الحقيقة
الأحياء والقرى الصحية .. تجربة رائدة .. وجهود مضنية
فاطمة العجمية :
ـ عندما نتكلم عن المبادرات المجتمعية نتكلم عن التنمية المستدامة
ولا نتحدث عن هدف قصير المدى
ـ وزارة الصحة ليست هي فقط المسؤولة عن الصحة بل للأفراد والمجتمع
مسؤولية تحمل ذلك
عبدالله العامري منسق لجنة حي الشريجة الصحي:
ـ لجنة الحي تعقد اجتماعات دورية مع الأهالي وتنظر في مشاكلهم واحتياجاتهم
ـ نحتاج إلى الكثير من الجهود حتى نصل إلى مرحلة الرقي بهذا المشروع
كنموذج في الولاية
سلط الضوء عليها
يوسف بن سالم الحبسي
المبادرات المجتمعية بصيص نور يشرق مع تحقيق
التنمية المستدامة في المجتمع وتمكين المواطن للقيام بدوره على أكمل
وجه لخدمة وطنه ومجتمعه ، "فتون" تسلط الضوء على المبادرات
المجتمعية وتزور أحد الأحياء الصحية في السلطنة وهو حي الشريجة الصحي
بولاية السيب ، لتنقل لكم هذه التجربة الرائدة التي تحمل في جوفها
أهدافا نبيلة للرقي بهذا الوطن والمواطن معرفياً وصحياً وتوثيق أواصر
التعاون بين المجتمع والخدمات الصحية.
ولمعرفة تاريخ بدء المبادرات المجتمعية في السلطنة كان لنا لقاء
مع الدكتورة فاطمة بنت محمد العجمية مديرة الخدمات الصحية بولاية
السيب حيث قالت : إن منظمة الصحة العالمية عرفت في عام 1947 الصحة
على أساس اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية ، ولا يعني
ذلك وجود إعاقة أو مرض في البدن، وفي عام 1978 تبنت الدول الأعضاء
في مدينة الماتا مفهوم الرعاية الصحية الأولية كاستراتيجية لتحقيق
الصحة للجميع وأيضاً كان هناك إعلان أوتاوا عام 1986 لتعزيز الصحة
على أساس انها عملية دعم مقدرة المجتمع المحلي على زيادة سيطرته
وتحسين صحة أفراده .. وفي عام 1978 كانت هناك أربعة مبادئ في الماتا
وهي على النحو الآتي حق الوصول للرعاية الصحية الأولية وهذه تتمثل
في المراكز الصحية في السلطنة ، والثاني العدالة في توزيع الخدمات
ويعني أن تصل الخدمات إلى جميع الفئات الموجودة في المجتمع ، والثالث
والذي نحن بصدد التحدث عنه والتركيز عليه وهو مشاركة المجتمع في
تحديد وتطبيق البرامج الصحية ، فنحن نُفعِّل المجتمع ونقويه حتى
يستطيع المشاركة في الصحة ، والرابع مشاركة القطاعات الأخرى في التنمية
الصحية ، وفكرة المبادرات المجتمعية انبثقت من هذه المبادئ، مبادئ
الصحة للجميع والمقدرة على تحسين الصحة من خلال المشاركة المجتمعية
، وتعرف المبادرات المجتمعية بأنها منهجية عمل تعتمد على مشاركة
المجتمع ، حيث إن كل أفراد المجتمع والقطاعات المختلفة تتحد بهدف
تحسين المستوى البيئي والاجتماعي والاقتصادي على أساس أن المستويات
المذكورة آنفاً عوامل تؤثر على الصحة، فعلى سبيل المثال إذا كانت
البيئة غير سليمة فإنها بلا شك تؤثر على الصحة ، وكذلك إذا كانت
الحالة الاقتصادية غير جيدة فإنها تؤثر على الصحة ، فإننا نصل إلى
الصحة من خلال المبادرات المجتمعية فهي عملية للتدخل، ويكون التدخل
عن قرب من خلال تفعيل قدرات السكان على حل مشاكلهم بأنفسهم ، وطبعاً
الحل لا يكون ملقى على عاتق السكان فقط بل هناك تعاون مع قطاعات
أخرى كالبلدية ووزارة التربية والتعليم وغيرها من القطاعات في منطقة
معينة ومساهمتها في التنمية الصحية ، فكل هذا تحقيق لشعار الماتا
الذي سبق ذكره وهو السلامة للجميع ، ويجب أن نذكر في هذا المقام
أن هناك منهجية تقليدية للتنمية فيما مضى والرؤية وهناك رؤية حديثة
وتوجه جديد للتنمية التشاركية ، وفي السابق كان الهدف موجودا، والموظفون
الحكوميون يعملون على تحقيق الهدف والمجتمع كان دائماً المتلقي للهدف
.. أما التوجه الجديد فهو التنمية التشاركية بمعنى أن الموظفين الحكوميين
والمجتمع يتعاونون في اتجاهين اتجاه الموظفين واتجاه المجتمع للوصول
إلى الهدف الذي يحتاجه المجتمع .. وعندما نتحدث عن المبادرات المجتمعية
لا نتحدث عن حي فقط فقد يكون قرية أو مدينة .. وهناك عامل مهم وكبير
وهو إننا عندما نتكلم عن المبادرات المجتمعية نتكلم عن التنمية المستدامة
ولا نتحدث عن هدف قصير المدى ، يعني أن الأمر يحتاج إلى سنوات للوصول
إلى الهدف المنشود ، وهي عملية مستمرة يشارك فيها أكبر عدد من أفراد
المجتمع بهدف إحداث تغيير في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
، فمثلاً إذا وجد إن هناك نسبة من النساء غير متعلمات فمن الممكن
أن نتعاون مع وزارة التربية والتعليم من أجل توفير لهذه المجموعة
من النساء مدارس محو الأمية ، أو إذا ما وجد عدد من الباحثين عن
عمل فمن الممكن التعاون مع القطاعات الأخرى مثل وزارة التنمية الاجتماعية
من أجل الاستفادة من مواردهم ومشاريعهم .. مؤكدة الدكتورة فاطمة
العجمية أن تحسين الحالة الاقتصادية والاجتماعية ينتج عنها حياة
صحية بشكل أفضل.
وقالت فاطمة بنت محمد العجمية: إن المجتمع المحلي لا بد أن يكون
متمكناً وذلك من خلال وجود المعرفة والمعلومة وتستغل طاقاته المادية
والبشرية من أجل تحسين الصحة ، ويستطيع بذلك مواجهة مشاكله العامة
، ومفهوم مشاركة المجتمع هي عملية يتحمل فيها الأفراد والأسرة مسؤولية
الصحة والرفاهية الخاصة بهم وبمجتمعهم وهذا تأكيد على أن وزارة الصحة
ليست هي فقط المسؤولة عن الصحة بل للأفراد والمجتمع مسؤولية تحمل
الصحة ، وتعتبر مشاركة المجتمع من أهم العوامل للتغيير الاجتماعي
الناجح خاصة إذا كانت هناك موارد مالية وبشرية متوفرة ، والأهداف
التي نسعى إليها من خلال المبادرات المجتمعية لتعزيز الصحة أن توضع
الصحة في قائمة الأولويات يعني اتحاد كل القطاعات حتى نصل إلى الهدف
الرئيسي وهي الصحة ، وكذلك تعزيز أنماط الحياة الصحية فعلى سبيل
المثال إذا كان في المجتمع وزن زائد نستطيع تعزيز الأنماط الصحية
من خلال التشجيع على ممارسة الرياضة والمشي وهذه عوامل تقلل من نسبة
الإصابة بمرض السكري والضغط ، ومن الأهداف تحقيق التنمية الاجتماعية
والاقتصادية المستدامة من خلال المشاركة الفعالية للمجتمعات المحلية
وذلك بالتعاون مع القطاعات الأخرى مثل ما ذكرنا ، وهناك عوامل لتعزيز
الصحة في المجتمع وهي المدن الصحية وتعزيز أنماط الحياة الصحية وإدماج
المرأة في الصحة والتنمية وتلبية الاحتياجات التنموية الاساسية في
القرى والأحياء الصحية وأهم العوامل الأساسية لنجاح المبادرات المجتمعية
هي الشراكة مع المجتمع فإذا قبل المجتمع أن يعتمد على ذاته هنا نعرف
أن هذا المجتمع قابل للتغيير وإذا حصلت الشراكة مع المجتمع سيكون
هناك تنمية لقدرات المجتمع حتى يسيطر على صحته وهناك سيكون دور الجمعيات
الأهلية والمتطوعين في تخطيط وتنفيذ الأنشطة لضمان الاستمرارية وتنمية
الاحساس بملكية البرامج للمجتمع من خلال السعي إلى إنجاح هذه المبادرة
والتعاون مع القطاعات الأخرى مهم جداً ولابد من تحديد دور كل قطاع
وما الذي يستطيع فعله لخدمة المجتمع من أجل الوصول إلى الهدف الأساسي
وهو الصحة .. ومن الآثار الإيجابية للمبادرات المجتمعية صنع التغيير
في الأفراد والمجتمع وإدخال مفاهيم التنسيق والشراكة مع القطاعات
ذات العلاقة وكسر الحلقة المفرغة التي تمثلها الإتكالية من خلال
المشاركة الفاعلة للمجتمع وبث روح تملك أفراد المجتمع للمشروع (
تنمية المجتمع للناس وبالناس) وتنمية الوعي لدى المجتمع فيما يختص
باحتياجاته وحقوقه والتغلب على المشاكل وممارسة أنماط الحي الصحية
و تشجيع اللامركزية والتفويض المحلي من خلال التخطيط والإدارة وتغيير
اتجاهات السلطات المحلية بحيث تصبح أكثر دعما للمجتمع وتحسين الوضع
الصحي من خلال الدخل المتزايد للأسرة والرعاية الذاتية وتحسين نوعية
الحياة وتخفيف الأعباء المالية على الموارد الحكومية .. مشيرة إلى
أن بالنسبة لوضع المبادرات المجتمعية في السلطنة فإن الجميع يعلم
أن أول تجربة للمبادرات المجتمعية الصحية هي تجربة جماعات دعم صحة
المجتمع عام 1992 وفي عام 1999م تكوين اللجان الصحية للولايات بمشاركة
كافة القطاعات .. ولأجل نجاح المبادرات المجتمعية لابد من خطة للتطبيق
تبنى على أساس التقييم ومن ثم وضع خطة العمل واعلان النتائج وتحديد
المشاكل والأولويات ومن ثم المسح الميداني ويليه تدريب ممثلي الأسر
ولجنة التنمية المحلية والتنظيم والهيكلة وأخيراً التهيئة المجتمعية
.. ونطمح من خلال ذلك إلى تحسين نوعية الحياة من بوابة التنمية المستدامة
ومشاركة جميع القطاعات مع أفراد المجتمع .
حي الشريجة الصحي
وقالت الدكتورة فاطمة بنت محمد العجمية : أما
بالنسبة لحي الشريجة الصحي فإن المشروع طرح في عام 2004 وتم تكوين
لجنة الدعم القطاعي برئاسة مديرة الخدمات الصحية وبدأ العمل الفعلي
في عام 2005 وتم إصدار قرار تشكيل لجنة تنمية الحي في عام 2006 ،
واتى اختيار الحي الصحي عن طريق استمارة مجهزة من قبل منظمة الصحة
العالمية على أساس كيفية اختيار القرية الصحية أو المدينة الصحية
، ووقع الاختيار في ولاية السيب على ثلاثة أحياء وبعد عدة اجتماعات
تم تزكية حي الشريجة لعدة أسباب منها متوسط حجم السكان حوالي 2000
نسمة وأن الحي يعتبر من الأحياء المنتظمة ويوجد به انسجام اجتماعي
كبير ومعظمهم تربطهم علاقات أسرية وهذا عامل مهم بالنسبة لنا لاختيار
الحي .. كما أنه قريب ويمكن الوصول إليه ووسط الولاية وقرب من السوق
والمدارس ومركز الشادي الصحي كما يوجد في الحي العديد من الأشخاص
المتطوعين .. وتم طرح الفكرة على شيخ منطقة الشريجة من خلال عقد
عدة اجتماعات وانتاج مطويات عن الحي وتم تشكيل لجنة تنمية الحي الصحي
كما تم جمع وتحليل العديد من البيانات عن حي الشريجة الصحي وهناك
مؤشرات كثيرة حصلنا عليها من خلال الحي الصحي .. وأكدت الدكتورة
فاطمة العجمية أن في كل ولاية من ولايات السلطنة توجد لجنة صحية
يترأسها الوالي ويكون المقرر فيها مدير الخدمات الصحية في الولاية
ويوجد بها عدة قطاعات مختلفة من البلدية والتربية والجمعيات الأهلية
وتسمى لجنة الدعم القطاعي التي ينبثق عنها لجنة التنمية وينبثق عنها
عدة لجان مثل لجنة صحة المرأة ولجنة صحة البيئة وهذه اللجان التي
تتكون في الحي الصحي تقوم بالعمل الأساسي من خلال معرفة المشاكل
التي يعاني منها الحي وكيفية حلها .. وهذه اللجان تحتاج إلى مقر
ومركز للمعلومات إلا انه في الوقت الراهن يتم الاجتماع في مسجد الشريجة
ونسعى إلى إيجاد مقر مستقر .. مؤكدة أننا قمنا بعمل لوائح تبين أن
حي الشريجة حي صحي وتم تشكيل فريق عمل من قبل دائرة الخدمات الصحية
بالولاية حيث يقوم الفريق بزيارة الحي وعقد اجتماع دوري كل أسبوع
أو أسبوعين يتم خلال الاجتماع مناقشة المشاكل التي يواجهها .. كما
تم عمل مطويات تعرف بالحي الصحي وعمل وثيقة معلومات عنه .. ولكن
حتى يكتمل المشروع فإننا نحتاج إلى سنوات طويلة لكي يفهم الناس ما
هي المبادرات المجتمعية .. وأشارت الدكتورة فاطمة إلى أنه أقيم بالحي
العديد من الفعاليات من ضمنها خيمة للأم والطفل وعمل يوم مفتوح بالحي
في عام 2008 بمشاركة القطاعات المتواجدة في الولاية للتعريف بالتسهيلات
التي ستقدمها للحي كما شاركت جميع المراكز الصحية بالولاية وجمعية
عمان الخير والجوالة وفي العام 2008 قامت دائرة الخدمات الصحية بالولاية
بإقامة ركن في حدائق الصحوة للتعريف بحي الشريجة الصحي.
كلمة لمنسق اللجنة بالحي الصحي
من جهته قال عبدالله بن محمد العامري أحد سكان
الحي ومنسق لجنة حي الشريجة الصحي: إن فكرة إقامة حي صحي جاءت من
قبل دائرة الخدمات الصحية بالولاية حيث اجتمعوا بشيخ المنطقة وطرحوا
عليه فكرة اختيار منطقة الشريجة كحي صحي ومن ثم قام شيخ المنطقة
بالاجتماع بالأهالي وتم تشكيل لجان من سكان المنطقة وقاموا على إثرها
ذلك بعمل حملات توعية ووضع لوائح إرشادية وإقامة ورشات عمل في الحي
.. ولجنة الحي تجتمع دورياً مع الأهالي وتنظر في مشاكل الحي الصحي
واحيتاجاتهم .. كما أن الحي يقيم العديد من معارض وخاصة في شهر رمضان
.. مشيراً العامري إلى أن فكرة تقبل السكان للحي الصحي ما زالت في
الأطر الأولى ونحتاج إلى الكثير من الجهود حتى نصل إلى مراحل متقدمة
للرقي بالمشروع ونأمل أن تتسع الحملات التوعوية حتى نستطيع أن نكون
حيا صحيا نموذجيا في الولاية كما نأمل أن يتطور المشروع خاصة وأننا
نترقب الاجتماع المقبل مع سعادة والي السيب للبحث في الرقي بمشروع
حي الشريجة الصحي من خلال تشجيع الشباب على المشاركة في المشروع
والمساهمة للوصول به إلى الهدف المنشود .. مؤكداً أن الجميع في لجنة
الحي يعملون برؤية مستقبلية طويلة المدى للوصول بالحي إلى أن يعتمد
على ذاته في زيادة الوعي الصحي بين أبنائه والاعتماد على نفسه في
حل مشاكله الصحية كزيادة البدانة التي تسبب على المدى الطويل أمراضا
يعاني منها الكثير في السلطنة كالسكري والضغط وغيرها من المشاكل
.. ونأمل أن تكلل جهود الجميع إلى الرقي بهذا المشروع في الوقت القريب.