
كل يوم
مسيرات ضد الجوع والفقر!
حين يعجز الانسان ـ في عالم اليوم ـ في مواجهة
كثير من مشكلات الحياة العصرية المعقدة، يلجأ الى الالتفاف على الحلول
الحقيقية فيخترع حلولاً مصطنعة، او شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع،
ليدعي أنه ينهض بمسؤولياته في مواجهة التحديات.
أقول هذا، وأنا استعرض ما يحدث حولي في معظم الدول العربية، وكثير
من دول العالم، وخصوصا الجزء الاكبر منه المسمى (بالنامي).
فلكل مشكلة من المشكلات التي تواجهنا نخترع حلا بسيطا، نمارس من
خلاله (رياضة المشي) التي لا تكلفنا شيئا، اذ ننظم مسيرة طويلة عريضة
تنتهي بخطابات وتصفيق وتتخللها هتافات وطنية، واحيانا موسيقى واناشيد
حماسية !! ولا تلبث ان تنطفئ كفقاعات صابون طارئة على سطح ماء راكد!
ولا اعرف ـ حقا ـ اول من اخترع فكرة المسيرات والمظاهرات، ولكني
أظن أن اهداف تلك النماذج الاولى منها لم تكن كأهداف ما نقوم به
نحن، هذه الايام، بل إن تلك النماذج كانت تعبيرا عن غضب او رفض او
احتجاج وتسجيلا لموقف سياسي او اجتماعي ضد سلطة غاصبة، او حكومة
احتلال، او قرار سياسي ظالم، في وقت لا يملك فيه المتصدون لهذه القوى
والسياسات الا الاحتجاج بالتظاهر والنزول الى الطرقات.
اما هذه الايام فالمسيرات كثيرة ومتنوعة وتكاد تكون يومية، في هذا
البلد او ذاك، وتعبيرا عن مشكلة موجودة لا نستطيع حلها، غير ان المسيرة
ـ أيضا ـ لا تشكل حلا، بل هي إقرار واضح بالعجز.
أتابع مشاهد مسيرة ضد الجوع، واخرى ضد الفقر وثالثة ضد مشكلة البحث
عن العمل، ورابعة ضد ارتفاع الاسعار، وغلاء تكاليف المعيشة، ومثلها
مسيرات احتجاج على ما يحدث هنا او هناك من مواقف سياسية او اقتتال
بين الاخوة، او احتراب طائفي.. واقول انني اتابع ذلك كله فلا أرى
فائدة اكثر من تسجيل المواقف وتذكير الناس بما يعرفونه ولا ينسونه،
فهل ينسى الفقير فقره، او الجائع جوعه، او الذي لا يعمل، وضعه، او
المحاصر حصاره؟!
لا أذهب مذهب المتطرفين، ولا أميل إلى النظرة الاحادية، لأقول ان
كل هذه المسيرات والتظاهرات الاحتجاجية غير ذات جدوى، بل أريد ان
اشير إلى ان كثيرا من مشكلاتنا لا تحلها المسيرات والتظاهرات والصرخات
وضرب السواعد بالهواء على طريقة (الموت لاميركا واسرائيل)! الشهيرة.
وأتوقف اخيرا لأقول هل ينقذ الجوعى من الجوع، او يتحّول الفقراء
إلى اغنياء، او الباحثين من العمل الى عاملين، حين يسير بضعة مئات
من الموظفين او الطلاب والمواطنات (بعامة) بضعة كيلومترات حاملين
اللافتات المنددة بالجوع والفقر ومشكلة البحث عن العمل والمرض ـ
مثلاً ـ؟!
قد أبدو رجعياً أو ربما أتهم (بالتراجعية) أي تجاهل الماضي السياسي
الذي كنت خلاله من منظمي امثال هذه التظاهرات والمسيرات والاضرابات،
في مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية، ولكنني أبدأ بنفسي واتساءل:
وماذا كانت جدوى ذلك كله؟!
إنها ليست اكثر من حصيلة ضرب مليون صفر بصفر واحد!
د. محمد ناجي عمايرة
أعلى
3
ابعاد
عيون هيلاري
الحل في يد هيلاري كلينتون. هذا ما يقوله البعض
الآن لمساعدة باراك اوباما على الفوز بالرئاسة في الرابع من نوفمبر
المقبل. الحل هو ان يختارها اوباما لخوض الانتخابات الرئاسية معه
كنائب للرئيس. هذا على افتراض ان اوباما سيكون بالفعل المرشح النهائي
للرئاسة عن الحزب الديموقراطي، وهو امر يبدو اليوم شبه مؤكد. فكيف
يمكن لكلينتون مساعدة اوباما؟ هناك ثلاث مشاكل اساسية تعوق زحف اوباما
نحو البيت الأبيض. اليهود، والبيض من الطبقة العاملة، ثم اللاتينيون
او الناخبون من اصول جنوب اميركية. هيلاري كلنتون تتمتع بتأييد كبير
بين كافة هذه الفئات، ووجودها معه كمرشح لمنصب نائب الرئيس سوف يساعده
على كسب أصواتهم.
بالنسبة لليهود يتمتع اوباما بتأييد 61 في المائة منهم، ولكن المرشح
الديموقراطي في الانتخابات الرئاسية السابقة تمتع بتأييد 75 في المائة
بل و 80 في المائة من اصوات اليهود. وهيلاري كلنتون يمكنها مساعدة
اوباما في اجتذاب الفارق في اصوات اليهود. اوباما يحاول طمأنة اليهود
ازاء موقفه من اسرائيل، على الرغم من أن عددا من كبار الشخصيات اليهودية
تعمل في مركز استشاري في حملة اوباما الانتخابية، ومنهم دان كرتزر
السفير الأميركي السابق في اسرائيل. في مقابلة صحفية اخيرة قال اوباما
ما يلي:
"اعتقد ان فكرة دولة يهودية تتمتع بالأمن هي فكرة عادلة جوهريا،
وهي فكرة ضرورية بالنظر ليس فقط الى تاريخ العالم، بل ايضا الى معاداة
السامية الموجودة بصورة نشطة. هذا لا يعني اني سوف اتفق مع كل عمل
تقوم به دولة اسرائيل."
ثم كتب السناتور اوباما مقالا في صحيفة يديعوت اهرنوت، كبرى الصحف
الإسرائيلية يوم الأحد الماضي لطمأنة الإسرائيليين ان تأييده لإسرائيل
لا يتزعزع. اوباما إذن يتحرك لتأمين اصوات اليهود بدون الحاجة الى
مساعدة من كلنتون.وقد ينجح في زيادة نسبة مؤيديه من اليهود.
المشكلة الثانية التي تواجه اوباما هي اخفاقه حتى الآن في اجتذاب
العمال من البيض. لقد انتصرت كلنتون عليه انتصارا ساحقا في ولاية
ويست فرجينيا يوم الثلاثاء الماضي لأن عمال المناجم يهيمنون على
السكان في تلك الولاية البيضاء. وهذه الولاية هي ايضا رابع افقر
ولاية اميركية. وعندما فازت كلينتون على اوباما في ولاية بنسلفانيا
كان السبب في فوزها هو نفسه تأييد العمال البيض لها. تجادل السناتور
كلينتون بأن اخفاق اوباما في اجتذاب العمال البيض الفقراء سوف يمنع
الديموقراطيين من انتزاع البيت الأبيض من يد الجمهوريين في نوفمبر
المقبل. ويحاول اوباما جاهدا اقناع هذه الفئة من الناخبين بتأييده
بدون الحاجة الى مساعدة من كلنتون، على الرغم من صعوبة اقناعهم بالتصويت
لرجل اسود. اوباما لا يواجه هذه المشكلة مع البيض من المتعلمين او
البيض من اصحاب الدخل المرتفع. وربما تمكن اوباما من كسب اصوات العمال
من البيض لو نجح في اقناعهم بأنه سوف يحسن من احوالهم المعيشية في
هذه الأوقات الاقتصادية الصعبة.
المشكلة الثالثة التي يمكن لكلينتون ان تساعد اوباما فيها هي اخفاقه
في اجتذاب اصوات اللاتينيين او الناخبين الذين جاءوا اصلا من المكسيك
او من دول اميركا الجنوبية. كثير من هؤلاء الناس بشرتهم داكنة مثل
بشرة اوباما وربما اغمق. ولكنهم لا يحبون اوباما لأنه رجل داكن البشرة.
إنهم مثلنا نحن العرب نموت ونذوب ولها في اصحاب (وصاحبات) البشرة
البيضاء والشعر الذهبي او البلوند، والعيون الزرق. هذه صفات هيلاري
كلينتون. وهنا المشكلة الحقيقية. فماذا يمكن لأوباما ان يقول لهؤلاء
لإقناعهم بالتصويت لرجل داكن مثلهم؟ وماذا يمكن حتى لهيلاري كلينتون
ان تقول لهم لإقناعهم بالتصويت لأوباما وعدم التصويت للمرشح الجمهوري
جون ماكين صاحب البشرة البيضاء والعيون الزرق، حتى رغم ان رأس ماكين
صلعاء.
الحل هو ان يختار اوباما خصمه كلينتون لمنصب نائب الرئيس. سيرتفع
نصيبه من اصوات اليهود، وسوف يصوت له العمال البيض واللاتينيون الداكنون.
كله علشان سواد عيون كلينتون. اقصد زرقة عيونها.
ليس هناك من جديد في ان يخوض مرشحان غريمان الانتخابات الرئاسية
معا في منصبي الرئيس ونائب الرئيس. في الانتخابات الرئاسية السابقة
اختار جون كيري غريمه في الحملة الديموقراطية جون ادواردز لمنصب
نائب الرئيس. وفي الثمانينيات اختار رونالد ريجان غريمه الجمهوري
جورج بوش ( الأب) لمنصب نائب الرئيس. وفي الوقت الذي يقترح فيه البعض
على اوباما ان يختار كلينتون لكسب اصوات البيض واليهود واللاتينيين،
نجد ان المرشح الجمهوري الأبيض ماكين ينظر في اقتراحات تحثه على
ان يختار اما كوندوليزا رايس السوداء، او حاكم ولاية لويزيانا الجديد،
وهو من اصل هندي آسيوي وداكن البشرة، لكي يكسب اصوات السود والناخبين
من اصول آسيوية وغامقة.
إنها انتخابات ملونة.
عاطف عبد الجواد
أعلى
الذكرى الستون للنكبة .. محطة نضالية لتقريب ساعة النصر
لم تكن النكبة الوطنية القومية الكبرى , عام
1948, قدراً على الشعب الفلسطيني. هي حدث زلزالي كبير, شكل تتويجاً
لمسار تاريخي رسمه الانتداب البريطاني بالتعاون مع الحركة الصهيونية,
وفي ظل تخلف علمي وعملي سياسي ونضالي ملموس، وقصور في قدرات القيادات
الوطنية الفلسطينية ودورها حينذاك، بلغت درجة التصفية الجسدية للقيادات
النقابية العمالية (سامي طه نموذجاً)، والقيادات السياسية النضالية
التي برزت متقدمة من صفوف الطبقة الوسطى، عن القيادة التقليدية الإقطاعية
السياسية.
في تلك الفترة امتلكت الحركة الصهيونية كل ما تحتاجه لينتصر مشروعها
الاستيطاني الاحلالي العنصري: البرامج والخطط العلمية مرحلة بعد
مرحلة على الأرض وفي الميدان، قوة القرار, وقوة التنظيم, وقوة التسلح
والتدريب, وعلاقات دولية, وصفقات سرية مع بعض العواصم العربية.
وفي تلك الفترة أيضا, افتقر شعبنا (الفلسطيني) إلى القيادة الفاعلة,
والتنظيم, والتدريب والتسليح, وبفعل سوء الأداء القيادي لحركته الوطنية،
بقيت قضيته تحت وصاية إقطاعية عربية راهنت على وعود "الصديقة"
بريطانيا.
تمزق الكيان الوطني الفلسطيني وقام على أنقاضه كيان صهيوني. وتشرد
شعب فلسطين, وتبددت هويته الوطنية. وصارت الغالبية العظمى من أبنائه
لاجئين تأويهم مخيمات بائسة. ووضعت كل الخطط والمشاريع اللازمة لإخراج
قضيته من التاريخ ، وهذا ما وقع تنفيذه عملاً بالمعادلة الصهيونية
"فلسطين أرض بلا شعب، شعب بلا أرض" بإقامة دولة إسرائيل
الموسّعة، وما تبقى أرضاً وشعباً ضمه وإلحاقه بالدول العربية المجاورة،
وهنا الخطأ ـ الجريمة الإستراتيجية ـ النكبة.
إلا أن اللاجئين الفلسطينيين, حافظوا على تمسكهم بقضيتهم وقاوموا
كل خطط التوطين ومشاريعه, وصانوا وحدتهم المجتمعية من خلال آليات
عفوية فرضت نفسها داخل المخيمات, بحيث نجحوا في فرض قضيتهم على المنطقة,
وأصبح حلها بما يرضي اللاجئين ويستجيب لحقوقهم شرطا لم تستطيع الدول
العربية أن تتجاوزه نحو علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني.
وكما احتلت قضية اللاجئين الفلسطينيين موقعاً مميزاً في السياسات
العربية الإقليمية، كان طبيعياً أن تحتل موقعاً مماثلاً في المشروع
الوطني الفلسطيني الذي صغناه بمبادرة الجبهة الديمقراطية والمعروف
ببرنامج النقاط العشر في العام 1973، وأدخلنا عليه التطويرات اللازمة
وكافحنا إلى أن تبنته المؤسسات الفلسطينية عام 1974 باعتباره برنامج
الإجماع الوطني لشعبنا (الفلسطيني) وقواه السياسية, وتحت شعار مازال
يشكل البوصلة نحو تحقيق الأهداف الوطنية: العودة وتقرير المصير والدولة
الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة. وعلى قاعدة هذا البرنامج, شقت
القضية الوطنية الفلسطينية طريقها إلى المحافل الدولية في مقدمتها
الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبارها قضية شعب يناضل من أجل حقوقه
الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف. وقد أثبتت الأمم المتحدة صدقية
مواقفها هذه بسلسلة واسعة من القرارات ذات الصلة, والتي لم تكن لتصدر
لولا البرنامج الوطني الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية الائتلافية
وباتت بموجبه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, ويشكل لها
في الوقت نفسه عامل استقطاب لتأييد عربي ودولي واسع, نجح في عزل
الولايات المتحدة وإسرائيل دولياً.
وأظهر برنامجنا الوطني المرحلي الموقع الحاسم لقضية اللاجئين وحق
العودة إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها, في إلحاق الهزيمة
بالمشروع الصهيوني, عن طريق الحل الديمقراطي الذي تبنته جنوب أفريقيا
وشكل تتويجا لكفاح المسلح. ولعل هذا ما دفع أحد قادة الحركة الصهيونية,
بنيامين نتنياهو ليعترف في كتابه "مكان تحت الشمس" أن
أخطر ما أنتجه العقل السياسي الفلسطيني هو البرنامج المرحلي لمنظمة
التحرير الفلسطينية. لأنه يهدف. كما قال نتنياهو ـ إلى إعادة ملايين
اللاجئين الفلسطينيين إلى "إسرائيل" وتقويض القلعة من
الداخل من خلال اللعبة الديمقراطية التي ستوفر للفلسطينيين الأغلبية
العددية, وبما يمكنهم من إعادة صياغة "إسرائيل" ونفي صفتها
الصهيونية. وكم كان نتنياهو يتمنى لو أن الفلسطينيين بقوا يرفعون
شعار "رمي اليهود في البحر" ففي ذلك خدمة لدولة "إسرائيل"
ـ كما يقول نتنياهو ـ بحيث تبدو في عيون العالم الطرف الضعيف المهدد
بالفناء على يد الإرهاب الفلسطيني والعربي فتنال عطف الشعوب والحكومات.
بعد ستين عاما على النكبة لا نستطيع أن ندعي أن التاريخ يعيد نفسه,
رغم تشابه بعض الملامح هنا أو هناك. فلقد مرت تحت جسر القضية الفلسطينية
مياه كثيرة. وقدم الشعب الفلسطيني تضحيات أعادت قضيته إلى الموقع
الذي تحتله في اهتمامات الرأي العام وعواصم القرار, وفي قلب حركة
التحرر والتقدم والدمقرطة العربية والدولية وأحزابها المناضلة. دون
أن يعني هذا أن القضية لم تمر في منعطفات خطرة شكلت تهديدا استراتيجيا
للمسيرة الكفاحية للشعب الفلسطيني.
ولعل المرحلة التي تعيشها قضيتنا الوطنية (الفلسطينية) في اللحظة
الراهنة, تشكل مثل هذا التهديد من موقعين:
الأول: هو حالة الانقسام التي تعيشها الحالة الفلسطينية في ظل لجوء
فتح وحماس إلى الانقلابات السياسية على برنامج وثيقة الوفاق الوطني
الموحّدة ( يونيو 2006)، والتراجع إلى الخلف عن الوحدة الوطنية نحو
صفقات المحاصصة الاحتكارية الثنائية (اتفاق 8 فبراير 2007) الذي
فتح جحيم الحرب الأهلية بينهما، واندفاع حركة حماس إلى الحسم العسكري
في قطاع غزة. مما وضع الحالة العربية, والعالمية أمام كيانين فلسطينيين
بالقوة المسلحة وعلى النقيض من قوانين ودروس حركة التحرر الوطني
في العالم الثالث، وبالصدام مع حلول الحوار الديمقراطي السلمي لقضايا
التعارضات في الصف الفلسطيني, منفصلين عن بعضهما البعض. فانفرط عقد
الوحدة الداخلية, وصار الصراع على المصالح الفئوية الضيقة هو المحور
الرئيسي, على حساب الصراع مع العدو الإسرائيلي. وأصبح المشروع الوطني
الفلسطيني الموحّد مهدداً بالتآكل لصالح مشروع إسرائيلي ـ إقليمي
عربي ينزع نحو إعادة الوضع الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل 1967 أي
إلغاء الكيانية الفلسطينية وإعادة إدخال الوضع الفلسطيني تحت الوصاية
العربية.
الثاني: المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية, الدائرة بلا مرجعية
دولية وبلا سقف زمني محدد, وبعيداً عن بحث قضايا التسوية السياسية
الشاملة, لصالح الاستغراق في القضايا الجزئية والهامشية, في الوقت
نفسه يواصل الاستيطان التهامه للأرض الفلسطينية بوتيرة متسارعة تهدف
إلى فرض وقائع تلغي إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة,
وقابلة للحياة, بحدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس
الشرقية. كما تسقط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم
وممتلكاتهم, لصالح المشاريع البديلة, من توطين أو إعادة تهجير. كما
يواصل العدوان تصاعده ضد أهلنا في الضفة الفلسطينية والقطاع, بهدف
تحطيم إرادة الصمود, ودفع الحالة الشعبية المرهقة والمنهكة (من الانقسام
والعدوان والحصار والتجويع) إلى التسليم بالحلول الإسرائيلية ـ الإقليمية.
يراهن أصحاب السياسة الأولى (الانقسام) على عامل الزمن في أن يفعل
فعله الإيجابي في سياسة انتظارية أثبتت التجارب أنها لا تعود على
الحالة الفلسطينية إلا بالخسائر الصافية. فعامل الزمن لا يفعل لصالح
شعب, قواه السياسة منقسمة على ذاتها وبرنامجه الوطني معلق على الجدار,
وصراعه مع العدو مؤجل لصالح الصراعات الداخلية بين تياراته السياسية
وفئاته المختلفة.
كما يراهن أصحاب السياسة الثانية على دور تلعبه الولايات المتحدة
في الضغط على العدو الإسرائيلي ليستجيب للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني,
بما يعيدنا بالذاكرة إلى المراهنات العربية الفاشلة على صداقة بريطانيا
الانتدابية, بديلا لتفعيل عناصر القوة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال,
وهي كثيرة.
ينطلق البعض من الواقع الحالي لينذر بإمكانية حصول نكبة جديدة في
العام الستين لنكبة 1948. تكون بنتائجها وتداعياتها أكثر قسوة من
سابقتها. نحن بدورنا لا نستبعد من حساباتنا أن يلحق الضرر الشديد
بالحالة الفلسطينية, وبما يصل إلى مستوى نكبة جديدة, إذا ما استمر
الطرفان , فتح وحماس , على سياستهما الاحتكارية الانقلابية , لذلك
كنا في مقدمة من طرحوا مبادرة وطنية لإنهاء حالة الانقسام واستعادة
الوحدة الداخلية (4/7/2007)، وإعادة تصويب الأوضاع والتوجهات السياسية
نحو التناقض الرئيسي مع العدو الإسرائيلي. ولقد تحولت مبادرتنا بالتعاون
مع قوى أخرى في الحالة الفلسطينية, إلى مبادرة وطنية تبنتها القوى
كافة وأعلنتها في 12/4/2008 في غزة والضفة الفلسطينية (ما عدا حماس
وفتح) بالإضافة إلى فعاليات اجتماعية وثقافية في الضفة والقطاع.
ومن هنا نخلص إلى أن اليسار الوطني والقوى الديمقراطية في الحالة
الفلسطينية يتحملون عبئا مميزا في تصحيح مسار النضال الوطني وتصويبه,
وهو ما أملى علينا التحرك لأجل بناء جبهة وطنية متحدة من القوى اليسارية
والتقدمية والليبرالية الفلسطينية, تشكل رافعة في الحالة الفلسطينية,
وعامل استقطاب للعديد من الفعاليات والشخصيات والفئات الاجتماعية,
التي لم تعد ترى في برنامج فتح وحماس ما يلبي مصالحها, وما زالت
ترى أن مصلحتها في إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني, الذي
أعادت تظهر عناوينه وأهدافه وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى)
في 27/6/2006.
الذكرى الستون للنكبة بالنسبة لنا, محطة لاستخلاص الدروس, ومراجعة
الذات, وممارسة النقد الذاتي في أكثر من كتاب ("أوسلو والسلام
الآخر المتوازن"، "أبعد من أوسلو ... فلسطين إلى أين ؟"،
"الانتفاضة ـ الاستعصاء ـ فلسطين إلى أين ؟"، "حواتمة
يتحدث"), ونقد سياسات القوى الأخرى في إطار الحوار النقدي بالوقائع
والأسماء ... الخ, التي انقلبت على الوحدة الداخلية كما انقلبت على
البرنامج الوطني الفلسطيني.
الذكرى الستون للنكبة محطة كفاحية جديدة, لتقريب ساعة النصر والخلاص
من الاحتلال, وعودة اللاجئين، ولا نصر بدون إنهاء الانقسام وإعادة
بناء الوحدة الوطنية بقوانين ديمقراطية تقوم على الشراكة الوطنية
الشاملة وفق التمثيل النسبي الكامل داخل الوطن وفي أقطار الشتات
عملاً بمبدأ "شركاء في الدم شركاء في القرار".
نايف حواتمة*
* الأميــن العــام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
أعلى
في سيتنية النكبة ..هل اسرائيل دولة محكومة بالزوال ؟
في الذكرى الستين للنكبة ، وبقراءة معمقة للحركة
الصهيونية تاريخا وايديولوجيا ، ومن ثم تعبيرها المادي: اسرائيل
، وبمحاولة الالمام بكل ما يجري في داخلها من متغيرات ، وبكل ما
يحيط بالصراع الفلسطيني العربي ـ الاسرائيلي من عوامل ذاتية وموضوعية
، ليس غريبا على مطلق باحث الخروج باستنتاج بمثل ما خرجت .
ان دروس التاريخ كما الماضي القريب اظهرت وبما لا يقبل مجالا للشك
ان الظواهر الشمولية ، استعمارية كانت ام عنصرية ، فاشية كانت ان
نازية ، وصلت إلى ذروتها التطورية ، ومن ثم ابتدأت مرحلة انحدارها
وصولا إلى سقوطها ومن ثم اندثارها كظواهر طارئة في مجمل التطور البشري
وسيرورة العملية التاريخية ، ويمكن ايراد العديد من الامثلة الحسية
على صحة ما نقول : هولاكو ونابليون ، هتلر وموسولويني ، النظام العنصري
في جنوب افريقيا ، فرنسا والجزائر ، وغيرها وغيرها ، ولكن مع فارق
جوهري في الحالة الاسرائيلية ، وهو ، ان شمولية الظواهر السابقة
ارتبطت بالشرائح / الفئات الحاكمة التي فرضت برامجها على شعوبها
في انماط دكتاتورية من اجل تنفيذ سياساتها ، بينما في اسرائيل ،
فان الفئات الحاكمة للدولة هي نمط مجتمعي سائد ، وقد تجد في هذا
(المجتمع) الفسيفسائي كثيرين ممن هم على يمين الفئات الحاكمة بمعنى
آخر فان القيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية هي حصيلة مجتمعية
، لأن ما يدور في عموم هذا (المجتمع) المتشكل عنوة ، ليس بفعل التطور
الطبيعي في سياق التاريخ ، وانما في ولادة قسرية ، وحكما والحالة
هذه ستظل ولادة مشوهة ، وما نراه من ممارسات يستند إلى خلفية توراتية
فوقية ، عنصرية قائمة على إلغاء الآخر بالكامل وعلى نفيه ، انطلاقا
من رؤى تلمودية عنوانها الاساسي ، الانتقال بالدين إلى الظاهرة القومية
، والحالة هذه ، فان هذا الانتقال سيصبح محكوما ببروز الظاهرة الاستعمارية
القائمة على العدوان والعدوان ، ومن ثم العدوان بكل مظاهره ، التي
نراها ، والتي رأيناها أو قرأناها تاريخا منذ ما قبل ولادة اسرائيل
، وفي ظروف انشائها ، وصولا إلى اللحظة الراهنة ، ولكن بأشكال عدوانية
اكثر تطورا في نمطيتها وأساليبها وفقا بالطبع لمظاهر التطور العلمي
التكنولوجي ، الذي يحمل معه ايضا تطورا في آلات وآليات وِاشكال ممارسة
هذا العدوان .
لذلك ليس غريبا ان نتائج الاستطلاع الاخير الذي نشره معهد داحف الاسرائيلي
بالاضافة إلى استطلاعات بعض الصحف الاسرائيلية ، وكلها تشير : بأن
83% من الاسرائيليين هم ضد انسحاب اسرائيل من هضبة الجولان العربية
السورية المحتلة ، وان ما يزيد على 78% منهم ، هم ضد الانسحاب من
مدينة القدس . ولذلك ليس غريبا ، ان تجد في اسرائيل من ينادي بقتل
العرب ، فهم ليسوا اكثر من (صراصير) ، والعربي الجيد هو العربي (الميت)
، وان تجد من ينادون بترحيل (ترانسفير) العرب من (ارض اسرائيل التاريخية)
بعد 60 عاما على انشاء الدولة الاسرائيلية ، وان تمارس اسرائيل مجازر
دموية فاشية في عام 2008 اكثر رعبا من تلك المجازر التي مارستها
في اعوام 1947 ، 1948 ، 1956 وغيرها ، بالتالي ، فان ممارسة العدوان
هو مظهر حتمي مرتبط عضويا بالوجود الاسرائيلي على صعيد آخر ، فان
آباء الحركة الصهيونية ربطوا ولادة وبقاء وتطور دولة اسرائيل ، بمدى
متانة علاقتها وتنفيذها للاهداف الاستعمارية في المنطقة ، منذ بدء
الطرح السياسي للمشروع الصهيوني في اواسط القرن التاسع عشر ، مرورا
بالمؤتمر الصهيوني الاول عام 1897 ، مرورا باتفاقية كمبل بيترمان
1908 ، وبالحرب العالمية الاولى ، ومن ثم الثانية وولادة اسرائيل
، وحتى اللحظة الراهنة ، بمعنى آخر انه لا يمكن لاسرائيل الانفصال
عن مجمل الظاهرة الاستعمارية العالمية وتوجهاتها بالنسبة لعموم المنطقة
.
على الصعيد (المجتمعي) الاسرائيلي ، فان اسرائيل دولة تنخرها التناقضات
الاساسية العرقية ، والطبقية بين يهود شرقيين وغربيين وفالاشا وذوي
الياقات البيضاء والعمال ، وحتى اللحظة لم يجر تعريف موحد لمن هو
اليهودي ، ويوجد حاخامان اكبران للاشكناز والسفارديم ، وهناك امتيازات
كثيرة لطلبة المدارس الدينية وللمتدينين عموما ، مما يثير عليهم
غضبا من مجمل الشرائح الاجتماعية الاسرائيلية الاخرى وغير ذلك من
التناقضات الكثيرة والكبيرة ، والتي وبغض النظر عن ان العداء الاسرائيلي
للعرب وهو القاسم المشترك الاسرائيلي الجامع ، والذي يخفف من حدة
ظهور هذه التناقضات ، إلا انها ونظرا لحتمية تفاقمها المجتمعي فهي
مرشحة للبروز إلى السطح بغض النظر عن الموقف من العرب .
المؤسستان العسكرية والدينية هما صاحبتا النفوذ الاقوى في اسرائيل
، وهاتان وبغض النظر عن البريق (الديمقراطي) ، الذي تحاول اسرائيل
اضفاءه على حياتها المجتمعية ، فانهما تطبعان مستقبل اسرائيل بالطابع
الدكتاتوري ، الذي يحتم التدخل المتزايد للدين في الدولة ، ويعزز
نفوذ المؤسسة العسكرية ، باعتبارها الخلفية الاساسية لتسلم المناصب
السياسية في الدولة الاسرائيلية .
عشرات الآلاف من اليهود وعلى صعيد العالم اجمع يرفضون الهجرة إلى
اسرائيل من منطلقات دينية ايديولوجية بنيوية (لا مجال لذكرها في
مساحة قليلة) وبالتالي فان هذا يضرب مبدءا صهيونيا اساسيا في كون
اسرائيل هي الدولة التي سيهاجر إليها اليهود من كل انحاء العالم
، وتداعيات ذلك على الموازين الديموغرافية . اثبتت الاحداث وهي ليست
قليلة : معركة الكرامة 1968 ، حرب 1973 ، تحرير الجنوب اللبناني
في عام 2000 ، رد العدوان الاسرائيلي على لبنان في عام 2006 ، امكانية
هزيمة اسرائيل عسكريا على الجانب الآخر وبعيدا عن المنطلقات العاطفية
، فان الشعب الفلسطيني الذي يجابه اسرائيل مباشرة ، هو شعب مصمم
على نيل حقوقه الوطنية رغم كل التضحيات والعذابات على مدى قرن زمني
، ورغم مضي ستة عقود على انشاء اسرائيل لم ينس الفلسطينيون ، الشيوخ
منهم والاطفال ، في الوطن أو الشتات حقوقهم في العودة إلى بلدهم
، ولم ينسوا ايضا جنسيتهم ولا القرى او المدن التي ينتمون إليها
.
كذلك هي الجماهير العربية من محيطها إلى خليجها ، والتي لو قدر لها
بذل طاقاتها في مجابهة اسرائيل لما تأخرت لحظة واحدة .
يبقى القول ، انه وفي ازمان تاريخية سابقة ، عانت الامة العربية
انكسارات سابقة ، اكبر بكثير من الانكسارات الحالية ، لكنها انتفضت
في كل مرة واستطاعت دحر المحتلين .. واسرائيل لن تكون استثناء من
هذه القاعدة فالمشكلة ليست في سوبرمانية الجنود الاسرائيليين ولا
في قدرات قيادتهم الخارقة ، ولا فيما تمتلكه اسرائيل من سلاح ، وانما
هي في الانسان العربي المطالب بالانتصار على ضعفه !
د. فايز رشيد *
* كاتب فلسطيني
أعلى
ذَكِّرْ بـ "نكبة فلسطين" إنْ نَفَعَت الذكرى!
ذكرى نكبة، أو اغتصاب، فلسطين؛ وقبلها ذكرى
تقسيم فلسطين؛ وقبلها ذكرى وعد بلفور المشؤوم. سنوياً، يغتنم أهل
الفكر والقلم الفرصة، فيكتبون، متذكِّرين ومذكِّرين إنْ نفعت الذكرى،
وهي لا تنفع إلا المؤمنين. كلام تمجه الأسماع، وما عاد يؤثِّر في
العقول والقلوب ؛ لأنه يقع على أسماع لا تشبه أسماع متكلميه.
الذكرى إنما هي في الأصل تجربة، والتجربة لا قيمة لها ولا أهمية
تُذكر إن لم نخرج منها بما تستحق من دروس وعبر. ونحن حتى الآن لم
نُظهر، في قولنا وعملنا، ما يؤكِّد ويُثبت أننا الأبناء الحقيقيين
للتجربة الكبرى التي نسميها "نكبة فلسطين"، فميلنا إلى
ما يشبه "القدرية"، تفسيرا وتعليلا، نراه في منتهى الوضوح
في اتخاذ كلمة "نكبة" تسمية، أو وصفا، لهذا الذي حدث في
فلسطين سنة 1948.
في تذكُّرنا وتذكيرنا، إنما أكدنا وأثبتنا أننا ما زلنا أبناء الوهم
في انتمائنا إلى تلك التجربة، فلم نعللها، وإن عللناها لا نحسن التعليل،
وكأن صنَّاع النكبة ما زالوا فينا، يتحكمون في تفكيرنا، ويوجِّهون
أبصارنا، ويمسكون بأقلامنا، حتى ننكب عن النطق بالحقيقة، ففي النكب
عن الحقيقة، وعن النطق بها، تستمر "النكبة"، التي فيها
من "الحاضر" أكثر كثيرا مما فيها من "الماضي"،
فـ "النكبة"، التي تسمى "نكبة فلسطين"، أقرب
إلى "المضارع" منها إلى "الماضي".
اذكروا لي سببا واحدا من الأسباب الحقيقية التي أنتجت "نكبة
فلسطين" حتى أقيم لكم الدليل على أن هذا السبب ما زال على قيد
الحياة، يؤدي عمله على خير وجه، وقد ولد العشرات من أمثاله، فأسباب
"نكبة فلسطين" إنما هي غيض من فيض الأسباب التي أنتجت،
وتنتج، نكباتنا اليوم.
في "النكبة الصغرى"، أي "نكبة فلسطين"، حدث
الآتي: نشبت الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل، وجاء "جيش الإنقاذ
العربي" ليقول للفلسطينيين: جئناكم لنقضي على الصهاينة ودولتهم،
فاتركوا بيوتكم وقراكم، ولسوف تعودون إليها، بعد أيام، آمنين.. اتركوها
حتى نؤدي مهمتنا على خير وجه، وحتى لا يصيبكم مكروه. وخرج عشرات
الآلاف من الفلسطينيين ومعهم المفاتيح، فنصرة الدول العربية لهم
كانت الوهم الكبير الذي لم يصدِّقوا أنه وهما إلا بعد فوات الأوان.
وقاتل العرب وكأنهم يقاتلون من أجل صنع "نكبة فلسطين"،
فالهُدَن والأوامر العسكرية لم تأتِ إلا لإنقاذ "الصهاينة"
من هزيمة عسكرية مرجَّحة أو مؤكَّدة.
والآن، لكم أن تقارنوا بين نكبتين: "نكبة فلسطين" تلك
ونكبة الاعتراف العربي بأن لإسرائيل الحق في العيش في أمن وسلام
حتى في الأرض الفلسطينية التي احتلتها في حرب 1948. النكبة الثانية
إنما هي خير دليل على أن أسباب النكبة الأولى قد زادت واتسعت وترسخت،
فما الفرق، في المهمة والعمل، بين "جيش الإنقاذ" وبين
العرب اليوم؟!
ما الفرق بين ذلك الجيش وبين العرب الذين لا يستطيعون مخاطبة إسرائيل
قائلين لها: إننا على استعداد للاعتراف بك، ولإقامة السلام وتطبيع
العلاقة معك، إذا ما سمحتِ لنا بمد الفلسطينيين بما يحتاجون إليه
من طعام وأدوية ووقود..؟!
الذكرى تنفع "المؤمنين" الذين لن يتأكد إيمانهم ويظهر
إلا إذا فهموا "نكبة فلسطين" وفسَّروها على أنها "إنجاز
عربي" في المقام الأول، فالدهر العربي نكب فلسطين، فكانت "نكبة
فلسطين".
"المأساة".. مأساتنا، ومأساة "العقل" معنا،
لَمْ تبدأ في الثاني من نوفمبر(تشرين الثاني) 1917. لقد بدأت إذ
أصبح لبريطانيا (ولقوى دولية أخْرى) مصلحة في إقناع نفسها، وإقناع
العالَم، بأنَّ ما جاء في "سِفْر التكوين"، وسِفْر الخروج"،
هو الحقيقة التي لا ريب فيها، وليس بأسطورة من أساطير الأوَّلين؛
وهل غير المصالح ما يُسوِّل للمرء أن يناصِب بديهية العداء؟!
كان الكنعانيون هناك إذ ظَهَرَ "الرَّبُّ" لأبْرام العبراني،
على ما جاء في "سِفْر التكوين"، ليُخاطبه قائلاً: "لِنَسْلِكَ
أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ
نَهْرِ الْفُرَاتِ".
ثمَّ ظَهَرَ بلفور لعزيزه البارون روتشيلد ليخاطبه قائلاً: "إنَّ
حكومة صاحب الجلالة تَنْظُر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب
اليهودي في فلسطين..".
ثمَّ ظَهَرَ جورج بوش ليخاطِب آخر أنبياء بني إسرائيل (شارون) قائلاً:
إنَّ "الحقائق الجديدة" تَذْهَب بكثير مِمَّا يَنْظُر
إليه الفلسطينيون على أنَّه "حقوق قومية" لهم، وإنَّ إسرائيل،
بوصفها "دولة يهودية"، أو "دولة الوعد الربَّاني"،
يحقُّ لها أن تَضُمَّ إليها ما يحتاج إليه "الاستيطان اليهودي"
من أراضي الضفة الغربية، وأنْ ترفض "عودة" أي لاجئ فلسطيني
إليها.
"العلمانيون" و"الديمقراطيون" الأقحاح في الغرب
باركوا "دولة الوعد الرَّباني" حتى وهي تَجْعَل "السياسة"
امتداداً لـ "الأسطورة التوراتية"، التي اقْتَرَنت بمصالح
"بريطانيا العظمى"، فأنجبت، بالتالي، تلك الجريمة الكبرى
التي ارْتُكِبَت في حق الشعب الفلسطيني.
ولقد رأيْنا "الأسطورة التلمودية" تتحوَّل إلى "سياسة"
إذ قال بيجن سنة 1978 "لقد وَعَدَنا الرَّبُّ بهذه الأرض، فَلَنا
فيها كل الحق"، وإذ قال في كتابه "العصيان" سنة 1950
"إنَّ أرض إسرائيل الكبرى ستعود إلى شعب إسرائيل كلها، وإلى
الأبد"، وإذ قال ناثان وينستوك (في كتابه "الصهيونية ضد
إسرائيل") سنة 1969 "لو ألْغينا مفهومي الشعب المختار
والأرض الموعودة لانهارت الصهيونية من أساسها"، وإذ قال موشي
دايان سنة 1967 "إذا كنَّا نملك التوراة، وإذا كنَّا نعتبر
أنفسنا شعب التوراة، فإنَّ من الواجب علينا أن نمتلك كل الأراضي
التوراتية".
النكبة الفلسطينية يجب أن تنتهي؛ ولكن إنهاءها يستلزم إنهاء "السلطان
المعرفي والثقافي" لـ "اليهودية"، التي، عبر كتابها
"العهد القديم"، حالت بين أبصار وبصائر البشر وبين الحقائق
التاريخية والموضوعية، فظل العقل الإنساني مثخنا بجراحه التلمودية.
بتأثير ذاك "السلطان المعرفي والثقافي"، يُنْظَر إلى "اليهودية"
على أنها "مأثرة فكرية وحضارية كبرى"، ما كان للبشرية
أن تعرفها وتنعم بها لولا شعب ليس كمثله شعب هو "بنو إسرائيل".
عملهم التاريخي استهلوه بالسرقة والسطو، ثقافيا، ثم انتقلوا إلى
السرقة والسطو إقليميا، عبر وعدين: "الوعد الرباني لإبرام العبراني"،
و"وعد بلفور الإنجليزي" للبارون اليهودي الفرنسي روتشيلد.
واليوم، يستطيع العِلْم أن يقيم الدليل على أن هذا "الوعد الرباني"
كان خرافة خالصة، كتبها مؤلفو "التناخ"، وهو كتاب الخرافة
الأول في العالم، وأن يقيم الدليل، أيضا، على أنَّ أرض فلسطين، بطولها
وعرضها، لا تضم من الآثار، والأدلة التاريخية المادية، إلا ما ينفي
صلتها بـ "أرض الميعاد"، وأنها كانت "أرض مع شعب"
قبل أن تظهر إلى حيز الوجود التاريخي، في مكان غير فلسطين، قبائل
وعشائر بني إسرائيل.
وقولنا هذا إنما هو جزء من قولنا بأن التاريخ ينفي، ولا يؤكِّد،
"الوطن السرمدي"، و"العرق النقي"، فليس من موضع
في العالم يمكن النظر إليه على أنه "الوطن السرمدي" لجماعة
بشرية ما، فالأوطان يتداولها البشر كما يتداولون عملة، وليس من عرق
نقي خالص، فكل عرق، أكان صغيرا أم كبيرا، عرف من تمازج وتخالط وتداخل
الدم، ما يجعل النقاء العرقي خرافة خالصة، تتحول بـ "السياسة"،
إلى عنصرية كريهة، فنقاوة العرق الجرماني، وتفضيله على سائر البشر،
لم يظهرا في الفكر والثقافة والسياسة إلا ليُظهرا النازية، ونقاوة
العرق اليهودي، وتفضيله على سائر البشر، لم يظهرا في الفكر والثقافة
والسياسة إلا ليُظهرا الصهيونية.
اليهود لم يعرفهم التاريخ إلا بصفة كونهم جماعة بشرية معدومة الوزن
التاريخي والحضاري والثقافي، فكانوا عرضة، بالتالي، إلى أن يفقدوا
شخصيتهم الاجتماعية والتاريخية والثقافية واللغوية بتأثير الأمم
ذات الوزن التاريخي والحضاري الثقيل، فأقاموا بينهم وبين غيرهم ما
تقيمه العشيرة بينها وبين غيرها من فواصِل.
الفاصل الأول كان قولهم بفئتين لا ثالث لهما ينتمي إليهما البشر
جميعا: "اليهود" و"غير اليهود". ولا أعرف لماذا
يستمر المجتمع الإنساني في مهادنة ومسايرة هذا التصنيف العنصري البغيض!
والفاصل الثاني كان الاحتجاز العرقي لديانتهم، فلا يحق لغير المنتمي
إلى عرقهم اعتناقها.
والفاصل الثالث هو تديينهم، أو تهويدهم، لمفاهيم "الأمة"،
و"الدولة"، و"الديمقراطية"، فهم الجماعة الدينية
الوحيدة التي تنظر إلى نفسها على أنها "أمة" و"قومية"،
وتقيم لها دولة على أساس ديني صرف، وتفهم "الديمقراطية"
على أنها امتداد لـ "اليهودية الديمغرافية" لدولتها، فالديمقراطية
عندهم مشروطة بغالبية ديمغرافية يهودية، وكأن الديمقراطية لا تقوم
لها قائمة في الدولة الثنائية أو المتعددة القومية!
والفاصل الرابع هو تهويد العقل الإنساني، فآينشتاين بعبقريته الفيزيائية،
مثلا، ليس منتَجا ألمانيا، بالمعنى التاريخي والاجتماعي، وإنما منتَج
ديني يهودي. ولو كان الانتماء الديني قوة إنتاج للعلماء والعباقرة
والمبدعين لأنتج الإسرائيليون القدامى حضارة تتفوق على حضارة الفراعنة
والإغريق!
العِلْم حان له أن يرد اليهود، جماعة بشرية وعقيدة، إلى أصولهم الواقعية
التاريخية، وأن يحرِّرهم، ويحرِّر معهم العقل الإنساني، من الأوهام
التلمودية، التي ما أن اقترنت بـ "السياسة"، حتى تحولت
إلى سلاح للجريمة، التي لم تُرتكب في حق الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما
في حق العقل والعِلْم والحضارة.
لقد قرأنا في القرن العشرين قصة "شعب" باد، عِرْقا، منذ
آلاف السنين، وإن بقيت ديانته حيَّة، ينتمي إليها أفراد وجماعات
من أعراق وأجناس وقوميات أخرى. وعاينَّا وعانيْنا المفارقة التاريخية
الآتية: شعبٌ أصبح في وجوده العرقي والقومي جزءا من الماضي، والماضي
البعيد؛ ولكنَّ "حقوقه القومية والتاريخية" تُبْعَث حيَّة،
وتُتَرْجَم، بعد وبفضل وعد بلفور، بوطن ودولة، هما ثمرة اغتصاب وطن
لشعب آخر، وثمرة ذبح وتشريد لهذا الشعب. مَنْ ليس له، في الشرعية
الدولية وفي قرارات الأمم المتحدة، حقَّا في العودة (إلى فلسطين)
يعود؛ أمَّا مَنْ له، في تلك الشرعية، وفي تلك القرارات، هذا الحق
فلا يعود، ويُمْنَع من العودة بطرائق وذرائع شتى.
جواد البشيتي*
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
الدولة وحق العودة
في ربيع عام 1948 فر جدي جورج خطاب وشقيقه
قسطندي من مصرارة الحي في القدس الواقع خارج المدينة المسورة مباشرة
بعدما قتل زوج شقيقتهم هدى أمام أعينها هي وأبنائها. وعندما كان
والدي يحدثنا عن النكبة، لم يتحدث ابدا عن السياسة او الكراهية.
حيث كان يضحك عندما كان يخبرنا كيف أمن شقيقه منزلهم قرب بوابة دمشق.
وللتأكيد لأمه وشقيقه ان المنزل(الذي يقع الآن في القدس الغربية
في إسرائيل) يمكن ان يكون امنا، يمازح عمي بانه قام بتركيب قفلين
على الباب وتغطية الباب المعدني بطبقة معدنية قوية وتركيب مفتاح
معدني اخر. واخذ هذا المفتاح معه الى الزرقاء في الاردن متوقعا انه
يمكن ان يستخدمه مجددا في يوم ما.
في الوقت الذي ينظر فيه الفلسطينيون الى ستين سنة منذ ان باتوا لاجئين
ويحتفل الاسرائيليون بالذكرى الستين لقيام دولتهم، من المهم القاء
نظرة فاحصة على تطلعات الفلسطينيين.
صارت عائلتي لاجئة من الحرب العربية -الاسرائيليية في 1948، غير
ان عمي فقط هو الذي حصل على بطاقة لاجئ التي تصدرها الامم المتحدة
لتسمح له بالحصول على الحصص والمعونات. لم يعش احد من عائلتي في
مخيمات او معسكرات اللاجئين؛ وعلى الرغم من اننا لاجئين من الناحية
الفنية الا انني لا ادعي فهم ذلك الجزء المحدد من مآساة اللاجئين.
ومع ذلك فانا اتفهم تطلع الفلسطينيين للعودة لمنازلهم. فحق الفلسطينيين
غير قابل للتحول بالعودة هو حق مقدس ويتعين احترامه. اما عن كيفية
تحقيق الساسة لهذا الحق فانه محل تفاوض. لكن بغض النظر عن اي شروط
يتم التوصل اليها يتعين ان يكون الشعب الفلسطيني قادرا على التصويت
في استفتاء شعبي عام على الاتفاق المقترح.
ان الرغبة الممتدة لاغلب الفلسطينيين بالعودة الى منازلهم وارضهم
في يافا وحيفا ليست سوى حلم الان. فالعودة ليست اولوية لكل فلسطيني؛
كما انها بالتاكيد ليست اولوية للمفاوضين الفلسطينيين. فاذا تم الاجبار
على الاختيار بين استمرار الصراع او العيش في دولة فلسطينية مستقلة
وديمقراطية وحرة بدون عودة كل اللاجئين، فان الفلسطينيين يمكن ان
ينحازوا بالاغلبية الكبيرة للخيار الاخير.
كانت الجماعات الصهيونية المسلحة قبل الدولة هي المسئولة عن خلق
مشكلة اللاجئين. وقد فسر الباحث الاسرائيلي ما حدث في كتابه"التطهير
العرقي في فلسطين." ومنذ قيامها ترفض اسرائيل تنفيذ القرارات
الدولية المتلاحقة التي تطالبها بالسماح للاجئين بالعودة.
في كل مفاوضات سلام فلسطينية-اسرائيلية وفي الوقت الذي يطالب فيه
الفلسطينيون بحق اللاجئين في العودة الى ارضهم التي كانوا يعيشون
عليها قبل عام 1948، دائما ما يكونون عازمين على تقديم تنازلات في
كيف يمكن تحقيق هذا الحق. والمطلب الاساسي ليس في العودة المادية
لكل اللاجئين بل في ان تتحمل اسرائيل المسئولية عن التسبب في هذه
المأساة الممتدة منذ عقود.
ويعلن المفاوضون الفلسطينيون في جولات مختلفة من المحادثات سواء
في اوسلو او في استكهولم او كامب ديفيد او طابا ان قضايا مثل القدس
والحدود كانت هي العقبات الحقيقية.
اليهود على مستوى العالم بما فيهم الاسرائيليون الان يجب أن يكونوا
هم اول من يتفهم رغبة الفلسطينيين في العودة. فعلى مدى الفين سنة
يتذكر اليهود صلوات كل واحد منهم من اجل صهيون مكررين الامل"العام
القادم في القدس." ولم يعارض احد هذا الحلم. وبنفس الشكل لا
يجب على احد ان يطلب من الفلسطينيين التوقف عن الحنين والتطلع للعودة.
لقد أكد اللاجئون الفلسطينيون الذين عاشوا بعيدا عن منازلهم لمدة
60 سنة أنفسهم في اماكن اخرى. وقليل منهم لديهم رغبة خالصة للعيش
في اسرائيل اليوم. وقد وجد الباحث الفلسطيني خليل الشقاقي في 2003
ان 10% فقط من اللاجئين الفلسطينيين في الاردن ولبنان والضفة الغربية
وقطاع غزة يرغبون في الانتقال الى المناطق التي تشكل اسرائيل الان.
ان ما يريده الفلسطينيون هو ان تعترف اسرائيل بدورها التاريخي والاخلاقي
في خلق مشكلة اللاجئين ومسئوليتها الاخلاقية عنهم. مثل هذا الاعتراف
من قبل زعيم اسرائيلي شجاع يمكن ان يرضي ويحيد كثير من الفلسطينيين
الذين يحتفظون بمفاتيحهم ويطالبون بالحق الحقيقي في العودة. وكجزء
من اتفاق ثنائي فإن اسرائيل يمكن ان تسمح بشكل مؤكد للعائلات الفلسطينية
المقسمة بإعادة التوحد مع اقاربهم الذين بقوا داخل ما اصبحت اسرائيل
بعد 1948.
لا يمكن تطبيق هذه المقترحات او مقترحات مماثلة وحدها. بل يتعين
ان تكون جزءا من اتفاق شامل يتضمن انسحاب اسرائيلي حقيقي وقيام دولة
فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة في اراض متصلة داخل حدود 1967.
لم يكن ابدا امام والدي وعمتي وعمي الذين نزحوا فرصة في العودة الى
منازلهم في مصرارة. ومع ذلك فإن غيابهم لم يضعف توق الفلسطينيين
لوطن مستقل في فلسطين. وهذا التوق يعيش في أبنائي واحفادهم وفي شعبنا
في انحاء العالم.
داود خطاب*
* كاتب عمود فلسطيني ومؤسس أول إذاعة للعالم العربي على الإنترنت
أمان نيت. ويقوم بتدريس منهج الإعلام الجديد في العالم العربي في
جامعة برينستون. خدمة لوس انجلوس تايمزـ واشنطن بوست خاص بـ(الوطن).
أعلى
ماذا ينتظر العالم لإنقاذ المنكوبين ؟
ماذا تفعل عندما يصطف العالم لمساعدة ما يربو
على مليون مشرد من الذين ضربهم الإعصار ثم يقف النظام العسكري الحاكم
هناك ليمنع وصول هذه المساعدات ؟
هذا الموقف يعد السابقة الأولى من نوعها التي تواجه الأمم المتحدة
والوكالات الغربية لتقديم المساعدة والمنظمات الانسانية، ولم يشهد
احد في السابق موقفا مماثلا من هذا القبيل. فعلى الرغم من زيادة
اعداد القتلى والمفقودين عن 60ألف وأكثر من مليون ونصف يتهددهم خطر
الجوع والمرض يأخذ جنرالات ميانمار هذا الموقف العنيد. ( ميانمار
هو اسم آخر لبورما)
وبينما تتكدس المساعدات في تايلاند وتصطف السفن الغربية غير بعيد
لا يسمح المجلس العسكري الحاكم بدخول سوى النذر اليسير من المساعدات
فيما يرفض منح تأشيرات للخبراء الأجانب ممن يستلزم وجودهم لتيسير
تدفق المساعدات. أما الجنرالات فقد استولوا على أطنان المعونات الغذائية
المقدمة من الأمم المتحدة والتي وصلت الى المطار.
فهل يجب على أو هل تستطيع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ان تجبر
النظام العسكري الحاكم على قبول يد العالم الممتدة ؟
ومن المفارقات ان اعضاء الأمم المتحدة كانوا قد تبنوا في خريف عام
2005 مفهوما يبدو أنه يجيب على التساؤل السابق. فبناء على طلب الأمين
العام آنذاك كوفي أنان فقد صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على
المبدأ التالي: يتحمل المجتمع الدولي المسؤولية عن حماية المدنيين
عندما لا تستطيع حكوماتهم او لا تعمل على وقف الإبادة الجماعية أو
الجرائم التي ترتكب ضد الانسانية حتى إذا كان ذلك يقتضي انتهاك السيادة
الوطنية للدولة.
بيد أن هذا المفهوم الذي يحمل المعنى الآخر وهو التدخل الإنساني
لم يعد له وجود اليوم ولم يثبت فائدة في التعامل مع الأزمة المشابهة
للإبادة الجماعية في دارفور. فالأنظمة الاستبدادية تنظر الى المساعدات
الانسانية على أنها غطاء لمحاولات غربية للتدخل العسكري بهدف تغيير
النظام.إلا انه حتى لو كانت هناك اية صلة يجب أن يطبق المبدأ الذي
تم الاتفاق عليه على الموقف المريع الذي تشهده ميانمار.والقضية الآن
ليست تغيير النظام الحاكم(الذي ابقى علي اونج سان سو كى الفائزة
بجائزة نوبل تحت الاقامة الجبرية لمدة 16 عاما بعد إبطال انتخابات
عام 1990). فالمسألة هي إنقاذ أرواح لأن الموقف المعاند من المجلس
العسكري الحاكم يمكن أن يؤدي الى وقوع كارثة إنسانية.
وقد دفع الخوف وزير الخارجية الفرنسي بيرنارد كوشنير مؤسس منظمة
اطباء بلا حدود إلى أن يعلن قبل عدة ايام ان الأمم المتحدة ينبغي
أن تنهض بمسؤلياتها من أجل توفير الحماية. كما دعا العالم الى الحصول
على قرار من الأمم المتحدة يإدخال المساعدات وفرضه على حكومة بورما.
غير أن الصين وعددا آخر من الدول الأعضاء في مجلس الأمن ومسؤولين
بارزين في الأمم المتحدة يعارضون الجهود الفرنسية في هذا الخصوص
. وكان هناك نقاش حاد الاسبوع الماضي بين خبراء حقوق الانسان حول
إمكانية تطبيق المفهوم الذي اتفق عليه في السابق.
والواقع أنه من الصعب تصور كيف يمكن للعاملين في مجال المساعدات
الدولية القيام بمهام عملهم وسط هذه الظروف لاسيما انها قد تستمر
على ما هي عليه لفترة من الوقت. ومن ناحية أخرى فإن رفض النظام العسكري
الحاكم في بورما مساعدة شعبه يستصرخ ردود فعل عالمية.
وإذا استعدنا أزمات مشابهة في الماضي نجد أن ايران كانت قد قبلت
بالمساعدات الدولية إثر تعرضها لزلزال بام مدمر عام 2003. كما أن
المساعدات الدولية التي تدفقت سريعا على العديد من الدول الآسيوية
قد ساهمت في إنقاذ عشرات الآلاف في أعقاب تسونامي 2004. وباكستان
التي تمثل السيادة لديها مسألة ذات حساسية خاصة قبلت بقيام طائرات
نقل عسكرية أميركية بإيصال المساعدات عقب زلزال كشمير المدمر في
2005.
كما أن كثيرا من الدول الإفريقية قد وافقت على مفهوم التدخل وذلك
أملا منهم أن ذلك قد يمنع وقوع إبادات جماعية مستقبلية كتلك التي
حدثت في راوندا وتسببت في مقتل 800 ألف من أبناء شعبها.
وعندما يأتي الحديث الى الكوارث الطبيعية مثل إعصار بورما، فهل الدول
النامية على استعداد لترك النظام العسري الحاكم في بورما يضحي بشعبه؟
وهل هناك من الدول الأعضاء في مجلس الأمن من يعتقدون أن عملية تقودها
الوكالات الفنية في الأمم المتحدة تهدف الى تغيير النظام ؟
المفهوم الذي صاغته الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يستلزم العمل
العسكري ولكنه يتطلب بالتاكيد ضغوطا دولية ضخمة على حكومة بورما.
وفي الوقت الحالي ينصب تركيز النظام الحاكم في بورما على إجراء استفتاء
وطني في 10 مايو يهدف الى إعادة صياغة الدستور هناك لصالحه. ويبدو
أن تسلط فكرة هذا الاستفتاء الزائف يغطي على أية جهود ترمي الى منع
تفشي الأمراض على نطاق واسع.
وقد أخبرني كينيث روث المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايت ووتش ان
الطريقة الأكثر فعالية للضغط من اجل الحصول على موافقة الجنرالات
في بورما سيكون عن طريق جهود تبذلها جيران بورما. وهو يشير الى رابطة
دول جنوب شرق آسيا الى جانب الهند والصين. وهذا يشكل تحديا آخر للصين
لكي تظهر قدرتها أن تكون زعيما عالميا مع اقتراب موعد اقامة أوليمبياد
بكين 2008.
ومن اسف أن العالم قد تقلص الى حد التوسل الى حفنة من الجنرالات
للسماح بدخول الأغذية والأدوية والأطباء والعاملين في مجال تقديم
المساعدات وربما لن يلين الجنرالات. فإذا لم يكن بمقدور الصين والآسيان
أن يحملوهم على ذلك فهل يجب على العالم ان يقف فيما تعرض السي إن
إن صور الموت ؟ وإذا لم يكن ذلك جريمة ضد الإنسانية فماذا يكون ؟
ترودي روبين *
* كاتبة عمود وعضو في أسرة تحرير صحيفة فلادلفيا انكوايرر
خدمة ام سي تي خاص بـ(الوطن)
أعلى
منظمة الأمم المتحدة لم تفي بوعدها في بورما!
عندما يهمل الأب إانه أو يسيء معاملته، تتقدم
الحكومة من أجل توفير الحماية لهذا الطفل. ولكن من يتقدم لتوفير
الحماية إلى الشعب عندما تهمله الحكومة؟
منذ ثلاثة أيام تقريباً، أجابت منظمة الأمم
المتحدة على هذا السؤال بأنها ستفعل ذلك. وفي اجتماع قمة عقد للاحتفال
بالذكرى الستين لتأسيس المنظمة، وافقت 171 دولة على تدخل المنظمة
بالقوة إذا تطلب الأمر ذلك عندما تفشل أي دولة في حماية شعبها. ونظر
إلى هذه الخطوة على أنها علامة على الندم لفشل المنظمة في وقف أحداث
الإبادة الجماعية في رواندا وتوبيخ الولايات المتحدة بسبب اتخاذها
لتصرفات أحادية الجانب.
وقال بول مارتين، رئيس الوزراء الكندي: "يسعدني أن مسئولية
الحماية، وهي فكرة كندية، قد أوكلت الآن إلى المجتمع الدولي".
ومنذ ذلك الحين، تجنبت منظمة الأمم المتحدة التدخل في الانتهاكات
التي تحدث في عدة دول بالعالم مثل الانتهاكات التي حدثت في زيمبابوي
والسودان. والآن، يرضخ مجلس الأمن لمسألة السيادة البورمية في الوقت
الذي يسمح فيه المجلس العسكري الحاكم في بورما بمواجهة أكثر من مليون
ضحية لإعصار نرجس لخطر المجاعة والجفاف والكوليرا وبعض الآلام الأخرى
بدلاً من السماح للدول الخارجية بتقديم المساعدات التي يحتاجها هؤلاء
الضحايا.
وفي ضوء المشاكل التي تتعرض لها القوات الأميركية في العراق، يتحرك
البندول داخل الولايات المتحدة حالياً تجاه تبني الحلول متعددة الأطراف
واحترام القانون الدولي. وقد وعد المرشحون الثلاثة الذين سيخلفون
بوش بإعادة تقوية التحالفات ووضع المزيد من الثقة في الحلفاء.
ولكن الأزمة القائمة حالياً في بورما، والتي تعرف أيضاً باسم ميانمار،
تظهر صعوبة ترجمة مسئولية الحماية إلى أفعال. ومن الصعب تخيل وجود
أسباب لامتناع الحكومة البورمية عن أداء واجباتها تجاه شعبها، ويبدو
من الوارد جداً أن مئات الآلاف من سكان بورما سوف يموتون بدون مبرر
بعد امتناع منظمة الأمم المتحدة عن التدخل من أجل حل هذه الأزمة.
وكان الدكتور كريس بايرار، أستاذ الأمراض المستوطنة بجامعة جون هوبكينز
بلومبيرج قد قضى عدة سنوات في بورما وهو يصارع تعسف وعناد النظام
العسكري الحاكم في مساعدة الشعب البورمي. وذكر بايرار في تصريحات
أدلى بها خلال الأسبوع الماضي أن ما تعلمه خلال وجوده في بورما هو
أن النظام العسكري الحاكم لا يهتم بمصالح الشعب البورمي على الإطلاق
وأن كل تصرفاته قبل هذا الإعصار وبعده يمكن أن تفهم في هذا الإطار
وهو أن هذه الحكومة العسكرية تهتم فقط ببقائها وليس ببقاء شعبها.
وحتى قبل اجتياح إعصار نرجس المدمر لميانمار يوم 2 مايو الماضي،
كان البورميون معرضون لتهديدات ومخاطر كثيرة؛ حيث كان يعاني ثلث
الأطفال تحت سن الخامسة من سوء التغذية، وكانت نسبة 3% فقط من النفقات
الحكومية توجه لخدمات الصحة العامة، مقارنة بنسبة 40% المخصصة للجيش،
وكان هناك نقص حاد في الأطباء والمستشفيات. وفي نطاق واسع من ميانمار،
تفرض أمراض الملاريا والسل تهديدات خطيرة.
وقد فشلت الحكومة البورمية في تحذير شعبها من خطر الإعصار القادم؛
كما فشلت أيضاً في تقديم أي مساعدة لهم بعد انتهاء الإعصار. ويبدو
أن هذه الحكومة لا ترغب في المخاطرة بأي فائدة تضاف إلى الدول الغربية
وقد تساعد على انتشار "قوة المقاومة الناعمة". وقد نشرت
الحكومة عدداً كبيراً من قوات الجيش يوم السبت الماضي إلى الشمال
لضرب وإجبار الناس على التصويت في صالح الحكومة العسكرية خلال الاستفتاء
الصوري المقبل الذي سوف يجعل الحكم العسكري لبورما دائماً، بدلاً
من نشر قوات الجيش في الجنوب حيث يوجد أكثر من 1.5 مليون مشرد مع
تعرض 65% من أراضي الجنوب للغمر بفعل مياه الإعصار.
ولكن، عندما ذكرت فرنسا منظمة الأمم المتحدة "بمسئوليتها عن
حماية الشعب البورمي"، وجهت الصين وروسيا وجنوب أفريقيا ضربة
قوية لهذا الجهد بعد رفضها لتدخل المنظمة الدولية في بورما بحجة
عدم تهديد سيادة هذه الدولة. وعليه، ما زالت آلاف الأطنان من المساعدات
الغذائية منتظرة على مقربة من الحدود البورمية في ظل استغراق جنرالات
بورما في النوم.
وفي نفس الوقت، لم يستسلم الشعب البورمي نفسه؛ حيث قطعت فرق صغيرة
من عمال المساعدة من الجماعات المنشقة المطاردة طريقها إلى الجنوب
لتقديم القدر البسيط من المساعدات التي يمتلكونها على الرغم من أن
الجنود يصادرون بضائعهم في بعض الأوقات.
فريد حياة*
* كاتب ومحلل سياسي أميركي بارز
خدمة واشنطن بوست خاص بـ (الوطن)
أعلى