الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 



 

 





مبتدأ


يتقابل طرفا الحوار، المحاوِرُ .. والمحاوَرُ، وقبل أن يلتقيا، تسبقهما قراءتهما، وإن كانت قراءة المحاوِر، تكتسي اهتماما وتأخذ مساحة أكبر، فإن المحاوَر يكفيه الاطمئنان إلى تجربة محاوِرِهِ، التي تتكئ على العمق، والبعد عن السطحية.
وعندما تقتنص الزميلة هاجر بو غانمي، شاعرا في حجم ووزن الشاعر شوقي بزيع، فإنها ـ بلا شك ـ قد أعدت عدتها فكانت قراءتها الجيدة لتجربته الشخصية، وشيء من العمومية، هي فراسة القناص الذي اصطاد لـ"أشرعة" صيدا أدبيا وفكريا وثقافيا ثمينا، من إحدى زوايا مهرجان الشعر العربي الثالث الذي استضافته السلطنة في شهر ديسمبر الماضي، فكان الإبحار في تجربته، حيث التقطت ما يوحي بأنه ولد شاعرا، فكان عليه أن يلخص لها هذه التجربة .. ثم كان العروج على قضية حساسة جدا بالنسبة لكل الشعراء الذين شقوا طريقهم إلى النجومية، وهي الخجل من البدايات، ومحاولة البعض إلغاءها من سيرتهم الإبداعية، ترى كيف تعامل شوقي بزيع مع أول مجموعة شعرية .. وعندما كبرت قصيدته ونضجت، فكيف بالطفل المحرض عليها، الذي لم يكبر .. وقضية الوعي بالمكان، هل كان موجودا في مرحلة البدايات .. وتقسيم تجربته إلى مراحل، لو جاز لنا التقسيم، فبم نسمي كل مرحلة، وهل الشاعر شوقي بزيغ يصنف نفسه ضمن مدرسة معينة .. وسبب انقطاعه عن الكتابة لمدة خمس سنوات متواصلة، وكيف عاش تلك المرحلة .. وبماذا خرج من هذه التجربة .. وعلاقته بالنقد.. وكيف ينظر إلى ممارسة النقاد العرب للنظرية النقدية الغربية بوصفها قوالب جاهزة تعيش مغتربة في غير أوطانها .. وأخيرا قضية الترجمة، وكيف يستطيع المبدع أن يسلم نفسه إلى مترجم بهذه الثقة العمياء على علمه بأنه "خائن"، وكانت الإجابة على غير المتوقع "خيانة الترجمة أفضل من وفاء الجهل" كثير من الجهد، وكثير من القضايا الفكرية والأدبية والثقافية، وكثير من النقاط التي وضعت على أكثر الحروف، في حوار الشاعر شوقي بزيغ .
اقتحمت حياتنا العربية في العقدين الماضيين مصطلحات جديدة مثل العولمة .. الرقمنة .. ثورة الاتصالات .. ثورة المعلومات .. الثورة الإلكترونية .. مجتمع المعلومات، وغيرها من المصطلحات المشابهة، فأصبحت هي لغة العصر وجواز المرور إلى عالم الحداثة والتطور والتقدم وبدونها نعيش في عزلة عن عالم اليوم، بكل ما جاء به من تقدم مذهل.
ويجيء كتاب "صدمة الإنترنت وأزمة المثقفين" للدكتور أحمد محمد صالح الصادر في القاهرة عن كتاب الهلال، ليرصد نتائج ما يسمى بثورة الاتصالات وتفاعلاتها السياسية والاجتماعية الثقافية والاقتصادية والقضايا والحقائق والظواهر الجديدة فى هذا العالم المتشابك مثل: ظاهرة الدين والتدين الافتراضي المنتشر على الإنترنت، وظاهرة الجوال وتداعياته الاجتماعية والنفسية، ومستقبل القراءة والكتابة، وأزمة المثقفين في عصر المعلومات.
إنها بالفعل أزمة بين الموروث والوافد في هذا العصر الصاخب المتشابك الذي غزا فيه الإنترنت والفضائيات وأجهزة الجوال دول العالم النامي بعد أن قدمتها لنا الدول الصناعية الكبرى وأصبحت ثورة الاتصالات وعالم الإنترنت جزءا رئيسا في حياة عالم اليوم.
هو عرض جميل للكاتب سالم بن محمد الغيلاني بعنوان "عصر المعلومات".
الكاتب كاظم الموسوي يكتب في العدد الجديد من "أشرعة" عن يوسف إدريس ومحمود أمين العالم.
وبالعدد الجديد من "أشرعة" العديد من النصوص السردية والشعرية والدراسات الأدبية والحوارات التي تستحق القراءة.

المحرر

أعلى





قصص قصيرة جدًا لـ "باتريك جوهانسن"


ترجمة: علي بن سيف الرواحي

الانتظار
لم يكن في وسعها إلا الانتظار بعد أن قامت بزرع البذرة. بعد مضي وقت قصير هطل مطر من السماء الذي غطت نعومته الباردة جلدها العاري. جعلتها برودة الماء ترجف قليلا لكن لم يكن في مقدورها الرحيل, لم يحن الوقت لذلك.
شروق الشمس منح التربة دفئا وحيوية, طاردا البرد من عظامها تلك التي ما زالت تنتظر. تجمعت سحب بيضاء بلا سبب واضح فوقها على عجلة منها. ثم ظهر قمر ساحبا من ورائه نجوم بعدها أشرقت الشمس مرة أخرى في تلاحق لا يعرف الهدوء.
لم يكن الانتظار هو كل ما كانت تفعله. بل شغلت نفسها بالدعاء والغناء وقراءة القصص القديمة والاساطير العتيقة. في اليوم السابع وبينما كانت تمشي في الانحاء القريبة, عطست تحت سماء بلا غيوم فهبط دبور على أرنبة انفها بكل خفة وهدوء. أخذت في تأمل اجنحة الدبور المزخرفة على طريقة نوافذ وزجاج الكتدرائيات. كان ضوء الشمس يرى من خلال تلك الاجنحة متماوجا في ضبابية حالمة.
لقد تحملت جميع تقلبات الطقس في سبيل أن ترى الى ما سيؤول اليه حرثها. ولد برعم من جوف الأرض في حلة بهية مرتسم على جبهته فضول الرجل الأول نحو الحياة. امهلته وقتا اضافيا حتى يكتمل نموه لكن الايام تبعتها أشهر والأشهر أزاحتها سنين طويلة. حين مر صبي بها سألها عن سبب تسلقها الشجرة فأجابته "هي التي تسلقتني".

تبادل أدوار
عند الفجر تم إعدامي رميا بالرصاص بسبب الاثام التي ارتكبتها. دفنت جثتي في قبر لا يليق إلا بالفقراء الأشد بؤسا وأهيل علي زهر بري كان قد قطف اعتباطا من جانب النهر. ومن فوق القبر كان يترحم علي بكلمات معبرة عن أسفهم لموتي. الاستماع لهم كان
جل ما أستطيع فعله. فماذا غير ذلك في مقدور ميت مثلي فعله؟
حين انشقت السماء تبدل العالم كلية, ظننت حينها ان نهاية العالم قد حانت. وانني سأبعث من جديد ليقودني القديس جون الى بيتي. كانت بالفعل قيامة لكنها لم تكن قيامة المسيح. فلم تكن غير صواريخ بيولوجية معبأة بالبروتون, من قوتها مسحت الحياة من على وجه الأرض, محررة الأموات من قيودهم, نحو عالم جديد متحول.
في ساحتي الخاصة نبتت شجرة تبكي دما ومرجي الذي كنت اشذبه بمنجل حديدي مصنوع من أرواح تائهة. رغم غرابة هذه الحياة التي بعثت إليها إلا انني قررت الاستمتاع بالعيش فيها.
تمنيت لو ان زوجتي ماتت قبل أن تلقي تلك القنابل التي أبادت الاحياء وأحيت الموتى, بذلك كانت ستبعث معي لتتمتع بهذه الحياة الطوباوية التي تحكمها شمس سوداء. حيث لم تكن قلوب ساكنيها تتسارع لأن لم يكن لأحد منهم أي نبض بداخلهم.
لكن في نهاية الأمر لا يوجد شيء يخلق كاملا أليس كذلك؟
ما رأيكم ببعض الشاي؟


الخدعة
"أتودين أن تري خدعة؟"
تقلصت عيناها "من أين نوع؟"
"من النوع الذي لم يسبق لك رؤيته" قال هو, مرتشفا من زجاجة الشراب. تبقعت اسنانه بحمرة النبيذ "أعدك بذلك".
"حسنا" أرخت ظهرها على الكرسي بينما قام هو واقف. تمركز في وسط الغرفة ثم قام بتحريك أكتافه كأنه يستعد للرقص. وضع زجاجة النبيذ على الطاولة فأخذتها هي مطبقة شفتاها على فوهة الزجاجة مفرغة ما تبقى منها في جوفها. كان رأسها يئز في نشوة لذا لم تلق بالا له. بلا مقدمات, وبلا صراخ, وبلا أي نوع من التحذير أشتعلت النيران به بسرعة خاطفة. وبعينيه الرماديتين نظر الى روحها في صمت مطبق بينما هو يحترق. سقطت الزجاجة من يدها وهي في ذهول تام. تحطمت الزجاجة إلى قطع خضراء وتبعثرت في كل مكان. كانت تود الصراخ لكن لم تستطع. حدقت به بينما يتحول هو إلى عدم. كل ما تبقى منه هو كومة رماد ودائرة سوداء حيث كان كأنما لم يوجد قط.
فتح الباب فجأة ودخل هو منه. قفزت هي من مقعدها واحتضنته ثم قالت "كيف فعلتها؟"


الرقصة الأخيرة
على هضبة والشمس في مغيب رقصا للمرة الأخيرة. احترقت غيوم في الاعالي مخلفة حمرة معدنية التألق.
غنت هي له:
هذه هي المقصلة وهذه السكين
تلك من أجل القتل صنعت
وتلك تمنح الحياة سنين
كانت بين يديه تلتف كالدراويش في رقصهم, يدور بها من مكان الى آخر وهو ينظر إلى شعرها الداكن كخمار أرملة أسود:
فهلم إلي ايها السياف
اربط حبل مشنقتك
حبيبتي هنا في انتظار
موت رحمتك
تدلت بين يديه في انسجام رفعها بكل خفة نحو السماء. ضحكت هي من شدة البهجة ولم يستطع هو تذكر متى اخر مرة كانت هي بتلك السعادة:
رقصنا على التلة البرية
فردوسنا الحر الصغير
حيث تمتعنا بلذيذ المأكل والمشرب
وسعادة أنستنا همنا المرير
وتوقفت الموسيقى والنجوم السوابق تبدت في تخوم الجنان. انحنى لها معلنا انتهاء الرقصة وحبات العرق تقطر من شعريهما. تبسمت في غموض.
"لقد حان الوقت أليس كذلك؟" قال هو.
"نعم" أجابت "لقد حان الوقت لكي تستيقظ"
استيقظ هو ليجد السرير خاويا ومرة أخرى عاد الأرمل الوحيد. لبس خاتمه وقام في وجه يوم جديد.

حارس حديقة الحيوان
تفتحت السماء كفم عملاق وابتلعتني. اجتزت حلق السماء الانبوبي ذا ظلال سوداء والذي تفوح منه رائحة غاز كيميائي الى ان وصلت الى غرفة بحجم السماء يغمرها ضوء وردي ضبابي.
لم أكن لوحدي. كان هنالك ثلاثة أشخاص استطيع رؤيتهم واخرون عديدون بامكاني الاحساس بهم. أقربهم إلي, أتردد في تسميته شخص رغم انه كان كذلك, يصدر زئيرا خافتا في اتجاهي. لم أكن أتحدث بلغته لكني فهمت ما كان يقوله على أية حال وذلك بتقنية حديثة
زودت بها الغرفة.
من اين أتيت؟
"من الارض, بالطبع" أجبته.
نعم بالطبع. هل تعلم ان عالمي يسمى الارض ايضا بلغة قومي؟
"صول ثلاثة" قلت بعد تفكير.
ندت عنه آهة ثم لوح بقرنه الاستشعاري ففتحت نافذة صغيرة. ظهرت شمس صفراء ولكن في ذبول.
اذا فهي صول؟
"نعم" اجبته وانا اختنق بالبكاء اذ كانت شمسي تضمحل الى ان اختفت تماما.
سوف تتعود على ذلك في نهاية الأمر قال هو.
*باتريك جوهانسن هو كاتب كندي معاصر يكتب القصة القصيرة. مواضيع قصصه تتناول الخيال العلمي والفنتازيا. في العام 2004 فاز بجائزة مانيتوبا كندا للأعمال الأدبية القصيرة. معظم أعماله نشرت الكترونيا ويعيش حاليا مع زوجته في كندا.

أعلى





حكايات الغناء

محمد بن علي الكندي

تماما...
كما قيل عني...
جنوني.. يغني
ودمعي .. يغني
وعشقي .. يغني
فكلي حكايات هذا الغناء
تماما ... كما قيل عن ليلة العشق آتي
لدي رحيق الهوى
مقامات عشقي
نبوءة جاري.. إذا ألتقيك
مزارعنا في الشتات المموج
في السافيات
فأينك مني

***

تماما....
كما كنت قبل وجودك حولي
وبعد وجودك حولي
وأثناء اغماءة القلب
عند حضورك حولي
لدي مزيج الخلال الرديئة في صبوتي
فإن شئت ... لا تربحيني
وحولي الخصال الجميلة في حكمتي
فإن شئت... لا تتركيني
ولم أتغير
عن آخر العهد
بيني ... وبيني
وكيف يغير قلب حنان الربيع
إذا ما استقر عليه
وكيف أميت غرور الحنايا...
وكل الحنايا تشير إليك
وكيف؟ وكيف؟
سؤالان من تعب في العروق
لهذا أحبك
فلا تبحثي عن حروفي
ولا تسأليني لماذا أغني
صباح مساء

***

ولا تسأليني
عن الفرح المستطير المقفى
في داخلي
ومن يملك القلب؟
فالسؤال اغتياب
لذاتي..
ولا تسأليني لماذا أحبك
وماذا....
سأجني.... إذا ما بقيت
كما قيل عني؟
جنوني.. يغني
ودمعي.. يغني
وعشقي.. يغني
فكلي حكايات هذا الغناء
لأني
أحبك كالياسمين المسجى على
دفتر العشق
عند ابتداء الغواية
وأعشق صوتك همسا
ليمحق أخيلة الواهمين
بوقت النهاية

***

تماما
كما قيل عني
لا أستطيع الوقوف وحيدا...
وليس معي شعر قلبي
بلون النخيل
وعينيك بين السماء... وبيني
كوجه الهلال
فأينك مني؟


مسقط
30/10/2009


أعلى





لا يحمل ثوابت نهائية ولا تركن تجربته إلى أسلوب بعينه

شوقي بزيع لـ (أشرعة): على الشاعر ألا يخاف من مواجهة الصمت

تعرضت للسكتة الشعرية أكثر من مرة

خيانة الترجمة أفضل من وفاء الجهل

أعراض الموهبة لدى شعراء الوزن تأتي على شكل دبيب داخلي متصل بدورة الدم


حاورته ـ هاجر محمد بوغانمي:
هائمًا في كل وادٍ
ينهرُ الأشباحَ كالماعز عن أقبية الروح
وكالساحرِ يلقي أينما حلَّ
عصا الشكِّ
ليمحوَ بعضُه بعضًا

أبيات تتعرى عنية أمام شاعرها مكشوفة المعنى، ساطعة الدلالة .. تختزل كما شاء لها الشاعر اللبناني شوقي بزيع ماهية "الشاعر" وكنه وجوده، تماما كما يعتقد الشاعر نفسه، حيث لا أحد يستطيع أن ينافسه صدقه، ورهافة حسه، وإيمانه بمهمة الشعر التي هي طرح سؤال الانسان في غربته الوجودية .. غربة الروح والمكان والزمان..
بين شوقي بزيع وأبي القاسم الشابي نقاط التقاء عميقة، وإن كان ثمة فارق زمني كبير بين الشاعرين، يضاف إليه نقاط اختلاف أخرى تحددها التجربة الشعرية ذاتها، إلا أنني وأنا أحاور الشاعر اللبناني شوقي بزيع أحسست بأن شيئا ما يجذبني بقوة خارقة إلى أبو القاسم الشابي:
هكذا قال، ثمّ سَار إلى الغـابِ، ليَحْيا حياة شعرٍ وقُدْسِ
وبعيدًا، هناك..، في معبد الغاب الذي لا يُظِلُّه أيُّ بُؤْسِ
في ظلال الصَّنوبرِ الحلوِ، والزّيتونِ يقْضي الحياة َ: حرْسًا بحرْس

من "عناوين سريعة لوطن مقتول" 1978 إلى "مدن الآخرين" 2011، سنوات من الشعر والعمر قضاها شوقي بزيع متنقلا بين صوت الحداثة ، وصوت الايديولوجيا صاخبا بالأرض.. والوطن.. والمرأة.. حتى إذا ما أصابته السكتة الشعرية أجهش بالطفولة ، ولوح بيدين من عشب وطين للجبال.. والرياح.. والأشجار صاخبا:
ـ أنا الطفل الذي كنتهُ قبل أن أبلغ عامي الأربعين!! ..
عاش بزيع في كنف الحب.. والحلم.. والحرية.. في كفه رسالة، وفي قلبه مصباح..
من دواوينه الشعرية "أغنيات حب على نهر الليطاني"، "وردة الندم"، "مرثية الغبار"، "قمصان يوسف"، "أبواب خلفية"، "سماء مؤجلة"، "هجرة الكلمات"، "كل مجدي أنني حاولت"، "شهوات مبكرة"، "فراديس الوحشة"، "صراخ الأشجار"، "مدن الآخرين" وغيرها..
التقاه (أشرعة) في إحدى زوايا مهرجان الشعر العربي الثالث الذي استضافته السلطنة في شهر ديسمبر الماضي، فكان الحوار التالي:

*في تجربة الشاعر شوقي بزيع ما يوحي بأنه ولد شاعرا.. كيف تلخص لنا هذه التجربة ؟
**هناك فارق زمني غير قليل بين بداياتي الشعرية وبين إصداري الأول لأني بدأت الكتابة مبكرا جدا، وأستطيع أن أقول إن قصائدي الأولى التي كتبتها كنت أنظمها وأنا في سن السابعة أو الثامنة من عمري، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي بالنسبة الى الشعراء الذين يولدون شعراء، وأنا من الذين يعتقدون بأن الانسان يولد شاعرا ولا يصبح شاعرا لأن الشعر ليس كدحا وحسب.. الفلح يأتي لاحقا أما الموهبة فهي الأساس، ويشعر الشخص الذي يمنح هذه الموهبة أو هذه الحساسية أو هذه القابلية ـ سمها ما شئت ـ بأعراضها في سن مبكرة وخاصة بالنسبة الى شعراء الوزن الذين تأتي الأعراض بالنسبة لهم على شكل دبيب داخلي متصل بدورة الدم.. إلحاح إيقاعي يحتاج الى أن يكتسي باللغة، وقبل أن يطلع الشاعر على الخليل بن أحمد الفراهيدي وتقعيده لبحور الشعر العربي، يستطيع أن يميز بين ماهو موزون وما هو غير موزون بالأذن، تماما كما هو حال في الموسيقي، فأذكر في هذا الصدد أنني كتبت وأنا في السابعة من عمري قصائد موزونة ومقفاة وإن كانت متعثرة على المستوى النحوي والصرفي باعتبار أن القواعد اللغوية العربية لا علاقة لها بالموهبة (هذه تحتاج إلى دراسة ودراية) وكنت كي أتلافى الاصطدام بالقوافي الصعبة والمعربة، كنت أستخدم دائما قافية "الهاء" المفتوحة التي لا تحتاج الى أي عملية نحوية على وزن: رماها، محاها، دحاها ..إلخ، وكنت ألجأ الى اللهجة المحكية التي لا تحتاج الى نحو وصرف، وأذكر أنني أرخت لحياة القرية التي أنتمي اليها في الجنوب اللبناني وهي قريبة من مدينة صور اللبنانية ـ ونحن على مقربة من مدينة صور العمانية ـ ولذلك كنت تحدثت في مهرجان الشعر العربي عن هذه التوأمة الروحية والتاريخية بين المدينة، وكنت أؤرخ لحياة القرية وما يجري بها من أحداث من أعراس ومآتم.. من مواسم الحصاد.. من مشاكل بين الناس.. وحضرت نوعا من التماس بخط اليد حول هذا التاريخ وهو قد ضاع في ما بعد..
كتبت القصيدة الموزونة والمقفاة حتى الجامعة اللبنانية بحيث أتيح لي أن أطلع على الحداثة الشعرية، فتتلمذت على شعراء ونقاد كبار مثل أدونيس وخليل حاوي والناقدة يمنى العيد وأسماء كثيرة، وأخذوا بيدي باتجاه الحداثة الشعرية، وبدأت كتابة قصيدة التفعيلة عام 1971م وفي عام 1972م حصلت على جائزة الشعر الأولى في الجامعة اللبنانية، وكانت الحافز للاستمرار في الكتابة، وشجعتني على أن أتكبد هذه المشقة التي لازمتني حتى اليوم، فقصائدي الأولى كتبتها في مطالع السبعينيات من القرن الماضي، ونشرتها في بعض الصحف والمجلات وبخاصة في مجلة الآداب اللبنانية حيث كان لتعرفي على سهيل ادريس صاحب دار الآداب أثر كبير في تمكين قصيدتي من أن تصل الى العالم العربي في تلك الفترة من الزمن، وعندما أصدرت مجموعتي الأولى " عناوين سريعة لوطن مقتول " اخترت من بين عشرات القصائد التي كنت كتبتها الأفضل، بحيث جاءت هذه المجموعة شبه مكتملة، بمعنى ناضجة وجديرة بالنشر، لأني حذفت كل ما لم أقتنع به وكل ما أحسست بأنه لايزال غير ناضج أو مبتورا او ناقصا أي غير جدير بالنشر.
* يخجل الشعراء من البدايات، فيلغونها من سيرتهم الإبداعية.. كيف تعامل شوقي بزيع مع أول مجموعة شعرية؟
** ليست مسألة خجل وإنما مسألة قناعة.. قد ينطبق سؤالك على الشعراء الذين حذفوا مجموعاتهم الأولى حتى بعد صدورها ، كما فعل محمود درويش مع "عصافير بلا أجنحة" التي حذفت بالكامل، وهناك شعراء آخرون منهم أدونيس الذي حذف مجموعته الأولى "قالت الأرض" وهناك شعراء أعادوا النظر في مجموعاتهم وقصائدهم بعد أن نشرت، ومنهم من يعتقد أن الشاعر يستطيع أن يصدر طبعات منقحة ودائمة لقصائده الاولى.. أنا لم أكن على نفس الخط، ولم أنشر بعض هذه الأعمال لأنها كانت جنينية وكانت غير جاهزة للنشر وكانت تشكو الكثير من الخلل على سبيل المثال.
*كبرت القصيدة ونضجت، ولكن الطفل المحرض عليها لم يكبر؟
**من يتابع تجربتي الشعرية لابد أن يلاحظ أن هناك ينبوعا ثريا ودائم التدفق يقف وراء ما أكتبه منذ القصائد الاولى وحتى اليوم.. أنا عشت طفولة غنية جدا لأنني أنتمي الى بيئة ريفية.. هذه البيئة كل ما فيها كان موصولا بالمطلق .. العلاقة بين الأرض والسماء، باعتبارها بيئة زراعية، كانت علاقة مفتوحة يعني العلاقة بالمطر.. بالريح.. بالأشجار.. بالألوان.. كل ذلك كان شديد التنوع، وكان يغني طفولتي حيث تعرض جسدي يومذاك لسقطات، ولعثرات، وكان يدمر الكثير من الأشواك والنتوءات الحجرية الحادة، ولكن بالمقابل كنت أصغي لأصوات كثيرة تأتي لأن الريح في تنوعاتها.. ولأن القرية كانت تقع على مرتفع جبلي يطل على بحر المتوسط وعلى مدينة صور، وجنوبا كنت أرى الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، وشرقا كانت تتراءى لي قمم جبل الشيخ العالية التي هي أعلى قمم الشرق الأوسط تقريبا، ومن الشمال كانت تبدو تخوم نهر الليطاني النهر الشهير في الجنوب اللبناني.. فهذه المشاهد أكسبت شعري الكثير من الصور ومن الطبيعة المرئية ، يعني هناك غنى بالمرئيات.. وفي قصائدي دائما أعتمد على الصورة الشعرية وهذه الصورة تشكل البيئة ظهيرا لها، إضافة الى ذلك أيضا الغنى الإيقاعي في شعري كان ناجما على التفاعل ليس مع حركة الطبيعة فحسب بل مع الأصوات التي أسمعها من الناس.. الفلكلور على سبيل المثال، وطقوس الندب الحسيني في عاشوراء بما تحمل من تهدج ومرارة وغضب وألم وحزن ولا أعني هنا المعنى القيمي الضيق بل أعني هنا بالمعنى العاطفي والسيسيولوجي وبمعنى الإلهام الإبداعي، وهذا طبعا ما جعل من الجنوب منطقة خصبة شعريا، وفي تلك الفترة ظهرت كوكبة من الشعراء سموا شعراء الجنوب، فما أقدمه الآن يعطي تفسيرا لتلك الظاهرة.
*هذا الوعي بالمكان هل كان موجودا في مرحلة البدايات ؟
** الوعي ربما لا يكون حاضرا في تلك الفترة لأننا كأطفال لا نتعامل مع العالم من منطلق الوعي بالعالم.. قد يكون من منطلق اللا وعي بالعالم، ولكن من منطلق التماهي مع الأشياء والموجودات لأننا جزء من انسيابية الأشياء التي حولنا، ومن حركة الطبيعة التي من حولنا.. يصبح جسدنا امتدادا للتراب، وللصخر، وللشجرة، وللزهرة.. فالأطفال قد يحسون بالشقاء، وقد يتعرضون الى كثير من الضغط أحيانا نتيجة الضغوط .. على سبيل المثال في علاقته بالمدرسة تصوري طفلا يمتلك محلا في هذه الطبيعة الخلابة وفي نفس الوقت هو مضطر أن يذهب الى المدرسة ويجلس لساعات طويلة في النهار.. هذه قاتلة للطفل .. ولذلك كنت أخرج مع بعض زملائي من المدرسة وأغيب أحيانا لساعات طويلة وأحيانا أبقى لليوم التالي في بعض الشعاب الصخرية أو بعض المنحدرات فأتعرض لضرب شديد من المعلم أو من والدي وأنا بالمناسبة مقابل هذه الساعات التي أمنحها للطبيعة كنت أعيش تعاسة عائلية متولدة عن كون أبي كان صارما جدا في تربيته.. هو صورة من أحمد عبدالجواد إن شئت في ثلاثية نجيب محفوظ.. كان يعتقد أن هذه القسوة يمكن أن تصنع مني رجلا، وبأن هذا الزجر وهذا الضرب هو الذي يجعلني أواجه الحياة بقوة، أو أن عامل الخوف سيقلل من شقاوتي.. طبعا هذا ترك أثرا في نفسي ولكن لحسن الحظ لم ينعكس سلبيا على علاقتي بأبي، هو الآن عجوز، ولكن تحول حزني وتعاستي في تلك الفترة الى تعاطف مع الأب الذي انكسرت صورته تمام كما انكسرت صورة أحمد عبدالجواد في الثلاثية.. الآن وهو في شيخوخته أشعر بضعفه بعد القوة التي كان يتمتع بها والتي انعكست حتى على أمي وعلى اخوتي واخواتي فتحولت الى شعور بالحاجة الى الآخرين، فلم نبادله قسوته بالمثل بل انقلبت الى حمام خالص من جهتنا.
*هذه التجربة لو قسمناها الى مراحل بماذا نسم كل مرحلة، وهل تصنف نفسك ضمن مدرسة معينة؟
** طبعا الشاعر لا يحمل ثوابت نهائية ولا تركن تجربته الى أسلوب بعينه.. هو دائم الانقلاب على نفسه، ودائم الشعور بالنقصان، ولذلك يبحث عما يتمم هذا النقصان، وعما يشد المسافة الفاصلة بين ماهو متحقق وبين ما هو متعذر التحقق.. بالنسبة لي الفترة الأولى التي امتدت على مدى السبعينات والنصف الأول من الثمانينات اتسم شعري باتكائه على محورين أساسيين: العلاقة بالجنوب من خلال الجنوب كطبيعة وكمكان وكانتماء وكحضور طاغ داخل الروح خاصة وأنني غادرت الجنوب باكرا لأن فترة دراستي الجامعية كانت في بيروت، في السبعينات عدت الى الجنوب فدرست في مدينة صور ثم عدت ثانية بعد الاجتياح الاسرائيلي إلى بيروت لأني أبعدت عن الجنوب بسبب نشاطي السياسي، وكنت منضويا في أحد التنظيمات اليسارية يومذاك، فابتعادي عن مسقط الرأس جعلني أحاول أن أسترد هذا المكان المفقود عبر اللغة.. اللغة هي الوطن الآخر كما يقال.. فكانت قصيدتي مشبعة بترجيعات وجدانية بمحاولة استعادة ذلك الفردوس الضائع وتلك الأماكن المفقودة، وكانت هذه القصائد تحاول أن تواكب المقاومة ضد الاحتلال بعملياتها المختلفة سواء كانت وطنية أو إسلامية، ولكن بالنسبة لي كنت ـ ان شئت ـ داخل توجه في العمل الوطني فلذلك كتبت قصائد عديدة في تمجيد شهداء المقاومة، وقصائد عن الحرية والدفاع عن الكرامة لكن دون أن أقع في وطأة الأيديولوجيا المباشرة والشعار السياسي.
عندما تعودين الى مجموعاتي الأولى لا ترين هذه النبرة الحماسية العالية.. دائما هناك ظهير للقصيدة يتمثل في الصورة الشعرية.. في الرمز.. في التقصي وراء معاني عديدة ذات طابع تأويلي وإيحائي، ومع ذلك الموضوع نفسه كان يشي بذلك الالتصاق بالأرض والمقاومة والشهداء مع محور آخر اهتممت به منذ صباي الأول هو العلاقة بالمرأة.. هذه العلاقة شكلت محورا أساسيا في شعري واستمر في ما بعد ولم يتوقف .. هذه العلاقة في اعتقادي كانت محكومة بشيء من الاندفاع وما زلت حتى الآن ربما محاكاة الطبيعة والتماهي معها في تلقائيتها وفي بريتها وفي هديرها الداخلي.. والأنوثة حالة من أحوال الطبيعة.. وكانت هذه البراءة الطفولية تمتزج ببعد هو روطيقي ناتج أيضا عن أن كل الكائنات التي كانت تحيط بي كانت حرة في علاقتها الجسدية.. يعني أن الانسان في الريف يشعر أحيانا بأن العلاقة الجسدية هي جزء من حركة الطبيعة نفسها، لكن شعري بهذا المعنى في علاقته بالمرأة جمع بين طهرانية البراءة الطفولية، وبين هذا البعد الهو روطيقي والذي لم يكن ميسرا، وأنا دائما مع القلاع، ومع الصورة المبطنة لأنها تقع في قلب الشاعر..
في قصائد الحب هناك جمع بين المقدس والمدنس وهذا يتمثل أحيانا في قصائد الطهرانية الخالصة كما في قصيدة "مريم" التي شكلت في منتصف التسعينات علامة فارقة في شعري العاطفي، لأنها صرخة أمام الخالق:
ـ لماذا أنا؟ لماذا حواء ترتكب الخطيئة الأولى وأنا علي أن أدفع الثمن؟
هذه الصرخة فيها نوع من الانتصار لتلك الأنوثة المقهورة، والمأساة أن مريم هي أمٌّ مقهورة، وهي أنثى مقهورة باعتبار أنها فقدت ابنها حسب الرواية المسيحية وحتى في الرواية الاسلامية سواء كان هناك صلب أو شبه لهم، ولكن في كل الأحوال المسيح رفع إلى السماء، فإذن هي أُجهضت كأنثى..
وكذلك شخصية ورد في قصيدة "ديك الجن" .. ديك الجن الحمصي الذي لشدة حبه لورد حبيبته التي تزوجها لم يجد ما يفعله بها غيرة منه عليها سوى أن يقتلها ذبحا ويحرقها ويحول رمادها إلى كأس ويشرب على أطلالها ويبكي عليها حتى الموت ندما .. فإذن دائما هناك أطياف وتجليات مختلفة مثلا في قصيدة بعنوان "تجليات المرأة" أقدم خمسة وجوه للمرأة : المرأة القصيدة، والمرأة العنقاء، والمرأة الأفعى، والمرأة النهر، وكل وجه مختلف عن الآخر تماما لأننا نحن أصلا حصيلة مجموعة من التناقضات، فالطبيعة وقسوة أبي الذي كان يرفض دخول أي مراهقة الى البيت مما جعل مراهقتي مبتورة نسبيا ومكبوتة ومغلوبة على أمرها.. هذا دفعني إلى الذهاب الى النقيض تماما، بمعنى حاولت أن أرد على هذا القهر عبر الاندفاع بقوة تجاه المرأة وهذا تجلى في الحياة نفسها، وعشت مراهقة وشبابا من الباب العريض على مستوى العلاقات العاطفية، ولم أتزوج إلا متأخرا جدا في الخمسين من عمري.. هذا يلقي الضوء على الجانب الأنثوي في تجربتي.
* ما سبب انقطاعك عن الكتابة لمدة خمس سنوات متواصلة، وكيف عشت تلك المرحلة؟
** الانقطاع كان من سنة 1985 إلى 1990 لم أكتب أي قصيدة، وهذا أمر قاتل بالنسبة إلى شاعر في أوج شبابه وعطائه فجأة وجدت نفسي أمام جدار مسدود تقريبا كأني فقدت موضوعي، أو كأني شعرت أنه علي أن أطل على الكتابة من مكان آخر، أو كأن المعنى الذي تصبو إليه قصيدتي قد استنفذ، ودخلت الحرب اللبنانية وقتذاك أسوأ مراحلها وهي مرحلة الاقتتال المذهبي، وعندما بدأت الحرب كنا نعتبر أنها المعبر نحو لبنان البديل الآخر المتخيل ونحن طلاب بمدارج الجامعة، وكانت بيروت في أوج ازدهارها، وكامل حيوتها، فعندما انكسرت المدينة صحيح انكسرنا معها ولكن كان لدينا أمل بأننا سنعيد بناء المدينة والوطن بأفضل مما كان لنكتشف بأن كل هذه الأحلام تبخرت.
*وبماذا خرجت من هذه التجربة؟
** في أول التسعينيات شعرت وأنا على عتبات الأربعين بأني أقف في منتصف العمر، وأريد أن أجري مراجعة لما حققته ولما لم أحققه.. شعرت بأنني ابتعد كثيرا عن الطفل الذي كنته، وبأن الحرب تقف بيننا على شكل هاوية سحيقة من الرعب، ومن الدماء المراقة، ومن الأحلام الموؤدة، فشعرت بأن كلا منا يقف على ضفة من ضفتي الحرب ويصرخ في الآخر قائلا:
ـ ماالذي فعلته بي؟! وأين أنت؟ أنا لا أراك!! أين الأحلام التي وعدتني بها؟
فلذلك بنيت القصيدة على هذه الثنائية الدرامية بيني وبين نفسي في وقت كنت أستعيد فيه كل مراحل طفولتي وصباي كانت القصيدة تنفتح على الزمن العربي بأكمله وتصبح مرثية لجيل كامل ومن هنا كان لها وقع ..
القصيدة قرأتها في مهرجان جرش في ذلك الوقت وكان وقعها مؤثرا جدا وهذه القصيدة حصلت بعد ذلك بحوالي 18 عاما على جائزة عكاظ للشعر العربي.. بمعنى آخر، على الشاعر ألا يخاف من مواجهة الصمت.. الصمت بالنسبة للشاعر هو نوع من الموت لأنه يشعر بأن معنى وجوده كشاعر متصل باللغة والكتابة، فعندما يصاب بالسكتة الشعرية يشعر أن هذه السكتة قد تطيح به إلى ما لا نهاية، ولكن أعتقد أن الشاعر إذا كان يؤمن بالشعر كقضية، وإذا كان فيه من الحياة والحيوية مايكفي لتجديد نفسه، وإذا كان حريصا على خدمة قصيدته عبر القراءة والاطلاع والمكابدة، وعبر الارتطام بالحياة، فإنه يستطيع أن ينجو غير مرة لأني تعرضت الى تلك السكتة أكثر من مرة، ولكن الذي يحصل أن فترة الصمت تبدو وكأنها محاولة تخزين وإعادة تأهيل للداخل الانساني، وللغة، وللأخيلة، وللصور.. فكل مرة أصاب فيها بالصمت أعود بعد سنتين أو ثلاث سنوات كي أحقق نقلة شعرية معينة، وأخرج بمجموعة شعرية منها: "مرثية الغبار" بعد السكتة الأولى، ثم "قمصان يوسف" وهي مجموعة أساسية في شعري لأني رأيت من خلالها إلى يوسف برؤية مختلفة تماما عما كتب عن يوسف من قبل الشعراء العرب.. رأيت يوسف في ضوء القمصان الذي تحول الى تجليات مختلفة لروحه، فوجدت أنه في هذه التجربة التي تلت "مرثية الغبار" والتي بدأت من خلالها أقيم حوارا نابضا ومليئا بالاسئلة مع التراث العربي، وجدت بأن هذه الشخصية هي شخصية كونية بالمطلق.. وخلصت الى الاستنتاج بأن الانسان بخلاف الشعر لا يولد جميلا ولكنه يصبح جميلا بالمعنى العميق لكملة جمال، لأن يوسف كان يصبح أجمل فأجمل عبر المكابدات التي خاضها وهذه تجلت من خلال القمصان: القميص الأول الذي صبغه أخوته بدم كاذب ورموا به في البئر وهي المحنة الأولى التي خاضها يوسف دفاعا عن جمال واكتسابا لمزيد من الجمال.. خرج من البئر ليقع في تجربة كبرى وقاسية مع زليخة حيث أيضا تجلى القميص الثاني الذي مزقته زليخة من الخلف، وأيضا خرج منه بمساعدة إلهية سليما، والقميص الثالث الذي أرسله مع اخوته حين كان في مصر إلى يعقوب والذي حين شم القميص عرف به رائحة ابنه وكان اعمى فأبصر فسميت القميص الأول قميص التجربة والثاني قميص الشهوة والثالث قميص الرؤية .. هذه على سبيل المثال بعض المحطات التي شكلت تجربتي وصولا إلى تجربة "سراب المثنى" ايضا محطة أساسية في شعري وصدرت في العام2003م والتي هي محاولة للاحتفاء بشعرية اللغة العربية من داخلها بمعنى انه لشدة افتتاني باللغة شعرت بأن اللغة تحمل شعريتها من خلال علاقة حروفها بعضها ببعض أو من خلال علاقة الكلمات نفسها ونظام التجاور فيها من خلال إيقاعاتها وإيحاتها وتحدثت في ديوان "سراب المثنى" عن المثنى أيضا بما هو هذا النداء الرائع الذي يؤمن على مستوى الشكل امتدادا صوتيا جميلا وعذبا من خلال صرخة "قفا" التي أطلقها امرؤ القيس في برية الصحراء العربية، وفي نفس الوقت، هذه الصيغة اللغوية تحولت الى مضمون لنفسها باعتبار أنه بدأت الثنائيات العاشقة تخرج من صرخة امرئ القيس فتحولت الصحراء الى غابة من الثنائيات، فخرج عروة وعفراء، وقيس وليلى، وجميل وبثينة، وكثير وعزة.. هذه القراءة كانت من خلال اللغة كتبت "رياح متخيلة لانكسارات نون النسوة" و"غنائية الحرف المعتل"..
*يقول محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحق الحياة .. ماذا لو كان الشعر هو هذه الأرض التي يقصدها درويش ؟
**الشعر فعل حياة، ووجود الشاعر في العالم يكفي لأن يبرر عشقنا لهذا العالم وليس الشعر وحده بل المرأة أيضا فأنا بطبعي شاعر مقبل على الحياة ومفعم بالكثير من الشهوات ومن الرغبات التي تتعدى حدود الجسد على أهميتها، ولكن في بعد روحي ومعرفي هناك الكثير مما علينا أن نفعله في حياة لا تعطى إلا مرة واحدة وعلينا أن نقسمها بين العيش وبين التعبير .. تصوري لو كانت لنا حياتان حياة نعيشها وحياة نتحدث عنها ولكن للأسف أن في هذه الحياة الواحدة علينا أن نعيش وأن نكتب في الوقت ذاته، لكن يمكن للشاعر أن يحل المعادلة ويجعل الكتابة الوجه الآخر للعيش، وأن يكون شعره لصيقا به الى الحدود القصوى، وأنا من الشعراء الذين لا يكتبون إلا ما يمسهم من الداخل وما يتماهون به وما يعيشونه حتى الثمالة.. ولذلك لم أشأ أن أخلص من غنائيتي واعتبرت أن الشعر ذو طبيعة غنائية حتى لو ذهبنا به الى أسئلة ميتافيزيقية كبرى، وإيماني المطلق بالإيقاع في الشعر لا ينفي محبتي لقصيدة النثر وإيماني بأنها خيار أسلوبي مهم، وأنا مع فتح كل الأبواب أمام الشعر، وهذه الحديقة يجب أن تمتلأ بكل أنواع الورود شرط أن يكون لها سياج لا يتسلقه ولا يفقز من فوقه الا المستحقون والقافزون المهرة وهذا السياج اذا كان موجودا في الشعر الموزون وفي قصيدة التفعيلة فعلى شعراء النثر أن يفتعلوه وإن قفزوا من فوقه لأنه عندما تستباح القصيدة الى حد الفوضى السائبة هذا امتهان للكتابة الشعرية اذن عدم وجود السياج في قصيدة النثر يجعل المسألة أخطر بكثير لأنه يحمل شعراء قصيدة النثر مسؤولية معنوية وأخلاقية عدا ذلك فأنا مع فتح كل الأبواب أمام القصيدة.
* كيف تصف لنا علاقتك بالنقد.. وكيف تنظر الى ممارسة النقاد العرب للنظرية النقدية الغربية بوصفها قوالب جاهزة تعيش مغتربة في غير أوطانها؟
**أعتقد أن هناك سوء تفاهم مزمن بين النقاد والشعراء بمعنى أن الشعراء يشتغلون على مادة ذات طابع انفجاري وذات طابع تلقائي في حين أن النقد يعمل على العقل وعلى الاشتغال الذهني وعلى المدارس.. طبعا هناك من يقول إنه لولا النص الابداعي لما كان هناك نقد، إذن العمل الأدبي ضروري جدا للنقاد، والناقد يعيش على ما يقدمه المبدعون، لكني لا أقول هذا من باب تبخيس النقاد حقهم .. قد يكون لدى الناقد الحقيقي الذي يكتنز تذوقا وثقافة ومعرفة ما يضيء القصيدة ويعيد قراءتها من مواقع مختلفة، وقد يكون النقد مجرد شروح هامشية لا تقدم ولا تؤخر، وقد تكون مجرد قراءة انطباعية.. طبعا هناك أشكال نقدية متفاوتة لكن المؤسف أنه ليس هناك نظرية نقدية عربية منذ عبدالقاهر الجرجاني الذي لانزال نستلهم من كتابيه "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" الكثير من لوزام النقد ويبدو حديثا بمعايير كثيرة .. في اعتقادي أن بعض النقاد العرب جاؤوا بنظرية جاهزة وحاولوا إسقاطها على الشعر فبدت كما أشرت خالية من أي مضمون، لذلك بدا هذا الشرخ بين النقاد والمبدعين وخاصة في ما يتعلق بالبنيوية التي مع الأسف بعد أن فرغ الغرب منها وسئمها وبدا خواؤها لأنها تفرغ العمل الأدبي من نبضه الداخلي وتحوله الى تمديدات وتوصيلات لغوية من خلال إحصاءات معينة، ووقع في شراكها عدد من النقاد الواقعيين .. هناك أيضا مشكلة أخرى تتمثل في أن العديد من النقاد فلحوا في أرض محروثة، بمعنى أنهم اشتغلوا أكثر على منطقة الرواد كمنطقة مكشوفة يعتبرونها منطقة آمنة فيشتغلون عليها مرات عديدة، وايضا النقاد المتأخرون فعلوا ما فعله النقاد الرواد فاشتغلوا على النصوص نفسها وكأنهم يريدون من خلال شغلهم على الرواد أن يكتسبوا نجومية ما وكل ما كتب عن درويش أو السياب أو ادونيس فكأنه بذلك يكتسب نجومية ما أكثر مما اذا اشتغل على شعراء السبعينات وما بعده.. هذه مشكلة حقيقية فكان الشعر منذ السبعينيات وحتى اليوم غير مدروس وغير مقروء وهذا أمر يحتاج الى نقاش معمق.. منذ السبعينات بدأ الشعراء يكتسبون قيمتهم من تواطؤ عام ناتج عن ان هناك عرفا من خلال المهرجانات الشعرية ومن خلال الكتابة الصحفية ان هذا الشاعر طليعي أو متوسط الموهبة أو أقل أو أكثر ولكن هذه التجربة لم تدرس بما فيه الكفاية.
أما ما يخص تجربتي فهناك بعض الدراسات التي اهتمت بشعري وصدر منها كتاب لكامل الصاوي بعنوان "الواقع المتصدع في شعر شوقي بزيع" وهو ناقد مصري، وهناك ايضا كتاب صدر مؤخرا في سوريا للناقد عصام شرتح بعنوان "فتنة اللغة وجماليات التأويل في شعر شوقي بزيع" هناك كتاب لناقد لبناني هو سعد كمولي عنوانه "إغواء التأويل" اضافة الى بعض الاطروحات الجامعية، والدكتور صلاح فضل قدم أكثر من بحث وأسماء أخرى.. أنا لا أستطيع أن أقول إني متجاهل كليا ولكن مثلي مثل شعراء جيلي أعتقد ان شعري (14 ديوانا شعريا) لم يدرس بما يكفي وخاصة من قبل النقاد الأساسيين في الكتابة العربية.
* تم ترجمة قصائدك الى العديد من اللغات، كيف يستطيع المبدع أن يسلم نفسه الى مترجم بهذه الثقة العمياء على علمه بأنه "خائن" ؟
** أعتقد أن خيانة الترجمة أفضل من وفاء الجهل، بمعنى أنه لا نملك نحن غير هذه الخيانة رغم أن الخيانة مكروهة إجمالا لكن كيف يمكن للشاعر أن يصل الى قارئ ينتمي الى لغة أخرى أو حضارة أخرى إلا عبر الترجمة.. نحن لا نملك خيارا آخر إذن هي خيانة مشروعة نسبيا ويمكن التقليل من فداحتها عبر التعاون بين الشاعر والمترجم أو بين المترجم وشخص آخر يعرف جيدا اللغة المنقول إليها النص.


أعلى





"الكرسي الساخن وقصص أخرى"


ترجمة: محمد الراشدي

رحلة الزمن
الفصل الأول
منظر الصناديق لا يبدو مثيرا للانتباه إلى حد بعيد، مجرد حاويتين كبيرتين من الكرتون، ربما كانتا تستخدمان لتخزين الكتب أو الملابس في زمن بعيد. والآن قد غطاهما الغبار وخيوط العنكبوت ومن المحتمل أن تكونا قد وضعتا في الغرفة العلوية للمنزل لثلاثين أو أربعين سنة أو حتى أكثر. ربما قبل ولادة التوأمين (دان) و (آن) ، البالغين من العمر سبعة عشر عاما ـ بزمن بعيد. وكذلك قبل شراء والديهما هذا المنزل القديم.
(دان) لم يكن يريد أن يفتح الصناديق. الغبار تطاير إلى أنفه حتى أراد الخروج من الغرفة للهواء الطلق. كانت (آن) مهتمة بالتعليمات المكتوبة على أحد الصناديق. قرأت العبارة "ضعه على وضعية مستقيمة" "ينقل بعناية"، أما الصندوق الآخر فلم يكن مكتوبا عليه شيء.
قالت (آن): "أنني أتساءل ماذا بالداخل؟!" ثم أردفت؛ "ربما مجرد بعض القمامة القديمة التي لم يأخذها السكان القدامى معهم أثناء مغادرتهم البيت".
في نهاية التفكير وافق (دان) على مساعدة شقيقته في إنزال الصناديق من الغرفة وهو يعلم أنها لم تكن بالمهمة السهلة. تم وضع الصندوقين على أرضية غرفة الدراسة.
قالت (آن) : "الآن إلى حفل الافتتاح الكبير!" قالت ذلك وهي تفتح رباط أحد الصندوقين. "الكائن بالداخل مغلف بالبلاستيك ويبدو كأنه طقم تلفزيون قديم جدا".
قال (دان) بثقة: "إنها مجرد خردة، أنا أعرف إنكِ تضيعين وقتك وحسب".
علقت (آن) وهي تزيح الغطاء البلاستيكي وتخرج الحاجة من الصندوق: "كأنه حاسوب بدائي".
(دان): "وكأنه عديم الفائدة، يبدو كأنه من عصر ما قبل التاريخ! على أية حال؛ لدي أفضل ما يمكن فعله، أراك لاحقا".
كانت (آن) مشغولة جدا في تفسير الآلة وبالكاد لاحظت مغادرة شقيقها.
الآلة فعلا كانت عبارة عن طراز قديم جدا لحاسب آلي صغير، ومختلف جدا عن الأجهزة التي تستخدم في مركز التعليم المتقدم الذي يتعلمان فيه. كانت الفكرة الرئيسية المدونة في الصندوق في محلها؛ إذ انه يحتوي على لوحة مفاتيح وشاشة بالإضافة إلى علبة أقراص. هل نا زالت تعمل؟
(آن) عملت على تغيير محول الكهرباء أولاً ثم أحست ببعض القلق وهي تبدأ في تشغيل الآلة.
وللمفاجأة أن الشاشة قد أضاءت مصحوبة بطنين متكرر. لحد الآن كل شيء على ما يرام. التفتت إلى الأقراص في العلبة، حيث كان عددها سبعة ومكتوب على أولها باللغة اللاتينية "مبادئ". خمّنت (آن) بأن ذلك لابد من أن يكون شيئا يشبه "المبادئ" بذات المعنى للكلمة باللغة الإنجليزية ثم تمنت أن لا تكون جميع التعليمات مكتوبة باللغة اللاتينية؛ اللغة التي لا تعرفها جيدا. وأخيرا تم فتح البرنامج وذلك بعد عدة محاولات فاشلة، ذهلت (آن) من الرسالة المطبوعة على الشاشة باللغة الإنجليزية "حمدا لله" وكانت لا تزال على الجهاز عندما أتى (دان) بعد ساعة.
قال (دان): "ما زلت عاكفة على العبث بهذه الأشياء القديمة، أليس كذلك؟"
(آن): "ربما ستغيّر رأيك عندما تقرأ هذه".
(دان): "أي ، نعم، تقنعينني".
أعادت (آن) الرسالة من البداية، وقرأها (دان) بصمت؛ وبعد ذلك انفجر ضاحكا وهو يقول "برنامج رحلة الزمن! ما هذا الهراء! كيف يمكنك الارتحال بالزمن وأنت على هذه الأرض؟ لا أحد يستطيع أن يتملص أو يهرب من الواقع".
قالت (آن): "من خلال هذا البرنامج؛ يمكن للفكر أن يرحل لأي مكان. كما يمكنه أن يعيد أو يسرع الزمن. إنه الجسم الذي يجلس في المكان نفسه".
قال (دان): "هذا الذي كان يسمى عالم القصص الخيالية. وحتى إذا كان ذلك صحيحاً ؛ فأنا لا أريد أن أترك جسمي في الخلف. وعلى أية حال؛ فأنت ما زلت هنا والبرامج موجودة في الأقراص الأخرى. بالتأكيد أنت بحاجة لشيء آخر، آلة من نوع آخر".
في تلك اللحظة تذكرت (آن) الصندوق الآخر الذي لم يفتح بعد، والشيء الذي بداخله كان أيضا ملفوفا بالبلاستيك ولكن عندما فتحاه وجداه كرسيا صغيرا. منظره أشبه بكرسي مكتب ذي الحركة الدائرية. وهذا الأخير يوجد به حزام أمان مثل الذي يوجد في السيارات أو الطائرات وينتهي بقفل.
تساءل (دان) باستغراب : "كرسي كهربائي؟!"
عقّبت (آن): "كن حذرا؛ تذكّر في أي شيء كانت تستخدم في الولايات المتحدة!"
قال (دان): "لا تكوني حمقاء. أنتِ أوصلتِ هذا السلك بالحاسوب، انظري.."
(آن) ربطت بين الحاسوب والكرسي. وقالت: "الآن لدينا الآلة التي تتحدث عنها. وكل ما علينا فعله هو اتباع التعليمات وننظر إذا كان الجهاز يعمل. لكن لم يكن هناك تساؤل لفعل ذلك حالاً".
العشاء كان على الطاولة، وكان عليهما الذهاب للأكل. وقد اتفق الشقيقان على أن لا يذكرا أمر الصندوقين أثناء العشاء، ولكن (آن) أرادت أن تتعرف على المزيد من المعلومات عن الشخص الذي كان يعيش في المنزل قبل والديها وقبل ولادتها هي و(دان).
والداهما اشتريا المنزل قبل عشرين سنة ولم يتقابلا مع المالك أبداً وهو الشاب الذي ورث المنزل عن عمه ولم يفكر بالسكن فيه.
سألت (آن) أبيها: "هل تعرف أي شي عن عم الشاب؟"
أجاب والدها: "كان عالما. وكان مشهورا بعض الشيء في زمانه إلى أن اتجه قليلا نحو الجنون في آخر حياته ـ كما يعتقد الناس ـ توجد هناك عنه الكثير من القصص عندما بدأنا بالعيش هنا. وأعتقد إن هذا كان سببا في جعل سعر البيت رخيصا. على أية حال؛ لماذا أنت صرت فجأة متشوقة لهذا؟"
أجابت (آن): "آه، لا شيء"، لكنها لم تستطع أن تخفي ابتسامتها عندما أبدى (دان) رضاه على الرد.
وبعد تناول العشاء قال (دان): "نعم، لكنك سمعتِ ما قاله أبي؛ الرجل كان مجنونا".
ردت (آن) وهي تجلس مقابل الحاسوب: "يعتقد الناس إنه كذلك، لكنه ليس كذلك". وقد بدأت بتشغيل الجهاز وهي تنظر الأقراص.
ـ "ماذا تعتقد سيكون الأكثر إثارة بالنسبة لك؛ الماضي أم المستقبل؟"
ـ "أنت لست جادة".
ـ "بالطبع، أنا جادة. انظر إذا كان هذا هراء مثلما أنت قلت، حسنا، حتما ستكون خبرة ممتعة، الماضي أم المستقبل؟"
ـ "حسنا؛ إذا صدّقت أحد الخيارين فسأختار المستقبل. سيكون هناك عدد من الاحتمالات للمستقبل".
اختارت (آن) أقصر رحلة في حدود مائة سنة. لم تكن تريد أن تبتعد كثيرا إلى وقت مختلف جدا عن الوقت الذي تعيشه حاليا.
ـ "هل أنت مستعد للسفر عبر هذا؟" سألته وهي تقوم بإدخال القرص في الحاسوب.
ـ "بالطبع".
ـ "حسنا؛ في هذه الحالة أنا لن أبتعد عنك، وسأقوم بالاستماع إلى شريط مسجل، يمكنك مناداتي إذا احتجت إلى أي مساعدة. ولا تنس ربط حزام الأمان، ربما لن تشعر أنك على كرسي".

الفصل الثاني

هل شعرت يوما ما بعاصفة قوية جدا من شدتها يمكن أن تخلع ملابسك من جسمك أو شعرك من رأسك؟ هذا ما حصل فعلا لـ (آن) عندما بدأت رحلتها الأولى عندما أعادت الزمن مائة سنة. وكان كل شيء في أكثر من فضاء؛ ولم يكن بوسعها أن تتحدث لثوان.
إذا قامت بالخطوات الصحيحة في الضغط على الأزرار قبل مغادرتها سوف تعود لوضعها الطبيعي خلال عشر دقائق. ذلك يعني أنها من خلال البرنامج قد سافرت في المستقبل لمدة عشر ساعات، كل ساعة عن دقيقة واحدة من الوقت الحقيقي.
كان الوقت ليلا عندما أرادت أن تأخذ قسطا من الراحة، لكن الشوارع كانت مضيئة مما جعلها تعتقد أنه بداية اليوم. وبشكل واضح؛ يبدو أنه لم يكن أحدهم نائما، أو حتى موعد نومه قريب، بل العكس من ذلك؛ الشوارع مزدحمة بالناس. الموظفون متوجهون إلى أعمالهم والمحلات مفتوحة والطلاب مغادرون بيوتهم إلى المدارس. إذاً؛ يبدو انه بداية يوم عمل جديد.
بدت رحلة الفكر ممتعة جدا لـ (آن) واستطاعت التحرك في يسر والخروج من المحلات التجارية والمصانع والمكاتب. الناس يتكلمون الإنجليزية وبعض اللغات الأخرى ويمكنها فهم معظم الحديث الذي تسمعه. الحياة أشبه ما تكون جد تجارية لكل أحد. الناس لا يتذمرون ولكنهم لا يضحكون ولا حتى يبتسمون. فقط يتحدثون عندما يرون أن هناك أمراً مهماً ينبغي الحديث عنه. ذات مرة أو ربما مرتين تعتقد أنها سمعت رجلا عجوزا وهو يقول "يا لها من ليلة غرامية هذه".
المصانع كانت نظيفة والآلات هادئة. والعمّال يراقبون الآلات ولكن معظم الوقت يقرأون أو يسمعون الموسيقى أو يتحدثون. وكذلك الحال في المكاتب؛ الآلات أشبه ما تكون هي التي تنجز كل شيء. هل سيكون الحال نفسه في المدارس؟! تساءلت (آن) في استغراب، عندما بحثت عن المدارس وجدت واحدة ولكنها لم تجد فيها معلمين أو فصول. كان هنالك شاشات فيديو وأجهزة حاسب آلي في غرف صغيرة والطلبة في جميع الأعمار مشغولون بأعمالهم الخاصة. وأيضا يبدو الجد على الجميع.
وفي منتصف اليوم (بالنسبة للبرنامج) ويعتبر منتصف الليل بالنسبة لـ (آن)؛ يبدو أن كل واحد توقف عن العمل. كان الوقف قد حان للأكل. وبالطبع؛ توقعت (آن) أن تشاهد أغذية حقيقية. ولكن في الواقع أخذ كل واحد علبة صغيرة من جيبه بها حوالي اثنتي عشرة أو نحو ذلك من الحبوب والأقراص الملونة وقام بأكلها في هدوء. ومرة أخرى، كان ذلك عمل جدي جدا.
الجميع يمارس الرياضة، البعض يذهب للصالات الرياضية والبعض الآخر يذهبون لأحواض السباحة أو الملاعب. جميع الألعاب مألوفة ولكن تمارس بطرق مختلفة. لا يوجد هنالك صراخ ولا ضحك. الناس يلعبون لأجل اللياقة وليس للتسلية وكل واحد سواء الشباب أو الكبار في السن يلعبون بإتقان.
حان الوقت للعودة للبيت. لم تجد (آن) الوقت كافيا لكي تدخل أحدا من البيوت. الناس يسكنون في شقق ذات نوافذ صغيرة؛ ستائرها مسدولة والغرف باردة ونظيفة. قالت (آن) أكيد أن الجميع لديهم مكيفات هواء.
وجبة أخرى من الحبوب والأقراص على الصحون وتؤكل في هذا الوقت. أفراد العائلة يتجمعون حول طاولة الطعام ويتحدثون عن أعمالهم ويشاهدون التلفاز. لم تشاهد (آن) أحدا يقرأ جريدة أو كتابا وكبار السن يلعبون الورق أو الشطرنج.
الليلة كانت تنتهي. الناس يتجهزون للنوم. ليس ذلك ما أرادت (آن) مشاهدته، ولكنها رجعت للشارع مرة أخرى.
في المساحة الواسعة وخلف التلال يمكنها مشاهدة السماء تبدأ بالاحمرار وهي تستقبل أشعة الشمس قبل أن تشرق. كان الفجر قادما. حتى تلك الساعة كان الهواء قويا جدا. وكانت رحلتها في المستقبل على وشك الانتهاء. في أي دقيقة يمكنها العودة إلى عالمها الحقيقي. وأيضا ستشعر بالعاصفة القوية مرة أخرى كالتي شعرت بها منذ البداية.
ولكن بمجرد أن لاحت الشمس في الأفق ولأول مرة (آن) تشاهد حقيقة الأرض. لم يكن هناك أشجار أو أزهار ولا مخلوقات حية. مجرد صحراء واحدة جافة وميتة.

* من مجموعة قصصية بعنوان "الكرسي الساخن وقصص أخرى" للروائي الإيرلندي "دون بيرن 1889 ـ 1928"
****


أعلى





الهولندين في الخليج العربي
(العلاقات الهولندية الفارسية)

أدرك الشاه عباس الأول أهمية المساعدة الهولندية في صراعه ضد البرتغاليين في منطقة الخليج العربي منذ ظهور الأسطول الهولندي لأول مرة خارج مضيق هرمز في عام 1607. ولذلك أرسل الشاه عباس سفيره زين الدين خام شاملو إلى هولندا للتفاوض مع حكومتها، ولكن تلك السفارة الفارسية لم تسفر عن نتيجة إيجابية. ورغم ذلك فقد كان الشاه عباس يفضل المساعدة الانجليزية على غيرها في صراعه مع البرتغاليين، فقد ذكر روبرت شيرلي للوكيل الانجليزي ـ كيردج ـ في أجمير في عام 1614 بأنه إذا لم يقبل الانجليز التجارة مع فارس فسوف يحضر (روبرت شيرلي) الهولنديين الذين يرغبون فيها كثيرا.
وقد اقترن ظهور الهولنديين في الخليج العربي بالمساعدة التي قدمتها سفن الشركة الهولندية بالاشتراك مع سفن الشركة الانجليزية للشاه عباس لإلحاق الهزيمة بالأسطول البرتغالي في عدد من العمليات البحرية الصغيرة خارج ميناء جمبرون "بندر عباس" ولمنع البرتغاليين من استعادة هرمز بعد استيلاء القوات الفارسية ـ الانجليزية المشتركة عليه في عام 1622. وكان الشاه عباس قد مارس ضغطاً على الهولنديين فيما يتعلق بالامتيازات التجارية والإعفاءات الجمركية لحملهم على الاشتراك مع الانجليز في الحرب ضد البرتغاليين. وتمشياً مع سياسة الشاه عباس تعرضت الشركة الهولندية لمضايقة السلطات الفارسية في عام 1626 لإرغامها على تسديد ثمن 300 حمل من الحرير الجيلاني وتذرع المسؤولون الفرس بأن الفرمان الذي حصل عليه الهولنديون لم يكن نافذا وأرعموا وكلاء الشركة في فارس على التقدم بالتماس جددي إلى الشاه لمد مفعول الفرمان السابق.
ولكن الهولنديين تمكنوا من الحصول على أصدقاء كثيرين في بلاط الشاه بفضل الهدايا التي بالغوا في تقديمها إلى الشاه والمسؤولين الفرس "كأنما لا قيمة للنقود والبضائع عندهم"
ولم يتمكن الانجليز من التفوق عليهم في هذا المجال، ولذلك حصل الهولنديون في عام 1627 على منحة من الشاه عباس الأول بتصدير الحرير بشروط أفضل من التي حصل عليها الانجليز في عام 1617. وبسبب الحرب الفارسية ـ العثمانية في عام 1628 كان الشاه عباس بحاجة إلى قرض بقيمة ثلاثين ألف تومان لتغطية بعض النفقات الطارئة فرضي أن يبيع للهولنديين خمسة آلاف بالة من الحرير سنوياً. وانتهز الهولنديون الفرصة فأغرقوا الأسواق الفارسية بالتوابل والبهارات الشرقية. ولكن الشاه عباس أرغمهم على تقديم هدايا وأموال نقدية في مقابل الاستمرار بالتجارة على نطاق واسع مع فارس. كما أدى الإسراف في استيراد الفلفل إلى بيع ثلث الكمية المستوردة فقط.
وهكذا وثق الهولنديون علاقتهم بالشاه عباس وتمكنوا من تدعيم مراكزهم التجارية خلال السنوات الأخيرة من حكمه (1625ـ1629) فأقاموا ثلاثة وكالات تجارية لهم في أصفهان وجمبرون ولار. وكانت وكالتهم في أصفهان المركز الرئيسي للشركة الهولندية في فارس. كما أشرفت وكالتهم في بندر عباس على تفريغ البضائع الشرقية والأوروبية مثل الأصواف والأواني الخزفية والعطور والعقاقير الطبية من السفن الهولندية وإعادة شحنها بالبضائع الفارسية مثل الحرير والسجاد والمخمل. وكانت الوكالة الهولندية في لار محطة لاستراحة القوافل التي تحمل البضائع الهولندية من جمبرون (بندر عباس) إلى أصفهان.
وقد وجدت الشركة الهولندية في الشاه عباس حاكماً متنوراً يبحث عن الوسيلة المناسبة لبيع الحرير الفارسي إلى أوروبا عن طريق آخر غير الطريق البري الذي يمر بأراضي الدولة العثمانية إلى موانئ البحر المتوسط. وحصلت الشركة الهولندية في عام 1630 على فرمان من الشاه صفي منحها أربعمائة حمل من حرير شيروان، وقد استمر الهولنديون في تقديم الرشوة إلى المسؤولين الفرس، كما وجد الهولنديون في وفاة الشاه عباس في عام 1629 فرصة للمشاركة في تجارة الحرير فقد بقيت الامتيازات التي منحها الشاه عباس للإنجليز دون تحديد أو تأكيد لبعض الوقت.
وأبدى الهولنديون مهارة في التجارة مع فارس وأصبح زمام التجارة الفارسية في أيديهم، فاشتروا في عام 1631 مئتي بالة من الحرير بسعر 44 توماناً للحمل الواحد على أن يدفعوا قيمتها نقداً في أصفهان في غصون شهرين من تاريخ شرائها، وكان قد سبق لهم شراء الحرير الفارسي بسعر 45 توماناً على أن يدفعوا نصف القيمة نقداً ونصفها الآخر بضائع وبسعر 46 توماناً بمقايضته مع القصدير. وبذل الهولنديون جهودهم لإغراء التجار الفرس لإحضار الحرير سنوياً إلى ميناء جمبرون، وقد قامت الشركة الهولندية بهذا الإجراء بعد أن فشلت محاولاتها لحمل الشاه صفي على المتاجرة معها على الرغم من إسرافهم في تقديم الرشاوي للحصول على عطفة على مصالحها.
وقد فاجأ الشاه الهولنديون والانجليز عندما أعلن عام 1632 عن الاختلاف في سعر الحرير الجيلاني والحرير الشيرواني. فقد كانت رغبة التجار في حرير جيلان أكثر من حرير شيروان، وكان معدل حمل الحرير 37 توماناً، ولكن السلطات الفارسية حدد السعر النقدي لحرير جيلان 45 توماناً للحمل الواحد ولحرير شيروان 48 توماناً للحمل الواحد واشترطت دفع نصف القيمة نقداً ومقايضة النصف الآخر ببضائع من الهند. ولما كان الشاه صفي يطالب الشركة الهولندية بمبلغ 12000 تومان عن عام 1631 فقد رفض تسليمها أي بالة من الحرير ما لم تسدد حسابها السابق.

ونشطت تجارة الشركة الهولندية مع فارس، ففي عام 1632 أحضرت معها من البضائع والنقود ما تعادل 300000 جنيه استرليني نصفها نقداً. وكانت خطط الشركة تقوم على احتكار تجارة الحرير والاستمرار في إغراق الأسواق الفارسية بالبضائع والأموال بمعدل 300000 جنيه استرليني سنوياً. ولكن الشاه ظل يرفض بيع الحرير على الحساب ويطالب بنوعية أفضل من البضائع الأوروبية .
ومهما يكن من أمر فقد استمر تدفق التجارة الهولندية على الموانئ الفارسية حيث وصلت ثماني سفن هولندية تجارية ترافقها خمس سفن حربية. وكان الهولنديون قد عرضوا على فارس مساعدتهم العسكرية لطرد البرتغاليين من مسقط، ولكن الانجليز رفضوا الاشتراك في الحملة المقترحة حتى يحصلوا على رد حاسم من الفرس فيما يتعلق بنصيبهم من الرسوم الجمركية في جمبرون ولذلك فشل مشروع الحملة الفارسية الهولندية الانجليزية المشتركة على مسقط لاسيما بعد انه تسبب الوباء في وفاة عدد كبير من الجنود الهولنديين بعد ان تجددت المحاولات الفارسية ـ الهولندية للاستيلاء على مسقط وطلبت من وكلائها في منطقة الخليج العربي الاشتراك الخطة إذا كان الفرس مستعدين للهجوم على مسقط .
ولكن اهتمام الهولنديين بمسقط تضاءل في عام 1633 م وتخلوا عن اخذ مسقط بسبب صعوبة الاستيلاء عليها بدون وجود قوة برية مساندة للهجوم البحري عليها وكان الفرس قد أبدوا اهتمامهم بالاستيلاء على مسقط فور على عرمز 1622 وكان خان شيراز متحمسا للمشروع ولكن وفاته وضعت حدا للخطة التي وضعها كذلك هدأت تحركات القائد البرتغالي رأى في الخليج العربي ورغم ذلك استأنف الهولنديون محاولاتهم للاستيلاء على مسقط وعرضوا مساعدتهم على خان إقليم فارس لتحقيق هدفهم .
ولذلك ظل زمام المبادرة في يد الشركة الهولندية التي كانت أكثر استعداد لتقديم خدماتها ففي عام 1633 عرض وكيل الشركة الهولندية على الشاه صفي خدمات بلاده في كل المجالات التي يمكن أن تطلبها فارس وبعد أن أكد على قوة الشركة البحرية التمس من الشاه ان يسمح للسفن الحربية الهولندية بالرسو في جمبرون بعد أن انتشرت الإنباء عن رغبه البرتغاليين في مهاجمة البحرين وأوضح للشاه أن في وسع السفن الهولندية بعد تزيدوها بالذخائر والمعدات الحربية نقل القوات الفارسية إلى البحرين وعندئذ لن يجرؤ البرتغاليون على التصدي لها أو مهاجمة البحرين أو إزعاج أي من رعايا الشاه. وقد اشترط الهولنديون الحصول على نصف الغنائم التي يمكنهم الحصول عليها مقابل ذلك وقد وافق الشاه صفي على العرض الهولندي مما زاد في قوة مركز الهولنديين في فارس.
ولكن العلاقات الهولندية - الفارسية واجهت بعض الصعوبات في عام 1640 بعد فشل الجانبين الهولندي والفارسي في التوصل إلى اتفاق بشأن الحرير الفارسي، فقد عرض الهولنديون على الشاه التعاقد معه لشراء 400 حمل من الحرير إذا ما قبل بسعر أقل من خمسين تومانا للحمل الواحد. ثم تجدد الخلاف في العام التالي بسبب حرص الهولنديين على التهرب من دفع الرسوم الجمركية في جمبرون "بندر عباس" ومطالبتهم بمعاملة ممثلة للإنجليز.
ولتحقيق ذلك لجأت الشركة الهولندية إلى استخدام القوة ضد فارس فأرسلت ألف جندي لتنفيذ خطتها بالهجوم على هرمز ولإشاعة الخوف والذعر في فارس. وجاء الأسطول الهولندي معه بفرقاطات جاهزة وأحضر معه الأدوات والمواد اللازمة لتحصين قشم، لإرغام الشاه على الدخول مع الشركة الهولندية في مفاوضات للحصول على فرمانات أخرى مما سيؤثر على حصة الانجليز في عائدات جمارك جمبرون، ولذلك أصدرت الشركة الانجليزية تعليماتها إلى وكلائها بالاحتجاج ضد الإجراءات الهولندية التي ستلحق الضرر بالمصالح الانجليزية في فارس والخليج العربي.
وعندما وصل الأسطول الهولندي جمبرون طلب بلوك من السلطات الفارسية إعادة مبلغ 4900 تومان كان الوكيل الهولندية، في جمبرون "بندر عباس" قد دفعها للسلطات الفارسية كعوائد جمركية متذرعا أن لا حق لها فيها وفقاً للامتياز الذي منحه الشاه للشركة الهولندية والذي يعفها من دفع الضرائب عن بضائعها. ويبدو في هذه الحادثة أن الشركة الهولندية لم تنجح تماما في الحصول على إعفائها من دفع الرسوم الجمركية في جمبرون.
وبعد فشل المفاوضات هاجم الأسطول الهولندي قشم، ولكنه فشل في الاستيلاء عليها بعد أن فقد عددا كبيراً من رجاله. وقد استهدفت الشركة الهولندية من استخدام القوة الحصول على مركز قوي في فارس لا يمكن للمنافسين الآخرين الإغارة عليه أو مهاجمته، ولذلك جاءت بأعداد كبيرة من السفن وفرضت الحصار على قلعة الحاكم الفارسي في قشم مما اضطر الشركة الانجليزية إلى نقل بضائعها من ميناء جمبرون "بندر عباس" إلى البصرة.
ولكن هذا الإجراء الهولندي المتشدد نبه السلطات الفارسية إلى الخطر المحدق بها، ولذلك اضطر الشاه عباس الثاني الذي كان على استعداد لمصالحة الهولنديين إلى الاستجابة لمطالب الشركة الهولندية، فتوجه قائد الأسطول الهولندي - بلوك - إلى أصفهان وانتزع من الشاه فرمانا بمنح الشركة الهولندية حرية شراء الحرير من أي مكان في فارس وتصديره بدون دفع رسوم جمركية عليه مما أدى إلى ادعائها احتكار تصدير الحرير الفارسي.
وهكذا نجحت الشركة الهولندية في كسر الاحتكار الملكي لتجارة الحرير الذي أسسه الشاه عباس الأول، ولكنها في مقابل ذلك حصلت على عداء الفرس وكراهيتهم لها. وفي العام التالي (1646) كان سعر الحرير في أصفهان 36 توماناً للحمل الواحد ولكن الهولنديين رفضوا ابتياعه حتى يقوم الشاه بإرساله إلى جمبرون في محاولة منهم لإرغام الشاه على إرسال البضاعة الجيدة. وقد بلغت قيمة التجارة الهولندية مع فارس حوالي مئة ألف جنيه استرليني سنوياً. ووصلت فارس في ربيع 1646 سفينتان هولنديتان من الهند لشحن البضائع الفارسية من جمبرون. وكان السفن الهندية قد انقطعت عن الحضور إلى الموانئ الفارسية خوفاً من دفع الجمارك إلى وكالة الشركة الهولندية في لار.
ومع منتصف القرن السابع عشر كان النفوذ الهولندي قد بلغ أوجه في الخليج العربي، واستغلت الشكة الهولندية خوف الشاه عباس الثاني منها، فتقدمت بطلبات جديدة لا تنقطع مما تسبب في توتر العلاقات الهولندية الفارسية مرة أخرى في عام 1653 عندما تسلم حاكم جمبرون أمراً من الشاه بإرغام الشركة الهولندية على دفع مبلغ 350 توماناً كرسوم جمركية عن العام السابق، ولكن وكيل الشركة الهولندية قدم هدية للحاكم ريثما تتمكن الشركة من الحصول على إعفاء من الشاه.
وبصفة عامة كانت العلاقات التجارية وثيقة بين هولندا وفارس في الربع الثالث من القرن السابع عشر، وفي عام 1666 قامت بعثة هولندية بزيارة أصفهان. ومع حلول عام 1680 كانت الشركة الهولندية قد وطدت مركزها التجاري في بندر عباس والبصرة وعادت إلى ممارسة ضغطها على السلطات الفارسية فحاصرت في عام 1684 جمبرون وأرغمت على الاستجابة لطلبها.
وكانت المنازعات قد تجددت في عام 1684 بين الوكالة الهولندية والسلطات الفارسية بسبب تحريض الوكلاء الانجليز لدى الشاه بعد نجاحهم في توسيع تجارتهم مع فارس واستيراد السكر والحرير والسجاد والذهب والفضة والنحاس مما أدى إلى قيام الأسطول الهولندي بمحاصرة بندر عباس.
وفي المقابل حاولت الوكالة الهولندية في أصفهان في عام 1686 إحداث خلاف بين الشاه الفارسي والوكالة الانجليزية، ولكنها فشلت بسبب الدور الذي قام به مترجم الشركة الانجليزية الأرمني في التجسس على الوكالة الهولندية لحساب الانجليز.
كذلك لم ينجح السفير الهولندي ـ الذي زار أصفهان في عام 1690 ـ في الحصول على فرمان من الشاه باحتكار تجارة صوف كرمان ولكنه تمكن من استمالة الشاهبندر الفارسي في نبدر عباس عام 1691 مما تسبب في حدوث كساد شديد للتجارة الانجليزية ، حتى تعذر على الوكالة الانجليزية في بندر عباس استيراد بضائع جديدة في ذلك العام.
ثم زادت المشكلات حدة بين الفرس والعرب في الخليج وتكرر هجوم العرب على السفن الفارسية في الخليج العربي، وخشي الانجليز أن يقوم الهولنديون بنجدة الشاه وما يترتب على ذلك من حصولهم على حقوق الدولة المفضلة في التجارة مع فارس ولكن مخاوف الانجليز لم تتحقق. ويبدو أن الخلاف بين الهولنديين والفرس فيما يتعلق بتسديد مدفوعاتهم من الجمارك قد استمر، ولكن الهولنديين تجحوا في استمال الشاهبندر الفارسي مرة أخرى فدفع لهم مبلغ 1300 تومان من حصة الانجليز في الجمارك، كما احتج الهولنديون في عام 1699 لقيام الفرس بدفع جزء من نصيب الانجليز في جمارك جمبرون حريراً لاحتكار الهولنديين تصدير الحرير الفارسي عن طريق البحر.
ثم توترت العلاقات الهولندية ـ الفارسية مرة أخرى في نهاية القرن السابع عشر عندما رفض الشاه حسين زيارة الوكالة الهولندية في أصفهان أسوة بزيارته للوكالة الانجليزية فيها. ومهما يكن من أمر فإن الهولنديين لم يثقوا بالفرس، وظل هدفهم يتمثل في الاستيلاء على إحدى الجزر واتخاذها مركزاً مستقلاً لهم في الخليج العربي. وفي سبيل الحصول على ذلك عرض الهولنديون تقديم مساعداتهم للشاه الفارسي في عام 1705 عندما زادت غارات الأسطول العربي على السفن الفارسية، ولكن الشاه رفض العرض الهولندي وفضل التعاون مع الانجليز، وعلى الرغم من الأحداث السابقة فقد احتفظ الهولنديون بمركزهم في بندر عباس حتى عام 1759 عندما أرغمهم الانجليز على الانسحاب بسبب تقديمهم المساعدة للحملات الفارسية ضد البحرين والساحل العماني. وكان الهولنديون قد وقفوا في عام 1744 إلى جانب الحكومة المركزية في أصفهان ضد حاكم بندر عباس بينما وقف الانجليز إلى جانب الحاكم.
أما العلاقات الهولندية مع العرب في الخليج فكانت ودية بسبب العداء المشترك للوجود البرتغالي، كما استقبل الهولنديون استعادة العرب مسقط في عام 1650 بسرور لأن التجارة الهولندية تخلصت من المضايقات التي كانت تتعرض لها من السفن البرتغالية في الخليج العربي، ولذلك استمرت سياسة التفاهم بين الهولنديين ودولة اليعاربة في عمان في عهد الأمام سلطان بن سيف الذي قدم في 1651 للوكالة الهولندية في جمبرون بشأن استخدام الطريق البري لنقل البضائع الهولندية براً بواسطة الجمال عبر الأراضي العمانية إلى القطيف والبصرة بدلاً من جمبرون. وكان هدف الإمام سلطان بن سيف كسب الشركة الهولندية إلى جانبه في صراعه مع البرتغاليين وإلحاق الأذى بالمصالح الاقتصادية البرتغالية في كونج، كما أن مصلحة الهولنديين كانت تقضي بترويع الشاه الفارسي فيما يتعلق بتجارة الحرير لحمله على تخفيف الضرائب التي فرضها على الشركة الهولندية في مقابل نقل بضائعها براً من جمبرون "بندر عباس" إلى البصرة عبر الأراضي الفارسية.
ولكن مضت عشرون عام على طرد البرتغاليين من مسقط قبل أن تقوم الشركة الهولندية باستئجار مكتب لها في مسقط لتسهيل شئون بريدها في منطقة الخليج العربي. وفي عام 1672 وصل الحاكم الهولندي العام لباتافيا (جاكرتا) في مهمة تجارية إلى مسقط.
ولكن العلاقات الودية الهولندية ـ العربية تحولت إلى علاقات عدائية في عام 1695 عندما أخذت السفن العربية في مهاجمة السفن الهولندية في الخليج العربي والمحيط الهندي، وعندما اشتد الصراع بين العرب والفرس استنجد بالهولنديين بعد أن فشلوا في الحصول على مساعدة الانجليز، ولكن دون جدوى.

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية الإسلامية


أعلى





لمحتك كالفجر نقيا


تنحني على ضوء الراحلين
تهتز في داخلي صورة رحيلك الرمادي
ومرورك عبر مسامات الأحلام منتشيا
تمارس هوايتك المجنونة
تجمع النجوم على أنغام مواويلكَ الذائبة في الليل

***

لم أكن أع بعد معاناة الفقد
وكيف تحيل القلب مأتما
تخرس دقاته المضطربة
ويتألم بصمت الفجيع
كي لا تشب نيران البعد كل الجسد

***

لم أكن أتخيل أني سوف أبحث عن ملجئ آخر لأمنيتي
التي مازالتْ في قماطها ترشف من الحياة
واقعا جميلا
كنت أرى فيكَ مدينة لا تضم إلا الأبطال
تطلق سراح الأحلام المسجونة في العتمة
تفك قيد معصمها القاسي

***

ورغم هذا قد تبدو وحيدا كالأنا
تعانق الأفق بعينين ذائبتين
وترسم للوجود ملامح أخرى
ألفتُ الصبح لأنه يحمل شيئا منك
فأنت بين الأرواح غريبا
وكل الكلمات تهرول خلفك حين لمستْ منك رحيلا

***

أي بحر هذا الذي منحكَ سره؟
وباتت أمواجه تهتف باسمك
وأي الغابات هذه التي صفقت لك أشجارها؟
وكأنك أميرا لعشائر الربيع
قد ترى نثري مسكينا في زمرة المساكين
لا يستوعب ضخامة وجودك فيه
فأمامك يا أنت ... تحتضر القوافي المالحة
وتزهر الحروف الذابلة

***

نغادر معا لحظة الفجر
حين تتوضأ الحياة
وتنهض الشمس
كي تهدي قبلتها الصباحية للبحر

***

عذرا لك ...
لم يبق إلا انكسار خواطري
لم تبق إلا تراتيل حزينة
أتلوها على قبرك الرخامي
رحلتَ وحيدا مشيعا على أكتاف
المسافرين
وتركتَ أحزانا عجافا تنهشني

***

كلما لمحتُ طيفك
كالفجر نقيا
منحنيا لسجودك الأخير
تعذبني الذكرى
وتنوح لفقدك كل رسائلي
وأوراق قصتي المكتوبة
بنهاية موتك...

***

ربما شاخ الحزن في داخلي
وأنا مازلتُ طفلة
لا أعي حكاية القدر بعد

فاطمة العميرية


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept