الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 






فتاوى وأحكام

سؤال:
بما أننا الآن في أجواء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف كيف يمكن للمسلمين عموماً أن يصنعوا من هذا الحدث العظيم الكريم الجليل فرصة لتجديد الولاء والعهد ولنشر الإسلام والتعريف به كما يصنع غيرنا على الأقل عندما يقيمون ضجة إعلامية كبيرة في احتفالهم بأعياد ميلاد أنبيائهم أو ما شابه ذلك؟

الجواب:
أولا أنا أريد استدرك بأنه أولئك الأنبياء نحن أولى بهم، نحن لا نفرق بين أحد من الرسل، ونؤمن بأن ما نحن مستمسكون به من العقيدة هو ما كان عليه أولئك الأنبياء، الله سبحانه وتعالى يقول (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)، ويقول (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: من الآية36)، ويقول عز من قائل حكاية عن نوح وهود وصالح وشعيب (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وحكى عن المسيح عيسى عليه السلام أنه قال (اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة: من الآية72)، فإذن نحن أولى بأولئك الأنبياء، وأولئك أنبياؤنا وليسوا بأنبيائهم، نحن أولى بهم، نحن متمسكون بهديهم، متبعون لهم (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران:67).
علينا أن ندرك هذا ثم على أي حال نحن ندرك أن السلف الصالح عندما كانوا قريبين من المنبع الصافي النقي الطاهر ما كانوا بحاجة إلى أن يجددوا عواطفهم تجاه الرسول صلى الله عليه وسلّم باحتفالات يقيمونها ذكرى لأي حدث من أحداثه صلى الله عليه وسلّم سواء كان ذلك حدث ولادته أو كان حدث مبعثه أو كان حدث هجرته أو كان حدث أي موقف وقفه صلى الله عليه وسلّم، ما كانوا بحاجة إلى ذلك لأنهم كانوا جديدي عهد بالنبوة، وكانت عواطفهم تتأجج تجاه شخص الرسول صلى الله عليه وسلّم لا تخمد بحال من الأحوال، ولا يطرأ عليها ما يجعلها تبرد أو يجعلها تتراجع، بل كانت عواطفهم عواطف تجاه شخص الرسول ثائرة باستمرار، ونحن بحاجة إلى هذه الروح الوثابة، بحاجة إلى هذه الروح الدعوية أن تكون فينا، بحاجة إلى ما يوقظ منا هذه العواطف تجاه شخص الرسول صلى الله عليه وسلّم والغيرة عليه صلوات الله وسلامه عليه والحفاظ على كرامته صلوات الله وسلامه عليه، والتفاني من أجل إبلاغ دعوته إلى الناس أجمعين، بحاجة إلى هذا كله، فلذلك علينا أن ندرك أن القضية ليست قضية احتفال، ليست قضية أن يخرج الناس في عطلة في يوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم منهم من يُقضّي وقته في اللهو، ومنهم من يزيد على ذلك بحيث يُقضّي وقته في معاصي الله سبحانه، هذا ليس من حب الرسول صلى الله عليه وسلّم في شيء، إنما حب الرسول صلى الله عليه وسلّم يتجسد في حسن الاقتداء به وفي الغيرة على دينه وفي الغيرة على سنته صلى الله عليه وسلّم، وفي الحرص على إحياء هذه السنة وجعلها تتجسد في حياة كل فرد من أفراد هذه الأمة، هذا هو الحب الصحيح لشخص الرسول صلى الله عليه وسلّم.
إن حب النبي صلى الله عليه وسلّم ليس مجرد عاطفة لا تكاد تثور حتى تغور ولا تكاد تتأجج حتى تخمد، وإنما حب النبي صلى الله عليه وسلّم قبل كل شيء عقيدة راسخة في النفس، مستحكمة في العقل والقلب، مسيطرة على الفكر والواجدان، توجه الإنسان الوجهة الصحيحة، وتقوده في الصراط المستقيم إلى مرضاة رب العالمين.
فنحن إن أدركنا هذا على أي حال أدى ذلك بنا إلى أن نحرص على التفاني في خدمة هذا الدين، وإحياء ما اندرس من سنته صلوات الله وسلامه عليه.


سؤال:
في مجتمعنا يقومون في عيد المولد النبوي بإقامة رباط يبدأ من العاشرة صباحاً إلى الثالثة زوالاً، يبدءون بالاستغفار والحمد والتسبيح والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم سرا، ثم يقرؤون القرآن، وبعض الأخوات يصمن هذا اليوم، فهل تخصيص هذا اليوم بكل هذه العبادات فيه شيء؟

الجواب:
لا داعي إلى تخصيص هذا اليوم بهذا، الوقت كله وقت عبادة، والزمن كله زمن صلة بالله سبحانه وتعالى، نعم الأوقات التي خُصصت بعبادات معينة توقيفية جاءت من الشارع علينا أن نحرص على تلكم العبادات فيها، أما بقية الأوقات فإننا نعمل ما نستطيعه من ذكر الله تعالى، ويؤمر الإنسان أن يذكر الله سبحانه وتعالى على أي حال، نحن نجد في كتاب الله سبحانه كيف يأمرنا الله سبحانه بأن نذكره بعد أداء عباداتنا (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء: من الآية103)، ويقول تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10)، ويقول (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) (البقرة: من الآية200)، هكذا يؤمر الإنسان أن يحرص على ذكر الله عز وجل على كل حال، ولذلك الذكر شُرع عند طلوع الشمس وعند غروبها في بداية الليل وبداية النهار وأدبار الصلوات، كما نجد دلائل ذلك في القرآن الكريم خلافاً لمن يعرضون عن ذكر الله أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فإن الله عز وجل يقول (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف:28).
على أي حال ذكر الله سبحانه وتعالى مطلوب، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم مطلوبة أمر الله تعالى بها في كتابه قال عز وجل (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56)، فالإنسان عليه أن يحرص على الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلّم في جميع الأوقات لا في هذا اليوم.
وليست هنالك خصوصية لصيام مولده صلى الله عليه وسلّم أو يوم اليوم الذي يصادف ذكرى مولده لا دليل على ذلك، ولكن مع هذا كله نحن نرغب في أن تكون عاطفة الناس قوية تجاه الرسول صلى الله عليه وسلّم ولو كانت هذه العاطفة تتجدد عاماً بعد عام، نحن نريدها دائماً مستمرة بحيث لا تفتر من وقت إلى آخر بل تستمر هذه العاطفة متأججة بين حنايا مشاعر الإنسان.


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى





ترسيخ عظمة الرسول في قلوب الناشئة
1ـ2

بدر العبري: الرسول صلى الله عليه وسلم أسس مبدأ العدالة الاجتماعية وألغى الطبقية والاستغلال وطبّق مبدأ التوازن

الكتاب العظيم هو الشفاء لما تعانيه الإنسانية من أمراض نفسية وخلقية، وتخلخل اقتصادي وسياسي، وانحراف فكري وتربوي

مولده عليه الصلاة والسلام حرّر الإنسان من الفساد الخلقي فدعا إلى الفضيلة وحارب الرذيلة وبين كرامة المرأة وحقوقها

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
هانحن في هذه الأيام نحتفل بذكرى غالية على قلب كل مؤمن لأن مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت رحمة وإيذانا من الله تعالى ليكون بهذه الرحمة الإلهية إخراج الناس من الظلمات إلى النور الرباني الذي جاء بقوانين ربانية عادلة، تحفظ للناس حياتهم، وتسعدهم في دنياهم وأخراهم.
وحول هذه الرحمة وترسيخ عظمة الرسول في قلوب الناشئة كان لنا هذه اللقاء مع بدر بن سالم بن حمدان العبري باحث وكاتب عماني..


البشارات
في البداية كانت أمور وبشارات حدثت قبل مولد النور المحمدي هل لكم من وقفة؟
من رحمته جلّ وعلا أن جعل للناس أئمة يهدون بأمره، ويبشرون بدينه، ويطبقون منهجه في الأرض قال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، ولا شك أنّ اختيارهم أئمة للناس من باب توحيد القدوة والأسوة، فهم رباهم الله تعالى على كتابه، وكانوا آيات عملية تمشي بين الناس على الأرض، ولذا كان الاقتداء بهم سموا خلقيا، ومنهجا ربانيا، ووحدة في الإتباع والاقتداء.
والأنبياء جميعا من لدن آدم وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم جسّدوا منهجا تشريعيا وخلقيا واحدا، فبعد ما ذكر الله تعالى أنبياء بني إسرائيل قال: أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
وبما أنّ الشريعة حُرّفت، والطريقة بعد عيسى عليه السلام بُدلت؛ كانت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَ?ذَا سِحْرٌ مُبِينٌ).
ولقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين، الذي جعله الله تعالى نورا لهذا الإنسان، يضيء له ظلام الحياة، ويخرجه من الظلمات إلى النور، ويهديه إلى الصراط المستقيم، هذا الكتاب العظيم هو الشفاء لما تعانيه الإنسانية من أمراض نفسية وخلقية، وتخلخل اقتصادي وسياسي، وانحراف فكري وتربوي (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم مثالا عمليا لهذا الكتاب العظيم، فطبقه في أقواله وسلوكه، وفي بيته وسوقه، وفي خلوته ومع الناس، وفي عباداته ومعاملاته، فسما خلقه، وارتفع بنيانه، وعظم قنوته وخشوعه، من هنا اختاره الله تعالى قدوة للإنسانية وإلى أن تقوم الساعة قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
لذا كان الأمر الإلهي بوجوب طاعته والاقتداء به قال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).
وما كان هذا الإتباع إلا رحمة لهذا الإنسان، به يترفع عن الخواء الفكري الذي يجعله يعيش في فراغ دامس، فتارة يقلد هذا ويتأثر بذاك، لا لشيء إلا لأنهم تفوقوا في جانب معين، أو اشتهروا لغرض رياضي أو فني أو علمي، فيصبح المجتمع وكأنّه لوحة تشكيلية ضمّت نقاطا متغيرة من الأشكال والأنماط، وقد يكون المقلَد منحرفا سلوكيا وخلقيا، وبعيدا عقديا وتصوريا، فكيف بالذي اختاره الله تعالى رحمة للإنسانية والعالمين جميعا، قال تعالى (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وقال أيضا: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).


عمّ الظلم بأنواعه البشعة العالم
قبل مولد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبعثته عم الظلم بأنواعه البشعة العالم هل لكم من وقفة حول ذلك؟


في شعب الجزيرة العربية وصحرائها، ومع بدوها وحضرها، عمّ الظلم البلاد، وخيّم بين العباد، ولم يقتصر على أرض العرب وشعابهم، فهذه بلاد ما بين الرافدين تصرخ ظلما وطغيانا، وأرض الشام تئن أنينا مدويا، وبلاد فارس تزداد بعدا وانحرافا.
عمّ الظلم بأنواعه البشعة العالم، وسادت عبودية الإنسان والطبقية بين البشر:
فهذا ظلم في المعتقد والتوحيد، فأصبحت العبودية والألوهية للصنم والحجر، والنار والبقر، بل والجان والبشر، فكثر المشعوذون يأكلون أموال الناس بالباطل، وعمّ الطغاة من الأسياد وأصحاب الجاه، فجعلوا الناس عبيدا لهم، يتلاعبون بجهدهم، ويأكلون أموالهم، ولا يتمتع بخيرات البلاد إلا هم.
وهناك ظلم في الاجتماع والتجانس البشري، فظهرت الطبقية الاجتماعية، فأصبح اللون مقياسا للتفاوت، والقبلية فوق الطاقات والقدرات، بجانب أسر الرياسة والمال، وقد أبيح لهم ليفعلوا ما شاءوا، ويعذّبوا من شاءوا.
ومن الظلم الاجتماعي ظلم الأبوين، وخاصة المرأة، والتي أصبحت تورث إذا مات زوجها، أو تباع في السوق لينتفع بثمنها، بجانب ضربها لأتفه الأسباب، ومن دفنها حية خوف العار، وأصبحت نهما للذئاب البشرية، يتلاعبون بها بدون رقيب عتيد.
وانظروا إلى الظلم الاقتصادي والمالي، فالمال أصبح دولة بين الأغنياء والرؤساء، وباقي الشرائح يتصارعون على قطع من اللحم، أو رثات من الخبز، ومع هذا أثقلت كواهلهم بديون الربا، والتطفيف في الميزان، فصدق وصف الله فيهم: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.
فأي حياة تطاق بعد هذا، وأي عيش يهنأ في جوٍ كهذا!
هنا ولد الهدى، وانبثق نور الورى، وقد فتحت عيناه في زمن عمه الظلم والجور، وترعرع في صباه وشبابه بين قوم تغطرسوا على العباد، وأكلوا خيرات البلاد...
وهو يرى أبا لهب وزوجه يترفعون على الخلق، ويغتصبون أموالهم بغير حق، ويرى رجالا يُضربون على ظهورهم، لكي يخدموا أسيادهم، ويشاهد طفلة جميلة الوجه، تشع حنانا وطفولة، حملها أبوها ليدفنها حية خشية العار والفقر، ويرى عبيدا يسجدون لبشر مثلهم، تقربا وخشية منهم، ويرى الات والعزى يشمخان على جبلي الصفاء والمروة، والناس يسجدون ويتضرعون لهما. وما بلاد الروم والفرس بأفضل حالا من بلاد العرب،
هذي ديار العرب قاست ظلمة وجهالة وشقاوة وضلالا
فغدت بفضل هداه تشرق بهجة من بعد ما عانت سنين طوالا
قد جاء بالحق المبين وشرعة جعلت سواء حمزة وبلالا

رحمة للإنسانية
بعد ان تطرقتم إلى أنواع الظلم قبل مولد الرسول وبعثته، هل لكم من تشخيص ذلكم العصر الذي ولد فيه الرسول والنقلة النوعية المصاحبة لذلك؟
في هذا الجو كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فرباه ربه ليكون رحمة للإنسانية وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فقد كان رحمة للعالمين في الجانب الديني، فجاء بعقيدة التوحيد، التي خلّصت الإنسان من عبادة الحجر والشجر، والقبور والأموات، والعيون والبشر، فرفعته إلى عبادة رب السماوات، وموجد الكائنات، (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَ?ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
كذلك حرّر الإنسان من الفساد الخلقي، فدعا إلى الفضيلة، وحارب الرذيلة، وبين كرامة المرأة وحقوقها، وأرجع إليها مكانتها في المجتمع، لا فرق بينها وبين الرجل إلا فيما يتعلق بخصوصيتها، قال تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
وفي الجانب الاجتماعي فقد أسس الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ العدالة الاجتماعية، وألغى الطبقية والاستغلال، وطبّق مبدأ التوازن في المجتمع، قال تعالى (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى? رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى? فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
أما في الجانب العلمي والتربوي فأول ما دعا عليه الصلاة والسلام إليه هو العلم، واعتبره واجبا على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والغني والفقير، والأبيض والأسود، فحث على القراءة والكتابة، قال تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم).
وفي الجانب السياسي فقد عمّ الأمن والاطمئنان، وساد العدل بين شرائح المجتمع، فأمن الناس أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، قال تعالى: "مِنْ أَجْلِ ذَ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَ?لِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَ?لِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أما الجانب الاقتصادي فقد حرّمت الشريعة التي أنزلت على النبي عليه الصلاة والسلام الربا والقمار والجشع وكل ما يؤدي إلى الاستغلال، ودعت إلى التجارة والمرابحة وتوثيق الديون، وضمنت حقوق الناس، قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى? فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
فكان مولد النبي إيذانا بهذه الرحمة الإلهية التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور الرباني الذي جاء بقوانين ربانية عادلة، تحفظ للناس حياتهم، وتسعدهم في دنياهم وأخراهم.
ولنا بقية...

أعلى





ولد الهدى

إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل كنانة واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم فأنا خيار من خيار من خيار).
(أنا سيد ولد آدم ولا فخر)
مديح وثناء:
ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وثناء
عبرة وعظة:
الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام يطل على الأمة الإسلامية وهي على اتجاهات عدة، فمنها من لا يدرك ما هذا اليوم وما الذي كان فيه وهل هو معني بذكرى حادثته أم لا، فهذا لا حس له ولا شجون ولا ولاء له ولا انتماء، ومنها من يدرك به ويولجه في مشاعره وأحاسيسه ويَهِبُّ لفعل ما يعبر عن حبه وولائه وصدق انتمائه، ولكن مع الأسف الشديد تتباين هذه التعابير وتختلف من فئة إلى فئة، فهناك من يُفرِط، ترهب وتبتل تأوه وبكاء صراخ وعويل، وهناك من يُفرِّط، لهو ولعب أكل وشراب، وخيرهما من توسط ، جعل الموعد ذكرى، والمتَذَكَّر أسوة حسنة للعمل الصالح أسمى، فجمع بين الحس والمعنى.
حبيبي يا رسول الله محمد ابن عبد الله، عليك ألف صلاة وسلام من الله، ولدت والكون مظلم فملأته نورا، وضعت والناس غرقى فأنقذتهم عدلا، جئت والبشر هلكا فنجيتهم بمشكاة الهدى، حللت فصاح الكون مرحبا بك أهلا، ونزلت فانبسطت لك الأرض سهلا، كلمك الحمام وظللك الغمام وانبجس لك الماء من بين الأصابع والآكام، فشاع ذكرك عند القاصي والداني، واستبشر بمقدمك الكون بأسره فمولدك كان نواة الرسالة، والرسالة ما كانت إلا رحمة للعالمين. فكنت بالطفل رحيما وبالشيخ موقرا كريما، وللشاب أخا وصديقا، وهل تنسى المرأة محمد ابن عبدالله الرسول الأمي، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير البشير النذير، كلا وربي لن تنساه! كيف تنسى من جعل منها أما سوية، وبنتا رضية، وأختا سمية، وزوجة كانت على القلب دوما حاضرة الذكر صفية، أنقذها من الذل وانتشلها من الهوان ونجاها من دفن الأبدان وأعطاها كل حق حسي ومعنوي شرعه لها المنان، يبكيه الفقير حبا وفرحا بأن جاء له بحصة خالصة من مال الأغنياء، وافتقده المسكين وذو الحاجة بعد ما ضرب له سهما في مال الأثرياء، وانتحب له اليتيم إخلاصا وفخرا بأن كان مثل المصطفى يتما ونال شرف وصايته للخلق بكفل اليتيم والكافل مع المصطفى في الجنة كالسبابة والوسطى ، وكم وكم مثل هؤلاء من نال حظا عظيما وافرا بلا أدنى مرا، فلك الحمد يارب رب الأرض والسماء.
أخي الكريم... أختي الكريمة... أيها الشاب الفتي أيتها الفتاة السوية...
هذا محمد من تذكرون سيرته من تدعون محبته من تتفاخرون بصفاته وأفعاله كان عدلا منذ فترة رضاعه، أما عدل عن حصة أخيه من الرضاع، فاعدلوا مع أنفسكم تعدلوا مع غيركم؛ كان ورعا نزيها في نشأته عف عن الغناء وابتعد عن الخمرة والقينات، فانشئوا نشأته تسعد لكم الدنيا والآخرة، فليكن الورع لباسنا والنزاهة والعفة منهجنا؛ كان صادقا أمينا فأحبه الناس وحكموه لصدقه وأمانته فرفع الحجر الأسود وهو أصغر القوم سنا أكبرهم قدرا وشأنا، فاصدقوا واحفظوا الأمانات تكبروا وتعظموا شأنا وقدرا مع أنفسكم وعند غيركم؛ كان برا كريما فليكن البر مبدؤنا والكرم سجيتنا؛ كان مقداما شجاعا لا يخاف في الله لومة لائم فلتكن شجاعتنا في الله وإقدامنا لأجل مرضاة الله؛ كان حنيفيا مسلما لله، شب على العبادة قبل بعثته فما إن بُعث إلا وانقطع عابدا راكعا ساجدا لربه خالقه ورازقه، فكان كثير الصلاة صواما، باذل المال قواما؛ كان خلقه القرآن بل كان قرآنا يمشي، خلق وأدب تعبد لله بلا شطط ولا نكد؛ فهو الأسوة الحسنى والقدوة العظمى لمن رجا الله والحياة الأخرى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب.
أيها الأحبة الكرام من كان هذا شأنه لزم علينا حبه ومن استكن حبه وجب علينا اتباعه فمن لوازم الحب اتباع المحب لمحبوبه وجعله أسوته الحسنة وقدوته الصالحة، فلنجسد أفعاله وأقواله للحق طالبين وفاعلين، وعن الباطل مائلين ومبتعدين، نسلم اليوم وننجوا من أهوال يوم الدين.

القاضي الشيخ: سليمان بن ناصر بن سليمان الناعبي

أعلى





مولده منهج حياة

مولد الحبيب المصطفى هو ميلاد الخيرية لهذه الدنيا قاطبة وبداية لإحقاق الحق وتكوين المجتمع المدني الفاضل، الذي تنشده الإنسانية في مختلف الأزمنة والأمكنة بعد أن تغشاها وابل من الظلم والاضطهاد وخيم عليها الليل بظلمائه وسواده.
إن الحياة البشرية قبل مولده عليه الصلاة والسلام كانت تائهة متخبطة لا تهتدي إلى سبيل الرشد بل ومتناحرة يطغى فيها القوي على الضعيف والغني على الفقير والسيد على المسود وكأن قانون الغاب قد سادها، فتوحشت البشرية بعضها على بعض فكانت المآسي التي نجد مثيلاتها في عصرنا الحاضر سائدة آنذاك، وعادات الجاهلية الرعناء تقدمت المشهد بكل سطوة وقهر وجبروت وصلف، وفي ظل كل هذه الأحداث الجسام ينطلق النور المحمدي ليفجر ثورة عارمة ضد الظلم والجبروت وتهب نسائم ربيع الحرية والعدالة والمساواة والتواضع والخيرية أرجاء الجزيرة العربية لتنطلق إلى العالمية فتصدر تلك المبادئ والقيم والمناهج والمثل من صحراء العرب وباديتهم إلى حضارات العالم القديمة التي لم تعرف للحق طريقا ولا للخير رصيدا إلا في ظل المظلة الإسلامية.
إن غرس حب النبي عليه الصلاة والسلام في نفوس النشء هو واجب تربوي على الأمة القيام به لنقل هذه العقيدة إلى الأجيال المتعاقبة لكي يرسخ حب النبي عليه الصلاة والسلام ويشب عليه الشبيبة ويوظف هذا الحب في واقع المسلم وحياته اليومية لكي يقتدي بالأسوة الحسنة والقدوة الأولى لهذه الأمة، وعلى المناهج التربوية تضمين حب الرسول عليه الصلاة والسلام وسيرته العطرة وسنته المطهرة في مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية وحتى مناهج اللغة الانجليزية يمكن أن تتضمن شذرات من حياة النبي الكريم ومواقف من سيرته الشريفة.
وما يحدث اليوم بين التيارات الإسلامية من مهاترات ومواقف متباينة هو بعيد عن كل البعد عن المبادئ السامية والمواقف الراقية التي دعا لها نبي الرحمة الذي أمر بالتواد والتسامح والألفة والمحبة والأخوة في الإسلام وحب النبي عليه الصلاة والسلام واله وأصحابه هو من ضروريات الدين وأساسياته والتفريط فيها هو نقص وتقصير في حقه، ولا ينبغي لأحد أن يسب صحابة رسول الله وأنصاره فهم عماد هذا الدين وخلصائه الذين ضحوا لأجله بأنفسهم وأموالهم وأولادهم.

حبيب بن مرهون الهادي



أعلى





أطفالنا وحبهم لنبيهم بين الإجلال والإخلال
الحلقة الأولى

إن من الأصول الدينية العظيمة التي ينبغي أن تكون في قلب كل مسلم ومسلمة طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته وامتثال سنته فلا يستقيم إيمان عبد إلا بتحقيق هذا الأصل العظيم وعلى هذا دلت نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وأجمع عليه السلف والخلف من علماء الامة وفقهائها المخلصين قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُو) الأنفال: 20 - 21 وقال (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران: 31 وجاء من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ انه صلى الله عليه وسلم قال "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) الأحزاب: 6 قال القاضي عياض: وكفى بهذا حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه صلى الله عليه وسلم لها إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وتوعدهم (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة: 24 وتعتبر ولادته صلى الله عليه وسلم للإسلام فتحاً وللناس رحمة وللعالمين نعمة وبعثته فجراً بدد الظلام والجهل لقد كان أكرم الناس خلقاً وأوسعهم صدراً وأحسنهم قدراً وأصدقهم حديثاً وأوفاهم عهداً وأجودهم يداً فجدير بمن كان هذه صفته أن يكون محبوباً بين الناس وأن تغرس محبته في قلوب الأطفال من بنين وبنات وصفه شاعره حسان بن ثابت بقوله:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر
وممن نال شرف لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة فكان لهم النصيب الاوفى في محبته وتعظيمه لم يسبقهم أحد قبلهم ولن يأتي أحد بعدهم يحبه كما هم أحبوه بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل نصرته والدفاع عنه سئل علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ" وسأل سفيان بن حرب وهو يومئذ على شركه زيد بن الدثنة ـ رضي الله عنه ـ حينما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه وقد كان أسيراً عندهم أسروه في بئر معونة فقال أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك قال: "والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي" فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً وهذا علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ وهو ما زال طفلاً صغيراً لم يتجاوز السادسة يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه ونفسه في حادثة الهجرة وينام على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحق أن ينال شرف أول فدائي في الإسلام وهو يعلم أنه في أي لحظة السيوف قد تنهشه وياله من موقف ما أشجعه وأصلبه وكذلك أبو بكر الصديق في يوم الهجرة جند نفسه وبناته وأولاده في سبيل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تضحياتهم نبيلة وآثارهم فريدة فهذه أسماء شقت نطاقها لتضع على إحدى شقيه الطعام وكانت تساعدها أختها عائشة والصديق كان تارة يمشي عن يمين رسول الله وتارة عن شماله وساعة خلفه وتارة أمامه يخشى عليه من الكيد أن يأتيه من أي ناحية ويأبى إلا أن يدخل الغار أولاً ليستبرئه لرسول الله صلى الله عليه وسلم من العقارب والأفاعي والحيات والحشرات فلله دره من رجل جاهد من أجل الدفاع عن رسول الله حباً له وولاء، وخبيب بن عدي رضي الله عنه يقع أسيراً في يد المشركين يوم الرجيع فيعذبونه عذاباً أليما وينكلون به لا لشيء إلا أنه دخل في دين الله واتبع نبيه صلى الله عليه وسلم وآمن به ويقولون له بكل استهزاء وكبرياء: أتحب أن محمداً مكانك وأنك معافى في أهلك ومالك؟ فيقول والله ما أحب أنني معافى في أهلي ومالي ويشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة ثم يخرجون به ليقتلوه فيصلي ركعتين ثم يقول: اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً ثم ينصرف إليهم فيقول: لولا أن ترون أن ما بي جزع من الموت لزدت
ولست أبالي حين أقتل مسلماً .... عل أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم يقتلونه شهيداً ونال ما تمنى رضي الله تبارك وتعالى عنه وأبناء عفراء معاذ ومعوذ لما وقفا بجنب سيدنا عبدالرحمن بن عوف يسألانه عن أبي جهل فيقول لهما ما شأنكما به فيقولان سمعنا أنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلاه ويأتيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفهما والواحد منهم يقول أنا قتلت أبا جهل فيقول لهما عليه السلام كلاكما قتله وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة المدينة حيصة قالوا قتل محمد حتى كثرت الصوارخ في ناحية المدينة فخرجت امرأة من الأنصار متحزمة فاستقبلت بابنها وأبيها وزوجها وأخيها "أي أخبرت بموتهم جميعاً" لا أدري أيهم استقبلت به أولاً وهي تمر عليهم واحداً واحداً وهي تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون أمامك حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب كل مصيبة بعدك جلل "أي يسيرة وهينة" وهكذا سار التابعون والسلف الصالح من أبناء هذه الأمة متمسكين بحبل الله المتين ومعزين من البدع ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم يبكون حتى يرحمهم جلساؤهم إذا ذكر بحضرتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً له وتمنياً أن يحشروا معه في مقعد صدق عند مليك مقتدر ومن جملة أولئك السلف الصالح مالك بن أنس وجابر بن زيد وأبو عبيدة وصالح بن المتوكل والربيع بن حبيب وأبو نوح الدهان والأعمش وحماد بن سلمه وأبو موسى الأزكوي وغيرهم كثير لا نستطيع لهم ذكراً ولا نجد لهم عداً وكان إمام دار الهجرة مالك بن أنس إذا أراد الخروج لتحديث الناس توضأ وضوءه للصلاة ولبس أحسن ثيابه وتطيب ومشط لحيته توقيراً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث المروي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله" إن البرهان على صدق محبتنا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره وإجلاله هو تعظيم ما جاء به من الشريعة العطرة من غير إفراط أو تفريط كما فهمها سلف هذه الأمة وطبقوها في واقع حياتهم وغرس هذه المحبة في نفوس الأبناء منذ نعومة أظافرهم وتحفيظهم الآيات التي تدل على محبة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ومنها (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عمران: 31 قال الحسن البصري "ادعى ناس محبة الله عز وجل فابتلاهم الله بهذه الآية" وقال ابن كثير "هذه الآية حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله" ومما قاله أحد الشعراء تجسيداً لكلام إبن كثير
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حباً له ما ذاك في إمكان
وكذا تعادي جاهداً أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان
شرط المحبة أن توافق من ... تحب على محبته بلا عصيان
فإذا ادعيت له المحبة مع ... خلافك ما يحب فأنت ذو بهتان
وغرس محبة نبينا صلى الله عليه وسلم في نفوس أطفالنا من الأمور المقررة التي لا شك فيها ولا ريب وأن إذائه بالقول أو الفعل يستحق صاحبه اللعن قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) الأحزاب: 57

منذر بن عبدالله السيفي

أعلى





أسباب عدم صلة الرحم(3)

نكمل موضوعنا عن أسباب عدم صلة الرحم فقد تحدثنا في السابق عن بعض الأسباب التي تؤدي إلى عدم صلة الرحم و التي قد تكون سبابا في القطيعة، و هنا نكمل الأسباب الأخرى التي تمنع بعض الناس إلى عدم صلة أرحامهم و منها عدم الاحترام المتبادل بين أفراد العائلة، فمثلا عندما تجتمع العائلة مع بعضها نجد أن بعض الأشخاص يستهزأ بالآخر و يسخر منه و هذا يجعل الشخص الأخر يتضايق و ينفر من تلك التجمعات و يمتنع من المجيء مرة أخري، و أيضا من الأسباب التي تؤدي إلى عدم صلة الرحم سوء الظن، و سوء الظن أحد الأسباب التي قد تودي إلى القطيعة فمثلا إذا طلب احد الأقرباء من قريبه حاجة ولا يستطيع ذلك القريب تلبيتها لهم يجعل الأقارب يسيئون الظن به، و يفسرون تفسيرات خاطئة كأن يقول له انه بخيل، فربما يكون ذلك الشخص لدية ظروفه الخاصة التي تمنعه من تلبية الحاجة،و هذا ما يؤدي إلى التباغض بين الأقارب و القطيعة، ومن أسباب عدم صلة الرحم أيضا الاستغراب و التعجب الذي يجده الزائر من المزور، فبعض الأقارب عندما يقوم احد أقربائهم بزيارتهم يستغربون ويتعجبون من ذلك الزائر دون أن تكون هناك مناسبة، فنجدهم يريدون معرفة أسباب الزيارة و ينتظرون من ذلك الزائر إبداء السبب في الزيارة، فهذا يشعر الزائر انه غير مرغوب فيه أو انه أتي في الوقت الغير المناسب،كما إن الحسد سببا من أسباب القطيعة، فقد يكون في العائلة شخصا غنيا أو ذا مال له مكانته الخاصة في العائلة فيحسده بعض أفراد العائلة على ما آتاه الله من فضله، و أخيرا السعي بالنميمة و هي من أهم المفاسد و الأسباب التي تودي إلي القطيعة بين الأرحام، فكثير من الناس انقطعوا عن صلة أرحامهم بسبب النميمة التي تدور بين الأقارب، فالنميمة تغير الود و الألفة بين الأقارب، وتفسد العلاقة الطيبة و الثقة فيما بينهم، هذه هي أهم أسباب القطيعة و عدم صلة الأرحام فيجب علينا أن نصل أرحامنا و نقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم فيما حثنا عنه من صلة الأرحام.

أعداد:أم فارس السيفية
المصدر:شبكة نور الإسلام


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept