|
فتاوى وأحكام
سؤال :
الإجازة الصيفية هي فراغ ، ومفهوم الفراغ يتناوله الكثير من الناس
حسب تفسيراتهم وتأويلاتهم ، فهل هذه الإجازة هي توقف للنشاط وأخذ الراحة
والفرصة مع النفس والبدن أم هي انتقال من عمل إلى آخر ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فالإنسان ما دام حياً لا تتوقف حركته ، فهو ينتقل من حركة إلى حركة
، ومن نوع إلى آخر من الأعمال ، ويدأب جاهداً في حياته هذه إما للعمل
الأخروي الذي يدخره ليوم معاده ، وإما للعمل الدنيوي الذي يتقوى به
في دنياه هذه ويتوصل به إلى مآربه .
ومن المعلوم أن الإنسان إذا ما قايس ما بين الحياتين ما بين الحياة
الدنيا والحياة الآخرة فإن الدنيا يجدها لا تسوى شيئا بجانب الحياة
الآخرة ، إذ الفاني لا يقاس بالباقي ، وحياة الانتهاء لا تقاس بحياة
الاستمرار والبقاء ، فلذلك كان جديراً بالإنسان أن ينصبّ همه على الدار
الآخرة ، ولكن بما أن الدنيا هي ممره وان لم تكن مقره فإن هذا الممر
لا بد أيضاً من أن يكون معتنياً به حتى يتزود من ممره لمقره ، فلو
أفسد ممره لفسد أيضاً مقره ، فالدنيا هي أحقر من أن تكون غاية ، ولكنها
هي وسيلة ، فهي أهم من أن تُضاع ولا يُعتنى بها ، لأنها لو أضيعت لضاعت
مع ضرتها الدار الآخرة .
والإنسان مسئول عن أوقاته كما جاء في الحديث عن الرسول صلوات الله
وسلامه عليه ( لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل
عن خمس عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين
اكتسبه وفيما أنفقه ، وماذا علم فيما علم ) ، فهو يُسئل عن هذا العمر
، يُسئل عن جميع العمر لأن كل لحظة من لحظات العمر فرصة من الفرص للعمل
الصالح وللتزود لما هو خير وأبقى ، ويُسئل سؤالاً خاصاً عن الشباب
من بين سائر مراحل العمر لأنه المرحلة الذهبية المتميزة بالفتوة والقوة
، والمتميزة بكثرة العطاء وغزارته ، فلذلك يُسئل الإنسان سؤالاً خاص
عن شبابه فيما أبلاه ، وهذا يقتضي بطبيعة الحال وهو ينتقل من وقت إلى
آخر ، ينتقل من شتاء إلى ربيع إلى صيف أن يكون معنياً بجميع هذه المراحل
التي يمر بها ، وأن يعطي كل شيء منها ما يناسبه .
فالإجازة الصيفية ليست فرصة للهو والدعة ، وإنما هي فرصة للعمل بحيث
ينتقل الإنسان من نوع إلى نوع آخر من العمل ، إذ قد لا يتيسر له ما
يريد أن يحققه في إجازته في إبان زحمة أعماله ، فلذلك كانت هذه الفرصة
جديرة بأن تُستغل في الخير .
سؤال :
هذه الفرصة وهذه الأعمال التي يطالب بها المسلم ما نوعها في فترة الإجازات
لأن الخطاب في بعض الأحيان يتجه إلى المسلم مطالباً له بالعمل والانتقال
إلى عمل آخر في حين ان البعض يقول إن حق بدن الإنسان عليه أن يرتاح
، فما هي نوعية هذا العمل ؟
الجواب :
أما البدن ففي كل يوم يرتاح ، ما من يوم من الأيام إلا والإنسان يفضي
فيه إلى الراحة بحيث يُقضّي ساعات في النوم ، هذه هي راحة البدن ،
وقد يُقضّي أيضا ساعات في الاستجمام ، هذه أيضاً هي راحة البدن ، ويُقضّي
ساعات في الجلوس من الأهل ومع الأولاد ومع الأحبة ويتبادل معهم أطراف
الحديث وهذا أيضاً من ضمن حقوق البدن عليه ، فإذن هو يريح نفسه في
كل يوم من الأيام ، ما من يوم وإلا وفيه فرصة للراحة ، ولكن الإنسان
مطالب أن يقوم بواجب في هذه الحياة ، يبين هذا الواجب قول الله تعالى
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات
: 56 ) ، هناك عبادات مستمرة في كل وقت لا تنقطع بتغير الأوقات ، لا
تنقطع بتغير الوقت من الليل إلى النهار أو من النهار إلى الليل أو
من الصيف إلى الشتاء أو من الشتاء إلى الصيف وإنما هي في كل الأوقات
، العبادة هي عبادة مطلوبة في كل وقت ، إقام الصلاة ذكر الله تبارك
وتعالى في كل الأوقات ، تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى ، تعلم العلم
النافع الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى زلفى ، هذا مما ينبغي للإنسان
أن لا يفوت فيه أي فرصة في أي يوم من الأيام .
أما بالنسبة إلى العمل الآخر الذي هو أكبر من حيث إنه يحتاج إلى جَهد
أكثر فهو القيام بالدعوة ، لأن الإنسان يحمل رسالة ، الإنسان يحمل
رسالة إلى الإنسانية بأسرها ، المسلم واجب عليه أن يحمل رسالة العالم
بأسره ، الله تبارك وتعالى يقول (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران : 104 ) ، ويقول تعالى
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آل عمران :
110 ) ، ويبين سبحانه العلاقة التي تشد المؤمنين والمؤمنات بعضهم إلى
بعض فيقول (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ
أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
(التوبة : 71 ) ، فإذن هذه هي رسالة المسلم في هذه الحياة لا بد من
أن يبلغها .
ونجد أن المؤمنين جميعاً مطالبون بأن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه
وسلّم . ونحن نجد في كتاب الله ما يدلنا دلالة واضحة على أن التأسي
بالرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام من معالم الإيمان
بالله واليوم الآخر إذ يقول تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب : 21 ) ، فإذن التأسي
بالرسول صلى الله عليه وسلّم يُطلب من أي إنسان ، أي واحد مطالب بأن
يجعل إمامه في هذه الحياة هو النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة
والسلام .
كيف هذا التأسي ؟
نحن نرى سبيل الرسول واضحاً في كتاب الله (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ
اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف : 108 ) ، فإذن كلنا
مطالبون بأن ندعو إلى الله ، وأن نحرص على السير على هذه البصيرة التي
كان عليها رسول الله صلى عليه وسلّم وكان عليها أتباعه حتى نكون قائمين
بالواجب مبلغين لرسالة الإسلام ، المؤمن مطالب أن يجسد الإسلام بقيمه
ومثله وأخلاقه وفضائله وعقيدته وعباداته وكل ما اشتمل عليه في سلوكه
وفي أعماله حتى يتجسد هذا الإسلام للناس ، وعندما يرون المؤمن يرون
الإسلام ماثلاً في شخصيته ، متحركاً بحركته ، متفاعلاً مع متطلبات
هذه الحياة بحيث يكون في كل جزئية من جزئيات الحياة يتجسد الإسلام
بمزاياه التي لا تبارى ، هذا هو الذي يجب أن يكون عليه المسلم ، فعندما
يكون المسلم على هذه الحالة لا ريب أن هذا السلوك نفسه يعد دعوة إلى
الإسلام ، وفي نفس الوقت لا بد من أن يشرح للناس ما غمض عليهم وما
لم يتبين لهم بحيث يفهمهم حقيقة الإسلام ، فإذن الدعوة إلى الإسلام
مطلب إسلامي يطالب به كل من يؤمن بالله واليوم الآخر من المؤمنين والمؤمنات
.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
(الخُلق)
مفتي عام السلطنة :
الأخلاق هي سياج هذه الحياة بأسرها وهي سياج العلم والعمل
الله تعالى يأمر الإنسان أن يعمل جميع الناس
بالأخلاق الفاضلة
على المسلم أن يعرض الإسلام من أخلاقه التي يخالق
بها الناس
وأن يبين لهم الصورة الإيجابية للإسلام
متابعة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:الأخلاق قيمة
إنسانية تقاس بها الأمم في تقدمها وتأخرها لهذا تبوأت الأخلاق في الإسلام
مكانة عظيمة، يخبر النبي صلى الله عليه وسلّم عن الدين بأنه الخلق
ويقول (الدين الخلق) ، ويقصر أحيانا بعثته على مكارم الأخلاق حينا
.
وحول هذا الموضوع كان للوطن هذه المتابعة من خلال التساؤلات التي طرحت
في البرنامج الديني (سؤال أهل الذكر) وأجاب عنها سماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة، والذي يبثه التلفزيون العماني
يوم الأحد من كل أسبوع من إعداد سيف بن سالم الهادي وهذه الحلقة من
السنوات الماضية ...
الخلق دون غيره
** يقول الله تعالى ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، فلماذا الخلق
دون غيره في هذا المكان ؟
* بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما
بعد :
فإن الأخلاق هي قيمة الإنسان ، ومقياس الأمم في تقدمها وتأخرها ورقيها
وانحطاطها ، فبقدر ما تكون عليه الأمة من الأخلاق الفاضلة تكون أمة
متميزة على غيرها من الأمم ، وبقدر ما تنحدر أخلاقها يكون انحدارها
، فإن الأخلاق هي سياج هذه الحياة بأسرها ، هي سياج العلم والعمل معا
، إذ العلم والعمل معا لا يستقيمان إلا بالأخلاق ، ومن أجل ذلك نجد
أن الله سبحانه عندما أثنى على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم لم
يصفه بالعلم العظيم أو بالعلم الواسع أو بالعلم الجامع وإنما وصفه
بعظمة الأخلاق عندما قال ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم:4)
، بينما في العلم قال خطاباً له صلى الله عليه وسلّم ولغيره من الناس
( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً)(الإسراء: من الآية85)
، فهذا يعني أن الأخلاق هي مقياس قيمة أي أمة من الأمم .
ونجد أن الرسول صلى الله عليه وسلّم ركّز على الأخلاق ، فهو عليه أفضل
الصلاة والسلام يقول : إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة
أحاسنكم أخلاقا ، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة
الثرثارون المتفيهقون . ويقول : إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم
القائم .
ويقول لأم سلمة رضي الله عنها : يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بحسن الدنيا
والآخرة . ومعنى ذلك أن حسن الخلق جمع خير الدنيا والآخرة ، فبقدر
ما يكون عليه الإنسان من الأخلاق الفاضلة تكون منزلته وقدره عند الله
وتكون منزلته في الجنة يوم القيامة .
فلذلك كان جديراً بالإنسان أن يحرص على مكارم الأخلاق ، وقد حدّد النبي
صلى الله عليه وسلّم الغاية من بعثته عندما قال : إنما بعثت لأمم مكارم
الأخلاق .
ولذلك حرص الإسلام على كل مكارم الأخلاق التي كانت حتى في عهد الجاهلية
، فنجد أنه حرص على تنمية هذه المكارم في نفوس الناس ، فنمّى في نفوسهم
الفضيلة بمختلف أنواعها ، نمّى في نفوسه الكرم ، ونمّى في نفوسهم النجدة
، ونمّى في نفوسهم الشجاعة ، ونمّى في نفوسهم الغيرة ، ونمّى في نفوسهم
كل ما يعود على الأخلاق .
ونجد أن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده بمكارم الأخلاق في كل شيء ،
يأمر عباده بمكارم الأخلاق في الدعوة ، فهو يقول عز من قائل ( ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)
، ويقول ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ
وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون) (العنكبوت:46) ، ويقول ( وَلا تَسْتَوِي
الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: 34-35) .
ونجد أن الله سبحانه وتعالى أمر الإنسان المسلم الموصول به عز وجل
أن يعامل جميع الناس بالأخلاق الفاضلة، فهو عندما أمر الناس بالكلم
الطيب بحسن القول ما أمر يُحصر ذلك في المؤمنين فحسب، بل أمر بأن يُخاطَب
بذلك الناس قال ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية83)
، ولم يقل وقولوا للمؤمنين أو للمسلمين حسنا ، وإنما قال ( وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْناً ) .
ونحن إذا جئنا إلى أي عبادة من العبادات نجد أن هذه العبادة ذات أثر
في غرس الأخلاق في نفوس المسلمين، كل عبادة شرعت في الإسلام لها أثر
كبير في غرس الأخلاق الفاضلة وفي انتزاع الأخلاق المرذولة السيئة،
فإن أي عبادة لو فكّر الإنسان في غايتها لوجدها تؤثر هذا الأثر الطيب
في حياة العابد ، فالصلاة التي هي صلة بين العباد وربهم تغرس في النفوس
الأخلاق الفاضلة، تغرس في النفوس التواصل بين المؤمنين إذ تحطم الحواجز
ما بين الناس، فتقيم الناس جميعاً على قدم المساواة لا فرق بين الغني
والفقير ولا بين القوي والضعيف ولا بين الحاكم والمحكوم ولا بين الأبيض
والأسود ، جميع الحواجز تتحطم، وجميع النعرات تتبخر، وجميع الشعارات
ترتفع، إذ الصلاة تجمع المصلين على اختلاف فئاتهم في موقف واحد أمام
الله ينتظمون في حركاتهم، يركعون معا ويرفعون معا ويسجدون معا ويرفعون
معا، كلهم وراء الإمام يتحرك بحركة الإمام ويتبعون الإمام .
ثم مع هذا أيضاًَ الصلاة كل ما يقال فيها يغرس الأخلاق الفاضلة ، فالتكبير
الذي يكبره العبد والذي يدخل به الصلاة يغرس الأخلاق الفاضلة لأنه
يرسخ في النفس أن الكبرياء لله سبحانه وتعالى وحده وأن الناس لا تفاضل
بينهم من هذه الناحية إلا بقدر ما يقتربون من الله بالطاعة وذلك إنما
يقتضي التواضع لا الترفع والاستكبار ، فكلمة (الله أكبر) تغرس في نفس
المؤمن أن الكبرياء لله وحده وكل ما أوتيه الإنسان في الدنيا مما ظاهره
أنه ميزة له إنما هو في الحقيقة اختبار له، فالغني عليه أن يتطأطأ
وعليه أن يتواضع والقوي كذلك، وكل أحد أوتي شيئا ًمن الجاه أو المكانة
أو القدر أو السلطة في هذه الحياة الدنيا فعليه أن يتواضع لأن الكبرياء
إنما هي لله تعالى وحده .
وإذا جئنا إلى الصيام فالصيام مدرسة يتعلم فيها الإنسان الأخلاق الفاضلة
، فإن الصيام يؤدي إلى تقوى الله ، وتقوى الله تجمع الأخلاق الفاضلة
على اختلاف أنواعها، والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول : الصوم جنة
فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن أحد سابه أو قاتله
فليقل إني صائم .
فالصائم يؤمر لو تعرض من قِبل أحد لمشاتمة أو لإيذاء أن لا يقابل الإساءة
بمثلها ، وإنما يؤمر إن يقول إني صائم ليذكر نفسه بصيامه وقدسية هذا
الصيام التي تتنافى مع التشفي والانتقام ، ثم ليذكّر الطرف الآخر أيضاً
الذي صدرت منه الإساءة بأنه هو أيضاً صائم إن كان هو من المسلمين ،
وهذا مما يدعوه إلى أن يعي ويستيقظ من غفلته التي وقع فيها فيثوب إليه
رشده .
لو جئنا إلى الزكاة لوجدنا الزكاة أيضاً تغرس الأخلاق الفاضلة لأنها
تفجر مشاعر الرحمة في نفوس المؤمنين ، وتجعل الناس يعطف بعضهم على
بعض ويود بعضهم بعضا وكذلك كل عبادة من العبادات .
الخلق والزواج
* إذا كان الدين يحتوي الخلق لماذا النبي صلى الله عليه وسلّم يقول
: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه . هل معنى هذا أنه يتصور أن
يكون الرجل صالحاً فيما يتعلق بأمر دينه غير أن أخلاقه لا ترقى لئن
يكون يحسن من يشاركه في الحياة ؟
** نعم ، قد يكون الإنسان كثير الصلاة وكثير الصيام وكثير الصدقة ولكنه
فض غليظ القلب لا يطاق ، وهذا مما يتنافى مع الألفة والانسجام ما بين
الناس ، فالله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام وهو أكرم
الخلق وقد كان بين المهاجرين والأنصار الذين هم أطهر جيل وأرقى جيل
يقول له ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي
الأَمْرِ)(آل عمران: من الآية159) ، ومتى أمره بذلك إنما أمره بذلك
في ساعة حرجة وموقف حساس ، أمره بذلك بعد تلكم النكسة التي أصيب بها
المسلمون بسبب مخالفتهم أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ عن
خروجهم عن طاعته ، فقد خالفوه أولاً عندما لم يأخذوا برأيه في البقاء
في المدينة المنورة وانتظار العدو حتى يأتيهم داخل المدينة ، وخالفوا
رأيه أخيراً عندما أمر الرماة أن يثبتوا مكانهم وأن لا يبرحوا مكانهم
كيفما كانت الحالة ، فوقعوا في مخالفته لسبب أو لآخر من غير أن يتعمدوا
المخالفة ، ومن غير أن يتعمدوا العصيان ، ومع ذلك أمره الله تعالى
في مثل هذا الموقف الحساس أن يكون ليناً رقيق المشاعر حسن المعاشرة
طيب الأحاسيس ، أن يكون لطيفا معهم بحيث يعفو عنهم ويستغفر لهم ويشاورهم
في الأمر مع أن المشورة هي التي أدت إلى ذلك ، وهذا لأن الخطأ في المشورة
التي قدمها أولئك الذين استشيروا لا يعني رفع المبدأ ، فالمبدأ يجب
أن يبقى كيفما كان الحال ، إذ الإنسان يتعلم الصواب من الخطأ الذي
يقع فيه ، فالأمة بصدد التربية والإعداد ، ولما كانت هي بصدد التربية
والإعداد فلا بد من أن تأخذ دروساً في هذه الحياة ، فكان ذلك درساً
لها ، وهكذا يقول له الله تعالى ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر)(آل عمران: من الآية159.
الخلق الطيب
** هل حسن العشرة وجميل الخلق حق للمسلم الصالح المستقيم على أمر دينه
فقط ، أو أن هذا الحق هو للصالح وغير الصالح أو يتعدى أصلاً غير المسلم
؟
** قلت في حديثي المتقدم في هذه الحلقة بأن الله سبحانه وتعالى عندما
أمر بالمخالقة الطيبة لم يأمر بأن يخالق بها المسلم أو المؤمن أو الصالح
أو البر أو التقي ، وإنما أمر بأن يخالق بهذه المخالقة الطيبة جميع
الناس إذ لم يقل وقولوا للمؤمنين حسنا أو وقولوا للمسلمين حسنا أو
وقولوا للأتقياء حسنا أو وقولوا للبررة حسنا ، وإنما قال ( وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية83) ، لأن الكلمة الطيبة لها
أثر على القلوب تجذب البعيد وتقربه وترد الشارد وتؤلف النافر ، فذلك
كان على الإنسان أن يتوخى الكلمات الطيبة التي يخاطب بها الناس ، وأن
يقابل الناس بحسن المعاملة كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه
وسلّم ( وابتسامك في وجه أخيك صدقة ) ، فلئن يبتسم الإنسان في وجه
أخيه ويدخل عليه السرور خير له من أن يغدق عليه المال وهو مع ذلك يعامله
المعاملة السيئة ، نحن نجد أن الله تبارك وتعالى يقول ( يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى
كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(البقرة: من الآية264) ، وقبل ذلك يقول
( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا
أَذىً)(البقرة: من الآية263) ، فالقول المعروف والمغفرة أي العفو عمن
أساء خير من الصدقة التي يتبعها أذى من قبل المتصدق على المتصدق عليه
.
مخالفة لأمر النبي
* هل مجانبة الخلق تعتبر معصية ؟
** لا ريب هي مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلّم ( فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(النور: من الآية63) .
* بالنسبة للهواتف المحمولة هناك من يتلقى مكالمة من متصل وهو بين
مجموعة من الناس ويرفع صوت المتصل بحيث كل المجموعة تسمع كلام هذا
الشخص المتصل والمتصل لا يتضح له هذا وربما نتيجة انكسار الحواجز بينه
وبين المتصل به قد يقول كلاماً أو يمزح مزاحاً يرى أن هذا لا يؤثر
على الود بينه وبين صاحبه ، ولكن في نفس الوقت هذا الموضوع يؤثر على
الشخص المتصل حين يسمعه الناس قد يقع في حرج لأنه لا يرضى أن يسمعه
الناس على هذا الحال ، فهل يعتبر هذا الأمر مما يتنافى مع الأخلاق
؟
** نعم هذا يتنافى مع الأخلاق ، ولا يجوز ذلك .
* يرى بعض الناس أن مشاهدة المسلسلات التي تهدف إلى توعية الناس وإعطائهم
النصح وبعض الأخلاق الإسلامية لا يوجد فيها حرج مع أن هذه المشاهد
تتخللها نساء ، فهل مثل هذا يتنافى مع الأخلاق ؟
** هو عليه أن يغض بصره عن النساء سواء نظرهن بواسطة أو بغير واسطة
.
مطالب بأن يعرض الإسلام
* عقبة ربما يواجهها المسلم في غير مجتمعات الإسلام فهو يداخل غير
المسلمين ويدعوهم إلى زيارته وفي المقابل إذا طلبوا منه زيارة يقع
في إشكالات مثلاً الطعام الذي يقدم يبقى متحرجاً من أخذه نظراً لكونهم
على غير ملة الإسلام .
كيف يصنع وهو يريد أن يتودد في إظهاره محاسن الإسلام وحسن المخالقة
التي تحبب إليه إليهم الدين ؟
** على أي حال هو مطالب بأن يعرض الإسلام من أخلاقه التي يخالق بها
الناس ، وأن يبين للناس الصورة الإيجابية في الإسلام ، فلذلك هو يطالب
بأن يعامل الناس بالأخلاق الفاضلة ، ولكن هذه العقبات عليه أن يتحرى
فيها تقوى الله .
أولا:ً عليه أن يشترط بأن تكون اللحوم مذكاة ذكاة شرعية ممن تجوز ذكاته
شرعا ، فإن الله أذن أن تؤكل ذبائح أهل الكتاب ( وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)(المائدة: من الآية5) ، إن كانوا
أهل كتاب حقا على أن تكون تذكيتهم وفق الشريعة الإسلامية بحيث لا تكون
خارجة عن مقتضى الشريعة .
ثم من ناحية أخرى كذلك بالنسبة إلى ما يمكن أن تكون فيه مواد محرمة
كشحوم الخنزير وغيره عليه أن يحتاط في ذلك . وأولئك لا بد من أن يحترموا
موقف الإنسان لأن هذه القضية قضية دين وليست قضية مجاملة ، الدين لا
مجاملة فيه ، المجاملة في المعاملة أما في الدين فلا مجاملة .
أعلى
فضل التوكل على الله تعالى
إن طلب الرزق غريزةُ, عند كل الأحياء، فما إن
تَبدوَ بوادرُ الصباح حتى يستعد الفلاحون والتجار، وأصحاب الصنائع
والحرف، وأرباب الوظائف والإدارات، يستعدون للدخول ، في كدحٍ طويلٍ
كي يحرز كلُّ امرئٍ منهم قوته وقوت عياله.وهذا الكدح الطويل والسعي
الحثيث محكٌّ قاسٍ للأخلاق والمسالك، والثبات واليقين، والطمأنينة
والرضى.
إن اللهف على تأمين العيش، واللهاث من أجل سدِّ أفواه الصغار والضعاف
قد يلجئ بعض النفوس إلى التلون، والكذب والحيف، والتدليس والغش. وربما
وُجد ضعاف يتملقون أقوياء، وأذلاء يذوبون في أعتاب الكُبراء.
إن إلحاح الرغبة في طلب الكفاف أو طلب الثراء مع وعورة الطريق، وطول
المراحل والمنازل في هذه الحياة، وشعور المرء بالحاجة إلى ناصرٍ ومؤنسٍ
مع ما قد يلاقي من أعداء ومتربصين؛ كل ذلك قد يدفع الإنسان إلى اللؤم
والذلة وسلوك المسالك الملتوية.
ولكن دين الإسلام يأبى ثم يأبى أن يكون الكدح وراء الرزق مزلقةً لهذه
الآثام كلِّها، وينهى ويكره أن يلجأ المسلم أبداً إلى غشٍ أو ذلٍ,
ليجتلب به ما يشاء من حطامٍ. وفي سدِّ هذا الطريق يقول عليه الصلاة
والسلام: (لا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوا بمعصية الله فإن الله
لا ينال ما عنده إلا بطاعته).
إذن ما هو المخرج؟ وما هو الحل من هذه المعضلة التي يعيشها كثير من
الناس على ظهر هذه البسيطة؟ يتهارشون ويأكل بعضهم بعضاً، ويظلم بعضهم
بعضاً؟ وفي عصرنا شاهدٌ كبير وأنموذج ماثل على هذه الصورة المزرية.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (لو أنكم
تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح
بطاناً).
وابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن من ضعف اليقين أن ترضيَ الناس بسخط
الله, وأن تحمدهم على رزق الله، لا يجرُّه حرصُ حريصٍ ولا ترده كراهية
كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا،
وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط.
أخي القارئ الكريم : إن التوكل على الله. شعورُ ويقينُ بعظمة الله
وربوبيته وهيمنته , على الحياة والوجود والأفلاك والأكوان. فكل ذلك
محكومٌ بحوله وقوته سبحانه وتعالى .
التوكل على الله تعالى: قطع القلب عن العلائق، ورفض التعلق بالخلائق،
وإعلان الافتقار إلى محوِّل الأحوال ومقدِّر الأقدار لا إله إلا هو.
إنه صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار
, ولا ينفع ذا الجد منه الجد. التوكل صدقٌ وإيمانٌ، وسكينةٌ واطمئنان،
ثقةٌ بالله في الله، وأمل يصحب العمل، وعزيمةٌ لا ينطفئ وهجُها مهما
ترادفت المتاعب. بالتوكل تُرفع كبوات البؤس، وتُزجر نزوات الطمع. لا
يكبح شَرَهَ الأغنياء ولا يرفع ذل الفقراء سوى التوكل الصادق على الحي
الذي لا يموت سبحانه وتعالى.
يقول سعيد بن جبير رحمه الله: التوكل على الله جماع الإيمان. المتوكل
على الله ذو يقظةٍ فكريةٍ عاليةٍ , ونفسٍ مؤمنةٍ موقنةٍ. قال بعض الصالحين:
متى رضيت بالله وكيلاً وجدت إلى كل خير سبيلاً.
وقال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حسن توكلك عليه.
التوكل إيمان بالغيب بعد استنفاد الوسائل المشروعة في عالم الشهادة.
تسليم لله بعد أداء كل ما يرتبط بالنفس من مطلوباتٍ وواجباتٍ.
وأول بواعث التوكل ومصادره توحيد الله وإفراده بالعبادة؛ فالرب المعبود
سبحانه وتعالى: له الأسماء الحسنى والصفات العلى: اللَّهُ خَالِقُ
كُلّ شيء وَهُوَ عَلَى كُلّ شيء وَكِيلٌ . فلابد من اليقين الكامل
في أن الرزق مقسوم , وليحذر كل مسلم ومسلمة من أن يقع في معصية الله
لينال بها رزقاً هو مقدًر له من الأزل , وحسبنا الله هو مولانا ونعم
الوكيل , قال تعالى ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه , إن الله بالغ
أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
|