الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

البحث عن حقيقة خالق الكون فكرة في عمق الفيلم





 





مبتدأ

بدءا من انشغاله بفكرة الماء وما يصاحبها من تناقضات، مرورا بوجه القلق المتمثل في البحث الدءوب والخلاق عن القيم الجمالية والشعرية التي تحفظ ماء الشعر ولا تريقه على قارعة الثرثرة الفارغة، وحكايات أخرى لا حصر لها في حديث يمتد حيث نصوص شعرية متفردة .. يأتي محملا بصور للحياة في مجموعته الأخيرة "المياه تخون البرك" الشاعر عوض اللويهي يتحدث شعرا في حوار العدد مع الزميل خميس السلطي.
وفي تاريخياته يتحدث الكاتب محمد بن حمد الشعيلي الأكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة في موضوع (العلاقات بين القوى الدولية في منطقة الخليج) ـ صراع المصالح بين الإنجليز والهولنديين ـ وهو الجزء الثاني الذي يتناوله الكاتب، حيث يتحدث في هذا العدد عن صراع على البصرة، المقيميات التجارية حيث يقول إنه على أثر طرد كنيبهاوزن من البصرة بأمر من السلطات العثمانية، بسبب علاقاته السيئة بتجارها بدأ يعد نفسه للرحيل إلى باتافيا، حيث المقر الرئيسي لشركة الهند الشرقية الهولندية، وخلال مروره في الخليج العربي جذبت جزيرة خرج انتباهه. إذ إن موقع تلك الجزيرة الصغيرة عند مدخل الخليج، وعلى مقربة من البصرة يمكن أن يتخذها الهولنديون مركزًا للتحكم في تجارة الخليج ونقطة وثوبا على البحرين أو البصرة أو غيرها من المواقع الأخرى على الشاطئ الغربي للخليج.
أما موضوع الكاتب زهير الخصيبي حول الشاعر الراحل أبو معاذ مرشد الخصيبي فيتحدث في هذا العدد الحلقة قبل الأخيرة التي تتناول أدب الرحلات وأراجيزه، حيث يستعرض باب عشق آخر لشاعرنا الراحل وهو حب السفر والترحال.
ومن الندوة التي أقامها النادي الثقافي الأسبوع المنصرم حول التجربة الروائية للراحل علي المعمري نختار الورقة التي قدمتها الدكتورة عائشة الدرمكية والتي تناولت "سيميائيات الأيديولوجيا في نصوص علي المعمري: ـ دراسة في إنتاجه القصصي ـ .
كما يواصل في الحلقة الرابعة الكاتب خالد العنقودي رحلته من باريس إلى حواضر أوروبا متحدثا عن الرحلة التي باتت تسير في مراحلها الأخيرة والتي أخذت منه زهاء (75) يوما متحفا عينيه في المسارات السابقة نحو مشاهد آسرة تدهش الألباب من شدة جمالها، وقد قطع فيها مراحل بدأ من باريس إلى باقي ممالك وحواضر أوروبا كأمستردام بهولندا مرورا بكولن الألمانية وإلى باقي المدن الألمانية، ومنها إلى بروكسل ببلجيكا وإلى دوقية لوكسمبورج ثم العودة إلى باريس، ثم الذهاب إلى جنوى الإيطالية ومدريد الأسبانية حتى بلغت إلى مشارف المدن السويسرية المتاخمة للمدن الفرنسية.
اما الدكتور وليد السيد فيتحدث عن حول "جائزة الآغاخان للعمارة في عقدها الرابع" والقائمة القصيرة للمشاريع المرشحة للحصول على الجائزة في دورتها الحالية لعام 2013.


المحرر


أعلى





بوح ..
الشعر الشعبي وحالة النقد الموازية "4 "

من أهم الاسباب التي أدت إلى ضعف الإقبال على القراءة هي الأخرى "الانترنت" فكما ذكرنا سابقا انها السبب الذي سهّل للشاعر نشر نصه دون قيد او شرط ، ولكن هل نحن واقعا نتمنى ان تكون هنالك قيودا او شروطا تحد من نشر النصوص ؟! .. بالطبع ـ لا ـ ولكن إذا ماذا إذا كانت عملية الفرض هذه تحد من عملية استسهال الكتابة ؟! ، أن ما يحدث أو ما حدث فعلا منذ بداية الألفية تقريبا هو وجود مساحات للانتشار تمنح الشاعر حرية الكتابة دون توجيه ، وهذا الأمر انعكس سلبا على الشاعر كون ان هذا الاخير يسعى إلى إبراز نفسه بأي صورة كانت لسبب واحد هو "الشهرة" ، وشخصيا ارى ان مبتغى "الشهرة" لا يتماشا طرديا مع "الإبداع" فحالة الإبداع لا تتشكل بتاتا إذا كانت النظرة الأولى للشاعر هي "الشهرة".
إن حالة رغبة الإنتشار التي لجأ لها البعض (الكثيرين) هي حالة نحو الهروب من النشر الورقي في الصحف الثلاث المحلية آنذاك ، فالنشر في الصحف قبل الألفية تحديدا كانت ربما هي المتنفس الوحيد للشاعر الشعبي وهي المتنفس الصعب وبرغم اختلاف مدارس القائمين عليها الا ان الحالة العامة آنذاك لا تتيح نشر اي نص هزيل ، وربما تنشر بعض النصوص الهزيلة تحت زوايا تشجيعية ليس الا ، وبالتالي كانت عملية القراءة سواء النصوص المتنوعة التي تنشر ، أو القراءة في المجالات الأدبية الأخرى كالقصة القصيرة والرواية وغيرها من الاجناس الادبية كانت العامل الأول لتدعيم ثقافة النص الذي يؤدي إلى النقاش الجاد بين المحرر والشاعر ، أو بين الشاعر والشاعر حتى يظهر بالصورة الطموحة التي يستحق عليها النشر ، ومع ضييق تلك الحالة إلا انها افرزت شعراء يحملون ثقافة كتابة النص الواعي لخدمة "القصيدة" نفسها بعيدا عن أي عوامل أخرى.
كل تلك الحالات ومع احتدام المنافسة سواء في عملية النشر ، او المسابقات الأدبية ببساطتها آنذاك ، وغيرها من الجوانب التي تتيح ممارسة "الكتابة" او "القراءة" الا انها في الوقت نفسه خلقت ثقافة الاختلاف بصورة حضارية بين الشعراء ، فالكثير من الشعراء برغم المسافات بين محافظات السلطنة كانوا يلتقون بشكل دوري في منطقة معينة تحدد بينهم ، يتم خلالها النقاش حول القصيدة يختلف بعضهم مع بعض كثيرا ولكن في حدود "النص" ، ترتفع الاصوات في حدود "الأدب" ، ويغادرون مشكّلين حالة من النقد الذاتي وتبادل الأفكار والرؤى وقد لا يتفق احدهم مع المطروح في تلك اللقاءات لكنه ـ لاشك ـ يقدم الاحترام للأراء المطروحة في حينها وفيما بعد ، وبالتالي كان فعل النقد يُمارس بشكل لا إرادي ، وحينما بدأت ممارسته على الواقع من قبل بعض المهتمين من شعراء جيل ما قبل الألفية فلم يُمارس بطريقة فوضوية ولم يمارس بشخصنة لان الجو العام للساحة كان يتيح ممارسة "النقد" ببساطته وطبيعته.

فيصل بن سعيد العلوي


أعلى





يؤكد عنوان الإنتاج الأدبي أول لبنة تؤسس للعلاقة بين الكاتب وقارئه

عوض اللويهي لـ "أشرعة": الكتابة من غير مرجع وهم كبير مثلما هو الحملة الشرسة ضد ما يسمى قصيدة النثر

- المبدع لا بد أن يحمل في داخله ناقدا ضمنيا أو داخلياً
حوار ـ خميس السلطي :
يأتي الشاعر عوض اللويهي في مجموعته الأخيرة "المياه تخون البرك" بصور للحياة ، بدءا من انشغاله بفكرة الماء وما يصاحبها من تناقضات، مرورا بوجه القلق المتمثل في البحث الدءوب والخلاق عن القيم الجمالية والشعرية التي تحفظ ماء الشعر ولا تريقه على قارعة الثرثرة الفارغة، وحكايات أخرى لا حصر لها في حديث يمتد حيث نصوص شعرية متفردة، وفي حوارنا هذا حاولنا أن نكون أكثر قربا وأملا أن نخوض هذه التجربة وما سبقها .. ومع حديث متواصل ....

* في مجموعتك "كائنات الظهيرة" تشير إلى أن نصوصها كتبت بين 1998م و2005 ، في حين نجد أنك تشير إلى أن نصوص مجموعتك الثانية"المياه تخون البرك " قد كتبت بين 2006 و2012م. فمجموعتك الاولى صدرت في 2006 والثانية في 2013م لم كل هذه الفوارق الزمنية بين كل مجموعة ومجموعة هل هو رغبة منك في الانقطاع عن الطباعة او الابتعاد عن النشر؟ كما نراك تعزف عن المشاركات الأدبية والنشر في الصحف؟ لم تمنح نفسك كل هذه السنوات كي تصدر مجموعتين فقط بينما هناك من قد أصدر مجموعات أضعاف ما قد أصدرت في الإطار الزمني الذي حددته لمجموعاتك ونصوصك؟
** من الجيد أنك وصفت الانقطاع بأنه انقطاع عن النشر أو عن الطباعة بحسب عبارتك، ولكن هذا الانقطاع لم يتصل او لم يصل إلى الكتابة كممارسة يومية وكفعل إبداعي دائم. فليس بالضرورة كل ما يكتب ينشر. ثم أنني لا أرغب دائما بالنشر كثيرا في الصحف والدوريات الأدبية وغيرها من المواقع لكون أن عملية النشر تلك على أهميتها اعتبرها عملية آنية تنقضي وتذهب عكس عملك على إصدار متكامل. والسبب في هذا العزوف راجع إلى كون أن علاقتي مع نصوصي علاقة قلقة، لا أكاد أطمئن إلى أي صيغة نهائية لأي نص إلا بعد مراجعة ومعايشة وحوار متواصل مع النص، لا بد لي أن أتصادق مع نصي أو بالأحرى لا بد أن يكون النص بدرجة من الندية والقوة لإقامة صداقة معي. نشري للنص معناه أن النص قد أصبح قادرا على تحمل السفر الطويل والبعيد عني. هذا النص وإن بعد ونأى عني إلا أنه يظل يتواصل معي عبر مقدرته على إدهاش القارئ والعيش مع القارئ عبر علاقة تبادلية على الصعيد الجمالي والمعرفي.
الإصدار عملية معقدة على كافة الأصعدة. عندما أرغب في إصدار عمل يا ترى ما الجديد الذي سيحمله هذا العمل؟ هل هناك تجاوز للعمل أو الأعمال التي قبله؟ أي أفق يفتحه العمل الجديد؟
* هل نفهم منك أنك تمارس نقدا وتحكما قويا على نصوصك قبل نشرها؟
** على كل حال الإبداع والنقد هما وجهان للشيء ذاته، فالمبدع لا بد ان يحمل في داخله ناقدا ضمنيا او ناقدا داخلياً. ليس ناقدا بالمعنى الحرفي او بمعنى ممارسة الزجر والتقريع للذات. النقد الذي يمنح المبدع القدرة على تقييم المسار وفتح نوافذ جديدة وشرايين جديدة لرفد العملية الإبداعية. بالطبع عملية المراجعة والتمحيص هي جزء من الوعي النقدي للنهوض بأي مشروع إبداعي. والوعي النقد على كل حال لا ينبغي ان ينصب على ما يكتبه المبدع بل ينسحب على كل ما يخطر في ذهن المبدع وما يقرأه. فهذا الوعي هو القادر على بناء التراكم الفني كم انه يتحكم في مقدرة المبدع على وضع آلية التجاوز التي تميز كل مرحلة إبداعية عن غيرها. فبدون التجاوز تصبح كل عملية نشر هي عملية تكرار ودوار في فراغ عبثي. فالكتابة الإبداعية هي مشروع حياة لا يجب الاستهانة به.
* ما هو دور القارئ في عملية تطوير العملية الإبداعية؟
** إن كنت تقصد الدور المباشر والسطحي فربما يكون دور القارئ الاعجاب والاندهاش وتبادل هذه الرؤى مع المبدع. ولكن هناك قارئ يلعب دورا مهما وحيويا مثل الذي ذكرته في سؤالك. هذا القارئ الظل الملازم للمبدع الذي يطرح عليه الكاتب ما يبدعه ويتوقع من ردات الفعل. فهذا القارئ النموذجي والمتخيل هو الذي يلازمني في كل عملية مراجعة وتنقيح لكل نصوصي. هذا القارئ الذي يشد من عضدي وأشد من عضده في عملية التجاوز الإبداعي لكل مرحلة شعرية. الحوار الذي اتبادله مع القارئ النموذجي هو أحد السبل التي من خلالها أتمكن من قراءة تجربتي بشكل داخلي ومفيد حتى أقع في دائرة التكرار، هي عملية التعلم والاستفادة ذاتها من التجربة ذاتها.

عوالم المياه تخون البرك

* لنتحدث عن عنوان مجموعتك الشعرية الجديدة "المياه تخون البرك" دعنا نقترب من العنوان أكثر، كيف لك أن تحدثنا عنه؟ لماذا كل هذا التصور السلبي في نظرتك لخاصية الحياة؟
** المجموعة وعنوانها ملك للقارئ وليس لي من حديث حول المجموعة يمكن ان يضاف أكثر مما قد سبق وأن قلته فيها. جاء العنوان مجتزئا من أحد نصوص المجموعة وأرتأيت أن العنوان قريب من فضاء اشتغال المجموعة. كما أن العنوان يشي بالثيمة المركزية التي تدور نصوص المجموعة حولها، ما تشير إليه بالسلبي في نظرتي لخاصية الحياة فهذا ما تراه أنت في تلقيك لعنوان المجموعة وليس بالضرورة أن يحمل العنوان نظرة سلبية في معناه البعيد والعميق.
* هذا يحيلنا إلى أسلوبك في عنونة مجاميعك وعناوينك الداخلية في كل مجموعة؟هل الدافع إلى ذلك رغبتك في المغايرة؟
** لا شك ان العنوان يلعب دورا محوريا في كل عمل، فالعنوان حامل رئيس لمعنى العمل بشكل عام.ثم أن العنوان هو أول لبنة تؤسس للعلاقة بين الكاتب وقارئه. ف"كائنات الظهيرة" هو عنوان داخلي لنص داخل المجموعة في حين أن "المياه تخون البرك" هو عبارة عن جزء من مقطع شعري ضمن نص يحمل عنوانا يتقاطع دلاليا مع روح عنوان المجموعة. اختيار عنوان مناسب لأي عمل هو عملية صعبة فقد يكون العنوان آخر ما تضعه على المجموعة ولكنه أول ما يتفاعل معه القارئ.
* قبل الدخول لعوالم "المياه تخون البرك" دعني أتوقف قليلا عند الإهداء حيث إنك أهديت المجموعة إلى والدك، بينما نجد أنك قد عنونت أحد نصوص المجموعة ب "أنا وأبي" والمتأمل لفضاءات المجموعة يلاحظ كثافة حضور المرأة فيها أكثر من الرجل؟
** لا علاقة للمجموعة بكثافة الحضور أو بالأحرى هذا امر يمكن للقارئ والناقد ان يفصل فيه أكثر ولكن دعني أقول لك شيئا عن فكرة المجموعة. كنت مشغولا ولفترة بفكرة الماء والاشتغال على هذه الثيمة شعريا. كنت قد كتبت في نهاية 2005 وبداية 2006 بعض النصوص التي تحمل هذا الهاجس ولكنها لم تكن كثيرة وكنت مترددا بداية في تطوير هذا المسار. ولكن في بداية صيف 2006م كنت بصحبة سيدي الوالد إلى مزرعتنا في البلد وما ان دلفنا باب المزرعة وكنت خلف والدي حتى قال: البركة تخون الماء. ما قاله أثار دهشتي وشهيتي للقول، لقد كان ما قاله حافزا لي للمتابعة في مشروع المجموعة هذه. أذكر أنني كتبت يومها نص " خيانة الماء/خيانة البرك" ثم تتابع بحثي وتطويري لنصوص المجموعة. وفي الحقيقة لم تأت كل نصوص المجموعة مكرسة لثيمة الماء بل تنوعت في ثيماتها.
* بالعودة ثانية إلى "المياه تخون البرك" والتي ضمت بين دفتيها عددا من العناوين الشعرية التي تستوقف القارئ في مضامينها، نلاحظ نوعا من القلق غير الظاهر والصادم للمتلقي؟
** وأي نتاج إبداعي لم يبن على قلق. القلق والحيرة لا بد وان يلازما كل نتاج إبداعي. لكن هذه الملازمة لا تقتضي الصراخ والافتعال القلق الحقيقي هو ما يتمثل في البحث الدءوب والخلاق عن القيم الجمالية والشعرية التي تحفظ ماء الشعر ولا تريقه على قارعة الثرثرة الفارغة. في أي عمل إبداعي لا بد من أن تكون حركة صعود ونزول في توترات القول الشعري.
كما أن تنوع الثيمات والمعالجات يشير بطبيعة الحال إلى مدى الانشغال والانحياز الجمالي كما يدلل هذا التنوع على الرغبة الملحة في فتح أفق القول والممارسة الشعريتين على آفاق ومسارات جديدة. إنها ممارسة القلق وصياغته بهدوء. إنه معادلة الهدوء الخارجي والقلق الداخلي الموار بالأسئلة والحيرة هما يحفظ التجربة الشعرية من الانزلاق إلى مستنقع التكرار والانسياق وراء قطعان الرغي الفارغ.
* في مجموعتيك الشعريتين يلاحظ القارئ حضور البيئة العمانية عبر مفردات المكان والنبات وغيرها من التفاصيل التي قد لا تكون مفهومة بالنسبة للقارئ غير العماني؟ لما كل هذا الإصرار على تكريس هذه الحالة؟ أليس الشعر حالة إنسانية عامة؟
** حضور البيئة العمانية عبر مختلف تجلياتها أو لنقل حضور جماليات المكان العماني لا يأتي في النص ليلعب دور الحلية التنميقية أو البهرجة أو الإشارة السطحية إلى المكان. فالحضور لا يتمثل في ذكر السدرة أو النخلة بل إن الحضور ينفتح على مختلف المكونات. بل إن هذا الحضور يمتد إلى فضاءات ما خلفه الاسلاف من نتاج فكري. فكل هذه المكونات تلعب دورا مهما في الوعي بما تكنه هذه الأرض التي ولدنا عليها من عمق وغنى على كافة الأصعدة. التجربة الإبداعية العمانية لا بد ان تقيم حوارا حرا وخلاقا مع مختلف مكونات المكان العماني.
هذا الحضور ينزرع في عمق التجربة ومن داخل أعماق الوعي الذي كونني شعريا. فهذا الاحتفاء ببذخ المكان العماني هو ثمرة التفاعل والتأمل. المكان العماني مكان ينضح بالشعرية،وعلاقة بهذا المكان من المفترض ان تكون أكثر عمقا وتجذرا، لا نحتاج للحديث عن الصفصاف والسرو والسنديان، لدينا ما يكفي لكي نؤثث عوالم الشعرية الإبداعية بتفاصيل غاية في الغنى. التجربة الروحية للمكان العماني غنية وبحاجة أن نقيم معها حوار إبداعيا خلاقا. من الضرورة بمكان أن ننزل ونجلس مع هذا التفاصيل أن ندرسه ونتعمق فيه ومعه.
ما فائدة الأدب إن لم يستطع التعبير عن المكان الذي تتدحرج في الروح وتتمزق فيه وتتمرغ في ترابه وتتنفس هواءه. الخصوصية ليست مجرد شعار بل ينبغي إعادة خلقها من تفاصيل المكان وإعطائها بعدا إنسانيا عميقا. المكان العماني بمكنوناته ليس منبتا ولا منفصلا عن الإرث العالمي ولكنه في ذاته الوقت أين تمظهرت هذا التميز؟ هل تم شعرنة تلك الجماليات؟ هل تم تقديمها إلى العالم في صياغات ومعالجات قادرة على الصمود والتجذر في السياق العام للشعرية العربية والعالمية؟
نعم الشعر حالة عالمية ولكن المتأمل في هذه الحالة يلحظ انها تتكون من مختلف العناصر الفنية والجمالية التي لا تقف عند الآني والبهرجي. فالأدب الذي وظف مثلا في سبيل خدمة الشعارات الأيدلوجيات نسيته حتى الشعوب التي كتب لها، اما الجذر العميق والمتامس والمتقاطع مع توق الإنسانية للجمال فمازالت الشعوب تردد وتحتفظ به في ذاكرتها. الشعر النابع من العمق الواعي بل فتنة القول ليست في القول فقط. الشعر ليس بالونة مليئة بالهواء وقابلة للانفجار بل طاقة متجددة لا تفنى.
* هل تشكل هذه الجماليات هاجسا مهما لديك أثناء الكتابة؟
** لا بد ان تشكل هذه الجماليات هاجسا بل يجب أن تشغل فضاء مهما في التفكير،بل هي مصدر من مصادر غنى أي تجربة. كما أن هذه الجماليات لا تكف تتداخل معي في كل مرة في سبيل كتابة نص عماني بمعنى أن يحمل النص سمات المكان العماني. فالملاحظ ان هناك كثيرا من النصوص تتشابه حتى يكاد من الصعوبة بمكان التفريق بين نص وآخر. في المحصلة الختامية النص إن لم يكن يحمل رائحة المكان ونسمة هوائه تمظهرا وإحالة باطنا وظاهرا فما الهدف من القول والكتابة إذا؟
مع ضرورة التنبيه في ذات الوقت على أن المهم أن لا ننسى الوعي واليقظة للمنجز الإبداعي الشعري العالمي، أي أن يكون لأي تجربة إبداعية مرجعيات إبداعية، فالانفتاح على التجارب الابداعية يسهم بشكل متواصل ودائم في تغذية التجربة الكتابية. كما ان الانحياز لمرجعية جمالية بشكل دوغمائي يحجب عن المبدع الكثير من الآفاق الجمالية المتاحة بين يدينا لو أننا تنازلنا عن ترفعنا واستنكافنا عن المختلف عنا.

* أجدك هنا تشير إلى الدور المهم الذي تلعبه ثقافة الكاتب في صقل موهبته وفتح تجربته على ضفاف الابداع المختلفة؟
** بالضبط تلعب ثقافة الكاتب دورا مهما، الرغبة المستمرة في الانفتاح على التجارب الجمالية التي تحيط بنا سواء كانت في أي شكل من الأشكال المكتوب والمرئي منه. كما أن ثقافة الكاتب لا تقتصر على ما يتلقاه الكاتب فقط عبر القراءة أو الرؤية أو السماع بل إن ثقافة النقد والمساءلة هي من يساهم بشكل حقيقي في بناء تراكم ثقافي حقيقي. ما الفائدة في ان تكون نسخة أخرى من غيرك؟ هذا هو الهاجس الحقيقي الذي يجب أن يظل المهماز الذي يحفز المبدع للتغلب والخروج من طور إلى طور آخر، بناء التراكم المعرفي الذي يعزز في كل مرة التجربة الإبداعية التي لا يجب أن تتوقف عند أي محطة وأن لا تركن إلى ما تم إنجازه. مساءلة الذات واختبار أوهامها وانخداعتها وغرورها. تكسير الأوهام التي توهمنا بالكمال والوصول، يجب على المبدع أن يخربش المرايا التي توهمنا أن الصورة واضحة وجمالية ولا داعي للتجديد.
كما من المهم أيضا عدم ربط مصيرك الإبداعي بالاوهام الآنية لأية فكرة سواء كانت دينية أو سياسية او اجتماعية. ليس الأدب مطية لأحد الأدب قادر على الاشتمال على كل شيء وعلى أي فكرة ولكن هذا رهين بالكتابة وبأسئلتها الجارحة والقوية وليس مفروضا عليها من الخارج. الكتابة والإبداع فعل خالد ولا يجب أن يتلوث بالآني والعابر مهما كانت قدسية وجمالية ذلك الآني.
* المتتبع للمجموعة الثانية يرى إن ثمة علاقة وجدانية تربطك بأستراليا، فهناك تفاصيل متداخله وحكايات متواصلة أيضا، في تصورك الشخصي الذاتي ماذا أضافت استراليا التي كتبت بها عددا من قصائد مجموعتك الثانية لتجربتك ؟
** لعبت أستراليا دورا مهما بطبيعة الحال في مناح عدة ومن أبرزها الناحية المعرفية حيث حققت لي تجربة الدراسة في أستراليا حلما جميلا من أحلامي القديمة في السفر والعيش في فضاء مختلف ثقافيا ومكانيا. لقد وصلت إلى أستراليا في عام 2007 في منتصف يوليو وكان الطقس هناك شتاء وانا القادم من زمهرير الحر. زيادة على الفرق في التوقيت والمكان، محيط بيئي مختلف تماما. كانت تجربة أستراليا التجربة الأولى للعيش لفترة طويلة بعيد عن الأهل والمكان العماني.
المكان الاسترالي ساحر وغني ومتنوع على كافة الأصعدة، لقد اعطتني هذه التجربة الزاد المعرفي والفكري الذي كنت أبحث عنه، برغم ان تلك التجربة بكل مراراتها والظلم الذي جرته علي - والذي لا يمكن الحديث عنه هنا- تلك التجربة ساعدتني في توسعة التجربة الشعرية عندي وأغنت إبداعيا وإنسانيا وفكريا. المكان الاسترالي ساهم في مراجعتي لتجربتي الشعرية ومن خلال حضوري ومتابعتي للفعاليات الثقافية اتضح لي أن الكثير من الأوهام التي كنت احملها عن الثقافة كانت خاطئة وبحاجة إلى تكوين قناعات ورؤى جديدة. البعد يساهم في طرح الأسئلة الجديدة والمتعددة، كما يساعد في الرؤية التأمل العميق لمعنى المكان والانتماء والثقافة ومعنى أن تكون إنسانا يحس ويتفاعل مع المختلف والمغاير. أن ترى وطنك من البعيد وما يحدث فيه من مختلف الزوايا.
حضور المكان الاسترالي كان لا بد من أن يترك أثرا في نصوصي، حيث أنه أثناء إقامتي هناك كنت أحرص على المقارنة والتأمل والجدال مع الذات لفهم الجديد ومراجعة ما رسخ في الذهن من أوهام وتصورات عن العالم، كانت الروح تهيم مع اللافندر المزروع على مداخل البيوت، مع دراجات البريد التي تسرح في فضاء المكان، السحب التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، أسراب الببغاوات التي تسرح جو السماء، رعشة أرجاء البيت تحت هدير العواصف الرعدية.
* الكتابة الإبداعية دائما ما تمر بمحطات عديدة، وهذه طريقة يتخذها الأغلبية من الشعراء والكتاب على المستوى العام، فهم ينطلقون من مراحل تقليدية قد تكون أكثر شيوعا إن صح التعبير أو كما يقال من صور ذات انتشار واسع، ولكن هل من الطبيعي انطلاق الشاعر في كتابة قصيدة النثر بدون مرجعية كلاسيكية ؟
** أنا لا يعنيني الانتصار لأي شكل إبداعي ضد آخر فإن كانت مجموعتي الأولى والثانية تحتويان على عدد كبير مما قد يطلق عليه"قصيدة النثر" فهناك عدد كبير بهما من نصوص التفعيلة، وإن كان نشر أو كتابة قصائد عمودية دليل أو برهان ليتم الاعتراف بك كشاعر فأنا غير ملزم بتقديم ذلك الدليل، رغم أنني كتبت ومازلت أكتب قصائد عمودية لم أنشرها مثلما أكتب أشكالا إبداعية أخرى غير الشعر فذلك ما يدخل في ما أسميه بالورشة الكتابية والاسكتشات الابداعية الخاصة بي.
الكتابة من غير مرجع وهم كبير مثلما هو الحملة الشرسة ضد ما يسمى قصيدة النثر، من أراد البحث عن المرجعية فستعرف عليها من خلال النصوص أما مجرد الجدل السفسطائي فإنه لا يخدم ولا يفيد في شيء فالاولى الابتعاد عن مثل هذا العقم المعرفي والتركيز على اللب والجذر الخلاق في أي تجربة. أما الصراعات التي تثار حول الاشكال الإبداعية من حيث الأهمية وغيرها من الاسئلة فاعتقد ان التجارب الشعرية العربية بمختلف مشاربها قد تجاوزت مثل تلك الأسئلة والخصومات.
* مما يجب أن نؤكد عليه ويتفق عليه الأغلبية أيضا حضور الشعر الشعبي بصورة واسعة من خلال الفعاليات والمهرجانات المتعددة، تُرى لماذا تراجعت قصيدة النثر في المهرجانات والبرامج الفضائية وفي المقابل علا صوت القصيدة الشعبية؟
** ربما بإمكان القائمين على تلك الفعاليات الاجابة عن هذا السؤال بخصوص غياب أو تغييب قصيدة النثر. اما بخصوص القصيدة الشعبية فأود القول أنها فن استطاع الدفاع عن نفسه بكل قوة وشراسة وهذا يحسب لها وما الانجازات والفتوحات الجمالية التي حققتها إلا دليل على تلك القوة.
* حركة النقد في السلطنة بطيئة نوعا ما، وربما تكون غير ظاهرة في أحيان شتى، فالمتخصص في هذا الجانب قليل عدده، كيف تعامل النقد مع تجربتك الشعرية؟ هل تشعر بأنها حظيت بالاهتمام الكاف ؟
** لو انتظر حتى يأتي النقد والنقاد فسننتظر كثيرا طويلا فما علينا إلا ان نقول وعندما يأتي النقد سيجدون النصوص في انتظارهم. أنت تشفق عليها بقولك انها بطيئة إذا أنا أغبطك أنك تراها وانك ترى فيها حركة أو تسميها حركة. لدي ما يكفي من مشاغل تهمني أكثر من أن أنتظر النقاد الذين لا أعرف أين هم.
* في نهاية حديثنا هذا ماذا عن مشاريعك الكتابية المقبلة؟
** الكثير من الاشياء التي تستحق الانجاز تنتظرني، عمان تستحق كل الحب والتضحية والعطاء، ولكن ما ترانا فاعلون وكل شيء يحاصرنا العائلة والتزاماتها، الوظيفة، هناك الكثير من الكتب التي لم تقرأ والمدن التي لم تزر. الكثير من الجمال الذي لم تفتح عينك عليه. الكثير من القلوب التي طردتك تحاول العودة إليها والكثير من القلوب التي تشاكسها وتشاكسك. الكثير من اليوميات واللحظات التي تستحق التدوين. قصائد تهطل في كل مكان فتسرق بصرك إليك بعد البصيرة.
هناك مجموعة كبيرة من القصائد بحاجة إلى المراجعة والتنقيح، نصوص من اليوميات والمذكرات، قراءات ومراجعات، بعض الاشتغال على التراث العماني المخطوط. رغبات كثيرة للنشر أو إعادة النشر ولكن سيل الحياة الهادر متى تنعم علينا الحياة بطوف حجري نستقر عليه ويحملنا بعيدا عن ضوضاء الحياة ويحمينا من الغرق.

أعلى





من رواد الأدب العماني
(أبو معاذ.. مرشد بن محمد بن راشد الخصيبي) مؤسس المدرسة المرشدية (6 ـ 7)

أدب الرحلات وأراجيزه

نعود إليكم من جديد ضمن مكنونات المدرسة المرشدية ونستعرض اليوم باب أدب آخر زاخر بالمفردات والمعاني الجميلة وتوثيق جمالي للتطواف والتجوال داخل السلطنة وخارجها وهنا يتضح لنا باب عشق آخر لشاعرنا وهو حب السفر والترحال لعله يصيب شيئا من الفوائد الخمسة التي عددها الإمام الشافعي..ويكاد إنه زار جميع ولايات السلطنة يترنم حبا بما يشاهد ويرى ومما قاله في زيارته الأولى لمحافظة ظفار عام 1979م بعد حمد الله وشكره :
فتوجد المناطق الكثيرة من بينها المنطقة الشهيرة
أعني بها منطقة الجنوب (ظفار) ذات الموقع الخصيب
هذا وفي الزيارة المذكورة سرنا الى الأماكن المشهورة
من (عين أرزات) بدت كالنهر تجري و (جرزيز) كمثل البحر
وفيهما قد بدت الطبيعة ساكنة كأنها الوديعة
ويذكر في تطوافة المواقع والمزارات السياحية واريحية المكان الى أن قال:
تنتشر الحدائق الجليلة كما بها المزارع الجميلة
لا سيما أشجار جوز الهند وغيرها لم يتسع للعدِّ
قد خصها بجوها اللطيف سبحانه وفصلها الخريف
واختتم الأرجوزة بحمد الله على إنعامه والصلاة والسلام على النبي الأكرم ،ومن أراجيز الرحلات الداخلية ( رحلة الأصحاب إلى بلد الأحباب "سناو") قالها عام 1984م برفقة مجموعة من أخوانه بجهاز التربية الأسلامية بوزارة التربية والتعليم آنذاك.. ودائما الإستهلال بالحمد والثناء والصلاة على خير الخلق الى أن ذكر المقصد من الزيارة :
وبعد : فالمقام حقاً أوجبا تلبية الدعوة ممن طلبا
منيّ فيها ذكر تلك الرحلة إلى سناو من بلاد الدولة
إلى بلاد العلم بل والكرم والخير ما أجلها من نعم
وذكر بعد ذلك المشايخ والأصحاب الى أن قال:
ولم يفتنا أن نرى بعض القرى في هذه الرحلة هذا ما جرى
وبلدة ( العيون ) قد مررنا و (البرزمان) مثلها قد زرنا
الى أن استوقفه المطاف الى مقصد شيخ كريم متعه الله بتمام الصحة وتمام العافية وأجزل الله عليه الحسنى وقال في ذلك:
ثم بنا المسير قد وصل محلّة (المغدر) من غير مهل
حيث التقينا شيخ علم وعمل أعني حموداً ذلك الشهم الأجل
إبن حميد وهو بالصوّافي يعرف عند الكل غير خافي
أنعم به من رجل أنعم به يأنس حقا من يكون بقربه
سمت الملوك بل وهدي الأنبيا يُرى عليه ذاك وصف الأتقيا
في ذلك المعهد أفنى عمره لله يبغي بّرهُ وأجره
مربيا مدرّسا ومرشدا وناصحا وداعيا مسدّدا
متّعنا الله بطول عمره وزاده الله كذا من خيره
واختتم القول:
وها هنا بنا اليراع وقفا وما ذكرت باختصار قد كفى
إذ لم أكن أقصد للإطالة والقصد تعريف بذي المقالة
بتلكمو البلاد ما أطيبها من بلدة خالقها طيبها
وربنا نساله رجوعا الى سناو عاجلا سريعا
وفتي الختام للسلام أهدي جميع أهلينا بدون عدِّ
ومن رحلات الدول العربية رحلته الى بلاد المغرب العربي عام 1985م بصحبة أخيه وابن عمه عبدالله وبعد حمد الله ذكر يُسرَ السفر والتطواف:
وأصبح الإنسان في ذا العصر بفضل خالق الورى في يسر
يجوب أرض الله أين شاء يكاد لا يلقى بها عناء
وشملت جولتي المذكورة لدول كبيرة مشهورة
مصر أعني فخر كلِّ عربي وتونسا كذا بلاد المغرب
وذكر بشاشة شعب تونس وترحابهم بالضيف وإحترامهم له :
يحترم الشعب غريب الدار يلقى من الإجلال والإكبار
الى أن وصف الأكل وقال:
و(كسكس) الأكلة المشهورة عندهمو في أغلب المعمورة
وأخبر بعد ذلك عمّا رآه من مدن وقرى وآثارا عظيمة ولم يفوته زيارة جامع الزيتونة إحدى منارات العلم في العالم العربي والأسلامي لأكثر من ألف سنة وزار بعد ذلك سوسة والتي شبهها كالعروسة وذكر مما ذكر فيها حماماتها التي خصصت للراحة ولم يوصى قط بدخولها ولم نسأله عن السبب بعد ذلك عرج الى قرطاج وما أن أختتم الزيارة حتى قال:
من ذا يريد يا أخي استبدالا عن تونس الخضرا فع المقالا
ومن أراد أن يرى عيانا ما قلت سار ذلك المكانا
فالعين قيل ليس كالخيال في مثل يروى من الأمثال
بعد ذلك كانت محطة شاعرنا مملكة المغرب وهناك قال:
وإنها جميلة بحقّ أقول ذا عن واقع وصدق
فيها من المناظر الحسان ما قد تراه العين في الجنان
وأجرى الوصف لمدينة مدينة وما تتميز به من حسن منظر بديع وما تزخر به من حُل وحلل والشعراء لهم الوصف والعشق والهيام.
ويسجل أيضا رحلته الصحية الى الديار الهندية ومما قال:
وبعد فالحال دعا لأخبرا عن رحلة قمت بها مشمرا
لغرض الصحبة لابن عمي كذاك فالعلاج أيضا همي
وكانت الهند هي المنشودة في هذه الرحلة والمقصودة
وذكر العادات والتقاليد ومتناقضات وغرائب مما تكثر بالقارة الهندية أم العجائب كذا الديانات وإحتفالات الأعياد وعرج على كثرة الزحام والضجيج وطبعا ليس في عموم الهند فهناك المناظر الجميلة والطبعة البكر الخلابة وأختتم القول
وبعد أن تم الشفا رجعنا للوطن المحبوب قد قصدنا
إلى عمان موطن الأمجاد والبلد الطيب للعباد
وأجمل الرحلات وصفا رحلته الى الحج واسمى الأرجوزة ( الرحلة المؤسسة الى الديار المقدسة ) والتي سيطرت على مشاعره وهنا يسجل الأركان ويصف روعة المكان بعبقه وروحانيته تأملات ربانية لننظر ماذا قال في مكة
ومكة نحن وصلنا ليلا وقد حططنا إذ وصلنا الرحلا
فورا توجهنا الى البيت لكي نطوف للقدوم قبل كل شي
سبعة أشواط به طفنا كما يؤمر أن يفعل ذا من قدما
خلف المقام بعده صلينا ومن مياه زمزم شربنا
ثم ذهبنا للصفا لنسعى ما بينها ومروة ذا سبعا
وقد حللنا بعد أن قصرنا وإننا بذا قد اعتمرنا
ثم سجل النفرة الى منى والمبيت بها ليلة التاسع الى أن قال في صبحه
وفي صباح تاسع الحجة إذ قد طلعت شمس النهار حينئذ
ونحن في منى التي أقمنا بها إلى عرفة يّممنا
لنقف اليوم بها بطوله ونسأل الله الرضا من فضله
وقد بقينا طول ذاك اليوم تظلل الرحمة كل القوم
والناس بين شاكر وحامد وبين داع ربه وعابد
وبعد أن غاب نهار عرفة يصف السير الى مزدلفة وأفتراش الأرض والتحاف السماء والتقاط حصا الرمي وتتوالى المشاعر شعيرة شعيرة من هدي وحلق ورمي والتحلل وطواف الإفاضة وأكمال رمي الجمرات الى ان اختتم متضرعا لله
يا رب فاقبل صالح الأعمال منا وجد بالعفو ذا الجلال
واختم لنا بالخير يا رباه وأمنن علينا بالذي ترضاه
كثيرة هي أراجيز الرحلات وغيرها لا يخلو له ديوان شعر إلا نجد شيئا منها بالإضافة الى كتاب أسماه (( الملاذ لأراجيز أبي معاذ )) قال الشيخ الأديب هلال بن سالم بن حمود السيابي في كلمة التقديم ( أولع الأقدمون ببحر الرجز ، يسكنون إلى شواطئه الجميلة ، ويأنسون إلى سواحله...بل إنه في فترة – من فجر التاريخ العربي – كان معيار للموهبة الشعرية ومقياسا للملكة اللغوية.. وعلى هذا الأساس أسرف الأولون في الولوع بهذا البحر إسرافا إلى ان ذكر الشيخ هلال بأن بحر الرجز سيظل له الفضل الأكبر في تسجيل الكثير من المعارف والعلوم في العدد القليل من الأبيات سواء في التاريخ كما فعل ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد أو في علوم اللغة والنحو كما فعل الإمام ابن مالك في الألفية والكافية ، والسيوطي في عقود الجمان والخضري في جوهره المكنون والمحقق الخليلي في الفية الصرف ، أو في الأديان والأحكام كما فعل العلامة العاصمي من علماء الأندلس ، ومثله نور الدين في جوهره ، والشيخ خلفان بن جميل في سلكه ، الى غيرهم من الأئمة والأعلام..فإن أبا معاذ يعتبر من التابعين بإحسان لرعيل الأولين ليحفظ لنا ثروة لا تقدر بمال ، من مشاهداته ومعايشاته في نظم واضح السهولة بالغ اليسر ، خال من التعقد والتكلف) ذلك ما عهدنا به شاعرنا والى الملتقى بكم في آخر تطوافنا بالمدرسة المرشدية واصفاً لكم لحظة سقوط القلم فإلى الملتقى..

يا روعة المنظر ما أحسنه سبحان من صوره سبحانه

زهير بن هلال الخصيبي


أعلى





سيميائيات الأيديولوجيا في نصوص علي المعمري
ـ دراسة في إنتاجه القصصي

على سبيل التقديم
الأيديولوجيات1
على اعتبار أن "الإيديولوجيا بنية جوهرية أساسية بالنسبة للحياة التاريخية للمجتمعات ، وإن وجودها والاعتراف بضرورتها هما وحدهما اللذان يسمحان بالتأثير على الإيديولوجية "2 ، ولذلك فإن موضوعاتها تتنوع بتنوعاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية تعمل بوصفها محفزاً على الابداع النصي ليس باعتبارها أحد عناصر البنية الفوقية القابلة للانعكاس على الإنتاج الأدبي حسب بل بوصفها " نسقاً يستدعي تحديد مكوناته وآليات اشتغاله ، بهدف استنباط الغايات النهائية لمختلف الأشكال التواصلية"3
إن كلمة (إيديولوجيا)4 ليس لها في الأصل أهمية وجودية (Ontological) ، إذ أنها "لم تكن تحتوي على أي قرار بخصوص قيمة المجالات المختلفة في واقع الحياة ، لأنها في الأصل لا تدل إلاَّ على نظرية في الأفكار..."5، يرجع منشيء الإيديولوجيات الحديثة إلى العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدت تغيراً في المجتمع الصناعي بشكل عام . ذلك لأن نظام المجتمع تطور إلى أنظمة اجتماعية يمارس فيها الناس وظائف معينة بدرجات متفاوتة ، ولذلك فإنهم ينشغلون عن تبصر وإدراك الإطار الإجمالي لنشاطاتهم ، وعليه فإن التركيب الاجتماعي المنظم لا يكون هنا إنسانياً في الوجود الشخصاني للإنسان نفسه ، بل يغدو النظر إليه بوصفه جزء ضمن إطار وظائفي كبير ، بحيث تفقد الصفة الإنسانية الأصلية معناها ومغزاها بالنسبة لحياة هذا الإنسان .6
ولأن الإيديولوجيا علم الأفكار فإن تعريفاتها تتعدد بتعدد الفكر ومجالاته الإنسانية المختلفة ، فهي منظومة من الأفكار التي ترتبط بمجموعة من الأنساق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ولذلك فهي التبلور النظري لتلك الأنساق . إنها بهذا تقدم العلاقة المركبة بينها وبين الواقع من خلال محاولة تسويغه انطلاقاً من إنسانيته وتفاعلاته المتنوعة المعتمدة على التطور والتطلعات والآمال الإنسانية ، فهي تقدم للواقع الاجتماعي تلك الخارطة التنظيرية التي يمكن أن يسير عليها لبناء الوعي .
في كل مجتمع توجد أشكال ومستويات من العلاقات المعقدة متباينة بالإضافة إلى وجود أنشطة اقتصادية وسياسية وأشكال إيديولوجية (دين وأخلاق وفلسفة وغيرها) ، ولذلك فإن الإيديولوجيا ستشكل جزءاً مهماً في كل وحدة مجتمعية فـ " المجتمعات البشرية تفرز الإيديولوجية كما لو كانت هي العنصر والمناخ الضروريين لحياتها التاريخية "7، ويرى (ج باريون) أن الإيديولوجيات تمارس تأثيراً بالغاً في حقيقة العالم الواقعي ، ويأخذ استعمالها هذا التأثير بعين الاعتبار ، حين تستخدم الأيديولوجيات أداة في الصراع من أجل الاحتفاظ بمركز القوة أو موقع السلطة ضد أعداءها ومناوئيها . فالأيديولوجيا ترى عدوها في أتباع ومعتنقي الموقف المضاد8، ولذلك فإنها تمثل عامل استلاب لأنها تفرض على الإنسان رؤية معينة للواقع ، لأنها عامل تشييء ؛ ذلك لأنها " تميل إلى تخليد وضع الأمور القائم "9 ، وعليه فإنها تعمد إلى وضع مفاهيم بغية إضفاء صفة شرعية على تنظيراتها ، من ذلك أنها تميل إلى إثبات أن الحالة الاجتماعية الراهنة تتجاوب تمام التجاوب مع طبيعة الإنسانية ودعوتها وقدرتها ، وأن وضع الأمور الراهن يحقق تماماً ما تمناه الإنسان دوماً ، وهي تنطلق في ذلك من أن هناك حقائق قد اكتسبت إلى الأبد ولا يجوز الرجوع عنها .
إن مفهوم الأدلجة مزدوج فهو وصفي ونقدي في الوقت نفسه . يستلزم دائماً مستويين ، المستوى الذي تقف عنده الأدلجة حيث تظن أنها حقيقة مطابقة للواقع ، وهو المستوى الذي يقف عنده الباحث لوصف تلك الأدلجة بوفاء وأمانة ، والمستوى الثاني هو الذي يقف عنده الباحث عندما يحكم على الأدلجة أنها أدلوجة لا تعكس الواقع على وجهه الصحيح ، ولذلك فإن الأدلجة في معنى رؤية كونية فـ "إنها تحتوي على مجموعة من المقولات والأحكام حول الكون ، تستعمل في اجتماعات الثقافة لإدراك دور من أدوار التاريخ وتقود إلى فكر يحكم على كل ظاهرة إنسانية بالرجوع إلى التاريخ كقصد يتحقق عبر الزمن"10، ولذلك فإن الإيديولوجيا تتعلق بعلاقة المعاناة التي تربط الناس بعالمهم ، وهي علاقة التي لا تظهر (واعية) إلاَّ إذا كانت في أصل تشكلها غير واعية .
في مثل هذا البحث سيتم دراسة الإيديولوجيا من منظور ما يقدمه النص من تقييم لها في واقعها الاجتماعي والثقافي ونتائجها الإنسانية التي تظهر ضمن التفاعلات السردية للنص وترميزاته التي تقدم نتائج تلك الإيديولوجيات على تطور المجتمعات وتقدمها وتفاعلها معها ، بحسب ما تقدمه تلك الإيديولوجيات من سلطة على الإدراك وتوجيه ، بحيث يكون قادرة على أن متماسكة ومنطقية تنظيرياً وعملياً .
الأيديولوجيات من المجتمع إلى النص الأدبي
إذا كان النص – كما تعرِّفه كرستيفا – " بالضبط ما لا يمكن تفكيره من طرف نسق مفاهيمي يؤسس الوعي الراهن ، لأنه هو الذي يرسم حدود ذاك النسق"11، فإنه لذلك يتعين بوصفه جزءاً مهماً من موضوعات المعرفة السيميائية في مراجعة سجلاتها ونماذجها لإعادة صياغتها وإعطائها البعد التاريخي والاجتماعي الذي يشكلها ، ولذلك فإن النصَ أحدُ الأشكال المجسدة للعالم ، لأنه يحتوى عناصر تختفي دائما خلف الأشياء التي يرغب في إيصالها .
تسعى السيميائيات إلى تحديد خصوصية التنظيمات النصية المختلفة عبر موقعتها في النص العام (الثقافة) الذي تنتمي إليه وينتمي إليها ، وتطلق كرستيفا على تقاطع نظام نصي معين (ممارسة سيميائية معينة) مع الملفوظات (المقاطع) التي سيق عبْرها في فضائه أو التي يُحيل إليها في فضاء النصوص (الممارسات السيميائية) الخارجية اسم (الإيديولوجيم) الذي يعني " تلك الوظيفة للتداخل النصي التي يمكننا قراءتها (مادياً) على مختلف مستويات بناء كل نص تمتد على طول مساره مانحة إياه معطياته التاريخية والاجتماعية"12، من هنا فإن إدراك النص بوصفه إيديولوجيم يحدد منهجية السيميائيات التي تدرس النص كونه تداخل نصي ، تفكره في نص المجتمع والتاريخ ، بحيث يصبح النص جامع للبؤرة التي تستوعب داخلها العقلانية العارفة ، ليصبح النص ممارسة سيميائية يمكن أن نقرأ فيها مسارات مركبة لملفوظات عدة .
تقدم كرستيفا في كتابها (علم النص)13 رؤية للتحليل المقطعي القائم على رؤية مزدوجة للنص (الروائي خاصة) الذي يمثل بوصفه نصاً مغلقاً ـ مفتوحاً؛ فهو من ناحية حكي وظاهرة لسانية لها حدودها المرنة الخاصة التي تضعها الكتابة ، وهو من ناحية أخرى موضوع وإنتاج خطابي يعمل فيه الكلام على تكسير حدود الكتابة وفتح النص على الأسنن الإيديولوجية الاجتماعية والتاريخية . وهذا التحول من النص المغلق إلى المفتوح يتم بفعل التدخل الإيديولوجي الذي ينتقل بدوره من مرحلة الخمول إلى مرحلة التفعيل المنتجة .
ولذلك فإن الإيديولوجيا تتيح بوصفها نسقاً سيميائياً ضروريا لتحقيق المعنى وتحقيق التواصل ، مجموعة من الإمكانات باعتبارها انتقاء قيمياً، بحيث تشكل مقاربة جزئية ومنظوراً ظرفياً مرتبطاً بمجموع سياقاتها التداولية فهي تتيح تفسير تاريخية كل سيرورة تواصلية ، وتعتبر لذلك الأداة المفترضة لتحليل كل ظاهرة ثقافية والسير بها نحو إبراز مختلف علاقاتها القائمة على مجموعة من التسنينات والتعاقدات الاجتماعية القادرة على نقل الظاهرة الثقافية من دائرة المتخيل إلى دائرة الواقعي أو من مستواها الداخل إلى مستويات خارج سيميائية.
ولئن كان العالم الممكن هو " مجموعة من الأشياء المعبَّر عنها بمجموعة من المقترحات حيث يكون كل مقترح إما (أ) أو(لا أ) لذلك يتكون كل عالم من مجموعة من الأفراد المزودين بخصائص . وبما أن بعضا من هذه الخصائص أو المحمولات تمثل أفعالاً ، فإنه يمكن اعتبار العالم كمجرى من الأحداث . وبما أن المجرى من الأحداث لا يكون حالياً ولكن ممكناً فحسب ، فإنه يتعلق بمواقف ومقترحات شخص ما يثبته أو يعتقد به أو يحلم به أو يتوقعه "14، وعليه فإن العالم الممكن مجموعة من المقترحات التي تقدمها ذات بخصوص أشياء وأحداث النص ، لتنقل موقفها الذاتي من معتقداتها ورغباتها ، تستحضر الذات المتلقية ، في محاولتها لفهم عالم النص ، مكتسباتها الثقافية التي قد تختلف عن ثقافة الذات المنتجة . لذلك فإنها لا تلج إلى العالم الحقيقي للنص ، وإنما تنشيء عالماً يكون بمثابة مثال عن تحقق ممكن للعالم الأول . ومن ثم ، ينبغي النظر إلى العالم الممكن كبناء ثقافي يؤسس نفسه اطلاقاً من عالم النص ، ومن العالم الأكبر للموسوعة ،وقد يكون قابل للاختلاف عنهما ؛ من حيث أنه لا يمثل سوى نموذج تأويلي لهما ، وتحقق ممكن غير قادر على اختزال كافة التحققات .
وإذا كان إيكو قد عرَّف النص بأنه "نتاج يرتبط مصيره التأويلي (أو التعبيري) بآلية تكوينه ارتباطاً لازماً ؛ فأن يكوِّن المرء نصاً يعني أن يضع حيِّز الفعل استراتيجية ناجزة تأخذ اعتبارها توقعات حركة الآخر ..."15، فإننا هنا نقول بأن الواقع الممكن هو ذلك النص الذي يأخذ الكاتب من إيديولوجيته مادته التي يبدأ في هيلكتها بشكل نسقي في النص الأدبي لتشكل بنية إيديولوجية على مستوى الكفاية الموسوعية وتفعيلها نصياً بحيث تكون متداعية مع أقطاب متفاعلة مع التضمينات الأولانية ، ليشكل منها عوالم سردية قائمة على مدى معرفة الكاتب بالواقع ؛ فـ " العوالم السردية هي طفيليات داخل العالم الواقعي"16، ولذلك فإنه لا يوجد قانون يفرض على الكاتب عدد العناصر التخيليلة المقبولة ، ولذا فإنه سيجأ من خلال النص السردي إلى محاولة تصحيح المعارف الإيديولوجية للواقع ، أو تقديمها بأسلوب ساخر أو ناقد في محاولة للتأثير على القارئ من خلال عوالمه الممكنة التي سوف تفرض عليه مجموعة من التأويلات المتعلقة بموسوعته المعرفية . ومن جهة أخرى فإننا يمكن أن نعتبر أن كل ما يقوله النص السردي بشكل واضح يمكن أن يُنظر إليه ضمنياً باعتباره متطابقاً مع قوانين ووضعيات العالم الواقعي الاجتماعي والتاريخي ، ومن ذلك فإن الكاتب بوصفه قارئاً للواقع فهو مؤول له ؛ بحيث يظهر هذا التأويل في شكل نص سردي.
إيديولوجيات نصوص علي المعمري القصيرة
إننا إذن ننظر إلى إلإيديولوجيات التي يقدمها النص السردي باعتبارها مستمدة من إيديولوجيا العالم الواقعي من ناحية ، ومن تجربة الكاتب ومدى معرفته بهذا العالم من ناحية أخرى . فهو بذلك يقدم ترسيمات ثقافية موازية للواقع ، بحيث يصبح الواقع السردي افتراضاً يختاره القارئ وينحاز ضمنه إلى نسق قيمي معين . لذا فإن هذه البحث يقوم على دراسة وتحليل تلك الأفكار الإيديولوجية التي يقدمها النص السردي المعتمدة على تجربة كاتبه ومعرفته الموسوعية ، من خلال تحليل محوري سيميائية (القيمة الإيديولوجية) ، و(الذات المؤدلجة) متوسلين في ذلك بمجموعة (أسفار دملج الوهم) للكاتب العماني (علي المعمري) .
تقدم هذه المجموعة القصصية من مجموعات علي المعمري رؤية خاصة في تشكيل البنية الإيديولوجية لكل نص من نصوصها ، ولأن فعل الانتقاء يمثل مبدأ مؤسساً لكل نسق إيديولوجي ، فإن هذه المجموعة تتأسس على ذلك الانتقاء وتقوم على مجموعة من المفاهيم والأدوات الإجرائية القائمة على المبدأ نفسه ، الذي يجعلها بمثابة آليات محينة للاشتغال الإيديولوجي ، بحيث تتحدد بعض تلك المفاهيم والأدوات في التأويل والتناظر والتناص والتسنين . يتميز كل نص من نصوص هذه المجموعة بخصائص يميزها عن غيرها في اعتمادها على الانتقاء ، ومدى مساهمته في التحقق الإيديولوجي . وعليه سيظهر النص باعتباره مجرى من الأحداث تمثله تلك الاستراتيجية اللسانية الموجهة لفتح تأويل من طرف القارئ النموذجي (على حد اصطلاح بارت) ، بحيث يمثل هذا التأويل العالم الممكن الذي يبرز مع التفاعل التشاركي بينه وبين النص .
تحتوي هذه المجموعة القصصية على تسع قصص وسبع أسفار قصصية (إن جاز لنا التعبير) ؛ تتوسل بمجموعة من الاستراتيجيات اللسانية ، في تقديم العالم الممكن من خلال علاقة تصنفه باعتباره بناءً ثقافياً جزئياً من العالم الذي يعتبر بدوره جزءاً من العالم الواقعي الذي تحكمه الموسوعة ؛ فالكاتب في هذه المجموعة يوظف النصوص لمنظورات متعددة تتضافر جميعها لتشكيل شبكة المعاني التي تحيل عليها ، وتشكيل منظومة القيم الموازية لها ؛ فهي وإن كانت مجموعات قصصية لكل منها حكاية وأنساق وسنن إلاَّ أنها جميعاً تخضع لاستثمار إيديولوجي واضح ، بحيث يبني كل نص نسقه الدلالي عبر الوساطة الإيديولوجية التي تمنحه تلويناً ثقافياً خاصاً ليأتي النص الذي يليه لينتج نسقاً أو أنساقاً دلالية موازية ؛ ففي نص (ناقل الفيروز) الذي تحدثنا فيه الذات عن السفر والالتقاء مصادفة بمن ستحب ثم حدود الأمكنة الصحراء والمدن المكتظة بالبنايات . ستحدثنا تلك الذات عن عالم نصي يجمع بين الواقع والمتخيل في أدلجة تمثل تناقضات الواقع ومتغيراته من حيث الجمع والتعدد المعنوي الناتج عن تعدد الأنساق المتضافرة في تشكيل المعنى ، معتمداً على النسق الإيحائي الذي يُعتبر أنه طريق الولوج إلى ذلك التعدد المعنوي ، فمن خلال (ميثى) القادمة من عمق تلال بدية ، و(اميلدا أكينو) فتاة الأرخبيلات الأسيوية يقدم النص تعدداً على المستوى الأيديولوجي، بحيث يؤسس من خلالها ما يسميه إيكو (العقدة التعاضدية) التي تدفعنا بوصفنا قُراءً إلى تصور فرضيات مسبقة حول الفاعلين لنتمكن من التعرف إلى البنى الحكائية الخاصة بالنص .
بعدها سيطالعنا نص (سرحان الساحل) بذات تتعاضد إيديولوجياً مع الفكر المتعارض في تأويل ردود أفعال الذوات بين صديق (يحلم بالنساء ويتحدث عن النساء ، ويقول الشعر في النساء ويكره النساء أيضاً ؛ فشغله الشاغل النساء ...) ، وبين من (يرسم لنفسه دوائر ثم ينغلق داخلها وهو يمارس تعايشاتها اللحظية) ، وبين من (اختفاؤهم مثل عدمه . كم يطلق كبار السن على هذه الفئة "تفاق برزة") . فالنص هنا يكوِّن ظاهرة ثقافية على مستوى الممارسة الإنسانية، ولذلك فإن السياق والظروف الخارج سيميائية توجه النص بشكل حاسم نحو الإيديولوجيا التي تمثل جزءاً من خارج النص ، وبهذا فهي توجه عملية تحديد المعنى واختيار الأسنن المنظمة له ، ذلك لأن الإيديولوجيا تتجسد في (البنية الغائبة) التي تحاول الظهور عبر السنن والوسائط والتنظيمات ، لنجد النص في النهاية يؤسس لنظام رمزي تنتظم وفقه مجموعة من الأحداث التي ستشكل متواليات نصية تقوم على الانتقاء بوصفه إجراءً يحكم الفعل الإنساني ، وسيحدثنا النص عن دودة (تبلع أكثر من حجم بطنها) ، لتكون الذات (سرحان الساحل) المقتفي أثرها ، والقاتل الذي سيُكتشف أمره ويدخل في صراعات وإشكالات . كل ذلك يقدمه النص في سنن رمزية تكشف أدلجة اجتماعية وسياسية على المستوى السطحي ، وتكشف عن تأسيس قيمي على المستوى العميق .
وعلى المسار الحدثي نفسه سنجد أن نص (جمهورية ثغ) يتخذ النسق الرمزي (لبغل أسس منظمة ثورية بهدف تخليص البلاد من سيطرة الأحصنة وانتهاكاتهم لعِرض أمه وسلالة بقية إناث الحمير ...) ، إنها سنن تتأسس على الحدث ، من خلال ربطه بـ (عابرة السبيل الوثنية) التي ستقوم بثورة ضد (الاستحكامات التي قلبت الوادي رأساً على عقب) . هذا النص يعبر عن (الازدواج القيمي) الذي يقدمه خلال الحوار الذي يعينه في تأصيل أيديولوجيا القيمة بوصفه (أي الحوار) ذاتياً وتواصلياً ، فالذوات تعبر عن نفسها من ناحية ، ويُعبر عنها من ناحية أخرى إما بالحوار منفرداً وإما بتداخله مع السرد ، وهذا ما سنجده أيضاً في نص (مزعول الغريب) ؛ الذي سيعتمد على الحوار للوصول إلى تشكيل حدثاً متصلاً بغائية إيديولوجية (اجتماعياً) تتمثل في التحويل الذي سيرسو على تلك القيمة المؤدلجة للمدينة وسكانها ، لتكون الذات بين (مزعول الغريب) و(مزعول العزيب) الذي (يضع نفسه في قُن الدجاج ، ويُغلق القُن على نفسه بعد أن يكون قد هيَّأ الموسيقى وأطلق سراح الدجاج لتلتقط خارج أقنانها حبوباً...) ، وعلى الحوار الداخلي ستتأسس إيديولوجيا ذاتية في نص (مساء كانت التنازلات) ، وهو تصريح بأسنن تنقلنا من تأويل الذات إلى تأويل الجماعة على المستوى الإيديولوجي ، لتخرج الذات بوصفها راصدة لكل المتغيرات والتناقضات السننية من عالم النص إلى عالم الممكن من خلال نسق تؤسسه على مستوى المكان والزمان الجغرافيين ؛ فـ (الساحل) يمثل الفضاء الذي ينطلق منه النص في تأسيس عالم يربط بين الإنسان (الذات) والحيوان (الكلاب) في امتداد هذا المستوى الإيديولوجي .
هكذا سيتأسس فكر نص (مركز الهذيان) بين (فعل الهواء) و(فعل الدواء) في خطاب يعتمد على تراتبية الأنماط التناظرية التي يختارها النص ، فيتحذ نسقاً يماثل بين بعض التناظرات ويخالف بين أخرى حين يتمثل (فعل الهواء) بين عالم الفراشات غير الرؤيوي وبين خلع الضرس ، وبين الشغف بالفرشات والقوارير البيضاء التي (بها سائل يتمركز في بعض منها أسنان مخلوعة تشبه تضاريس الوطن العربي إلى أن يشيب الغراب أو ينقع الجبل) ، وسيتشكل النشاط الإيديولوجي في تقديم خطاباً يعتمد على النزوع نحو الكلية من الناحية السطحية ، ونحو الوحدة المبنية على الازدواج والتوفيق بين المختلف في تموقع مكاني هو (الفك السفلي) الذي سيكون (مخزناً لمسودات الضحك) و(خنادق حفرها سوس السرقات الليلية) و(تتحفز الأضراس في التباري لكسر جوز حملتها السفن) ، ثم سيقدم أدلجة رافضة لأحادية الرمز الذي تستبدله بترسيخ نظام العلامة المتميز بتعدده ولا اكتماله النظري ؛ فيقول (وكان أن جاء بعد الحصاد موسم الزفانه فابتاعوا من زوائد السعف أقناناً للدجاج لحمايتها من الثعالب التي تتكاثر في تلك المواسم ، حيث قسم من السكان يتثعلب نهاراً جهاراً إلى أن يشيب الغراب أو ينقع الجبل)، وسيستمر النص في سرد هذه الأدلجة من (مركز الهذيان) إلى (المرآة المتلبسة) في محاولة لعرض مجموعة من الأنساق الإيديولوجية التي تشتغل بوصفها تشكيلاً لمضمون دلالي ، سيما أن " إنتاج أثر دلالي ما (إيديولوجي) لا يعود إلى المدلول ككيان مكتف بذاته ، بل يعود إلى الصياغة التي تعطى له"17 .
أما نص (سوق الظلام) فسيتأسس على الذات (سعد الشتاء) التي تعتمد على التناظرات وتنويعاتها ، إلى جانب تلك الجزئية التي تحسم كافة التجليات التي تقدمها بوصفها أداة فاعلة لتحريك وتنشيط الإيديولوجيا ، يتميز هذا النص بقابلية التأقلم مع الرؤية التي يملكها عن العالم الذي يتعامل معه ، هكذا سنجد أن (سعد الشتاء) يقدم أنموذجاً للإنسان الذي يسعى لكسب العيش في مجالات عدة حتى (... يدلف في ضجيج غير ضجيج المدينة سينهار ليلياً ، ويبلعه سوق الظلام ، لابد من دفع الأتاوة إلى الزعيم (خصوب الزامط) حامي حمى سوق الظلام ومرعب العتالين) ، ذلك الإلحاح على النسق القيمي سنجده أيضاً في نص (دملج الوهم) الذي يتأسس على المونولوج الداخلي الذي يقدم الإيديولوجيا باعتبارها طبيعة تستدعيها الأنساق النفسية والوظيفية التي تنتج من خلال سنن الحدث نمطاً من التفاعل السيميائي في نظام العلامة ، فالذات هنا تنطلق من وساطة إيديولوجيا بين الواقع والعالم الممكن لتنتج أثراً معنوياً يستدعي تناظر التصديق مع قيمة الضمان المكانية والخطاب المنتج من قِبلها ، كل ذلك من أجل إنتاج خطاباً خاصاً عن الأثر المعنوي للحقائق المؤدلجة للواقع الذي ينتج في نسق (الأحلام التي نتداولها عن دملج الوهم) .
وعلى مثل ذلك المونولوج الداخلي سيكون خطاب نص (يسومونك سوء العذاب) الذي سنجده يعتمد على ما يسميه باختين (التعدد اللغوي) ليقدم نسقاً إيديولوجيا للوطن ، فيأخذ أبعاد محددة في فضاء التاريخ ، ليعرض أنساق الانتماء واللاإنتماء من خلال إقامة تقابل قيمي بين حالتي الانشطار والتقابل بين الحلم واليقظة لتكون الصورة (ثلاثة آلاف ليرة وفنجان قهوة وكأس ماء وصعلكة النظر مع امتداد شارع الحمراء . ودواب بشرية ومساكين العالم وجواسيس الآخرين ، أفواج "يا زلمة" تدخل من الخارج ويخرج بعضهم من رحم الشوارع ، يعرفون مكمن صلابة بلاط الشارع ، وبعضهم يعرف مكمن الضعف والقوة ، وبعضهم والعياذ بالله من حجر وأنت ماذا صانع بعد هذا . هل ستعود إلى وطنك لتشتري تابوتاً متحركاً حديث الصنع "أمريكاني" هذه هي الأيام التي تطابق موت جدك ، وبه ماتت مكتبة كبيرة بوطنك) .
ستستمر نصوص هذه المجموعة في سرد الأنساق الإيديولوجية عبر (أسفار) متعددة بدءاً من (أسفار خاصة وصغيرة) ، و(أسفار الشمس) ، و(أسفار ماركة جوين) ، و(أسفار القناع) ، و(أسفار عصفور كيني ميني) ، و(أسفار المرايا) ، وانتهاءً بـ (أسفار مدينته) ، لتعبر تلك الأنساق كلها عن حالات الانشطار والانتقادات والتحول والانتقال من نسق إلى آخر ، مركز على المدينة ، والتاريخ ، بين قيم الانتماء للمكان والماضي ، ليتشكل منها العلاقة بين الزمنين (الماضي والحاضر) وحالات من التوالي الطبيعي الذي ينتج ازدواجية القيم المنتظمة وفق سنن حدثي خاضع للنظام الانفعالي ، والمستند إلى إيديولوجيا الواقع .
سيميائية القيمة الإيدولوجية
إن التقابل بين المقاربات التكوينية التي تبحث في قواعد إنتاج المادة النصية باعتبارها تقبل الوصف بغض النظر عن التأثير الناتج عنها من ناحية والمقاربة التأويلية من ناحية ثانية ، لا يتطابق مع نمط آخر من التقابل . وهو يتشعب إلى ثلاثة أنواع "التأويل باعتباره بحثاً عن مقاصد المؤلف ، والتأويل باعتباره بحثاً عن مقاصد النص ، والتأويل باعتباره بحثاً عن مقاصد القارئ"18، ولذلك فإن الدعوة إلى حركية التفكير تتصل بشكل مباشر ببنية النص وكيفية تأويله من قبل القارئ .
تعتمد النظرية السيميائية على أنظمة القيمة " ... مرتبة على أساس منظور منهجي تولد الدلالة بالتماثل أو التباين"19، وعلى ذلك فإن (الغنى) يدلل بالتعارض مع (الفقر) ، لكن في مستوى التماثل يدلل مع (الوفرة) و(الغنى) ومصطلح علم القيم(axiology) خصص لأنظمة القيم التصريفية . وعليه فإن عالم القيم ينقسم إلى ؛ القيم المنظمة في شكل أنظمة ، وهي تلك التي تشمل قيم الأخلاق والدين وعلم الجمال ، والقيم المشحونة بنماذج تبدو بوصفها طاقات للعملية السيميائية . فـ " إذا قابلنا الحالة الأولى بالثانية نحصل على الإيديولوجية (في المعنى السيميائي الضيق لهذه الكلمة)"20
ولذلك فإن هذه القيم افتراضية ، لأنها تصدر عن التمفصل السيميائي للعالم الدلالي الجماعي ، وتنتمي إلى البنيات السيميائية العميقة ، يتبنى هذه القيم التي تشحن، فالنموذج الإيديولوجي فاعل فردي أو جماعي مكتسب لإرادة تمكنه من إثبات ذاته ولإرادة فعلية21 . ولذلك فإن الإيديولوجيا ترتبط بمستوى البنيات السيميائية السطحية ، وتتعرف كونها بنية فعلية تحيّن قيما تنتقيها داخل الأنظمة القيمية . وعليه فإن الإيديولوجيا تتبنى مجموعة من القيم ، وتُعنى بالبحث الدائم والمستمر عن القيم .
إن مصطلح الإيديولوجيا يستحدم لوصف الترتيب النظمي للقيم ؛ أي " تفعيلها في عملية السعي ، فالذوات ترغب في قيم تصبح أهدافاً للسعي ، وهذه القيم في حد ذاتها تكون جزءاً من الأنظمة البدهية ، واختيارها وإقامتها كأهداف – على أية حال- يعرِّف الإيديولوجيا ، وبمجرد تحقق السعي فإننا نتوقف عن الحديث عن الإيديولوجيا"22، وعليه فإن فكرة الإيديولوجيا تحتوي على سعي مستديم كما هو متمثل في البنية العاملية للخطاب ، وهذا ما نجده في نص (جمهورية ثغ) التي يطالعنا بشفرات ترميزية تحمل أصداء الواقع المجتمعي والتاريخي ، الذي يبدأ محايداً (بريئاً) ثم يتكثف تدريجياً ، بحيث تبرز فيه الشفرات على شكل ترسبات إيديولوجية .
فالنص يبدأ بحوار مرتبط بالزمن الماضي السردي في مجموعة من الأحداث التي تربط بينها روابط تبدو متماسكة ، ولا علاقة مباشرة بين أحداثها السردية ، يقوم هذا الزمن السردي في مكان ذي خصوصية معينة ، سيمثل سنناً إيديولوجية تتحكم في الحدث ؛ يقول :
" –أين أنت ؟
- في التنور .
- ماذا تصنع؟
- أبحث عن سلالتي التي انقطعت عنها زمناً...
- زمن .. لا أسمعك ؟
- زمن كانت تباع به عبوات المياه المعدنية بأسعار ألقاب العشائر.
- وما هو الغريب في ذلك ؟
- عبوات المياه المعدنية وليس أسعار الألقاب .
- أتعرف ما مصير من يكون في التنور ؟!
- لا أطيق نظام اللعبة .
- ..."23
إن الماضي السردي كم يقول (رولان بارت) " هو جزء من نظام طمأنينة الفنون الأدبية . ولكونه صورة نظام فإنه يؤلف أحد العقود الشكلية العديدة القائمة بين الكاتب والمجتمع ..."24. ولأنه كذلك فسيلجأ إلى السنن (code) التي تتجاوز في نمط وجودها النسخ المتحققة ، وهي تلك الأشكال التي لا تُدرك إلاَّ من خلال موقعها ضمن السلوك المتحقق والوجود المجرد بوصفها إمكانات للتحقق . هكذا سنجد أن الحوار الذي أقامه النص ، يتوكأ على نمط من الإيديولوجيات السيميائية التي تمتلك وجوداً قبلياً في شكل انتظار لدى المتلقي المقابل للذات في خطاب النص .
وانطلاقاً من أن السنن تستلزم في جميع الحالات "مفهوم المواضعة من ناحية ومفهوم الآلية التي تتحكم فيها قواعد "25 من ناحية أخرى ، فإن السنن هنا ستظهر باعتبارها آلية تسمح بالتحويل بين نظامين ، كونها وساطة بينهما ، هكذا ستظهر (السنن) وساطة بين (عبوات المياه المعدنية) و(أسعار الألقاب) لتشكل من هذه الوساطة تلك القيمة الإيديولوجية التي نبحث عنها .
إن الحوار الذي يقدمه لنا النص يتمركز في القيمة الاجتماعية الافتراضية التي تتوسط بين (عبوات المياة المعدنية) و(أسعار الألقاب) التي تفرض إطاراً مرجعياً ، يجعل من النص يختار سياقاته المكانية والزمانية بعناية شديدة ؛ ليكون المكان هو (التنور) والزمان هو ذلك الزمان السردي الماضي الذي يفرض إحالات عامة من الناحية السياقية . كل ذلك سينشأ عنه ما يسميه إيكو (الحكم الاحتمالي) ، وهو ذلك الحكم الذي سـ " يمثل رسم نظام أو محاولة مجازفة لرسم نظام من القواعد الدلالية تتخذ في ضوئها علامة ما دلالتها"26 ، هذا الحكم هو من سيقودنا إلى تأويل (القيمة) التي سنجدها في العلامات اللسانية التي نعتبرها هنا (مفاتيح) لواقعة كاملة في النص ففي :
" - من قال إنها لعبة حطب التنور من شجر السمر ، والسمر ينبت في السيح ذو بأس قوي يحتطبه الحاطبون ، ويدخره الشارون ، يشعلون النار فيه ثم أن النار تخلف جمراً ورماداً وأحياناً قبل الرماد فحماً ، وإذا أحرق الفحم تصبح الألقاب وعبوات المياه المعدنية رخيصة.
- ما هذه الهلوسة ؟ هل أنت في غرزة أم تنور !؟
- هلوسة .. غرزه .. ثم إن النصال التي بخاصرتي وظهري ، حمم التنور لم تصلها ، فكيف تسمح لي بالخروج من التنور؟"27
تمثل العلامات (التنور) ، وشجر (السمر) ، و(عبوات المياه المعدنية) مفاتيح للقيمة الافتراضية التي تتوسط السنن (فحم التنور ، وعبوات المياه) ، إنها سنن تولِّد حالة من التداعيات السردية التي لا يمكن تأويلها إلاَّ من خلال المرجعية الإيديولوجية ، ذلك لأن التناظر الدلالي مرهون بتحقق التناظر القيمي الذي سيتحدد بما هو ثقافي ، وسيُظهر مدة انفتاح النص على عالمه الواقعي والتاريخي ، بحيث يظهر الارتباط التعاقدي بين النسقي والثقافي بما يتضمن قيم (الإرغام والإجبار) الذين سيخفف من حدتهما وجود سنن (التحدي) جراء تقديم السياق (إن النصال التي بخاصرتي وظهري ، حمم التنور لم تصلها ، فكيف تسمح لي بالخروج من التنور؟) ، ومن خلال ذلك سنجد أن هيمنة قيم الإيديولوجيا ستشكل نسقاً ذا نظرة أحادية تنتج لنا عملية التحويل التي يقتضيها النص في انفتاحه على المحيط الثقافي وهيمنة الجهاز الإيديولوجي على هذا المحيط ، وعليه فإن السنن في هذا النص تقدم الممارسة الإنسانية بشكل مختزل في شكل وجودي فقوله :
" حطب التنور من شجر السمر ، والسمر ينبت في السيح ذو بأس قوي يحتطبه الحاطبون ، ويدخره الشارون يشعلون النار فيه ثم أن النار تخلف جمراً ورماداً وأحياناً قبل الرماد فحماً ، وإذا أحرق الفحم تصبح الألقاب وعبوات المياه المعدنية رخيصة."
يقدم ممارسة (طبيعة حطب التنور وجمعه وحرقه) في سنن إيديولوجي يشمل وحدات سياقية ناتجة عن انزياحات وتشظي على المستوى التأويلي ، بحيث تبدو هذه الوحدات خارجة عن سياقها الثقافي الواقعي إلى قيم معتمدة على نمط السلوك الثقافي ، ونمط إدراك النص لهذا السلوك ، وقياس درجة التطابق أو الانزياح بينه وبين الوحدات السياقية (القيمة) ، ويمكن تصور هذه الوحدات في الشكل الآتي :
إن الحكم الاحتمالي هنا سيقدم الوحدة السياقية (... إذا أحرق الفحم تصبح الألقاب وعبوات المياه المعدنية رخيصة) بوصفها علامة ذات دلالات متعددة من الناحية التأويلية . وهكذا سنجد أن النص سيعتمد على هذه العلامة/ الحكم في جعل تلك السنن تكشف عن نظاماً قيمياً أكثر تعقيداً ففي قوله:
" ... نحو التنور ، نحو عمود يعني يوماً ما أن هنالك قوارير ، وأن آخر (يتوكأ) على قنطار جمهورية الغث والبغال التي مازالت تنظر العقبات آخرها وأولها عقبة انتصارات (ثغ) وعابرات السبيل ، وقوقازي سكن رمال وهيبة بين يومين وليلة وكنت وحدي أسجل في بطاقة الحصول على بطاقة التنصل من هذا الوطن وجمهوريات البغال أو أنني بالكاد لا أعرف كيف ينطق الـ (ث) احتراماً للـ (غ) ووجهات المعابد، هذا هو الهذيان ، حاولوا قراءة النص بشكل مغاير عما هو عليه سترون فداحة الكتابة ..."28
حيث يظهر أن نظام السنن هنا ليسى معطى مباشر . إنه بناء نسقي تقوم الذات الفردية فيه بدور المؤسس ، التي تتحوَّل من كيان مستقل خارج النص إلى كيان متفاعل داخله . وهذا الكيان سيقدم الأنساق الدلالية التي أسست النص في شكل من التداعيات تشكل علامات تحيل على التجربة الواقعية من ناحية والتخيلية من ناحية أخرى ، لتكوِّن أنساقاً من القيم في بنية إدراكية وأخرى واقعية ؛ فالنص يقدم تمثيلاً لتناقضات الواقع ومتغيراته في أنه يسعى إلى القيمة من خلال عرض مجموعة من الأنساق المتضافرة دلالياً وسياقياً . وإذا كانت الكتابة كما يقول بارت "حقيقة مزدوجة ؛ فهي تنشأ لا ريب من لامجابهة بين الكاتب ومجتمعه ، هذا من جهة . ومن جهة ثانية تنشأ الكتابة من غائية اجتماعية ترمي بالكاتب كنوع من الترحيل المأساوي إلى المنابع الصناعية لإبداعه"29، ولذلك فإن الكاتب هنا يقدم مجموعة من الأنساق في سبيل الوصول إلى تلك المنابع وهي :
أولاً: (نحو التنور ، نحو عمود يعني يوماً ما أن هنالك قوارير)
مادة (تنور عمود) = وجود (قوارير)
بنية حكائية
ثانياً: (أن آخر (يتوكأ) على قنطار جمهورية الغث والبغال التي مازالت تنظر العقبات آخرها وأولها عقبة انتصارات (ثغ) وعابرات السبيل)
(تمثل لواقع خيال)
ثالثاً: (وقوقازي سكن رمال وهيبة بين يومين وليلة)
(عنصر مجتمعي ثقافي)
رابعاً: (وكنت وحدي أسجل في بطاقة الحصول على بطاقة التنصل من هذا الوطن)
(قوى التسنين)
خامساً: (وجمهوريات البغال أو أنني بالكاد لا أعرف كيف ينطق الـ (ث) احتراماً للـ (غ) ووجهات المعابد)
(نسق ثقافي)
سادساً : (هذا هو الهذيان ، حاولوا قراءة النص بشكل مغاير عما هو عليه سترون فداحة الكتابة)
(نسق توجيهي)
كل تلك الأنساق تشكل التسنينات الإيديولوجية والسردية التي تشتغل باعتبارها قيماً ناتجة عن القدرة على إعادة صياغة القيم وفق مقاييس جديدة أو ضمن أشكال جديدة أو انطلاقاً من رؤية فكرية أو وجدانية جديدة . ذلك لأن هذا النص يقدم سنناً تتحكم في عملية التلقي ، لأن محاولة فك رموز هذا التسنين تستوجب استحضار المعرفة التي تمت وفقها عملية التسنين ، وتستدعي منِّا الاعتماد على المعرفة السابقة وربطها بسنن النص .
إن البُنى الحكائية في هذا النص تتحدد بالعوالم الممكنة التي تفَعِّل تلك البنى في (قبل ، وأثناء ، وبعد) ، في تجريد للفاعلين من فرديتهم التي ظهرت في الحوار السابق من النص وأن يختزلهم إلى ما يسميه (إيكو) بـ (تعارضات فاعلية)30 ، وهي تلك التعارضات التي تتمثل في :
(فاعل – شيء، مساعد – معارض ، مُرسل – متلقٍّ)
وهي أدوار تنتظم في مجموعة الأحداث المشكلة للمتواليات النصية التي تستدعي العنصر الثقافي لتحديد مضمونها ، وتكريس استمرارية الفعل ؛ ففي :
"... يحكى أنه في حديث الزمان عابرة التقطت هذا الحوار لبغل أسس منظمة ثورية بهدف تخليص البلاد من سيطرة الأحصنة وانتهاكاتهم لعرض أمه وسلالة بقية إناث الحمير .فقرر أن يناضل مع الذين ولدوا سفاحاً ، وكان طريق الكفاح المسلح شاقاً وقاسياً بالنسبة لجنس البغال ، وخاصة أن العدو كان مسلحاً بجميع أنواع أسلحة الدمار الشامل ، وكذلك فإنه يمتلك أنواع التكنولوجيا ، وأن امبراطورية الخيول يهمها أن يسود العالم التوازن ، خاصة في مملكة الحيوانات ومسألة الاختراق الكوني . فقررت أن تعطي شبه استقلال للأقليات ومن ضمن هؤلاء فصيلة البغال الذين يولدون سفاحاً ، وأن يكون هذا الاستقلال الناقص مبطناً بشروط وتعهدات للجبهة ..."31
ينتظم الحدث هنا في ضمن التعارضات الفاعلية في :
(فاعل – شيء ، مساعد – معارض ، مُرسل – متلقٍّ)
البغل استقلال (الذين ولدوا سفاحاً) (الأحصنة) (عابرة السبيل) (القارئ)
كل تلك السنن تتعلق في الأصل بنظام لساني رمزي يشتغل بالتمركز حول موضوع النضال الإنساني وما يقدمه على المستوى الإيديولوجي الموالي أو المضاد ، بحيث تتجاوز هذه السنن الرمزية المجال الضيق للمعنى ليدل على كل العلاقات الت تتشابك قبل إنتاج المعنى ، فهو بذلك تمثيلية لواقع متعدد ، يحاول النص من خلال هذه السنن الاقتراب من وحدته .
ولأن ما يجعل الرمز يبدو بهذا الوصف هو "استعماله وفهمه على أنه كذلك"32، فإن الخطاب الذي سيقوم عليه النص هنا هو ذلك الخطاب اللساني المشتغل على إنتاج القيم ضمن صيغتي الغائب والمتكلم وهي استراتيجية تلفظية تقوم على تنظيم الحطاب بشكل يسمح للقارئ التأويل من ناحية ، ويبرز المؤلف – الفاعل من ناحية أخرى ، فالسرد الحكائي الذي يعمده النص يوجه الخطاب من فاعل التلفظ إلى القارئ وصولاً إلى القيم التي يريده النص ضمن ذلك الخطاب ، ولذلك فإننا سنجد أنه (أي النص) سيلجأ إلى الحكي والسرد القبْلي للتعاضد النصْيِّ لإقرار إيديولوجيا معينة عن طريق مجموعة من المعطيات الموسوعية ، يقول :
"... وكلمة الثغ هذه في قاموس البغال كلمة مقدسة ، وهي تبدأ في أول الترتيل بكتابهم المقدس ، وتكون بحروف بارزة على مداخل معابدهم ، وعادة ما تعلق على صدورهم لأغراض لا يعرفها سوى أبناء سلالتهم ، ولا يقسم بكلمة ثغ إلاَّ في الكبائر ، وإذا وجدت فهي بمثابة قدس الأقداس احترمتها بقية الأمم لما لها من مصداقية دولية يلتزم بها المنتمون إلى سلالة البغال ، ويعتزون بها أينما كانوا ، بيد أن فئة من هؤلاء البغال كان الاستقلال بالنسبة لهم أثقل الأوزار أحمالاً"33
هو إذن الجانب القصدي الظاهر على مستوى السطح ، أي " الدلالة الغيرية وتعبيرية ذلك التنضيد في (اللغة المشتركة) "34 ، لأن تركيب اللغة اللسانية والمحايد ليس من يتنضد ويتباين ، وإنما تلك النوايا المبعثرة الممتلئة بمضمون محدد وتتجسد وتتخصص ، بحيث تُشَّبع بقيم ناتجة عن إيديولوجيا تنتجها تلك السنن اللسانية والثقافية ، فيصبح لذلك (ثغ) رمز يحمل قيماً مؤدلجة ، ولذلك فهو (مقدس) ، ولأنه كذلك فسوف نجد أن هذه الأدلجة سوف تنشطر إلى قيم تنتجها الوساطة بين السنن والرمز ليكون (اللغز) وساطة ذلك الانشطار من الناحية الدلالية والإيديولوجية فـ :
" ... ذلك اللغز الذي ينهي حريات جمهوريات (ثغ) لتقلبها (غث) ، وما بينهما تنتحر آخر فقعات الأكسجين ، وينسف جسور المساحيق والغولة ..."35

المصادر والهوامش :

1 كلمة الإيديولوجيا دخيلة على جميع اللغات الحية ، تعني لغوياً في أصلها الفرنسي علم الأفكار ، لكنها لم تحتفظ بالمعنى الغوي ، إذ استعارها الألمان وضمنوها معنى آخر ، ثم رجعت إلى الفرنسية ، فأصبحت دخيلة حتى في لغتها الأصلية . ليس من الغريب في هذه الحالة أن يعجز الكتاب العرب عن ترجمتها بكيفية مرضية . إن العبارات التي تقابلها – منظومة فكرية ، عقيدة ، ذهنية ، إلخ – تشير فقط إلى معنى واحد من بين معانيها ... نقول أن الحزب الفلاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموع القيم الأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد . يكتسي هذا الحكم في استعمالنا الحالي صيغة إيجابية ، لأن الحزب الذي لا يملك أدلوجة هو في نظرنا حزب انتهازي ، ظرفي ، لا يهمه سوى استغلال النفوذ والسلطة . انظر العروي . عبد الله ،مفهوم الإيديولوجيا ،ط5. المركز الثقافي العربي، بيروت ، والدار البيضاء ، 1993م. ص 9.
2 سبيلا . محمد ، وعبد السلام بنعبد العالي ، الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية ، نصوص مختارة) ، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 2006م. ص9.
3 الصافي . حبيبة ، سيميائيات إيديولوجية . ألنا للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2011م. ص 8.
4 لقد كان أساس نظرية دي تراسي أن الفكر الإنساني ما هو إلاَّ عملية ناتجة من تحول الإحساسات ، إذ أنه كان يرى أن الحالات الأربع الرئيسة للسلوك الواعي عند الإنسان وهس الإدراك زالقدرة على الحكم والتمييز والإرادة ، ما هي في الواقع إلاَّ أشكال وتصنيفات مختلفة لإحساسات الإنسان . وقد امتدت هذه الأفكار المجردة إلى نظرة عامة لتفسير التاريخ والنظم الاجتماعية ، الأمر الذي جعل من هذه النظرية أساساً للنظريات السائدة في فرنسا من أواخر الثورة الفرنسية حتى جاء نابليون، واكتشف أن هذه الجماعة من الفلاسفة تعارض طموحاته الإمبراطورية ، فأطلق عليهم باحتقار اسم (الإيديولوجيين) . وبهذا اتخذت الكلمة معنى تحقيرياً ، شأنها في ذلك شأن كلمة (النظرية اللاعملي Doctrinaire) ، واحتفظت به حتى اليوم ...من هنا ، فإن كل فكر يُصنَّف تحت باب (الإيديولوجيا) يُعتبر فكراً عقيماً حين يصل الأمر إلى الممارسة الفعلية ، ويصبح النشاط العملي هو الطريق الوحيد الموثوق الذي يجب أن يسعى إليه لكي يوصلنا إلى الواقع ..." مانهايم . كارل ، الأيديولوجيا واليوتوبيا (مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة) ، ترجمة محمد رجا الديريني . شركة المكتبات الكويتية ، جامعة الكويت ، الكويت ، 1980م. ص 142-146.
1. استخدام كلمة (إيديولوجيا) مشتق من مدرسة فكرية في فلسفة القرن الثامن عشر الفرنسية ، أولئك الذين أطلقوا على أنفسهم تسمية (Ideologues) ، وهم دعاة نظرية في الأفكار . كانت فلسفتهم دلالية ، إذذهبوا إلى القول بأن لا علاقة للفسلفة بالأشياء والواقع ، وإنما علاقتها بالأفكار فقط . وإذا كانت هذه المدرسة الفكرية تتمتع ببقية من أهمية فربما جاءت من الاستخدام الازدرائي لكلمة (أييولوجيا) الذي بدأ تحديداً بافشارة إليها . انظر ، ريكور . بول ، محاضرات في الأيديولوجيا واليوتبيا ، ترجمة فلاح رحيم . الكتاب الجديد، بيروت ، 2002م . ص 50 .
2. "... المعنى الجزئي للفظة (الأيديولوجيا) يكون هو المقصود ضمناً عندما تدل الكلمة على أننا نتخذ موقفاً مشككاً تجاه الأفكار والتصورات التي يتقدم بها خصمنا ، إذ نعتبرها تمويهات واعية – بدرجات متفاوتة- تخفي الطبيعة الحقيقية لوضع لن يكون الاعتراف بحقيقته متفقاً مع مصالح هذا الخصم ... هذا التصور للإيديولوجيا الذي أصبح بالتدريج متميزاً عن المفهوم العادي للكذب هو تصور جزئي بمعانٍ متعددة . وتتضح جزئيته عندما نقارنه بالتصور الكلي الأكثر شمولاً للفظة الأيديولوجيا . فنحن في الحالة الأخيرة نشير إلى إيديولوجيا عصر ما أو إيديولوجيا جماعة تاريخية –اجتماعية محددة ، كإيديولوجية طبقة مثلاً ، عندما يكون هدفنا هو أن نوضح سمات وتركيب البناء الكلي لعقلية ذلك العصر أو هذه الجماعة ...(وهو) يرتد إلى الذات ، فرداً كانت أو جماعة ، ويسير نحو فهم ما يقال بطريقة تحليل الظروف الاجتماعية للفرد أو لجماعته . وهكذا تُعتبر الأفكار التي تعبر عنها الذات نتاجاً لوجودها . وهذا يعني أن الآراء والأقوال والقضايا والمذاهب لا تؤْخذ بمعناها الظاهري ، ولكنها تُفسَّر على ضوء الوضع الحياتي لمن يدلي بها . كذلك فإنه يعني أن الصفات الخاصة بالذات ووضعها الحياتي تؤثر على آرائها وإدراكاتها وتفسيراتها . وبناء عليه فإن هذين التصورين للإيديولوجيا كليهما ينظران إلى ما يسمى بـ (الأفكار) على أنه نتاج لمن يقول به ، ولوضعه في بيئيه الاجتماعية ... " انظر مانهايم . كارل ، الأيديولوجيا واليوتوبيا (مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة) ، ترجمة محمد رجا الديريني . شركة المكتبات الكويتية، جامعة الكويت ، الكويت ، 1980م. ص 129-130 .
3. للاستزادة في توضيح المعنى الجزئي والكلي للإيديولوجيا ، انظر سبيلا . محمد ، وعبد السلام بنعبد العالي ، الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية ، نصوص مختارة) ، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 2006م. ص 10-13 .
5 مانهايم . كارل ، الأيديولوجيا واليوتوبيا (مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة) ، ترجمة محمد رجا الديريني . شركة المكتبات الكويتية ، جامعة الكويت ، الكويت ، 1980م. ص 142.
6 انظر سبيلا . محمد ، وعبد السلام بنعبد العالي ، الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية ، نصوص مختارة) ، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 2006م. ص 14-15.
7 سبيلا . محمد ، وعبد السلام بنعبد العالي ، الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية ، نصوص مختارة) ، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 2006م. ص 8.
8 سبيلا. محمد ، وعبد السلام بنعبدالعالي . الحقيقة (دفاتر فلسفية) ،ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 2005م. ص 96.
9 سبيلا. محمد ، وعبد السلام بنعبدالعالي . الحقيقة (دفاتر فلسفية) ،ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 2005م. ص 101.
10 العروي . عبد الله ،مفهوم الإيديولوجيا ،ط5. المركز الثقافي العربي ، بيروت ، والدار البيضاء ، 1993م. ص 11-13.
11 كريستيفا . جوليا ، علم النص ، ترجمة فريد الزاهي، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 1997م. ص 19.
12 كريستيفا . جوليا ، علم النص ، ترجمة فريد الزاهي، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 1997م. ص 22.
13 كريستيفا . جوليا ، علم النص ، ترجمة فريد الزاهي، ط2 . دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، 1997م. ص 21-41 .
14 الصافي . حبيبة ، سيميائيات إيديولوجية . ألنا للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق ، 2011م. ص 91.
15 إيكو . أمبرتو ، القارئ في الحكاية (التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية) ، ترجمة أنطوان أبو زيد . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، الدار البيضاء، 1996م. ص 67.
16 إيكو . أمبرتو ، 6 نزهات في غابة السرد ، ترجمة سعيد بنكراد . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، الدار البيضاء ، 2005م . ص 136.
17 بنكراد . سعيد ، النص السردي ، نحو سيميائيات للإيديولوجيا . دار الأمان ، الرباط ، 1996م . ص27.
18 إيكو . أمبرتو ، حول سيميائيات التلقي ، حقول سيميائية ، ترجمة محمد التهامي العماري . منشورات مجموعة الباحثين الشباب في اللغة والآداب ، كليلة الآداب والعلوم الإنسانية ، مكناس ، 2007م. ص 94.
19 ماتن . برونوين ، وفليزيتاس رينجهام ، معجم مصطلحات السيميوطيقا ، ترجمة عابد خزندار . المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، 2008م. ص 106.
20 بن مالك . رشيد ، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص . دار الحكمة ، الجزائر ، 2000م. ص 89.
21 انظر بن مالك . رشيد ، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص . دار الحكمة ، الجزائر ، 2000م. ص 88-89.
22 ماتن . برونوين ، وفليزيتاس رينجهام ، معجم مصطلحات السيميوطيقا ، ترجمة عابد خزندار . المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، 2008م. ص 106.
23 المعمري . علي . أسفار دملج الوهم (جمهورية ثغ) . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1997م. ص 33.
24 بارت . رولان ، الكتابة في درجة الصفر ، ترجمة محمد نديم . مركز الإنماء الحضاري ، ب ب ، 2002م. ص42 .
25 إيكو . أمبرتو . السيميائية وفلسفة اللغة ، ترجمة أحمد الصمعي . مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2005م . ص 458.
26 إيكو . أمبرتو . السيميائية وفلسفة اللغة ، ترجمة أحمد الصمعي . مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2005م . ص 97.
27 المعمري . علي . أسفار دملج الوهم (جمهورية ثغ) . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1997م. ص 33.
28 المعمري . علي . أسفار دملج الوهم (جمهورية ثغ) . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1997م. ص 37.
29 بارت . رولان ، الكتابة في درجة الصفر ، ترجمة محمد نديم . مركز الإنماء الحضاري ، ب ب ، 2002م. ص24.
30 إيكو . أمبرتو ، القارئ في الحكاية (التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية) ، ترجمة أنطوان أبو زيد . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، الدار البيضاء، 1996م. ص 231.
31 المعمري . علي . أسفار دملج الوهم (جمهورية ثغ) . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1997م. ص 34.
32 تشاندلر . دانيال ، أسس السيميائية ، ترجمة طلال وهبه . مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2008م. ص 84.
33 المعمري . علي . أسفار دملج الوهم (جمهورية ثغ) . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1997م. ص 34.
34 باختين . ميخائيل ، الحطاب الروائي ، ترجمة محمد برادة . رؤية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2009م . ص 106.
35 المعمري . علي . أسفار دملج الوهم (جمهورية ثغ) . المركز الثقافي العربي ، بيروت ، 1997م. ص 36.


د.عائشة الدرمكية

أعلى





من وحي السفر
4 باغية باريس إلى حواضر أوروبا

إن هذه الرحله باتت تسير في مراحلها الآخيرة والتي أخذت مني زهاء (75) يوما متحفا عيناي في المسارات السابقة نحو مشاهد آسره تدهش الألباب من شدة جمالها وقد قطعت فيها عدة مراحل بدأ من باريس إلى باقي ممالك وحواضر أوروبا كأمستردام بهولندا مرور بكولن الألمانية وإلى باقي المدن الألمانية، ومنها إلى بروكسل ببلجيكا وتبعتها بعد ذلك إلى دوقية لوكسمبوج وأغادرها هي الآخرى إلى باريس، مرتحلا بعد ذلك بالحافلات إلى جنوى الإيطالية ومدريد الأسبانية حتى بلغت إلى مشارف المدن السويسرية المتاخمة للمدن الفرنسية والتي سألج إليها مستكملا رحلى بعد ذلك إلى دولة (ليخشتاين) والنمسا، بالإضافة إلى استحضاري لفكر الرحله من بدايتها إلى نهايتها بعد ما جمعت وألفت مشاهد ومسالك هذه الديار والتي لن توقف المغامر والرحال عن إكتشافها حيث كنت أدون أحداثيتها على مذكرات وقصاصات والتي تبعثرت مني هنا وهناك حتى إذا ما عدت إلى أرض الوطن لملمت بعضها وطبعتها على حاسوبي بتمامها وكمالها ، وذلك خوفا من إنحسارها من ذاكرتي، فأحمد الله إني وثقتها بحذافيرها بعد ما إنتهيت من تحريرها، ولعمري ما حييت إنها رحلة متعبه وشائقه في نفس الوقت.

مومبلييه الفرنسية إلى المدن السويسرية:
بعد عودتي من (جنوى) الأيطالية و(مدريد) الأسبانية بعد رحلة بالحافلات عدت بعدها أدراجي إلى الجنوب في (مومبيليه) وفي طريق العودة نحو الجنوب الفرنسي تعرضت لموقف عصيب حيث حدث ما لم أتوقعه وذلك عندما تعرضت للتفتيش والمسآلة نتيجة إشتباه والبحث عن أحدهم قبل أن يتم الإفراج عني بعد تحقيق يوما كاملا، بعدها عدت نحو استكال رحلاتي حيث زرت المدن المتاخمة لجبال الألب حيث إن هذه الجبال ترتبط بعضها البعض مع المدن السويسرية والنمساوية والإيطالية واليوغسسلافيه، لذلك عزمت زيارة المدن السويسرية الواقعة في الشريط الفرنسي وكذلك المدن الفرنسية الواقعة في الشريط السويسري وهي عبارة عن كانتينات من المدن وأثناء تجوالي تلقيت دعوة من زملاء الدراسة وهم سويسريين بزيارتهم بعد ما علموا إني أقوم بطواف إلى عددا من الديار الأوروبية وهي فرصة سانحة نحو زيارتهم، لذلك لبيت الدعوة في ذلك وليس للكريم أن يأبي الكرامة.
عندها استقليت قطارا من إحدى المحطات والتي كانت تعج بالمغادرين والقادمين كحال المطارات وبها من كل الأجناس والأطياف ناهيك عن نقالي الأمتعة فيما القبلات تنم عن مفارقة الأهل والأصحاب والحبيب لحبيبته، كنت أنظر على محيا العاملين بالمحطة إبتسامة ترحيب ملقيا لهم باللغة السويسرية بقولي مساء الخير (جوتن البين Gotem Alben ) كانت إنطلاقتي عن طريق القطار (تي جي في) سار القطار بسرعته المعهوده ومن شدة الإرهاق الذي لازمني سقطت في جبة النوم ولم أصحو من غفوتي إلا عن طريق صوت المذيع الداخلي للقطار، كان النوم قد أخذ يتلاشى من عيني ّفيما رأيت ما تبقى من إخضرار الريف السويسري، وعلى سير القطار كنا نحن الركاب عيونا شاخصة وقلوب خافقة في هذا المسار من سير القطار ، بعدها بدأت تتوالى هضاب جميلة وأراضي فسيحة من الأراضي السويسرية، حيث يصح لها أن تحمل لقب أكثر الأماكن رومانسية بالعالم كنت ما زلت استرق النظر من النافذه حيث الخيول والأبقار ترعى في مرعاها، لكن أقول الحق في هذا السير من مسار طريق القطار من الإخضرار لم يتسنى لي رؤوية أيا من المزارع الناتجة لكل ما هو يأكل ولم أعرف السر في ذلك حيث كنت أمتع وأسرر نفسي بكل المناظر.
عندها بلغت العاصمة (زيوريخ ) بعد ما مررت على بلدة (غريندلفولد) ملتقيا كلا من (أندرييه، سامويل، وباسكال) وغيرهم من الزملاء وهم من زمالة اللغة الفرنسية عندما كنا ندرسها في الغرب الفرنسي حيث قاموا بواجب الضيافة فقد زرت بمعيتهم (لوزان ، خور، جنيف) وغيرها من المدن ناهيك عن ممارستي هوايتي المحببة إلى قلبي وهي المشي في أحضان الطبيعة الجبلية فقد ملئت عيني وروحي من مشاهد الجبال والسهول السويسرية والبيوت المتناثرة فوق هذه المرتفعات الجبلية، إن هذه الجبال لفحتني بنسمات الهواء العليل من على هذه المرتفعات، هذه الجبال التي استودعها الخالق فهي كالجنان المعلقة، تلك الجنان ما كانت عيناي من أن تشبع من مرآها بعد ما تآلفت عناصر الطبيعة مشكلة شكلا كونيا جميلا من في هذه البقعة ، كانت البيوت والمزارع المتناثرة في تلك الجبال مازالت تحتفظ بجمالها الآخاذ وأناقتها الساحرة، لقد سلكت طريقا يتلوى في خواصر تلك الجبال بين غابات الصنوبر حيث الأرض بكل ثقلها باتت تتشبث بجذور وجذوع تلك الأشجار حتى لا يتفارق فيها القويان وترتج الجبال، ومن خلال المشي من على هذه المرتفعات استمتعت من خلالها بزرقة السماء ونقاء النسيم فهي علاج للإنسان من خلال الحواس كشم رائحة التربة ناهيك عن ألوان الزهريات والشجيرات الجبلية مكتشفا في جسدي طاقة من الشحن وقد تدفقت إلى جسمي.
كما بلغت إلى منطقة قمم جبال الألب الثلجية ذات العوالم المهيبة بين فرنسا وسويسرا والنمسا مكتشفا ما هو أروع الأمكنة التي رأتها عيني َ من شدة الجمال وهي آية من الإبداع حيث أصبت بإندهاش لجمال وسحر منطقة القمم الجبلية المشعة بالبياض الثلجي، كما إن من الصعب على المرء أن يصف تلك المناظر واللوحات الجميلة الناصعة البياض.
هذه الجبال الناصعة البياض وبدكنتها البيضاء الساحرة وبعد ما تبددت كتل من الثلج منها على أغصان الأشجار كأنها طيور بيضاء بحجم الإنسان، لقد شدتني برهبتها ووقارها وجلالها، كنت ألتقط الصور تباعا الواحدة تلو الآخرى، أن ترى الثلج وتلمسه فذلك شيئا آخر حيث إن للطبيعة سلطانها على بني الإنسان، كنت شارد الذهن نحو هذه الثلوج والأشجار بعينين تلفهما حرقة الوداع، كنت أودع جمال الطبيعة الثلجية بكل تجلياتها.

سويسرا إلى النمسا ودولة ليخشاين:
بعد ذلك زرت دولة (ليخشتاين) هي متاخمة للمدن الفرنسية ولا تبعد كثير ا ويمكن الوصول إليها عن طريق وسائل النقل الآخرى غير القطار، بعد ذلك واصلت رحلتي بإتجاه المدن النمساوية دون أن أبلغ عاصمتها (فيينا) حيث أخذت بالتجوال بين غابات مرتفعاتها االجبلية العملاقة وشلالاتها الرقراقة ناهيك عن المروج الخضراء وقد أتيحت لي رؤوية ومشاهدة بعض الحيوانات كالطيور والسناجب والبحيرات المائية.
وعند عودتي إلى عاصمة النور باريس أقمت في دور الشباب لأيام معدودة متنقلا ما بين باريس ومدينة بريست الساحلية والواقعة في الغرب الفرنسي حيث زرت أغلب العائلات الفرنسية والتي اقمت معها خلال دراستي وزياراتي السابقة، وفي (باريس) قمت بزيارة مسيو (جون لوك) و مسيو (ماكسيم) ومسيو (بييج) ومدام (جاكلين) وهو من قدامى المعارف، كما إنه عندي عند وصولي العاصمة الباريسية صادف ذلك أن إنشلت حركة القطارت بسبب المظاهرات التي عمت عموم أوروبا مما عاق من تاريخ عودتي إلى أرض الوطن حتى عادت الحياه لها كما كانت.
إن رحلتي هذه والتي استخدمت فيها وسائل نقل مختلفة في تنقلاتي فهي بسيطة ومريحة كالترام والمترو والقطار والسيارات والحافلات أخذا كثيرمن المسببات نحو عدم التنقل بالطائرات، كما إني طفت بكم نحو غزليات حواضر وممالك أوروبا وهي واحدة من ضمن سلاسل الأسفار التي أقوم بها في أرجاء المعمورة وذلك بين الفينة والآخرى مسهبا في الوقت نفسه ما رأته عيناي من مشاهدات ومسالك لطرقات خطرة بعض الشيء والتي لن توقف الرحال عن اكتشافها، فأحمد الله بأن رحلتي هذه وجميع رحلاتي التي قمت بها إني وثقتها بحذافيرها والتي أخذت مني وقتا كي استذكرها ومنها ما دونتها في وقتها على قصاصات ورقية منها ما وجدتها بعد ما تبعثرت بين حاجياتي، لكن ذلك لن يوقف الرحال، أخذا الزحف نحو ومواصلا الزحف في ذلك نحو البحث وإخراج تلك القصاصات من خزائن أدراجي والعمل على إبرازها للعامة نحو قراءتها حيث إن هذه الرحلات والأسفار لا تستحق منا مصير من الإهمال، لذلك كرست وقتي أن يكن ما اقدمه عملا ذي فائدة لمحبي الإطلاع والقراءة والتي سوف تكون في نظري شيئا جميلا ونافعا سوف يرتجى منه ذو فائدة عظيمة عند محبي هذا النوع من السفر.


خالد العنقودي


أعلى





تاريخيات .. العلاقات بين القوى الدولية في منطقة الخليج
صراع المصالح بين الإنجليز والهولنديين ( 2 )

الصراع على البصرة:
على أثر طرد كنيبهاوزن من البصرة بأمر من السلطات العثمانية، بسبب علاقاته السيئة بتجارها بدأ يعد نفسه للرحيل إلى باتافيا، حيث المفر الرئيسي لشركة الهند الشرقية الهولندية، وخلال مروره في الخليج العربي جذبت جزيرة خرج انتباهه. إذ إن موقع تلك الجزيرة الصغيرة عند مدخل الخليج، وعلى مقربة من البصرة يمكن أن يتخذها الهولنديون مركزاً للتحكم في تجارة الخليج ونقطة وثوب على البحرين أو البصرة أو غيرها من المواقع الأخرى على الشاطئ الغربي للخليج.
واستطاع كنيبهاوزن بعد إقناع المسؤولين في باتافيا أن يعد أسطولاً كبيراً تمكن بواسطته من الاستيلاء على تلك الجزيرة في عام 1753م، وكان واضحاً أنه لا يهدف فقط إلى مجرد تأسيس مقر تجاري لشركته، وإنما كان يهدف إلى انشاء مستوطنه هولندية تجارية بها، ولذلك عمل على انشاء قلعة كبيرة لحمايتها، وأحل بها حامية عسكرية من الزنوج للتغلب على طبيعتها الجرداء وقسوة مناخها، ولعل ذلك مما أثار قلق ممثلي شركة الهند الشرقية الإنجليزية في البصرة، في أن تتعرض الجزيرة البحرية أو غيرها من جزر الخليج الأخرى إلى نفس المصير الذي تعرضت له جزيرة خرج، وقد أوردت تقارير الوكالات الإنجليزية في الخليج أن الهولنديين كانوا يعملون على طرد السكان العرب من الجزيرة، وإحلال من هم أكثر ولاء لهم، ومن ذلك محاولة كنيبهاوزن إغراء مسيحي البصرة على الإقامة بها، ووعده الفقراء منهم بمساعدات مالية تمكنهم من الاستقرار.
ومع ذلك فإن الضربة القوية التي تلقاها الهولنديون في جزيرة خرج لم تأت من قبل القوى الأوروبية المنافسة لهم، وإنما تلقوا تلك الضربة من السكان العرب الذين يقطنون تلك الجزيرة، والذين عرفوا بامتلاكهم السفن وتفوقهم في شؤون الملاحة في الخليج. حقيقة أن الشيخ نصر حاكم بوشهر كان قد قبل التنازل عن جزيرة خرج التي تقع في دائرة نفوذه إلى الهولنديين مقابل جزية سنوية يدفعونها له، إلا أن الهولنديين ما كادوا يسيطرون عليها حتى أهملوا دفع الجزية السنوية، وأخذوا بمن استجلبوهم من عناصر سكانية يمارسون الغوص على اللؤلؤ، وغير ذلك من الأعمال التي قطعت على العرب موارد رزقهم، وكاد ذلك دافعاً لقيام مقاومة عربية ضد الوجود الهولندي في تلك الجزيرة، تصدر لزعامتها الشيخ مهنا بن نصر، أو كما اشتهر بلقب مير مهنا، وتميز بضرباته الصارمة التي أخذ يوجهها ضد الإنجليز في بند ريق وضد الهولنديين في جزيرة خرج. ومما يذكر أن الإنجليز كانوا قد نجحوا في تأسيس مستعمرة لهم في بندر ريق الواقعة على مقربة من جزيرة خرج في عام 1755م، بهدف الحفاظ على مصالحهم التجارية في الخليج والوقوف ضد الهولنديين في حالة قيامهم بأي توسع آخر في جزر وموانئ الخليج الأخرى. ولا شك أن ازدياد العمليات التي كان يقوم بها مير مهنا أدت إلى خروج الإنجليز من بندر ريق وإجلاء الهولنديين عن جزيرة خرج بعد ذلك بعدة سنوات، وعلى وجه التحديد في عام 1765م، حيث عاد إليها سكانها الأصليون.
ومما يستلفت النظر أن العمليات التي كان يقوم بها مير مهنا دفعت القوى المناهضة له إلى توحيد جهودها للتخلص من نشاطه، وخاصة أنه أثار قلق العثمانيين والفرس بمطالبه على عربستان، كما أثار قلق الإنجليز في سيطرته على الملاحة في الخليج مما دفعهم إلى توقيع اتفاقية مع كريم خان الزندي في عام 1767م، كانت تنص على مساعدة الإنجليز لفارس في التخلص من نفوذه مقابل استيلاء الإنجليز على جزيرة خرج. ورغم التحالف الذي كان بين الإنجليز والفرس، إلا أن مير مهنا تمكن من إفشال هجوم إنجليزي فارسي مشترك قاموا به ضده.
وإن كان سوء الحظ لم يلبث أن واكبه حينما دب الشقاق بينه وبين أفراد أسرته، وقام أتباعه بالخروج عليه، مما اضطره للفرار إلى البصرة، فما كان من السلطات العثمانية هناك إلا أن قبضت عليه ودق عنقه بأمر من باشا بغداد، كما بادرت فارس بالاستيلاء على جزيرة خرج.
المقيميات التجارية:
والأمر الذي لا شك فيه أن انهيار النفوذ الهولندي في الخليج في عام 1765م وانتهاء حرب السنوات السبع قبل ذلك بعامين، وعلى وجه التحديد في عام 1763م، مكن بريطانيا من معاودة تثبيت نفوذها في الخليج، وساعدها على ذلك أن فارس أخذت تتخلص من الاضطرابات والفوضى التي كانت تجتاحها، والتي كانت تؤثر على التجارة الإنجليزية، وذلك على أثر نجاح كريم خان الزندي في تدعيم سلطته، مما أتاح للإنجليز في عام 1763م إقامة مقيمية تابعة لهم في بوشهر، وانشاء تلك المقيمية يمكن أن نصل إلى مرحلة جديدة من مراحل تطور النفوذ البريطاني في الخليج، والتي يمكن أن نطلق عليها مرحلة بوشهر التي استمرت قاعدة للنفوذ البريطاني السياسي في الخليج العربي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أو على وجه التحديد حتى عام 1946م حين انتقلت منها إلى البحرين، ويرتبط انشاء المقيمية البريطانية في بوشهر بالنشاط السياسي الذي قام به المستر اندرو برايس الذي أوفدته حكومة بومباي إلى بوشهر، وتمكن بعد وصوله إلى هناك أن يعقد اتفاقية مع الشيخ سعدون حاكم الميناء، وافق الأخير بمقتضاها على منح الإنجليز قطعة أرض لانشاء حديقة ومقبرة خاصة بهم، وأذن للإنجليز باستخدام أعلامهم الخاصة وإعفائهم من الجمارك، على أن أهم ما نصت عليه الاتفاقية ألا يكون لأية شركة أخرى الحق في انشاء وكالة أو أي مركز لها في بوشهر، كما نصت الشروط المكملة لتلك الاتفاقية على حق الإنجليز في الاحتفاظ بحامية عسكرية لحماية دار إقامتهم.
ومما يذكر أن كريم خان الزندي صادق على تلك الاتفاقية التي كانت نموذجاً للتنازلات التي منحت للإنجليز في المقاطعات الفارسية الأخرى، أو بمعنى آخر أصبحت اتفاقية برايس مع الشيخ سعدون أساساً لجميع المعاهدات والامتيازات التي استحوذ عليها الإنجليز في فارس، والتي كانت تشبه من وجوه كثيرة الامتيازات التي كان يتمتع بها الأوروبيون في الولايات العثمانية، وإن تميزت بمنحها المزيد من التسهيلات التجارية للإنجليز، وتأكد ذلك بفرمان أصدره كريم خان الزندي الذي نص على منح الإنجليز الحق في إقامة مقيميات تابعة لهم في جميع الأراضي الفارسية، انطلاقاً من تقديره وصداقته للأمة الإنجليزية.
ومما تجدر الإشارة إليه، أنه منذ عام 1763م أصبح ميناء بوشهر المركز الرئيسي الأول للتمثيل الإنجليزي في منطقة الخليج العربي، وكان هذا التمثيل يتخذ في البداية طابعاً تجارياً، ثم تطور بعد ذلك لكي يتخذ طابعاً سياسياً، ثم أصبحت له إلى جانب ذلك سلطة عسكرية إلى إمارات الخليج العربي.
وكان تأسيس المقيمية البريطانية في بوشهر يواكب من الناحية التاريخية نهاية حرب السنوات السبع في عام 1763م، ومن المعروف أن هذه الحرب أنهت حقبة من التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا في الوطن العربي بدول الخليج وخارجه.
كانت فرنسا قد دخلت ميدان التوسع في بحار الشرق من عام 1664م، حين أسست شركة الهند الشرقية الفرنسية، بمبادرة من وزير ماليتها كوليبرت Colbert.

محمد بن حمد الشعيلي
اكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة



أعلى





جائزة الآغاخان للعمارة في عقدها الرابع

مع إعلان لجنة التحكيم العليا لجائزة الآغا خان للعمارة القائمة القصيرة للمشاريع المرشحة للحصول على الجائزة في دورتها الحالية لعام 2013، ينفتح الباب مجددا لمراجعة وتأمل هذه المشاريع في إطار أهداف الجائزة والمحتوى الفكري الذي تشير له دلالات هذا الترشيح والفوز المحتمل لخمسة أو ستة مشاريع منها. فقد درجت العادة منذ إنطلاق الجائزة قبل حوالي خمسة وثلاثين عاما أن تتقدم مجموعة كبيرة من المشاريع التي تعنى بتطوير وتنظيم وتحسين الواقع الحسي والفكري الفلسفي للبيئة المبنية في العالم الإسلامي وبدعم مباشر من سمو الآغاخان, حيث يرى أن هذه الرعاية من مؤسسة الآغاخان واجب شرعي إسلامي على الأفراد والجهات القادرة للنهوض بواقع العالم الإسلامي وتحسينه وتطويره. وانطلاقا من هذه الرؤية الخيّرة, فقد ترجم ذلك لواقع عملي شهدته مناطق متباينة ومتباعدة على امتداد الرقعة الجغرافية للعالم العربي والإسلامي. وعلى مدى ما يقارب الأربعة عقود فقد فاز بالجائزة التي تمنح في دورات ثلاثية مجموعات كبيرة من المعماريين والمخططين والجهات التي تعني بتطوير البيئة المبنية والعمرانية وشؤون التصميم الحضري والحفاظ المعماري والإسكان وتطوير البنية التحتية, فضلا عن تخصيص جوائز لرموز معمارية, كجائزة الرئيس, التي فاز بها المعماري المصري الراحل "حسن فتحي" والمعماري العراقي "رفعت جادرجي" ومؤخرا في دورة عام 2010 فاز بها الأكاديمي والمنظّر الأمريكي "اولج غرابار" قبل رحيله بأشهر.
وفضلا عن قيام مؤسسة الجائزة من خلال مديرها السيد فروخ درخشاني, والقائمين على متابعة ورعاية الجائزة على مدار العام والدورة الثلاثية, فهناك مجموعات من الباحثين والأكاديميين المتعاونين مع هذه المؤسسة للتنسيق والتقييم الفكري وعلى المواقع المختلفة في أرجاء عالم عربي وإسلامي متقلب سياسيا, وفي أوضاع ربما تتسم بقلة الأمن أحيانا وبخاصة في مناطق النزاع. ومع توجه الجائزة مؤخرا لمنح التقدير لمشاريع ذات قيمة اعتبارية ومعنوية, فقد فتح ذلك الباب أمام أنماط جديدة من المشاريع المتواضعة شكلا والغنية مضمونا, في محتوى جغرافي متنوع ومتغير ومتفاوت من حيث القالب السياسي والإجتماعي والعسكري والأمني والوظيفي. وقد تأسست جائزة الآغا خان للعمارة من قبل سمو الآغا خان عام 1977، بهدف تحديد وتشجيع مفاهيم البناء التي تعالج بنجاح حاجات وتطلّعات المجتمعات التي يكون للمسلمين حضور مهم فيها. وتركز الجائزة على نماذج من التميز المعماري في مجالات التصميم المعاصر، والإسكان الاجتماعي، وتحسين وتنمية المجتمعات، والحفاظ على المواقع التاريخية، والحفاظ على المنطقة وإعادة استخدامها، بالإضافة إلى تصميم المناظر الطبيعية وتحسين البيئة. وتدير جائزة الآغا خان للعمارة لجنة توجيهية يرأسها صاحب السمو الآغا خان، وتضم اللجنة التوجيهية الحالية كل من سمو الآغا خان، رئيساً, ومحمد الأسد، مؤسس ورئيس، مركز دراسات البيئة المبنية، عمان، الأردن, وهومي ك. بابا، مدير مركز الدراسات الإنسانية، جامعة هارفارد، الولايات المتحدة الأمريكية, ونورمان فوستر، مؤسس ورئيس، فوستر وشركاه، لندن، المملكة المتحدة, وعمر عبد العزيز حلاج، معماري، دمشق، سورية, وغل?ن لوري، مدير متحف الفن الحديث، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية, وراهول مهروترا، مدير، معماريو ار.ام.آ.، مومباي الهند, ومحسن مصطفوي، عميد كلية الدراسات العليا للتصميم، جامعة هارفارد، الولايات المتحدة الأمريكية, وفرشيد موسوي، مؤسس، شركة فرشيد موسوي للعمارة، لندن، المملكة المتحدة, وهان تومرتكين، مدير، معمارلارتساريم دانيشمانليك المحدودة، اسطنبول، تركيا, والسيد فرّخ درخشاني، مدير الجائزة.
ويتم اختيار المشاريع الفائزة بالجائزة من قبل لجنة تحكيم مستقلة يتم تعيينها من قبل اللجنة التوجيهية للجائزة لكل دورة كل ثلاث سنوات. تاليا أسماء الأعضاء التسعة للجنة تحكيم جائزة الآغا خان عن دورة 2010 – 2013: السيد دايفيد اجايي، المسؤول عن اجايي وشركاه، لندن، المملكة المتحدة, والدكتورة هويدا الحارثي، بروفسور، شعبة الهندسة المعمارية والتصميم، الجامعة الأمريكية في بيروت، لبنان, والسيد م?شل ديفيني، مهندس معماري متخصص في المناظر، والمؤسس لوكالة ميشل ديفيني، باريس، فرنساو والبروفسور محمود معمداني، بروفسور ومدير تنفيذي، معهد ماكيريري للأبحاث الاجتماعية، وانديجيا، أوغندة, والسيد كامل ميريكان، المصمم المسؤول ورئيس مجلس الإدارة، مجموعة الشراكة في التصميم، كوالا لامبور، ماليزيا, والبروفسور توشيكو موري، المسؤول عن توشيكو موري للعمارة، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية, والآنسة شازيه سكاندر، فنانة، مدينة نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية, والسيد مراد تابانليوغلو، معماري، ومؤسس تابانليوغلو للمعماريين، اسطنبول، تركيا, والسيد وانغ شو، معماري ومؤسس ستوديو أماتيور للعمارة، هانزو، الصين. ويمكن الاطلاع على السيرة الذاتية لأعضاء لجنة التحكيم العليا من خلال الرابط التالي: http://www.akdn.org/architecture/jury.asp
ومن اللافت أنه في هذه الدورة الأخيرة تراوحت قائمة المشاريع العشرين المرشحة للحصول على الجائزة، التي تبلغ قيمتها مليون دولار أمريكي، بين المجمعات والأبنية السكنية الحديثة الشاهقة، إلى تقنيات إعادة إحياء الأبنية التاريخية، والجسور. وتقع المشاريع التي تم ترشيحها للقائمة القصيرة في أفغانستان، والنمسا، والصين، والهند، وأندونيسيا، وإيران، ولبنان، وماليزيا، والمغرب، وفلسطين، وراوندا، وجنوب أفريقيا، وسريلانكا، والسودان، وسورية، واليمن. وتختلف جائزة الآغا خان للعمارة من حيث توجهها واهتماماتها عن الكثيرمن جوائز العمارة في العالم، فهي تختار المشاريع التي لا تبرز قدراً كبيراً من التميز في العمارة فحسب، بل وتعمل على تحسين نوعية الحياة بشكل عام. وتتراوح هذه المشاريع من المدارس المبنية من الطين المبتكر وأخشاب البامبو، إلى الأبنية الحديثة الشاهقة التي تعكس قمة الإبتكار المعماري والصديقة للبيئة. منذ انطلاق الجائزة قبل 36 عاما، حصل أكثر من 100 مشروع على جائزة الآغا خان للعمارة، بينما تم توثيق أكثر من 7500 مشروع معماري آخر.
وقد تضمنت القائمة القصيرة مجموعة من المدارس في أفغانستان ورواندا وسوريا. ومقبرة اسلامية في النمسا, ومتحفا للحرف اليدوية الورقية في الصين. كما تضمن العديد من مشاريع إعادة التأهيل وشمل قلعة في راجستان الهند, وإعادة تأهيل سوق في ايران, وإعادة تأهيل منازل كيريندا بعد كارثة تسونامي في تيساماهاراما، سريلانكا. وفي مجالات الترميم والحفاظ المعماري ترشح حصن باليمن, ومشروع المحافظة على الواحات المقدسة في المغرب, وإعادة إحياء المركز التاريخي لبيرزيت في فلسطين, ومشروع إعادة بناء مخيم نهر البارد للاجئين في لبنان. وقرية واي ريبو، جزيرة فلورس، اندونيسيا, والشقة رقم 1، محلات، ايران. وجسر الحسن الثاني، الرباط، المغرب, وأكاديمية لكرة القدم في المغرب, ومركز للترجمة في جنوب أفريقيا, ومستشفيات في السودان, ومعهد للأفلام والرسوم المتحركة, وعمارة في تايلند.
وبمعرض نوعية المشاريع المرشحة للفوز والتي تم إدراجها في القائمة القصيرة فقد اختارت لجنة التحكيم العليا، التي تضم عدداً من أبرز المعماريين، نماذج مثيرة في هذا الدورة تعكس, بشكل أو بآخر, قضية مركزية بالنسبة للجائزة، وهي تأثير الأبنية والفضاءات العامة على نوعية الحياة. ورغم أن هذا يبدو التيار السائد, إلا أن جائزة الآغا خان للعمارة بدأت تتحدث حول موضوعي "العامل البشري" و"الاستدامة" منذ تأسيسها في عام 1977." وتقوم حاليا مجموعة مختارة من المعماريين، والمخططين الحضريين، والمهندسين بإجراء مراجعة فنية لمشاريع القائمة القصيرة المرشحة للجائزة. وسوف يتم تقديم نتائج المراجعات، التي تؤكد على تأثير هذه المشاريع على نوعية الحياة وتميزها المعماري، في حزيران/ يونيو من هذا العام للجنة التحكيم العليا، لإجراء المزيد من التقييم الدقيق. وبعد ذلك سوف يتم اختيار خمسة او ستة مشاريع نهائية للفوز بالجائزة، والإعلان عنها في حفل سيقام في أيلول/ سبتمبر من هذا العام 2013. وتتوفر صور مشاريع القائمة القصيرة متوفرة على الرابط: www.akdn.org/architecture/ كما يمكن مشاهدة الأفلام الخاصة بالمشاريع العشرين المرشحة للجائزة وكذلك الإعلان عن المشاريع المرشحة من خلال خدمات European Broadcasting Union’s World Feed and World Link
من اللافت أن هناك الكثير من المشاريع المهمة التي تنتظر التقدير الذي تستحقه في إطار جهود فردية ومؤسسية وحكومية في مجال الحفاظ على التراث العمراني المبني والمعنوي, وهذه تأتي في إطار ترميم وتوثيق وإعادة تأهيل البنية التحتية الثقافية والإجتماعية للموروث العمراني وفي أطر تنمية سياحية وبيئية. لكن مثل هذه المشاريع تحتاج لأن يتم الوعي بها من قبل مؤسسات الحفاظ العالمية وأن تقع تحت وعي مؤسسة الآغاخان بما يعنيه الحصول على مثل هذه الجائزة العالمية الرفيعة من دعم وتقدير لجهود القائمين على هذه المشروعات المهمة؟ وفي هذا الإطار تأتي جهود وزارة التراث والثقافة العمانية في توثيق وتطوير وتسجيل وترميم الحارات التقليدية في سلطنة عمان, وهي مشروعات تستحق ترشيحها للجائزة في دورات قادمة.

د. وليد أحمد السيد

أعلى





زوايا العشق (3)

(من منا لا يحب طيبة ؟!، حبها سيكون القاسم المشترك لحب كل امرأة سيعلق في قلوبنا ، إنها رائحة العطر الطيبة ، إنها طيبة )
يوسف بن خلفان

هذا ما قصده "عبيد " تماما عندما قال
- في أول مرة ستبدأ الهذيان مع نفسك ، حتى تتهيأ أن جميع الناس يشبهونك . ثم تصبح تشبه المكان الرابض حولك .
الحكايات هنا لا تبدأ "بعلي السايح " فقط وان كانت تلتصق به ، إن بداياتها لها رؤوس كثيرة ، أحيانا نجدها معلقة بإحكام على أغصان الأشجار كما يلتصق الصمغ بها .وأحيانا تكون مخبأة بين مناقير الطيور دون أن نراه نحن من نسكن على الأرض ، طوال أعوام نظل نخمن أن نهايات الحكايات ستنزل على هيئة سرب من الطيور و أن كل طائر سيختار شخصا منا ليكمل له حكاية كانت تؤرقه منذ صغره وستفضح أسرارا كبيرة كانت معرفتها مستحيلة في ذلك الوقت .
مرت كل تلك السنوات ثقيلة ومتعبة ، ولم ينزل علينا من السماء إلا فضلات الطيور ، وعندما أخبرت "عبيد " أن الطيور لا تهبط على الأرض إلا لتموت ، قلب بصره في السماء ساعة ، ثم صرخ من الألم الذي نتج من تيبس رقبته وقال إن طائره عنيد ولكنه سينزل ذات يوم دون أن تكون هنالك إشارة دالة عليه.
إنها حكايات التخلخل الذي يغرس فينا ، وكأن الحكايات التي بدأها "عبيد " في السجن ستكون أشبه بشبكة العنكبوت التي تحاك حولنا بصمت وإتقان وخبرة. "عبيد " وبعد أن أصبح لا يغادر السجن إلا ليعود إليه ، ذكر أن هنالك سكينة لا يعرفها الإنسان إلا إذا خبر السجن .
- روحك تكون في مواجهة جسدك ، تخرج منك لترى الكائن الذي تسكن فيه.

هكذا تحدث معي ذات مرة ،وذكر أنه في كل مرة سيشتاق إلى التحدث مع نفسه سيراقب إحدى نساء القرية ويسترق النظر إليها حتى تشكوه إلى الشيخ ، وهذا لن يتأخر في زجه في السجن.
وأخبرني "عبيد " أن فترة الشهرين التي قضاها في السجن قد فتقت في ذهنه أمورا لم يكن سيعيها وفي الخارج ، تعلم أن يرى في الظلمة ، وأن يعرف تقاسيم البشر بمجرد أن يسمع أصواتهم ،وكان يشجيه صوت "المعلم " وهو يقرأ القرآن وحيدا ويخبرنا
- المصحف منقوش على قلبه ، ويسري في نفسه مثل الدم . وهنالك أشياء أخرى تسري مع دماء الآخرين من حوله . وفي كل الأيام التي نادوا باسمه حتى يخرج من السجن ، يتحرك شيء ما في داخله ويكاد أن يجلس مكانه ، وينظر إلى صاحبه الذي اتخذ مكان قصيا منه ويسأله إن كانت له حاجة من خارج السجن ، فيرد عليه الرجل
- سنبت للحكايات أجنحة تشبه طيبة .
عندها تطير الأفكار إلى "طيبة " وحدها من كانت تشبه العطر والطيور وكل الأشياء الجميلة ، أتذكرها وهي تصنع من ظهر "عبيد " ظهر حمار وتركب عليه ، تجبره على السير على أربع فوق الحصى ، وعندما ترى أمي أثار الدماء قد بدأت تنز من ركبتي "عبيد " تهم بأخذ "طيبة " من على ظهره وتنهره على الدلال الزائد للبنت ،يعد "عبيد " أمي أنه لن يدلل "طيبة " ولن يصبح حمارا لها بعد اليوم ، ولكنه يعود في كل مرة ليصبح الحمار الودود ل"طيبة "، يلاعبها طوال ساعات وكثيرا ما كانت تنام وهي تلعب معه ، إلا أن وقعت حادثة الزجاج كما تسميها القرية وكادت طيبة وعبيد أن يموتا في لحظة واحدة ، وبعد ذلك اليوم منع "عبيد من دخول بيتنا لشهور طويلة ، لم يشفع ل"عبيد " دخول دارنا إلا بكاء " طيبة " المتواصل ويمين مغلظة قدمها "عبيد " وهو يبكي تحت أقدام أمي بأن لا تركب "طيبة " على ظهره أبدا .
كذبت أمي جميع أحلامها و قالت في كل مرة كانت تتحرك فيها الفتاة الجميلة التي كانت تنمو في دارنا ، بأن السنوات ستكون رحيمة كماء المطر الذي تنتظره الأرض بهذه الفتاة حتى تعيش حياة هنيئة طويلة وأن ضحكاتها ستكون كافية لإبعاد الشعر الأبيض عنها عندما يتقدم بها العمر .
واتهمنا أبي بالتقصير قال إن الرجال الذين يأتون من صلب "خلفان بن محمد " سيقتلعون كل عين تقتحم جسد إحدى نسائهم ، لوقت طويل كنت أكتم عن "عبيد " عدد العيون التي وجب علي أن أقتلعها حتى أثبت نسبي لذلك الرجل الصعب المراس .

كلام متناثر قاله "يوسف بن خلفان " في أول أيام السجن بعد أن اقتلع عين السمين اليمنى

(4)

"الماء كان شاهدا ، وليس هنالك شاهد غيره ، كان أزرقا وأخضرا وبلون اللاشيء عندما سمع الصيحة الأولى "
الخالة صالحة

يقال أن هذا حدث لامرأة واحدة هنا ، ولم يسمع أنه حدث لامرأة قبلها ولا بعدها ، لقد غسلت طفلها بعد ميلاده بماء البحر ، وجعلت دماؤه ودمائها تنساب عبر الماء الواسع ، ومن بعدها خرج من ذلك الماء رجل يعشق البحر ويخوض عبابه دون أن يخشاه .
ولد "خلفان بن محمد " في عرض البحر ، تتذكر الخالة "صالحة " ذلك وتخبره أن أمه كانت في مركب من سعف النخيل
- انتظرناها نحن النسوة على الشاطئ ، كان ريح خفيفة تهب على المكان ، بينما الظلام يشمل المكان عندما استقبلنا المركب الصغير ، كنت أحمل غطاء سميكا ، بينما حملت بقية النسوة التمر المغموس بالسمن ، وإناء اللبن الممزوج بالزعتر ، وملابس للأم و مولودها ، و تقدمتنا امرأة بسراج ذي ضوء خافت وعندما لاح لنا المركب من البعيد كان الرجل الذي ظهره يلوح لنا من بعيد وكأنه جبل عظيم .
والده "محمد البحر " كان رجلا يعرف البحر مثل ما يعرف كف يده ، وقيل أنه تعمد أن يأخذ زوجته الحبلى في شهرها الأخير في رحلات متتالية في البحر ، وعندما كان الناس يستغربون فعله هذا كان يداري الإجابة بابتسامة ظفر لا تكتمل ، ولم تكتمل إلا في ليلة اكتمال البدر عندما ترك بيت السعف على الشاطئ وغره صفاء السماء وضوء القمر الساكن في كبد السماء ، أجلس زوجته في بطن المركب وجدف نحو عمق البحر . ولكن ما حدث ذلك اليوم جعلنا نفهم أن الأمور عندما ترتبط بالقدر الذي لا نفهمه نقف مشغولي البال من التقلبات التي تأتي بها الأيام ، نسكت لأن ما حدث أخرجنا من حيز الدائرة التي كنا نغلف ذواتنا بها لحيز أوسع من أن ندركه أو نفهمه بسرعة ، لبرهة ننفي ما حدث ، وهذا ما حدث تحديدا عندما وجدنا جسد "محمد البحر " مرمي على أقدام البحر ، لم يخبرنا البحر للآن كيف ولماذا مات هذا الرجل ؟، كانت الليلة هادئة وجميلة وليس هنالك ريح أو تحرك في الأمواج ، ولكن المفاجأة كانت أكبر منا جميعا ، عندما صرخ"أبو جوهر " بالقرية بأنه وجد "محمد البحر " نائما بالقرب من البحر وأن الموج يبلله وهو لا يحرك ساكنا ، وعندما سار الناس إلى المكان الذي وصفه "أبو جوهر " ، كان "محمد البحر " ما يزال يعانق الأمواج ، بانت ساقه اليسرى وقد انحسر عنها الإزار ، والتصق قميصه الأبيض بصدره على اتضح لون لحمه الأبيض بينما وجه منكب على التراب ، "علي السايح " كان أول من حرك الجسد والمسجى أمام الجميع وعندما ناظرته العينان المفتوحتان على اتساعهما ، شعر برجفة غريبة تسري في جسده .
- مات.
هل يغدر بنا من نحبهم ؟ ، وهل يتخذون من حبهم لنا ذريعة حتى يجرحونا بعمق وقسوة ؟ متى يمكننا أن نرى بداية ذلك الغدر ؟ هل رأى "محمد البحر " في صاحبه الخيانة منذ زمن ولكنه كذب حواسه ؟ ولم يصدق أن لحظة ميلاد ابنه هي اللحظات التي سيبدأ فيها العد لموته ؟ هل كان الملح الذي تشرب في العينين يحمل إليهما آخر الكلام الذي لم يكن يتوقف بينهما منذ سنوات الصبا ؟
لأيام رفضت زوجته أن تعتد وقالت
- ذهب لصيد السمك ، فكيف اصطاده الموت ؟!....كل ذلك كذب ، روحه مغصوبة وترفرف حولي .
من يومها شد "علي السايح " رحلته ولم يخبرنا إلا بكلمات بسيطة
- رائحة الدم تزكم المكان ،واليد الخائنة لا يقطعها إلا سيف الدهر .
قيل أن هنالك جرح غائر في جبهة ضمدته الأمواج بملحها حتى توقف النزف عنه ، وقيل أن الجرح كان في القلب وأن سما فتاكا وصل إليه ، وأن يد "محمد البحر "كانت تمسك ببقية مسبحة ذات خرز ملون ، عندما قلبه "علي السايح " شعر أن تلك اليد تمتد إليه ، وعندما تقرب منه كانت الحبات الملونة تنساب في يديه ، وأن "على السايح " أخذ تلك الحبات وربطها في عمامته ورحل .
مقولات متناثرة حول وفاة "محمد البحر " وميلاد"خلفان بن محمد "

رحمة المغيزوية

أعلى





نافذة لغوية ( 79 )
الأمن اللغوي (1 ـ 2)

لغة الأمة ميزان دقيق، ومعيار أساس في حفظ الهوية وتحديد الذات؛ فهي شريان الأمة، وأقنوم الحضارة، ومصدر عظيم من مصادر القوة، وإذا أضاعت أمة لسانها أضاعت تأريخها وحضارتها كما تُضيِّع حاضرها ومستقبلها. اللغة هي أهم ملامح الشخصية الإنسانية، إن لم تكن أهمها. اللغة هي التي تربط المرء بأهله وأمته ودينه وثقافته، فهي التأريخ، وهي الجغرافيا. اللغة مظهر من مظاهر قوة الابتكار في الأمة، فإذا ضعفت قوة الابتكار توقفت اللغة، وإذا توقفت اللغة تقهقرت الأمة، وإذا تقهقرت الأمة فذلكم هو الموت والاضمحلال والاندثار. إن شواهد التأريخ قديمها وحديثها تظهر بجلاء أنه لم تتقدم دولة، ولم تُشَد حضارة ما لم تكن العلوم والتعليم بلغة الأمة نفسها، لا بلغة أجنبية عنها.
وفي شواهد التأريخ أيضًا: لقد استطاعت لغة القرآن الكريم أن تحقق متطلبات المجتمع التاريخية عبر الأحقاب المختلفة، بكل المستويات، الدينية والعلمية، والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعسكرية، في عصر النبوة، ثم الخلافة الراشدة، ثم في حكم بني أمية، وما وافقه من تعريب الدواوين، ونظم الإدارة للمجتمعات المختلفة، والأقاليم، والجيوش، والحياة العامة، كما استجابت اللغة لحاجات الحضارة أيام بني العباس، وما واكبها من حركة الترجمة، بل هي لا غيرها كانت لغة العلم والبحث العلمي، في الطب، والعلوم، والرياضيات، والفلك، والهندسة، وغيرها.
الدولة الإسلامية على مرّ عصورها لم تأخذ من الأمم في احتكاكها معها إلا بمقدار الحاجة الماسة للتعبير عن بعض المعاني التي لم تكن موجودة في لغتها، ولم تفتنهم لغات هذه الأمم رغم حضارتها العريقة، كفارس والروم واليونان، بل زادهم ذلك تمسكاً وحرصاً.
والعجيب في هذا التأريخ الإسلامي العظيم، وهذا الدين الأخّاذ أن أبناء الأمم الأخرى هم الذين كانوا يتسابقون إلى تعلم لغة القرآن، لغة الدين والعلم، بل هم الذين نبغوا فيها، وشاركوا على نحو مدهش في وضع قواعدها، وجمع معاجمها، انطلاقاً من الشعور الإسلامي الرائع، الذي أحل لغة القرآن أرفع المنازل؛ لأنها لغة الدين والتنزيل.
وفي كل أرجاء الأمة وأصقاعها تتردد أصداء هذا الحديث النبوي فيما يروى عنه أنه قال: " إن العربية ليست لأحدكم بأب ولا أم، إنما هي اللسان، فمن تلكم العربية فهو عربي " والحديث ضعيف في إسناده، ولكنه صحيح في معناه، كما يقرّر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وإذا كانت لغة القرآن، ولغة الإسلام بهذه القوة، وبهذه المقدرة، وبهذه المنزلة، فلا غرابة أن تكون مستهدفة من أعدائها، فلقد علم المشتغلون بدراسات التاريخ المعاصر، والمتابعون لمسيرة الاستعمار، وسياساته أن التهجم على اللغة، والتهوين من شأنها، والسخرية من المشتغلين بها، والتهكم بها في وسائل الإعلام، والقصص، والروايات، والمسرحيات، في سياسات مرسومة، وحملات مكثفة، ثم تلقّف ذلك مِن بعدهم وعلى طريقهم أذناب وأجراء وعملاء.
نعم، ليس من المستغرب أن تتعرض لغة شعب من الشعوب في مرحلة الغزو والاحتلال إلى الإذابة والمحو؛ لأن اللغة معلم بارز في تحديد الهوية وإثبات الذات، فكيف إذا كانت اللغة هي لغة القرآن، ولسان الإسلام؟!
وقد يكون من غير الحصيف أن نلوم أعداءنا فيما يقومون من أجل مصالحهم، وتحقيق أهدافهم، وسعيهم في تحطيم غيرهم، ولكنَّ الأسف والأسى أن يصدر ذلك ويتبناه فئات من بني قومنا، تعلقوا بالأجنبي، وولّوا وجوههم شطره، ثقافياً وفكرياً، وأصبحوا ينظرون إلى ثقافة الإسلام بازدراء، وإلى لغة القرآن باحتقار، والأجنبي لم يضمن ولاءهم اللغوي فحسب، ولكنه ضمن ولاءهم الفكري والسياسي.
إن ما أصاب الأمة من ظروف سياسية واقتصادية وضعف في الديانة أدى إلى ركود الفكر، وضعف الثقافة حتى آل الأمر إلى هذه التبعية المشينة.
إن الأزمة أزمة عزّة لا أزمة لغة، وأزمة ناطقين لا أزمة كلمات، لم تضعف اللغة ولم تعجز، ولكن ضعف أبناؤها، وقصَّر حماتها. إنّ من الظلم والحيف أن يتَّهم هؤلاء الأبناء العاقون الكسالى لغتهم من غير حجة ولا برهان، ضعافٌ في أنفسهم، مهازيل في طموحاتهم، يُرهبون أنفسهم بثورة المعلومات، وترتجف قلوبهم لتقدم التقنيات. مسكين هذا المثقف الذي ضعف وتخاذل، فشرَّق وغرَّب، يفتِّش لعله يجد له ملجأ أو مدَّخلاً.
ما الذي يريده هؤلاء المساكين؟ هل يريدون أن ينسلخوا من هويتهم فيهاجروا بألسنتهم وعقولهم إلى أعدائهم ويتحولوا إلى مخلوقات تفكر بعقول غير عقولها، ورطانة بلسان غير لسانها؟! هل يتخلون عن هويتهم ودينهم وعزهم بسبب نظرة ضيقة ومنفعة آنية هي في مآلها ومصيرها ضرر ماحق، وخطر داهم، وبلاء محدق؟!
ويزداد الضعف ويتجلى الهوان عند هؤلاء المشككين حين يتفوّهون بقولهم: إن استخدام لغة الأمة قد يسبب عزوف الطلاب عن إتقان اللغة الأجنبية، مما يؤدي إلى ابتعادهم عن الأبحاث الجديدة، والتطور السريع.
ويحدثك آخرون عن سوق العمل، فترى مخذولين مبهورين، يفاخرون في بعض كلياتهم وأقسامهم بأنهم يدرسون جميع العلوم لديهم بلغة الأجنبي، بحجة أن سوق العمل يتطلب ذلك.
وهي حجج يعلم الله، ويعلم المؤمنون، ويعلم العقلاء أنها واهية، بل هي ـ والله ـ أوهى من بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.... يتبع

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة

أعلى





كنّا صغيرين...

كنّا صغيرين،
في قلبيهما مطرُ
تهمي به الكلماتُ الخضرُ
والسهرُ

نمشي إلى الحلْمِ
نستجلي مسالكه،
وفي جواركِ
ينمو الوردُ والثمرُ

ننأى عن الأمسِ،
كلٌّ صوبَ حاضرِه
غناؤنا دمنا،
أحلامنا حذرُ

لم ننتظر أحداً
قلنا : الوداعَ
فلا وحيُ البصيرةِ يكفينا
ولا البصرُ

نعاسنا لغةٌ خضراءً
ترفعنا
ذاتاً يُرنِّحها في العالمِ الشررُ

في كلِّ شيءٍ
نرى أرواحنا شجراً
ندنو من النارِ، نفنى،
ثم نُبتكرُ

ضيفانِ نَلتحفُ الأسماءَ،
يَلسعنا وردُ الغيابِ
ويبكي فوقنا القمرُ

سماؤنا غيمةٌ،
والأرضُ محضُ رؤى
خضراءَ
يَصنعها من وهمهِ الوترُ

لا شيءَ نملكه،
لا شيءَ يملكنا
وهمٌ
تعلق في جنحانه العمرُ

عبدالله العريمي


أعلى





في حب الفلسفة

بدأ الانسان في طرح الأسئلة التي لا يمكن القطع في اجابتها عندما بدأ يعي بتفرده الوجودي وكيانه العاقل. فقد يكون آدم أول الفلاسفة حينما وجد نفسه منفيا إلى الأرض الملأى بالشرور والآلام بعد الفردوس والنعيم. نظر أولا إلى جسده وتساءل عن وظيفة كل عضو فيه. ألتفت حوله والسؤال الأهم في محصلة الأمر كان عن العقل. لكن ألم يكن آدم في الجنة واعيا بعقله أي بتميزه عن الملائكة بقدرته على اتخاذ القرار؟ أو لم يكن ابليس عاقلا أيضا؟ بمعنى أنه أتخذ موقفا متمردا من الرب حين عصاه؟ هل كان للعقل دور في هذه الرحلة الطويلة من التكفير عن الذنب الآدمي العاقل؟.
لقد شهد العقل بعد آدم انحدارا شديدا تمثل في ابتعاد الإنسان الأول عن طرح هذه الأسئلة. فقد انشغل الإنسان بكيانه المادي الأقرب إلى الحيوانية والوحشية. فلم يكن هم يومه إلا البقاء على قيد الحياة. وكان ذلك طبيعيا في ظل الظروف الصعبة التي كان يمر بها. وحين بدأ يفكر قليلا أهتدى لأن يسكن قرب الأنهار ويستصلح الأرض للزراعة ويستأنس الحيوانات. وهكذا نشأت الحضارات الأولى والتجمعات البشرية المنظمة. الأمان الغذائي والاجتماعي قرب الأنسان أكثر من الوعي بكيانه العاقل وأصبح تفكيره أكثر تعقيدا وعمقا. وظهر بذلك إبداعه في الفن والعمارة والأدب و السياسة وأخيرا الفلسفة.
ظهور الأديان والأنبياء أسهم كذلك في الرقي بالعملية التفكيرية. وهنا ظهرت الأسئلة الكبرى عن ماهية الإنسان ككائن عاقل مفكر وما هو سبب وجوده على الأرض. محدودية انتشار الأديان القديمة لم يدفع عجلة التفكير قدما ولم يؤسس منهجية فلسفية قائمة بذاتها، وظلت الكثير من الأمم غارقة في سباتها الحيواني. إلى أن أتى عهد الفلاسفة اليونان الذين أسسوا لنظام فلسفي واضح بعيدا عن الأساطير التي كانت تعيث بالعقول.
تمدنا الأديان بأجابة قاطعة، في ظاهر الأمر، عن أهم الأسئلة الفلسفية من قبيل ما هو الإنسان ولماذا هو هنا. ومع ذلك أبى الكثير من الفلاسفة إلا أن يعملوا عقولهم في محاولة الأجابة عن تلك الأسئلة وأن يقيموا لحياتهم نهجا فلسفيا ينظمها ويرتقي بها. بعضهم عمل بالتوازي مع الدين، توما الأكويني ، وعملوا على تقديم شرح معمق للدين كنتيجة حتمية لإعمال العقل والمنطق. الكثير من الفلاسفة رفضوا أطروحات الأديان، وكانت القطعية في المعرفة ومعرفة المآل هو أحد مسببات هذا النفور إذ انه يلغي عملية التفكير ويلغي بالتالي وجودية الإنسان العاقل.
إن الإجابة في هذا العصر التكنولوجي الحديث عن السؤال عن أهمية الفلسفة ومدى تأثيرها في التفكير المعاصر لهو ضرورة ملحة. فالإجابة عن حاجة الفلسفة على مدى التاريخ تعلق في المقام الأول في فائدتها العملية وآثارها في المجتمع ونمط التفكير التي تفرزه. وإذا سلمنا جدلا أن الفلسفة هي الباعث الأول لشتى العلوم في العصور الأولى كالطب والفلك والرياضة، وهي التي أسهمت في عصور التنوير في مجال التنظيم الاجتماعي ـ جاك روسو ـ أو في مجال التشريع القانوني وتحديد شكل الدولة المعاصرة ـ جون لوك ـ فما الذي يمنع أن تلعب الفلسفة نفس الدور في وقتنا الحالي في ظل تراجع التفكير المنهجي والعلمي والإغراق في المادية.

علي بن سيف الرواحي

أعلى





نوتات المساء

1

ساستمع إلى نفسي الآن
نفسي التي تتحدث على الدوام
ولا استمع إليها إلا نادرا.
اخفضي من عزتك ولتهبطي إلي
انزلي لنسافر إلى الماضي
إلى مهدور الروح
مشاع ماء حزنه كهذا الوطن
متلاش كسطر شعري محذوف.
انزلي من عزك العربي
واتركي لعينيك العنان
فأنا انتظرك.
لا استطيع الكلام كالأمكنة
فلعل الرحيل سينساني مثلها
ولا اتعب من قلب مرتجف يراوغ دون هوانه
ويعبر جبالا من خواء.
نفسي في الأعالي
لكنها من ورق.
ملاءتك المزركشة ذات الطرف الأبيض منسدلا على رأسك يظهر وجها يجعلني أتساءل:
من أي جبال الحجر وردت دماؤه؟
وفي أي قبيلة رعت شياء سقته؟
أيتها الحزينة
هآنذا مهموم هذا الصباح.
رائحة الشاي في فمي كرائحته عندما كنت أشربه لأول مرة في مطعم قرب مستشفى " كينيدي " في العين، حيث أبي يحمل أمي لترى أعيننا النور من هناك.
وطعم الخبز مع البيض المسلوق لأول مرة
كالقبلة الأولى، هي البدايات محفورة
كذكريات الغابرين.

2
تبتعدين
فتصبحين أحجية
وتقتربين
فلا أجد منك ما أخبئه عن نفسي
لكنني أتوق إليك
قريبة بعيدة
أحجية تجيب عنها أحجية
3
تبتعدين دائما كالحلم
هكذا أنت تبتعدين
فيغرب عن وجهي نسيانك
وتغدو الجهات واحدة
وتصبح الأماكن أنت
هل يستطيع الشعر أن يجمعني
بعد أن نثرتني أجزاء
تقتات منه العابرات
هل ساستطيع جمع نفسي الآن؟
أيها القمر لو كنت جميلا حد إمكاني النظر عبر وجهك
مرسالا تسمع وجيبين يخفقان بانتظام.
تعلو أصوات المنارات إيذانا بخطوة جديدة لمساءات الحوائر النائمة في حضن البحر.
وحدي لا أتحرك كقوارب لم تنزل للصيد هذا اليوم.
كالهيالة في البعيد يلفهم سكون الظلمة وحديث البحر الخافت.
كنخلة تعالج السقوط الكبير وسط أحراش لمزارع مهجورة.
أبكي وحيدا هاهنا
تبتعدين دائما كالحلم
هكذا أنت تبتعدين فيغرب عن وجهي نسيانك
وتغدو الجهات واحدة
وتصبح الأماكن أنت.
4
لصباح واضح تملكه العصافير وطرقات البنائين والسيارات العابرة أهدي هذا النشيد.
لصباح دفء بارد وجبال تعيد إلى المدينة أصواتها الباكرة أهديك رائحتي.
أصحو
ولا توجد طريق للوطن غير تلك التي تعبر الجبال!
أعبر وفيها ولدت أول قصيدة لي.
سأمد بسبب إلى نفسي لأنك أنت.
كمكان لم أزره.
كالإجابات الناقصة.

عيسى البلوشي

أعلى





الأدب الشعبي

طيب الذكر

يا طيّب الذكْر فاحت سيرتك فاحت
لو غبت ما غاب ذكْركْ وانطفى نورك
رحت لمقامك مقرّك والعَرَب راحت ..
تعدّد أفضالك وْلا تلحق غدُورك
ضوّيتهم ، وبْحَطبْك دلالهم فاحت
شبّوك نار الحكي واستانسوا حْضورك
يتذاكروك ، وْحكاية جُودك انداحت
ما أحدْ قدر بين خلق الله مقدورك
تترى حكايات برّك ، كم ، كم انزاحت ..
عن صدْر محزوب غُمّة وزانت سطورك
والناس لو تختلف ، وامتاحت ، امتاحت ..
من داعي الفرقة ،التمت على شورك
والناس عن قلب واحد ، كلها ، صاحت :
يطيّب الله ثراك ، وتشرق بنورك

حمود الحجري

______

هدى

يا هدى
و الأرض ما فيها مدى
للوصال و للتفاصيل الصغيرة
و شمعةٍ تحت الظلااااام
خانني أكثر من الفرقا الزحااااااام
كنت في وسط المكان , وقام ينفيني المكااااان
ما لمحتي حزن يستوطن عيوني؟
و كيف أرحل داخلي
باوجاع ما ترحل
بدوووووووني

يا هدى
وجهك اللي محتريني
في مراياي الحزينة
ف المقاهي
ف الشواطي
في سكيك الحارة و زحام المدينة
في صبح فيروز
في كل الزمان
في حنين الذاكرة
من صباح الخير لا مرت على الجوال و الساعة
ثماااااااااان
في مرارة قهوتي وقت الضحى
ف العتيم مْن الغيااااااااااب
ب غرفةٍ ظلما و شباكٍ
وبااااااااااااااب

يا هدى في سكة المقفين صوت
يورق بْسمعي أنين الأغنيات
جيت لك قبل العتب فيني يموت
جيت لك منفاي بين الذكريات
ما فضحت الليلة أسرار البيوت
أو ظما حلمك من الصدر أمنيات
ايه أنا بين المنافي و السكوت
و الكراسي الجامدة و الطاولات
احتسي باقي الظما من قبل أفوت
للظلام و أجرح شعور الجهات
ما بقى في صدر هالأشعار صوت
يهدي الليلة مشاوير و حياة

عبدالعزيز السعدي

______

سراً دفين

يا صدر لا يمكن من الصدمات في لحظة تلين
لله درّك ما بطشت إلا على عمدانها
يرضيك يا صدري تصير أنفاسك الليله ونين؟
عقب الزفير اللي نفخ ثورة حمم بركانها
أطلق صراح الحزن ما عادت بيارقنا تزين
وأصبر على هالحال عله يهتدي إنسانها
ما تكشف الوضع المشين القادمات من السنين
لكن على كلٍ ترى شعري كتب عنوانها
(الغرب يلعب لعبته) وأحنا على واقع مهين
وأجيالنا عرضة مكايد تشتعل نيرانها
إيمانهم مبني على تحطيط...فكر المسلمين
والباسقات اللي بقت جزّو عذوق إيمانها
بأسم السلام يْغيروا منهج يربي الواعدين
وأمسى ثقافة للأسف هشه أسس بنيانها
أحداث سبتمبر يخطوها على أصفى جبين
كل ما نبررها طلوا في وجهنا ألوانها
في معركة فن التآمر صعب نبقى صامدين
والمسألة دمية خيوط يْديرها فنانها
تزفن خوافي الصف وأحنا من وراها رازحين
وأنف الكرامة ينقطع والقاطعين أخوانها
أخونها ..!، أخوانها..! كلمة لها معنى ثمين
وا عزتاه اليوم صارت منهم خوّانها
بعض النفوس أفعالها تعمي قلوب الناظرين
رزت فضايحها فرح ما أكرمت جثمانها
والبعض تذرف دمعها دماً وتصرخ يا معين
والخير يأهل الخير ما غيّب فعل سلطانها
وش حيلة الأقلام في دنيا تمرمطنا سنين
كل ما أنتهت صيحة بدت صيحة بنفس لسانها
لكن توقعنا خلافه غالباً سراً دفين
وأوضاعنا حلماً تحقق بسّ من عدوانها
ما دامها صدمات والواقع كفخ صدراً حزين
خلها على الله وإن لفت أبطش على عمدانها

عمر مريود العريمي

______

أعز احباب

أنا لا جيت لك اعطش أبروي من غلاك انسان
بدا حظه يصير أعمى ويدفن بالثرى احباب
أنا ظل انكسر وقته رسم طيف الأمل ألوان
تموت بداخله عبرة جروح وتنتهي بغياب
صباحي يسرق انفاس الظلام وموعده اكفان
نسج خيط الفرح شمسه نهار في سماه ثياب
خطاوي رحلته حولي بقى طيفه بلا عنوان
وأسكنت الوهم دربه سراب يحتويه تراب
أحس همسك شتاء بردك يسمعني دفاك ألحان
يتوهني صدى حسك يحاكي خافقي بعتاب
غيابك داخلي قصة حكاويها ألم وجدان
تموت حروفها كلمة يدونها العزى بكتاب
سجودي دعوتي خوفي من ايام نست أركان
تصلي فرضها خمسة وتنسى دعوة المحراب
اشوفك داخلي موطن ذنوب تطلب الغفران
وانا كلي ذنوب اسكنتني وللذنوب أسباب
تذكر لو تفارقني أببقى لك وفاء انسان
ولو حظي يصير أعمى بتبقى لي أعز أحباب

محمد بن مبارك البريكي

______

تنتحر كال المرايا

تنتحر كال المرايا و السبب راحة يدينه
لو يلوحلي مسافر شفت زولي في هدبها
كانه اللي يستفز الروح في لحظة حنينه
كلما تغرق عيونه من شواطيها جذبها
لو تخيلته بلادي تهت في وسط المدينة
لو تخيلته مدينة رحبوا فيني شعبها
آه من زحمة غرامه زحمتٍ لكن رزينة
ما يزعزعها بعادي و الشعر ما قد غلبها
قلت أنا ميت و قالت ليه هالطلة الحزينة
ما دريت انه الثريا ما توازيها سحبها
ما دريت أنه الحياة بكبرها لعبة و زينة
لو تساوي ما عطى الله منها الحاسد رطبها
خلنا مثل الكناري ما تغرقنا سفينة
لو تهب العاصفة نطير و نلملم خشبها
نستغل أوقاتنا بالحب و نغيظ الضغينة
أن حلمت تشق قلبي في الضحى تصرخ أحبها
ضمني لو ما تصدق و أعتبرني لك رهينة
لو أموت بصوتك القاسي و قالوا قد غصبها
ما عليك من الكلافة دام هالبسمة ثمينة
مع مرور الوقت تعرف من فقدها من كسبها
قلت و الله لو يفيض الدمع و يزلزل انينه
تغرق الدنيا (ع)شأنه لو على شاني سكبها
من عطاني أي حاجة مستحيل أني أهينه
كيف من يزرع حياته لجل يقطفلي عنبها
يا عساني ما عرفت النوم ما عيني بعينه
و أرقب القمره ليالي و العذر أرسم حدبها
و أسرق النظرة ثواني من أيادي حاجبينه
و أزرع البسمة على الخدين و ادفا قربها
و أقضي اوقاتي على النيل المشكل راحتينه
أنزعز ثياب الصبابه و أرتدي ثوبٍ عجبها
أعشقه ضعف المحبة اللي يحبه والدينه
و أهجره كلمة دخيلة من قواميسي شطبها
و الحياة بلا شقاوة بكرةٍ لكن هجينة
لو تسابقها المشاعر الهواء ثار و تعبها
و الغرام اللي أكنه بتركه بيدٍ أمينة
مضطجع وسط الحنايا ما سمع الا طلبها
في غياهيب التمني كل أنفاسي دفينة
لو تفيض الأرض ليلة أدري العالي كعبها

خميس السعدي

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept