هيروشيما .. ولكن بالتقسيط!!
تتفاعل هذه الايام تداعيات ما يسمى بـ (اعراض حرب البلقان) بعد فترة من الزمن ليست مقصودة الا على قدر (فترة الحضانة المرضية) لليورانيوم المستنفذ والذي استخدم بأسلحة اميركية على الارض الاوروبية. مما مضى نستطيع استشراف الاسئلة الآتية:
1ـ لماذا الآن بالذات؟
2ـ ولماذا هذا المستوى من الضجة الاعلامية؟
3ـ ولماذا التنديد (صراحة) بأسلوب الولايات المتحدة الاخلاقي مع زملاء السلاح الاوروبيين الى حد الكشف المفضوح من قبل نفس هؤلاء الزملاء؟
ولكن قبل هذا يجب الذهاب قليلا لملف الولايات المتحدة وباختصار في هذه المضمار فالاميركان متمسكون بمبدأ عدم خوض اية حروب على الارض الاميركية قدر الامكان وهذا ما هو حاصل فعلا منذ الحرب الاهلية الاميركية اواسط القرن التاسع عشر وحتى اليوم مرورا بالحربين الاولى والثانية ثم الحرب الكورية ثم حرب فيتنام فحرب الخليج وحرب البلقان ويتلخص هذا المبدأ الاول بعدم تحويل اي جزء من التراب الاميركي لساحة حرب.
ليس هذا فقط بل التمسك بمبدأ اخر لا يقل اهمية عن الاول وهو عدم التدخل (جديا) الا في اللحظة التي تنهك معها قوى الاطراف المتصارعة الصديق منها والعدو .. لتخفيف خسائر الاميركان عند التدخل.
اما المبدأ الثالث فهو التفوق النوعي بالاسلحة الى درجة عدم المظاهاه ومهما كلف الامر سواء من خلال تفعيل الماكنة التقنية لتطوير الاسلحة الاميركية او من خلال تأخير اي تقدم يقوم به اي طرف اخر في العالم طالما ان المحصلة يجب ان تبقى هذا التفوق الاميركي قائما بصورة دائمة بحيث ان التدخل الاميركي عندما يكون مطلوبا فيجب ان يكون محسوما سلفا لصالح الولايات المتحدة وحتى قبل البدء فعليا بالعمليات العسكرية الارضية.
والان لو عدنا الى الاسئلة الانفة الذكر واجبنا على السؤال الاول وهو لماذا تطرح مسألة اعراض حرب البلقان الان وليس قبل هذا الوقت بالذات؟ والجواب على ذلك هو ببساطة: ظهور اعراض المرض على الجنود الاوروبيين وهذا امر (طبي) لم يخضع للسياسة الاميركية بعد! خاصة بعد ان اخذت فترة الحضانة المرضية زمنها المطلوب وبعد ان استقرت الاشعة المنخفضة القوة عموما بنخاع العظام لهؤلاء الجنود وهذا امر معروف طبيا حيث ان تعريض الجسم الانساني لمقدار معين فوق الطبيعي (مما تسمح به القوانين الدولية) لا بد ان يؤدي الى نتائج مرضية متنوعة تأخذ مدياتها عبر فترات قد تتباعد وقد تتقارب وقد تؤثر على اكثر من عضو في الجسم الانساني والاخطر من كل هذا وذلك هو تأثيرها المحتمل على الهندسة الجينية للانسان الضحية مما قد يؤثر على ذريته مستقبلا وهذا يعني ان بعض النتائج المحتملة لهذا التعرض الاشعاعي فوق الطبيعي قد تبرز بعد جيل او جيلين من الزمان.
ولكن بدأ (العارض) المرضي الاول بالظهور الان ولابد ان قائمة الاعراض المرضية اللاحقة ستأتي تباعا مهما حاول الاعلام السياسي الغربي دفن هذه الحقيقة.
اما لماذا هذا المستوى العالي من الضجة الاعلامية فالسبب هو ان بعض دوائر الاعلام الاوروبية ليست بصف الولايات المتحدة دائما خاصة اذا تعلق الامر بالمصالح الحيوية لاوروبا والذين ينتشرون هنا وهناك في كل الدول الاوروبية وهؤلاء هم الذين يقودون حملة التخلص من الهيمنة الاميركية على اوروبا الموحدة سواء بفرنسا بالذات او جاراتها باستثناء بريطانيا اضافة لذلك فان الاميركان قد تخطوا الحد الاحمر المسموح به للتعامل مع الاوروبيين بكل هذه الروح غير المسئولة.
لقد كشف احد الصحفيين الايطاليين عينات من الاسلحة الاميركية التي استخدمت وتأكد الجميع من صحة الادعاء بوجود هذا اليورانيوم المستنفذ فيها وبدأت الحملة الاعلامية وارتفعت ولكن هناك استفهام منطقي هو ألم يكن قادة الدول الاوروبية على علم بوجود هذا اليورانيوم بالاسلحة اثناء المعارك؟ وهل من المعقول ان يكونوا على جهل تام بحقيقة هذا الامر الا عندما كشف هذا الصحفي الايطالي الامر فجاءة؟
ان هؤلاء القادة قد يكونون جاهلين بالامر وهذه طامة كبرى حيث لا يعرف رؤساء اركان حرب الدول الاوروبية نوعية اسلحتهم بحيث لا يبلغون عنها قاداتهم السياسية وان كانوا على علم مسبق بذلك فهذه خيانة لا تغتفر من قبل هؤلاء القادة لشعوبهم وفي كلا الحالين فان القادة الاوروبيين ليسوا بوضع يحسدون عليه!
وبما انهم قد استدركوا هذه الحقيقة المأساوية على مستقبلهم السياسي امام شعوبهم فقد ذهبوا بعيدا حيث قرروا مطالبة الولايات المتحدة بالتحقيق.
اما السؤال الثالث وهو لماذا كل هذه الصراحة الاوروبية بالتنديد بل وبفتح ملف تحقيق في هذا الشأن امام الاميركان فببساطة اما لتخليص اعناقهم من مقصلة المسائلة القانونية في بلدانهم (وهذا ما ستؤل اليه الامور قريبا ما لم تساعدهم الولايات المتحدة بوضع سيناريو من المبررات قد يصل الى درجة العويضات دفاعا عن هؤلاء القادة وليس حبا بالضحايا) او انهم قاصدون فعلا احراج الاميركان امام العالم وفي الحالتين فالموضوع لا يتعلق بمصلحة هؤلاء الضحايا الاوروبيين ما لم يكونوا محرجين فعلا.
الاميركان يمارسون على العالم عملية هيروشيما وناكازاكي ولكن بالتقسيط المريح تخفيفا للتأثيرات غير الاخلاقية لتفوقها العسكري هذه وبغض النطر عن الثمن وما لم تكن اوروبا وبالصدفة التي قدمها لنا الصرب ومولوسوفج بالذات لما انكشف الاسلوب الاميركي بالتعامل مع مبادئ حقوق الانسان!!
ان اية فضيحة مشابهة لو كانت قد وقعت في مكان اخر من العالم لما تحدث عنها الاوروبيون بكل هذه الصراحة التي تخدش الاميركان ولولا المخافة من شعوبهم لما تطاولوا على الرئيس الاميركي المهيمن عليهم.
لم نعلم من اعراض حرب الخليج الا القليل الذي نشره البعض بتحفظ في الدول الغربية ومن قبل افراد ومؤسسات غير رسمية تعرضت للتهديد والاسكات بالقوة من خلال ما عرضته علينا بعض وكالات الانباء المصورة لهذه الحقيقة كما حدث لاحد العلماء الالمان والسبب هو ان هؤلاء الجنود قد انتقلوا الى بلدانهم ولم يعد منهم في المنطقة الا القليل ولكن دون الاخذ بنظر الاعتبار ، تماما التربة التي وقعت عليها المعارك وما حولها ، ولا شعوب هذه المنطقة واعني دول الخليج العربي والعراق وايران.
ان ميدان حرب الخليج لا يزال بحالة من الجهل او التجاهل المقصود او العفوي بحالة حرب!! ولا يزال لدينا الكثير من علامات الاستفهام حول ما تبقى لنا من الاسلحة الاميركية التي استخدمت بحرب الخليج واذا كان من الواقعي فعلا ان هناك جنودا يعانون وحتى اليوم من اعراض حرب الخليج ولكن انتقلوا لبلدانهم وتخلصوا جزئيا من تأثير الاشعاعات أفليس من المنطقي ايضا ان تتعرض شعوب المنطقة ذاتها لتأثير نفس الاشعاعات خاصة وانهم لم ينتقلوا عن ترابهم الوطني بل هم مواطنون مستقرون وهل هناك (مناعة طبيعية) لدينا ضد هذه الاشعاعات بحيث ان احدا لم يناقش حتى اليوم التأثير المحتمل لها علينا نحن .. نحن شعب هذه المنطقة؟
بتحفظ وبتواضع شديدين نحن نتأمل ان تخرج من بيننا لجنة علمية عربية متخصصة وليست سياسية بالضرورة لتقصي الحقائق على الارض ودراسة الاثار الناجمة عن هذه الاسلحة بصرف النظر عن الجو السياسي العربي المتأزم بعض الشيء لدول المنطقة فالحقيقة العلمية اعلى شأنا من الخلافات الاخوية.
ان شعوب المنطقة التي كانت مسرحا لعمليات حرب الخليج امانة بأعناق الخيرين من قادتنا المخلصين الحريصين على سلامتنا كشعوب.
د. سعد صلال اللامي