|
فتاوى وأحكام
* رجل أراد السفر من بلدته وقت الظهر فهل يصح له أن يجمع معها العصر
قبل أن يغادر بلدته ؟
**هو قبل أن يبرز
من بلده فليس بمسافر ، معنى السفر أن يبرز الإنسان من البلد الذي هو
فيه ، إذا لم يبرز فهو ليس بمسافر ، ولذلك قيل له مسافر من سفر يسفر
إذا انكشف ، فهو غير منكشف بما أنه داخل البلد ، وهذا يعني أن الإنسان
في بلده الذي هو فيه ليس له أن يقصر الصلاة وإنما يقصرها إذا خرج .
بقي الكلام في الجمع ، هل يُرخّص له أن يجمع ؟ الجواب : بناء على القول
باشتراك الأوقات نعم ، ولكن ذلك إنما يكون في حالات الحاجة أو الضرورة
، أما يتخذ الإنسان ذلك عادة له فلا ، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي
الله عنهما في مسند الإمام الربيع وفي صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام
مسلم وغيرها من كتب الحديث ( قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم
الظهر والعصر معاً والمغرب والعشاء الآخرة معاً من غير خوف ولا سفر
ولا سحاب ولا مطر ) ، وجاء في رواية الشيخين ( صلى الظهر والعصر من
غير خوف ولا سفر ) ، وفي رواية من غير خوف ولا مطر ) . قيل لابن عباس
: ما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته . أي أراد نفي الحرج
، فمعنى ذلك أنه في أوقات الحرج لا مانع من ذلك . فإن كان هذا الإنسان
يخشى أنه لو ركب السيارة لا يجد فرصة لئن ينزل منها ويصلي بحيث إن
السيارة - كالحافلة مثلاً - لا تتوقف وخشي من نحو هذا فله أن يجمع
في بلده لكن مع الإتمام لا مع القصر ، فليصل الظهر والعصر معاً مع
الإتمام لا مع القصر .
*قبل أن يدخل
إلى وطنه قد تدركه صلاة المغرب هل له أن يجمع معها العشاء وهو يعلم
أنه يمكنه أن يدرك العشاء في وطنه ؟
**لئن يؤخر العشاء
حتى يدخل في بلده خير وأحب ، ولكن لو جمع فلا حرج عليه في الجمع لأنه
لا يزال في حالة السفر .
*هل يصح أن تختلف
نية الإمام عن المأموم في الصلاة بحيث يصلي الإمام فرضاً ويصلي المأموم
فرضاً آخر ؟
**هذا مما اختلف فيه أهل العلم ، ونحن نود مع التوسع أن لا يكون ذلك
، أما مع الضيق فلا حرج إن شاء الله .
*هل يصح للمسافر
أن يؤم الناس في الفريضة الثانية كأن يصلي المغرب ويؤم الناس في العشاء
ويصلوا معه سنة المغرب ، أو أنهم صلوا الظهر فيؤمهم في العصر ويصلون
خلفه سنة الظهر ؟
**صلاة المتسنن
خلف المفترض جائزة بلا خلاف .
*امرأة تزوجت
وفي يوم عرسها كانت حائض فأمرها زوجها بالاغتسال قبل انتهاء مدة حيضها
فاغتسلت وواقعها ، فما هو الحكم الشرعي المترتب على ذلك ؟
**نعوذ بالله
من هذا الصنيع . لا يجوز له أن يواقعها قبل انتهاء حيضها وقبل أن تغتسل
من حيضها لأن الله تبارك وتعالى يقول ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ
حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ )(البقرة: من الآية222) ، أي
فإذا طهرن وتطهرن ، لا بد من أن يتطهرن بالماء بعد الطهر ( فَإِذَا
تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)(البقرة:
من الآية222) .
فليس للإنسان أن يأتي امرأته وهي في حالة حيض ومعنى ذلك أن من فعل
هذا فقد قارف كبيرة من الكبائر كيف والله تبارك وتعالى يشدد هذا التشديد
في كتابه العزيز بحيث يحذر من قربان المرأة في حالة الحيض والمراد
بقربانها غشيانها فليس له أن يغشاها ، ومن فعل ذلك فعليه التوبة إلى
الله ، والتوبة هي الندم على الفعل الذي ارتكبه التائب بحيث لا يفعل
ذلك الفعل ، وعقد العزم على عدم العودة إليه كما لا تعود الألبان إلى
ضروعها ، والإقلاع عن ذلك الفعل ، فمن كان مصراً على فعله مستمراً
عليه هو غير تائب منه ، وطلب المغفرة من الله تبارك وتعالى ، هذه لا
بد منها .
وأما بالنسبة إلى مثل هذه القضية فإن بعض العلماء زادوا على ذلك من
أجل روايات رويت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لزوم الكفارة وهي
دينار الفراش وهذا مما لا ينبغي للإنسان أن لا يضيعه ليخرج من عهدة
الخلاف ، وليبرأ ساحته ، لأن روايات وردت بهذا وإن ضُعّفت من قبل لفيف
من علماء الحديث ، ولكن وردت وهي يشد بعضها بعضا فينبغي ذلك بأن يخرج
مقدار دينار من الذهب ، والدينار هو أربعة جرامات وربع ، يخرج هذا
الدينار ليعطيه الفقراء تكفيراً لهذه الخطيئة التي ارتكبها ، والله
تعالى أعلم .
*وإن طاوعته المرأة
في طلبه هذا ؟
**إن طاوعته فقد
ارتكبت ما ارتكبت معه ، فلا ريب أنها يلزمها ما يلزمه .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
التجديد الفقهي
في الإفتاء العماني المعاصر
6ـ8
ـ يؤكد الباحث
بأن سماحة الشيخ :تجاوز قنطرة التعصب المذهبي الضيق الذي لم يسلم منه
كثير من أهل العلم والفهم
ـ يرى سماحته أن الحوار مطلوب وأن يجمع ولا يشتت ويؤلف ولا ينفر ويقوي
ولا يضعف ويقرب ولا يبعد.
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
نظراً لتطور الحياة المتسارع طرأ الكثير من القضايا التي تستلزم من
العلماء أن يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي ، فالعلماء السابقون
لم يدخروا جهداً في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير
من ذلكم التراث الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع
وشامل لمد مظلة الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم
المعاصرة، وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت
خلود هذه الشريعة العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان ( التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان التجديد الفقهي في الإفتاء العماني
المعاصر
(قراءة في فتاوى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة)
لحمود بن يحيى بن مسعود آل ثاني ومع البحث..
أخي الكريم نحن في هذه الأيام نعايش الندوة الثامنة ولكن لأهمية البحث
نواصل تكملة ماتبقى من الندوة الماضية...
الحوار الهادئ الهادف.
يقول الباحث : الحوار بهذا المعنى يعني قيمة حضارية ينبغي الحرص عليها
والتمسك بها وإشاعتها على جميع المستويات.
وهذا ما أكده سماحته قولاً وصدقه عملاً جاء في بعض فتاواه أنه يرى
أن الحوار مطلوب لكن يكون الحوار يجمع ولا يشتت، ويؤلف ولا ينفر ويقوي
ولا يضعف ويقرب ولا يبعد.
وأهم ما يميز
أسلوب سماحته في الحوار :.
أ ـ الحلم والوقار
وتقوى الله في كل كلمة تصدر منه.
ب ـ اختياره لأرق التعابير وألطفها.
ج ـ تركيزه على المتفق عليه من غير تضخيم للمختلف فيه.
د ـ مستعد للتنازل عن رأيه متى بان له خطؤه وصواب ما عند الآخر.
وبالرجوع إلى
البحوث الفقهية لسماحة الشيخ وهي مبثوثة في كتب الفتاوى وغيرها يمكننا
أن نتعرف على أسلوبه في المحاورة عند بحثه للمسائل ورده على الاعتراضات
ومناقشته للأقوال تجد العبارات التالية ( وقد يتساءل بعض الناس لم
هذه العناية بهذه القضية التافهة؟ فالجواب، وقد يقول قائل: إن كان
الأمر كما تدعون فما بال بعض كبار علماء السلف ؟ فالجواب فإن قيل:
فالجواب.... الخ)
وأختم هذا المحور
بالقول: إن حرص سماحته على هذه القيم الفاضلة كان له مردوده الإيجابي
الواضح على الصعيدين الداخلي والخارجي وهو ما أكده الواقع وشهد به
الناس يقول أحد الباحثين: ( إن لفكر الشيخ الخليلي المعتدل والوسطي
الأثر الكبير على المجتمع العماني عامة والمذهب الإباضي خاصة بحيث
غدت عمان في طليعة الدول العربية والإسلامية الداعية للحوار والتقريب
بين المذاهب الإسلامية باعتباره أنجح سبيل للتفاهم بين الناس، وتحت
مظلة التسامح هذه قامت مؤسسات المجتمع العماني وعلى رأسها المفتي العام
لسلطنة عمان بفتح دائرة الحوار حول عدة قضايا منها: الإجتهاد في الإسلام
والتقريب بين المذاهب الإسلامية ).
منهج الإفتاء
عند سماحة الشيخ
ويشير الباحث إلى هذا المحور بقوله: سأحاول بحول الله أن أقف على الخطوط
العامة التي حددت مسار سماحته وهو يناقش أو يفتي في مسائل الفقه وحسبي
من ذلك أن أعرج على أهم المعالم ولا أزعم أنني أقدم صورة مكتملة في
هذه العجالة المقتضبة على أن هذه المعالم فيها من التجديد في الجانب
الفقهي ما لا يخفي وكنت أود أن أتوسع بالمقارنة بين منهج سماحته وبين
ما كان عليه بعض العلماء المتقدمين عليه ليتضح لنا الجديد والتجديد
أكثر فأكثر لولا أني خفت أن يطول الأمر ويفضي إلى الخروج عن الدائرة
المحددة للبحث واليك أخي القارئ بعض سمات هذا المنهج التجديدي.
1ـ التحرر من
العصبية والتقليد.
تمكن العلامة الخليلي ـ حفظه الله ـ من تجاوز قنطرة التعصب المذهبي
الضيق الذي لم يسلم منه كثير من أهل العلم والفهم وذلك ما تنطق به
بحوثه وفتاواه، فما هي في حقيقتها إلا ترجمة حية لسعة صدره ورحابة
فكره وانفتاحه على الآخرين، وقد بات لديه الهدف ـ من ذلك ـ واضحاً
وسامياً ولا يمكن التنازل عنه أو التفريط فيه ألا وهو الوصول إلى الحق
بغض النظر عن صاحبه أو مكانه أو زمانه.
إن بحوث سماحته
تعكس حقيقة العالم المستقل الذي بلغ درجة الإجتهاد المطلق فسماحته
( لا يعرف الحق بالرجال وإنما يعرفهم بما عندهم من الحق ) وأرى أن
ألقي بين يديك أيها القارئ الكريم بعض الشواهد على ما أوضحته لك سابقاً
لتتبين صوابه وأنه الحق بإذن الله :.
أ ـ ربما جاءت
الفتوى عند سماحته مخالفة لما عليه علماء المذهب فمتى كان الدليل أقوى
في المسألة والمصلحة راجحة فيها كانت هي الفتوى المعول عليها بقطع
النظر عن القائلين بخلاف أو وفاق معها ومن هذا الباب
ـ أفتى سماحته
بفرضية صلاة الجماعة على الأعيان، وهي في حقيقتها جاءت ملبية لحاجة
الأمة التي يراد لها الوحدة بين أفرادها كما يراد لها أن تمتلك زمام
القيادة في الأرض، ولا يمكن بحال أن تصل إلى هذا السؤود إلا إذا انضبط
أمرها في صلاة الجماعة كما جاءت هذه الفتوى ـ ولا ريب ـ منسجمة مع
قوة الدليل.(1)
ـ كما أفتى سماحته ( بحرمة ربا الفضل ) وهو بيع الجنس بجنسه متفاضلاً
يداً بيد، جاء في الفتوى: الراجح ما مال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني،
وأشار إلى اختياره القطب ورجحه الإمام الخليلي ـ رحمهم الله جميعاً
ـ وعليه في عصرنا إمام المعقول والمنقول القنوبي ـ حفظه الله ـ وهو
عدم جواز ربا الفضل وذلك للأحاديث الواردة في ذلك والله أعلم ( 2 ).
فانظر إلى قوله
ـ حفظه الله ـ ( وذلك للأحاديث الواردة في ذلك ) لتعلم أنه يعول على
قوة الدليل ورجحانه.
ب ـ يهتم سماحته
ـ حفظه الله ـ بتتبع بحوث العلماء من السلف والخلف ويستعرض للأقوال
المختلفة فيها ويوازن بين أدلتها وينظر في مستنداتها النقلية والعقلية
ليختار منها ما كان أسعد بنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده وأولى بمصالح
الناس فهو بهذا لا يتغافل عن نتاجات علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
ج ـ يرى سماحته
أن المسائل الاجتهادية كلها ليس الإختلاف فيها شديداً وأن الاختلاف
مع المذاهب كنفس الاختلاف في المذهب الواحد .
ومن أمثلة ما
خالف فيه سماحته الجمهور متشبثاً بالدليل الأقوى رأيه في بعض مسائل
كفارة القتل:
قال سماحته: اختلف
العلماء: إذا اشترك جماعة في القتل كيف تجب عليهم الكفارة ـ فقول الجمهور
ومنهم الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكي ومالك والشافعي والثوري
وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعليه أكثر أصحابنا بأن على كل
واحد منهم كفارة واحدة... وقيل بالتفريق... ولا ريب أن رأي الجمهور
أحوط وأسلم وأورع لكن الفتيا إنما تبنى على الدليل الأرجح ،،، والذي
يرجح عندي في هذا بالدليل قول من أوجب على الجميع كفارة واحدة سواء
كانت عتقاً أوصياماً .
2ـ الاهتمام بالفقه
الواقعي
الفقه الواقعي
الذي يناقش القضايا المستجدة في المجتمع ويبدي رأيه في النوازل التي
حلت بالناس مما ليس له حكم سابق، أو فيما يكون له حكم سابق ولكنه يحتاج
إلى إعادة نظر لتغير ظروف الناس وتبدل أحوال العصر بجريان الزمان واختلاف
المكان.
يقول سماحة الشيخ
في هذا الجانب: ( وإذا كان عهد الخلفاء الراشدين اتسم بحركة فكرية
فقهية للتعدد في الوقائع فكيف بحال عصرنا، والحوادث فيه لا حصر لها
مع تعدد جوانبها، فالجنايات وقرائنها المتنوعة كالبصمة وغيرها، والنسب
ودلائل ثبوته بالخصائص الوراثية ومختلف الابتكارات الطبية الجديدة
كالرحم المستعار والاستنساخ ونقل الأعضاء وغيرها كل تلك القضايا تستدعي
النظر في حكمها، كما أن عجلة الأيام لا زالت تدور في المجال الاقتصادي
كالمعاملات البنكية المتعددة فأنا تحل بغير الإجتهاد ) .
ومن خلال الوقوف على فتاوى سماحته في هذا الجانب نجد أنه يحاكم هذه
القضايا الحادثة بالمنظار الشرعي وفق دليله فيتبين صالحها من فاسدها
مع مراعاته لمصالح الناس وتقديره لضروراتهم.
يقول سماحته في
قضية الاستنساخ: أنا قلت من أول مرة عندما بدأ الاستنساخ بأن السير
في هذا المنهاج يؤدي إلى تمرد الإنسان وخروجه عن سير الفطرة وذلك مما
يؤدي بطبيعة الحال إلى المفاسد الكبيرة، وفتح هذا الباب يترتب عليه
ما يترتب من دخول الكثير من الأمور الشاذة التي تنحرف بالإنسان ذات
اليمين وذات اليسار ليخرج عن المنهج الصحيح وإنما قلنا ما أتاه الله
سبحانه وتعالى الإنسان من علم يجب أن يستغل فيما يعود بالصالح على
الإنسان، يمكن أن يستنسخ أعضاء الإنسان إن كان بحاجة إليها.... )
وهنالك الكثير
الكثير من هذه الفتاوى العصرية التي تناولها سماحته وبين فيها رأيه
مما يعطي الصورة الواضحة على التجديد الفقهي عند سماحته ــ حفظه الله
ــ .
3ـ تغليب روح التيسير والبعد عن التشدد.
إنه بمجرد النظرة الأولى في نتاجات سماحة الشيخ الفقهية ينطبع لدى
قارئها مراعاته لجانب أصيل في الحنيفية السمحة ألا وهو جانب التيسير
ورفع الحرج مستنداً في ذلك إلى معطيات الكتاب الحكيم والسنة القويمة
ويحضرني في هذا المقام بعض الشواهد.
أ ـ إنه كثيراً
ما ترد فتاوى سماحته وبحوثه القيمة مطعمة بالآيات والأحاديث الدالة
على معنى اليسر بهدف ترسيخ هذا المفهوم في قلوب المسلمين.
يقول سماحته
في فتاوى الصلاة ( من لا يستطيع الاتجاه إلى القبلة في الصلاة يصلي
كيفما أمكنه فإن الله تعالى يقول: ( لا يكلف الله نفساً إلا ماءاتها
) ويقول: ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) والنبي ـ صلى الله عليه
وسلم يقول: ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم... ).
ب ـ ومن ذلك أن
سماحته ـ حفظه الله ـ لا يحجر على الناس أن يأخذوا برأيه فيدل مستفتيه
إذا ما اشتد عليه أمر في نازلة من النوازل أن يترخص يقول من أقوال
أهل العلم مع أن مقتضى أقوالهم على غير ما يرجحه سماحته كما جاء هذا
في مسألة حكم التبرع بالكلى.
يقول سماحته:
( هذه القضية بحثت في المجامع الفقهية وغيرها، وللعلماء فيها رأيان:
منهم من تشدد على المبتلى أن يصبر إلى أن يأتي الله بالفرج وهذا الذي
هو معافى ليس له أن يؤثر على غيره شيء من جسمه لأن الإيثار ليس بالنفس
إنما الإيثار على النفس، ومنهم من قال: وهذا قول أكثر علماء العصر
ـ إذا لم يكن ذلك تجارة ولم يكن ذلك من شخص لا يملك أمره ولا بتأثير
ضغوط نفسية أو غيرها وإنما ذلك اختيار فلا مانع من نقل الكلى، ونرى
أن من توسع بهذا الرأي فنرجو أن لا يؤاخذه الله تبارك وتعالى.
ومثله في حكم إقراض المنافع (... وإن توسع أحد بحيث أخذ برأي المجيزين
فإنه لا يعنف والله تعالى أعلم ).
ج ـ وتتوسع دائرة
التيسير عند سماحته في ما تعم به البلوى وخاصة أن طبيعة هذا العصر
قاسية وقد نجم من طغيان المادية مشاكل مستعصية مما يقتضي ويستوجب رفع
الحرج ودفع المشقة وجلب التيسير.
وهذا مقرر عند
العلماء السابقين قال أبو سعيد: يقال والله أعلم: أنه ليس العالم من
حمل الناس على ورعه ولكن العالم، من أفتاهم بما يسعهم من الحق .
ومفهوم التيسير
عند سماحة الشيخ ـ حفظه الله ـ يجري وفق حدود وضوابط معينة وليس من
التيسير التنازل عن شيء مما جاءت به الشريعة الغراء ولسماحته نظرة
ثاقبة فيما يحتاج إليه الناس من الفتوى التي تشفي مريضهم وتداوي عليلهم،
فتارة يفتي سماحته بما هو أحوط مراعاة لحال السائل أو حال المجتمع
فيما إذا كان التساهل معه في أمر من الأمور يجر عليه وعلى مجتمعه ما
لا تحمد عقباه، قال أبو المؤثر ـ رحمه الله: ( ينبغي للمفتي أن يتحرج
ولا يضيق على الناس ما هو واسع لهم، ولا يوسع لهم ما هو ضيق عليهم
) .
ومثاله فتوى سماحته في حكم قيادة المرأة للسيارة فهو يرى أنه من الأسلم
لها ترك القيادة لما يترتب على ذلك من أخطار دينية إلا أن دعت الضرورة
لذلك فالضرورة تقدر بقدرها .
د ـ كما تتوسع دائرة التيسير عند سماحته إذا ما جاء المستفتي تائباً
يريد أن يؤوب إلى ربه ويقلع من ذنبه، وهو منهج إصلاحي يترك في تقديره
للمفتي وهو مسلك علماء الأمة الراسخين في العلم وقد سئل الشيخ ناصر
ابن أبي نبهان ـ رحمه الله ـ عن معنى هذين البيتين:
وتبذل الرخصة
يا محبوبِ لكل من تاب من الذنوب
لكن ذا الإصرار عنه تكتم ليس له تبذل فيما نعلم ؟
فقال: فإذا علم منه التوبة بذل له الرخصة لئلا يستصعب الخروج من ذنوبه
وهكذا كان يعمل والدي والذي يراه يطلب الرخصة حيلة وهو مصر على الذنوب،
لم يعلمه بالرخص وأفتاه بالأشد .
وعن ابن عباس
ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً سأل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له،
وسأله آخر عن توبة القاتل، فقال: له توبة، ثم قال: إن الأول رأيت في
عينيه إرادة القتل فمنعته، فجاء مسكين قد قتل فلم أقنطه .
ومثال ذلك من فتوى سماحته فيمن ترك صيام عدة سنوات بجهل ثم جاء تائباً
أن عليه قضاء ما أفطر وله أن يكتفي بكفارة واحدة .
وإجمالاً: فإن سماحته ارتضى أن يكون منهجه وسطاً بين من تحلل من كثير
من الأحكام الثابتة بدعوى مسايرة التطور والتيسير على الناس وبين الذين
التزموا تقديس كل ما هو قديم بدعوى المحافظة واتباع منهج السلف فتراهم
يطلقون الأحكام جزافاً بالمنع والتحريم.
وانظر ـ إن شئت
ـ في الفتاوى التالية لتتبين منهجه السليم في هذا الأمر:.
1ـ فيمن أراد أن يعمل في بنك ربوي بحجة أن الإسلام دين يسر .
2ـ فيمن يحتج بأن بعض العلماء أفتى بحلية الزيادة البنكية. .
3حكم عمليات التجميل.
4ـ مخاطبة الناس
بلغة العصر. مما يميز منهج سماحة الشيخ في هذا الجانب:.
أ ـ أنه يفتي
ويصوغ بحوثه الفقهية بلغة سهلة خالية من المصطلحات التخصصية و الألفاظ
الغريبة، وهو يطبق توجيه الكتاب العزيز في هذا الشأن، يقول الله تبارك
وتعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ).
ومع سهولة أسلوب
سماحته فهو دقيق العبارة متخيراً للكلمات، بما يتناسب ويتناغم مع ما
يحتاج إليه المسترشد.
ومع مراعاته البساطة
وعدم التكلف في العبارة فإن سماحته يقف في خطابه عند درجة معينة ملتزماً
باللغة العربية الفصحى، فلا ينزل إلى مستوى الناس في خطابهم بل يسعى
إلى الارتقاء بألسنتهم، وهو شديد الغيرة على لغة القرآن.
وسماحته كذلك
لا يرتضي أن يرد عليه سؤال مطعم ببعض الكلمات الأجنبية بهدف تنميق
السؤال فحسب وهو لا يرتضي كذلك أن يكون في السؤال خطأ لغوي لا سيما
إن كان السؤال يرد إليه مكتوباً فيعمد إلى إصلاحه وتقويم لغته .
ب ـ مراعاته ـ
حفظه الله ـ لخصائص تفكير المستفتين على اختلافهم فمنهم الراسخ في
إيمانه ومنهم المتساهل في دينه ومنهم المشكك الذي لا يقبل الحكم دون
معرفة حكمته ومغزاه ومنهم الجاهل ومنهم المتجاهل وفيهم العامي وفيهم
الجامعي المثقف وكل من هؤلاء محتاج إلى مخاطبته على قدر عقليته.
وأكتفي بمثال
واحد فقط إذ الأمر بات واضحاً لا يخفي على المـتأمل فقد ورد عليه سؤال
فيه شبهة أثارتها بعض الطالبات عن ( طبيعة المساواة بين الرجل والمرأة
) ولماذا لا يتساويان في الميراث ؟ وكيف تمنع المرأة من إمامة الرجال
؟
فقد استفاض سماحته
في الرد على هذه الشبهة وأجاب عنها إجابة مدعمة بأدلة نقلية وعقلية
مع تركيزه على واقعية الإسلام واعتداله في هذا الجانب ونظرته الصائبة
لمفهوم المساواة .
ج ـ الاستشهاد
في الفتوى بالجديد من ثقافات العلوم المتنوعة حيث يتميز سماحة الشيخ
بأفق واسع وعقلية تستحضر الشواهد العلمية والمعلومات الثقافية في الموضوع
بسرعة فائقة وبديهة حاضرة حتى ليخيل إلى المستفتي أن سماحته متخصص
في ذلك الفن فإذا تحدث في جانب الطب أو الفلك أو التاريخ... فصل في
القول وتعمق في جزئياته هذه الميزة أضفت على الفتوى أفقاً رحباً وحيوية
فاعلة وبذا تؤثر على المستفتي إيجاباً بإحداث الطمأنينة لديه.
ففي سؤال ورد إليه من أحد إخوانه من جمهورية موريتانيا يستفتيه عن
حكم التدخين:
فأجاب سماحته بإجابة مطولة ـ 25 ورقة ـ فيها استعراض لخطر التدخين
وبيان ما صدر من منظمة الصحة العالمية ومؤتمرات وندوات طبية وما أعده
مهرة الأطباء من كتابات في بيان هذا الخطر وقال سماحته بعد ذلك ( وقد
أفاد أخيراً قبيل تحرير هذا الجواب القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية
أن عدد الذين يموتون بسبب الدخان ارتفع إلى خمسة ملايين كما جاء ذلك
منشوراً على موقع هذا القسم من شبكة المعلومات العالمية ) ويستطرد
سماحته بذكر ما ورد عن المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس
التعاون من إحصائيات في هذا الموضوع .
ولنا بقية للموضوع..
أعلى
إن إبراهيم كان أمة
في طريق العودة
كانت ترن في مسامعي آيات الكتاب التي قص المولى عز وجل فيها سمات أبي
الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام . " إن إبراهيم كان أمة
قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى
صراط مستقيم ، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين
" .
رغم أن ذكر إبراهيم في الكتاب العزيز جاء في نيّف وستين مرة إلا أن
تلك الآيات هي التي كانت ماثلة في ذهني . لماذا ؟ لا أدري.
كانت عودة من رحلة قصيرة استشعر فيها العقلاء من عباد الله المؤمنين
الرحلة الكبرى المزمعة لكل منهم ، إنها الرحلة إلى دار الجزاء .
أما الرحلة القصيرة فكانت رحلة مواراة جثمان الفتى الصالح الذي طارت
روحه إلى بارئها قبل سويعات " يقال له إبراهيم " ، وأما
الرحلة الكبرى فقد كان هو فارسها الذي ترجل لينضم إلى ركب المؤمنين
. " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
وجدتني أبحث عن القلم وأفتش في دفتر الذكريات عما يسلو القلب المكلوم
، ويخفف من مرارة الفقد ، فوجدت في سطور الدفتر ما تقر به العين ويسلو
به الفؤاد.
وجدت أن الفتى إبراهيم ذا السبعة عشر ربيعاً قضى سني عمره القصيرة
في رحلة إلى الله ما كان أقصرها .
قبل عام ونيّف وبينما كان أقران إبراهيم يلهون مستمتعين بإجازتهم الصيفية
سألت أحدهم أين إبراهيم ؟ لم أره منذ مدة فأجاب : إبراهيم في مكة ،
فظننت أنه لحق بقوافل المعتمرين الصيفية ، إلا أن غياب إبراهيم طال
عما اعتاده المسافرون إلى العمرة وغاب إبراهيم عن ذهني مدة حتى قدّر
لي أن أراه في وسط جمع بمسجد القرية وهم يعانقونه بحرارة . لقد عاد
إبراهيم لا من رحلة عمرة فحسب بل من رحلة جوار للبيت العتيق قضى فيها
جل إجازته الصيفية متفيئاً ظلال كتاب الله العزيز تالياً حافظاً متدبراً
في رحاب الحرم الشريف.
وفي الصيف المنصرم قيل لي بأن إبراهيم يمّم شطر طيبة لينعم بجوار الحبيب
المصطفى صلى الله عليه وسلم وليكمل مشوار رحلته مع كتاب الله التي
بدأها من البيت الحرام بمكة المكرمة.
هنا وقفت عند هذه الأسطر من دفتر الذكريات ، وبين كلمات " إبراهيم
" و" البيت" تناهت إلى مسامعي آيات بينات "وَإِذْ
بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي
شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ
السُّجُودِ "
فوجدت ذكريات الفتى إبراهيم تنقلني إلى أجواء قصة إبراهيم الخليل عليه
السلام حين رفع القواعد من البيت هو وابنه اسماعيل عليه السلام. وقال
تعالى" وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ".
وقال تعالى " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ،وحين وهبه الله عز وجل الذرية الصالحة
" ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا ً جعلنا صالحين . وجعلناهم
أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء
الزكاة ، وكانوا لنا عابدين "
وبتدبر هذه الآيات وجدت أن إبراهيم عليه السلام قد ترك وطنا ً وأهلا
ً وقوماًً . فعوضه الله الأرض المباركة وطنا خيراًً من وطنه . وعوضه
ابنه إسحاق وحفيده يعقوب أهلا ً وجعل من ذريته أئمة يهدون الناس بأمر
الله ، وأوحى إليهم أن يفعلوا الخيرات على اختلافها ، وأن يقيموا الصلاة
، ويؤتوا الزكاة . وكانوا طائعين لله عابدين .. فنعم العوض ، ونعم
الجزاء ، ونعمت الخاتمة التي قسمها الله لإبراهيم.
في ذرية إبراهيم عليه السلام نجد الأنبياء الصالحين الأئمة كما وصفهم
الكتاب العزيز . والذريات الصالحة مشهد أراد الله عز وجل له أن يتكرر
في كل زمان وفي كل مكان من بلاد المسلمين ، فتجد في المجتمعات الإسلامية
رجالاً من أهل العلم والصلاح يكتب لهم تتابع الذرية الصالحة التي تنهج
ذات نهج الآباء والأجداد.
هنا بقيت أتردد بين دفتر الذكريات ودفتر التاريخ أقلب هذا تارة وأعود
لذاك أخرى لأجد نموذج الذرية الصالحة متمثلاً في الفتى إبراهيم وأبيه
وأجداده.
رجعت إلى الصفحات الأولى من دفتر الذكريات لأجد أنني كنت تلميذاً عند
أبي إبراهيم في الصف الخامس الابتدائي وقد عرفته من يومها ولا زلت
أعرفه رجلاً صالحاً لا زال يطفئ شموع عمره داعياً إلى الله بالحكمة
والموعظة الحسنة ، عرف كيف يلج إلى قلوب طلابه ومحبيه من حيث يحبون
ويرغبون ويألفون من قصة شيقة ورياضة مفيدة وترفيه مباح.
لا زلت أذكر حين قص علينا قصة موسى عليه السلام والرجل الصالح من خلال
آيات سورة الكهف ، وقصة عزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ، لا
زلت أذكر أنه قال لنا : يروى أن التين كان ضمن طعام عزير الذي لم يتسنه
. ولا زلت أذكر ما حظيت به من عناية من لدنه جعلت زميلي الفلسطيني
يظن أنه يؤثرني عليه وعلى بقية طلاب الفصل ، وبين حين وآخر انظر في
شهادة الصف الخامس الابتدائي التي لا زلت احتفظ بها لأنظر إلى الدرجات
النهائية التي حظيت بها في المادة التي كان مدرسها. واليوم أجد أن
كلمات كهذه لا توفي ولو بشيء يسير من حقه علينا.
وفي دفتر الذكريات أيضاً أقرأ أن جد إبراهيم الأول كان من أهل الصلاح
والعلم والفضل وقد أدركت طرفاً من حياته ، أدركته يتمتم بأبيات من
كتاب جوهر النظام للإمام السالمي ثم علمت بعدها أنه قد حفظه عن ظهر
قلب في مقتبل عمره. أذكر ترانيمه الجميلة وصوته الندي بقصائد الزهد
والحكمة ، وأذكر إمامته للناس في صلواتهم ردحاً من الزمن ، وأذكر قيامه
بمصالح الأوقاف ومصالح العباد لما عرف عنه من رجاحة عقل وحصافة رأي.
وفي دفتر التاريخ وجدت أن أجداده الأوائل كانوا عباداً صالحين ورجالاً
من أهل العلم والفضل . وجدت أن جده الثالث كان فقيهاً أديباً ، ورفيقاً
للإمام نور الدين السالمي في سفره إلى الحج سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
وألف ، التقى بقطب الأئمة في مكة المكرمة وحضر لقاء الشيخ السالمي
بعلماء الآفاق ، وأفنى عمره في نسخ كتب العلم وجباية الزكاة والكتابة
بين الناس بالعدل والقيام بمصالحهم.
هنا عدت أدراجي إلى ذكرى الفتى إبراهيم وجوار البيت العتيق لأجده يذكرني
بجده هذا الذي جاور البيت أيضاً .لم يكن السفر إلى البيت العتيق يومها
يسيراً كما هو عليه الحال في أيامنا هذه ، فقد كانت الرحلة شاقة تستغرق
شهوراً بين مشقة وعناء وخوف وربما جوع وعطش ، إلا أن عزيمة الأوائل
فوق كل ذلك.
كانت قصة جوار الجد للبيت مجرد رواية أسمعها من أحدهم حتى كنت ذات
يوم في رحلة إلى عالم المخطوطات فظفرت بمخطوط لكتاب جوهر النظام نسخه
هذا الجد لأجده قد أرخ لنسخ الكتاب قائلاً ( تم الجزء الرابع من كتاب
جوهر النظام ظهر الاثنين الخامس من شهر رمضان المبارك سنة 1338 في
مكة المشرفة زادها الله شرفاً ) وفي طبعة حجرية قديمة من شرح ديوان
ابن الفارض وجدته كتب ( اشتريت هذا الكتاب من مكة المكرمة شرفها الله).
هنا علمت أن الجوار كان في ذلك العام وبين ذينك الموسمين ، فيا للذكرى
ما أجملها ، وقد بعثت في النفس الشؤون والشجون.
وبين كلمات الجوار والمجاورة ومشاعر الحزن والأسى على فقد إبراهيم
إذ وجدت ماثلاً في ذهني قول التهامي في مرثيته الرائعة لولده:
جاورت أعدائي وجاور ربه ** شتان بين جواره وجواري
وبعد تلك التأملات والوقفات بين دفتر الذكريات ودفتر التاريخ ، عدت
إلى استشعار معاني الآيات البينات " إن إبراهيم كان أمة قانتا
لله حنيفا ولم يك من المشركين ، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط
مستقيم ، وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين.
فوجدت أن القرآن الكريم يرسم إبراهيم عليه السلام نموذجا للهداية والطاعة
والشكر والإنابة لله . ويقول عنه هنا إنه كان أمة ، واللفظ هنا كما
يقول سيد قطب يحتمل أنه يعدل أمة كاملة بما فيها من خير وطاعة وبركة
. ويحتمل أنه كان إماما يقتدى به في الخير فالإمام الذي يهدي إلى الخير
هو قائد أمة وله أجره وأجر من عمل بهدايته فكأنه أمة من الناس في خيره
وثوابه لا فرد واحد . "قانتا له " طائعاً خاشعا ً عابداً
"حنيفا ً" متجها إلى الحق مائلا ً إليه "ولم يك من
المشركين " شاكرا لأنعمه بالقول والعمل . "اجتباه أي اختاره
وهداه إلى صراط مستقيم .
رأيت أن هدي أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام هو هدي نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم ، ورأيت أن هدي الصالحين إنما هو اهتداء إلى هدي النبيين
عليهم السلام نموذج الهداية والطاعة والشكر والإنابة لله.
حينها عدت إلى شخص الفتى إبراهيم الذي كتب له أن يختصر الطريق إلى
ربه في عمر ما اقصره فوجدته قد شق طريق هدي الصالحين النابع من النموذج
الذي رسمه أنبياء الله ورسله ليبقى مناراً ونبراساً للبشرية جمعاء
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ثم ما لبثت أن علمت ما لم يكن في الحسبان ، قيل لي أن إبراهيم قد حفظ
ما ينيف عن ثلثي كتاب الله وقد كان في طريقه إلى إتمام حمل الكتاب
العزيز في صدره ، وقيل لي أنه ودع الدنيا بصلاة خاشعة وبقرآن الفجر
" إن قرآن الفجر كان مشهوداً" ليكتب له بعدها ببرهة أن يلقى
الله جل علاه وهو في عمر الزهور.
فهنيئاً لك إذ نشأت في رحاب الله ، وهنيئاً لك إذ جاورته في بيته العتيق
وهنيئاً لك إذ حفظت كتابه وهنيئاً لك جواره الأبدي . "سلام على
إبراهيم".
محمد بن عامر
العيسري
أعلى
|