الأسر العلمية
المغربية
تجسد الارتباط
بين المشرق الاسلامي ومغربه
الرباط ـ (الوطن): تعتبر الاسر
العلمية من الظواهر البارزة في الثقافة العربية الاسلامية منذ القديم ، حيث برزت
بيوتات توارث ابناؤها العناية بالعلوم والمعارف ، وارتقوا ارفع المناصب الاجتماعية
ولم تكن ظاهرة بروز ابناء الاسرة الواحدة خاصة بالمجال العلمي بل شمل مجالات اخرى
كالتجارة والحكم والسلطة والتصوف والادب شعرا وكتابة.
وتعود اصول هذه الظاهرة
الى دور الاسرة في المجتمع المسلم وكونها النواة الاساسية التي ينشأ فيها افراده
ويتربون ، وبقدر نجاح الاسر في تربية ابنائها على القيم الرفيعة يقاس نجاح
المجتمعات وتطورها ، ففي وسط الاسرة خاصة الكبيرة او العائلة التي كانت اساس
المجتمع قديما قبل بروز الاسرة النووية في العصر الحديث تربى الاطفال ونشأوا
متأثرين بالقيم والثقافة السائدة والاهتمامات الغالبة على اسرهم فبرزت أسر غلب على
ابنائها الاهتمام بعلوم اللغة او علوم الشرع واخرى نبغت في الطب او الفلك او
الجغرافيا.
وقد ظهرت الاسر العلمية
في المغرب بعد انتشار الاسلام ورسوخ الحضارة والفكر الاسلاميين بالمغرب ومن نماذج
هذه الاسر نذكر الاسرة الفاسية الفهرية التي توالى فيها العلم اكثر من الف سنة
والاسرة الدلائية والكتانية وغيرها كثير وقد تنبه المؤرخون واصحاب التراجم للظاهرة
وخصوها بكتابات ومؤلفات وافرة ونهجوا في التأريخ لها نهجين .. اما العناية ببيوتات
العلم في حاضرة معينة وقد استأثرت مدينة فاس بنصيب وافر من هذه المؤلفات كـ
(بيوتات فاس الكبرى) لابن الاحمر الغرناطي و(بيوتات فاس الصغرى) لعبدالرحمن الفاسي
و(زهر الآس في بيوتات فاس) لعبد الكبير بن هاشم الكتاني واما تخصيص المؤلف للاسر
الواحدة كـ (اثمد العينين) للتأدلي المراكشي في مناقب البيت الهزميري و(منح
التأييد في مناقب الجد واخيه والوالد) لابن ريسون عن بيتهم الريسوني و(الاحياء
والانتعاش في تراجم سادات زاوية آل عياش) لعبدالله بن عمر العياشي في بيتهم
العياشي و(تقييد في اسرة البيجريين بمكناس) لمحمد بن عبدالسلام المكناسي و(ارجوزة
اغاثة اللهفان وسلوة الاحزان للقادريين عظام الشأن) لعبدالواحد الفاسي
و(اليعقوبيون) للعربي بن ابراهيم الادوزي وغيرها من الكتب الكثيرة التي ما زال
غالبها مخطوطا في حوزة هذه الاسر.
وفي جنوب المغرب وخاصة
منه منطقة سوس التي اشتهرت بالعناية بالعلم والعلماء منذ القرن الرابع الهجري رغم
كونها احدى مناطق الاطراف التي وصلتها الحضارة والفكر العربي الاسلامي متأخرين
برزت ظاهرة الاسر العلمية منذ قرون واحصى منها مؤرخ المغرب محمد المختار السوسي
(1898 ـ 1963) نحو من مائتي اسرة ، خلفت تركة علمية باهرة في جانب العلوم والآداب
والتدريس والتكوين ولهذا اعتنت طائفة من الاساتذة الاعضاء في مجموعة البحث في
الاآدب العربي السوسي التابعة لكلية الاداب والعلوم الانسانية في جامعة ابن زهر
بمدينة اكادير بهذه الظاهرة وخصصت لها ندوة وطنية في الموضوع بعنوان (الاسر
العلمية في سوس) وعقدت الندوة بمدينة تزنيت.
وقد قسمت محاور الندوة
الى قسمين الاول بعنوان (ظاهرة الاسر العلمية في التاريخ والادب والمجتمع) وتضمن
الاوراق التالية (الاسر العلمية السوسية بين الاستقرار والهجرة : نماذج ونتائج)
للاستاذ احمد ابو القاسم (باحث ـ تزنيت) و(الاسر العلمية والتصوف بسوس) للاستاذ
احمد بومزكو (باحث ـ تزنيت) و(تداول الادب في اوساط الاسر العلمية بسوس للدكتور
المهدي السعيدي (كلية الاداب والعلوم الانسانية ـ اكادير) و(علماء الاسر العلمية
بدائرة تزنيت ، من سنة 1250 الى سنة 1357 البنيات والتوزيع) للدكتور مبارك لمين بن
الحسن (اكاديمية اكادير للتربية والتكوين ـ اكادير) و(واقع الاسر العلمية السويسية
المعاصر ، الاسرة الافرانية نموذجا للاستاذ البشير عدي الافراني و(الاسرة المعينية
ودورها في الحركة الادبية والعلمية والتربوية بسوس للاستاذ النعمة ماء العينين.
وقد تناولت هذه الاوراق
ظاهرة الاسر العلمية وتجلياتها في المجتمع من خلال كون هذه الاسر اكتسبت السلطة
والجاه بفضل نبوغ ابنائها في العلم الشرعي فكانت محور التوازن الاجتماعي خاصة عند
فتور الحضور المخزني السلطاني في الجنوب المغربي ، وحاولت الدراسات تتبع بنيات هذه
الاسر وتوزيعها في المنطقة وطبيعة تكوين الاسر وافرادها من حيث فئاتهم العمرية
وكثرة العلماء في الاسرة الواحدة او قلتهم ، واماكن دراستهم .. ثم تأثير الاسر في
مناطق استقرارها او في المناطق التي هاجرت اليها لسبب او لأخر الى ذلك اهتمت
الدراسات بجوانب اخرى تجلى فيه تأثير هذه الاسر منها جانب التصوف ووسائل انتشار
مذاهبه وطرقه المختلفة المتنافسة ودور الصلات الاجتماعية في نجاح بعضها وانحسار الاخرى ، ثم جانب
الادب وتداوله ونشره ، ومبعث التأثير في هذه الناحية انه كانت هناك اسر كثيرة تشرف
على مدارس ومراكز التعليم واعتنى بعضها بالآدب وبتدريسه وخصصت له اوقاتا في المقرر
الدراسي وايام العطل وجلعت مجالسها العائلية مجالا لتلاوة النصوص وانشاد الاشعار
وابداعها مساجلة انية او مطارحات ، ولا الطف من مقطعات وقصائد ورسائل كان ابناء
هذه الاسر يتداولونها تحية ومدحا وعتابا ونصحا وتوجيها من الاباء الى ابنائهم او
من الابناء الى الآباء وبين الاخوة والاقارب ومن هذه العناية الاسرية انبعث
الاشعاع الى الطلبة والعلماء المجاورين فنبغ الشعراء والمؤلفون وجمعت الدواوين
ونسخت المؤلفات .. واخيرا توقف احد الابحاث عند واقع الاسر الحاضر مقارنة مع
ماضيها الزاهر وكيف أثر التغير الفكري والثقافي والحضاري في بنيات تلقي العلوم
وتداولها مما ادى الى تقلص دور هذه الاسر بتأثير التحولات الاجتماعية مع محاولة
بعضها مواكبتها والحفاظ على مكانتها في ظلها.
اما المحور الثاني
فتناول: (نماذج من الاسر العلمية في المناطق التى عرف عنها تواجد مثل الاسر
العلمية فيها) (عضو المجلس العلمي الاقليمي بتزنيت) والاسرة البونعمانية واشعاعها
في الحواضر المغربية للدكتور الحسين افا (كلية الشريعة ـ اكادير) و(الاسرة
المسعودية ، محطات واعلام) للدكتور احيا بن مسعود الطالبي (باحث ـ اكادير)
و(الاسرة الايغشانية) للفقيه الاستاذ ابو الوفاء يحيى التجاجتي (مدرسة أيت وفقا
العتيقة ـ تزنيت) و(دور الاسرة البعقيلية في نشر العلم والمعرفة بجبال جزولة ،
الاسرة المنارية نموذجا) للفقيه الاستاذ عبدالله خطاب (المدرسة الالغية ـ تزنيت)
والاسرة السكراتية النشآة والعطاء العلمي والاثر التربوي للاستاذ الحسن السكراتي
(كلية الآداب والعلوم الانسانية ـ اكادير) و(الاسر العلمية الافرانية ودورها في
الحركة الادبية والعلمية والتربوية السوسية) للاستاذ علي اليوسفي (ثانوية بئر
انزران ـ افران) و(الاسر العلمية
السملالية بأيت باعمران) للدكتور ابراهيم الوافي (كلية الآداب والعلوم الانسانية ـ
اكادير) و(الاسر العلمية بيكتانية) للاستاذ عمر بزهار (باحث ـ اكادير) و(الاسر
العلمية بالاطلس الكبير) للاستاذ احمد بوزيد الكنساني (باحث ـ تارودانت) (البيوتات
العلمية بتاودانت في القرن 14 هـ ، آل المصلوت نموذجا) للدكتور مصطفى المسلوتي
(كلية الاداب والعلوم الانسانية ـ اكادير) و(مكانة الاسر المنانية الحاحية العلمية
وزاوية آل سعيد بن عبدالمنعم بادوزداغ) للاستاذ نور الدين صادق (معهد محمد الخامس
ـ تارودانت).
وقد انكبت هذه الابحاث
على دراسة اسر بعينها باعتبارها نموذجا للظاهرة اما حسب اماكن استقرارها او بتتبع
اسر يعينها وقد خلصت دراسات المحور الى ان الاسر كان لها اثر بعيد في نشر العلوم
العربية الاسلامية والآداب في المنطقة المتميزة ببيئتها القبلية الامازيغية ،
واهلها ذلك للمحافظة على توازن المجتمع ومكوناته فكان لها الامر والنهي في مسائل
الشرع والتدريس والافتاء والقضاء والتوثيق ومن ثم كانت محور هذا المجتمع المخلص
للدين الاسلامي المحب للغة القرآن.
وقد كان للشعر حظه في الاحتفاء
بالاسر العلمية بسوس حيث تخللت القصائد البحوث العلمية وشنف الشعراء المشاركون
اسماع الحاضرين بالتغني بأمجاد سوس العلمية وحضارة المغرب عامة ومن هؤلاء الشعراء:
احمد حميتي واحمد بوزيد الكنساني واحمد ابو القاسم وحسن مددي ومحمد نجاري ومحمد
الصادق الباعمراني ومن القصائد المتميزة قصيدة احمد حميتي وعنوانها (الهداة
المرشدون) في 150 بيتا منها قوله:
اسر العلوم قد ازدهت
احوالها
فيما مضى من فترة واوان
اسر العلوم كثيرة في
سوسنا
وجهودها من روعة بمكان
ولها مكانتها وشأن مقامها
في غبطة بين الورى وكيان
لا يستوى من يعلمون ومن
هم
رفعوا لواء الجهل
والنسيان
العالمون سمت بهم افكارهم
فتواضعوا للخالق الديان
وهم الهداة المرشدون
بدونهم
تجري سفينتنا بلا ربان
هذا وقد خلصت الندوة
عموما الى ان هذه الاسر تميزت باستنادها الى النبوغ العلمي في خطوتها الاجتماعية بينما
استندت اسر اخرى الى الوفر المادي او النسب الشريف او الصلاح الصوفي او السلطة
والجاه وان ذلك التميز العلمي اعتبر عند ابناء هذه الاسر تراثا تناقله الآباء
والاجداد ، حفاظا على مكانتهم في خدمة الدين واللغة العربية وفي القيام بأدوار
اخرى هامة في المجتمع ، فكان هناك دائما في كل الاجيال حرص كبير من اولياء الاسر
على نقل المعارف الى ابنائهم ليحلوا محلهم في زعامة الاسرة وتولي المناصب بعدهم
والحفاظ على المكانة في وجه المنافسين من الاسر العريقة او الناهضة. كما ان تلك
الاسر كانت تمثل نموذج الاسرة المسلمة الناجحة في التفاف افرادها حول قيم العلم
الشرعي واحتفائهم بالثقافة العربية ، ولربما يكون مثل ذلك امرا عاديا في اسر
مستقرة بالحواضر المغربية الكبرى ، ولكن ذلك يصبح ظاهرة فريدة وشأنا غريبا اذا
اعتنت به اسر في غالبها ذات اصول عربية صميمة ـ في وسط اعجمي صرف لا يكاد يتقن به
العربية الا نخبة قليلة من الناس حيث يكون الدافع الى ذلك الاعتزاز باللغة العربية
باعتبارها لغة القرآن والاخلاص للعقيدة الاسلامية ، ولعل ابسط مثال على ذلك كون
كثير من مثقفي المنطقة وعلى رأسهم الشاعر محمد بن الطاهر الافراني لم يكونوا
يتقنون اللسان العربي العامي وانما كانت تواصلهم مع ادباء الشمال الذين كان
يبادلونهم الزيارات بالعربية الفصيحة.
كما خلصت الندوة الى ان
ظاهرة الاسر العلمية او بيوتات العلم ملمح باهر من ملامح الحضارة العربية
الاسلامية قل الالتفات اليه والعناية به مع ما يحمل من دلالات فكرية وثقافية وفكرية
اضافة الى ان دراسته تقتضي تناوله شمولية وبمناهج متنوعة يقترن فيها العلمي
بالانثروبولوجي والمعرفي بالاجتماعي والنفسي بالاثنوغرافي بغية الوصول الى فهم
عميق وادراك دقيق لآليات النشأة وحيثيات التطور واسباب الاضمحلال وللادوار
الاجتماعية والاسهامات الثقافية والحضارية لها.