
باختصار
مفاوضات بالدم
لو كان فنان الكاريكاتير ناجي العلي حيا لرسم
على طاولة المفاوضات المباشرة في الولايات المتحدة بين الفلسطينيين
والاسرائيليين بقعا من الدم، أو ربما ترجم حادثة القتل الفلسطيني
لأربعة من الاسرائيليين في الضفة الغربية بطريق مختلفة. لم يترك
الفنان ناجي مناسبة إلا وعبر عنها بأسلوبه الساخر المليء بالمرارة
والتي تشبه الكوميديا الباكية. هو نمط من الترجمة النابعة من دواخل
فنان مأزوم بالاحساس الحزين الذي يشبه الى حد بعيد وقريب ما يشعر
به كل فلسطيني يتابع اليوم المفاوضات المباشرة التي نرجو أن لا تنتهي
بصفقة مدمرة وكارثية.
يقال إن أكثر الغاضبين من العملية التي حدثت قرب الخليل هو رئيس
الوزراء سلام فياض، ويقال أيضا محمد دحلان. بعض من حركة "فتح"
فرح لما جرى .. واقع تاريخي في هذه الحركة يمنعها من قبول تلك المفاوضات
مع معرفتها المسبقة بأن أحدا من القيادات الفلسطينية لا يمكنه وضع
توقيعه على ما قد يسيء للشعب الفلسطيني تاريخا وحاضرا ومستقبلا،
أو أن يتلاعب بقدسية قضيته التي هي ملك أجيال سوف تتوارثها على نبضها
المعهود طالما ان الظلم واقع والوطن بعيد الأقدام المشتاقة إليه.
ثمة تحدٍّ في قتل الاربعة وداخل الضفة التي أنس الاسرائيلي الى هدوئها
فقام بسحب لوائه العسكري الشهير "كفير" ليضعه في الشمال
عند الحدود مع لبنان وسوريا، وهو لواء لعب دورا في متابعة كل نشاط
فلسطيني وفي الزج في السجون بالمئات وفي قتل العديد من المقاومين.
وجد الاسرائيلي في النار الخامدة في الضفة أملا في نقل عساكره منه
الى حيث يتهدده كما يتصور ويشيع ويستعد. قدمت السلطة لإسرائيل نموذجًا
فذًّا من السيطرة على الواقع الأمني في الضفة وادارتها بمهارة مشهود
لها تحت سقف المعلومات التي قدمت للفلسطينيين في الضفة ان العزوف
عن السلاح سيؤدي الى قيام أوقات طيبة مليئة بالرفاهية والعمل المصان
وبتدفق الاموال، عكس كل ما يجري في قطاع غزة الذي ما زال محروما
ومدمرا ومحاصرا من شتى الجهات نتيجة سياساته.
ربما لم يتوقع أحد ان تتمكن حركة حماس من اقتحام الضفة وتنفيذ هذا
الفعل، ما قيل ان المنطقة التي وقعت فيها العملية هي الاضعف أمنيا
إن من قبل الفلسطينيين أو الاسرائيليين .. رب قائل يؤكد انه حتى
لو كانت الأقوى أمنيا فإن عنصر المفاجأة يظل هو الأرجح والأنجح.
لكن العملية وقعت في توقيت حساس ودقيق قد يستفيد منها الاسرائيلي
في تمسكه بإضافة جزره الامنية التي تنخر الضفة اضافة الى قضاياه
الأخرى، فيما سيكون المفاوض الفلسطيني عاجزا في الدفاع عن موقفه
.. مشكلة ان أدان العملية ومشكلة أكبر ان أيدها.
ثمة لحظات صعبة ومعقدة علينا ان نعترف انها خارج كل استعداد..!
زهير ماجد
أعلى

أصداف
اليوم الأخير
راود العراقيين حلم وردي، حيث انتظروا اليوم
الذي يخرجون فيه الى الشوارع، ولا يرون أمامهم الدبابات والهمرات
واسلحة الجنود الرشاشة التي يصوبها اولئك الجنود الغرباء نحو العراقيين،
اسلحة تثير في نفوس الاطفال والنساء والشيوخ ذلك الرعب الهائل، إذ
لمجرد ان تتعرض الدوريات الاميركية الى هجوم بالقنابل والعبوات وقاذفات
الصواريخ، حتى يسارع الجنود الاميركيون الى ارتكاب أبشع جرائم القتل
بحق العراقيين، واتسعت دائرة احلام العراقيين، حيث يتوارى المحتلون
وتتوقف عمليات الدهم والاعتقال وتحطيم ابواب المنازل واقتياد الرجال
والنساء والاطفال اسرى، بعد وضع الاكياس على رؤوسهم وربط ايديهم
وتوجيه مختلف انواع الضرب والركل بالاحذية، ثم تأتي حفلات التعذيب
داخل المعسكرات والمعتقلات الاميركية.
وحتى الذين لم يتعرضوا الى القتل والضرب والتعذيب والاهانات على
ايدي القوات الاميركية، يملكون صورة تفصيلية عن كل ذلك، ويتوقع الجميع
ان يكونوا ضحايا في كل دقيقة، طالما ان قوات الاحتلال الاميركية
تتجول في المدن والشوارع والقرى والارياف، في رحلات بحث يومية عن
المقاومين العراقيين، الذين يواصلون اصطيادهم للأعداء المحتلين الغزاة.
وينتظر الجميع (اليوم الاخير) الذي يغادر فيه الجنود الاميركيون
المدن والازقة والقرى، بلا عودة، وأعلن قادة اميركيون ان قواتهم
ستنسحب من المدن والشوارع، وقال قائد القوات الاميركية في العراق
الجنرال راي اوديرنو (مطلع عام 2009) ان هناك ثقة كبيرة بقدرات السلطات
العراقية على فرض الأمن في العراق بعد انسحاب القوات الاميركية من
المدن والشوارع.
جاء اليوم الاخير وهو آخر ايام شهر يونيو عام 2009، الذي تم تحديده
لآخر ظهور للقوات الاميركية في مدن وشوارع العراق، وبدأ شهر يوليو
(تموز)، لتبدأ معه مظاهر توقف تحركات القوات الاميركية، إلا ان المفاجأة
التي صدمت العراقيين، ان جميع التصريحات التي اطلقها اقطاب الحكومة
العراقية والاحزاب السياسية الحاكمة وجميع ما صرح به القادة الاميركيون،
لم يكن سوى كذبة سمجة، اذ تواصلت عمليات الدهم والاعتقال وتعذيب
العراقيين، ولم تتوقف الطائرات الاميركية (المروحيات) القصف وتقديم
الاسناد المباشر للقوات التي تنفذ عمليات دهم بيوت العراقيين، وتحطيم
الابواب واهانة العوائل، واثارة الرعب والهلع في قلوب الاطفال والنساء.
يسأل العراقيون القاطنون في بغداد اقاربهم واصدقاءهم في المدن الاخرى
عن وجود دوريات للقوات الاميركية، فيأتي الجواب انها لم تنقطع يوما
واحدا، وان هذه الدوريات تزداد حركتها اثناء الليل، وتنفذ تحت جنح
الظلام عمليات الدهم والاعتقال في مختلف مناطق العراق.
تحدثوا طويلا عن (اليوم الاخير) لوجود القوات الاميركية في مدن وقرى
وشوارع العراق، وحددوا آخر يوم في شهر يونيو عام 2009، لذلك الوجود،
إلا ان هذه القوات لم تتوقف عن تنفيذ هجماتها وبمختلف الاسلحة، رغم
مرور اكثر من عام على الموعد، الذي حددوه لتحرك آخر جندي في شوارع
ومدن العراق، فقد كذبوا في جميع تصريحاتهم.
ويتوقع العراقيون ان (اليوم الاخير) الذي يتحدثون عنه الآن والذي
حددوه بالحادي والثلاثين من اغسطس 2010، لا يختلف كثيرا عن اليوم
الاخير لتحرك القوات الاميركية، الذي سبق وحددوه بنهاية يونيو من
عام 2009، إذ إن الابقاء على خمسين ألف جندي يتوزعون على اربع وتسعين
قاعدة اميركية، يدلل على انهم يتواجدون في كل مكان، اما الجديد في
الامر فهو امكانية الهروب الجماعي من خلال اسطول كبير من المروحيات
المعدة للطوارئ التي قد تفرض عليهم الهروب وقت الظهيرة ولا يهمهم
عند ذاك ضياء الفجر أو فضيحة العصر.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى

أطياف
لا تُلغِ الآخرين
إغلاق العقل أمام آراء الآخرين يورث أمراضًا
نفسية وعضوية في الوقت ذاته. فمن تجارب عديدة مررت بها في عالم الرأي
والرأي الآخر، وجدت أن التصلب في الرأي والاعتزاز به وتسفيه الرأي
الآخر أو التقليل من شأنه، من أبرز أسباب التوتر وعدم الاستقرار.
لا أقول إنني من النوع الذي يسفه آراء الآخرين ويقلل من شأنها، لست
من ذاك النوع ولله الحمد، ولكن مررت بفترة ماضية قصيرة لم تطل ولله
الحمد، لم أكن أسمح لآراء الآخرين المضادة لآرائي أن تعبر إلى عقلي،
أو أن أدع نفسي قليلًا للتفكر في تلك الآراء المضادة. لماذا؟ لا
أدري ولكن هكذا كنت، وربما مر كثيرون غيري بالموقف ذاته في فترة
ما او ربما البعض ما زال كما هو لا يقبل غيره.
الأصل أن الإنسان كل يوم أو حتى لحظة يزداد خبرة ويتسع أفقًا ويكبر
عقلًا، أو هكذا يفترض أن تسير الأمور مع الإنسان السليم الصحيح الخالي
من العيوب الفكرية، فقد رأيت أن صد آراء الغير لمجرد أنها لا تتوافق
مع آرائي، هو قمة التخلف العقلي، إن صح وجاز لنا التعبير.
لماذا لا أقبل رأي غيري؟ ولماذا أفترض أنني على صواب دائمًا؟ ولماذا
أفترض في الآخرين مما قد لا يكون صحيحًا البتة؟ بل حتى لو كان الصواب
والحق معي بالفعل وبشهادة آخرين، فإن هذا لا يمنع أبدًا من أن أستمع
إلى الغير، فلعل في هذا الرأي المضاد ما يفيدني في حياتي بشكل عام.
لماذا لا أنظر إلى احتمالية وجود نسبة ولو ضئيلة من الصواب في الرأي
المخالف؟ لماذا لا أستفيد من هذه النسبة الضئيلة بدلًا من التركيز
على النسبة الكبيرة الخاطئة؟ فإن إيقاد شمعة أفضل من لعن الظلام،
كما يقول المثل الصيني.
حين يظل المرء متمسكًا برأيه ومعتقدًا صوابه وصحته وبطلان رأي غيره،
فإنما يقود نفسه إلى مرض نفسي أولًا ومن ثم يتبعه العضوي.. كيف؟
هذا الإنسان يكون في حالة من عدم الاستقرار وفي توتر مستمر، لا يشغل
عقله سوى كيفية إثبات صحة رأيه وتخطئة آراء الآخرين، الأمر الذي
يجعله لا يرى الصواب بشكل واضح بسبب غشاوة تتكون على بصره قبل عقله،
إذ لا يرى سوى نفسه، ويلغي الآخرين.. هذا المرض النفسي الذي يصاحبه
قلق وتوتر لا بد وأن يتبعه أمراض عضوية أخرى كالقرحة وارتفاع الضغط
وغيرها من تلك الأمراض التي يتحدث عنها الأطباء.
أحسب أن المرء منا تكفيه أمراض العصر المختلفة التي تأتيه دون أن
يكون هو السبب فيها، فلماذا أرى البعض وهو يسعى إلى جلب أمراض جديدة
لنفسه وبيده هو لا غيره؟ إنها دعوة في مثل هذه الأجواء الروحانية
الرمضانية للتنازل في سبيل حياة هادئة خالية من التوترات والمنغصات،
وهذا التنازل ليس إلا نوعًا من الحكمة التي قلما تجدها في الناس.
ولهذا السبب يقل عدد الحكماء إن أردت البحث عنهم في أي مجتمع.
عبدالله العمادي
أعلى
كل يوم
المفاوضات والخيال غير العلمي!
لا أحد ينكر أهمية إحلال السلام الشامل والدائم
والعادل في المنطقة ، ولا احد يرفض ان يرى هذا الحل العادل والدائم
والشامل لقضايا المنطقة وجوهرها القضية الفلسطينية والصراع العربي
ـ الاسرائيلي الذي يتحول لدى بعض الجهات السياسية ووسائل الإعلام
الى صراع فلسطيني اسرائيلي ، في تقزيم واضح للقضية الفلسطينية ونفي
لهويتها القومية وبعدها الاسلامي.
ولا احد ـ كذلك ـ يرفض ان تتجه الجهود العربية والدولية نحو هذا
الحل المنشود ، خاصة اذا كانت إدارة الرئيس اوباما جادة في المساهمة
في هذا الحل وبالسرعة الممكنة.
غير أن اللقاء الذي سيجمع بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس
الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية الرئيس الاميركي وبحضور
الملك عبدالله الثاني والرئيس حسني مبارك ، هذا اللقاء الذي يمهد
لمفاوضات مباشرة فلسطينية ـ اسرائيلية ، لن يستطيع ان يحقق المعجزة
، ويضع الأطراف المعنية على طريق الحل ، طالما ان نتنياهو يستبقه
بالحديث عن شروط تعجيزية تتصل بترتيبات امنية ، ويهودية الدولة الاسرائيلية
وفي ظل الاصرار على استمرار عمليات الاستيطان في الاراضي الفلسطينية
ودون الالتفات الى معاناة الشعب الفلسطيني واستمرار حصار غزة ، وكذلك
في ظل دعوات اسرائيلية متطرفة الى (هلاك الفلسطينيين)! كما يفعل
مؤسس حركة (شاس).
لم يطرأ أي تغير على المواقف الاسرائيلية لكي يستطيع احد ان يعد
الناس بالحل الموعود. ولم يطرأ أي تطور في مواقف الاطراف كلها ،
حتى يمكن النظر الى هذه الفرصة الجديدة من التفاؤل!! اللهم إلا اذا
كان هذا التفاؤل مرتكزا الى الطمع الاميركي والجشع الاسرائيلي في
ابتزاز المزيد من التنازلات من الجانب الفلسطيني والعربي كما في
تجارب سابقة.
ولا شك ان اطلاق المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين
يشكل انجازا جديدا بالنسبة للإدارة الاميركية ، غير انه انجاز من
منطلق (مكانك راوح)..لأن المقدمات لا تقود الى نتائج عكسية ، ولان
العقبات التي تضعها اسرائيل في وجه اية مفاوضات وكما في التجارب
السابقة كلها ، ستجعل من هذه الجهود ضربا من العبث ، ولعله من المناسب
ان نذكر هنا بالإعلان المضحك عن خطة اميركية لتحقيق اتفاق مبدئي
خلال سنة على ان يجري تنفيذه على مدى عشر سنوات!!.
ومع ان ذلك يمكن ان يحمل على انه نوع من التسريبات الاسرائيلية ،
إلا انه مؤشر على مدى الجدية التي تتعامل فيها الإدارة الاميركية
مع القضية الفلسطينية ، وهي (جدية) منقوصة بل معدومة وتتناقض بذلك
مع طروحات اوباما وخطابه الشهير في جامعة القاهرة..ومع وعوده المهدورة
في هذا الاتجاه.
وسواء أكانت المفاوضات مباشرة او غير مباشرة ، وثنائية او موسعة
، وفي اطار فلسطيني ـ اسرائيلي ، او عربي ـ اسرائيلي او اقليمي..فإن
التجارب السابقة تنفي إمكانية احراز أي تقدم ما دامت اسرائيل واحتلالها
وممارساتها هي الفيصل في الوصول الى الأهداف المنشودة..أي الحل الدائم
والشامل والعادل ، والسلام المتصف بهذه الصفات الذي بات ضربا من
الخيال غير العلمي!.
د. محمد ناجي عمايرة
Mohamayreh48@hotmail.com
أعلى
اقول
لكم
حرية تحت الحراسة المشددة
باراك أوباما يتابهى بأن العراق ـ أخيرا ـ
حصل على حريته ، ونحن نتساءل عن ماهية هذه الحرية التي تمارس مع
تمركز 50 ألفا من جنود المارينز في عدد من القواعد الاميركية ببلاد
الرافدين للتدخل عند اللزوم وفرض مفهوم البيت الابيض للحرية ، وقبل
هذا وذاك نسأل عن قيمة فاتورة الحرية من حيث عدد القتلى والمشوهين
وتلويث يستمر عدة اجيال لبيئة العراق نتيجة استخدام قنابل الفوسفور
الابيض المحظورة دوليا وقذائف اليورانيوم المستنفد ، وتخريب البنى
التحتية حتى ان اهل دجلة والفرات يعانون الظمأ.
و(حرية) البيت الابيض التي وفرت (الاستقلال) للعراق تعني ملايين
المهاجرين العراقيين الى دول متعددة ، وانتشار الفاقة والعوز بين
اهل العراق الغني ، بعد ان فرضت قوات الاحتلال شروطا واتفاقات مجحفة
مع كبريات شركات النفط العالمية لسرقة النفط العراقي ، وتحول العراق
الى واحد من اعلى مناطق القتل في العالم بواسطة صبيان (الفوضى الخلاقة)
التي تمارس إرهابا بشعا ضد المدنيين من مختلف الديانات والمذاهب
والملل والنحل ، وتكريس الطائفية التي تمهد لتفتيت العراق الى ثلاث
دويلات تختلف مع بعضها حول كل شيء ولا يجمعها إلا هوى الحرية الاميركية.
وأكاذيب الادارة الحالية تنضم الى ملف أكاذيب ادارة جورج بوش لتقدم
دليلا عمليا على الاهداف الحقيقية لغزو واحتلال العراق ، التي اعتبرتها
وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس مجرد عمل استثماري من خلاله
سوف تسترد واشنطن ما أنفقته على الحرب ، وقبلها قالت مادلين ان قتل
نصف مليون طفل عراقي ثمن معقول للحرب ضد الارهاب والدكتاتورية ولارساء
دعائم الديموقراطية ، لهذ يصبح محاكمة القتلة امرا مشروعا ، واذا
عجز عن ذلك المدعي الدولي العام اوكامبو المنشغل بمطاردة عمر البشير
يتعين ان تقوم بذلك كل القوى المحبة للسلام على المستوى الدولي.
شوقي حافظ
أعلى
ماذا بعد (الفجر الجديد)؟
يصعب على المتابع أن يفهم عنوانًا غيميًّا
عامًّا من نوع "الفجر الجديد" في سياق جلاء القوات الأميركية
الفعالة من العراق على نحو دقيق، خاصة عندما لا يكشف الخطاب الرئاسي
الأميركي، على نحو دقيق مفصل، ما هي طبيعة العلاقات العراقية الأميركية
بعد الفجر الجديد، وما هو الدور الذي تصبو الولايات المتحدة للعبه
في عراق ما بعد الانسحاب الأميركي بعد الذي حدث وتداعياته منذ 2003.
هذه أسئلة مهمة ومشروعه متوقعة من قبل الإنسان العراقي على نحو خاص،
ذلك الإنسان الذي يسلِّم، وبلا تردد، أن الغزو الأميركي للعراق كان
فاصلة تاريخية نوعية لا متوقعة ولا محسوبة ولا يمكن تكرارها في عصر
مثل عصرنا، أي عصر ما بعد الاستعمار الكولونيالي أو عصر العولمة
والاندلاقات الاقتصادية التي راحت تتجاوز الحدود والقارات لترنو
إلى النظر إلى الاقتصاديات، حزمًا متينة، بديلًا عن الأقاليم الجغرافية
والكتل السكانية الثقيلة الأعباء. لم يعد، على سبيل المثال، من الممكن
أن تفكر فرنسا أو بريطانيا "العظمى" في ضم أمم كالهند
أو كمصر إلى امبراطورية كلاسيكية من نوع الامبراطورية التي لا تغرب
الشمس عنها، ذلك لأن الأعباء الاقتصادية والسكانية لمشاريع كولونيالية
مثل هذه لم تعد مجدية ولا ممكنة. هذا بدقة هو الاعتبار الأساس الذي
حوَّر آليات الهيمنة domination و التفوق hegemony من شكل لآخر في
عالم اليوم: فأميركا لم تفكر بضم العراق وإضافته إلى الآسكا كولاية
"جديدة" آتية من "العالم القديم"؛ كما أنها
لم تفكر بضم أفغانستان بنفس الطريقة، هي (مع أنها أقوى قوة اقتصادية
وعسكرية في العالم) ليست على استعداد لإضافة أعباء جديدة على أعبائها
الاقتصادية الداخلية التي بقيت حلولها مرتهنة بتدخلاتها في العراق
وأفغانستان لمدة طويلة، خاصة بعد إخفاق المشاريع الفضائية في إحداث
معجزات اقتصادية.
وإذا كان الرئيس أوباما يتنفس الصعداء اللحظة بسبب إزاحة ثقل وأعباء
العراق عن كاهل أميركا (المبادرة بالتدخل دون دعوة)، فإن عليه (وهو
يعترف بذلك حسب خطابه يوم أمس الأول 31/8) أن يلتزم بعدد من الضوابط
المستقبلية حيال العراق كي لا تكون أميركا موضعًا للسب والشتيمة
عبر أمم الأرض عندما تترك العراق في فوضى أو ضحية لقوى لا منضبطة
ولا مسؤولة. لقد تحرر العراق فعلًا من عدد من الخرافات التي استقرت
على صدره منذ يوم 14 رمضان 1963 حتى لحظة سقوط النظام السابق، وعليه
الآن أن يتحرر من بقايا تلك الخرافات التي أفرزت أنساقًا تربوية
وسلوكية لا أخلاقية، هي أبعد ما تكون عن الأنساق السلوكية والأخلاقية
السائدة في مجتمعات متقدمة كالمجتمع الأميركي. وفي الوقت الذي تبقى
فيه أغلب دول الجوار الشرق أوسطي حبيسة لتلك الأنساق والأنماط السلوكية
الأبوية والعشائرية والطائفية التي كانت سائدة في عراق ما قبل 2003،
فإن للعراق أن يتقدم خطوات نحو تقديم أنموذج جديد، أنموذج متحرر
من الفساد المستشري اليوم، ومن الولاءات الضيقة ومن اللامسؤولية
الوطنية التي تلعب اليوم دورًا مهمًّا في هدر أموال البلد وفي تقديم
أسوة سيئة للشعوب المجاورة.
هذا التقدم لا يمكن أن يتحقق كي يكون "فجرًا جديدًا" بمعنى
الكلمة دون مساعدة ومعاونة أميركية متطورة تقدم للعراق طبقة رفيعة
من التكنوقراط القادرين على إدارة ثروات البلاد ومواردها وأدواتها
الخدمية والعسكرية والإنتاجية. العراق حتى اللحظة لا يملك مثل هذه
المعاهد التدريبية الإدارية التي صارت شرطًا مسبقًا لتطوير دولة
حديثة على مستوى عالِ من الإنتاجية والتقدم.
وكي تتجنب الولايات المتحدة ما تتعرض له اليوم من تعابير الإدانة
والكراهية واللعن، فإن عليها أن تضطلع بدور من نوع جديد ينقي العراق
مما جلبته هي له عبر الغزو، أي من الانقسامات الطائفية والشللية
والإثنية، زيادة على ما رافق ذلك من أمراض اجتماعية واقتصادية نخرت
اقتصاد دولة يخترقها اثنان من أعظم أنهار العالم، بينما تكمن أراضيها
على ثروات معدنية يصعب على الأرقام احتواؤها أو تمثيلها.
هذا بحد ذاته يمكن أن يكون مشروعًا اقتصاديًّا أميركيًّا يمكن أن
يفيد (عن طريق التعاون) الاقتصاد الأميركي الكسول الذي تنقصه الموارد
والأعماق الدولية، كذلك العمق الذي يمكن للعراق وثرواته السكانية
والطبيعية أن تتيحه له.
أ.د. محمد الدعمي*
* كاتب وباحث أكاديمي عراقي
أعلى
تشغيل محطة بوشهر وخلفيات الموقف الروسي
نجحت الدبلوماسية الإيرانية في توجيه لطمة
قوية للإدارة الأميركية من خلال إعلانها الأخير بتشغيل مفاعل بوشهر،
بمساعدة روسية، الأمر الذي رأى فيه المسؤولون الإيرانيون انتصارًا
سياسيًّا وتقنيًّا لإيران، وتأكيدًا لصبر وإصرار الشعب الإيراني
على تحقيق أهدافه حتى في ذروة العقوبات والضغوط الغربية، بينما عده
مسؤولون روس إنجازًا تاريخيًّا يؤكد أن روسيا شريك اقتصادي يفي بتعهداته
ويمكن الوثوق به.
فقد بدأ خبراء إيرانيون وروس بتغذية مفاعل محطة بوشهر الإيرانية
بالوقود النووي، في حضور مراقبين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية
استعدادًا لتشغيل أول محطة نووية إيرانية، وذلك منذ اليوم العشرين
من شهر أغسطس الجاري. وقد بدأت عملية التشغيل من قبل خبراء شركة
"أتوم ستروي أكسبورت" الروسية التي تقوم بأعمال بناء المحطة
الكهرنووية الإيرانية الأولى في بوشهر، بوضع قضبان الوقود النووي
في أماكنها بالمفاعل من أسبوع إلى عشرة أيام، وباكتمالها يكون المفاعل
دخل مرحلة التشغيل فعليًّا. وعقب البدء في عملية تغذية المفاعل بالوقود
النووي، وقَّع رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي
ونظيره الروسي سيرجي كيريينكو على بروتوكول تشغيل محطة بوشهر النووية.
وعلم أيضًا بأن روسيا وقعت مع طهران اتفاقًا لتزويدها بنظائر مشعة
"وفقا لاحتياجاتها". ويشار إلى وجود (3000) خبير روسي
يعملون في محطة بوشهر.
كما ويذكر أن الوقود النووي الذي ستزود موسكو المفاعل به لمدة عشرة
أعوام يتميز بانخفاض نسبة تخصيبه إلى ما دون (90%)، وهي النسبة الصالحة
للأسلحة النووية. وقدر مسؤولون إيرانيون بدء إنتاج الكهرباء من المفاعل
بعد شهرين أو ثلاثة، مع العلم أن قدرته على الإنتاج عند اكتماله
ستصل إلى ألف ميجاوات.
وتشير المعلومات إلى ان إيران بحاجة فعلية إلى عشرين محطة إضافية
مشابهة لمحطة بوشهر النووية كي تكتفي في توليد الطاقة الكهرذرية
اللازمة لإيران بكاملها لسد الاحتياجات الإيرانية في مجال الطاقة،
وهو ما سيفتح الطريق أمام أرضية مناسبة وإضافية لزيادة التعاون وعلاقات
التنمية بين إيران وروسيا وبقية الدول التي تمتلك القدرة على بناء
المفاعلات النووية.
وقد شكل تشغيل المحطة بمساعدة روسية مباشرة، عودة جانب من الدفء
للعلاقات الوثيقة التي تربط بين طهران وموسكو بالرغم من حالة الجفاء
النسبي التي سادت بينهما قبل شهر مضى اثر تصويت روسيا على القرار
الدولي (1929) في مجلس الأمن، وهو القرار الذي اقر بموجبه عقوبات
جديدة بحق إيران.
من جانب آخر، ورغم تأكيدات الإدارة الأميركية والمتحدث باسم خارجيتها
أن إنشاء مفاعل بوشهر الإيراني وتزويده بالوقود النووي الروسي لا
يزيدان خطر الانتشار النووي، إذ إن المفاعل آمن ومن الصعب استخدامه
في إنتاج أسلحة نووية، وإن مهمته هي إنتاج الكهرباء، مشيرا إلى أن
قضبان الوقود النووي ستعاد بعد الاستخدام إلى روسيا، إلا أنه شدد
على أن المفاعل المخصص لأغراض سلمية "يبرز عدم حاجة إيران لإمكانات
تخصيب من صنع محلي إذا كانت مقاصدها سلمية بالفعل"، ولا ينفي
بقاء المخاوف من طبيعة البرنامج الإيراني، معتبرًا أن المشكلة ما
زالت تكمن في "رفض إيران التجاوب مع وكالة الطاقة الذرية والمجتمع
الدولي، ومواصلتها تخصيب اليورانيوم ومشاريع الماء الثقيل بوصفها
مشاريع سلمية".
ان تشغيل مفاعل بوشهر بمساعدة روسية مباشرة، أزاح اللثام عن حقيقة
الموقف الروسي إزاء إيران، وإزاء التهديدات الأميركية الموجهة لها.
فالموقف الروسي الايجابي باتجاه إيران يمسح الآن الموقف الروسي السابق
بالتصويت إلى جانب إقرار عقوبات جديدة على إيران وفق القرار (1929)،
الذي صادقت وصوتت عليه روسيا في مجلس الأمن انطلاقًا من ضفة الممانعة
بل والتعويق، إلى الملائمة ثم التواؤم، حيث كان الكرملين يريد التفلت
من كل شراك واشنطن المنصوبة له على اتساع رقعة أوراسيا: مثل حرب
المخدرات الشرسة والمسكوت عنها، والمستهدفة أساسًا الشباب الروسي،
بعائد ربح يصل حد (65) مليار دولار سنويًّا، والصواريخ المضادة للصواريخ
في شرق أوروبا سعيًا لسيادة نووية، والجيب الجورجي في القوقاز وعلى
شطآن البحر الأسود، والتمدد في البحر الأسود ذاته، محاولة سلب روسيا
أسواقها الأوروبية للطاقة، إلى الاستحواذ على الورقة الهندية، إلى
إبعاد روسيا عن غرب آسيا/شرق المتوسط، إلى سلب روسيا لجوارها القريب
في آسيا الوسطى بالقطعة.
كذلك، ان روسيا التي تجاهلت الطلب الأميركي بالتخلي عن مساعدتها
لإيران في تدشين محطة بوشهر أو تأخير هذا الأمر، تنطلق في ذلك من
المناخ الجيوستراتيجي المحيط بروسيا، وهو المناخ الضاغط عليها، والذي
قد يشكل خطرًا أمنيًّا عليها في ظل مساعي الولايات المتحدة والغرب
لتطويقها. وقبل أيام من تدشين محطة بوشهر الإيرانية، عُقدت قمة رباعية
في منتجع سوتشي على البحر الأسود، استضاف فيها الرئيس الروسي ديمتري
ميدفيديف رؤساء طاجيكستان وأفغانستان وباكستان، في إشارة إلى استمرار
المنافسة ما بين روسيا والولايات المتحدة على دول آسيا الوسطى، حيث
تسعى واشنطن بالمقابل لتطويق الخاصرة الروسية هناك.
فروسيا تعمل الآن في هجومها المضاد من هناك على أساس (الاستراتيجية
الكبرى لآسيا الوسطى) بإعادة بناء علاقاتها التاريخية مع دول آسيا
الوسطى، والعودة من باب العمل الاقتصادي المشترك، في حقل الطاقة،
والسكك الحديدية، وفي الأسواق المتبادلة.
وعليه، فإن الرد الروسي على واشنطن، بات الآن واضحًا في سياسة ودبلوماسية
هادئة، تمتد من إيران إلى تركيا والشام والعراق، لتخرج من إسار محاولات
التطويق الأميركية، بالرغم من كونها (أي روسيا) تدرك تمامًا أن واشنطن
ستقاتل، بالسلاح وبغيره، عن نفوذها في جزيرة العرب ومقترباتها من
خليج ومحيط وأحمر ومضائق وقنال.
وخلاصة القول، ان موسكو تواجه واشنطن بالسياسة على الأرض، وبإعادة
بناء التحالفات، وبإعادة بناء شبكات المصالح الاقتصادية المشتركة
مع الجوار ومع الدول القريبة والمحيطة بها. وتنتهج في سياق ذلك المسار،
سياسات مدروسة، فهي تناور بدهاء، وتشتق سياسات مرنة، بحيث تظهر بهدوء
في أحيان، وتبدو في صلابة في أحايين ثانية.
علي بدوان*
* كاتب فلسطيني ـ دمشق
عضو اتحاد الكتاب العرب
أعلى
الصين على أعتاب المرحلة الثانية من العولمة
احتفلت ادارة اوباما وكثير من صناع السياسة
الغربيين بتحديد قيمة جديدة للعملة الصينية مؤخرا بوصف ذلك انتصارا
في اقناع الصين بتصحيح خللها التجاري مع بقية العالم.
مع ذلك فإن تحرك الصين لم تدفعه قضايا التجارة الدولية، بل إن بكين
تستغل وضع قيمة جديدة للعملة بوصفه جزءا من استراتيجية أكبر للتحول
من كونها منتجا لصادرات قيمة مضافة منخفضة القيمة، لتصبح رائدة في
انتاج التقنية المتقدمة والخضراء. وبمجيء ذلك في اعقاب تغيرات اخرى
في السياسة, فإن اعادة تحديد قيمة للعملة يعني زيادة نفقة الانتاج
وعدم تشجيع الصناعات الموجهة للتصدير القديمة.
وكان قد تم الاعلان عن قرار وضع قيمة جديدة لليوان بعد أسابيع من
الاضرابات في مصانع تويوتا وهوندا في الصين, والدعوة الى اتحادات
مستقلة من قبل موظفي هوندا.
ويمثل رفض بكين قمع الموجة المتزايدة من الاضرابات نقطة تحول في
بلد معروف بقلة تسامحه مع الاحتجاجات العمالية.
وعلى الرغم من انه قد يبدو غير ذات صلة, فإن سياسة سعر الصرف الجديدة
وتسامح الحزب الشيوعي مع حركة الاضرابات، يشيران الى سياسة اقتصادية
جديدة. فالصين على اعتاب المرحلة الثانية من عولمتها. فقد بدأت عولمة
الصين مع صعود الرأسمالية الموجهة للتصدير القائمة على الاجور المنخفضة.
وبعد ثلاثين سنة, فإن ما جعل الصين قوة اقتصادية ضخمة يمثل الآن
وصمة عار تحاول الحكومة جاهدة التخلص منها. فمع أملها في تغيير دور
البلاد بوصفها منتجا للمنتجات النهائية الرخيصة للآخرين, تحاول الحكومة
الصينية تحديث الاقتصاد عن طريق ضخ موارد في التقنية المتقدمة والابحاث
والتطوير والانتاج. وفي غضو ذلك, فإنها تعيد توجيه الصناعات القائمة
على التصدير القديمة صوب الانتاج من اجل السوق المحلي.
تدعم بكين جيلا جديدا من اصحاب المشروعات الحالمين، وتلحق المراكز
الاقتصادية عالية التقنية الآن بالمناطق الاقتصادية الحرة القديمة.
وتظهر مراكز الابحاث على احدث مستوى حتى في شينزين المركز الاصلي
للرأسمالية القائمة على الاجور المنخفضة. وتقدم الحكومة اعانات سخية
لصناعات القيمة المضافة المتقدمة. وفي هذه الاثناء اوقفت الحكومة
اعادة اموال ضرائب التصدير للمصدرين الذين يعتمدون على الأيدي العاملة
المكثفة والصناعات التي تعتمد على الاجور المنخفضة.
وعلى طول المناطق الساحلية في الصين، تزيد الحكومات المحلية الحد
الادنى للأجور في السنوات الاخيرة. علاوة على ذلك, فإن الحكومة الصينية
تؤيد بشكل فعال مشروع قانون لصالح العمال ومطالب العمال بأجور وحقوق
افضل. ويطالب قانون العمل لعام 2007 كل اصحاب العمل بأن يزودوا عمالهم
بعقود موقع عليها، بغض النظر عن حجم قوتهم العاملة. وتقع التغيرات
في اتجاه الحكومة حيال حقوق العمال والزيادة التدريجية في الاجور
ضمن الاشارات بأن الصين مستعدة للتخلي عن ارثها من الرأسمالية القائمة
على الاجور المنخفضة.
وقد اخرج التوجه الجديد بالفعل كثيرا من مصدري سلع القيمة المضافة
المنخفضة القيمة من النشاط. وكانت دراسة اجريت قبل الازمة الاقتصادية
العالمية قد توقعت افلاس اكثر من ثلث المصدرين الصينيين بحلول عام
2009. وان كانت الازمة وتراجع الصادرات قد فاقمت الوضع ليس إلا.
وأملا في استعادة النمو الاقتصادي, استأنفت بكين مؤقتا استعادة اموال
الضرائب بالنسبة للصناعات القديمة الموجهة للتصدير. ومع ذلك, فإن
قرار إعادة تقييم العملة والتأييد الضمني من الحكومة لمطالب العمال
في الآونة الاخيرة, كل ذلك يشير الى استئناف سياسات الصين التي بدأت
قبل الازمة.
إن اغلب المصدرين الصينيين للسلع المنخفضة القيمة هم متعاقدون من
الباطن لحساب شركاة اميركية واجنبية اخرى. وعلى غرار الشركات التي
تتعامل داخل الولايات المتحدة, فإن المتعاقدين الصينيين من الباطن
يتم الدفع لهم بالدولار. واعادة وضع قيمة جديدة للعملة الصينية سوف
يشل آلافا من المتعاقدين من الباطن المتعثرين بالفعل وذلك عن طريق
خفض دخولهم بعد تحويلها الى العملة المحلية. من جانب آخر، فإن المصدرين
المستقلين سوف يخسرون القدرة التنافسية القائمة على السعر والحصة
السوقية بسبب وضع قيمة جديدة للعملة. وسوف يجبر المنتجون القائمون
على الأيدي العاملة الكثيفة بدون قدرة تقنية من أجل تحسين الانتاجية
او قدرة على التكيف مع النفقات المتزايدة على الخروج من النشاط.
في كل ذلك, سوف تقول الصين وداعا لسياستها الاقتصادية السابقة. فهي
تبدأ مسار جديد للتنمية. وسوف تمهد الاجور المرتفعة وحقوق العمال
المحمية بشكل افضل الطريق امام صين اكثر ديموقراطية. وفي هذه الاثناء,
فإن الفائض التجاري للصين مع العالم سوف يستمر. وسوف تصدر الصين
الجديدة منتجات التقنية المتقدمة والخضراء.
بهزاد ياجميان*
* أستاذ الاقتصاد السياسي في كلية رامابو بنيوجيرزي.
خدمة "انترناشيونال هيرالد تريبيون ـ نيويورك تايمز" ـ
خاص بـ(الوطن)
أعلى
محادثات لا تحتوي على السلام
لعل النتيجة الوحيدة التي ستتمخض عنها المحادثات
المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أنها ستدفع الطرفين قسرًا
أو طوعًا للإعلان عن الحدود الدنيا لكل طرف التي يمكن القبول بها
أو فرضها على الأقل على الطرفين بشكل أو بآخر.
وكما رسمت إسرائيل الحد الأدنى لما تسميه الإجماع اليهودي الصهيوني
رسمت كذلك للفلسطينيين هذا الحد، حيث أعلنت من خلال تسريبات نتنياهو
رئيس الحكومة الإسرائيلية أنه مطلوب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل
كوطن للشعب اليهودي إضافة إلى تخليهم عن حق العودة كما تنظر إسرائيل
إلى المحادثات إذا قيض لها أن تنجح وضع نهاية للصراع مع تخلي الفلسطينيين
عن أي مطالبات بعد توقيعهم المفترض على الاتفاق مع إسرائيل مع استمرار
وجود الكتل الاستيطانية في القدس والضفة..!
نحن هنا لا نحلل بل ننقل معلومات سربها نتنياهو إلى وسائل الإعلام
المقربة منه مع أن إسرائيل تدرك تمامًا أنه لا توجد جهة فلسطينية
تملك التنازل عما تحاول إسرائيل فرضه عليهم، لأنهم يعتبرونها في
كل الحالات والظروف قوة احتلت أراضيهم بقوة السلاح مع استحالة إمكانية
خضوعهم للأمر الواقع، والمصيبة أن إسرائيل تدرك جيدًا أن أسلوبها
الاحتلالي المتفرد في المنطقة وفي العالم لا يمكن القبول به بدليل
أن احتلالها للأرض امتد عقودًا طويلة دون الوصول إلى فرض حل على
هواها، لأنها ترفض بغباء شديد أن تستفيد من تجربة مماثلة لتجربتها
في المنطقة وهي دولة جنوب إفريقيا العنصرية التي استمرت لأكثر من
قرنين من الزمن، وتهاوت أخيرًا وأصبحت أثرًا بعد عين، ورحلت جرائمها
ضد الإنسانية إلى كتب التاريخ تحت باب(عندما تتعطل إنسانية الإنسان
وتستيقظ فيه وحشية الوحش)!
منذ مؤتمر مدريد في أوائل التسعينيات من القرن الماضي جرت محاولات
كثيرة محلية وإقليمية ودولية لجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي
على مائدة واحدة ووجهًا لوجه وبوساطة عالمية متفائلة ولكن النتيجة
كانت صفرًا مكعبًا لسبب بسيط، وهو أن إسرائيل تريد السلام والأرض
والأمن والحراسة وتكريس هزيمة الفلسطينيين والعرب نهائيًّا كما أفرزتها
حرب 1967وما تمخض عنها من نتائج في حينه ترى إسرائيل في ضوئها أنها
مستثناة من الشرعية الدولية والقانون الإنساني؛ لأنها فوق الجميع
وهو القانون العنصري الذي ما زال العالم يدفع مفارمه حتى اليوم والمستفيد
الوحيد منه هو إسرائيل لأنها وليدة الخروج عن القانون الإنساني،
لأن أي سلام يعني مباشرة أنه لا يوجد في ظله أي شرعية وأي استثناء
للخارج عن الإجماع الدولي، ولأنه أولًا وأخرًا يجرد إسرائيل من غريزة
إشعال الصراعات والحروب وكيفية إدارتها في المنطقة بعقلية القلعة
والاستمرار بما قامت به وما فعلته خلال وبعد سنوات إنشائها. أما
حل الصراع فإنها ـ كما قالت إحدى الصحف الإسرائيلية ـ فتتركه للأجيال
القادمة.
إذًا ليس السلام ما تحمله في طياتها محادثات واشنطن المباشرة، بل
بذور الحرب!!!
مفيد عواد*
* كاتب فلسطيني
أعلى
بيك وبالين يسعيان للخلود
في خطاباتهما التي ألقياها يوم السبت الماضي،
اتبع جلين بيك وسارة بالين نصوصًا مشابهة لنصوص الزعماء الشعبيين
التي تروى كثيرًا للطلاب الذين يدرسون التاريخ الأميركي، ولعب كل
من بيك وبالين على خوف أتباعهما المظلم من أن (الآخر) الشرير والكافر
يحاول أن يحول دولتهم إلى شيء لم يعد يشبه الولايات المتحدة. ووصف
بيك المسيرة التي خرجت أمام النصب التذكاري للزعيم الحقوقي مارتين
لوثر كينج بأنها مظاهرة من أجل استعادة كرامة الولايات المتحدة.
وقال: "هناك شيء يحدث فيما وراء قدرة الإنسان. والولايات المتحدة
بدأت اليوم في العودة إلى الله من جديد. وقد سارت هذه الدولة لفترة
طويلة في الظلام".
وقال بيك أيضًا: "لا بد أن نعود إلى القيم والمبادئ التي جعلتنا
عظماء".
وفي نفس الوقت، قالت بالين: "لا بد أن نحول الولايات المتحدة
بشكل جذري إلى الدولة التي يريدها البعض. ولا بد أن نستعيد كرامة
الولايات المتحدة".
وإذا ما نظرنا إلى دعوى بيك في خطابه الذي أشار إلى أن "الولايات
المتحدة بدأت تعود إلى الله" وإلى النصيحة التي تقول لا بد
أن نعود إلى ما جعلنا عظماء، فإن المعنى الضمني الواضح الذي لا يطاق
لهذه الأقوال والمعنى الواضح من عنوان المسيرة نفسه هو أن هناك شخصا
أو شيئا قد لطخ كرامتنا وأبعد الولايات المتحدة عن الله وعن العظمة
الأميركية، وهما وجهان لنفس العملة.
وزعم بيك بشكل متكرر أن مسيرته ليس لها مغزى "سياسي".
وعلى النقيض من ذلك، كانت هذه التأكيدات، التي بدت سامية ونبيلة
المشاعر، سياسية، ولكنها أعفته من مسئولية تحديد هوية الشخص الذي
يجب إلقاء اللائمة عليه في إبعادنا عن الله وتلطيخ كرامتنا. وكان
بيك يرغب في استخلاص هذا المعنى بواسطة الاستدلال، وهي أساليب سياسية
قديمة للزعماء الشعبيين.
وفي نفس الوقت، أشارت بالين إلى أن بعض الذين يرغبون في تحويل الولايات
المتحدة إلى شيء بغيض هو أمر يستدعينا الآن لاستعادة كرامة الولايات
المتحدة، وأضافت بأن الناس يرغبون في إغفال حقيقة أنها أصبحت سياسية
محنكة.
وهذه هي السياسات القديمة للامتعاض التي تتمثل في المقولة الآتية:
"إنهم ليس لديهم شيء سوى ازدراء قيمكم وإنجازاتكم كآباء واحتقار
فخركم الوطني. وليس هناك حاجة إلى الحديث عن هويتهم".
وكل هذه الخطب الشعبية الشفافة والترويج للاستياء حدث بعد 47 عامًا
بالضبط من إلقاء الزعيم الحقوقي الراحل مارتين لوثر كينج لخطاب "لديَّ
حلم" من نفس المنطقة. وأنا أتساءل عما إذا كانت الخطب التي
ألقيت يوم السبت الماضي بواسطة كل من بيك وبالين سوف يتم تدرسيها
كخطب أساسية في منهج التاريخ الأميركي عام 2057.
جريج سارجينت*
* محرر متخصص في الشئون الداخلية الأميركية
خدمة "واشنطن بوست" ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى
أوباما وتحدي المرحلة المقبلة
تكاد تنتصف الفترة الرئاسية الاولى للرئيس
الاميركي باراك اوباما، ولهذا الحدث اهمية خاصة بالنسبة لأي فترة
رئاسية اولى في الولايات المتحدة، اذ انها ترسم أفق المستقبل السياسي
للرئيس ليس في علاقاته مع المؤسسات السياسية والدستورية في الفترة
اللاحقة من رئاسته فقط، انما باعتبارها بين عوامل مؤثرة على احتمالات
تجديد رئاسته لفترة ثانية، والاهم مما سبق، انها توفر اساساً افضل
وأكثر استقراراً للفترة المتبقية من سياسات سيد البيت الابيض.
ومناسبة انتصاف رئاسة اوباما بما تحمله من احتمالات مستقبلية، ترافقها
بيئة سوداوية تحيط بالرئيس وصورته سواء في الداخل الاميركي، او في
الشرق الاوسط ولدى العرب على وجه الخصوص، ولعل الابرز في ملامح تلك
البيئة، ما يظهر من تدهور متزايد في شعبية الرئيس في اوساط الرأي
العام الاميركي، وهو ما يمكن ان يجد له تعبيراً في نتائج استطلاعات
الرأي، والتي اشار آخرها إلى أن 36 في المئة فقط من الاميركيين لا
يزال لديهم ثقة بالرئيس، بينما كانت النسبة في الربيع الماضي 54
بالمائة مقابل 76 بالمائة من ثقة الاميركيين حصل عليها الرئيس بعد
قليل من توليه مقاليد السلطة قبل نحو
عامين.
وتدهور مكانة الرئيس اوباما في الداخل الاميركي، تتناسب طرداَ مع
تدهور الثقة بسياسة الادارة الاميركية في الخارج، وخاصة في منطقة
الشرق الاوسط، التي تمثل المنطقة الاكثر حساسية في سياسة واشنطن
الخارجية، وخاصة في ثلاثة ملفات هامة، اولها الموقف من الصراع العربي
ـ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية والحرب على الارهاب، وهي ملفات
تتجاوز الاطار الجغرافي للشرق الاوسط، لتترك ظلالها على السياسة
الدولية.
وتدهور مكانة الولايات المتحدة وشعبية الرئيس اوباما في الشرق الاوسط،
تجد لها تعبيرات في المستويين الرسمي والشعبي، يختصرها رسمياً توتر
او تردي علاقات واشنطن مع عدد من حكومات دول المنطقة بينها سوريا
واسرائيل وايران. وفي المستوى الشعبي، فان ثمة استياء من السياسة
الاميركية في المنطقة، وخيبة امل من مواقف الرئيس اوباما، وهو ما
عبرت عنه نتائج استطلاع للرأي العام في عدد من الدول العربية، اجرته
مؤخراً مؤسسة ذا بروكينجز الاميركية، قال أن 62 في المئة من المشاركين،
يحملون آراء سلبية تجاه أوباما والولايات المتحدة في مقابل 20 في
المئة فقط، ينظرون اليهما بشكل ايجابي، فيما كانت نتائج استطلاع
أجري في مطلع رئاسته مختلفة، حيث أعرب 45 بالمئة من المشاركين عن
اراء ايجابية بالرئيس والادارة الجديدة، مقابل 23 في المئة عبروا
عن رأي سلبي في الرئيس أوباما
والولايات المتحدة.
ويعود السبب في تدهور شعبية الرئيس وادارته الى محصلة السياسات
الاقتصادية والاجتماعية الداخلية اضافة الى السياسات الخارجية، التي
جرى اتباعها في المرحلة الماضية، وقد ابدى الاميركيون وغيرهم كثير
من الاستياء والاعتراض عليها، وهي سياسات ولدت نقمة في الخارج ولاسيما
في الشرق الاوسط، حيث تبدت سياسة اوباما في المنطقة فشلاً مستمراً
في العراق، التي مازالت تحتله الولايات المتحدة، وضعفاً في مواجهة
سياسة اسرائيل في ملفات التسوية والاستيطان والتفاوض مع الفلسطينيين،
مقابل استمرار الضغوط على الفلسطينيين والدول العربية، فيما تستمر
سياسة واشنطن في تذبذبها ازاء قضايا المنطقة وخاصة فيما يتعلق بالارهاب
والديمقراطية وحقوق الانسان.
لقد شكلت محصلة عامين من عهد اوباما وادارته افتراقاً فاضحاً عن
جملة الوعود التي ظهرت ابان حملته الانتخابية والتي وعد بها الاميركيين
بالافضل على اساس الواقعية. كما تجسدت تناقضاً مع مضمون كلام اوباما
في خطابه بالقاهرة والذي قال فيه كلاماً هاماً عن امريكا وموقعها
في العالم، ووعد فيه بمعالجات سياسية واقتصادية للموضوعات الاساسية
التي تهم العالمين العربي والاسلامي، بما يشكل مقاربة لمعالجة واشنطن
للموضوعات العالمية الاخرى، معالجة تقوم على منح العمل الدبلوماسي
فرصة أكبر لتحقيق الأهداف والمصالح، وتعزيز تحالفات أميركا في الخارج
وكسب أصدقاء جدد، وإزالة الكراهية، التي شوهت صورة امريكا في الخارج.
بعد عامين من رئاسة اوباما للولايات المتحدة بما حملته من تناقضات
بين وعود الرئيس وما تم القيام به من سياسات، يبدو الرئيس امام مفصل
في حياته ومستقبله السياسي. فاما يستمر في خطه الذي تناقض مع جملة
ارائه التي بشر بها واعلنها، او ان يستعيد المبادرة، ويذهب في فترته
التالية نحو ما اعلن مختاراً متحرراً من الضغوطات، التي كرسها متطرفون
اميركيون هدفهم الابقاء على صورة اميركا القاسية والمختلفة، ومثلهم
انصار اسرائيل الذين لجموا اية طموحات هدفها خلق توازنات جديدة في
سياسات وموضوعات الشرق الاوسط ولاسيما في موضوعي الصراع العربي ـ
الاسرائيلي والقضية الفلسطينية.
لقد بات الرئيس الاميركي باراك اوباما امام فرصته الاخيرة لإعادة
الاعتبار لرؤيته ومواقفه التي اعطاه الشعب الاميركي الثقة على اساسهما،
ودفعه لتولي المسؤولية الاولى معلنا الرغبة في تغيير يحدث، ليس في
الداخل الاميركي فقط، انما على صعيد سياسة اميركا الدولية بما فيها
سياسة واشنطن في الشرق الاوسط، التي اعلن اوباما انها تقوم على مصلحة
اميركا، ورغم ان قيام اوباما بإعادة الاعتبار لرؤيته ومواقفه، يبدو
كمغامرة معروفة النتائج بسبب معارضة رموز اليمين الاميركي وانصار
اسرائيل، فان الامر يستحق المغامرة، لان في خطوة كهذه، يضع الرئيس
الاميركي من خلالها شعبه والنخبة الاميركية امام المسؤولية القومية
والاخلاقية، ويبرهن في آن معاً، انه كان موضع ثقة ناخبيه، رغم ما
اعترى النصف الاول من رئاسته من اخطاء وهنات. فهل يكون اوباما على
هذا القدر من الثقة والمسؤولية؟
فايز سارة*
* كاتب وصحافي سوري(دمشق)
f.sara60@googlemail.com
أعلى