانت المنافسة لا تتركز على الارباح انما على الفوز بالمزيد من العقول والقلوب في شعوب الكتلتين، علاوة على دول العالم الثالث. وكانت المنافسة بين القوتين العظميين تترجم الى المزيد من الهبات الى الانصار بدلا من استنزافهم. وسعى شعبا الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الى مساعدة الشعوب الفقيرة في كتلة كل واحد منهما وحاولا تطبيق مبدأ المساواة حتى ولو نظريا بين تلك الشعوب. لذلك كانت فترة الحرب الباردة فترة مساعدات خارجية ومبادلات تجارية جيدة ساعدت في خفض معدلات الفقر في بلدان المعسكرين وبشكل افضل مما تحقق في فترة ما بعد الحرب الباردة وسيطرة العولمة واقتصاد السوق والقطب الواحد. لم تكن الجهود منصبة على زيادة الدخل والثروة فقط انما على ردم الفجوة في الدخل والثروة بين دول كل مجموعة ايضا. اما اليوم فإن الفوارق في الدخل والثروة تعتبر ضرورة من ضرورات تكوين رأس المال. كتبت صحيفة النيويورك تايمز تقول ان دخل 1% من كبار الاغنياء في الولايات المتحدة زاد اكثر من ضعفين في الفترة 1980 ـ 2002 بينما تراجع دخل 90% من الشعب للفترة ذاتها. وبالرغم من جميع مساوئها الا ان الحرب الباردة حققت امرين مهمين الاول انها منعت وقوع حرب نووية والثاني: ادخلت التنمية كعنصر اساس في خطط السوفيت والاميركيين السياسية. ومنذ نهاية الحرب الباردة بدأنا نسمع بالارهاب النووي في حين اعاقت التجارة الدولية تطور وتنمية الاقتصاديات المحلية، حتى في الدول الغنية مع تزايد حجم الفجوة في الدخل والثروة في كل مكان. ومنذ نهاية الحرب الباردة في عام 1991 بدأ نمو الاقتصاد العالمي بالاعتماد على تجارة العولمة الحرة التي ابتدعتها وقادتها الولايات المتحدة باعتبارها القوة الوحيدة التي تسيطر على الساحة الدولية، واصبح الدولار الاميركي عملة التجارة الوحيدة التي تتحرك وفق رغبات السوق الاستهلاكية في الولايات المتحدة التي تحركت (اي السوق) بسبب الأجور المرتفعة. وتواصل هذا النمو نتيجة اسقاط التعريفة الجمركية الوطنية في بلدان كثيرة بواسطة منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الدولية الكبيرة، ومول هذا النمو سوق العملات الذي تسوده الفوضى والذي يعمل تبعا لمشيئة نظام مالي مركزي دولي لا يخضع للضغوط السياسية المحلية والذي يسيطر عليه صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولي.
وقالت الولايات المتحدة ان التجارة العالمية ضرورة اخلاقية لذلك فهي (اي التجارة العالمية) تعزز الديمقراطية والحرية السياسية واحترام حقوق الانسان بين الدول المشاركة فيها. الا ان الملاحظ ان الولايات المتحدة لم تطالب بالمساواة في الدخل والثروة. الا ان الشعارات التي ربطتها الولايات المتحدة بالتجارة العالمية تتناقض مع الممارسات التجارية الاميركية حيث اعتادت الولايات المتحدة فرض الحصار والعقوبات التجارية على البلدان التي تعتبرها واشنطن غير ديمقراطية وغير تحررية ولا تلتفت الى حقوق الانسان. فإذا كانت التجارة مسئولة عن انتشار الحرية وحقوق الانسان فإن ربط التجارة بالحرية لا يختلف عن حرمان المريض من دوائه. تحدث الرئيس الاميركي السابق جورج بوش عن سياسته الخاصة بحرية التجارة بعبارات تغلب عليها المضامين الاخلاقية حيث قال في 7 مايو 2001: إن التجارة الحرة ليست مجرد فرصة اقتصادية انها ضرورة اخلاقية. ان التجارة توجد الفرص بالنسبة للباحثين عن عمل وعندما نتفاوض حول التجارة الحرة والاسواق المفتوحة فإننا نوفر أملا جديدا لفقراء العالم. وعندما ندعو الى التجارة الحرة فإننا ندعو الى الحرية السياسية. الا ان ما قاله بوش لا يتعدى حدود النظرية لان الواقع يقول اشياء اخرى. وقال بوش ان الصين التي وقعت مع الولايات المتحدة اتفاقية تجارية في الايام الاخيرة من ولاية الرئيس بيل كلينتون واصبحت عضوا في منظمة التجارة العالمية في نهاية عام 2001 ستستفيد من التغيرات السياسية التي ستحدث نتيجة لتطبيق سياسة التجارة الحرة. هذا القول قد يفسره البعض في الصين كدليل على توظيف التجارة في سياسة معادية للصين هي جزء من استراتيجية التحول السلمي التي وضعها جون فورستر دالاس وزير الخارجية الاميركي ايام الرئيس دوايت ايزنهاور في عقد الخمسينيات. وهذه الاستراتيجية تنصب على اجبار الحزب الشيوعي الصيني ومن خلال التجارة على اصلاح نفسه والغاء مبدأ دكتاتورية الطبقة العاملة (البروليتاريا) واعتناق الليبرالية. وفي ثمانينيات القرن الماضي انتقد دينج زيا اوبنج قائد الحزب هو يوبانج ورئيس الوزراء زهاو زيانج لفشلهما في احتواء الليبرالية البرجوازية من التغلغل في سياسة تحديث الصين. قال دينج في نوفمبر 1989 محذرا بعد خمسة اشهر من احداث تيانمين الشهيرة ان الدول الامبريالية الغربية تشن حربا عالمية ثالثة بدون اسلحة انها تريد جر البلدان الاشتراكية تدريجيا صوب الرأسمالية. وربما ادى اسلوب التعامل مع احداث ساحة تيانمنين الى خلاص الصين من المصير الذي كان ينتظر الاتحاد السوفيتي في 1991.
الا ان الحرية السياسية غالبا ما تكون الضحية الاولى للعقليات المتسلطة وهذه العقليات قد تكون ناجمة عن سياسات اقتصادية وأمنية معادية ضد اي بلد تعتبره الولايات المتحدة غير ديموقراطي. كلما عدت واشنطن هذا البلد او ذاك غير ديموقراطي تراجعت الحرية في ذلك البلد نتيجة لسياسات الولايات المتحدة. وحدث ذلك جليا في الصين وفي بلدان كثيرة من العالم الثالث. كلما اصبحت الولايات المتحدة عدائية تجاه الصين واجهت بعض الحريات في الصين قيودا اضافية. وحتى تكون التجارة مفيدة لجميع الاطراف يجب توفير ثلاثة شروط : اولا : عدم ربطها باهداف سياسية او عقائدية ثانيا : توفر العدالة بين الطرفين وثالثا: اعتبار الأجور التي توفر حياة مناسبة هي الشرط الاساسي من اجل الفائدة الحقيقية للتجارة الدولية. ان الصدع المتزايد بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين يعود الى زيادة الخلافات التجارية. لقد استفادت الولايات المتحدة من النظام المالي العالمي الذي يمنح الاقتصاد الاميركي بعض المزايا والافضلية على اقتصاديات دول الاتحاد الاوروبي واليابان، ناهيك عن بقية دول العالم . ان القضايا التجارية تتراوح بين الخلاف حول الدعم الحكومي لشركتي ايرباص وبوينج مرورا بالموز والسكر واللحوم والبرتقال والحديد ، علاوة على خلافات حول المنافسة المشروعة المرتبطة بعمليات الدمج والاستحواذ والخدمات المالية. فإذا خرقت احدى الحكومات قوانين منظمة التجارة العالمية خلال النظر في تلك الخلافات، فان الحكومة (او الحكومات) الاخرى ستمنح الحق بالرد على ذلك الخرق. اما اذا خرقت الحكومات من الطرفين القوانين سيكون لها الحق بالرد مما سيؤدي الى الركون الى الحمائية. عندما خرقت الولايات المتحدة تلك القوانين بدعمها وبشكل غير مشروع صناعة الحديد والصلب، اضطرت دول الاتحاد الاوروبي الى الرد بفرض رسوم جمركية على برتقال فلوريدا لإثارة مشكلة سياسية مع احدى الولايات المهمة في الساحة السياسية الاميركية وهي (ولاية فلوريدا).
وتطورت المنافسة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الى الامور الامنية، مما سمح للمصالح الاقتصادية بالتقاطع مع العلاقات السياسية، مما دفع الطرفين للتوجه صوب آسيا، خاصة الصين التي تتميز بعدد سكانها الضخم علاوة على نسبة نمو اقتصادها المرتفع والتوجهات الاستهلاكية التي ميزت الصينيين مؤخرا. ان نشاط الاقتصاد الصيني سيؤثر على اقتصاديات الدول الآسيوية، ومنها استراليا التي بدأت تدرك ان مستقبلها يرتبط بمحيطها الجغرافي وان رخاءها يرتبط برخاء الدول الواقعة على ساحلي المحيط الهادي. لذلك بدأت استراليا تصدر خامات الحديد ومنتجات الالبان واللحوم الى الاسواق الصينية بديلا عن الاسواق البريطانية. كما ان الاتحاد بدأ بالتفكير برفع الحصار المفروض على تصدير السلاح الى الصين (والذي مضى عليه اكثر من 15 سنة) وهو امر يقلق الولايات المتحدة، وينطبق الامر على اسرائيل التي تحاول الوصول الى الصين، ضد رغبة حليفتها واشنطن. وحتى المؤسسة العسكرية الاميركية ادركت ان عليها ان تركن الى التصدير (حتى لو الى الصين) للحفاظ على تقدمها امام السلاح الروسي على وجه التحديد. وقد ارتفعت اصوات عديدة منذ مدة ليست بالقصيرة منبهة الى هذه المنافسة. قال دونالد هيكس، وهو من كبار مسئولي البنتاجون في ادارة الرئيس الاسبق ريجان ان العولمة ليست خيارا سياسيا انما هي حقيقة يجب ان يطاوعها صناع القرار في واشنطن وان جميع جيوش العالم لديها القاعدة الصناعية العسكرية ذاتها. (يرتدي الجنود الاميركيون في افغانستان والعراق ملابس واحذية صنعت في الصين).
ان منظمة التجارة العالمية هي المؤسسة الدولية الوحيدة المسئولة عن قوانين التجارة بين دولها الاعضاء المائة والثماني والاربعين. وتعمل المنظمة وفق الاتفاقيات (التي تعرف احيانا بنظام التجارة متعدد الجنسيات) التي تفاوضت بشأنها غالبية دول العالم ثم وقعتها وصادقت عليها برلمانات تلك الدول. ان هدف المنظمة ينصب على مساعدة منتجي البضائع والخدمات وكذلك المصدرون والموردون لانجاز اعمالهم، على افتراض ان التجارة وبشكل آلي تحقق العوائد المتساوية لجميع الاطراف (وهو افتراض غامض).
ان الهدف يعتبر رفاهية الناس وسعادتهم مضمونة لان التجارة المتوازنة او المتكافئة ستحقق الرفاهية للجميع وبشكل متساو، الا ان ممارسات منظمة التجارة العالمية تناقض بشكل فاضح تلك الفرضية.
ان عقدين من التجارة العالمية التي يحركها فكر الليبراليين الجدد قد زادت من الفوارق في الدخل والثروة على الصعيدين الوطني والدولي. لقد تبين ان التجارة الحرة ليست لعبة مربحة كما روج لها الليبراليون الجدد، انها لعبة يربح فيها البعض ويخسر البعض الآخر ، لكن الرابح باستمرار هو الدول الغنية بينما اصبحت الدول الفقيرة هي الخاسر الأزلي وتعرضت التنمية الداخلية الى ضربة موجعة من التجارة الحرة لانها اصبحت الضحية البائسة للتجارة الخارجية وتنتظر الفائض التجاري للتمويل. لقد غدا الاستثمار والتجارة الخارجيان المحرك الذي يشغل التنمية الداخلية، وبسبب هيمنة الدولار فان الاستثمار الاجنبي يذهب بأكمله الى قطاع الاستيراد للحصول على الدولار، وحتى الاقتصاديات التي تحقق فائضاً تجارياً لا تستطيع استعمال عوائد التجارة (بالدولار) في التنمية الداخلية لانها مضطرة للاحتفاظ باحتياطي بالدولار لدعم قيمة عملاتها في اسواق الصرف امام العملات الاخرى. في المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في مدينة كانكون المكسيكية في سبتمبر 2003. رفضت الدول الغنية مطالب الدول الفقيرة باصلاح جذري للتعويضات الزراعية التي اضرت بالزراعة في دول العالم الثالث. وعندما فشلت الجهود لإعادة جولة مفاوضات الدوحة في منظمة التجارة العالمية (التي انطلقت في العاصمة القطرية في 2001 خلال المؤتمر الوزاري الرابع) الى طريقه الصحيح بعد انهيار مؤتمر كانكون بدأت تظهر علامات الحمائية على المستوى الدولي تحت قيادة الولايات المتحدة، كتبت صحيفة الجارديان البريطانية في 13 اكتوبر 2003 تقول : ان لغة العولمة تتكلم عن الديمقراطية والتجارة الحرة وتبادل منافع التقدم التكنولوجي. لكن الحقيقة تتكلم عن النخبوية والانانية والحمائية. وتحدثت الصحيفة عن مثالب العولمة، خاصة التناقض بين العمل والثروة. وقال سام ماباسو وزير تجارة وصناعة مالاوي متحدثا عن فوائد العولمة لقد فتحنا اقتصادنا لذلك خسرنا كل شيء. وتعليق الوزير يلخص الهوة الواسعة التي تفصل وجهات نظر اولئك الذين كتبوا قوانين العولمة عن وجهات النظر للفقراء الذين اكتفوا بالتطلع الى ما يجري لانهم بلا حول ولا قوة.
لقد زادت الصادرات الصناعية للدول النامية خلال العقود الثلاثة الاخيرة بسبب تراجع التعريفة الجمركية وكلفة النقل مما ساعد الشركات الكبيرة على نقل اعمالها الى تلك الدول مستفيدة من ضعف الاجور فيها. زادت معدلات التصدير من 25% في عام 1965 الى 75% خلال ثلاثة عقود، الا ان معدلات الصادرات الزراعية من تلك الدول تراجعت من 50% الى 10% للفترة ذاتها، ولم تحصل العديد من الدول النامية على عوائد كبيرة من زيادة صادراتها الصناعية، حيث ذهبت الحصة الاعظم الى رأس المال الاجنبي. وواجهت الصناعات التنافسية للدول النامية، خاصة الملابس والاقمشة مضايقات واسعة في السوق، كما ان الخلافات التجارية التي تندلع بين الحين والحين كفيلة بزيادة هذه القيود. ويرجع السبب الرئيسي في زيادة اعداد الباحثين عن عمل في الدول النامية الى تدهور الزراعة، وعززت التعويضات الحكومية التي تدفع للمزارعين في الدول الغنية ذلك التدهور. علينا ان نتذكر ان معظم الدول النامية هي دول زراعية وان تدهور الزراعة يعني تدهور الاقتصاد بأكمله ان جولة مفاوضات الدوحة التي رعتها منظمة التجارة العالمية قد انهارت في كانكون بسبب قضية الدعم الحكومي للمزارعين في الدول الغنية وتأثير ذلك على الدول النامية خاصة زيادة الفقر فيها. لقد تركزت المفاوضات منذ مؤتمر كانكون على الحاجة لفهم العلاقة بين السياسات التجارية، خاصة في الدول الغنية وبين الفقر في الدول النامية وبالرغم من اقرار الدول الغنية والمنظمات الدولية المعنية بالتنمية (مثلا البنك الدولي) بأهمية موضوع الفقر الا ان تلك الاهمية لم تترجم الى خطوات عملية للقضاء عليه.
ان اهداف الالفية التنموية (التي وضعتها الامم المتحدة) دعت الدول الى توحيد الجهود لتقليص عدد الفقراء في العالم الى النصف بحلول عام 2015، اي بعد اقل من عقد منذ الآن. الا ان هذا الهدف لن يتحقق في ذلك الموعد، الا من خلال موت نصف عدد الفقراء بسبب الجوع والمرض والصراعات الداخلية. ذكر البرنامج التنموي للامم المتحدة ان ثلاثة ملايين طفل سيموتون في منطقة جنوب الصحراء الكبرى الافريقية بحلول 2015 اذا استمر فشل العالم في تحقيق اهداف الالفية التي اقرت في العام 2000، وكان من المفترض ان تساعد التجارة الدولية في تحقيق تلك الاهداف، الا ان الفقراء ازدادوا فقرا. ان عدم التصدي لقضية العلاقة بين التجارة والتنمية يفتح الباب واسعا امام عودة الحمائية في الدول النامية، واذا كانت الديمقراطية هي صوت الشعوب فان الديمقراطية ستطالب بعودة الحمائية.
وبينما تراجعت الرسوم الجمركية في السنوات العشر الاخيرة، اصبحت اسعار الصرف المرنة شكلا من اشكال الرسوم التعويضية، ان سعر صرف العملة اصبح اليوم وسيلة لتوازن التجارة من خلال التدخل الحكومي في التذبذبات التي تصيب سوق العملة ضد الدولار. ان القوة الشرائية للعملات (اي ان اسعار صرف العملات يجب ان يعتمد على القوة الشرائية لكل عملة في بلدها لسلة من البضائع والخدمات) يتناقض مع نسبة معدلات الفائدة (ونعني هنا ان اي فوارق في معدلات الفائدة بين بلدين تتوازن من خلال التغيرات في اسعار صرف العملة). فالمستثمر الاميركي الذي يريد الحصول على معدل الفائدة ذاته في بلد اجنبي فيه القوة الشرائية للعملة يبلغ اربعة اضعاف (مثلا الفارق بين القوة الشرائية للدولار الاميركي واليوان الصيني)، يجب ان تكون الاجور المحلية ادنى اربع مرات من الاجور في الولايات المتحدة. ان قانون السعر الواحد يقول ان البضائع المتشابهة تباع في السعر ذاته في سوقين مختلفين مع طرح كلفة النقل والضرائب. الا ان قانون السعر الواحد لا ينطبق على سعر اليد العاملة. لذلك يحاول المستثمرون العمل في مناطق اجور العمل فيها متدنية ويبيعون بضاعتهم في اسواق عالية جدا. وهذا هو الدافع وراء ذهاب الشركات الى دول العالم الثالث لكن البضائع لا تباع في بلد الانتاج. الملاحظ ان سعر الانكماش في اي اقتصاد يرفع القوة الشرائية للعملة، اي ان العملة الوطنية ذاتها تستطيع ان تشتري اكثر. الا ان قانون السعر الواحد لا ينطبق الا على بعض البضائع مثلا النفط، لذلك فان الزيادة في اسعار النفط (وبسبب القوة الشرائية للعملات التي تبلغ اربعة اضعاف) ستكلف الاقتصاد الصيني سعرا يبلغ اربعة اضعاف ما تدفعه الولايات المتحدة. وكلما ازداد الفارق بين القوة الشرائية للعملة المحلية والدولار سيزداد بطش الدولار ويتسبب في تراجع الاجور.
أسباب هيمنة الدولار وتأثيره:
منذ عام 1971 عندما اعلن الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون وتحت ضغوط الميزانية والعجز في الميزان التجاري مما اثر على موجودات الذهب في الاحتياطي، اعلن فصل الدولار عن الذهب، اصبح الدولار عملة بلا غطاء في بلد يعاني من غياب الانضباط المالي او النقدي. بعد مؤتمر بريتون وودز الذي عقد في نهاية الحرب العالمية الثانية اصبح الدولار وكان يومها عملة قوية مغطاة بالذهب اصبح عملة التجارة العالمية مع ثبات قيمة العملات الاخرى امام الدولار الا في حالات نادرة. وكان الهدف من تثبيت قيمة العملات للحفاظ على شفافية العلاقات التجارية بين الدول ومنع حدوث العجز التجاري المستمر. الا ان احدا لم يتوقع ان يستخدم الدولار لتحديد مستويات المعيشة في تلك البلدان، حيث قررت تلك المستويات بواسطة عوامل اخرى اضافة الى معدلات الصرف. منذ عام 1971 تحول الدولار من عملة مغطاة بالذهب الى اداة احتياطي مالي دولية تقدمها الولايات المتحدة (فقط الولايات المتحدة) بدون غطاء. كانت تلك بداية هيمنة الدولار. فمع تدهور الاسواق المالية واسعار صرف العملات، تراجعت العديد من العملات، ليس بسبب ضغوط السوق، انما للحفاظ على فرص التنافس في التصدير. واصبح التدخل الحكومي في اسواق العملة سلوكا معتادا في العديد من الدول للحفاظ على فرص المنافسة في سوق الصادرات ولمقاومة هيمنة الدولار على مستويات المعيشة لديها.
غدت التجارة العالمية في ظل هيمنة الدولار لعبة تطرح فيها الولايات المتحدة دولارات ورقية وتقدم دول العالم اشياء حقيقية يستطيع الدولار شراءها. ولم تتمكن الكثير من الدول من الحصول على منافع من التجارة انما اخذت تتنافس في سوق الصادرات للحصول على الدولار لمواجهة الديون (بالدولار) ولجمع المزيد من الدولار في احتياطياتها للحفاظ على قوة عملاتها في سوق العملات. وكان على المصارف المركزية للوقوف بوجه المضاربات الاحتفاظ باحتياطيات جيدة من الدولار لمواجهة الضغوط التي تتعرض لها العملات المحلية.
وكلما زاد الضغط يجب ان يزداد معه الخزين من الدولار. لقد أوجد هذا الوضع دعما قويا للدولار ودفع المصارف المركزية الى زيادة خزينها من الدولار لتزداد قوة الدولار اكثر. هذه الظاهرة تعرف بهيمنة الدولار التي ولدت بسبب ظروف جيوبولتيكية لعبت فيها بعض السلع خاصة النفط، الذي تجري تعاملاته بالدولار لعبت دورا كبيرا.
ان الدولار مقبول لدى الجميع لأن الدولار قادر على شراء النفط، ان هيمنة الدولار على سوق النفط وكذلك تدوير الدولار النفطي هو الثمن الذي اقتطعته الولايات المتحدة من الدول المنتجة للنفط مقابل تسامحها مع كارتل تصدير النفط منذ عام 1973.
ان احتياطيات الدولار يجب ان تستثمر في اصول يسيطر عليها الدولار مما يوجد فائضاً في رأس المال في الولايات المتحدة. ان سياسة الدولار القوي تصب في مصلحة الاميركيين لانها تبقي التضخم في الولايات المتحدة متدنيا وتجعل الاصول الاميركية (بالدولار) غالية على المستثمرين الاجانب. ان هذا الوضع، الذي اسماه الآن جرينسبان المدير السابق للاحتياطي الفيدرالي الاميركي في شهادة له امام الكونجرس بالهيمنة المالية الاميركية، مكن الاقتصاد الاميركي من الانتعاش في وقت عانت الدول الاخرى من ازمات مالية. وهذا الوضع حول العولمة الى سباق لاستغلال سوق العمل الرخيصة والتعدي على البيئة في انحاء عديدة من العالم لانتاج بضائع تصدر الى الاسواق الاميركية طمعا في الحصول على المزيد من الدولارات، وهو عملة لم تعد مغطاة بالذهب منذ عام 1971، او بأي من اساسيات العملية الاقتصادية منذ اكثر من عقد من الزمان. لقد كان تأثير هذه العولمة على دول العالم الثالث واضحاً جدا. لقد جردت هذه العولمة تلك الدول من ثمار صادراتها وحولت اقتصادياتها الى مجرد متسول يستجدي رأس المال ، طالما ان الفائض من الدولار يجب ان يستثمر في الاصول الاميركية للحيلولة دون تداعي العملات المحلية.
وظهر جليا تأثير هذه العولمة على الاقتصاد الاميركي، حتى يصبح الاقتصاد الاميركي مستهلكا لسلع العالم وبضاعته، تحول الى فقاعة من الديون تنمو على الاستهلاك الجشع والمضاربات المالية المشبوهة. ان الارتفاع غير المنطقي لاسعار الاسهم والعقارات الاميركية، دون دعم واضح من العوائد او الارباح، كان محاولة لخفض قيمة الدولار. ان ارتفاع القوة الشرائية للدولار داخل الولايات المتحدة يعكس الفارق لتلك القدرة مقارنة بالعملات الاخرى مما يوجد حالة من عدم الاستقرار على الاسعار في البلدان ذات اسعار الصرف الثابتة واسواق العملات المفتوحة، مثل هونج كونج .
ان تراجع سعر الصرف الخاص بالدولار يدفع اسعار الاصول الاميركية الى الارتفاع لذلك فإن الاقتصاد الاميركي (الذي يعاني من فقاعة الديون) سيعاني كثيرا من الدولار القوي. لذلك يمكن القول ان السحر انقلب على الساحر.
لم تعد الكثير من الدول قادرة على ممارسة سيادتها على عملاتها المحلية. ان الولايات المتحدة، وبسبب هيمنة الدولار، اغتصبت حق الدول في تقرير قيمة عملاتها المحلية من امل تعزيز مكاسبها الاقتصادية الوطنية باسم التجارة الحرة. كما ان موقف الولايات المتحدة من سوق العملات غير ثابت. فعندما ارتفع الدولار في الثمانينيات ايدت الولايات المتحدة سياسة سعر الصرف الثابت كي تدعم سوق صادراتها. وعندما تراجع سعر الدولار ، كما حدث في السنوات الاخيرة، هاجمت الولايات المتحدة سياسة سعر الصرف الثابت لتبرير العجز التجاري في موازنتها، مثلما فعلت مع الصين التي ثبتت قيمة عملتها ازاء الدولار لفترة طويلة. كيف يمكن لدولة من الدول التلاعب بسعر الصرف لعملتها المحلية اذا كانت تلك القيمة ثابتة امام الدولار؟ ان التغير والتلاعب يأتي من الدولار وليس من العملة المحلية.
ان ارتفاع سعر صرف اليورو امام الدولار في السنوات القليلة الماضية كان نتيجة لاتفاق بلازا (1985) حول الين الياباني. لم يكن الهدف مقصورا على تخفيف وطأة العجز التجاري الاميركي. تشير الارقام الى ان العجز التجاري الاميركي ازداد حتى مع تراجع الدولار 30% امام اليورو. كان الهدف من رفع قيمة اليورو لمواجهة الين، وهي العملة المساندة لسطوة الدولار. وكان التأثير الفعلي لاتفاق بلازا هو نقل اعباء دعم العجز التجاري الاميركي من الولايات المتحدة الى اليابان، ان ما يجري لليورو لا يمكن اعتباره بداية النهاية للدولار انما تحويل اليورو الى عملة تابعة للدولار من اجل دعم الاقتصاد الاميركي المثقل بالديون. مرت اكثر من ثماني سنوات على تشكيل الاتحاد النقدي الاوروبي، وما زالت منطقة اليورو ترضخ في ظروف مالية صعبة بسبب غياب السياسات المالية البناءة. وبدأت الدول الاعضاء بالتذمر من اعباء التكيف مع العولمة او مع سياسات الاتحاد الاوروبي الهادفة للتوسع وبدأت الدول الاوروبية ايضا برفض السياسة الاميركية الهادفة لجعل اقتصاد اليورو داعماً للدولار في تقلباته، هبوطا وصعودا تبعا لحاجات الاقتصاد الاميركي الداخلية.
ان السماح للدول بالاحتفاظ باحتياطيات كبيرة من الدولار يعني ان تلك الدول تدفع ثمن نمو الاقتصاد الاميركي، وهذا الثمن يظهر جليا في اجور العمل المتدنية وضعف الاستهلاك المحلي. اما بالنسبة لليابان والاتحاد الاوروبي حيث اجور العمل عالية ، فإن الثمن هو تراجع منافع الرعاية الاجتماعية والضمان الوظيفي وهي سمات بارزة لتلك البلدان.
اما الصين وهي ثاني اكبر بلد دائن في العالم فهي مضطرة الى الاستئذان من الولايات المتحدة وهي اكبر دولة مدينة في العالم لتمويل تجارة صادراتها الى الولايات المتحدة التي يعاني اقتصادها من عجز تجاري مزمن.
ان صندوق النقد الدولي الذي لم يتوان عن وضع الكثير من الشروط والقيود المالية والنقدية على الدول المدينة في جميع انحاء العالم بعد انتهاء الحرب الباردة لم يحرك ساكنا مع الاقتصاد الاميركي، الاكثر مديونية في العالم. والسبب ان الولايات المتحدة تستطيع اصدار المزيد من الدولارات متى شاءت وبدون رقيب او حسيب. ان الدولار عملة لا تحظى بدعم الذهب او قوة الصادرات الاميركية او الانتاج الاميركي، انما بدعم القوة العسكرية الاميركية. كانت ميزانية وزارة الدفاع الاميركية 420.7 مليار دولار في عام 2005 وقبلها (2004) 399.1 مليار دولار وقبلها (2003) 396.1 مليار دولار. وأنفقت الولايات المتحدة في الفترة الاولى من رئاسة بوش تريليون ونصف تريليون دولار على جيشه وهذا المبلغ يفوق الناتج القومي للصين في 2004 وان العجز التجاري الاميركي يبلغ 6% من ناتجها القومي بينما تبلغ ميزانية الجيش 4% من الناتج القومي. أي ان الشركاء التجاريين للولايات المتحدة يدفعون ضعفا ونصف الضعف من تكاليف الجيش الاميركي الذي قد يوجه اسلحته ضدهم لأي سبب، ومنها الخلافات التجارية. ومما يؤسف له ان وزير الدفاع الاسبق رامسفيلد حاول ايهام العالم ان ميزانية الجيش الصيني، وكانت تصل الى عشر ميزانية الجيش الاميركي، تشكل تهديدا لآسيا، بالرغم من انه قال ان تحديث الجيش الصيني يستهدف حماية سواحل الصين، وليس مهاجمة الآخرين، وهو ديدن العقلية العسكرية الاميركية. وبينما طالب رامسفيلد من الصين منح مواطنيها المزيد من الحرية كان موقفه (المهدد) للصين يعتبر مناقضا لمبادئ الحرية.
استنادا الى نظرية التجارة الحرة ان الخلل في التوازن التجاري يجب ان يكون مؤقتا وإلا لم تعد التجارة حرة عندما يختل التوازن التجاري بين بلدين فإن السبب في ذلك يعود الى ان احد الشركاء فقد مؤقتا قدرته التنافسية او الانتاجية. ان الشريك الذي يعاني من العجز التجاري تصله بضائع وخدمات من زميله الذي لديه فائض تجاري اكثر مما يستطيع ان يقدمه بالمقابل مما يؤثر على عملته المحلية. ان هذا الخلل يعود الى جملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية منها الشروط التجارية ومستويات الاجور وعوائد الاستثمار والقوانين المنظمة للعمل التجاري والقوة الشرائية للعملة وغيرها. ان الشريك التجاري الذي يعاني باستمرار من العجز التجاري يسميه رجال البنوك مقترضاً مدمناً. اذا دفع العجز التجاري بالعملة المحلية سيؤثر ذلك على سعر صرف العملة. ان العجز التجاري البسيط يمكن علاجه بواسطة سعر صرف مرن للعملة، اما الفارق في الانتاج فيجب معالجته بشكل جدي. ان سطوة الدولار تعيق الاقتصاد الاميركي من معالجة العجز التجاري فيه، وهذا بدوره يسبب تراجع قيمة الدولار واذا استمر هذا التراجع لفترة طويلة ربما يسبب في تحول العجز التجاري المؤقت الى عجز تجاري دائم. وهو ما حدث للولايات المتحدة في العقد السابق، ورافقه تراجع في اعداد الوظائف في بعض القطاعات كما ان سياسة الهجرة الاميركية التي تتسم بالعنصرية حرمت البلاد من اليد العاملة الرخيصة وزادت من حدة ومشاكل الهجرة غير الشرعية. وساعدت الفوارق في معدلات الاجور في الولايات الاميركية في العقود السابقة على جعل الاقتصاد الاميركي منتجاً الا انه كان ضعيفا. تحركت الصناعات التي تحتاج الى اليد العاملة الى الجنوب بسبب تراجع مستويات الاجور، وامام ذلك اضطرت المناطق الشمالية الى رفع وتيرة الانتاج وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا والاساليب المالية المتطورة وجودة النوعية. واستطاعت ولايات الجنوب تطوير تلك الجوانب من اجل تضييق الهوة في مجال الاجور. كان ذلك ممكنا قبل العولمة. الا ان العولمة تسببت في هروب الوظائف. استنادا الى نظرية التجارة الحرة فأن العجز التجاري الاميركي كان من المفترض ان يؤدي الى تراجع مؤقت لسعر الدولار امام عملات شركاء الولايات المتحدة التجاريين مما يعيد التوازن الى الصادرات مما يؤدي بدوره الى تقليص العجز التجاري او انهائه. وكان المفترض ان تعود الوظائف الهاربة من الولايات المتحدة اليها من جديد.
الا ان العجز التجاري الاميركي تحدى جميع النظريات وظل جاثما على الاقتصاد الاميركي والسبب هو سطوة الدولار. وحاولت بعض العملات القوية التخلص من تأثير الدولار من خلال تخفيض اقيامها. كان الهدف ينحصر في دعم الصادرات الا ان الديون بالدولار ارتفعت امام العملات المحلية. ولأن معدلات التضخم لم ترتفع كثيرا في الولايات المتحدة فإن العجز التجاري لم يفارق الاقتصاد الاميركي.
وحقق الاقتصاد الاميركي ازدهارا طيبا عندما بدأ الدولار بالتقدم، وحدث ذلك عندما كانت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة أعلى من تلك التي لدى الدول الدائنة. وهذا ادى الى ظاهرة غريبة وهي كلما ارتفعت معدلات الفائدة طالت معها فترة الانتعاش بدلا من حدوث العكس، لأن ذلك تسبب في تدفق هائل للسيولة في النظام المالي الاميركي وخفض التضخم الناجم عن تدني اسعار الاستيرادات وزاد من الانتاجية وزاد ايضا من الاستهلاك بالرغم من تراجع معدلات الاجور. وارتفعت ايضا عوائد الاصول بالدولار في عقود العملات الاجنبية. وهذا ما فعله جرينسبان في التسعينيات في الاجراءات الاحترازية لمحاربة التضخم. ان سطوة الدولار ساعدت الولايات المتحدة على اصدار المزيد من الدولارات لمحاربة التضخم، مسببة فقاعة ديون ناجمة عن ارتفاع قيمة الاصول. ارتفع معدل فائدة الصناديق الفيدرالية من 1% في منتصف 2004 الى 3% في منتصف 2005 ان رفع قيمة الفائدة بالدولار كانت محاولة لمنع المصارف المركزية من شراء الاصول بالدولار وليس لمحاربة التضخم، لأن قيمة الفائدة المرتفعة في اقتصاد يعاني من الديون هي سبب من اسباب التضخم. ان سياسة قيمة الفائدة هي سلاح ذو حدين فهي تمنع الاموال من الخروج من فقاعة الديون، الا ان الفقاعة قد تنفجر بسبب ارتفاع كلفة الديون. وللحيلولة دون وقوع السيناريو الثاني قام البنك الاحتياطي الفيدرالي برفع قيمة الفائدة قصيرة الامد مما تسبب في تضييق الفجوة في قيمة الفائدة على الديون قصيرة الامد وبعيدة الامد. ان زيادة السيولة لم يكن اسلوبا ناجحاً في معالجة التضخم وربما قاد في النهاية الى الانكماش.
ويبدو ان فقاعة الديون في الولايات المتحدة تواجه بعض المشاكل ويبدو هذا واضحا في سوق الائتمان. على سبيل المثال سجل شهر مايو 2005 هبوطاً حادا في عقود الائتمان التي بلغت اقيامها 9ر2 مليار دولار وهو اسوأ شهر منذ اكتوبر 2002 ويعود السبب الى تخفيض ديون كل من شركتي جنرال موتورز وفورد. ولعبت اسعار النفط دورها في زيادة العجز التجاري الاميركي، خاصة مع ارتفاع اسعار العقارات في السنة الماضية، لأن الوضع يهدد بانفجار فقاعة الديون الاميركية والتي ستؤدي حتما الى حدوث الانكماش في الاقتصاد العالمي. لذلك فإن الولايات المتحدة مضطرة الى ركوب قطار العجز التجاري، لكن ذلك لن يستمر طويلا خاصة مع ظهور بوادر الحمائية. وكان للانتقال الى الانتاج في الدول النامية اثر على معدلات الانتاج التي ارتفعت بشكل غير مسبوق، خاصة في العقد الماضي ووصلت الزيادة الى 70% من عام 1974، حسب الارقام الرسمية الا ان الواقع يشير الى زيادة وصلت الى 10% في بعض القطاعات خاصة اذ طرحنا من اعتباراتنا الاستيرادات.
الا ان ادارة الرئيس بوش استمرت بالقول ان الاقتصاد الاميركي قوي جدا، لكن الواقع يشير الى ان ذلك الاقتصاد كان يعاني من مشاكل مزمنة. وبعض هذه المشاكل تعود الى فترات طويلة. فقد اشار التقرير السنوي عن الاقتصاد الاميركي الصادر في عام 2000، ابان ادارة الرئيس كلينتون الى ان ازدهار الاقتصاد الاميركي سيتواصل الى (ما لا نهاية) ما دام الاميركيون يسيرون على هدى سياسة جيدة. حسب ما قاله مارتين بيلي رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، كما جاء على صفحات الوول ستريت جورنال. جاء في التقرير المذكور اشارة الى عاملين كانا، حسب رأي التقرير، السبب وراء الانتعاش الذي يشهده الاقتصاد الاميركي وهما الانتاج المدعوم بالتكنولوجيا والعولمة المعتمدة على الليبرالية الجديدة. وقال مجلس المستشارين الاقتصاديين: ان الاقتصاد سيواصل نموه حتى مع تباطؤ الانتاج وزيادة الانفاق. وتوقع المجلس في حديثه عن العجز التجاري ان انتعاش الاقتصاد العالمي سيعزز الطلب على الصادرات الاميركية، دون ان نغفل ان معظم الصادرات الاميركية تتكون من اجزاء مستوردة.
ومع ذلك فإن الولايات المتحدة اتبعت ولفترة طويلة سياسة الدولار القوي التي اضعفت الطلب العالمي على الصادرات الاميركية. وكان من المتوقع ان يحقق الاقتصاد الالكتروني بعض النجاح. توقع مجلس المستشارين الاقتصاديين ان يحقق نشاط الشركات في هذا الاقتصاد ارقاما تصل الى
3ر1 تريليون دولار في عام 2003 (صعودا من 43 مليار دولار في 1998 الا ان الوقائع اثبتت ان الاوروبيين والاسيويين كانوا اكثر نجاحا في الاتصالات والتكنولوجيا من الاميركيين. قال تقرير صدر عن مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية في عام 2004 ان الشركات الاميركية في الاقتصاد الالكتروني والتي كانت تشكل 93% من الاقتصاد الالكتروني في العالم تراجعت الى 28ر16% فقط. وبينما تراجعت الصفقات التجارية بين المؤسسات في عام 2002 فإن النشاط التجاري بين الشركات ارتفع حوالي 1ر6% وبلغت مبيعات الشركات في الاقتصاد الالكتروني 9ر1% من مجمل المبيعات. واشار داو جونز الى ان التجارة الجزئية الالكترونية في الربع الاول من عام 2005 صعدت الى 19 مليار دولار الا ان التقرير الذي اصدره مجلس المستشارين الاقتصاديين في عام 2000 لم يتحدث ما اذا الاقتصاد الالكتروني يمثل تحولا في الاقتصاد ام هو نمو حقيقي، خاصة اذا اخذنا بالحسبان ما يعرف بالنمو السلبي. مثال على ذلك ما حدث مع شركة انتيل لاجهزة الحاسب الآلي حيث ان جوردوث مور وهو المالك الثاني للشركة قال في عام 1965 ان هناك زيادة مطردة في عدد الترانستوراث الموجودة في دائرة جهاز الحاسب الآلي المدمجة وتوقع استمرار هذه الظاهرة مع مضاعفة عدد الترانستوراث كل سنتين. الا ان مور لم يتحدث عن تحسن نوعية الاجهزة مع تراجع اسعار اجهزة الحاسب الآلي فان الشركات شهدت زيادة في كلف البحوث والتطوير والتصنيع مع كل جيل جديد من اجهزة الحاسوب.
وبالحديث عن السياسة المالية للولايات المتحدة فان الانفاق الحكومي، ومنها الدفاع والرعاية الاجتماعية، قد تراجع خلال السنوات الثماني الاولى في ولايتي الرئيس كلينتون وادى ذلك الى استقطابية في الثروة والدخل واثر على العرض والطلب في الاقتصاد وهذا الوضع يناقض ما حدث في ولاية الرئيس روزفلت عندما ارتفع الدخل وكان توزيع الثروة متوازنا. ترتبط الثروة بأسواق الاسهم والعقارات التي قد تنقلت في ليلة وضحاها، كما حدث في عام 2000 (على سبيل المثال) ولم ينقذها سوى الاستقطاعات الضريبية التي قام بها بوش والعجز في الانفاق الحكومي بسبب الحرب على الارهاب في 2001 وبعدها. وازدادت الديون الخاصة في عقد التسعينيات واعتبرها الليبراليون الجدد علامة صحية. كان الانفاق المنزلي يعتمد على الزيادات المستقبلية المتوقعة، والتي اختفت سريعا وعندما حلت انتخابات نوفمبر 1999 الرئاسية تحولت معجزة كلينتون الاقتصادية الى اخفاق تام. ان الدورة الاقتصادية لم تكتمل وكان الجميع ينتظر الانهيار التام الذي تأجل لبضع سنوات. واشار كلينتون وآل جور في حملتهما الى 1991 باستمرار الى حقيقة ان واحداً بالمائة من الاميركيين يملكون 40% من ثروة بلادهم. وقالا ايضا اننا اذا الغينا ملكية البيوت وركزنا على ملكية الشركات والمصانع فإن 1% من الاميركيين يملكون 90% من الثروة الاقتصادية وقالا ان 10% من الاميركيين يملكون 99% من الثروة وقالا انهما سيحاولان تغيير الامور اذا فازا في الانتخابات. وعندما وصلا الى البيت الابيض لم يفعلا شيئا بخصوص توزيع الثروة بشكل متساو. وما حدث هو العكس تماما حيث منح الديمقراطيون الثروة بأكملها للاغنياء وازداد الفقراء فقرا.
ان عولمة التجارة وعلى الصعيد الجيوبولتيكي بدأت تواجه مقاومة قوية في انحاء مختلفة اثناء الدورة الثانية لرئاسة كلينتون وكان مقدرا لهذه المقاومة بعد رئاسة كلينتون ان تبطئ العولمة او يعاد النظر باتفاقيات التجارة. ان الازمة المالية التي ضربت الاسواق الاسيوية في عام 1997 بعثت الروح بما يعرف (وطنية الاقتصاد) ضد عولمة الليبراليين الجدد في الولايات المتحدة، في حين ان هجوم الناتو على يوغسلافيا في عام 1999 بعث الروح في العسكرتاريا الاوروبية. ان ايديولوجية السوق التي نادت بها الولايات المتحدة بدأ الآخرون ينظرون اليها على انها ايديولوجية اميركية محضة، واصبح العداء للعولمة عداء للولايات المتحدة (مثلما كان العداء للبونابرتية عداء في الاساس لفرنسا) ان التفرد الاميركي بالساحة السياسية الدولية اصبح (القابلة) التي اعلنت ولادة الوطنية السياسية والاقتصادية. ان مبدأ الرئيس بوش الخاص بالحروب الاستباقية وتقسيم العالم الى معسكرين (معنا او ضدنا) وعدم استعداده للحوار مع الدول التي تساند الارهاب (حسب زعمه) كلها عوامل ساعدت على اذكاء الوطنية الحمائية في جميع انحاء العالم. قال آلان جريسبان في اكتوبر 1997 في شهادة له امام الكونجرس حول الاضطرابات في الاسواق المالية العالمية (اننا وبعد عدة سنوات سنعتبر ما حدث للاسواق المالية الاسيوية مفيدا للاقتصاد الاميركي) ان هذا التصريح ربما اعطى دعاة الحمائية في تلك الدول سببا مقنعا لرفع اصواتهم من جديد.
بعد انتهاء الحرب الباردة اصبحت رأسمالية السوق القوة المناسبة لاحداث التغيرات الجذرية واصبحت رأسمالية رأس المال اداة ديمقراطية بعدما بدأ رأس المال بالتدفق من صناديق التقاعد للعمال، بالرغم من اتساع فجوة الثروة والدخل. كان في صندوق التقاعد الاميركي حوالي 15 تريليون دولار معظمه يعود لصغار الموظفين. ظهرت نوعية خاصة من الرأسمالية الاجتماعية مستعدة لالغاء الوظائف من اجل منح الموظف عائداً كبيراً على راتبه التقاعدي. لذلك بدأ نوع من تضارب المصالح بين ما يوفره الموظف وبين ما يتقاضاه. ان الرأسمالية الاجتماعية التي فضلت عوائد رأس المال على تعويضات العمل تسببت في زيادة الاستثمار وفي ظاهرة لا يمكن علاجها الا من قبل المستهلكين اصحاب الدخول العالية. كما ان زيادة اعداد الباحثين عن العمل في مثل هذه الاقتصاديات ستؤدي الى الانهيار المالي لأنها تقلل الطلب. وكما فعلت مبادئ الملكية في مواجهتها للاقطاعية عندما اعتبرت نفسها القانون الحتمي للتطور السياسي، وهي بذلك وضعت اللبنة الاولى لنهايتها، فإن الرأسمالية الاجتماعية بتركيزها على رأس المال متناسية الشخص الذي يملك رأس المال فإنها ربما تقود نفسها بنفسها الى النهاية. وعندما يخير الانسان بين البقاء اليوم او الرخاء غدا فإنه سيختار الاول وبذلك يقضي على الرأسمالية الاجتماعية.
محمد نجيب السعد*
* باحث ومترجم عراقي


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر أبريل 2009 م

 

 




.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept