الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 

 

 

 





مبتدأ




"الأفلاج، ذلك النظام المائي العجيب هو خلايا كائنة في جسد هويتنا الحضارية العمانية لا تكاد تنفصل عنه، وعن كل ما هو عماني. وارتباط العماني بالفلج لا يقتصر على الري والارتواء والشرب والاستقاء، إنما يتجاوز ذلك إلى حضارة وعمران وتشييد وبنيان، بل إلى فقه وعلم وفصل وحكم".. هكذا يفتتح الكاتب محمد العيسري حديثه عن وثائق الافلاج الذي يقدم من خلاله جهداً بحثياً كبيراً في توفير المادة الكتابية وصور المخطوطات، ليقدم لقارئ اشرعة جانباً من هذا النظام العماني الدقيق في توزيعه وتقسيمه.
"الكاتب يستدعي تلك القدرة لدى الانسان العربي على إعادة اكتشاف انسانيته ومعها ايضا يستعيد قدراته على فهم لغته عبر إعمال العقل في محاولة فهم النص بالتفاعل بين المتلقي والمبدع وصولا الى تشكيل الرسالة الاصلاحية المستهدفة جريا على نهج انصار المدرسة الواقعية في الأدب لاعادة تشكيل العقل العربي ومنع تغييبه او تحلله او انصهاره في أتون من العبثية والتسطيح لإعادة قولبته في شكل مسوخ بلا هوية".. هكذا يصف محمد عبدالخالق تجربة الكاتب عبدالحميد الطائي في اصداره الجديد "بن" ضمن سلسلته "حواس حروف"، ليقدم رؤية انطباعية يعنونها بـ"رؤية متفردة وحساسيات متعددة".
الزميلة هاجر بوغانمي تقدم لنا حواراً مع الفنانة ليلى حجيج نستنشق منه عبير الطرب الاصيل ممزوجاً بروح الحداثة .. ليلى حجيج التي استضافها مسرحي حصن الفليج والمروج في امسيتين غنائيتين مؤخراً لم تفوت الزميلة هاجر الفرصة لتقف على محطات مهمة من محطات الفنانة وتسبر اغوار تجربتها المتميزة.
عزة القصابي تواصل مع بدأته من قراءات في مهرجان ايام قرطاج المسرحية لتقدم لنا هذه المرة قراءة في مسرحية "تيامو" والذي تصفه بأنه العرض الذي يحقق معادلة الفن من أجل الفن، كما يستكمل زهران القاسمي "سيرة الحجر" ليحدثنا عن "الاحلام".. كما يزخر "اشرعة" بالعديد من المواضيع الاخرى.

المحرر


أعلى






سيرة النسيان


"أ . هل كنت مريضا؟ هل شفيت؟
ولكن من كان طبيبي؟
كيف استطعت نسيان هذا..!
ب. الآن فقط، أظنك شُفيت.
لأن من ينسى، في صحة جيدة يكون"

ـ نيتشه ـ

***

في أحايين كثيرة نرغب لو أن رؤوسنا خاوية من ذاكرة تسمم حياتنا كلها، فتلسع أول ما تلسع القلب هذا العضو الحساس الدافق بأعصاب متمددة، المرن بنبضات تجري حينا كالأرنب وتبطئ حينا آخر كالسلحفاة، فالذاكرة لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة إذ بمقدار ما تتيح له سفرا نحو الحرية فإنها تصبح سجنه.. على حد تعبير الروائي عبد الرحمن المنيف..
قيد الذاكرة هذا يجعلنا نرغب لو نغدو كالمولودين الجدد، أو كالقطط الذين ليس لهم مشاعر ولا ذاكرة، نتمنى لو نستطيع أن نقفل كافة حواسنا الخمسة تجاه محسوسات العالم؛ لئلا نشرع الذاكرة على مزيد من ويلات الذكرى التي تكون لربما مؤرقة تقرصنا بقية عمرنا، وما أكثر الأمور التي نفشل في دحضها عن تاريخ الذاكرة المثقلة بخيبات أثقل، ماذا عن مساحات جغرافية التي تحوي سيرة تفاصيلنا، كلما نأينا عنها ازددنا قربا منها فتأنف عن النسيان..!
يقول فرويد: "إن الذاكرة خوانة"..
فلا تشطب من حدودها سوى البقعة المعشبة بأنبل الذكريات التي كانت تمدنا روحا إلى أشخاص، إلى أماكن، إلى تفاصيل، كان لها قسط من حفنة فرح، بينما المساحات التي تربو على أقاص جرداء لا يهطل على أراضيها سوى حمم من ذكريات خائبة تحرق القلب وتكمد الجوارح، فإنها حينئذ تحتفظ بالوفاء كوشم أبدي والذاكرة منها حادة كالمسامير..!
وللهرب من دبابيس الذاكرة المؤلمة خصصت الكاتبة "أحلام المستغانمي" كتابا عن النسيان، تخاطب فيها أولئك اللاتي قهرهن النسيان فعلق ذاكرتهن على سماء مثخنة بآلامها، فتطالب بنات جنسها بمساواة أنفسهن مع الرجال في ذاكرة النسيان؛ لأن المرأة بطبعها لا تنس بسهولة، بينما الرجال على نقيض؛ لأن النسيان يمهد لهم الطريق للبحث عن علاقة جديدة.. بينما الأنثى فهي تطرد النسيان عن وكرها؛ لأنها تخشى خوض تجربة جديدة على أساس ذاكرة في اليد خير من نسيان على الشجرة كما وصفت..!
والغريب أن الروائي "نيكوس كازانتراكيس" صاحب رواية زوربا، يرى أن الرجل حبيس ذاكرته، بينما المرأة تنسى بسرعة ولا يمكن أن تذكر أحدا من عشاقها القدامى، وحين تكون معها يحمر وجهها خجلا وتضطرب كما لو أنها ترى رجلا لأول مرة في حياتها، وفي كل علاقة تخرج عذراء الذاكرة والجسد..!
يبدو أن النسيان سيقف وقفة محايدة، بينما أجناس النساء والرجال تتعنصر حوله في اتجاهات معاكسة..!
بينما يهمنا نحن هو شراء النسيان، فمن يريده يتجه رأسا إلى المكسيك، تحديدا عند السحرة المكسيكيين أو شامانيه كما حكى الروائي "باولو كويلهو" ذات مرة.. فهم يقدمون وصفة تطبيقية في النسيان يعنونونها بـ"آلية النسيان" فحين تثقل عليهم الذاكرة التي تحمل أطناب حياتهم التي مروا بها، يمضي السحرة أو الشامان أشهرا يستذكرون فيها أقل ما يمكن من تفاصيل لكل حدث في حياتهم ، وتقضي بعض التقاليد أن يمضي أحدهم ساعات في التحدث عن كل شيء مرّ به بصوت عال أمام آخر وكوب مليء بالماء..
وبهذه الطريقة تغادر القصة ذاكرتهم وتذهب إلى الماء الذي يجب أن يرمى في النهر مباشرة بعد الكلام، فهذا الفعل يُخلي فكرهم ليستطيعوا تعبئته بأشياء جديدة..
بعد هذه الوصفة المدهشة لا نملك سوى أن نتنفس ملء ذاكرتنا لندلق النسيان في النهر نفسا بعد نفس، لكن ماذا لو أن وصفة السحرة المكسيكيين كفيلة بالتدمير الشامل للمخ الذي يحتوي على جهازين للذاكرة، جهاز خاص بالوقائع العادية وجهاز ثان خاص بالوقائع المشحونة عاطفيا.. ونخرج بعدها بذاكرة فقدت هويتها الأصلية..؟
التجربة جديرة بالمغامرة، خصوصا لأولئك المثقلين بكراكيب تستعصى على النسيان..!

ليلى البلوشي

أعلى







وثائق الأفلاج .. سجل تأريخي ورصيد حضاري

وثائق الأفلاج مرتع خصب لاستقراء ودراسة التاريخ الاجتماعي

"النسخة" مصطلح عماني يراد به تقييد حصص مياه الفلج أو الوقف

للفقهاء دور كبير في إدارة الأفلاج وتوثيق قواعدها وحصص مياهها

مصطلحات الأفلاج ومسميات البساتين دلالات حضارية وثراء لغوي

محمد بن عامر العيسري

الأفلاج، ذلك النظام المائي العجيب هو خلايا كائنة في جسد هويتنا الحضارية العمانية لا تكاد تنفصل عنه، وعن كل ما هو عماني. وارتباط العماني بالفلج لا يقتصر على الري والارتواء والشرب والاستقاء، إنما يتجاوز ذلك إلى حضارة وعمران وتشييد وبنيان، بل إلى فقه وعلم وفصل وحكم.
وبالمجمل فالأفلاج نظام تقوم عليه الحياة العمانية التقليدية بكل ما تحمله من معان. وقد حفظت لنا الأيام الكثير من الوثائق التي تخص الأفلاج، والحق يقال أن تلك الوثائق جديرة بالعناية والحفظ والتقصي والدراسة باستقرائها واستنباط دلالاتها، لما تحمله من فوائد جمة وشوارد شتى تكاد تكون المصدر الوحيد لها في كثير من الأحيان.
في هذا الطرح نسعى إلى التعريف بوثائق الأفلاج عامة وأقسامها وأهميتها ، مع التركيز على أحد أهم أصنافها والتعريج على نماذج منه ، وما تمثله من أهمية وقيمة حضارية.

مصطلحات الأفلاج

ونصدّر الموضوع هنا بالتعريف ببعض المصطلحات الدارجة ذات الصلة بالأفلاج ونظامها كونها ترد في كثيراً في وثائق الأفلاج ، مع الأخذ في الاعتبار أن المصطلحات قد تتباين من منطقة إلى أخرى بعض الشيء ، وهناك بحوث ودراسات عدة حول نظام الأفلاج يمكن الرجوع إليها للاستزادة. وخلال بحثي في مصطلحات الأفلاج من خلال ما هو متداول وما يرد في وثائق الأفلاج وفي كتب الفقه وقفت على ما يزيد عن مائة مصطلح حتى الآن، وأسعى إلى جمعها والتعريف بها بمشيئة الله.
وفيما يلي نصدر الموضوع بالتعريف بأهم مصطلحات الأفلاج الأكثر شيوعاً وتداولاً:
* الفلج: (النهر، وقيل النهر الصغير، وقيل هو الماء الجاري).
* الساقية: قناة الفلج
* العامد: الساقية الرئيسية للفلج
* الساعد: الرافد المائي .
* الصوار: المفترق بين الساقيتين الذي يتم من خلاله فصل الماء عن جهة وتوجيهه إلى جهة أخرى.
* البادة: يوم الفلج (أربع وعشرون ساعة تقريباً)، وتعرف في بعض المناطق بـ(الردة أو الفردة أو الخبورة). وفي بعض البلدان ينقسم يوم الفلج إلى بادتين لكل بادة أربعة وعشرون أثراً أي اثنا عشرة ساعة.
* الأثر: مدة زمنية تساوي 30 دقيقة تقريباً، ويعمل بهذا النظام في أغلب أفلاج عمان.
* السهم: مدة زمنية تساوي 45 دقيقة تقريباً ، ويعمل بهذا النظام في بعض الأفلاج.
* الربع: ست آثار أي ثلاث ساعة تقريباً.
* الآد: كل دورة (سقية) من دورات الفلج.
* القعد أو (القعادة) كما في كتب الفقه: تأجير حصة معينة من حصص الفلج لمدة زمنية معينة.

تصنيف وثائق الأفلاج

يمكن أن نقسم وثائق الافلاج إلى أقسام عدة كالتالي :
1ـ (نسخة الفلج )،(كتاب الفلج)،(دفتر الفلج)،( عرضة الفلج )،( جامعة الفلج):
وهي مسميات تتباين من منطقة إلى أخرى إلا أن مدلولها واحد ويقصد بها السجل الذي تحفظ به قائمة أيام الفلج (24 ساعة تقريباً وتعرف بالبوَدّ "جمع بادة" أوالردّات (جمع ردة) وتقسيماتها إلى ربوع (أرباع) وآثار (جمع أثر) أو أسهم مع بيان نصيب كل ذي سهم من الفلج).
والنسخة مصطلح عماني يراد به تقييد حصص مياه الفلج أو الوقف، وقد نص على هذا الاصطلاح الكثير من تلك الوثائق، فنجدها مصدّرة به في صفحة العنوان. وتنص على ذات المصطلح أيضاً عدد من كتب الفقه العمانية.
وتحفل نسخ الأفلاج بالكثير من الشوارد والدلالات التأريخية، بدأ بأسماء أيام الفلج وانتهاء بقائمة أسماء ملاك حصص كل يوم.

وتتباين قيمة نسخ الأفلاج لاعتبارات عدة فكلما تقادم عهد النسخة ازدادت قيمتها التأريخية، كما أن النسخة تحتوي أحياناً على تفاصيل أخرى كاسم الوكيل ومن سبقه من الوكلاء ومن يعينه في إدارة شئون الفلج، كما تتضمن النسخ أحياناً بعض القواعد والأعراف التي يتفرد بها الفلج عن غيره، وما يقوم به الوكيل وأعوانه بين حين وآخر من صيانة وخدمة للفلج، وربما تضمنت أيضاً بعض الحسابات من إيرادات ومصروفات الفلج وغيرها.
ولا تخلو نسخ الأفلاج أحياناً مما يدون في غيرها لمختلف الأحداث من خصب وجدب ورخص وغلاء وحوادث وجوائح وميلاد ووفاة وغيرها.
وتكمن أهمية نسخ الأفلاج في المقام الأول في أسماء أيام الفلج التي تتضمن الكثير من الدلالات وتحمل أسماء مؤسسي الفلج غالباً وما اكتنف عهد التأسيس من ظروف وما تلا التأسيس من زيادات في قاعدة توزيع حصص الفلج.
كما لا تخلو من فائدة أسماء أصحاب الحصص في كل (بادّة) أو يوم من أيام الفلج، وتزداد أهمية ذلك كلما تقادمت النسخة.
وفي نسخ الأفلاج نجد أيضاً فوائد أخرى متعددة من خلال قائمة أسماء أصحاب الحصص من كل بادّة.
وتتزايد قيمتها التأريخية كلما تقادم عهدها كما أشرنا سابقاً ، فمن خلال الأسماء يمكن أحياناً ربط بعض الحلقات غير المتصلة في الأنساب ، ومن خلالها يمكن أحياناً إيجاد قرائن لتحديد حقبة زمنية معينة.
وثمة حصص من الأفلاج ترد في هذه القوائم نجد بعضها لأموال المساجد والسبل (المجالس العامة) ومختلف الأوقاف الأخرى، لتتجلى عناية العمانيين بالمصالح العامة ورفدها بمثل هذه الموارد.
2ـ وثائق المعاملات (صكوك البيع ـ الرهن ـ القياض ـ الوصية ... الخ):
وهذا الصنف من الوثائق غني بالإشارات والدلالات ، وتنسحب عليه قاعدة العلاقة الطردية بين الأهمية وتقادم العهد.
ففيها نجد شخوص المتعاملين وذكر مواطنهم وبلدانهم أحياناً وقد نستعين بأسمائهم لربط حلقات النسب المفقودة، ونجد أسماء مواضع وقرى وبلدان وضواحي وبساتين وأصناف النخل والأشجار الأخرى كالسفرجل والليمون والنارنج والأمبا وغيرها، ناهيك عن الدلالات الأخرى لوثائق البيوع عامة كالعملات المستخدمة، والشهود على البيع وغير ذلك.
وما من شك أن بيع أموال النخل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأفلاج إذ يكون للمال المبيع حصة من الفلج فيكون بيع المال في كثير من الأحيان مصحوباً ببيع حصته من الفلج، وعليه فإننا نصنف صكوك البيع هذه ضمن وثائق الأفلاج لكونها متصلة بها إذ يقال (من سقي فلج كذا...)، وفي أحيان أخرى يكون البيع لحصة الفلج وحدها أو للمال وحده دون حصته من الفلج.
وفي العرف تعرف الحصة من الفلج بـ(الماء) فيقال (من ماءه من فلج كذا). وحتى في الحالات التي لا يكون للمال المشار إليه في الوثيقة ماء من الفلج إلى أنه يشار إلى الفلج للتعريف بموضع المال باعتباره واقعاً في دائرة سقي الفلج، وعليه فالصلة بالفلج باقية.

3ـ الدعاوي والأحكام والمعاهدات:
عبر سني الحضارة العمانية وفي أنحاء عدة تبرز قضايا بين أصحاب الأفلاج لأسباب شتى منها تداخل البلدان وأفلاجها وإشكاليات ما يعرف بـ(الحريم الشرعي) ويعني أن لكل فلج حرمات وحدود، وتتعدد الدعاوى وتتباين في هذا الشأن، وينتج عن ذلك خلاف بين أهل الفلجين، وفي بعض الأحيان ينجم الخلاف بين أهل الفلج الواحد لاختلافهم في شيء من ردات الفلج أو فيما يتداول فيما بينهم بشأن صيانة الفلج ، ويستدعي كل ذلك تدخل أرباب العلم والحكم للفصل في هذه الدعاوي ويتم توثيق ذلك في صكوك تبقى وثائق لفصل تلك الدعاوي.
وينقل هذا الصنف من وثائق الأفلاج صورة عن مرحلة مر بها الفلج عبر تأريخه وما اكتنفها من إشكالات اجتماعية وفنية، كما تنقل هذه الوثائق أدواراً لشخوص لها اعتبارها وما تمثله بالنسبة لأهل البلد بل وللدولة بأكملها في بعض الأحيان، كما تنقل لمن يأتي من أجيال كيف يتعاطى الأقدمون مع الإشكاليات ذات الطابع القبلي، وكيف يتم الفصل في الدعاوي بما يشبه لجان التوفيق والمصالحة في عصرنا.
كما نقرأ بين ثناياها مصطلحات لم يعد بعضها متداولاً نجدها أيضاً في مصنفات علمائنا تمثل بمجموعها إرثاً علمياً ليس بقليل.
وفي هذا الطرح نتعرض لثلاثة نماذج من الصنف الأول من وثائق الأفلاج وهو (نُسَخ الأفلاج)، وهي كالتالي:

1ـ نسخة فلج العوابي

تعد نسخة فلج العوابي إحدى أهم نسخ الأفلاج العمانية التي حفظتها الأيام، من حيث القيمة التاريخية نظراً لما يتضمنه محتواها من تفصيل دقيق لمجريات إدارة الفلج وتوثيق أغلب المعاملات التي جرت على حصص مياه الفلج من خلال نقل صكوك تلك المعاملات مع ما تحتويه من شخوص وأحداث وبقاع ومواضع شتى يمكن للباحثين من خلالها استجلاء الكثير من الحقائق والمعلومات.
وتحتفظ دار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة بنسخة ورقية مصورة عن الأصل.
وقد خط هذه النسخة تسعة منهم المشائخ العلماء أبناء الشيخ العلامة أبي نبهان جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي وأحفاده وآخرون من أعيان العوابي.
فممن تعاقب على تقييد ما في النسخة الشيخ العلامة الفقيه ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي الذي ولد سنة 1192هـ وكان أحد كبار العلماء في عمان وزنجبار إبان عهد السيد سعيد بن سلطان وله مؤلفات كثيرة وتوفي سنة 1263، وأخوه الشيخ خميس بن جاعد وهو الآخر فقيه وعالم تتلمذ على يد والده ونسخ كثيراً من مؤلفاته وجمع شعره، والشيخ العلامة يحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصي الذي رتب النسخة في فصول على شاكلة الكتب والمصنفات، وهو علام فقيه ولد سنة 1227هـ في بلدة الهجار بوادي بني خروص، وتلقى العلم على يد عمه الشيخ ناصر بن جاعد الخروصي، وقد سافر إلى زنجبار واشتغل بالقضاء وتصحيح مطبوعات المطبعة السلطانية التي أسسها السيد برغش بن سعيد بن سلطان.
ولعل ذلك من عوامل تميّز هذه النسخة على وجه الخصوص كون المعتنين بها من العلماء الفقهاء، وقد انعكس منهجهم العلمي في كتابة النسخه وتوثيق حصص مياه الفلج ونقل صكوك المعاملات إليها من مصادر متعددة.
رتب الشيخ يحيى بن خلفان نسخة فلج العوابي في عشرة فصول كالتالي: (في مياه الوقوفات ـ في مياه بني خروص ـ في مياه بني خزير وهم من بني خروص ـ في مياه بني بحري ـ في مياه بني ذهل بن شيبان ـ في مياه بني حراص ـ في مياه آل يعرب والسلاميين وعمر المعلم الريامي والمزارعة وغيرهم من الناس ـ في مياه الضواينة ـ في مياه بني عوف ـ في مياه بقية الناس المتفرقين).
ولم يقتصر محتوى النسخة على تقييد متعلقات الفلج فحسب، بل تجاوز ذلك إلى إيراد بعض المعلومات حول شخصيات الملاّك والموقفين والمتعاملين في الفلج، نجدها في ثنايا التقييدات.
ابتدأ الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي في كتابة النسخة بتاريخ التاسع من جمادى الآخرة سنة 1240هـ ، وقد تصدر النسخة الفصل الأول في مياه الوقوفات . ولعل في تصدير النسخة بتقييد مياه الوقوفات أولاً دلالة على اعتناء مدوني النسخة بأموال الوقف وإعطاءها الأولوية لكونها مال عامّ لا تهاون في القيام بأمره والاعتناء بشؤونه.
حفلت النسخة بأسماء بعض مساجد العوابي وصفتها وجهتها ومن بناها ، فمن ذلك مثلاً النص التالي: (ماء مسجد الصاروج الذي بناه الشيخ عبدالله بن مبارك بن عبدالله بن ناصر، وهو أب أم الشيخ العالم أبي نبهان جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبدالله بن ناصر بن محمد بن حيا بن زيد بن منصور بن ورد بن خليل سلالة الخليل الإمام بن شاذان بن الصلت الإمام ، الخليلي الخروصي . وهذا نسبه من أبيه وكذلك نسب أمه ، فلهذا المسجد 6 كياسات لعماره ، وما فضل يؤكل بما شاءه القائمون بأمواله ، والله أعلم).
ففي النص ذكر لاسم المسجد وبانيه وصلته بالشيخ العالم أبي نبهان جاعد بن خميس وتسلسل نسب هذه الأسرة وصولاً إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي ، ثم تقييد مقدار حصة المسجد في الفلج وهي ستة كياسات والغرض من هذا الوقف وهم عمارة المسجد ، وكيفية التصرفي فيما يفضل عن عمارته بأن يؤكل بما شاءه القائمون بأمواله.
ولا شك أن نصاً كهذا جامع للعديد من الشوارد والفوائد التي جاءت لا في سياق التدوين التاريخي بل في سياق توثيق الحصص في نظام الري (الفلج).
وفي نص آخر جاء: (وصية الشيخ الفصيح الناظم سعيد بن محمد الغشري الخروصي 23 كياساً للجماعة أهل العوابي على رأيهم أثران وأربع كياسات).
وهو الشاعر المعروف صاحب الديوان الشعري المتداول سعيد بن محمد الغشري الخروصي.
ونجزم أن في النسخة مادة غزيرة لدراسة عدد من الأعراف والتقاليد ، ولاستقراء الكثير من مفردات التاريخ الإجتماعي . لذا نزمع بمشيئة الله تحقيق نص النسخة ودراسته ، والمقارنة مع نصوص عدد من نسخ الأفلاج.

2ـ نسخة أفلاج نزوى

ذكر الباحث محمد بن عبدالله السيفي انه اطلع على نسخة قديمة بها تقييدات لعدد المعاملات بأفلاج نزوى بدأ من القرن الحادي عشر حتى أواخر القرن الرابع عشر الهجريين ، وتشتمل على تقييدات معاملات البيوع والشراء والإرث والهبات وغيرها لأفلاج عدة هي دارس والغنتق وضوت والسعالي والخوبي والدنين وأبو ذؤابة ، وقد وجد المخطوط بحالة سيئة مع تلف في بعض أجزاءه ويصل عدد الأوراق السليمة قرابة 1300 ورقة ، اطلع الباحث محمد السيفي على222 ورقة منها .
وفي كتابه (النمير) ج4 ص 46 قدم وصفاً للنسخة تحت عنوان (الوثيقة)، وذكر أنه تعاقب على التقييد بالكتابة فيها عدد من الشخصيات منهم علماء أفاضل ومشائخ وأعيان، أورد منهم عشر شخصيات هم الشيخ سعيد بن أحمد بن ماجد السليماني والشيخ أحمد بن سعيد بن طالب السليماني والشيخ أحمد بن عامر بن صالح العبادي والشيخ الوكيل مسعود بن علي العبادي والشيخ العالم عبدالله بن محمد بن غسان والشيخ العلامة الفقيه محمد بن خميس بن محمد السيفي والشيخ العلامة سعيد بن ناصر بن خميس السيفي والشيخ إبراهيم بن محمد بن خميس السيفي والشيخ الوكيل شامس بن محمد بن خميس بن محمد السيفي ، وغيرهم.
كما أورد قرابة 300 شخصية وردت في النسخة من خلال استقراء 222 ورقة منها فقط ، ولا شك أن في المتبقي الكثير من الشخصيات.
من هؤلاء مثلاً الإمام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي والإمام سلطان بن مرشد اليعربي والشيخ العلامة سعيد بن بشير الصبحي والشيخ الفقيه حبيب بن سالم أمبوسعيدي أحد العاقدين على الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، والشيخ سرحان بن سعيد بن سرحان الإزكوي والسيد حماد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي والسيدة أصيلة بن سليمان بن مهنا البوسعيدية، والشيخة أصيلة بنت ناصر بن سعيد بن خلفان المزروعية الساكنة بندر زنجبار، وغيرهم كثير.
هذا على صعيد ورود هذا العدد الكبير من الشخصيات ، ناهيك عن ارتباطه بالكثير من الأحداث التي يمكن استقراؤها من خلال نصوص النسخة. وما من شك أن قراءات مثل هذه الوثائق قد تتعدد وتتباين وفقاً لاتجاهات كل باحث ومداركه ، وعليه فإنها مرتع خصب لدراسة التاريخ الإجتماعي.

3ـ نسخة فلج العزيزي

من بين نسخ الأفلاج التي وصلت إلينا نسخة فلج العزيزي ببلدة سيق بالجبل الأخضر ، والتي خطها الشيخ الفقيه ربيعة بن ماجد بن سليمان الكندي ، ويوجد أصل النسخة محفوظاً بدار المخطوطات بوزراة التراث والثقافة برقم 2316.
تتميز نسخة فلج العزيزي باكتمال مادتها ووضوح خط الناسخ، وتتميز مادتها ببعض الخصائص التي قد لا نجدها في النسخ الأخرى، ولعل ذلك يعود إلى خصوصية الأعراف المتبعة والجغرافيا وطبيعة قرى الجبل الأخضر واختلاف بيئتها عن بقية بلدان عمان.
فنجد تقسيم المياه في وحدات توزيعية إلى أواد (جمع آد) وهو دورة ماء الفلج ، ويختص كل آد بموضع معين يعرف بـ (الرم) وجمعه (رموم) ويختص كل رم بيوم أو بليلة ، فيرد في النسخة توقيت الآد إن كان ليلاً أو نهاراً مقروناً باسم الرمّ الذي يختص به ثم تفصيل الحصص في ذلك الآد لأصحابها في ذلك الرمّ. وقد بلغ عدد الوحدات التوزيعية (الأواد) في النسخة اثنين وستين آداً منها مثلاً: "ماء النهار الزريب ـ ليلة خمر القور ـ ماء النهار (السليل) ـ ماء اللجمة ـ آد عاشر ـ تامة آد عاشر ـ السليل الغربي ـ آد ليل (الشركة) ـ آد نهار (الريحة) ـ آد ليل (مزرع الأسفل) ـ آد النهار (مزرع الأسفل) ـ آد الليل ـ آد النهار (الشخرة) ـ آد الليل (الدهمانية) ـ آد النهار (النصاف) ....الخ".
ثم يرد تفصيل الحصص في كل آد بذكر أسماء أصحاب الحصص بالتتالي سواء بذكر اسم شخص صاحب الماء او اسم الرم أو الوقف أو المسجد والمدرسة.. إلى غير ذلك. وللتمثيل على ذلك نجد مثلاً أن الآد الخامس (ماء اللجمة) ورد تفصيله كما يلي "الابتداء لمال الوقف، ويتلوه مال حماد بن هدهود التوبي، ويتلوه مال فلج الشيخ، ويتلوه مال سلام بن سعيد بن مسعود، ويتلوه مال محمد بن خميس، ويتلوه مال قيس بن سليّم، ويتلوه شخرة للوقف، ويتلو ذلك نصوخ للأيتام، ويتلو ذلك وقيف الرموم الذي لسعيد بن راشد، ويتلوه شرب قرزتين للكفن، وقرزة شيخة بنت راشد بن عبدالله، ويتلو ذلك لشخرة العتمة ، ويتلو ذلك صوار مال المدرسة إلى الوادي ، وما فضل من ذلك فللحلحل هذا منتهاه إلى الفجر".
لا ترد في نسخة فلج العزيزي الوحدات التوزيعية الأخرى المعروفة في أغلب أفلاج عمان كالربع والأثر، بينما ترد وحدة أخرى هي (الطاسة) نجد ذكرها في أول النسخة وفي مواضع أخرى منها ، وتزخر النسخة بأسماء عشرات الشخوص والبساتين والمواضع والأوقاف والمساجد تحمل الكثير من الدلالات.
وفي آخر النسخة وعقب النص الذي به تقييد الآد الثاني والستين أورد الشيخ ربيعة الكندي بعض القواعد والضوابط التي تضاف إلى ما جاء في النسخة، وكيفية دوران الفلج في بعض الأواد التي تستثنى من بعض القواعد وتمتاز بمعايير أخرى جرت عليها قاعدة توزيع مياه الفلج من قبل.
وفي خاتمة النسخة جاء ما نصه: (تمت النظيرة المحتوية على تقييد فلج العزيزي الذي ببلد سيق من جبل بني ريام بالتفصيل البيّن على اتفاق العارفين بدوران أواده وسننه وإجماع آراء ملاكه على ترتيبه المودوع بهذا القرطاس، وذلك بمحضر الأشياخ المعظمين سليمان بن سيف وحارب وحمير وأولاده وحمدان ونبهان ابني سليمان بن سيف وحارب وحمير اني الشيخ المعظم ناصر بن سيف بن سليمان بني نبهان ، وأهل بلد سيق ، بتاريخ يوم 8 من شهر رجب من سنة 1308 ، وكتبه الفقير ربيعة بن ماجد بن سليمان الكندي بيده.
ومن خلال النص يتبين أن النسخة أريد لها أن تكون ميثاقاً لحفظ حقوق أصحاب الحصص من مياه الفلج لذا تم تقييد كافة الحصص بحضور العارفين من أهل البلد بدوران أواده وسننه وإجماع آراء ملاكه.
والشيخ ربيعة بن ماجد بن سليمان الكندي الذي خط النسخة هو أحد فقهاء عمان ، ولد سنة 1260هـ ببلدة الهجار بوادي بني خروص وتتلمذ على يد الشيخ يحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصي فأخذ عنه الخط والفقه وأصول الدين ، كما أخذ عن الشيخين سرور وخميس ابني الشيخ جاعد بن خميس الخروصي . أخذ عنه العلم ابنه يحيى بن ربيعة الكندي . وقد أدرك الشيخ ربيعة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي ، وفي عهد السلطان تركي بن سعيد عمل كاتباً بمسقط . تولى القضاء في ولايات عدة ، وكان كاتباً وناسخاً مجيداً.
وأخيراً فإن الأفلاج تتفرد بالخصوصية العمانية لا باعتبارها نظام ري فريد فحسب ، بل تتعداه إلى كونها نظاماً اجتماعياً قامت عليه الحياة في عمان على اختلاف شؤونها ، فالأفلاج إذن نظام ري ، وهندسة ، ومورد اقتصادي ، ومؤسسة اجتماعية إدارية ، وميدان للعمل الجماعي ، وباب من أبواب الفقه ، وأخيراً وليس آخراً فإن وثائق الأفلاج أوعية لقدر كبير من تراثنا وهويتنا يجدر بنا الاعتناء بها حفظاً ودراسة واستقراء ، كبقية حقول المعرفة.


أعلى






ليلى حجيج لـ(أشرعة): لا ألهث وراء الشهرة

*على الفنان أن يؤمن بفكر التجديد وبفلسفة الاختلاف
*السماع مهم جدا في تربية طفلك على الذوق السليم
*الشهرة لا يصنعها التلفزيون بل تصنعها الفرجة المباشرة
*ليس بالضرورة أن تكون الأغنية طربية فقد تكون خفيفة لكنها من حيث الكلمة واللحن تصل إلى القلب

حاورتها: هاجر محمد بوغانمي
مخطىء من يظن أن الموسيقى في عصرنا الحاضر أمسكت عن مخاطبة القلب والروح لتفسح المجال للإيقاع، وأن تراثنا الموسيقي الجميل بات مهدّدا بالاندثار بعد أن كان لسنوات طويلة مستحوذا على قلوب عشاقه ومحبيه، وأن أسماء مثل عبدو الحمولي، وسيد درويش، وزكريّا أحمد، وصالح عبد الحي، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، واسمهان، وفريد الأطرش، وعبدالحليم حافظ ...إلخ، قد أصابها الصدأ، وتحولت إلى "منسيات".. مخطىء من يظن هذا لأن في البيت أنفاس هؤلاء، تردّنا عن السير نياما، وتعدّ خطواتها حتى إذا عمّ المكانَ الضجيج واستفحل الدنس، جعلت لنا ممرا كي نعبر آمنين، ووضعت الرسالة بين أيد أمينة تتولاها بدلا عن أصحابها..
تطلع من بين الحاملين على أكفهم تلك رسالة فنانة شابة، ولدت في أسرة مصدر غذائها الروحي المغنى الجميل والطرب الأصيل، ولما كبرت ونضج ذوقها عجّلت بصقل موهبة الصوت التي حباها الله بها، فاستزادت من معين العلم، وانضمت إلى مجموعة الفارابي للموسيقى العربية كي تثبت قدميها في هذا اللون، وتشارك في حمل الرسالة..
إنها الفنانة التونسية الشابة ليلى حجيج التي نزلت ضيفة على أرض السلطنة، وأمتعت الجماهير في مسقط وصلالة بباقة مختارة من الطرب الأصيل.. التقيناها قبل أن تقفل راجعة إلى تونس الشقيقة ، فكان معها الحوار التالي:
*لو نتعرف إلى ليلى حجيج ومشوارها في عالم الفن؟
** ولدت في أسرة فنية، فجدي "محمد حسين حجيج" كان من الأعضاء البارزين في فرقة "الراشدية"، وأختي منية حجيج (أستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة السلطان قابوس) تمتلك هي الأخرى موهبة الغناء، ولولا توجهها الأكاديمي وحبها لمهنة التدريس لكانت واحدة من أجمل الأصوات التونسية والعربية اليوم، دون أن أنسى طبعا والدتي التي علمتني كيف أحفظ الأغاني وأرددها، ووالدي الذي رغم اعتراضه على أن تتحول الهواية إلى احتراف ونظرته الخاصة للفن، إلا أنه كان حريصا في تربيتنا الفنية على الذوق السليم..
وباعتباري أصغر أخواتي، فقد كنت أكثرهن حظا في إقناعي والدي برغبتي في تعلم الغناء وفق أصوله وقواعده، شرط ألا يؤثر ذلك على نتائجي الدراسية، والتحقت بالمعهد العالي للموسيقى بتونس العاصمة، لأحصل على دبلوم في الموسيقى بعد دراسة دامت سبع سنوات، ومن عادة المعهد أن يقيم كل نهاية سنة دراسية حفلا غنائيا يشارك فيه عدد من الطلبة، ويشرف على قيادة الفرقة الموسيقية الفنان والملحن التونسي عبد الكريم صحابو.. وبعد تخرجي من المعهد انضممت إلى نادي "الفارابي للموسيقى العربية" وهو ناد أسس عام 1980 ويتكون من مجموعة من المثقفين والمتخصصين في مجالات مختلفة منها الطب والهندسة والمحاماة والتدريس وغيرها من المهن، يلقبون بالهواة المحترفين، وقد مضى على تأسيس نادي الفارابي نحو ربع قرن إلا أن اختياراته ومنهجه في صون التّراث الموسيقي العربي والتعريف به وتقريبه إلى الناس لم يتغير، ومن بين الأسماء التي تخرجت من هذا النادي لطفي بوشناق، ولطيفة، وعازف العود المتميز أنور براهم، وآخرين.. وقد أتاح لي انضمامي إلى هذا النادي أمرين في غاية الأهمية، الأمر الأول أنني تعلمت مع المجموعة القصيد، والموال، والدور، والموشح.. والأمر الثاني أنني تعرفت إلى الأستاذ المرحوم علي السريتي وهو مدرسة وقمة في الفن، ويعتبره الفنانون التونسيون آخر العنقود في الفن العربي الأصيل.. كان المرحوم عازف عود ممتاز وفي نفس الوقت معلما في الغناء، وقد تخرجت على يديه العديد من الأسماء الفنية في الساحة الغنائية التونسية مثل لطفي بوشناق، نورالدين الباجي، أنور براهم، سنية مبارك وغيرهم من الفنانين.. وكان من الطبيعي أن أمر بهذه المدرسة قبل أن أخطو أي خطوة، حدث ذلك في العام 2000 عندما استمع الراحل إلى صوتي، وأبدى اقتناعه الكبير به، ثم انطلقت الرحلة التي قادتني معه إلى العديد من العروض الفنية داخل تونس، وأشير هنا إلى أن الفنان الراحل علي السريتي وقبل التقائي به كان بعيدا عن أضواء الحفلات ما يقرب من سبع أو ثماني سنوات، وأكاد أجزم بأن عودته إلى الأضواء كانت معي، في فضاء النجمة الزهراء، وفي مهرجان المدينة، والمهرجانات الصيفية مثل مهرجان الحمامات الدولي، وفي فضاء العبدلية وهو فضاء يكمل الحفلات التي تقام في مهرجان قرطاج.. بشكل عام كان توجهنا نحو الفضاءات التي تسمح بالفن الطربي، وتستقبل محبيه في الوقت الذي تستقبل فيه بقية الفضاءات والمسارح نجوم "البلاي باك" والأغنية الهابطة.. وبعد وفاته واصلت المسيرة وحدي، وكان ثمة إصرار قوي بداخلي يدفعني كي أكمل المشوار كنوع من التكريم لرجل آمن بقدراتي الصوتية، ورافقني طفلة في هذا الفن حتى اشتد عودي، ليتركني وهو على يقين بأن من بدأ المشوار ينهيه، وأعتبر مشاركتي في مهرجان قرطاج الدولي في العام الماضي مع الفنان زياد غرسة من أهم المشاركات التي سجلتها على امتداد تسع سنوات من مشواري الفني، والتي من خلالها كانت الانطلاقة الحقيقية لليلى حجيج خارج تونس، حيث دعيت للغناء في دار الأوبرا المصرية، وفي مهرجان فاس للموسيقى الروحية، وفي أميركا، وفرنسا وأنقلترا..
*على ذكر الفنان زياد غرسة، ألم تفكري طيلة هذه السنوات في الانضمام إلى جمعية الراشدية التي يشرف عليها زياد ، والتي تعتبر أهم مدرسة في حفظ التراث الموسيقي التونسي؟
* في البداية دعيني أقدم تعريفا موجزا للراشدية فهي جمعية أهلية تهتم بجمع وحفظ وتحفيظ التراث الموسيقي التونسي، ويعود تأسيسها إلى الثلاثينيات من القرن الماضي على يد مجموعة من الفنانين والشعراء والأدباء يسمون بـ"جماعة تحت الصور" ومن أبرز الأسماء التي لعبت دورا كبيرا في استمرارية الجمعية وفي الحفاظ على أهدافها وكيانها ووجودها الطاهر غرسة والد زياد غرسة، وصالح المهدي اللذين ساهما بشكل ملحوظ في تدوين وتحفيظ التراث الموسيقي التونسي، وبعد رحيلهما واصل زياد المشوار بثقة واقتدار، وبالنسبة إلي فإن تواجدي في الراشدية لم يتعد المشاركات في حفلاتها التي تقام كل نهاية شهر، وأذكر أنني غنيت معهم "دور العتاب" للفنان التونسي الراحل الهادي الجويني لكن أن أنضم إليهم كعنصر قار لم يكن الأمر ممكنا لأنني من الذين لا يحبذون فكرة التقيد.
*عودة إلى الموهبة التي قادتك إلى دخول مجال الغناء وتحقيق نصيب من الشهرة وإن كان يختلف من حيث الحجم مقارنة بفنانات جيلك، ماهو دور العائلة في صقل الموهبة وتوجيهها؟
**هذا سؤال مهم جدا وسأنطلق من أسرتي الصغيرة، فأنا لدي بنتان، والحمد لله أنني لم أجد صعوبة في تعويدهما أولا على سماع الأغاني الطربية، وثانيا على حفظ تلك الأغاني، وإن كانتا أحيانا تشعران بالملل بسبب طول بعضها، ورغم ذلك أحاول دائما أن أقنعهما بأن حفظ جزء ولو بسيط يكفي لتدريب الحنجرة على الأداء السليم.. أعتقد أن السماع مهم جدا في تربية طفلك على الذوق السليم فما أسمعه أنا تسمعه بنتاي تلقائيا، وأذكر أن والدي كان مغرما بأغاني أم كلثوم وكان كل يوم أربعاء يجمع إليه أفراد العائلة للاستماع إلى إحدى حفلات كوكب الشرق التي كانت تنقل عبر المذياع.. فالسماع يصقل الموهبة، والدراسة تكونها وتؤطرها نظريا وتطبيقيا لمن كانت لديه الرغبة في دخول المجال الفني.
*ما سبب اكتفائك بدبلوم في الموسيقى؟
**لم أواصل الدراسة التخصصية في الموسيقى لأن التوجه الأكاديمي غلب على التوجه الفني، فاخترت تدريس الأدب الأنجليزي والأميركي بالجامعة التونسية وأعتقد أنني لم أبتعد كثيرا عن الفن نظرا للعلاقة التي تربط بين المجالين، فكما أن الأدب رافد مهم للموسيقى وهو غذاء العقل ـ مثلما يميل البعض إلى توصيفه ـ فإن الموسيقى غذاء الروح.
*كيف حافظت ليلى حجيج على تواجدها في الساحة الغنائية وسط العدد الكبير من الأصوات الفنية الجديدة والقديمة أيضا؟
*التواجد وتأكيد التواجد بدأ منذ العام 2000 ، والفضل يعود إلى وزارة الثقافة التونسية التي لا تنئى عن توجيه الدعوة لي للمشاركة في المهرجانات الصيفية وفي مهرجان المدينة الذي يتزامن في كل سنة مع شهر رمضان المبارك، وتواجدي بالنسبة للسنوات الأخيرة كان من خلال الإنتاج الخاص، بمعنى أنني انتقلت من مرحلة الغناء الطربي القديم إلى الانتاج الخاص، مع الحفاظ على التزامي باللون الموسيقي الأصيل، وهو التزام يجعل اختياري للكلمة وللحن صعبا جدا، لأن الإشكال بالنسبة لأي فنان انطلق من مدارس الفن العربي القديم هو كيفية وإمكانية الخروج من جلباب الماضي، وفي هذه المرحلة تعاملت مع العديد من الكتاب والملحنين التونسيين، وأول تعامل كان في لندن مع شاعر وملحن فلسطيني اسمه محمد حجازي، وفي تونس مع محمد الماجري، ومع عبدالحكيم بالقايد والدكتور الشاعر علي الورتاني في (نامت عيون الناس)، وأغنية (الفنان) التي أهديتها لروح الفنان علي السريتي.. كما تعاملت مع زياد غرسة في التلحين، وعلي الورتاني في الكلمات، وهناك تعامل في الأفق مع صفوان بهلوان، ومع لطفي بوشناق في الألحان والشاعر آدم فتحي في الكلمات..
أعترف أنني لست من الفنانات اللاتي يلهثن وراء الشهرة، ولدي قناعة بأن ظهوري لابد أن يكون بمستوى معين، كما أنني لا أريد أن أكرر نفسي في الحفلات.
*وماذا عن ظهورك الإعلامي عبر الفضائيات ؟
**الظهور في القنوات التلفزية لا يمثل طموحا أو هدفا بالنسبة إلي، ولا أحبذ الظهور إلا متى كان هناك جديد في رصيدي الفني، بالإضافة إلى نوعية البرامج، أما أن يكون الظهور لمجرد الظهور فأعتقد أنه لن ولا يضيف لي شيئا، وإذا كانت الحجة في ذلك أن يتعرف الجمهور إلي، فالحفلات هي الفضاء الأكثر اتساعا وجلبا وجذبا للجمهور، والعدد القليل من الجمهور يأتي بالعدد الكبير، هذه هي فلسفتي في ما يعرف بالشهرة، وأنا على يقين بأن الشهرة لا يصنعها التلفزيون بل تصنعها الفرجة المباشرة فإما أن تقربك لقلوب الناس أو تبعدك عنها.
*وجودك كفنانة تزامن مع انتشار ما يسمى بالفيديو كليب، هل فكرت في خوض التجربة؟
**الكليب لم يحن وقته بعد، وإن حان فلابد أن يكون ذا مستوى راق من حيث الكلمة واللحن والصورة، ولكي يكون بهذا المستوى لابد من أموال طائلة!! لن أكون متشائمة في الحكم على ظاهرة الفيديو كليب لأن الزمن ـ أحببنا أم كرهنا ـ هو زمن الصورة، ويا حبذا لو تلتقي الصورة الجميلة بالصوت الجميل والكلمة واللحن الجميلين.. لا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك فنانين برزوا وتميزوا في مجال الفيديو كليب، وهم في الغالب مدعومون من قبل شركات إنتاج.
* كيف لليلى حجيج أن تتجاوز إشكالية اللهجة المحلية حتى تصل إلى قلب الجمهور العربي من المحيط الى الخليج؟
**اللهجة المحلية في اعتقادي لم تعد تمثل عائقا أمام انتشار الفنان ولعلك لاحظت في الحفل الذي قدمته بحصن الفليج مدى تفاعل الجمهور العماني والجمهور العربي المقيم بالسلطنة مع كلمات أغنية "متنهدة" وهي أغنية تونسية لحما ودما، وكذلك بعض الأغاني التونسية الأخرى على غرار "سمرا ياسمرا"، و"تحت الياسمينة في الليل".. أعتقد أن اللهجة التونسية فرضت وجودها في السنوات الأخيرة بفضل جهود سفرائها في الوطن العربي على غرار الفنان المتميز صابر الرباعي الذي لا يخلو ألبوم من ألبوماته الأخيرة من أغنية تونسية كلمة ولحنا مثل أغنية "برشا برشا"، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ثمة اتجاه خليجي نحو الأغنية التونسية وأذكر في هذا الإطار الفنان حسين الجسمي الذي غنى "آه ياخليلة" وهي من التراث التونسي، كما أذكر راشد الماجد وأسماء المنور اللذين أعادا توزيع "خاينه" وهي أغنية للفنان التونسي الشاب أشرف.
*استمعنا في حفل حصن الفليج إلى موشح ذكرت أنه من كلمات الدكتور العماني عصام الرواس وتلحين الدكتور التونسي محمد الماجري، كيف تم اللقاء بين هذا الثالوث التونسي العماني؟
** دعوة جامعة السلطان قابوس في يوم العلم هي التي أتاحت لي فرصة التعرف والالتقاء بالمؤلف العماني عصام الرواس، أما الملحن التونسي محمد الماجري فهو صديق منذ سنوات، وقد أثمر اللقاء نشيدا لجامعة السلطان قابوس كتب كلماته عصام الرواس ولحنه محمد الماجري، وكان بمثابة الحدث بالنسبة إلي باعتباري أول امرأة أو فنانة تغني على مسرح هذه الجامعة، وتحول ذلك النشيد إلى النشيد الرسمي للجامعة، ثم تكررت التجربة مع الدكتور الرواس في الموشح الذي قدمته في حفلة الفليج وأيضا في الحفل الذي أقمته بصلالة.
* جمعت في حفل حصن الفليج بين الطرب العربي والموسيقى التونسية وإنتاجك الخاص، كيف رأيت تقبل المستمع العماني لـ (المالوف) التونسي؟
** الجمهور العماني لم يسبق له أن تعرف إلى ليلى حجيج لذلك حاولت أن أظهرها في العديد من الأنماط والألوان الغنائية.. وعودة إلى سؤالك سأقول إنني قدمت المالوف التونسي وفي ذهني أن المتلقي العماني ليست له دراية بهذا اللون الموسيقي الأندلسي الأصل، وكان الهدف أن أجعل هذا اللون الغنائي مفهوما ومعروفا لدى الإخوة العمانيين، والمالوف هو لقاء بين الشرق والغرب، وإذا كانت الأندلس تمثل ذلك الماضي المجيد بالنسبة للعديد من العرب في الشرق الأوسط، فإن أهالي منطقة المغرب العربي مازالوا يعيشون مظاهر الثقافة الأندلسية في بلدانهم، فهم ورثوا هذه الثقافة عن أجدادهم الأندلسيين الذين استوطنوا شمال أفريقيا بعد خروجهم مما يعرف اليوم بجنوب إسبانيا. وتدور محاور المالوف حول البكاء على الأندلس والحنين إليها، وفي تونس لدينا النوبة وهي موشحات في نفس المقام وبصفة عامة النوبة طويلة جدا وتترواح مدتها بين ساعتين إلى ثلاث ساعات، وفي الحفل حاولت أن أختار من كل لون مقاطع قصيرة.
*هل هناك نية للتعامل مع شعراء عمانيين؟
*لما لا؟ أنا بصدد البحث..
*هل ستظل ليلى حجيج داخل بؤرة الفن العربي الأصيل أم ستغير الوجهة؟
**لا أريد أن أغلق على نفسي الأبواب وأقول سأظل في هذا اللون أو ذاك، فأنا أومن بالموسيقى بصفة عامة، أومن باللحن الجميل وبالكلمة الجميلة حتى وإن كانت بلغة أجنبية، لا أريد أن أربط نفسي بحدود، فيكفي أن يكون هناك تواصل وانسجمام بيني وبين الكلمة الراقية الجميلة وبيني وبين اللحن الجميل.. جزئية أخرى مهمة وهي التالية: ليس بالضرورة أن تكون الأغنية طربية فقد تكون خفيفة لكنها من حيث الكلمة واللحن تصل إلى القلب .. أنا أحبذ الكلمة التي تعطي صورة مختلفة للمرأة العربية، وللحب الذي تغير معناه وطرق التعبير عنه في عصرنا، هناك مستوى معين سأحافظ عليه من ناحية الكلمة واللحن، وفي المقابل أنفتح على الموسيقى العالمية، وقد أغني في لقاء آخر مع الجمهور العماني "الجاز" العربي.
*برأيك، ماالذي جعل الأغنية الخليجية تفرض نفسها في الساحة العربية اليوم؟
** قوة الإنتاج، بالإضافة إلى عنصرين هامين هما الكلمة الرقيقة، والإيقاع الذي يتماشى مع إيقاع العصر.
*ما رأيك في أكاديمية ستار أكاديمي؟
**مشكلة شبابنا اليوم أن غالبيتهم يلهثون وراء الشهرة التي مع الأسف أصبحت هدفا والحال أن الهدف الأسمى في نظري هو إثراء الفن وتحقيق الإضافة..
لا أنكر أن هذه الأكاديمية منحت العديد من الشباب العربي فرصة كي يتحولوا من نكرة إلى معرفة، لكني دائما ما أقول إن النجاح الذي يأتي بسرعة يدعو إلى الخوف لأن الموهبة تتطلب وقتا طويلا لكي تصقل وتهذب ويقع تقويمها .. وحتى تصل إلى النجاح عليك أن تتعب، ولا تنتظر أن يستقبلك النجاح والشهرة فاتحا ذراعيه، وتخيلي مثلا ما الذي سيحدث لهذا النجم بعد أن تنتهي ستار أكاديمي، ومدى الأثر النفسي الذي يمكن أن تخلفه تلك العملية لدى "الستار".. الجميع يحلم بالشهرة في كل العالم .. ما يقلقني أن المسألة لم تعد حبا وشغفا بالموسيقى والغناء بل المسألة أخطر عندما تصبح رهينة الشهرة.. وعندما تتحول الشهرة إلى هدف.. ما يخيفني في نوعية هذه البرامج هي أنها تأتي بالنتيجة بسرعة!!
*ماذا تقول ليلى حجيج لكل فنان يبحث عن الاستمرارية وسط هذه الموجة من نجوم "البلاي باك" ومنتحلي صفة "فنان"؟
عليه بالجديد والتجديد .. التجديد في الفكرة والتجديد في طريقة عرض الحفل والبحث عن مخرجات لعدم السقوط في التكرار والابتذال.. على هذا الفنان أن يؤمن بفكر التجديد وبفلسفة الاختلاف.

أعلى





‏سيرة حجر

أحلام


قال:
ذات ليلة حلمت أنني أمشي بين الجبال، وفجأة رأيت ثلاث عجائز يرمقنني ويتهامسن، ثم أرسلن رجلا أعرفه من إحدى القرى المجاورة ، فاقترب مني وقال لي ، انهن يتآمرن عليك، ولقد أرسلنني لكي أقتلك، وإلا قتلنني ، لذا لا بد من قتلك على كل حال ، عندها تحسست وسطي فإذا بخنجر، سحبته وقطعت به رأسه، ثم ألقيت بجثته عليهن فهربن.
في الصباح كعادتنا نجلس لشرب القهوة مع أبي، فأخبرته بما رأيت في الحلم، وقبل أن ننهي شرب قهوتنا جاء من يخبرنا عن موت الرجل الذي قتلته في الحلم، إذ إنهم وجدوه ميتا في فراشه، نظر أبي إليّ، كنت مدهوشا مما سمعت، ولكنني بقيت صامتا حتى ذهب صاحب الرسالة، عندها قال لي أبي: لا تخبر أحدا بهذا الحلم.
بعد فترة وجيزة حدث أن رأيت في أحلامي أنني أمشي بين النخيل، فإذا كلب من كلاب الرعيان يهجم عليّ، ويهبّ على رجلي يريد أن يغرس أنيابه فيها، فزجرته ولكنه لم ينته، قال لي أنا لست من كلاب هذا المكان ولكنني فلان الفلاني وأريد أن آكلك، عندها جررت الخنجر من وسطي وطعنته بها فسقط.
أخبرت أبي بما حلمت أيضا، وتكرر الموقف إذ جاء من يبلغنا خبر وفاة الرجل الكلب، فخفت مما حدث وتعجبت من هذه المصادفة، أن أحلم بقتل شخص ويصبح عليه الصباح وقد فارق الدنيا.
كل ما حدث ربما يكون عاديا، إذ تتقاطع الأحلام أحيانا مع الواقع، ولكن ما حدث أخيرا شيء عجيب جدا، لقد حلمت بأنني أمشي بين الجبال في مكان فسيح ، ورأيت في الحلم مجموعة من الرجال، أعرف بعض الوجوه ، وبعضها تبدو غريبة ، وبينهم امرأة يجرونها وتبكي، تلك المرأة أعرفها جيدا ، كانت جارتنا، لذلك تدخلت لانقاذها من بين أيديهم ، فقام أحدهم وكان رجلا كبيرا في السن وقال لي وما دخلك أنت؟ عندها قمت بلطمه على وجهه بقوة، سقط بعدها على الأرض ، في ذات الحلم أنقذت المرأة وهرب الجميع.
لم أخبر أحدا بهذا الحلم، وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى عملي في المزرعة، ومررت بطريقي على الرجل العجوز الذي رأيته في الحلم، كان جالسا تحت شجرة مستندا على جذعها، ووجهه من الجانب الأيسر منتفخ ومتورم، فقلت له صباح الخير يا عمي ، قال: هل تتجرأ أن تلقي علي تحية الصباح بعد ما عملته البارحة؟ وتقول لي عمي؟ كان غاضبا جدا وعيناه محمرتان.
لم أعمل شيئا، أنا متأكد من ذلك، كل ما في الأمر أنني حلمت حلما، أنقذت فيه جارة لنا من براثن مجموعة من الرجال، اندهشت كثيرا وكتمت أمري طوال هذه السنين.
قال:
كانت المرأة مريضة جدا وراقدة في فراشها، بعد ذلك النهار قامت معافاة وعاشت حياة مديدة.
زهران القاسمي



أعلى






قراءة في عروض أيام قرطاج المسرحية (9)
(تيامو).. عرض يحقق معادلة الفن من أجل الفن

في رؤية إخراجية لا تخلو من الجرأة في أدق تفاصيلها، قدمت المخرجة السورية (رغداء الشعراني) ثاني تجربة مسرحية لها من خلال عرض مسرحية (تيامو) تحت إشراف وزارة الثقافة لمديرية المسارح والموسيقى السورية.
وذلك ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية في دورتها الرابعة عشرة. ويعد هذا العمل الثاني للمخرجة بعد عرض مسرحية (شوكولا) الذي حصل على الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. وهذا يؤكد بأن تجربة الإخراج لدى المرأة، لا تخلو من لمسة إبداعية أنثوية، أضفت على العمل الفني وهجا إبداعيا، كما ان إمكاناتها كمخرجة لا تقل عن الرجل!.
ولقد استطاع العرض المسرحي (تيامو) أن يقتحم عالم النص الكلاسيكي الشكسبيري، حيث اللغة الرصينة، والقوالب الجادة، ووحدة الموضوع، و(كاركتر) الشخصيات الذي أصبح مألوفا لدى عشاق المسرح والأدب، وهو أيضا مثال صارخ على الشخصيات، التي لم تبهت مع الزمن!.. ولقد قدم هذا العرض أحداثه بصورة مختلفة، جاءت أقرب إلى ما يعرف بـ (الكولاج المسرحي)، لكون العمل إعداد لنصي الشاعر الانجليزي وليام شكسبير: (هاملت) و(روميو وجولييت). حيث قامت معدات العرض ومخرجته، باتخاذ (تيمة الحب) مبررا، للخروج عن المألوف وإسقاط القواعد الكلاسيكية في صياغة النص. كما أنها زرعت في الشخوص الشكسبيرية، تمردا جامحا على واقعها المألوف الذي عرفها الناس به منذ القرن السادس عشر عندما كتب شكسبير مسرحياته حينذاك. فنجد (هاملت) يتمرد على النص الشكسبيري، ولا يطالب بالثأر لأبيه!... في حين (روميو) يتخلى عن غرامه الأبدي تجاه (جولييت) الذي أصبح مضرب الأمثال، ليقع في غرام (أوفليا) خطيبة (هاملت)!
هكذا فإن العرض استطاع أن يخرق المألوف، ويخضع النصوص الشكسبيرية، لعملية قيصرية، صانعا من العرض "فرجة بصرية" لا تخلو من الكوميديا في بعض مواقفها، ومتخذا كلمة (تيامو) الايطالية ذريعة لنشر رسالة الحب والسلام والجمال في عصر المادة والحروب!!.. كما استطاع العرض أن يجمع بين الحب والموت.. وأن يجيب على تساؤلات عدة منها، هل يستطيع الحب أن يقف في وجه الموت؟.
وعرض (تيامو) قائم بشكل أساسي على الاستعراض التعبيري، حيث يقدم خليطا من الرقص الذي يمتزج فيه، الفولكلور السوري والفلامنكو الاسباني والرقصات الحديثة بالموسيقى الغربية.. في إيقاع جمالي، مبهر، جريء، استطاع أن يوظف الإبهار، كقاعدة أساسية لجذب المتلقي المعاصر.
ما جعل المشاهد مشدودا إلى تفاصيل العرض، التي تبدو غريبة عليه، خاصة من خلال التحولات التي شهدتها شخوصه، حيث نجد أبطاله يعيشون القصص الغرامية التي من وحي خيال معدة النص، فنرى (روميو) يدخل في صراع مع هاملت لنيل رضا (أوفليا). في حين العكس يحدث لهاملت، والذي يغير مسار حياته ويتحول من شخصية تراجيدية، كما في النص الشكسبيري إلى شخصية كوميدية تحلم بالحب والسلام.
ومن جانب آخر، جعلنا العرض نعيش مفارقة أخرى، تربطنا بواقعنا المعاصر، وخاصة عندما شاهدنا التحول الجذري في شبح والد (هاملت) الذي يفترض أن يطالب بالثأر لنفسه، لنجده يطل علينا من خلال "الشاشة السينمائية" ليعبر عن رغبته في استرجاع شبابه، ليعيش تجربة عاطفية جديدة. في حين نجده في بداية المسرحية، يطالب ابنه بالثأر له، وهو يرتدي ملابس تؤكد انتماءه للنص الأصلي، بينما في مرحلة لاحقة، عندما يحدث تحول في شخصية (هاملت) نراه هو الآخر، تتغير ملامح الأب عبر الشاشة، ونشاهده وهو يرتدي الأزياء العصرية والنظارة الشمسية ويبتسم بطريقة مضحكة! وبذلك يكون هذا العرض قد نجح في استغلال "الشاشة السينمائية" في تكملة الأحداث المغايرة التي تعيشها الشخصيات، حيث نجد المخرجة استطاعت أن تربط بدقة ومهارة عالية الشاشة، بما يدور على الركح من أحداث حية، دون أن نشعر بغرابة الوضع. ومثال على ذلك، عندما يدخل الأمير (هاملت) في صراع مع (روميو)، نشاهده عبر الشاشة يقود رجاله، وهم يركبون الدراجات النارية ويرتدون أزياء عصرية.
كما اتخذت الأحداث منحى آخر، عندما تم استدعاء من ذاكرة "المسرح الشكسبيري" شخصية (شانتال) مربية (جولييت). وخاصة عندما تطالب (روح والد هاملت) الارتباط بها بعد ظهوره في الشاشة بملابس عصرية، والذي يتلفظ بين الفترة والأخرى بكلمات أجنبية. كما يقودنا خيال معدة النص(الشعراني)، إلى أن المربية (شانتال) عندما تموت تصعد روحها بجانب الأب الشبح! .. هكذا استمرت الأحداث في سرد تفاصيل تسعى إلى كسر الأطر التقليدية، ما أوجد رؤية مغايرة، قدمت طرحا جديدا.. جعلت المشاهد، يدرك بأنه أمام عرض يحقق معادلة: "الفن من أجل الفن".
ودونما شك، فإن "الإضاءة المسرحية" قامت بدور أساسي في ترقب حركة الشخصيات والمواقف الدرامية المحورية. كما أن "تصميم الديكور العام" للعرض، استغل التضاد بين الإظلام والنور في رسم زوايا حركة الممثلين، والذين كانوا أقرب إلى المؤدين في تقمص الأدوار في كل مرحلة من مراحل الحدث، حيث شاركت في العرض مجموعة من النجوم السوريين، هم: الفنانة لورا أبو أسعد والفرزدق ديوب ونسرين الحكيم وشادي الصفدي وعلاء الزعبي وجابر جوخدار وكامل نجمة ووليد عبود وشادي مقرش.
ولقد ارتدى الممثلون الأزياء الداكنة التي يتداخل فيها السواد بالحمرة.. ما جعل العرض وكأنه لوحة تشكيلية من صنع فنان، تآلفت فيها عناصر عدة، مكنتها من تحقيق "البعد الجمالي". كما أكدت الموسيقى الحية للعازف الذي احتل يسار خشبة المسرح، مقدرة المسرح (الفن الرابع) على استيعاب الفنون الجميلة والطربية والسينمائية والاستعراض .. وغيرها. ما جعل المشاهد يدرك بأنه ليس هناك وحدة على مستوى الموضوع، وإنما هناك أكثر من عنصر حقق وحدة العرض الفنية.. برغم اختلاف موضوعات المسرحيات المختارة لتشكيل هذا العرض، إلا أن مؤلفة النص ومعدته استطاعت أن توجد (بانوراما) موضوعية، بصرية، جمالية. وخلاصة القول، إن عرض (تيامو) ركز على (الفرجة البصرية)، بالإضافة قدرته على صنع توليفة من "النصوص الشكسبيرية" التي أصبح من النادر أن يقترب منها المخرجون المعاصرون، وذلك بسبب رصانة النص الشعري، واللغة المكتوب بها، التي تحتاج إلى جمهور نخبوي، قلما نجده في عصر التكنولوجيا الرقمي . وربما هذا هو الدافع الأول الذي جعل مخرجة العرض تعطي لنفسها العذر، في تقديم فن، يخرج عن الإطار التقليدي، ويبحث عن جمهور (مسرحي، سينمائي)، وهو موضوع أصبح محل جدل كبير في المهرجانات والملتقيات المسرحية، في محاولة لمعرفة كيف يستطيع المسرح أن يجابه التيارات التكنولوجية البصرية لصنع (مسرح عصري) ـ إذا صح التعبير ـ ليكون قادرا على مخاطبة الأجيال المتعاقبة، التي تستهويها الأضواء والفرجة الفضائية المتلفزة؟!.
* عزة القصابي
* ناقدة مسرحية



أعلى








(بن) رؤية متفردة وحساسيات متعددة

(نظرة انطباعية)

في كتابه الرابع من سلسلة (حواس حروف) يستمر عبدالحميد الطائي في تعاطيه مع اللغة ودلالاتها بذات الوتيرة والأدوات اللغوية التي تعامل بها مع كتبه الثلاثة السابقة.
(لاتح) و(مزاج الطين) و(حموه يرابي) وكلها تحمل رؤية اصلاحية تستمزج حساسيات متعددة في حياة الانسان العربي المعاصر بتجاذبه بين الهوية الكائنة والطموح المؤمل ، ورؤية المؤلف تجاه التطور الحادث في حياة الانسان الفرد الذي ارتج عليه وتاهت به المسارات ، ومن ثم يسعى المؤلف في محاولته هذه (بن) الى أن يأخذ بيد ذلك الانسان العربي التائه الى الارتفاع درجة عن المألوف والمعتاد الذي قاده الى هذا (التيه) مؤثرا (أي المؤلف) ان يستحث ويفعل حواس المتلقي من خلال تلمس (حواس الحروف) والاتجاه بها صوب آليات الاستدلال والتمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب ومن ثم ينطلق الكاتب في تجربته من منطلق تفعيل قدرة العقل العربي لاستكمال (نواقص) الرسالة الحياتية من خلال استكمال (خوافي) الرسالة النصية ومع هذا الاستكمال تتكامل الدلالات اللغوية لكل مفردة من مفردات رسالة (بن) واشقائه الثلاثة الاسبق عليه في الصدور.
الكاتب يستدعي تلك القدرة لدى الانسان العربي على إعادة اكتشاف انسانيته ومعها ايضا يستعيد قدراته على فهم لغته عبر اعمال العقل في محاولة فهم النص بالتفاعل بين المتلقي والمبدع وصولا الى تشكيل الرسالة الاصلاحية المستهدفة جريا على نهج انصار المدرسة الواقعية في الأدب لاعادة تشكيل العقل العربي ومنع تغييبه او تحلله او انصهاره في أتون من العبثية والتسطيح لإعادة قولبته في شكل مسوخ بلا هوية.
لكن عبدالحميد الطائي لا يبدو مطلق السراح في التعبير عن تجربته الذاتية ، انما تكبله حساسياته المتعددة التي يسعى جاهدا للفكاك منها باجتزاء النص ومن ثم استدعاء امكانيات المتلقي لاستكمال هذا الاجتزاء ، لكن المؤلف ينتقي من خلال هذه التجربة المتفردة متلقيه بعناية لاستكمال تجربة المؤلف في انتاج هذه التجربة التعبيرية الفريدة، ونصوص (بن) تفصح عن هذه المحاولة بوضوح نسبي حيث يواصل الطائي النفخ في انسانية الانسان باستخدامات لغوية متعددة تتراوح بين الاسلوب الإنشائي والخبري فيقول:
ابدأ اولا..بمعانقة تربتك ـ أبرع الكسالى ينام ـ ابسط الشؤون يعقدها المشحون ـ أبشع الوجوه المتلونة ـ أبطال التضحية إرثهم عام ـ أبعد صمغ ااإلتصاق عن شفاهك.
في النصوص السابقة نلاحظ الأمر في (ابدأ اولا..) وهو نص انشائي طلبي مفعم بالجرأة في الاستنهاض ، تتلوه نصوص خبرية وتسبقه ايضا في تكثيف واضح يستنهض كل حواس المتلقي لفهم الدلالة.
هذه الآلية (البرقية) التي تعطي من الدلالات ما قل ودل تتعثر احيانا في التوصيل الى المعنى المراد لسبب يكمن في كيفية الاستخدام اللغوي والإداة الموصلة للافكار والمعاني. فاللغة العربية عموما ذات نشأة (سماعية) لم تعرف التدوين الا في زمن متأخر. ومن ثم فهي تراث شفاهي منطوق اكثر منه مكتوب. ومن ثم فإن غياب (فن الإلقاء) المصاحب لنشأة اللغة يبدو عنصرا مقيدا (بكسر الياء) في اسلوب عبدالحميد الطائي السري. المفتقر الى (التنغيم الصوتي) المصاحب لإلقاء النص بمستوياته المتعددة صعودا وهبوطا حسب الاسلوب الانشائي او الخبري في النص ، فنطق الجملة الاستفهامية يختلف عن نطق الجملة التعجبية والجمل الطلبية عموما يختلف أداؤها الصوتي عن الجمل التقريرية ، الامر الذي حدا ببعض الشعراء المعاصرين الى توظيف (منشد) يقوم بالقاء القصائد على طريقة (اسواق العرب) في العصور القديمة حيث كان العمل الادبي ينتقل من بين شفاه المنشد الى ذهن المتلقي دون تدوين.
هذا التعاطي الشفاهي مع نص عبدالحميد الطائي يكمل اهم اداة من أدوات فهم نصوصه: بسبب واه..تستحدث المنغصات..بسجل غير مصنف..يتلاعب المرتشي..بسجن يشرف عليه مفسدون لن يصلح امر سجين. (بن ص226 ـ 227).
فكلمة (واه) في النص السابق ذات دلالات متعددة في السياق العام ، لكنها هنا تحمل الى جانب معناها المباشر احاسيس الالم والزفرات الحرى والتأوه من شدة الأسى بتأثير ما يراها الكاتب سلبيات تعيق انطلاق الإنسان الحر والمقيد في اعماقه في آن واحد. بينما معناها المباشر هو (الضعيف) والهزيل).
هذا التلون الصوتي في حالة التعبير الشفاهي لا يمكن الحصول عليه من خلال النص المكتوب على الورق ، فالإلقاء يتضمن طول النفس (بفتح الفاء) وقصره (لكسر القاف وفتح الصاد).
وفي حالة النطق به متمازجا مع تعبيرات الوجه والعينين والشفاه وحركة اليد واهتزازات الجسد عند الإلقاء فيما يعرف اليوم باسم (المؤثرات الصوتية) كلها تشكل ادوات تعويضية عن كون النص مكتوبا. وبذلك تذكرنا كتابات الطائي وآخرها الذي بين ايدينا (بن) بأصل لغتنا كسبيل لفهم الاستخدام الحديث لها وهو ما يضيف الى قيمة هذه الرؤية المتفردة بحساسياتها اللغوية المتعددة.
محمد عبدالخالق*

أعلى







لقاء الثقافات التشكيلية

تعتبر الملتقيات الفنية التي تُنظم في مختلف مجالات الفن التشكيلي وتضاء فعالياتها بكوكبة من التشكيليين كل في مجال اختصاصه لهي حقًا تعد واحدة من السوانح الناجحة لتطوير مستويات التألق التشكيلي والإبداع غير المحدود لمن يحظى بفرصة المشاركة في مثل هذه الملتقيات سواء كانت على الصعيد المحلي أو الدولي، ومآل هذه الفائدة هي الخلفيات الثقافية التي يمتاز بها كل واحد من هؤلاء المشاركين في مجال تخصصاتهم التشكيلية فمن جلسات الحوار التي يتم من خلالها طرح النقاشات الهادفة التي تثري الفكر وترفع من نسبة المعرفة العلمية إلى المشاهدة العيانية المباشرة للأساليب والتقنيات في الأداء التشكيلي لحظة التنفيذ التي تكشف بشكل مباشر عن المهارة التي يتمتع بها كل مشارك في هذه الملتقيات أو الورش الفنية.. فمثل هذه اللقاءات التشكيلية حقًا أنه لا يعرف قيمتها وفائدتها إلا من تعايش مع أجوائها واحتك بشكل مباشر مع أقرانه من الفنانين في بحر الفن التشكيلي واستطاع أن يُكون لنفسه من خلالها شخصية واسعة الثقافة في فترة زمنية وجيزة ، لأنها بمثابة بستان مفتوح من المعرفة يُزود صاحبه بمختلف العلوم التي تنبت فيها خلاصة التجارب المعرفية لتزهر بعدها بثمار من الفكر المستقى من محيطها الفني الخاص مقدمة خلاصة تجاربها الفنية بأعمال فيها من الأساليب والتقنيات والأطروحات الفكرية ما يرقى بمسيرة الفن التشكيلي إلى أبعد من الحدود المتعارف عليها سابقًا والتي رُسمت لها لاحقًا، وليخطو معها الفن بخطوات أكثر ثبوتًا وأجمل بريقًا.
ولو أننا عقدنا جانبا من المقارنة بين فنان تشكيلي يستمد عطاءه وفكره الفني من واقع موهبته الفنية أو دراسته العلمية في هذا الجانب وإطلاعه على الأعمال التشكيلية التي تنظم في المعارض الفنية فقط، وآخر يضيف إلى هذه العناصر جانب المشاركة في الملتقيات وورش العمل الفنية والاحتكاك الدائم والمستمر مع الفنانين ذوي الخبرة والحنكة الفنية ، لتبين لنا أن الأخير سيرتقي مستواه وأداؤه ومهاراته الفنية وثقافته التشكيلية في هذا الحقل بشكل أكبر من غيره ، وسيظهر لنا جليًا مدى نضجه الفني بشكل واضح عند تقديم نتاجاته الفنية للجمهور.
ولذلك يحرص المنظمون للمعارض التشكيلية الدولية بشكل كبير على ضرورة تقديم ورش عمل فنية في كل محفل بمشاركة كبار الفنانين فيه ويتم فيها توجيه الدعوة لفئة المهتمين بالأعمال الفنية من مقتنين ومتذوقين والفنانين التشكيليين في تلك الدولة بهدف الاستمتاع وتحقيق الفائدة عند مشاهدة الفنان أثناء قيامه بتنفيذ أعماله في تلك الورشة، والتعرف على أساليبه الخاصة عند تنفيذ اللوحات الفنية، فمثل هذه الملتقيات تحقق من المتعة والفائدة والشهرة الشيء الكثير لكل من المهتمين باقتناء الأعمال الفنية والفنانين الشباب الذين ما زالت شخصيتهم وخطوط إنتاجهم لم تتحدد ملامحها بعد بشكل صحيح وواضح، وسيكتسب الفنانون الذين سينفذون تلك الورشة المزيد من الشهرة والمعرفة المباشرة بهم لمن لم يعرفهم من قبل أو لمن لم يلتق بهم مسبقًا من الحضور.
وعليه فإنني أرى أن تزيد المؤسسات الراعية للفن التشكيلي بالسلطنة من إقامة مثل هذه اللقاءات الفنية وما يصاحبها من محاضرات وورش عمل لعموم فائدتها وثرائها لكافة الأطراف المهتمة بالفنون التشكيلية ، مع علمي وتيقني التام بأن هذه المؤسسات بالسلطنة تهتم بتنفيذ مثل هذه الرؤى بشكل جيد ولكننا نطمع إلى أن يتم تكثيف إقامتها بقدر أكبر مما هي عليه الآن.
عبدالكريم الميمني


أعلى





سأخون ذاكرتي (2ـ3)


(3)

الآن
وفي أشهر الله الباردة أقرأ رسائل "الأستاذ علي" القصيرة، أصدقه عندما يقسم بأن البعد عن الوطن يشكل ذاكرة أخرى لها رائحة تربة جديدة، وأنه يحز في النفس خطا عميقا حتى ولو كان بداعي إكمال دراسة، أقرأ ما كتبه قبل أسبوع سفره:
ـ (ذاكرتي مزحومة كأدراج مكتبي، طبيعتي السيئة جعلتني أحتفظ بكل شيء أعجبني يوما بما فيها الأوراق لذا ما زلت أحتفظ بأوراق المحاضرات منذ كنت في البكالوريوس فضلا عن الماجستير وكل ما له علاقة بالعمل).
ـ (ارتباطي بالمكان ليس عضويا فحسب وإنما هو ارتباط روحي يختلط فيه الفرح بالحزن وأشياء أخرى لا يمكن تفسيرها).
ـ (شدني اليوم في لوحة الإعلانات خلف مكتبي لوحة لبدوي عربي في الصحراء مع جهاز حاسوب محمول صورة تعبر عن الحياة الصحراء لا تحول دون الأخذ بأسباب التقدم الحضاري، ولكن الأكثر إثارة في الموضوع هو من رسم الصورة فقد كان المرحوم ابن أخي الذي توفي منذ فترة قريبة، كان رساما هاويا أتذكر أني قد طلبت منه إعادة رسمها لي منذ سنوات بعد أن وجدتها في إحدى المقالات لمجلة العربي التي أحبها وأحرص على شرائها عند صدورها منذ عام 1989 يومها كنت في المرحلة الثانوية ، تأملت الصورة رجوت لأبن أخي الرحمة).
ـ (شيء آخر شدني كنت أعلم أنه موجود في درج مكتبي الأخير، جهة اليسار ولكني تعمدت تجاهله حيث فيه إحدى النشرات، وبتلك النشرة صورة من كانت حبيبتي، في يومها كانت رغبة خفية جعلتني أحرص على الاحتفاظ بها رغم انقطاع العلاقة بيننا ربما وفاء وربما شوقا وحنينا، وربما ذكرى مؤلمة لا أدري بالضبط، أخذت النشرة دون أن أفتحها مع جملة أشياء أخرى وضعتها في غلبة كرتونية كبيرة وحملتها إلى صندوق السيارة، شعرت أني أحمل سنوات ثقيلة من الشتات، ذلك الانقسام الذي شعرت به في غيابها كانت يشبه التشظي حيث لا تعود الأشياء إلى ما كانت إليه سابقا، ترى لماذا نخاف إظهار من نحب على الملأ؟).
ـ (قالت لي مرة في رسالة نصية "جميل أن أراك من زوايا مختلفة "أستاذ، عاشق ،كاتب ، أب ، زوج ، في الأجمل أنت تحبني").
أثقب ذاكرتي من منتصف نسيانها، وأتذكر كل ذلك، كنت أتذكر لأنسى، أنسى لأبنى ذاكرة جديدة، وأزرع لي نجما بين النجوم كما كان "حسن" يحلم في كل ليلة ، أغير من جلستي وأحد بصري جهة الظلام الذي بدأ يتسلل مختفيا بين الشجيرات في حديقة دارنا، الظلام في هذا الليل كان عظيما، شعرت به يتخلل الزوايا الضعيفة في نفسي، يطغى على ظلال النخيل البعيدة لمزرعة "تجفة بنت حسن"، ويخفي طيفا كان قريبا مني، لا ريب أن "الأستاذ علي" كان ممتلئا بالغربة وهو يعتلي سلم الطائرة ومن ثم يلتفت إلى الفضاء الواسع أمامه ويرى صورة الوطن ويزفر هواء ثقيلا من رئتيه ويكتب لي نصا يشبه تلك الرسائل القصيرة التي أرادها أن تكون جسرا للتواصل المكتوب بيننا.
ـ (سبق وجربت الغربتين ، غربة الروح عن الجسد ، وغربة الجسد عن الوطن، وانتظر ماذا بعد؟)
في جلستي تلك لم أشعر بالشوق إلا إلى البحر الذي أصبح بعيدا بعد انتقالنا عنه، كنت أود أن أفتح له صدري وأن أختزنه في أعضائي الداخلية، فأشعر بالملح يشمعني من الداخل، يغذيني بالطهارة التي تكلم عنها أهل البخر دائما، يغسل كل ما راكمته تلك السنوات التي أصبحت جدباء الآن.
ـ البحر طاهر، وذاك الطهر يصل حتى إلى العروق.

البحر ينسيني كل الرجال الذين عرفتهم في حياتي ولا يبقى إلا صورة جدي، الرجل الذي حرك بساعديه مركب البوم إلى وسط القرية وابتسم بملء وجهه لهم ، قال "عمي" إن أهل البحر اطمئنوا وشعروا أن لهم كبيرا، يستطيع أن يسبح بطول البحر وعرضه دون أن يشعر بالخوف، كانوا قد نسوا كل ما اختزنته ذاكرتهم عن غضب البحر وغدره، شاهدوه رجل منهم يسبح فيه، بل ويتمادى في ترويضه بأن ينكس رأسه إلى أعماق الأمواج ويرفع ساقيه النحيلتين إلى الفراغ الذي يفصل بين البحر والسماء، عندها عرف أهل البحر أن البحر كإحدى دوابهم يمكنهم أن يسيروه كيف شاء وفي أي وقت أرادوا.
في نهاية الفصل الدراسي وقبل أن ينهي "الأستاذ علي" محاضراته طلب منا أن نكتب له عن أي شخصية خيالية تمس التاريخ الخرافي للولايات والمناطق التي جئنا منها، كان يهوى أن يتعرف على شخصياتنا من خلال ما نفكر به، نظر في ختام المحاضرة وقال:
ـ الشخصيات الخرافية جزء من حياة كل واحد فيكم.
ثم أضاف:
ـ إذا يريد أي شخص يكتشف عن نفسه، يكتب عن أي شخصية معكم في الولايات.
وكنت في أوج تصميمي لا أنسي كل ذاكرة عتيقة ترتبط بالماضي، كانت نفسي معطوبة وأحتاج أن أرممها الآن، كانت كل من تجفة بنت حسن، وحسن وأمي وحتى أنا نفسي، في لحظة ما من تفكيري أقرب إلى شخصيات الخيال التي بت أنسى أبعادها الحقيقية، صممت أن لا أقدم له أي شيء، إلى أن استدعاني ذات يوم إلى مكتبه وسألني بتصميم:
ـ تقريرك ما وصل؟!.
كنت أكثر من صريحة عند "الأستاذ علي" أخبرته بشكل واضح أن علاقتنا بكل من في القرية قد انتهت منذ أن قررنا الاستقرار هنا، وأنني أمي لا نريد أن نعود إلى تلك المواطن لنذكر كل من افتقدناهم، ليس لي قرية أو اعتقاد سمعته سابقا، يمكنه أن يسألني عن اليوم، عن الذاكرة الطازجة التي أسعى إليها.
في بداية كل اللقاءات يسألني فيها عن تجفة بنت حسن، أخبره لأقطع ذاكرة الاسترسال عنه لأحداث الرحلة القديمة التي قام إلى تجفة بنت حسن لتقوم تجبير كسر في يده
ـ أمي تجفة ماتت من ست سنوات.
يهز رأسه متأسفا وترحم عليها
ـ هذي الحرمة تدخل قلوب الناس بسرعة.
جلس خلف مكتبه، فيما كنت واقفة، تنفس بعمق وصوت مسموع ، تأملت المكان ، الكتب والأوراق التي تملأ ، المكتبة التي كانت خلفه ، التاريخ الذي كان مخزنا في فيها ، العالم كله من بداية الخليقة إلى اليوم الذي كان فيه الأستاذ ينكس رأسه عبارة عن ورق و حبر ، إذا مزق وألقي من مكان مرتفع ستموت ذاكرة العالم سنعود لنسطر تاريخا جديدا دون ألم ، نبهني صوته ،
ـ تشبهك.
درت انفعالي وأعدت
ـ أستاذ، أمي تجفة ماتت من زمان.
من درج مكتبه الأيسر أخرجه نشرة قديمة قدمها لي مفتوحة على الصفحة بعينها
ـ هذه المرأة تشبهك.
تأملت الصورة ، الابتسامة الكبيرة ،ـ النظرة نحو البعيد ، الجبين الأبيض هو أكثر التصاقا بوجهي ، حدقت فيها أكثر ، صوته نبهني كنت قد جلست مقابلة له كان فنجان القهوة نصف ممتلئ على الطاولة ، بقيا قصصات الورق المسطرة باللون الأحمر ، كلمات وملاحظات كثيرة مكتوبة بخط يديه الرشيق . سمعت صوته يخرج مجروحا
ـ رحلت ، ما موجودة.
في سفره أرسل للأستاذ "علي" ايميلي الوحيد
"مرة أشارت "تجفة بنت حسن" إلى رأسها وقالت، للنسوة الحاضرات في بيتنا الكبير
ـ لو ما ها الراس، وما كان تعب إنسان. لو كل وجه وصورة لحرمة أو رجل يدخل فيه يموت وما يرجع أبدا كان كل ولد آدم بخير .
كان السر فيه يومه الذي يتحدث عنه هو الحزن الذي استوطن النفوس ، الشعور الذي لم أجربه أو أنقله إلى "حسن" لأني شعرت أنه وجهه الباسم لا يعرفه أو أن جدته "تجفة" لن تسمح له بأن يجربه .تكاثرت الهمسات ولكن جدتي "تجفة" أكملت
ـ أنا أشوف الغم مثل "حمارة القايلة" تدوس الصغار وتاكلهم وما تبقي غير صياحهم ودموعهم. شيء يحفر فينا من داخل ولو نسينا يبقى مثل النخر في قلوبنا.
ردت عليها إحدى الجالسات
ـ غصة القلب ما تحتاج تكون مثل "حمارة القايلة" وبس، غصة القلب ممكن تقتل حتى الشباب. وتخلي الإنسان يتغير يصير غير الإنسان اللي كان قبل. الموت أكبر غصة في القلب.
ـ يعنى الغم يكون حمارة القايلة ، وأم المجز اللي تذبح الشباب بعد. تعذب أهلهم بموتهم
ابتسمت "عويش" التي وجدت نفسها في جو لا يشبهها
ـ يا جماعة، الله بعد خلق في الراس شيء يخلينا ننسى، مات اللي مات وراح اللي راح والدنيا ما ننتظر أحد ما صح يا أمي "تجفة"؟
لم ترد عليها جدتي "تجفة" في وقتها، نظرت "عويش" إلى أمي مستنجدة بها فتحدث أمي كاسرة الوجوم الذي خيم على المجلس
ـ اذكروا الله، وطلبن الرحمة لموتانا وخلينا نسمع سوالف تريح القلب. استعذن بالله حمارة القايلة وأم المجز وغيرهن.
في حينها ترك النسوة ، وجدت حسن يجلس في على غصن شجرة ينظر إلى السماء ويبحث عن النجوم التي اختفت في نور الشمس.
مازلت مبهورة في عامي الجامعي الأول بذلك التصنيف الذي وضعه "بلوم" للذاكرة، القواعد الست التي تصل من خلالها بالحدث إلى أعلى مستويات حفظ ما يمر بها الإنسان. فنحن نتذكر ومن نفهم ونطبق ونحلل وبركب ويقوم تصور أنك تحرق الأشياء قبل أن تصل إلى عقلك، لا تدخلها في ذاكرة التذكر، عندها لن تحتاج إلى تركب الأحداث لا يتعبك أي شيء ، تعود صفحة خالية من أي دنس للأيام ، جدتي "تجفة" كانت تريد ذلك، أمي الآن تريد ذلك ،أما أنا فأمارس ذلك بشكل متواصل، سأحتاج أن أقوم بكنس ذاكرتي لكل لحظة لأبقى حية، وقادرة على مواجهة الأيام القادمة.
ملاحظة /لا أريد أن أرى مزيدا من الصور ، كل الذين أحبهم أحتفظ بصورهم حسب ذاكرتي أن ، أشكل وجوههم وابتساماتهم في هذه الليلة تنام أمي باكرا ،أتمدد بقربها ، كانت تئن ، تتكلم في نومها ، وتتقلب في كل اتجاه ، أفتح هاتفي أقرأ آخر الرسائل التي بعثها "الأستاذ علي" إلى قبل أن يسافر، أشم فيها نفس الرائحة التي كنت أحسها وأنا أتذكر "حسن" أنها رائحة تشبه رائحة عناق المطر للأرض بعد انقطاع طويل، في لحظتها أشتاق تلك الوجوه كلها، فالغائبون يكون حضورهم أقوى وأكثر وقعا من الحاضرين أحيانا.
ـ (متعب هذا الوداع، أشعر بأني أودعها لأول مرة من عساني أودع قلوبا عرفتها أو أمكنة ألفتها أو طرقا سلكتها ذهابا وإيابا فالاستقرار المكاني كان هاجسي وأمنية من أمنياتي حيث إن جزءا كبيرا من حياتي عشته متنقلا).
ـ (حتى بعض الوجوه التي اعتدت عليها هي الأخرى ، ماذا عساني سأحمل معي من سنين قد رحلت ؟ حتى كوب القهوة التي اعتدت تحضيرها مع كل صباح وعند الظهيرة لها ذكريات لا تنسى).
ـ (وجدت في مكتبي أيضا قمصانا بيضاء عليها شعار جماعة الآداب التي كنت مشرفا عليها ، أخذت أحدها لأني فكرت بارتدائه في السفر كذكرى مادية أحملها معي مع كوب عليه شعار الكلية أتناول فيه الشاي . أفكر أن آخذ أعدادا من النشرة الأدبية التي كنت أنشر بها عددا من مقالاتي لأنه تجمعني بها علاقة حميمة).
ـ (خالجني شعور أن ستسأل عني في اللحظات الأخيرة ستلقاني في المطر وأمام الناس، ستمد لي يدها، عندها سأعصرها برفق، سأحتضنها بعدد سنوات الفراق، سأعوض شوقي لها، صدقيني شعرت في حضنها بحنان أمي، فالمرأة التي تعطيك دون مقابل أو قيود تلامس خيال أمك).
رحمة المغيزوي
* ما بين القوسين نصوص من رسائل وصلت إلى الكاتبة


أعلى





لُغَويات .

أثارة ٌمن لَهَجاتٍ عَرَبَيةٍ . 1-4
ظهر لدينا أن أثارةً من لهجات القبائل العربية مازالت حية عند العامة والخاصة في عُمان وتعيش على ألسنة الناس في هذا الجزء من العالم العربي ، فهم يستعملونها في حياتهم اليومية بشكل دائم ، وهذه اللهجات غير مقصورة على كلام العوام ، بل إن الخواص يتحدثون بها أيضا .
وقد ظهر لدينا كذلك بأن استخدام الخاصة في عُمان لهذه اللهجات غير وارد في لغة كتاباتهم للنثر أو الشعر ، فقد وجدناهم يتخلون عن هذه اللهجات في اللغة العالية ، وقد آثرنا توزيع هذه اللهجات على من نسبت إليه من قبائل العرب في المظانِّ المختلفة .
جاء في المصباح المنير ، 1/286 : فلان أشَرُّ من فلان ، وفلان أخيَرُ من فلان ؛ فيبنون التفضيل على وزن ( أفعل ) ، وقد خطّأ بعض اللغويين هذا الاستعمال ، وصوّبه آخرون لمجيئه في كلام العرب شعرًا ونثرا . فمن الشِّعر قول رؤبة :
بلالٌ خيرُ الناسِ وابنُ الأخْيَرِ .
ومن النثر ماذكره ابن خالويه في شواذ القراءات ص 147 ، وابن جني في المحتسب ، 2/299 ، أنّ أبا قلابة قرأ قوله تعالى : ( سيعلمون غدًا من الكذّاب الأشرُّ ) [ من سورة القمر /26] . بفتح الهمزة والشين وتشديد الرّاء .
ومثل هذين البناءين ( أحبُّ ) في ( حَبّ) . وقد قال الصرفيون : إن القياس في اسم التفضيل أن يأتي على ( أفعل ) . وخرج عن ذلك ثلاثة ألفاظ هي : خيْر، وشرّ ، وحبّ .
والتفضيل بـ ( أحبّ ) وارد في فصيح اللغة . وشواهده من القرآن الكريم ، والشعر العربي الكثير ، ومن ذلك :
قوله تعالى : ( ومساكن ترضونها أحَبُّ إليكم من الله ورسوله ) .
وقوله تعالى : ( ربِّ السجن أحبُّ إلىّ مما يدعونني إليه ) .
وقوله تعالى : ( إذ قالوا ليوسُف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منّا ) .
ومن الشعر العربي قول ميسون الكلبية زوج معاوية بن ابي سفيان - رضي الله عنه - :
ولُبسُ عباءة ٍ وتَقَرَ عيني أحَبُّ إليّ من لُبسِ الشُّفُوفِ .
وتتفشى ظاهرة التفضيل بـ( أحَبّ ) و( أخيَر) و( أشَرّ ) على ألسنة العامة والخاصة في عمان ، فنجدهم يقولون : فلان أخيرُ من فلان . وهذا أحب ّ إنسان إلى قلبي . وفلان أشَرُّ خلق الله .
فكأن ذلك الذي يتحدثون به الآن أثارة من لهجة بني كلب وبني عامر .
وجاء في لسان العرب 12/205 : لصق به (بالصاد ) لغة تميم . وقيس تقول : ( لَسِق) (بالسين ) وربيعة تقول : لَزِق .
والعامة في عمان ينطقون بلغتي تميم وربيعة ، فنسمعهم يقولون : لَزِّق المكسور ، وهذا ملصّق بهذا ، وقص ولصق ، ولزقة الظهر .
قال ابن الأنباري في كتابه المذكر والمؤنث ، 1/460 : أهل الحجاز يقولون : فلان زوج فلانة ، وفلانة زوج فلان . وأهل نجد يقولون : فلانة زوج فلان . وله أكثر من زوجة ، والأول أفصح .
وقد نزل القرآن الكريم بالتذكير قال تعالى : ( أمسك عليك زوجك واتق الله ) [ الأحزاب /33] ولا يعرف العامة من أهل عمان إلا التأنيث في هذه الكلمة ، فيقولون : هذه زوجة أخي . ولي زوجة مطيعة ، وما شابه ذلك .
ومما هو متداول في لغة أهل عمان قولهم : ( فلان يستأهل الإكرام ) وهو مستأهل الإنعام ، وقد جعل ذلك الحريري في كتابه درة الغواص ص : 7 من أوهام الخواص ، وعقّب على ذلك بقوله : " ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب ، ولا صوّب التلفظ بهما أحد من أعلام الأدب " .
وقد نقل ابن منظور في لسان العرب ، 13/ 30 عن الأزهري في تهذيب اللغة 6/ 418 . قوله : وأمّا أنا فلا أنكره ولا أخطي من قاله ؛ لأني سمعت أعرابيا فصيحًا من بني أسد يقول لرجل شكرعنده يدًا أُوْ لِها : تستأهل يا أبا حازم ما أوليت . وحضر ذلك جماعة من الأعراب فما أنكروا قوله .
والأشيع في كلام العرب أن ( مَعَ ) اسم لمكان الاصطحاب أو وقته وهي من الظروف المبهمة غير المتمكنة . كما أن المشهور في هذه الكلمة فتح العين وهو فتح إعراب . وقد تبنى على السكون بقلة . كماقال الشاعر :
فريشي منكُمُ وهَوَايَ مَعْكم وإنْ كاَنتْ زِيَارَتُكم لِماما
وقد عدّ سيبويه تسكين العين مع ( مَعَ ) ضرورة . وخالفه في ذلك الأشموني فقال : وزعم سيبويه أن تسكين العين ضرورة ، وليس كذلك بل هي لغة ربيعة وغَنْم فإنها مبنية على السكون عندهم . وقد سبق إلى ذلك ابن منظور حين قال : وحكى الكسائي عن ربيعة وغَنْم أنهم يسكنون العين من ( مَعَ ) فيقولون : مَعْكم ومَعْنا . إلا إذا ولي هذا الظرف الألف واللام أو ألف الوصل .
والناس في عمان لا ينطقون هذا الظرف إلا بالتسكين على لغة ربيعة وغَنْم ، فنجدهم يقولون : أنا مَعْكم ، ورحنا مَعْ بعض . والله مَعْنا ، وغير ذلك .
د.سالم البلوشي
باحث ولُغَوي .


أعلى




حوار مع صديقي المعماري في فلسفة التراث والحداثة


في التعليم المعماري والبحث العلمي (3ـ4)

دخول الكمبيوتر في العملية الأكاديمية والعملية للمعماريين ينبغي أن يكون محدودا في مرحلة وسياديا في مراحل أخرى


قال صاحبي: "كما تعلم فالعمارة العربية يرفدها قطاع التعليم بشكل كبير, ومن هنا تكمن أهمية التدريس الأكاديمي وأهمية تخريج جيل متعلم من المعماريين على أسس منهجية رصينة, وأنا أعلم أنك رجل معماري أكاديمي, فمن خلال تجربتك في التدريس والعمل، فما مستقبل العمارة العربية أكاديميا وعمليا من وجهة نظرك إذن؟؟.
قلت لصاحبي: "باختصار شديد هناك محاور أساسية يمكن رصد صيرورة العمارة بها وبالتالي التنبؤ بوجهتها واستشرافها للمستقبل, هذه المحاور هي: العلاقة مع الذات ـ كيف ننظر للموروث الفكري والحضاري, والعلاقة مع الآخر ـ مدى التبعية والتداخلات الثقافية, والتعليم المعماري ومساحة التفكير المستقل عند الفرد ـ ومدى غلبة النص على العقل أو العكس, وآليات ومنهجيات وقراءة العمل المعماري, وكذلك واقع العمارة كمهنة وعقدة "المهن النبيلة" التي تنتج متعلمين ورجال في غير مكانهم المناسب. الاسترسال في كل واحدة لإعطاء الإجابة لا يتسع له المقام هنا, لذا سأكتفي بهذه النقاط العامة مع ثقتي بذكائك".
لكن صاحبي لم تعجبه هذه الإجابة المقتضبة والمختصرة فأردف سريعا بسؤال ذي علاقة بالأول فقال: "لكن بحكم وجودك في مدرسة غربية للعمارة (جامعة لندن)، كيف ترى مستوى التعليم المعماري العربي وكيف يمكن تطويره؟"
ولم أجد بدّا من الإجابة بإسهاب أكثر فقلت:" هناك خلل أساسي في مستوى التعليم العربي الذي غالبا ما يتخذ أحد مظهرين: إما تلقيني عقيم جامد "كجلمود صخر حطه السيل من عل", وإما "هلامي" انسيابي مطلق بما يدع الطالب حائرا ماذا يفعل وأين يذهب. ليس هناك حل وسط في نظام يقوم على زرع الأسس والمبادئ وتشجيع الحوار لا "الاستماع والتلقين" وتنمية المواهب المتفاوتة بين الطلبة مع التوجيه المستمر والمضني للأستاذ المخلص. في كلتا الحالتين يتمتع بعض الأساتذة في بعض معاهد العالم العربي للأسف "ببرجوازية أكاديمية" وبما يقدمه الحرف (د) من عجائب الراحة "والبطالة الأكاديمية المقنعة" إذ أن صاحب هذا الحرف هو (دكتور مبجل) يعلو فوق المساءلة بعلمه الجم الغزير وحكمته الثاقبة. لا يكاد بعضهم يفعل شيئا يذكر ما خلا محاضرة مملة مكررة ـ أبرز ما تعلن هو"الاستخفاف" بعقول بعض العقليات النابغة من الطلبة الجادين أمامه ـ والتي يمكن للطلبة أخذها من طلبة السنة السابقة أو طباعتها وتوزيعها دون الحاجة للنوم لساعة من الزمن. وبعضهم ينشغل بجزئيات على أهميتها تتمثل بتسجيل الحضور والغياب لمعاقبة "شخصية" لطلبة قد لا يعجبه شكلهم.
أو الاستمتاع بتبجيل بعض الطلاب له "خوفا من سطوة غضبه وانتقامه في تقييم علاماتهم". من ناحية أخرى يعاني النظام التعليمي العربي ـ مع التقدير والاعتذار من القلة القليلة المخلصة وذات الكفاءة ـ من وفرة المدرسين الذين "يتمتعون" بميزات "عدم الكفاءة" أو "عدم الإخلاص" أو "عدم إدراك أمانة التدريس ومشقتها" مما يترك الطالب تحت رحمة الأقدار. جانب آخر من المشكلة هي بيروقراطية التعليم والمشكلات "الشخصية السخيفة الصبيانية" بين بعض أعضاء هيئة التدريس في غياب أنظمة الردع والعقاب واستفادة البعض من "علاقاته الخاصة" التي تسوغ له تصرفاته "الرعناء" مما يؤثر سلبا وبشكل كبير على أداء بعض المدرسين الكفؤين والمخلصين وعلى أداء الطلبة. كيفية التطوير تكمن في كلمات قليلة كلنا نسمع بها في العالم العربي ولم نجد لها تطبيقا: الرجل المناسب في المكان المناسب, مع نزع الصلاحيات المطلقة الموجودة للمدرسين وإعادة إيجاد نظام المراقبة والتفتيش المفاجئ أحيانا والمطبق في المدارس الابتدائية وإدخاله للجامعات لتحسين أداء المدرسين ومراقبة سلوكهم. وفي التعليم العالي وبعض الجامعات فكما يطلب من الطالب الذي يود الالتحاق بجامعة ما من تقديم شهادات الكفاءة الأكاديمية والعملية وحسن السيرة والسلوك, كذلك وبالمثل من حق الطلبة الإطلاع على نشرات دورية تصدرها الجامعات بأداء المدرسين أنفسهم وسلوكهم الشخصي والأكاديمي؛ مثلا معدل السنوات التي يتطلبها الطالب ليتخرج مع ذلك المشرف أو ذاك, وسهولة أو صعوبة التعامل معه من خلال إحصائيات دقيقة وأمينة تعدها الجامعة من خلال الطلبة السابقين الذين درسوا مع هذا المشرف أو ذاك. هذا هو الطريق الوحيد للأمام كي يبقى الأستاذ تماما مثل الطالب تحت الضوء, ولكي يعرف الطالب ما هو مقبل عليه تماما كما يريد الأستاذ أو الجامعة أن يعرفا ما هو مقبل مع الطالب بطلب تاريخه الأكاديمي والشخصي.
ثم أكملت قائلا: "والحال في جامعات بريطانيا والغرب هو أنه يتم إجراء تقييم سنوي لأداء الجامعات نفسها وتنشر تقارير وإحصائيات سنوية بترتيب هذه الجامعة أو تلك بنظام تقييم بالنقاط. أنا طالبت في إحدى الاجتماعات مع المسؤولين بجامعتي بلندن من أن يشمل ذلك الأساتذة أيضا لوضعهم تحت المجهر للطلبة المحتملين ولوضع حد لمعاناة غير منتهية كما حصل لزملاء وزميلات لي. لا يكفي أن يكون الأستاذ مبدعا ولامعا في مجاله الأكاديمي وصاحب اسم أكاديمي جذاب للطلبة, يهم الطلبة أيضا ويؤثر في حياتهم سلوكياته الشخصية ومزاجه وأمور مثل معدل سنوات تخرج الطلبة تحت إشرافه وكم يستغرقه الوقت لقراءة الفصل من الرسالة التي يقدمها الطالب له. أنا شخصيا عانيت ـ وكذا معظم الطلبة الذين أعرفهم ـ من هذه المشكلة. قدمت لمشرف أطروحتي للدكتوراة فصلا واحدا من فصول الرسالة التسعة في شهر أكتوبر فعاد لي بملاحظاته بعد 9 أشهر بالضبط إذ كان مشغولا بكتابة أوراق لمؤتمرات, وكأن قراءة الفصل الواحد هي ـ وللسخرية ـ عملية حمل ومخاض وولادة. في حالتي كان أكثر من 70% من الوقت مهدرا بعدم القراءة من قبل المشرف بوقت معقول. لو أن هناك تقييمات دورية منشورة للأساتذة كما أقترح فإن أمام مثل هؤلاء المدرسين حلين لا ثالث لهما: إما أن يحسن أداءه أو أنه لن يجد طلبة تحت إشرافه في العام المقبل.
وبالمناسبة, أنا لا أحب فكرة المقارنة والمفاضلة بين التعليم العربي وبين جامعة لندن مثلا أو غيرها. المسألة ليست من هو أفضل إنما القضية هي من يطبق نظاما أفضل. العقليات العربية بخير وتضاهي العالم بأسره إن توافرت لها الإمكانيات المناسبة للتنافس, كل ما نحن بحاجة اليه هو وعي بالمشكلات ترافقه رعاية وتوجيه من صناع القرار مع إبقاء الجميع تحت المساءلة والمحاسبة, هذه هي الطريقة الوحيدة للأمام. وفي اللحظة التي تعطى فيها الصلاحيات المطلقة ـ سواء في العالم الثالث أو السابع أم في الغرب الديمقراطي ـ تشيع "الدكتاتورية الأكاديمية" ويتردى مستوى الأداء. ما يعجبني في "الغرب" فعلا هو أن الرجل المناسب, عموما وغالبا, في المكان المناسب وهذا قائم على التنافس والجد المستمر والإنجازات كي يظل أحدهم بمنصبه, إذ ليس هناك "تبحيط" واسترخاء على "الكراسي" للأبد ـ كما هو عليه الحال في معظم معاهدنا العربية ومواقعنا الأكاديمية للأسف!
قاطعني صديقي قائلا:" كلامك واقعي وصحيح, علي أن أعترف بذلك, والبحث العلمي للأسف ليس أفضل حالا!"
فقلت:" نعم, على مستوى البحث العلمي والأكاديمي هناك مفارقات أساسية بين الاثنتين تراوح بين السلبية والإيجابية لدى كل منهما ولنبدأ بالجامعات العربية التي تسود فيها نوع من البيروقراطية والإرهاصات اليومية السطحية التي تحول دون الإبداع على مستوى الطالب أو الأستاذ, والتي لم أجدها في جامعات لندن أو في الغرب. ففي الغرب يعني المقعد الأكاديمي بالنسبة للأستاذ البحث العلمي الدؤوب والتفرغ الكامل له بحيث يصبح نمط حياة مهنية وأكاديمية وبحيث ينتج الأستاذ وعلى مدى عشرين أو ثلاثين عاما موسوعة بحثية في مجاله أو يؤسس لنظرية ما قبل تقاعده. والدوافع والحوافز لذلك كثيرة تتنوع بين المادة والحفاظ على الكرسي بالجامعة وبين حب البحث وتحقيق الذات. وهذه للأسف تكاد تكون معدومة إلا ما ندر في معاهد العلم العربية إلا للترفيع العلمي وزيادة الرتبة والراتب أو خوفا من الفصل من الجامعة في حال مخالفة قوانين البحث والترقية.
البحث في الغرب منهجي دؤوب وله وقت يومي مخصص في الصباح كل يوم ودون مداخلات يتفرغ خلالها الأستاذ للنشر والتأليف والتأمل والتدبر, ويعلن الأستاذ لتلاميذه صراحة أنه لا يريد أي مراجعة لمكتبه خلال وقت البحث العلمي في الصباح مما قد لا تجده في بعض معاهد العالم العربي للأسف!.
وبعد هذه الإجابة ساد صمت لبرهة قصيرة رشفنا خلالها كل من كوبه ومد كلانا نظره عبر النهر الذي تتراقص أمواجه تحت أشعة الشمس اللامعة على سطحه.
وقطع حبل الصمت صديقي بسؤاله الذي قصد منه الإسترسال في مناقشة الفكرة الأخيرة حول التعليم المعماري فبادرني قائلا: "برأيي أن التعليم المعماري بحاجة إلى تطوير في بعض معاهدنا, وقد رأيت مؤخرا كيف دخل الكمبيوتر الكثير من جامعاتنا وأصبح جزءا مهما من عملية التصميم والإخراج والقدرات التي يجب أن يكتسبها الطالب المعماري قبل تخرجه, فأرجو ألا يكون بنظرك هناك أي تعارض بين قدرة المعماري على الإبداع وبين استخدام الحاسب الآلي فى التصميم, وإلا فإنني سأبدأ بالشك أنك من يمين اليمين المتطرف لشلة التراثيين!
وأمام هذا الاتهام المبطن ضمن السؤال, ابتسمت لصديقي ثم قلت:" لا تعنيني هذه النعوت والتسميات ولا تخيفني بقدر ما يهمني التعبير عن رأيي. ورأيي ببساطة ومن مشاهداتي وخبرتي الأكاديمية والعملية كمعماري مصمم "مخضرم" ـ أعني أنني عشت وعملت في حقبة ما قبل انتشار الكمبيوتر وبعده ـ أرى أن دخول الكمبيوتر في العملية الأكاديمية والعملية للعماريين ينبغي أن يكون محدودا في مرحلة وسيادي في مراحل أخرى. وبلغة أخرى مفهومة أكثر, أنا أرى أن مرحلة تكوين الفكرة المعمارية ينبغي أن تعتمد على الرسم اليدوي واستخدام الإسكتشات بالمفهوم التقليدي الذي اعتدنا عليه, فهي المحرك الذهني والتواصل العضوي بين العقل واليد للتعبير عن الفكرة والإبداع والفن. أما مرحلة استخدام الكمبيوتر فهي لتظهير الرسومات وتسهيل آلية استرجاعها وتخزينها وإعادة التعديل عليها بصورة أسهل مما مضى, وهذا لا يمكن إنكاره!.
لكنني ومما وجدته في حياتي العملية, ومن خلال معماريين ناشئين عملوا معي, لاحظت تراجع القدرات الفنية والتخيلية عند معظمهم إذ أصبح الاعتماد على الكمبيوتر كبيرا جدا حتى في مرحلة التصميم. وهذا كان حافزا وعاملا على إنتاج تصاميم "رديئة" جدا وميكانيكية وخالية من أي مظهر من مظاهر الإبداع. فتجد جيلا كاملا من المعماريين الشباب اليوم يحسن استعمال الكمبيوتر وبرامج الإظهار ورسم المبنى بأبعاد ثلاثية ورسم مناظير داخلية وخارجية وتصوير متحرك للمبنى وإضافة العناصر المزخرفة وغيرها مما يجذب الانتباه للتطورات التقنية والقدرة على الإظهار الميكانيكي بما قلص الفوارق الفنية بين المعماريين بدرجة عالية. وبهذا أصبح الجميع سواسية في القدرة على تقديم المخططات المعمارية بشكل فني ومبهر ـ لكن ذلك وللأسف أصبح على حساب الفكرة المعمارية. والأخطر من ذلك هو غياب الإبداع, إذ أصبح يمكن رسم مدينة كاملة من وحدة صغيرة مكررة وبوقت قياسي. وقد شاهدت ذلك في مكتب معماري بريطاني, تم إعطاؤه مدينة كاملة بالرياض لتطوير وحدات سكنية ومرافق ترفيهية. الناتج كان عبارة عن عمارة سكنية واحدة تم تكرارها مئات المرات, ورسم مرافق عامة ومتنزهات ومجمعات تجارية كلها تخلو من الإبداع والابتكار. وبالنتيجة أصبح المكتب المعماري اليوم عبارة عن مجموعة من أجهزة الكمبيوتر وثلاثة موظفين واحد منهم خبير ببرامج الكمبيوتر وبرنامج "ثري دي ماكس" ـ وأصبح كل ذلك التقدم الذي تنادي به يا صديقي يكرس "العولمة المعمارية" على حساب الإبتكار والإبداع التقليدية سواء في الجامعات أو المكاتب الهندسية. فهل هذا ما ترمي إليه بالحداثة والتطور؟ هل هذا تطور أو تخلف في الأداء المعماري؟ وللحوار بقية.

* هذا المقال هو جزء من فصل في كتاب للمؤلف بعنوان (قراءات فلسفية في عمارة المجتمعات العربية بين التراث والحداثة) يصدر قريبا.

د. وليد أحمد السيد
دكتوراة في فلسفة العمارة من (UCL) - جامعة لندن
مدير مجموعة لونارد ودار معمار بلندن


أعلى


 


قصة
النبش في القبـور ..(2 ـ 2)


(14)
في مدخل البـلدة ، تقف المدرسـة الإلزامية كاليتيم ، وحيدة ..بعيدة عن بقية الديار ، آيلة للسـقوط بين يوم وآخر ، على رؤوس الأبرياء الصغار . تذكرت التلميذ الناحل البدن محمود الصفطاوي ، رفيقي منذ الصغر على مقعد الدرس . كنا نجلس معاً طوال اليوم.
في الصباح كان يجد صعوبة في القفـز من فوق مصرف المياه للوصول إلى بوابة المدرسة الصغيرة ، في أحيان كثيرة كان يسـقط في المياه الضحلة وتبتل ثيابه وكتبه والكراريس..
خلف المبنى تبدو نخـلة حبيب شاهقة الارتفاع ، كانت تحمـل البلح الأصفر الحـلو المـذاق . في أثناء الفسـحة كنا نذهب معاً لجمع الثمـرات الناضجة المتساقطة على الأرض اليابسـة..
الآن ماتت النخـلة ، سـقط السعف الأخضر والعراجين مع العاصفة ، أصبحت تقف يابسـة بلاحـراك ، فوقها تنعق الغربان . ومات رفيق الدرس بعد مشوار طويل .. توفي بسرطان المعـدة.
(15)
بدأت الحـارة الواسـعة تظهر ـ الجهيرة ـ بجوارها بيت المهجرين الصخري ، على مقـربة منـه قمينة الطوب المحـروق ، تقف على حافة مصـرف ميـاه المزروعات القريبة من البـلدة.
في تراب الجهـيرة لعبت. تمرغت.. سـهرت الليالي القمـرية مع الصبيان والبنات نلعب:
ـ الثعلب ، فات ، فات ...
في وسـط الحـارة ، مستطيل ضوء الكلوب ينبعث من دكان بقـال القـرية الوحيـد 0 قلت : المُطبَّق ينير دكانه .. لكن مرافقي قال عكس ماتوقعت :
ـ رحل إلى المدينة ، وحل محله عبدالمحسن عمـيرة .
ومصمص شفتيه في لوعة وصمت .
الزمن غـيَّر كل شيء ..
الزمن ...
(16)
النهـار يفر منهزمـاً أمام فلول الظـلام الزاحفة على مبان القـرية الطينية ، الكلاب تنبح على المـارة وعابري السبيل والغرباء . لم أعد أعرف أحداً من الأجيال الجديدة . هيـه . الصغار كبروا وصاروا رجالا . منذ زمن طويل لم تأت . لماذا هذا الصمت ؟! دوَّار حضرة العمـدة تهـدم . عريش العنب الأخضـر الممتد من بـوابة السـور وينتهي عند سلالم المـنزل ، لم يعد له وجوداً . أين غرفة التليفون أبو منافللى ؟ وغرفة السلاحليك والحجـز ؟ والعم قدورة عامل التليفون ، الباشكاتب كما كان يحلو له أن نلقبه ـ أحيل إلى المعاش ـ يعمـل الآن في مكتب صغير للـبريد .
عرجنا على المكتب ، استقبلنا الرجـل بالترحاب ، في هذه الغـرفة الضيقـة المكتظـة ببعض شـبان البـلدة ، يتوسطهم عبدالسلام المحمودي ، المشهور عنه تقليد أصوات وحركات أعيـان القـرية بإتقان .
سـألني العـم قدورة في لطف ولـين :
ـ تشرب كوب من الشاي الأسود الثقـيل ، أو نسيت شربه منذ زمن ؟
أجبت برجـاء :
ـ لاتتعب نفسك ، لقد تعودت على شرب الشاي الخفيف ..
أصر الرجل العجوز قائلا وهو يتحرك عن مقعده بصعوبة :
ـ سأصنع شايكم أنتم يا أهل البندر ...
هيه .. أين أيام زمان ؟! كان دوَّار حضرة العمـدة يعج بالرجال والأعيان من أهل بلدتنا والغرباء . والعـم قدورة يمسك زمام الأمور . حضرة الباشكاتب . التليفون والسلاحليك من أهم مظاهر العمـدية والضبـط والربط بالبـلدة .
ارتشفنا الشاي الساخن اللذيذ في الأكواب الصغيرة جداً .
عندما أصبحت خارج جـدران الغـرفة المعبقـة برائحـة التبغ والمعسل والجوزة ، تذكرت عبـارة عبيط البرادلوا التي رددها كـثيرا للعـم قـدورة عنـدما يغتـاظ منـه . كان يصـيح في وجـه الرجـل :
ـ أنت أجـير عنـد العـكومة أم البوكس فورد ياقـدورة ..
ثم يركض هارباً..
(17)
في السـاحة التي تقـع أمـام بيتنا القـديم ، تقف شـجرة النخيـل التي غرستها في زمن الـبراءة ، اليـوم .. ارتفعت بعلو أسـطح الديار . شـجرة التوت ، ذبلت وماتت وهي واقفـة . أسفلها ينـام جرو صغير . كنا نتسلق فروعها لنحصل على حبات التوت الأبيض اللذيذ ..
الآن .. ماتت .
وماتت معها ذوات بنت البحـراوي.
(18)
... وقفت متواريـة خلف سـاق الشـجرة ،
سـألتني في حـيرة وخـوف :
ـ ماذا سـتفعل ؟
لم أجب.. لم أجد لها الجواب عندي .
عادت تلح عليَّ :
ـ لابـد أن تجـد طريقـة لتنقذني...
(19)
سـألني مرافقي وهو يشير إلى البيت القـديم :
ـ هـل سـتقيم هنـا ؟
لم أجب ، أنا لم أحزم أمري بعد ، أردف متسائلا :
ـ هل نبحث لك عن مسكن آخر جديدا ؟
أجبت بصوت قاطع :
ـ لا ..
سـألني :
ـ وأين سـتقيم ؟!
أجبت :
ـ أفـكر بالعـودة ...
سـأل بذهـول :
ـ العـودة !!
هززت رأسي مستطرداً :
ـ الليـلة ..
رد قائلا وهو لايكاد يصـدق :
ـ الليـلة ، الليـلة... لم غيرت الإتفاق . قلنا سـوف تمكث معنـا ، البـلدة في احتياج إلى عمـدة ، وأنت الرجـل المناسب لمنصب العمـدية .. إنها بلدتك ، لها دين في رقبتك ..
اعترضت قائلا :
ـ لم تعـد بلدتي . أنا غريب هنا . ليست لي جذور فيها ، لن أقو على الحيـاة في أرض لفظتني ..
عرف مايدور بداخلي منذ أن وطئت قدماي تراب البـلدة . قال بهدوء :
ـ مات الماضي ودفن في جبل الدلاشي . لن تجد من ينبش في القبـور . الآن ، أصلك وقتك . الزمن تغير . كل شيء تغيَّر . أنا ، وأنت وكل أهـالي البـلدة...
(20)
ترامى إلينا صـوت شـجار أمام دكان البقـال ، سـألت عن الخـبر ، أجاب في تردد : شـيخ البـلدة الدهشوري يتشاجر مع البقـال . ضحكت : ربمـا غالطه في الحسـاب . لكنـه قال بإقتضـاب : ليت ذلك .. وصمت . قلت بعـد فترة : ماوراءك ؟! تكلم ... قال في حـيرة ، لم أود إزعاجك بهـذه الحـادثة . لوزة بنت الشرقاوي ..وتلجلج صـوته وتوقف عن الحديث . ماذا حصل لها ؟ هربت . مع من ؟ أجاب :
ـ فرج الدسـوقي . الأجـير عند البقـال .
هتفت : يا ألطاف الله !!
(21)
... في الزمن البعيـد صرخوا قائلين :
ـ دنست شرف البـلدة كلها .
أنت عار علينا .
دم بنت البحـراوي في رقبتك أنت وحدك ..
(22)
... ثم ماذا حدث بعـد ذلك ؟ أبوها حبس نفسـه بالدار ، لم يبرحها . لايود الخـروج خشية أن تطارده العيـون الخبيثة . أخوها الأكبر خرج خلفها منذ أيام يبحث عنها في مدينة دسوق . أقسم لن يعود إلا بعد محو هذا العار الذي لحق بالبـلدة كلها ، سوف يغسل شرف القـرية المهدور في الـتراب والأوحال.. بالدم . لقد خطفها الغريب وهرب . هرب ..
(23)
سـألت:
ـ كيف تركتم الغريب حتى سنحت لـه الفرصـة باختطافها ؟!
قال بهدوء :
ـ جاء الغريب على البـلدة ، عابر سبيل . عمل أجـيراً عند البقـال في حظـيرة المواشي . استطاع خلال أيام أن يتسلل بيننا ، يدخل نفوسنا. فتحنا له القلوب قبل أن نفتح الأبواب والنوافذ ..
عدت أسأل :
ـ ولوزة ماعلاقتها بـه ؟
أجاب :
ـ لوزة أحبها ، وبنت البـلد تحب الشاب الغريب . طلب يدها في بادئ الأمر ، أهلها رفضوه . رفضوا طلبه لأنهم لايعرفون جذوره.. أصله من فصله.
سألت لأحثه على مواصلة الحديث :
ـ وماذا حدث بعد ذلك ؟
ـ لا أدري كيف أغواها وهربا معاً ؟!
ـ هل انتهت الحكاية عند هذا الحـد ؟
ـ هيه.. بعض الأقاويل تروي عكس ذلك . إنه إغتصبها ، ثم إختطفها وهرب.
قلت : كل هذا يحدث أمامكم وأنتم تتفرجون !!
قال : كل شيء أضحى خراباً ..حتى النفوس .
كل البـلدة في انتظار عما سـتأتي به الأيـام القادمـة ..
(24)
كان شيخ البـلدة الدهشوري ثائراً على البقـال الذي أوى الغريب ، ولم يعرف أصله ولا فصله . لقد جر على البـلدة المتاعب ، كما جر عليها العار ، وأن حكاية بنت البحـراوي التي ماتت ودفنت منذ زمن سوف تحيا وتخـرج من القبـور مرة ثانية .. ثم توقف عن الصياح واستدار وانصرف .
(25)
... والثعلب ، فات ، فات.
(26)
00 لن أفتح باب داري . لن أدخلها . كفى تقليب المواجع والأحزان ، يابلدتي الحزينة . سـأرحل ، سـأدفن كل شيء في أعمـاقي . ماض وحاضر ، وربما مستقبلي . طفولتي هنا كانت بريئة . سـأحتفظ بها في أعمـاقي كما هي ، بالـتراب الخصب المندى ، بالقلب الأخضر ، بالحياة العذبة ، الإبتسامة التي هربت من الوجه الصبوح وغاصت في أعمـاق بئر ساقية حبيب !!
(27)
مع عسعسة الليـل ، الأفـران لم تشتعل . أين رائحـة الخـبز الساخن الذي خرج لتـوه من بيت النار . القـدور وهي تغلي وتفـور فوق الكانون المشتعل ، ثم تفـوح رائحـة اللحـم وتتسلل من الأبواب المـواربة إلى أنوف المـارة وعابري السـبيل ..
هيـه ..الكلبة تنـام في الأفـران !!
دلالة على قحـط الأيـام في بين جدران الديار .
(28)
في ضوء مستطيل الكلوب الشاحب ، جلس بعض الصغار في حلقة واسـعة متلاصقة من أجساد الصبيان والبنات . من خارج الحلقة تدور حولهم طفـلة نحيلة البـدن وهي تنادي :
ـ الثعلب ، فات ، فات..
يرددون وراءها في صوت واحـد :
ـ وفي ذيلة سبع لفات .
تعاود الحـدو :
ـ والصحن الأخضر ...
يرد عليها من يجلس في الدائرة :
ـ دندش لـون ..
تسـأل :
ـ أحمر عل أخضر ؟
يجيبون معـاً :
ـ دندش لـون ..
تواصل الطفلة الحداء بصوت منغم :
ـ والدبـة ..
يستكملون :
ـ وقعت في البـير ..
تسأل في حـيرة :
ـ وصاحبها ؟!
يرددون في حماس :
ـ راجـل خـنزير ..
تسأل في حزن :
ـ مافات عليكم الديب السحلاوي ؟
يجيبون في أسى من الأعمـاق :
ـ فات ، فات ، وفي ذيله سبع لفات ..
تواصل الحـداء بنغمة مختلفة عما سبق :
ـ بعت جواب لصحبتي ..
يستكملون :
ـ وقع مني في سـكتي ..
تسأل الطفلة في حـيرة :
ـ مالقتهوش ؟
يرددون في صوت واحد مرتفع :
ـ لأ...
تستحلفهم :
ـ وحيـاة جدتي ..
يصيحون معاً :
ـ لأ ، لأ ، لأ...
(29)
الصـوت يتلاشى من أذني كلما ابتعدت خارج الديار ..
بدا القمـر والجداول وصـرَّار الليـل وأنين السواقي واضحاً في السـكون الهادي المخيم على كل الكائنات . شعرت بأنني أحسن حالا . انخفض ضغط الدم وهدأت دقات القلب الحزين ، خف الصداع الذي يكبل رأسي . استقر النبض بصورة منتظمة ، بعد أن ارتفع وانخفض من فرط التوتر والقلق والشعور بالذنب والأحداث المتلاحقة التي طفت على السطح بسرعة مذهلة ، بعد أن ماتت وغمرها النسيان في زوايا الذاكرة !!
(30)
... والثعلب ، فات ، فات .
وفي ذيلة سـبع لفات ..
(31)
على مفترق الطرق ، سـألني وهو يودعني ، ويشـد على يدي :
ـ هل ستعود ؟!
عندما لم أجب ، عاد يقول برجاء :
ـ نحن في حاجة إليك .. فهل أنت في حاجة إلينا ؟
بحثت عن إجابة ، لم أجد نجمة واحدة تبرق في السماء .
نظر إليَّ في صمت ، وأنا أسحب يدي برفق وهدوء من راحة يد رفيق الطفولة ، وابتعد ، أهرول ، أركض .. أهرب مرة أخرى ..

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصـري


أعلى



تراثـيات


ابن أبي اليمان

اليمان بن أبي اليمان، أبو بشر النحوي الشاعر قال ابن النجار: من البندنيجين، ولد بها، وأصله من الأعاجم من الدهاقين. ولد أكمه سنة مائتين، ونشأ بالبندنيجين، وحفظ بها أدباً كثيراً، وعلماً وأشعاراً كثيرة، ثم خرج إلى بغداد، ولقي العلماء. وقرأ على أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي وأبي نصر صاحب الأصمعي وابن السكيت، ودخل البصرة فلقي الزيادي والرياشي.وقال محمد بن إسحاق النديم: كان ضريراً شاعرا، عارفاً بالفقه، له من الكتب: كتاب التنبيه، كتاب معاني الشعر، كتاب العروض.مات في ذي الحجة سنة أربع وثمانين ومائتين.
ومن شعره:
أسأل ربي صلاح قلبـي
فإنه يملك الـقـلـوبـا
وأطلب الستر من لـدنـه
فإنه يستر الـعـيوبـا
وينعش العاثرين نعـشـا
ويغفر الحوب والذنوبـا
ظلمت نفسي فليت شعري
هل قدر الله أن أتـوبـا

ـــــــــــــــــــ

عنان

قال السلواني: دخلت يوماً على عنان وعندها رجل أعرابي، فقالت: أيا عم لقد أتى الله بك، قلت: وما ذاك? قالت: هذا الأعرابي دخل علي فقال: بلغني أنك تقولين الشعر فقولي بيتاً، فقلت لها: قولي، فقالت: قد ارتج علي، فقل أنت، فقلت:
عشية عيرهم للبين زمـت لقد جد الفراق وعيل صبري
فقال الأعرابي:
وقد بانت وأرض الشام أمت نظرت إلى أواخرها ضحـيا
فقالت عنان:
على أن الدموع علي نمـت كتمت هواكم في الصدر مني
فقال الأعرابي: أنت والله أشعرنا!(...) وقال بعضهم: دخلت علي عنان فإذا عليها قميص يكاد يقطر صبغة وقد تناولها مولاها بضرب شديد وهي تبكي فقلت:
كالدر إذ ينسل من سمطه إن عناناً أرسلت دمعهـا
فقالت وأشارت إلى مولاها:
تجف يمناه على سوطه فليت من يضربها ظالماً
فقال مولاها: هي حرة لوجه الله إن ضربتها ظالماً أو غير ظالم.


ـــــــــــــــــــ


تولى رعيها الأسد


قيل لأبي مسلم: بأي شيء أدركت هذا الأمر? قال: ارتديت بالكتمان، واتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، وحزت بغيتي؛ وأنشد في ذلك:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت
عنه ملوك بني مروان إذ حشـدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهـم
والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبـهـوا
من نومة لم ينمها قبلـهـم أحـد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعـيهـا الأسـد

ـــــــــــــــــــ


قمران


قيل للخنساء: صفي لنا صخراً؟ فقالت: كان مطر السنة الغبراء، وذعاف الكتيبة الحمراء. قيل: فمعاوية? قالت: حياء الجدبة إذا نزل، وقرى الضيف إذا حل. قيل: فأيهما كان عليك أحنى? قالت: أما صخر فسقام الجسد، وأما معاوية فجمرة الكبد، وأنشدت:
أسدان محمرا المخـالـب نـجـدةً
غيثان في الزمن الغضوب الأعسر
قمران في النادي رفيعا مـحـتـد
في المجد فرعا سؤدد مـتـخـير

ـــــــــــــــــــ

أعادها مرات ولم أفهمها


قال البحتري: دعاني علي ابن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يخلي، وأعادها مراتٍ ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيتٍ نادرٍ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشيءٍ قيل أخلى. قال: وكان علي بن الجهم عالما بالشعر.


ـــــــــــــــــــ

أخبرهم أنك لم تغضبني


بايع رجل آخر على أن يغضب الأحنف، فجاءه فخطب إليه أمه فقال: لسنا نردك انتقاصاً بحسبك، ولا قلة رغبة في مصاهرتك، ولكنها امرأة قد علا سنها، وأنت تحتاج إلى امرأة ودود ولود، تأخذ من خلقك وتستمد من أدبك، ارجع إلى قومك وأخبرهم أنك لم تغضبني! وخطب آخر إلى معاوية أمه فقال: ما الذي رغبك فيها وهي عجوز؟ فقال: بلغني أنها عجوز عظيمة العجز! فقال: لعلك خاطرت أن تغضب سيد بني تميم؟ قال نعم. قال: ارجع فلست به!.


ـــــــــــــــــــ


اكتم علي

كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي يطعن على أبي نواس ويعيب شعره ويضعفه ويستلينه فجمع مع بعض رواة أبي نواس فجلس والشيخ لا يعرفه فقال له صاحب أبي نواس: اتعرف أعزك الله أحسن من هذا وأنشده:
ضعيفة كر الطرف تحسب أنـهـا
قريبة عهد بالإفاقة مـن سـقـم
تفوق مالي مـن طـريف وتـالـد
تفوقـي مـن حـلـب الـكـرم
وإني لآتي الوصل من حيث يبتغـي
وتعلم قوسي حين أنزع من أرمي

فقال: لا والله فلمن هو؟ قال للذي يقول:
رسم الكرى بين الجفون محيلا
عفي عليه بكا عليك طويلا
يا ناظرا ما أقلعت لحظـاتـه
حتى تشحط بينهن قـتـيلا

فطرب الشيخ وقال: ويحك لمن هذا؟ فوالله ما سمعت أجود منه لقديم ولا محدث، فقال لا أخبرك أو تكتبه، فكتبه وكتب الأول فقال: للذي يقول:
ركب تساقوا على الأكوار بينـهـمـو
كأس الكرى فانتشى المسقي والساقي
كأن أرؤسهم والـنـوم واضـعـهـا
على المناكب لم تخلـق بـأعـنـاق
ساروا فلم يقطعوا عـقـدا لـراحـلة
حتى أناخوا إليكـم قـبـل أشـواق
من كل جائلة الـطـرفـين نـاجـية
مشتاقة حملت أوصـال مـشـتـاق

فقال: لمن هذا؟ وكتبه، فقال: للذي تذمه وتعيب شعره أبي علي الحكمي. قال: اكتم علي فوالله لا أعود لذلك أبدا.


ـــــــــــــــــــ

أرخيت قافيته


أنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس الرقيات:
إن الحوادث بالمدينة قـد
أوجعنني وقرعن مروتيه
فانتهره أبو عمرو، فقال: ما لنا ولهذا الشعر الرخو ! إن هذه الهاء لم توجد في شيء من الكلام إلا أرخته. فقال له المديني: قاتلك الله ! ما أجهلك بكلام العرب ! قال الله ـ عز وجل ـ في كتابه: " ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه " وقال: " يا ليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه " فانكسر أبو عمرو انكساراً شديداً. قال أبو هفان: وأنشد هذا الشعر عبد الملك بن مروان، فقال: أحسنت يا ابن قيس، لولا أنك أرخيت قافيته. فقال يا أمير المؤمنين ما عدوت قول الله ـ عز وجل ـ في كتابه " ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه "فقال له عبدالملك: أنت في هذه أشعر منك في شعرك.


أعلى







الأدب الشعبي


غرايب محكية

يا نور عين اللي تمنيته ,, على البعد ناوي
غرايبك محكية ٍ ,, هامت على نوض قرطاس
هات النبا في مجمل شجوني وذا العود ذاوي
لين انكسر حالك وحال اللي شعل جمر الأنفاس
هذاك خطّـافك ,, وهو حايم ,, على البيد طاوي
شوق ٍ تـشّجـر من مسافاتك و منبوذ الإحساس
من شيمتك يا الطير ,, عاذلت الرفيق المراوي
خذني على مهل الخفوق اللي له الشوق ينهاس
لا تاخذك حيرة ,, وتوردها حياض المهاوي
لو في مهاويها , تحـدر سيل عزمك مع الباس
أدنى السجية,, سدك بجوفك غدا فيه ثاوي
أعلى السجية,, سدك المنسي ولا داج في الراس
اتهاطلت فيني مواجيعك به النضب حاوي
ومنين ما ناظرت ,, يتهاطل لك الدمع رجّـاس
تنوي على الشومة ورمل البيد فيك امتهاوي
والصبح والديجور مخذول ٍ تواهن بهوجاس
تحث في مسراك ,, ويتثاقل مسير الخطاوي
والناس نــيّـام ٍ ,, وبرد الليل أوقظ بك نعاس
كلي وهن , وان حام خطافك على درب خاوي
لي ممتلي من طعنة الماضي ولا من جسد ناس
غدر البشر له من شقا حالك ولا له مداوي
وإلا الوجع في حكمة الغادر ,, مفاهيم تنداس
من كذبة ٍ تعوي بخفاقك ,, ومن قال قاوي
ما يحتمل من صدة أزمانك ,, ولا يحتمل ياس
نويت يوم الله كتب لي فيك ,, والجرح كاوي
مسرى حمده البال والطاري ومكنون الاجناس
أما على البال الندي ,, مليت جـر الفتاوي
بيني وبينك ,, لين جـريـتـك حديث ٍ للاطعاس
غرايبك محكية ٍ ,, هامت مع طيف ضاوي
أرهيت لك معناي وأرهيته , بلا حد و قياس
هات النبا في مجمل شجوني ,, حديثك يا راوي
لك في ديار الجرح عسّاس ٍ وطاريك به جاس

هجير

ـــــــــــــــــــ


حاجة العطشان‏

لا تقول اخطيت او خان النظر
صادق احساسك ولو قالوا كذب
من كشف للارض اسرار المطر
غير هذا البحر يوم انه غضب
وش يبي العطشان في باقي الخبر
مالقيت لتالي اسئلته سبب
حاجته ما اظن تفاصيل البحر
المهم في تالي الحاصل شرب
لو درا الملاح عن سر الخطر
عاتيات الموج عمره ما ركب
صاحبي علق باجفان السهر
ريبتك واترك مضامين العتب
موت بعض الحب في كثر الحذر
والعمر كالريش في باب المهب
ليت هذا الريب كله تختصر
دام جرح العين من رمش الهدب

احمد محمد المعشني


ـــــــــــــــــــ

عقـرب

ما شدني صوبك
إلا ،، الوجع أكثر
بإيدي .. قصاصة حبر
وفي الثانية .. جوال
أتوسله يبكي
نتشاكى بالأحوال
وان ملّت عيوووني
أرجع إلى الدفتر
**
من هالوجع بهرب
لأحضان أوراقي
بنساك وبتدرب
أقتلك بفراقي
بكتب لك وبضرب
أمثال لارهاقي
لا عاد تستغرب
ما عاد به باقي
**
ومليت أوراقي
وملتني الأوراق
يا سيدي .. تكفى
هالوضع ما ينطاق
وناظرت ع يميني
إلا بشاشة لاب
علم ، وفلك ، وأبراج
وظلّيت أتطلع
لين امتليت ارهااااق

من علمه يقرب ؟؟
برجك بآفاقي ؟؟
شرّق هنا وغرّب
لين ايبست ساقي
هذا وأنا ( العقرب )
ذبّحت أحداقي
ما كان لك مأرب
ذوق وحسن راقي ؟؟
**
ولأ نثرني الريح ؟؟
مع ما نثر من هم ؟؟
يا سيد التجريح
اتركني مع همي
لا ما خطاك انك .. بيّحت لي دمي
لو العروق تصــــيح
**
ياربنا يااارب
عززها أعماقي
خل العمر يشرب
من كربة الساقي
وان جاني يستطرب
مشتاق لعناقي
ثبّتني ع المغرب
وإحرمني أشواقي

أفراح الصالحي


ـــــــــــــــــــ

عودتني

ياللي رضيت بضيقتي وابتعادي
روّح عسى تهنا وتسعد لياليك
عودتني ماذوق طعم الرقادي
أنطر خيالك أنظره ع الشبابيك
عودتني في يوم تسقي فوادي
وأيام ضامي للوصال بتجافيك
شربي حنانك والمراسيل زادي
والشوق طيرٍ مرتعه في مفاليك
غريب لكن عيشتي في بلادي
قلبك وطن آتوق أحيا بأراضيك
قريب نورك غير حوله سوادي
صبحه سريع وبه ليالٍ محاليك
صبعك مقربها ع فص الزنادي
وأنا مسلم دنيتي بين أياديك
تبغي تعرف الحال وشلون غادي
بآمثله تمثيل يمكن يصحيك
كنك غريق ومارتكت لك أيادي
وتبقالك إيد تعذبك كود تحييك

فيصل محمد البادي

ـــــــــــــــــــ


حكاية

عندي حكاية أبا احكيها ..السلام عليك
همي كبيرٍ وليلي يرخي سدوله
الحين وش جاك منت الأولي وش فيك

طبعك تغير وطيبك جف هملوله
عطني من الوقت لحظة ربنا يخليك
أو هيه صعبة عليك فأوسط حلوله
غلطان انا يوم جيتك أنتخي لبيك
علام ذا الحين نهجك غاب مدلوله
تذكر حبيبي وأنا في يومها أهديك
أشواق عذرا (ع) صهوة عشق محمولة
حطيت وردة غرامي وقتها (ف) يديك
والقلب لأجل الرضا يقرع لك طبوله
يا مرحبا الساع ترمي صاحبك (ب) يديك
جاء يسأل الصيف في تأميم قيلولة
لو ما يعزك ولك تقديرن ويغليك
ما جاك يسرج على ركب الرجاء ذلوله
هذي الحكاية أبا اترخص .. سلام عليك
همي كبيرن وليلي يرخي سدوله

سعيد بن خميس الرحبي

ـــــــــــــــــــ


مجرد افتراض

مهما تجيبي أعذار ومهما تقولين
تصديق مثلك صار أمر افتراضي
لو افترضنا صدق ما كنتِ تحكين
فكـْرةْ رجوع الود تلقى اعتراضي
يا بنت أنا وأنتِ اصبحنا ضدين
من بعد غدرك بي مْارضى التراضي
جيتي تبين الصفح للصلح تنوين
عضك لصبعك صار بعد امتعاضي
يكفيك صفحي عن مجازاتك سْنين
لا تنبشين أرجوك ما كان ماضي
وأرجوك أنسيني ولكن لا تْنسين
ما كان صفحي ضعف، لكن تغاضي
تغاضيت لأنه الحلم طبع الحليمين
وأنا على ما صرت ـ يا بنت ـ راضي

سعيد علي المشيفري

أعلى





عندما بكت الستارة

صديقتي النافذة سألتصق بك اليوم أكثر من أي وقت مضى.. سأتشبث بزجاجك الحنون، سأحميك من سياط الشمس الملتهبة ولن أسمح أبدا لأي يد أن تزيحني عنك أو أن تعقد أطرافي بشرائط تهلكني وتكبل متعتي في عناقك الجميل.
سأفتقدك كثيرا منذ اليوم لأني سمعت حديث سيدة المنزل وبناتها اللواتي سخرن مني كثيرا وقلن بأني باهتة ومهترئة لا جدوى من بقائي معلقة على جدار غرفة الضيوف الواسعة والمزدانة زواياها بأصص الزهور وبتحف الكريستال، تحدثن عني بقسوة قلن بأني قديمة لا أليق بنافذة مصقولة ولامعة، قلن أشياء كثيرة جرحت مشاعري ولم أستطع إزاءها سوى أن أدثرك بصمت وأسمعك أنيني.
لذا أنا حزينة الآن، قريبا ستأتي سيدة المنزل بستارة جميلة تضفي على المكان سحرا وأناقة، ستارة باهظة الثمن سأتخيل أنها حمراء مخملية بورود صغيرة منسوجة فيها بدقة، الكل سيسعد بها ستتراقص الفتيات أمامها بفساتين الدانتيل المزركشة وستحبها السيدة كثيرا قبل أن تعلقها تحملها برفق كأنها تعانقها وترش عليها قليلا من العطر وتثني عليها ثم تخبر رفيقاتها حين يسألن عنها أنها ابتاعتها من متجر كبير وقماشها لن يتأثر مع مرور الزمن.
أعلم أنك ستسعدين بمقدمها كثيرا ستكونين فخورة بصحبتها لأنها ستحميك أكثر مني، أنا العجوز العتيقة البالية التي ربما سألقى حتفي في أقرب قمامة.
لكن يا صديقتي تذكريني كلما صفرت خلفك الريح وكلما طرق زجاجك عصفور، وكلما مسحت وجهك يد الخادمة المخلصة تلك التي تتألم الآن على رحيلي وربما تتمنى أن تصنع مني قميصا لوسادتها أو غطاء لطاولة غرفتها، تذكريني صباحا عندما تفتحك الأيادي وتنظر العيون إلى الخارج المطرزة طرقاته بالمطر وخطوات وزحام الحياة وتذكريني مساء حين يهمس القمر للشرفات ويغني للسامرين في الدروب البعيدة، وحين يواسي الغرباء ويلقي عليهم وشاحه الفضي كي يبصرون النور، تذكريني كلما تنهدت زهرة أو عانقت النجمة نجمة أخرى، تذكريني كلما رقدت الظلال الناعسة على كتفك وكلما تمايلت الأغصان نحوك كأنها تبوح لك سرا أو توشوش لك حكاية صغيرة، لا تنسي صحبتي القديمة ولمساتي، لا تنسي لوني وأطراف ثوبي الأنيق ذات يوم.
همست النافذة بحزن عميق لن أنساك أيتها الستارة المخلصة، لطالما خففت عني من لفحة الصيف وبرد الشتاء، ستبقى بصماتك الطيبة ساكنة في أعماقي تماما كحبات المطر الندية التي كأني أسمعها تتساقط الآن على زجاجي غناءً وحبا، إنها تنعشني كلما هبطت برفق على وجهي، كلما ترنمت أزددت ألقا وبهاء، أيتها الستارة ارحلي بصمت لقد عملتي بجد وإخلاص طوال بقائك معي، ارحلي دونما بكاء وترفقي جيدا بنفسك.
يصعب علي فراقك ولكن ليس بوسعي شيء كما أنه لا يمكنني أن أبقى دون غطاء حريري شفيف، لا يمكن أن أستغني عن لمسة ستارة حانية، إنها تدثرني بالحب لأنها قميصي وحضني ومعطفي الأمين.
الستارة توأم لي، هل رأيت نافذة دون ستارة؟؟
حتى الفقراء لا يمكن أن تبقى نوافذهم دون غطاء، إنهم يحسون جيدا بمعاناتها ومشاعرها الرقيقة.
عزيزتي الستارة عديني أن لا تموتي حين تأخذك سيدة المنزل من حضني.. عديني أن تتماسكي كي لا يشحب لونك، لا تغبطي الستارة الجديدة على قدر مجهول فربما لن تشعر بالراحة في قصر وتتمنى أن تسكن في كوخ صغير، وربما لن تسعد بالتباهي أمام العابرين في الصالة الواسعة.
أظن أن الصور والأشياء الثمينة التي تزين البيت تبارك قدومها خفية ولن تكيد لها أو تشاكسها.
أظن أنها طيبة أيضا مثلك ستترفق بي وتهدهد حزني.
وبعد لحظات تصمت النافذة وتكبت ألمها وتبكي الستارة آخر دموعها
حينما يتناهى لهن صوت خطوات قريبة وهمسات وضحكات، تأتي الخادمة بكرسي وتعتليه باتجاه الستارة وتسحبها ببطء، تحاول أن لا تؤذيها لأنها تعلم أن لكل شيء إحساس مهما كان، قبل ذلك كانت النافذة تضم الستارة بقوة إلى صدرها وتوصيها بأن لا تنساها.
وترحل الستارة بعد أن خدمت النافذة طويلا، ترحل بصمت وفي صمتها غصة ووجع.
تتأثر الأشياء وتهتز الكنبة الوثيرة ووسائدها الناعمة وتتنهد الساعة وتدق بعنف وتلدغ عقاربها الأرقام.
تصفق سيدة المنزل تنادي بإحضار الستارة الجديدة وتتراكض الفتيات مندهشات بلونها البراق، يتبادلن عبارات الفرح ويتمايلن بجذل أمام الضيفة الجميلة.
عزيزة الوهيبي


أعلى





أحاديث صحيحة من أطراف البلدة
وهج الأنثى.. الذي ليس كمثله شيء (4)

تغدو صباحاً الى مقر عملها، وتروح مساء الى لقاء صويحبات لها في أمسية طرية ببيت إحداهن. تؤوب نهاية السهرة إلى حجيرتها وتندس بين أغطية الفراش الوثير في وداعة. حلمت في بعض لياليها بأن يأتي من يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. وكما ينص علم الرياضيات يجب أن تكون المعادلة موزونة.
عيون عديدة تتلصص على جسدها بكل تفاصيله. لكنها ظلت تلك الأنثى التي تغدو صباحاً الى مقر عملها وتروح مساء الى لقاء صويحباتها.

****

كوب النسكافيه الصباحي، ذلك الذي يسبب لي تلك (الشكة) في جانب صدري الأيسر، حيث القلب، ما زلت على علاقة وطيدة به. ما زلت أعب منه كل صباح جديد، رغم طعناته المتكررة والمسددة صوب القلب مباشرة.
هل هو تحد سافر لما يسمى المرض، ذلك التنين المروع الذي ابتليت به البشرية في جسدها الفاتن؟!

****

اهطلن علينا من على كندف الثلج يا المالكات الشرعيات لنون النسوة ويا صاحبات تاء الأنوثة. فليكن الجمال خفيركن، ولتنبت البهجة من أمامكن، وليثمر البهاء من خلفكن، ولتشرق شموس الرحمة من فوقكن، ولتتفجر ينابيع المودة من تحتكن، وليتناسل الحب عن يمينكن وشمالكن. اهطلن لنهتز ونربو وننبت.

****

اضحكن أيتها النساء وتنفسن عميقاً وارفعن رؤوسكن واخطرن في دنيانا. فمن سيرتق هذه الشروخ التي كثرت من حولنا سواكن، ومن سيردم هوة القلب غيركن. عمرن هذا الخراب، املأن هذا الفراغ.
اضحكن اضحكن.
تنفسن تنفسن.

****

تكاثرن يا الفتيات والآنسات والأبكار والسيدات. تكاثرن يا العذراوات والقوارير والحوريات. تكاثرن حتى تعم البركة ويتنزل الخير المعقود بنواصيكن. تناسلن لينبلج السؤدد ويسيل الخصب والرواء في المعمورة. توالدن لتنمحق البذاءة والرداءة وتجرفنا البراءة الأولى الى تخوم الطهر والجمال.

****

ما يقر في الاجتماعات الطويلة من ملاحظات وتوصيات تمسحه جرة قلم في خطاب مقتضب. علم الإدارة وأباطرته يعرفون ذلك ، فقد ناقشوا آثاره الجانبية في اجتماع سابق.

****

توهجي أيتها الأنثى. توهجي يا ربة الجمال والغنج. أشعلي كوكبنا نوراً فقد أوشك على الاظلام. وزيدي قلوبنا نوراً فقد قاربت على العتمة. واترعي أرواحنا أنواراً فقد بدأت الدخول في كهوف القبح. توهجن أيتها الاناث واقذفن لهبكن الدافئ على أديم واقعنا الممسوس بالرذائل.
عبدالله بني عرابة

أعلى


 

وجوه وظلال (16)


اختيارات / صالح العامري

بحّـــارة

رسمٌ تخطيطيّ لهافانا من ديوان "اللحنُ الكامل" للشاعر الكوبي/ نيكولاس غـْيين، ت.صالح عَلماني:

هافانا،
بـردفيها الرّجراجين،
وبازرقاق عينيها البنفسجيتينِ
في كـلّ الأوقات.
ترقص بخطوات محسوبة
رقصة الموت،
يحميها البحر القويّ
وستة بحارة نائمين.

******

من مقدمة أحمد نوح، لرواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد:

يـعد جوزيف كونراد علامة مضيئة في تاريخِ الرواية الحديثة، ودعامة أساسية فيها. ويلعب البحر دوراً فاعلاً في معظم أعمال كونراد، فقد اختزن مادّة رواياته العظيمة عن حياة البحر. ورغم أنّـه لم يكن يحب أن يسمى (كاتب بحر): إلا أنّ تلك حقيقة تسحب نفسها حتى على نفسيات شخوصه ومسلكهم. فهم يبدون وسط ذلك المحيط المائي كتجريد لمجتمعاتهم التي قـدموا منها، كما في "زنجيّ النرجس" و"لوردْ جيم". يبدونَ وكأنهم في معمل للكشف عن نفسيـاتهـم. فبالنسبة لكونراد لم تـكن صورة البحر هي الصورة الرومانتيكية التقليدية، بل كانت تجسيداً لمأساة الوِحدة الفردية، حيثُ يواجه الإنسانُ الطبيعة الثائرة وجهاً لوجه، مجرداً من كل معطياته الاجتماعية. فتبدو لديه كل الأمور مجسمة، وكلّ المواقف حاسمة. ويزداد الإحساس بالذنب نتيجة الابتعاد عن المجتمع، الذي يقوم عادة بإصدار الحكم على السلوك والتصرفات.
عندما كان صغيراً في بولندا: نظر كونراد إلى خارطة العالـم، وأشار بإصبعه إلى الكونجو، في وسط أفريقيا، وقال:"عندما أكبـر سأذهـب إلى هـنا". وفي عام 1889 تولـّى إمْرَة زورق بخاري في نهر الكونجو، التي كانت آنذاك مسرحاً للنهب الإمبريالي. وبعد ذلك بعشرة أعوام انتهى كونراد إلى تسجيل أحداث تلك الرحلة في واحـدة من أعظم رواياته "قلبُ الظلام".

******
من (قلبِ الظلام) لجوزيف كونراد:

* يقول كونراد على لسان ِالبحارة:"كان يربطـنا ميثاق البحر، الذي كان إلى جانب ربطه لقلوبـنا خلال أوقات الفراق الطويلة: يجعلنا قادرين على احتمال حكايات بعضنا بعضاً وحتى إداناتنا..".
* لـكم تشبه السفينة كـل سفينة أخرى، أما البحر فهو نفسـه دائماً وفي الكينونة دائماً. لـما يحيط بهم من شواطئ غريبة ووجوه غريبة ومن اتساع الحياة المتغيرة: يمسح الماضي المُغلـفَ، لا بحِسٍّ غامض بِجَهْل ٍ غيرِ مُشَـرِّف؛ فليس هـناك ما هو غامضٌ بالنسبةِ لبَحـّـار ٍ غيرِ البحرِ نفسـِهِ، فهو سيدُ وجودِهِ، وفيهِ غموضُ القـَـدَر...

******

عمل الروائي هيرمان ميلفل بحاراً على السفن العابرة للمحيطات. وكانت حياة البحر التي عاشها: هي المادة الخام بالنسبة لمعظم رواياته، وخاصة "موبي ديك"، فقد استمد منها معظم الشخصيات والمواقف. ولم يقتصر عملـه على السفـن التجارية، بل اشتغل أيضاً على السفن الحربية.

******
البحـّار روبنسون كروزو:
رواية "روبنسن كروزو" مأخوذة عن حادث واقعيّ.
عندما نشر الكاتـب: دانيال ديفو: مـغامرات روبنسون كروزو عام 1719، كان روبنسـن كروزو لا يزال على قيد الحياة. فـهـو بحار اسكتلنديّ يُدعى ألكسندر سَلـكيرك، استعان به الروائيّ الشهير كنموذج.
وقد أبحر ألكسندر سَلكيرْك، وهو لا يزال حديث السن، على سفـن للقرصنة، كانت تجوب بحار المحيط الهادئ.
وفي عام 1704 تشاجر مع قبطان السفينة، وطلب أن ينزلوه على جزيرة مقفرة. لكن قبل أن تغادر السفينة الجزيرة: عاد سلـكيرك إلى رشده، وتوسل إلى القبطان كي يعيده إلى ظهر السفينة، فرفض.
وهكذا أمضى سلكيرك أربعة أعوام وأربعة أشهر قبل أن تأتي سفينة بريطانية إلى نجدته في كانونِ الثاني (يناير) 1709.
خلال مدة إقامة هذا البحار وحيداً على الجزيرة الصغيرة في عمق الشواطئ التشيلية، لم يكن له من رفيق سوى الحيوانات. ولما اكتشفته السفينة البريطانية عام 1709 كان من العسير عليه أن يتفاهم مع منقـذيه.

******
الجنرال نابليوب يصاب برهاب القطط، والأميرال نلسون بدوار البحر:
انخرط هوراسيو نـِلسون في البحرية البريطانية وهو في الثانية عشرة من عمره في تشرين الثاني (نوفمبر) 1770، لـيصبح أشهر أميرال عرفـتـه بريطانيا. ومع ذلك، لم يستـطع نـِلسونْ أن يتخلص من دُوار البحر، طيلة حياته كلها.

******

صمتُ البحّار العجوز، للشاعر الألمانيّ ريلكه/ ت.حسن حلمي:

يصمت البحّار العجوز
وتعزف بداخله الأهوالُ التي كابدها
كأنها تعزَفُ في أقفاص ٍ مُهْـتـَزّة.

******

أغنية بحّار، لرافائيل ألبرتي، ت.صلاح علماني وعاصم الباشا:

اعْصروني فوق البحر، تحت الشمس، وكأن جسدي مِزْقة من شراع.
اعصروا كلّ دمي.
مـدّدوني، لتجفيف حياتي، على شِباك الرّصيف.
إنني ناشِفٌ، ألقوا بي إلى المـِياه، بحَـجَـر مربوطٍ إلى عنقي؛ حتّـى لا أطفو بعيداً.
دِمائي مـَنَـحْتُها للبِحار.
فأبْحِري أيتها المراكب! وأنا تحت، مُستكين.

* شاعر عماني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept