
باختصار
فوضى
من ساهموا في التغيير من الشباب تغيروا أيضا..
حملة الشعلة والدعوة للنظام الجديد صار لهم عالمهم الذي لم يعد يعترف
بالمصطلحات القديمة. لكن التغيير عند اصطدامه بعوائق يرتد على اصحابه
والمنتفعين منه، فتراهم على حافة الفوضى ان لم يكونوا في متنها،
ربما يرضي هذا الأمر من خططوها، او ربما وهو الأكثر تصديقا يفرح
قلوبهم بان خططخم على نجاح واستمرار.
مواعيد الفوضى المصرية كثيرة خلال الأسبوع الماضي، حبس المصريون
انفاسهم وهم يشاهدون صورة المجتمع المتحرك حيث أعنفه ما جرى في بورسعيد..
العبث يحرك المصريين، مثلما يحرك الليبيين، واليمنيين، وكذلك السوريين.
هي ليست روح جديدة مقبلة على توازن، بل هي إرادة من صار يصدق انه
لا رجوع عما بناه من عالم مختلف قائم على الحراك الذاتي كلما تطلب
الأمر ذلك.. لم يعد هؤلاء الشباب يرضون بأقل من التعبير في ساعته
مع نسيان الحساب والعقاب وان ثمة في المجتمع قوى ومرجعيات أمنية
وسياسية يستحيل شطبها كيفما كان وكيفما تطلب الأمر.
من قال بأن الثورة تقاتل بين أبناء البلد الواحد كما يحدث في ليبيا
بين عشائرها وقبائلها وعائلاتها وشتى قواها السياسية، وفي مصر بين
ابناء القاهرة وبورسعيد وغدا زحف مدن الى مدن أخرى، ولماذا ترويع
الشعب السوري في مناطق التماس بين الجيش والمحتجين.. لم نفهم الثورة
سوى انها حراك منضبط له اهدافه، لكن حالات التمرد الحاصلة في مجتمعات
بات الاحتجاج فيها بلا ضوابط، باتت تشكل مفهوم الخروج عن القانون
وتستدعي ضبطها بكافة الطرق.
صحيح ان المسؤول العربي صار تحت المساءلة، لكن الوافعية تقتضي تحالفا
بين قوى الأمن ومحتجين، اذ ليست تلك القوى عدوة للحراك ولا هي ضد
التعبير السلمي، دورها منع التجاوز بقتل الناس او احراق الشوارع
والممتلكات وتدميرها.. عندما يفقد المواطن الآمن الإحساس بأمنه سرعان
ما يطالب دولته بأن تشد اليد نحو الحسم كيفما تطلب الأمر.
نخاف من تلك الفوضى ان تكون هي بالفعل من بشر بها الأميركي وصنعها
ومد بها مجتمعاتنا العربية، وظواهرها انها مازالت في البداية، بما
يعني ان ما تنتظره تلك المجتمعات هو الأسوأ، وهو ضياع حراكها من
اجل التغيير على حساب فوضى خلاقة او بناءة لهم، لأنها فوضى مركبة
على قياس كل مجتمع ومن خلال خلاياه الحية.
مجرد استفتاء بسيط على مشاعر الناس في بدايات حراكها سوف يأخذنا
الى متغيرات كثيرة صار فيها كثيرون على غير اقتناع بالنتائج التي
وصلت اليها حركات الاحتجاج التي بدأت على شكل " ثورة "
ثم نحت نحو هدم المفهوم الى ان صار احتجاجا ثم حراكا والآن فوضى.
زهير ماجد
أعلى
سوريا نحو حرب استنزاف داخلية طويلة الأمد
تبين من وقائع جلسة مجلس الأمن الدولي التي
انعقدت في نيويورك يوم الثلاثاء 31/1/2012 بحضور وزير خارجية قطر
الشيخ حمد بن جاسم بن جبر أل ثاني وأمين عام جامعة الدول العربية
نبيل العربي ان المجتمع الدولي عاجز عن ايجاد حل للأزمة السورية
ملتقياً بذلك مع عجز عربي، مما يشير الى ان الوضع السوري ذاهب نحو
حرب استنزاف داخلية طويلة الأمد. فالتحالف الدولي الغربي - العربي
يصر على تحميل النظام السوري وحده مسؤولية اراقة الدماء في سوريا
ويدعو الرئيس بشار الأسد الى تسليم السلطة الى نائبه فاروق الشرع
تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مع ما يستدعي ذلك من تعديلات
دستورية، وأقرار سلة من الأصلاحات وذلك على غرار التسوية التي تم
التوصل اليها بشأن اليمن .. اما التحالف الصيني - الروسي ومعه سوريا
وإيران وعدد قليل من الدول العربية وبعض دول اميركا الجنوبية فيرى
ان الحل هو في جلوس النظام والمعارضة على طاولة المفاوضات من اجل
ايجاد تسوية دون اشتراط اسقاط النظام ودون ادانة ممارساته القمعية
لأنه حسب رأي هذا التحالف هو في موقع الدفاع مما يتعرض له من جماعات
مسلحة تهدد امن الوطن والمواطن. وفيما يدعم التحالف الغربي - العربي
قرار فرض عقوبات اقتصادية على سوريا في حال عدم التجاوب مع مبادرة
جامعة الدول العربية ومساعي الدول الغربية، فإن بكين وموسكو تعارضان
فرض أي عقوبات كما ترفضان منح أي دولة حق التدخل العسكري لأن من
شأن ذلك رفع منسوب التوتر وتهديد المنطقة بأسرها بعواقب وخيمة. ولن
يتردد الحلف الموالي للنظام السوري من استخدام الفيتو إذا لزم الأمر
مما يعيد الجهود الغربية - العربية الى نقطة الصفر وتصبح أي عقوبات
ستفرض على سوريا غير شاملة ولا تحظى بموافقة دولية جامعة. وعند ذلك
ستكون الإجراءات الغربية والعربية فردية على مستوى كل دولة على حدة
وفق ما ترتأيه مصالحها ومنافعها الخاصة. وهذا الواقع لن يمنع التحالف
الغربي - العربي من تقديم شتى انواع الدعم للمعارضة حتى على المستوى
العسكري رغم وجود ما يشبه القناعة في عواصم القرار العربية والغربية
أن المعارضة بوضعها الحالي غير قادرة على الإمساك بالسلطة، وأن النظام
بالمقابل غير قادر على استعادة سيطرته على كامل التراب السوري. وبذلك
يبدو ان سوريا ذاهبة الى ما يشبه حرب الإستنزاف الداخلية الطويلة
الأمد مع ما سيرافق ذلك من كر وفر، وسيكون المواطن العادي هو كبش
المحرقة لأنه سيكون مهدداً بحياته وكذلك بلقمة عيشه خاصة وأن سوريا
تمر الأن بأزمة اقتصادية نتيجة تراجع مبادلاتها التجارية، وإنخفاض
كميات النفط المعدة للتصدير، وهبوط سعر صرف الليرة ، وتدنى مستويات
احتياط البنك المركزي من العملات الأجنبية. وحري بالتنويه هنا ان
المجتمع الدولي المنقسم حول كيفية التعاطي مع الملف السوري لا يقوم
بذلك حباً بهذا البلد بل لأن هناك مصالح استوجبت من كل طرف اتخاذ
الموقف الذي وجده مناسباً. فواشنطن وباريس ولندن وبرلين تتاجر بحقوق
الإنسان في الوطن العربي وتدعي انها حريصة على مصالحه، وعلى حقه
في التعبير، وعلى حريته، وعلى لقمة عيشه لتخفي من وراء ذلك غايات
أخرى هي الأهم بالنسبة اليها وتتمثل بالدرجة الأولى في كيفية فك
ارتباط سوريا عن إيران وفي كيفية منع دمشق من لعب دور الداعم لحركة
حماس ولحزب الله، ولدفع سوريا باتجاه توقيع اتفاقية سلام مع اسرائيل
وفق شروط هذه الأخيرة. اما موسكو ومن خلفها بكين فإنما دفاعهما عن
سوريا ليس حباً بنظامها بل لأن سوريا هي المعقل الأخير امام روسيا
للحفاظ على مكانة ما في منطقة الشرق الأوسط بعد ان خسرت كل الدول
المشرفة على حوضي البحر الأبيض المتوسط، وبعد ان اصبحت الطرف الأضعف
في مسار السلام العربي الإسرائيلي، وبعد ان خرجت من دول الربيع العربي،
أي من مصر وتونس وليبيا واليمن، دون أي مغانم او مكاسب. وبذلك تصبح
الأزمة السورية ازمة دولية بقدر ما هي ازمة داخلية بين النظام والمعارضة
وهذا ما يؤكد بأن الحل ليس غداً وبأن لعبة عض الأصابع قد بدأت والخاسر
هو من سيصرخ اولاً . اما عن القوى الإقليمية والعربية فإن دورها
واضح ولا يحتاج الى الكثير من التأويلات إذ تتطلع إيران الى بناء
محور يمتد من طهران مروراً ببغداد ودمشق وصولاً الى بيروت فيما تتطلع
تركيا الى بناء محور يمتد من انقرة وصولاً الى كل دول العالم العربي
بالتنسيق التام مع دول الخليج. وإذا كان احد يراهن على حرب ستشنها
موسكو او واشنطن نيابة عن الأخرين فهو مخطىء لأن الإستراتيجية الأميركية
ومعها الروسية باتت تعتمد اليوم على "الدبلوماسية المخملية"
التي تدير الأزمات سياسياً فقط من وراء الكواليس فيما الحراك العسكري
متروك للدول الصغيرة تحت عناوين قومية او طائفية او مذهبية.
د. صالح بكر الطيار
رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي
أعلى

إفراغات اللاوعي الجماعي
ليس لأحد أن يلوم المذيعين والمعلقين المصريين
الذين تناقلت صورهم الفضائيات العالمية، وهم يجهشون بالبكاء عند
مشاهدة ماحدث في لحظة قدريةعجيبة، إذ أفرغ اللاوعي الجماعي المصري
حزمة رهيبة من عواطف وتعابير الغضب والعنف، رد فعل أو تفريغ مشحون
بالعواطف غير المنضبطة التي كانت تعتمل في "النفس الجماعية"
درجة ارتفاع مدها لأن يجرف الجميع نحو مهالك اللامعقول واللامقبول،
بطبيعة الحال.
دموع المذيعين والمعلقين في الفضائيات المصرية لا تختلف، بكل تأكيد،
عن دموع عشرات الآلاف من أشقائنا المصريين الذين جايلوا عصراً لم
يعرف به الشعب المصري إلا بالانضباط العالي والتحضر والرقي الثقافي،
ذلك التحضر الذي يمكن أن نتتبعه إلى ما ذهب إليه الخديوي إسماعيل
عندما أعلن أن مصر لم تعد دولة إفريقية وإنما هي جزء من أوروبا.
لم يكن الخديوي ليعلن ذلك كناية عن نظرة دونية لإفريقيا وإنما كناية
عن درجة التحضر والتقدم المدني التي بلغتها مصر آنذاك، درجة تحول
حواضرها الجميلة، من الإسكندرية، إلى القاهرة وبورسعيد، من بين سواها
من المدن النظيفة والمنظمة إلى مراكز حضرية يتوجه إليها الباحثون
عن العمل من اليونان وإيطاليا، قبرص وألبانيا، من بين سواها من الدول
الأوروبية، إذ كانت مصر تمتص اليد العاملة حتى تاريخ نهاية الملكية
1952، حيث انقلبت المعادلة رأساً على عقب وأخذت مشاكل الانفجار السكاني
وسوء الإدارة والفساد الحكومي مأخذها من هذا الشعب الشقيق الذي لم
يكن ليستحق ماجرى إليه حتى وصل به الأمر إلى صور اليومين الماضيين
من عنف وتمرد وانتفاض على الأنساق والأطر الاجتماعية المعقولة.
ربما يقدم علم النفس للمرء ملاذاً نظرياً لتفسير ماحدث عن طريق الارتجاع
إلى نظرية اللاوعي الجماعي التي وضعها العالم النفسي "يونغ"
Carl Gustav Jung، إذ ذهب هذا العالم الكبير إلى أن هناك ثمة لحظات
تأتي مباغتة فتمر على الجماعات لتحرر في دواخل هذه الجماعات عواطفاً
مكبوتة لمدد طويلة، حيث تتحرر من كوابح القوانين والأعراف درجة الإقدام
على أفعال لا يمكن لها أن تقوم بها في الحالات الطبيعية، درجة أن
عملية الإفراغ العاطفي الجماعي اللاواعي يمكن أن تجرف بقوة تيارها
حتى أكثر الأفراد عقلانية وتوازناً وبعد نظر.
لايجد المرء تفسيراً عقلانياً لما حدث من أفعال غوغائية في ملاعب
كرة القدم بمصر قبل بضعة أيام سوى هذا المذكور أعلاه، مستذكراً ماحدث
لمراسلة قناة الـCBS "لورا لوغان" Logan قبل حوالي سنة
من الآن إذ انفلت اللاوعي الجمعي على نحو غوغائي متوحش في لحظة ضوئية
عجيبة فوقعت المراسلة أعلاه ضحية اغتصاب جماعي اضطلع به المتجمهرون
في ساحة التحرير درجة أن المراسلة وكما إدعت في مقابلة خاصة ببرنامج
60 دقيقة الشهير، أنها كان يمكن أن تتعرض للتقطيع إرباً لولا عناية
الرب وعناية شابة مصرية كانت موجودة اضطلعت بحماية لورا لوغان من
عبث العواطف الإفراغية نصف المتوحشة.
بيد أن علينا في هذا السياق أن نتذكر جيداً أن مثل هذه الانفلاتات
والإفراغات العاطفية الجماعية اللاواعية إنما يمكن أن تحدث لكل مجموعة
بشرية، مصرية أو بريطانية أو صينية أو هندية أو حتى سويدية ونرويجية!
ذلك أن سلطة اللاوعي الجماعي التي وصفها يونغ تتفوق في عنفوانها
وجبروتها على ردع سلطات العقل والقوانين والأعراف الوضعية والمنزلة
فيأخذ تيار اللاوعي الجماعي المسجل، رسائلاً تاريخية قادمة من الأسلاف
القدماء، في دماء أفراد الجماعة المنتمية إلى ثقافة معينة مداه على
نحو لا يقبله العقل أو المنطق وبشكل ومضات عجيبة، عصية على العقلنة،
تجعل المنجرفين انفسهم في حيرة من انفسهم: هل هم حقاً كانوا من بين
هذه الجموع التي تحركها قوى سوى العقل؟
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
أعلى

التيار القومي بدايات للتذكر
(2ـ2)
وقد واجه أعضاء المؤتمر السوري العام هذه الأوضاع
وجاء في قرارات المؤتمر الأول ما نصه:
" قرر المؤتمر السوري الذي عقد في دمشق بتاريخ 2 يوليو(تموز)
1919:
1 ـ إننا نطلب الاستقلال السياسي التام الناجز للبلاد السورية التي
تحدها من الشمال جبال طوروس وجنوباً رفح فالخط المار من جنوب الجوف
إلى جنوب العقبة الشامية والعقبة الحجازية، وشرقاً نهر الفرات فالخابور
والخط الممتد شرقي أبي كمال إلى شرقي الجوف، وغرباً البحر المتوسط،
بدون حماية ولا وصاية.
7 ـ إننا نرفض مطالب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية
أي فلسطين وطناً قومياً للإسرائيليين، ونرفض هجرتهم إلى قسم من بلادنا
لأنه ليس لهم منها أدنى حق ولأنهم خطر شديد جداً على شعبنا من حيث
الاقتصاد والقومية والكيان السياسي. أما سكان البلاد الأصليون من
إخواننا الموسويين فلهم ما لنا وعليهم ما علينا.". وفي المؤتمر
الأخير جاء نص قوي ضد تجزئة سوريا وتأكيد على الاستقلال " إن
المؤتمر السوري العام الذي يمثل الأمة السورية العربية بمناطقها
الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية " فلسطين" تمثيلاً
تاماً يضع في جلسته العامة المنعقدة نهار الأحد الواقع 16 جمادى
الثانية سنة 1338 وليلة الاثنين التالي له الموافق لتاريخ 7 مارس
1919 القرار التاريخي الآتي:" إن الأمة العربية ذات المجد القديم
والمدنية الزاهرة لم تقم جمعياتها وأحزابها السياسية في زمن الترك
لمواصلة الجهاد السياسي، ولم ترق دم شهدائها الأحرار وتثر على حكومة
الأتراك إلا طلباً للاستقلال التام والحياة الحرة بصفتها أمة ذات
وجود مستقل وقومية خاصة. لها الحق في أن تحكم نفسها بنفسها أسوة
بالشعوب الأخرى التي لا تزيد عنها مدنية ورقياً."
وقد أدت الأوضاع والظروف المتداخلة إلى ضياع الثورة العربية، بصرف
النظر عما حاق بالشريف حسين من غدر وما شاب مسيرته من شوائب وتفسيره
للأمور وكشفه للخطط المعادية من قصور، كما أدت إلى احتلال مباشر
وغير مباشر للأراضي العربية التي كانت في إطار الخلافة العثمانية.
ولم يُمِتْ ذلك فكرة الثورة ولا أهدافها ولم يقتل الوعي القومي وأهدافه،
بل أخذ يصهر ذلك كله في أتون المقاومة وحروب التحرير والتصدي للاحتلال
ولمخططات الاستعمار والصهيونية، والتنبه لمسلسلات التآمر البعيدة
المدى ومقاومتها مثل حلف بغداد، وحالات الاستلاب وفرض التبعية والاستغلال
والتسلل إلى التكوين الثقافي العربي بهدف التخريب بأشكال مختلفة.
وأصبحت شعارات العروبة والوحدة والحرية والتحرير زاد السالكين في
طريق الوعي والمعرفة والسياسة والفكر والعمل على الصعيد القومي ولدى
طالبي التحرر من الاستعمار في وطن العرب. وعلى الرغم من ولادة تنظيمات
وأحزاب اتخذت من الدعوة "الوطنية" في ظل الاستعمار وبمواجهته
أهدافاً لها، إلا أن ذلك لم يمنع بقاء الفكر القومي مهيمناً ونموه
في أوساط اجتماعية واسعة قوياً. ولم تلبث تلك التنظيمات أن تنبهت
إلى ضرورة العمل على مشروعها العربي القديم- الجديد بعد أن سلخ الاستعمار
الفرنسي لواء اسكندرون عن سوريا عام 1939 و"منحه" لتركيا،
وكان قد "منحها" في العشرينات من القرن العشرين ديار بكر
وكيليكيا ومناطق شاسعة أخرى تمتد من الحدود الحالية لسوريا السياسية
حتى جبال طوروس، متجاوزاً القوانين الدولية واعتراضات السوريين والعرب،
ليرضي تركيا ويكسب ودَّها من جهة وليشغل سوريا بمطلب وطني- قومي
في الوقت الذي كان ينفذ فيه مع شركائه الاستعماريين في ظل عصبة الأمم
وبتكليف منها ـ كلفت عصبة الأمم بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور ـ مشروع
إقامة دولة "إسرائيل" تنفيذاً لوعد بلفور المشؤوم عام
1917 الذي صدر إثر اتفاقية "سايكس ـ بيكو" 1916 وفي نطاقها.
وبعد معركة ميسلون 1920 ودخول الفرنسيين إلى دمشق وانتقال الملك
فيصل الأول إلى العراق وتأسيس مملكة هاشمية هناك في 18 ذي الحجة
1340هـ، 23 أغسطس 1921م إثر ثورة العشرين في العراق التي دامت ستة
أشهر، والقضاء على حكومته في سوريا وعلى حلم بعض السوريين ـ "
الشوام كما يقول العرب الآخرون " ـ بإقامة دولة واحدة في بلاد
الشام والعراق، وهي الدعوة التي تشربوها بتأثيرات داخلية وخارجية
كثيرة بدا العرب متراجعين عن الرؤية القومية الأوسع التي نمت في
ظل ثورة 1916 وخضعت بلاد الشام والعراق وأقطار عربية أخرى لاستعمار
مباشر، وبدأت مرحلة النضال من أجل تحرير الأوطان "الأقطار"
التي حددتها جغرافية سياسية يتطلع أهل كل قطر من الأقطار المعنية
إلى مجاوزتها والتخلص من تلك الخرائط التي رسّخها الاستعمار ومن
حرصوا على ما أقامه من كيانات، فقامت ثورة العشرين في العراق وتلتها
ثورات على الاستعمار، وصراعات لم تهدأ بين تيارات قومية وأخرى "
ليبرالية" موالية له، فقامت الثورة السورية الكبرى في سوريا
عام 1925 وثورات وإضرابات في فلسطين، وبدأت بالظهور أفكار وتنظيمات
قطرية وقومية على مستوى سوريا السياسية وسوريا الطبيعية وأخرى عربية
أشمل، وبقيت الرؤى القومية تراود كثيرين وتضمهم في أطر تنظيمية هشة..
وكان لتكتلات الضباط والمفكرين والسياسيين القوميين الذين بدأ نضالهم
القومي في العهد العثماني تأثير وتواصل، وحملوا التوجهات المناهضة
للاستعمار والداعية للوحدة عندما انتقلوا إلى العمل ضمن الجغرافية
السياسية التي نتجت عن تمزق الدولة العثمانية ومعاهدة سايكس ـ بيكو
ورسمتها الدول الاستعمارية بالدرجة الأولى تلك التي بدأت تقرر مصير
الكثير من البلدان العربية بعد انتصارها في الحرب العالمية الأولى.
لم يخب الأمل والتحرك القوميان ولكنهما في بداية الأربعينيات من
القرن العشرين استعادا حيوية وأخذت الشعارات القومية وهجها النسبي،
وبدأ الحديث عن الإحياء والنهضة والبعث في ظلال وعي ثقافي تاريخي
وما شاع من صورة زاهية لثورة 1916 وما أضيف إلى أفكارها ومشروعها
من عمق ووعي في إطار نضال تحرري ضد الاستعمار والمشروع الصهيوني
في فلسطين، وشمول قومي عام ساهم في انضاجه ما واجه ذلك الحلم من
تحديات وما لحق به من دمار وما حل بالوطن العربي من كوارث وما تكشف
ضده من تآمر تواطؤ يستهدف الأمة العربية وثقافتها وعقيدتها وأرضها
بل ووجودها ذاته من خلال المشروع الصهيوني على الخصوص ومن يقف وراءه
من الدول الاستعمارية. وكان لحركات ثورية عديدة في مناطق من الوطن
العربي تأثير عربي عام باتجاه ترسيخ الفكر القومي وحضور التوجه الوحدوي
ومناهضة الاستعمار والمشروع الصهيوني، ومثّل ذلك بدرجة ملحوظة ثورة
عز الدين القسام في فلسطين، ورشيد عالي الكيلاني " فبرايرـ
2 مايو 1941/ التي غيرت الكثير في مسار تاريخ العراق وأشاعت روح
الوطنية وروح الوحدة مع الدول العربية، ورسخت مفهوم التخلص من معاهدة
1930 التي تمثل نفوذاً بريطانياً وتبعية للتاج البريطاني. كما كان
لثورة عزيز المصري " القاهرلي"، ومقاومة حلف بغداد وإسقاطه
بعد قيام ثورة 23 يولو/ تموز 1952 في مصر بقيادة جمال عبد الناصر
دور مؤثر في التوهج القومي لا سيما بعد حرب السويس وقيام الوحدة
بين سوريا مصر.
بين عامي 1939ـ 1943 كانت تراود بعض الطلائع العربية أحلام قومية-
تحررية وحدوية تدفعها إلى تلمس طريق ما.. إلى تنظيم ما، لتحقيق الخلاص
من الاستعمار، وما تتطلع إليه من تحرر وعدالة اجتماعية وتقدم وامتلاك
قوة تدفع بها العدوان والتآمر المستمرين عليها.
وأخذت الأحداث تُنضج ذلك الفكر وتدفعه إلى الوجود الفاعل في أطر
وصيغ تنظيمية تكفل لـه التطور والاستقطاب الجماهيري، ولم يكن ذلك
الذي قالت به طلائع مناضلة على طريق الوحدة والحرية من أهداف وأفكار
مجلوباً إلى أرض العرب، ولا تنظيراً أقحم على حياتهم "فاستهوى"
مناضليهم، ولا نزوات عابرة لثلة من الناس عاشت حالة من حالات الوهم
أو الحلم أو التأثر الشديد بما كان في أوروبا من أفكار وتيارات ومد
قومي، وإنما كان استلهاماً فعلياً لما يعتلِج في النفوس وتلهج به
ألسنة الناس ويعتمل في الوجدان العربي ويستدعيه الواقع والظروف وتتطلبه
حاجات النهضة والتحرر والبقاء والتوق إلى العدالة والتقدم والتخلص
من الظلم والقهر.
علي عقلة عرسان
كاتب وأديب سوري
أعلى
أوباما وأردوغان يعيدان الدفء للعلاقات بين بلديهما
قبل أكثر عام من الان تقريبا، كانت العلاقات
الأميركية ـ التركية يشوبها التوتر، جراء الخلاف على عدد من القضايا
من قبيل علاقات تركيا باسرائيل وكيفية التعاطي مع البرنامج النووي
الإيراني فقد ادى هذا الخلاف الى تقويض علاقات واشنطن التاريخية
بانقرة.
اما الان, فان الولايات المتحدة وتركيا في شهر عسل مع تشكيل الرئيس
باراك اوباما ورئيس الوزراء رجب طيب اردوغان ما يمكن ان يكون افضل
علاقة بين رئيس أميركي ورئيس وزراء تركي خلال عقود. كما ان رياح
التحول السياسي التي تهب على الشرق الأوسط تزيد من التقارب بين البلدين
بشكل اكبر بكثير مما كانت عليه العلاقات بين البلدين عندما تردت
بشكل كبير في عام 2003 جراء الحرب على العراق.
ويبدو ان اوباما واردوغان قد تجاوزا كل ذلك بشكل حقيقي. فقد اعلنت
وسائل اعلام تركية انه عقب وفاة أم اردوغان في شهر اكتوبر الماضي،
كان اوباما من بين زعماء العالم الذين اتصلوا باردوغان وتحدث الاثنان
لمدة 45 دقيقة عن مشاعرهما. ويؤسس هذا الاتصال الشخصي لعلاقة أميركية
ـ تركية جديدة.
وقد استغرق الامر وقتا وعملا شاقا للوصول الى هذا الحال. فحتى عام
2010, كانت علاقات تركيا بواشنطن متردية: فقد كانت سياسة انقرة تجاه
إيران متقلبة, وغالبا ما كانت تتحدى محاولات واشنطن لفرض عقوبات
دولية على إيران.
وفي يونيو 2010 على سبيل المثال, صوتت تركيا في مجلس الامن الدولي
ضد اقتراح عقوبات تتبناه الولايات المتحدة. ولقرابة شهرين, بدا ان
ذلك سوف يوتر العلاقات الأميركية ـ التركية. غير ان حوار اوباما
الصريح مع اردوغان على هامش قمة مجموعة الـ20 في تورونتو في يوليو
2010 غير كل شيء.
فقد ابلغ اوباما اردوغان مدى الازعاج الذي احدثه تصويت تركيا في
الامم المتحدة له، وساعدت صراحته على تنقية الاجواء بين الاثنين
كما ابلغني مسئولون اتراك وأميركيون واصدقاء. فسرعان ما تغيرت السياسة
التركية: بان توقفت انقرة عن الدفاع عن طهران وبدأت في التعاون مع
واشنطن.
ومنذ الصيف الماضي, تشهد العلاقات تحسنا ملحوظا. فغالبا ما يتحدث
الزعيمان، اكثر من عشرة مرات في العام الماضي وحده, وفي الغالب يتفقان
على السياسة. كما يمكن لمس اتفاق مواقفهما بشان الربيع العربي. فقد
دفعت بيانات تركيا عن الانتفاضات في بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا
اوباما الى تثمين تركيا الدولة المسلمة الكبيرة العضو في شمال الاطلسي(ناتو)
التي تلبي بشكل فريد طلب اوباما بايجاد حلفاء اقوياء غالبية سكانهم
مسلمين وتكون سعيدة بالتعاون مع الولايات المتحدة.
وبعدما استنتجت انقرة ان الحكام المستبدين مثل معمر القذافي في ليبيا
سوف يسقطون عاجلا ام اجلا، عندما تتحديهم جماهير شعوبهم، شرع البلدان
في تنسيق سياستهما بشان الربيع العربي.
وقد تعمق التعاون بشكل خاص حيال سوريا. فقد بدت تركيا بوصفها الخصم
الرئيسي في المنطقة لاعمال القمع التي يمارسها نظام الرئيس السوري
بشار الاسد بحق المتظاهرين المعارضين له، الامر الجيد بالنسبة لاوباما،
الذي يركز على القضايا الداخلية قبيل انتخابات العام الجاري في الولايات
المتحدة. وتأمل واشنطن وانقرة في إحداث تغيير سلمي في سوريا، نهاية
لحكم بشار الاسد دون انزلاق البلد الى حالة من الفوضى. ويثمن اوباما
عزم انقرة تحمل تبعة سياستها حيال سوريا، من فرض عقوبات ضد بشار
الاسد الى تاييد المعارضة، متبعة استراتيجية وزير خارجيتها احمد
داود اوغلو.
من المحتمل ان يستمر التحسن الملحوظ في العلاقات الأميركية ـ التركية.
في عام 2002, عندما تولى اردوغان رئاسة الوزارة، دشنت انقرة سياسة
اعادة التقارب مع طهران. غير ان عودة تركيا بوصفها لاعب رئيسي في
الشرق الأوسط اثار التنافس مع إيران البلد الاخر الذي يسعى الى الهيمنة
في المنطقة. وبدأ التنافس المعتدل بين البلدين عندما ايدتا الفصائل
المتنازعة في الانتخابات العراقية عام 2010. ثم اتسعت فجوة هذا التنافس
ليتحول الى منافسة صريحة على سوريا مع تاييد وتمويل طهران لنظام
الاسد وتاييد واستضافة انقرة لاعضاء من المعارضة السورية.
ولا يزال يوجد توتر بين واشنطن وانقرة ويبرز ذلك فيما يتعلق بمستقبل
العلاقات التركية ـ الاسرائيلية. غير انه عندما ابحر اسطول اغاثة
من تركيا الى غزة في مطلع شهر نوفمبر الماضي، طلب البيت الابيض من
انقرة الا تسمح لغير الاتراك بان يكونوا على متن الاسطول، لتجنب
تكرار ما حدث في مايو 2010 الذي قتل فيه اسرائيليون تسعة اتراك كان
على متن اسطول الحرية المتجه الى قطاع غزة. وانصاعت تركيا للطلب
وتم تجنب حدوث ازمة.
وعلى المدى البعيد, سوف يزيد التنافس التركي ـ الإيراني من تقارب
انقرة من واشنطن, وربما من اسرائيل. على سبيل المثال, فمع اكمال
الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق, سوف تتنافس تركيا وإيران
اقتصاديا وسياسيا من اجل كسب نفوذ في العراق.
بعد عقد من الخلاف مع الولايات المتحدة, تعود تركيا من البرد. وفي
الوقت الذي تضع فيه علاقة اوباما باردوغان اساسا جديدا للعلاقات
الأميركية ـ التركية, سوف يزيد من ترابط البلدين المصالح المشتركة
في الشرق الأوسط حتى بعدما يغادر هذان الزعيمان السلطة.
سونر كاجبتاتي
باحث بارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى. خدمة واشنطن بوست
ـ بلومبيرج نيوز خاص "الوطن"
أعلى