" على قلق "
البحث عن لحظة
كئيبة ..
في البدء :
(مَنْ سيرتّبُ هذا الصباح
القلق/ الفناجين باردة كالصداقات/ والحرب تعلك أيامنا/ أقلبي الصفحة الآن/ برجك تشغله الوفيات / وبرجي تملؤه الطائرات.../
أنت لو تفهمين إذاً كيف تجمعني الحربُ في طلقة/ ثم تنثرني في شظايا المدن/
اقلبي الصفحة الآن لا وقت/ إن القنابل تقتسم الأصدقاء)
عدنان الصائغ
*****
نكتب لنتنفس , لنرفض كل
سفسطائية الكون والأشداق البغيضة الملتفة حولنا ، نكتب لندوّن صرخاتنا المتناثرة
هنا وهناك ، لأننا ندرك أن الألم والكتابة سمو ورقي حين نتلبسهما أو
يتلبساننا نصبح كائنات شفافة لا تراها سوى ملائكة الجمال والنقاء .
لن أتحدث كثيرا عن الكتابة
وحاجتنا اليها كأكسير للحياة , إن ما يشغلني هو أنني لا أستطيع الكتابة بصدق إلا حين تتلبسني
حالة من القلق والكآبة المرة ، حين نضع الكآبة على مفترق الكتابة
ونوغل فيها في محاولة (للاحتيال على البرد الذي
يكتسحنا في الداخل ) على
حد قول صباح زوين نبحث عن الكتابة من أجل بعض الدفء وبعض الامان وأحيانا لنمارس
طفولة أضعناها أثناء بحثنا عن معرفة
أو مطاردتنا لحلم ، مجرد حديث
ذاكرة تحرك ذات وجع أو حنين .
كثيرا ما تغادرني لحظة
الكتابة وكثيرا ما يقلقني هذا
الغياب ولكن تعود بها تلك اللحظة السوداء كهبة من السماء ,
اللحظة التي أصبح فيها ناضجة وحزينة لأتحول الى ما يشبه القديسات اللواتي
يخلصن للمعبد , ويهبن حياتهن كلها للآخر ,
أتعجب كيف يجعل منا
الحزن ناضجين نمتلىء رزانة وجدية وبداخلنا طفل مجنون
يضرب جدران الورق .. أهو التناقض ؟
أم هو حالة خاصة لا أجيد التعبير عنها كما ينبغي نظرا لقداستها وعظمتها .
أحاول آنذاك ترتيب روحي من الداخل لكن ثمة فوضى
ترتعش في حواسي , تجعلني أفر دون إدراك أو وعي إلى البياض , إلى حقول الثلج
المطفأة , بحثا عن صوتي أو بحثا عن صمتي , ولعل وجود مبدعين كثيرين يتنفسون الكتابة في حالة الكآبة هو ما جعلني أقف كثيرا
واتساءل هل تقرأون كآبتي ؟؟ هل تستطيعون فهم الصراخ / الصمت أو حتى أنين الورق
العالي , يحدث حين اقرأ ابداعا ان أصاب بكآبة , ويحدث أن أبحث عن القراءة في لحظة
الكآبة , ويحدث ايضا أن أمزق ذاكرتي في هذه اللحظة .
تقول ريتا عودة : ( وأخيرًا..
تظلّ الكتابة..سلاحا نحارب به الكآبة..وتظلّ الكتابة..وسيلة ودعوة لإشباع وتحقيق الذات بالرغم من كلّ ما في
الحياة من أيام غُربــَة...
وَمَـــــنْــــــفَـــــــى !! ) ..
أقرأ هذه اللحظة رواية
الشاعر عباس بيضون تحليل دم , فأشعر معها باللغة الحزينة والسوداوية التي تلفها ,
وأستشعر حاجتي للكتابة , وهذا ربما هو المحرك الرئيس الذي يساعدني على الكتابة هذا
الصباح , فالشاعر لا يستطيع إلا أن يكون حزينا ومتوترا وقلقا ليكتب , ويبدع , ربما
هو قدر الثلج أن يقف أمام الشمس لتذيب جليده فيخرج من تحت أرجله العشب .
لا أستطيع إلا أن أتلمس
الروح الشفيفة التي تهدر محركات الكتابة , فيخرج هديرها كأصوات مملة ومزعجة ,
وخائفة من الفعل , هكذا نكتب , وهكذا نمارس جنون الكتابة
وطقوس الكآبة .. وهكذا نعيش .
بدرية
الوهيبي