الآلات الموسيقية المغربية... شجرة الأنغام العذبة

 الرباط ـ (الوطن):  اختتم مؤخرا بأبراج الفنون بالدار البيضاء معرض (الآلات الموسيقية المغربية) بعد اكثر من 7 اشهر من العرض ، مكنت زوار المعرض من الاطلاع على تحف نادرة من الآلات الموسيقية المغربية والاستفادة من الشروحات المقدمة حول تاريخ الموسيقى بالمغرب والاشواط التي قطعتها وتأثيرها في تجارب اخرى.

وصاحب فعاليات المعرض تقديم اشرطة توحي بالموسيقي الصوفية (حمادشة ـ عيساوة ـ كناوة) اضافة الى عرض 11 فيلما حول الموسيقى التقليدية بالمغرب انجزتها المخرجة (ايزا جنيني ) وتقديم مختصرات حول ملتقى فناني العود المغاربة بمتحف مراكش . ونظم بالتوازي مع المعرض ، عرض لصور فوتوغرافية حول فنون الرقص من انجاز حسن نديم .

وتعود ملكية هذه المجموعة من الآلات الى مؤسسة عمر بنجلون ومتحف دارسي سعيد ، ومتحف محمد بن عبد الله ومتحف الوداية ، ومتحف دار الجامعي بمكناس ، ومتحف البطحاء بفاس ، والمتحف الاثنوغرافي باب العقلة ومتحف القصبة بطنجة .

يعكس تنوع الآلات الموسيقية المغربية غنى الحضارة . فالمغرب المرتبط بالشرق ، تمتد جذوره في افريقيا ويطل على اوروبا ، صورة تعكس التلاقح بين مجموعات من الثقافات ، المنفتحة على التنوع وعلى الانصهار..

ويرى منظمو المعرض ان الآلات الموسيقية المغربية تعودنا الي (المنابع العذبة دائمة العذوبة والبرودة حيث تمتد في الاعماق جذور ما تؤديه من انغام والحان ، فمع كل آلة نستحضر تارة بلاد فارس القديمة او مصر العتيقة ، وتارة اخرى التراث الاغريقي وفجر الاسلام او الاندلس الذي ما زالت موسيقاه حاضرة تغذي وجداننا).

في هذه المتابعة ، نقف عند تعريفات الآلات الموسيقية المغربية ومرجعياتها التاريخية ،وفق منظومة تجعل من موسيقانا اشبه بشجرة وارفة .

كنبري

يطلق اسم الكنبري على عود بدائي تعود اسس بنيته البسيطة والفعالة في آن واحد الى مصر الفرعونية ، ويتطلب صنعه سفد صندوق صوتي مغلف بجلد بواسطة مقبض (زند) ثم ربط وشد الاوتار بين طرفي الآلة . وللكنبري اسماء مختلفة باختلاف القد (الهج هوج) ، والاصل الجغرافي (سوس) او العازف (كناوة) . وعدا دورها الطقوسي والعلاجي (الهج هوج) ، فللكنبري دور موسيقي بحت كما هو الشأن في الملحون او في الطقطوقة الجبلية .

أصل العود

كان العود يتواجد بالمغرب لقد انتقل من مصر الى الشرق الادنى بافريقيا الشمالية على عهد الرومان ، ولقد أقرت الأيقنة (دراسة الرسوم والنقوش). أما تمثال البرونز الصغير الذي عثر عليه ببناسا ، فانه يلخص جيدا خصوصيات هذا العود التركيبية (بان دورا) : صندوق صوتي على شكل درع سلحفاة ، زناد طويل مزود بثلاثة اوتار بيد ان ظروف استعماله بقيت غير معروفة جيدا.

الكنبوز

استعمل الكنبوز في البلاد الممتدة من اليمن الى المغرب ، كما نجد بمدغشقر او باكستان او الهند ويمكن ربطها من حيث الشكل بالرباط الفارسي القديم .

انه قريب من آلة الوثار في المغرب ، إذ يتكون من صندوق صوتي اجلصي الشكل مصنوع من قطع خشبية واحدة ومشد نغمات بجزأين خشبي وجلد ومجس مسطح ، مشبك للمفاتيح مائل للخلف وتوتير مزدوج من هذه الآلة ستتفرغ في ما بعد آلة الرباب الاندلسي .

الرباب

منذ ظهور القوس في القرن 9 اصبح مصطلح (رباب) يدل على آلة من النوع المسفود (عصا بسيطة تخترق صندوقا صوتيا مغطى بجلد ثم تشد عليها الاوتار ) استعملها الرحل والرعاة . لقد انتقلت هذه الآلة عبر اكثر من الفية لتصل الينا دونا لا تغيير لا في الشكل ولا في الوظيفة اذ كان عزفها يصاحب اناشيد الرعاة وسرد الحكايات الشعبية المنقولة شفاهيا من جيل لآخر ، كما هو الشأن بجنوب المغرب (سوس) لذلك سمى بالرباب السوسي.

وفي القرن الثالث عشر بدءا بصقلية ومرورا بالاندلس ، وعندما سما القوس الى مصاف الاداء الموسيقي العلمي والذي الى حدود هذا القرن كان حكرا على العود وحده عن المسلمين ، اتخذ الرباب شكلا جديدا مستوحى من شكل العود . واذ ذاك فقط وبمعزل عن أي خلط بينه وبين نظيره الرعوي ، احتل النوبلي (الرباب العربي الاندلسي) المكانة الاولى في الموسيقى الاندلسية والملاحظة ان هاتين الآلتين ما زالتا تتواجدان معا بالمغرب وتقوم كل واحدة بدورها .

العود

العود تلك الآلة الاصل التي ارتبطت منذ ظهور الاسلام ارتباطا وثيقا بأبهى التجليات الروحية لثقافة ما . ان العود هو الآلة الموسيقية بامتياز.

كان العود في بداياته مزودا بقضيبات صغيرة مرتبة على الزند لتحديد مواقع العلامات الموسيقية وكانت اوتاره مشدودة على هيئة اربعة ازواج . واليوم ماذا عن العود المغربي او عود الرمل والمسمى ايضا التونسي او القويترة ، هذا العود الذي ورثناه مع تقاليد موسيقية ذات مجد تليد ، انه في طور الانقراض بعد ان ازاحه عن عرشه ذلك العود القادم من المشرق (العود الشرقي) في بداية القرن العشرين .

وعود الرمل هذا مزود بأربعة أزواج من الاوتار مدوزنة حسب مبدأ الخمايات الممزوجة القديمة والتي يرمز لها الموسيقيون بالاربع مصوتات التالية : (ذيل وحسين وماية ورمل) أي دو ا ، لا ا ، لاي ا وصول ا . انه اصغر قليلا من نظيره الشرقي وهيئتة اكثر استطالة وما زال يحافظ على شمسيته الوسطى الوحيدة وعلى اوتاره المزدوجة الاربع المصنوعة من الامعاء كماهي اوتار العود القديمة .

اما العود الشرقي فبصندوقه الاكبر حجما اصبح شكله يميل الى شكل البيضة بزند اقصر (الوتر المهتز) وثلاث شمسيات وستة اوتار مزدوجة من النيلون مدوزنة كما يلي : دو ا ، مي ا ، ري 2 صو 2 ، دو 2 .

النفير (النفار)

هو بوق اسطواني من النحاس وعرفت هذه الآلة انتشار واسعا ببلدان ضفتي البحر الابيض المتوسط . اذ كانت تقوم بوظيفتين عسكرية وموسيقية ، وتنتظيم ايقاعاتها على هيئة نغمات تصدر بشكل زوجي لإعلان ساعة الاستيقاظ او الافطار في رمضان ولاشهار الاعراس ايضا ، ولدى طائفة عيساوة ، تستعمل اثناء الموسم او لاعلان اختتام (الليلة) .

الغيطة : المزمار وآلات نفخ أخرى

تتميز الغيطة بنبر حاد جدا ، فهي من الآلات الاكثر تمثيلية لموسيقى الهواء الطلق عموما يصحبها في ادائها النفر على آلات الايقاع . اما قدها فيختلف في حين يبقى عدد الثقب بها ثابتا . وتعتبر مدينة  (وزان) هي اشهر مركز لصنع هذه الآلة . ولا يجب اغفال آلة اخرى هي الناي ونص بالذكر الناي الصغير الشهير باسم (الليرة) .

الزخارف

ان الزخارف كما هو الشأن بالنسبة للغة الآلات ليست وليدة الصدفة فرمزيتها توحي وبانتظام الى تمثيلات معقد موروثة عن النظريات الاغريقية والافلاطونية الجديدة ، كما انها تحيل الى عادات دينية تستمد هي بدورها ، وعلى الارجح من ممارسات وثنية كانت منتشرة قبل الاسلام في بلاد الامازيغ وافريقيا والسودان .

وهكذا وفي توزان متناسق اخاذ يسر النظر ، تغذي الآلة الاذن والقلب والروح .

آلات الإيقاع

تتميز الايقاعات المغربية وبحق بتعددها وتفرع اصواتها وهي بتنوع رناتها واختلاف ارتفاعاتها كيفما كانت الموسيقى المصاحبة نتاج لتوازن خفي بين مواد صنعها (طين ، خشب ،جلد ، امعاء) . ودرجة شد اعشيتها وجرسيتها الودودة (صنج ، زنانات) ، وايضا للاختلاف الكبير في احجامها داخل نفس العائلة (بندير ، طبيلات ، طعريجة) وتتضافر كل هذه الشروط لممارسة جماعية للايقاع من قبل افراد العشيرة الوحيدة في سياق تواصلي .