الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
الشورى

كاريكاتير

 


كل يوم

التعتيم الإعلامي الأميركي لن يحجب عمليات المقاومة العراقية !

في الموضوع

آن ماري شيميل

أقول لكم

حقول الموت

رأي

التغني بالحضارات البائدة لن يعيد إلى أمة ما نهضتها وحضارتها

رأي

الحياة في فنجان شاي

رأي

مأزقان : أميركي وإسرائيلي

رأي

رسالة أميركية برطانة عبرية!







التعتيم الإعلامي الأميركي لن يحجب عمليات المقاومة العراقية !

على الرغم من التعتيم الاعلامي الذي تمارسه قوات الاحتلال الاميركي ـ البريطاني وادارته فان عمليات المقاومة الوطنية العراقية تتصاعد، وقد اخذت طابعا نوعيا، في الآونة الاخيرة، مثلما انها اتسعت من حيث الرقعة الجغرافية التي تجري فيها المواجهات لتمتد الى البصرة في الجنوب والموصل وكركوك الى جانب الرمادي وابو غريب وبعقوبة وتكريت وقراها وباديتها.
وتشمل عمليات المقاومة جنود قوات الاحتلال ومراكزهم وقواعدهم حتى في بغداد وبعض ضواحيها، مثلما تشمل المتعاونين معهم من العراقيين او اي قوات اخرى اجنبية تساعدهم في مهامهم كما تشمل الادارات والهيئات والوزارات التي شكلها الحاكم الاميركي بريمر مثل مجلس الحكم الانتقالي وما نتج عنه من هيئات او لجان او ادارات. كما ان الشرطة العراقية التي شكلتها قوات الاحتلال او دربتها مشمولة بعمليات المقاومة.
ووفقا لبيان حديث وصلني بالبريد الالكتروني فان هذه العمليات تنفذها مجموعات مقاتلة صغيرة تتراوح بين 20 ـ 25 فردا، على الاكثر، وان الجهة التي تخطط لها هي عناصر من قيادات حزب البعث، وبعض المنظمات والاجهزة الامنية التي كانت تابعة للنظام السابق، وبعض التنظيمات والجماعات الاسلامية التي تنسق معها، وليس في البيان أي اشارة الى طبيعة العلاقة أو مستوى التنسيق او عناصر القيادة المتصلة بهذه التنظيمات والمجموعات الا ان فعاليتها وقدرتها على الوصول الى اهدافها وتنفيذ خططها وعملياتها مما يلفت الانتباه (وآثاره واضحة في ارباك القوات الاميركية والبريطانية) ولهذا تتصاعد رغبة واشنطن في استقدام قوات دولية تساعدها فيما تسميه (تحقيق الامن والاستقرار) غير ان الحقيقة انها ترغب في تجنب وقوع قواتها تحت الضربات المباشرة للمقاومة فهي في حاجة الى (دروع بشرية) تقيها الهجمات الفدائية العراقية.
وقد يكون قبول تركيا المشاركة وارسال قواتها الى مناطق عراقية خطأ استراتيجيا فادحا وان كان من الممكن التراجع عنه قبل فوات الاوان على ان تورط تركيا في المستنقع العراقي غير مقبول لها لا من الشعب العراقي ولا من مجلس الحكم الانتقالي نفسه ولا من الدول المجاورة وناهيك عن المعارضة الكردية الواسعة له.
وهذا يطرح استبعاد مشاركة أي دولة عربية او دولة مجاورة اخرى في ارسال قوات عسكرية الى العراق واذا كان لا بد من المشاركة فانها ينبغى ان تتم عبر الامم المتحدة وبموجب قرارات عن مجلس الامن الدولي تكون واضحة ومحددة ولا تخضعها لادارة او قيادة قوات الاحتلال بل تكون بديلا عنها يمهد لرحيلها ويعطي القوات الدولية الجديد صفة المراقب والوسيط لا المحتل ولا المسيطر ولا الرديف لقوات الاحتلال.
وفي هذا الاطار نفسه فان تصاعد الممارسات الاميركية الخاطئة ضد المواطنين العراقيين وضد المرجعيات الدينية لدى الشعية بالذات عندما جعل احتمالات الانفجار تتزايد فهذه جماعة الصدر وقد فاض بها الكيل تعلن عن رفضها للاحتلال وممارساته وتحذر من استمرارها وتكشف عن تشكيل حكومة عراقية بديلة للحكومة التي شكلها مجلس الحكم الانتقالي بتوجيه من ادارة الاحتلال الاميركي وهذا مؤشر فقط لما يمكن ان تأتي به الايام القليلة القادمة.
على أن ما لا يستطيع الاميركيون ان ينكروه او يخفوه أو يتجاهلوه هو ان الساحة العراقية كلها باتت ساحة مقاومة وطنية للاحتلال ومن هنا يصبح الحياد مرفوضا فاما مع المقاومة الوطنية العراقية ودعمها واما مع الاحتلال وبنائه ولا توجد حالة وسطى !.

محمد ناجي عمايره


أعلى






آن ماري شيميل

شهدت احدى قاعات مقر الجمعية الالمانية ـ البريطانية في لندن مساء الخميس الماضي لقاء ثقافيا مثيرا كانت مناسبته هي الاحتفال بعالمة الدراسات الشرقية ـ التي فارقت عالمنا اوائل العام الجاري ـ آن ماري شيميل وهي المانية المولد، صوفية التوجهات الى حد الشاعرية، كانت تعرف اكثر من 25 لغة معظمها من تلك السائدة في الدول الاسلامية بين منطقة وسط آسيا وجنوبها حتى المحيط الاطلنطي، واستطاعت ان تكتب وتقرأ آداب 17 منها، حصلت على درجة الدكتوراه وعمرها 19 عاما، ثم حصلت على درجة دكتوراه اخرى وعمرها 27 عاما، وعندما رحلت عن العالم هذا العام ـ بعد عمر ناهز 81 عاما ـ تركت تراثا حجمه 85 كتابا، بالاضافة الى مئات المقالات والدراسات القصيرة، تناولت فيها موضوعات تراوحت بين الصوفية والفكر الاسلامي، وناقشت افكار ابن عربي واشعار ابن الرومي، وتطرقت الى وضع المرأة في الاسلام، ورغم انه لم يبد احد متأكدا من انها اسلمت الا انها كانت تقول (لا يؤمن الانسان الا اذا احب الله ورسوله اكثر من نفسه)، وحرصت على ان تصف نفسها ـ قبل التوقيع على رسائلها ـ بأنها (الفقيرة الى رحمة ربها).
كانت آن ماري شيميل من المعجبات بفكر وشعر العلامة محمد اقبال، ونشرت كتبا عن دراسات في اعماله، بعد ان قرأتها باللغات التي كتبها بها من فارسية او اوردية، ولذلك شارك في الاحتفال بحياتها وانجازاتها (جمعية اكاديمية العلامة اقبال في بريطانيا) مع السفارة الالمانية في لندن، وتحدث في الاحتفال الاسقف (الباكستاني الاصل) مايكل نظير علي ـ اسقف (روتشيستر) في انكلترا الذي كان مرشحا كبيرا لاساقفة الكنيسة الانجيلية البريطانية ـ عن النهج الصوفي في الاسلام، والدكتور ليونارد لويسون ـ الاستاذ في معهد الدراسات الاسماعيلية بلندن ـ عن (رؤية شيميل للدرع والخمار في الشعر والبعد الصوفي في الاسلام)، وتطرق الدكتور ديفيد ماثيو ـ الاستاذ في جامعة لندن ـ الى العلاقة بين آن ماري شيميل ومحمد اقبال ثم استعرض طالب الدكتوراه الايراني بورزين واجمار (اسهامات آن ماري شيميل في الدراسات الهندية والباكستانية). واختتم الندوة محمد امان هربرن هوبوم ـ الدبلوماسي الالماني المتقاعد وامام المسجد في العاصمة السابقة بون، ومدير اكاديمية الملك فهد هناك حاليا ـ بالحديث عن (علاقته الانسانية الاخوية مع شيميل).
تناول النقاش في ندوة الاحتفال، الكثير من القضايا المرتبطة بعلاقات أبناء الاعراق والديانات المختلفة وطرح موضوع رؤية الجميع للاله الواحد، وتطرق الى ابعاد مهمة لفهم الحضارة الانسانية، وقال الاسقف بيتر بيري ـ نائب رئيس (اكاديمية العلامة اقبال) ـ انه اذا كان المسلمون يرون ان القرن العشرين كان اسوأ الفترات في تاريخ عقيدتهم فإن الامل ينعقد على ان يكون القرن الحادي والعشرون هو (قرن الاسلام) الذي سيزدهر فيه، وظهر الجانب الفني في الندوة في انشاد غنائي من المطربة الباكستانية بكيزة بيج لبعض اشعار اقبال في الغزل، وكذلك في عزف استاذه الموسيقى الاوزبكية الدكتورة راضية سلطانوفا ـ التى تدرس في كلية جولد سميث بلندن ـ الحانا نسائية، يرجع اصلها الى منطقة (وادي فيرغانا) في اوزبكستان وشدوها بأغنية اعراس من هناك ايضا. وبوجه عام كان مجرد حضور ندوة من هذا النوع مثل اطلالة على نهر متدفق من المعارف لكن الشيء اللافت للنظر انه لم يكن هناك حضور عربي على الاطلاق اللهم الا العبد الفقير الى رحمة ربه الذي تلقى الدعوة من الامير محسن نواب سليل الاسرة الملكية الاسلامية في ولاية حيدر اباد الهندية الذي قرر الاقامة في اوروبا بعد استقلال الهند وانهاء حكم اسرته هناك وكان الامير محسن وهو رجل مسن في السبعينيات آخر المتحدثين وقال ان الاحتفال بحياة آن ماري شيميل يشير الى اهمية الاسلام في حياة الناس اذا كانت امامهم فرصة جيدة للتعرف عليه وعلينا ان نعمل من اجل طرح الصورة الحقيقية لهذا الدين العظيم من اجل الاسهام في انهاء التعصب وفتح آفاق الوئام والسلام بين البشر.
والنقطة الاساسية هنا تتعلق بالحضور العربي او الغياب العربي عن هذه الندوة فقد تتضمن البرنامج ان كلا من الامير حسن بن طلال والشيخ احمد زكي يماني سيشاركان بالحديث لكن كلا منهما غاب لاسباب تتعلق به وبعث بكلمة قرأها عريف الندوة نيابة عنه كما انه رغم العدد الكبير من المثقفين العرب واساتذة الجامعات في بريطانيا لم يحضر احد وبصرف النظر عما اذا كانت اكاديمية العلامة اقبال او السفارة الالمانية لم توجه دعوات الى احد منهم فان ذلك يشير الى انهم غير نشطين في مجالات كثيرة لدرجة انه لا السفارة الالمانية ولا اكاديمية اقبال تعرف عنهم او عن اهتماماتهم شيئا ويتعين عليهم الانفتاح على انشطة تؤكد وجودهم ودورهم.
والنقطة المرتبطة بهذه القضية هي ان العرب يظلون رغم التدهور الشديد في اوضاعهم افضل من يعطي صورة حقيقية عن الاسلام بدلا من الاغراق في التصورات الصوفية او الانجرار الى التفسيرات المتطرفة مع الاهتمام بالجوانب الحضارية الاخرى وهذا هو الدور الذي يتعين الاضطلاع به ويطرح ذلك اسئلة مهمة حول الحاجة لانتاج شخصيات اكاديمية موسوعية جادة من الشباب العربي على شاكلة آن ماري شيميل لحمل اللواء خلال القرن الحادي والعشرين اذا كان ذلك القرن سيكون بداية النهوض الاسلامي والعربي ايضا.

عبد الله حمودة



أعلى






حقول الموت

ملايين الدولارات تنفقها سنويا دول الحرب العالمية الثانية لرعاية وتجميل مقابر قتلاها في اكثر من بلد عربى ، حتى تحولت الى متاحف فنية يلفها جلال الموت وتحفها الخضرة من كل جانب ، حتى تكون لائقة لاستقبال ذوى الموتى الذين يحضرون اليها لممارسة طقوس زيارة سنوية .. اما حقول الموت التى زرعتها هذه الدول في البلدان العربية فما زالت حية بملايين الالغام المزروعة فيها ، تلك التى تضيف رصيدا جديدا كل يوم لاعداد القتلى والجرحى والمشوهين .. والذين ينفقون الملايين لتجميل قبور موتاهم لا يكلفون انفسهم عناء انقاذ حياة موتانا الذين تستلب نفوسهم وارواحهم نتيجة انعدام الوازع الاخلاقي لدى المحاربين.
في كل الارض العربية قبور وشواهد تذكارية لموتى اجانب جاءوا اليها طمعا في ثرواتها في معظم الاحوال وفقدوا ارواحهم في الارض الطيبة التى لم تبخل عليهم بمدفن ونصب تذكاري .. والآن يطالب الاميركيون بقطعة ارض في العراق لدفن موتاهم ، والاجدى ان يرحلوا بهم بعيدا الى الولايات المتحدة حتى لا تنتهك حرمة ارض أبي الانبياء وحتى لا يجد موتانا من يزاحمهم حتى في قبورهم بعد ان صرعهم الوافد الغريب بلا سبب معقول .. حتى في صحراء سيناء شواهد تذكارية لقتلى الاسرائيليين في حروب 56 و67 و73 .. ولا عزاء لاسرانا الذين قتلوا احياء.
وبدلا من أن يطالب كولن باول بمدفن عراقي للقتلى الاميركيين عليه ان يسعى لانتشال الالغام الاميركية المزروعة في جنوب العراق ، وتخليص الماء والهواء والتربة في بلاد الرافدين من آثار اليورانيوم المستنفد الذى استخدموه بغزارة اكثر من عقد من الزمان ، وعليه وعلى المتحاربين في الحرب العالمية الثانية أن يحملوا رفات موتاهم الى بلدانهم الاصلية ، فالمقابر العربية اصبحت كاملة العدد ولا تسمح باستضافة من قدموا اصلا لسرقة الثروات العربية وسفك الدماء العربية وطمس الهوية العربية !.

شوقي حافظ



أعلى




التغني بالحضارات البائدة لن يعيد إلى أمة ما نهضتها وحضارتها

(1)
إن الآثار العمرانية القديمة التي وضع تصميمها وشيدها فنانون معماريون منذ آلاف السنين والتي مازالت ماثلة حية بين أبصارنا بروعة تصميمها وفن ديكوراتها وجلال نقوشها وعظمة بنائها وقوة ومتانة قواعدها وسموّ شموخها ، لدرجة أن الفرد منا يقف مشدوها أمامها يفكر في عظمة وقدرة وعزائم وذكاء أولئك الرجال الذين أعملوا الفكر فصمموا وشيدّوا حتى تم لهم ما أرادوا ، إن تلك الآثار العظيمة ترمز لحضارات وتدلل على أمم نشأت ورسخت أقدامها وتوسعت وأنتجت فبادت ، وتؤكد على مكانة تلك الحضارات وقيمتها وقوتها ونمط الحياة وأسلوب الحكم فيها ونوع التعامل والامتداد الجغرافي الذي ميز حضارة عن أخرى ، وحجم ارتباطاتها وصلاتها بالحضارات والأمم الأخرى وقوة تأثرها وتأثيرها ، وتكشف عن درجة الإبداع والازدهار العلمي الذي وصل إليه إنسان تلك الحضارة التي خلفت لنا هذه الكنوز الثمينة من الآثار والإبداعات الراقية التي ما زالت قائمة تشمخ بمقومات وأسس بنائها وقواعدها الراسخة امتدادا وقوة وجلالا والتي حرص القائمون عليها تصميما وتشييدا وعطاء على أن تتواصل في البقاء مع الحضارات والأجيال والشعوب الأخرى القادمة ، ولولا ذلك ما بقيت واستمرت هذه الآثار حتى يومنا هذا على رغم ما مرت به من أحداث جسام ومن كوارث طبيعية وإنسانية .
ولا يمكن لتلك الإنجازات الحضارية والآثار القائمة ولا لذلك الإرث التاريخي الثقيل ولا للسجل الحضاري الذي عبرت عنه كتب التاريخ من أن يعيد لأي أمة قوتها وعظمتها ومجدها ولا يمكن له بأن يضعها في مصاف الأمم البارزة ، إذ لا تعني تلك الصروح شيئا في حاضر أي أمة غير العلم بأمجاد مضت وحضارات قوية بادت ، ولا يفيدنا نحن العرب من ذلك التاريخ المجيد والإرث الحضاري المشرق والتراث العظيم الذي يحكي عن حضارات عديدة نشأت في بلادنا العربية وتبخرت مع الحضارات الأخرى ، سوى أخذ العبر واستلهام الدروس والاستفادة من عزائم وجهود الأوائل ومضاعفة العمل وإعمال الفكر من أجل إعادة الحياة إلى الأمة والنهوض بها وصياغة مشروعها الحضاري التقدمي لتصبح في مصاف الأمم والحضارات ولنعيد لها وجهها المشرق وإلى عقيدتها الإسلامية الصافية روحها الأصيلة وألقها المشرق ومكانتها الحقيقية. وإلا فماذا سنخلف للأجيال القادمة من إرث وتراث وحضارة وأين هي القاعدة العلمية والثقافية والمشاريع المستقبلية الرائدة التي أسسناها لتكون مسارا سهلا للانطلاقة بالأمة للأمام في حاضرها ومستقبلها والقادرة على التواصل مع روح وثقافة وأصالة الماضي؟.
(2)
كلما كان البناء راسخا وقويا وكلما استند على قواعد صلبة فإننا نمنحه مشروعية البقاء والاستمرار والتواصل، وكذلك هي الحضارات والدول والأمم كلما كانت هياكلها ومقوماتها وقواعدها وأسسها سليمة متجددة متطورة فإن عطاءها سيستمر وستتواصل مكانتها وألقها ، وهي بذلك سوف تصمد أمام التيارات والمخاطر والقوى التي ستواجهها ، والحضارات والدول ليست منشآت ومبان خرسانية ، ولا يمكن للأمم والشعوب أن تحيا حرة كريمة وأن تنهض من كبواتها إذا استمرت دائما وأبدا تتغنى وتتفاخر بحضارات بائدة ، ولا تقاس درجة التنمية في أي قطر بمجموعة من المباني الإسمنتية الشاهقة الخالية من اللمسات الفنية والهندسية التي تفتقر إلى المضمون وتخلو من الهدف والرمز ، ولكنها تصلح كدلالات فقط ومؤشرات لجوانب محددة وجزئية ، أما حقيقة الحضارات ومقياس عظمتها ودرجة التطور والتنمية في أي بلد يكمن في بناء الإنسان وتحرير آلة العقل من براثن الجهل والأوهام والخرافات والتعصب ، أما التغني بالماضي والزهو بالتاريخ والافتخار بالتراث وترديد العبارات الرنانة والمصطلحات الفضفاضة الخالية من المضمون والتي عجز مرددوها عن إلحاقها بالعمل ، فلن يضيف إلى رصيد الأمة جديدا ولن يحقق لها إنجازا ولن يلحقها بمصاف الأمم الناهضة ، إن ما تحتاج له الأمة مجموعة من الإجراءات والخطوات التي يجب اتخاذها والعمل بها لتتمكن من الخروج من أوضاعها الحالية منها على سبيل المثال: ـ
* إشاعة أجواء الحرية الفكرية والسياسية لدى أبناء وأطياف المجتمع ، وتربية الأجيال على حب الحوار والتعود على أدوات وطرق النقد المختلفة وتحويل ثقافة الحوار من لغة تسجلها الأقلام وتتشدق بها الألسن إلى واقع ملموس تستشعره القلوب وتطمئن إليه الأنفس ليصبح جزءا من السلوك.
* بناء دولة المؤسسات المبنية على تحقيق العدل بين جميع أبناء المجتمع والعمل على إرساء حكم القانون وتحقيق الوسائل والضمانات التي تكفل الحريات وتقضي على الفساد الإداري والسياسي الذي استشرى في كثير من اجزاء وطننا العربي وتحقيق التنمية الشاملة على أساس المشاركة الكاملة لأفراد المجتمع في العملية التنموية .
* تطوير مناهج التعليم بصفة مستمرة ، وتوفير فرص التعليم لجميع أبناء المجتمع باعتباره هدفا في ذاته ، دون أن يربط التعليم بنسب أو وظيفة أو مرحلة من مراحله المختلفة ، والحرص على العمل من منطلق أن تنمية الموارد البشرية هي أساس النهوض والتطور وأن الاستثمار الحقيقي لأي مجتمع يجب أن يوجه في البدء إلى هذا القطاع الهام الذي تعتمد عليه القطاعات الأخرى اعتمادا كليا في نجاحها وتقدمها.
* تطوير مناهج البحث العلمي والتشجيع عليه والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال وإنشاء المراكز البحثية والمؤسسات العلمية المختلفة التي تراعي التطور والارتقاء و الاكتشاف وتساعد على الابتكار في مجال البحث العلمي.
* إعادة الاعتبار إلى شخصية المعلم والارتقاء بهذه المهنة الهامة في بناء المجتمعات على جميع المستويات الاجتماعية والعلمية والمادية والعمل على تقريب درجة المعلم من درجة القاضي معنويا وماديا.
* إنشاء المجالس والأندية الثقافية و المكتبات العامة في جميع الأرجاء والمناطق وتشجيع أبناء المجتمع على التعلم و التثقف من خلال إقامة الفعاليات الثقافية المختلفة و التشجيع على الابتكار والعطاء بمختلف الطرق و الوسائل.
* وضع الآليات وصياغة الاتفاقيات بين الدول العربية ووضعها موضع التنفيذ فورا من أجل إنشاء قاعدة قوية تكفل التعاون وتحقق الوحدة في جميع المجالات العلمية والاقتصادية والسياسية............ التي تخدم الأمة وتساعد على تنميتها وتطورها.
(3)
تمتلك الأمة مقومات عديدة وثروات لا حصر لها تتمثل في إرثها الحضاري الطويل ودينها العظيم الصالح لكل زمان ومكان وموقعها وطبيعتها الجغرافية المميزة وثرواتها البشرية والطبيعية التي تتميز بالتنوع والثراء ومساحتها الشاسعة......... وهي مقومات تكفل لها النهوض والحركة وإعادة الحياة إلى جسمها المنهك وهي عوامل قادرة على إخراجها من أزماتها وإخفاقاتها العديدة ، إن ما تحتاج إليه الأمة هو تحرير الإنسان من الخوف ومن الفهم الخاطئ للعديد من القضايا الجوهرية والمسائل المحيطة بحياته وانتشاله من الرواسب والتراكمات والأجواء الفاسدة ، الذي لن يتحقق كما قلنا سابقا إلا من خلال أجواء الحرية وفتح مجالات وأبواب العلم والثقافة والقضاء على الفساد والمفسدين.

سعود بن علي الحارثي
كاتب عماني



أعلى




الحياة في فنجان شاي

تكفيك جولة في الإعلانات التي تحاصرك لترى وجها آخر للحياة ... وجها بلا ألم ولا هموم.
هناك حليب للحظات السعيدة ... وحليب آخر نكبر معه
هناك شاي لا تحلو الجلسات الا به ... وشاي آخر يجلب المتعة للقاء
هناك قهوة للشباب العصري
لا توجد اعلانات كثيرة للقهوة ربما لأن القهوة لا تحتاج للإعلان عنها فالكل يشربها ليعدل مزاجه دون أن نتساءل ما الذي أطاح بأمزجتنا وأدمغتنا.
هناك سيارة تدلل أحاسيسك ... وأخرى لا يمكن الحياة إلا معها ... وهناك سيارة ثالثة صنعت لك ولعائلتك... ورابعة تقودك إلى القمة
هناك آيس كريم يمنح الحياة متعة ... وآخر يجذب الجنس الآخر لك (كما تقول الصورة)
هناك الكثير من الأشياء التي تمنحك المتعة كما تصر الإعلانات الزاحفة لتسد علينا كل بقعة ضوء في حياتنا
هناك اعلانات لنماذج مصورة موسيقية
فمطربة تغني لنا هو ده الكلام وآخر يغني حياتي أنا وثالث يتساءل ليه ورابع يتغنى بفرصة عمر ... ولا ندري لمن الفرصة هل هي لنا لأنا سمعنا صوته أم له ... ورابع يبحث عن الطمأنينة لدى شخص لا نعرفه.
هناك بنوك تعدك بقروض ميسرة تعيش بعدها مدينا أسيرا تكدح كي يستفيد أصحاب البنوك وأصدقاؤهم من أصحاب الشركات ... وأخرى تدعوك لإيداع أموالك فيها
هناك اختزال مرعب للحياة وهمومها
هناك مشاريع إسكان بعضها يعدك بالجنة على الأرض وأخرى خصصت لأنصاف الفقراء تعدهم بمصادرة حاضرهم على أمل الحصول على مأوى في مستقبلهم.
هناك عطر لا يمكن مقاومته (حسبما يقول الإعلان) ... وعطر للمرأة الرقيقة ... وثالث للرجل القوي ورابع للذين يبحثون عن التميز
هناك بؤس وفقر وشقاء تحت الأعمدة التي تحمل تلك الإعلانات
ونعود للجولة
هناك هواتف نقالة ... بعضها يدور معك اينما درت ... وأخرى تستطيع اخفاءها حتى لو لم ترتد سوى لباس بحر يبدي ولا يخفي (في إشارة لدقة حجمها وعظيم فعلها) ... هناك هواتف مزودة بكاميرات وشركة اتصالات تقول لك ان عمرنا يمضي بدون أن نشعر به لكن مع الخدمات الجديدة سيغدو بمقدورنا أن نصور لحظات السعادة في اعمارنا لنرسلها لأصدقائنا أو نحتفظ بها لنجترها مع الأيام.
لكن تلك الشركة لا تقول لمن لا يملكون لحظات سعيدة ما حاجتهم لخدماتها الجليلة
هناك اسواق كبيرة تجعل من التسوق متعة ... وأخرى باتت ملتقى الأصدقاء ... وثالثة تعدك بالحصول على كل احتياجاتك تحت سقف واحد
هناك حقائب مدرسية تحمل صورة آخر أبطال الرسوم المتحركة
وهناك مكتبات ... لا لا تبيع كتبا ... مكتبات تبيع قرطاسية ... هناك مكتبة باسم المتنبي لكنها لا تبيع كتبا ... هل رايتم اعلانا مدفوع الاجر في الشارع لكتاب جديد باستثناء كتب الطبخ
القرطاسية للجميع رغم أن الجهل يستشري ويتفشى فينا يوما بعد يوم
هناك اعلانات للسجائر تقول لنا ان نشتريها وللمفارقة عبارة في أسفل اللوحة تقول لنا بصوت هامس ان التدخين يضر بصحتنا ... لم تبيعونه علينا اذن ما دمتم تعلمون انه مضر بنا.
يجادلون بان استثمارات ضخمة وضعت في هذا المجال من التصنيع ... فكأنهم يقولون إن أموالهم أهم من صحتنا ماداموا قد حذرونا بعد أن خدرونا.
هناك سجائر تحملك إلى أرضها وأخرى يقول صانعوها إنها غدت أقل قطرانا وسما وباتت أكثر قدرة على امتاعنا.
هناك مستشفيات تقول إنا حين نلجها نغدو بأيد أمينة
ومدارس تعدنا بأن تهتم بأبنائنا ... وأخرى تؤكد لنا أنها للصفوة أما دون ذلك فلهم الرصيف والتعليم الحكومي البائس.
هناك الكثير مما يعرض علينا في كل ساعة ...
ثم يتساءلون لماذا يتطرف من لا يجد قوت عياله؟

محمد داود
مدير تحرير (الجزيرة نت)


 

أعلى




مأزقان : أميركي وإسرائيلي


أحداث متلاحقة وساخنة في اسبوع : عملية حيفا، غارة اسرائيلية على منطقة قريبة من دمشق، تشكيل حكومة طوارئ فلسطينية، تصريح الرئيس بوش : بأن اسرائيل تمتلك حق الدفاع عن نفسها دون قيود، ليبرمان وزير البنى التحتية الاسرائيلية يصرح: على اسرائيل ان تحرق بيروت ودمشق، شارون يقول: سنضرب اعداءنا في كل مكان وبجميع الوسائل، لجنة الشئون الخارجية في الكونغرس الاميركي تتخذ قرارا بمعاقبة سوريا على طريق تشريعه في مجلس الشيوخ والنواب الاسبوع القادم بالتصويت عليه.
المراقب للاحداث السابقة المذكورة، يلاحظ تناغما واضحا بين التصريحات والنهج الممارس لكل من الولايات المتحدة واسرائيل، ولو اخضعنا هذه التصريحات والسياسات لقواعد المنطق.. لكانت النتيجة انها تتنافى معه! فالولايات المتحدة التي تخوض حربا في العراق، وفي افغانستان في نفس الفترة، وتتكبد من جرائها خسائر بشرية كبيرة وكذلك المليارات من الدولارات شهريا وفي الوقت الذي فشلت فيه الخطة الاقتصادية الداخلية للرئيس بوش كما وعد بها ناخبيه الاميركيين، بحيث اصبح عنوانا للكذب، بدلالة الكتب الحديثة الصادرة في واشنطن والتي تسم الرئيس بهذه التهمة.
الشيء الطبيعي وعلى ضوء ما سبق، ان تلجأ الادارة الاميركية الى سياسة التهدئة، غير ان المنطق شيء، والسياسات شيء آخر، فبدلا من التهدئة يلجأ صقور هذه الادارة الى التصعيد على ثلاث جبهات: ايران سوريا وكوريا الشمالية، وعند التساؤل عن سبب ذلك: هل هو الذكاء السياسي المنعكس عن قراءة موضوعية للواقع ؟ ام ان ذلك هو خطوات سياسية خارجية تعبر عن مأزق داخلي يراد له التصدير ؟
أقرب الظن ان مخططي الاستراتيجية السياسية الاميركية يحسنون تماما قراءة الواقع، لكنهم لا يدركون ما سيترتب على سياستهم من نتائج، والدليل ما يجري في العراق، فقد تصور استراتيجيو السياسية الاميركية ان العراقيين سيستقبلون القوات الاميركية (المحررة) بالورود لكن نتائج ما بعد الشهر الاول للحرب فاجأتهم، وهذا ما سينطبق على الدول المذكورة فيما لو قررت الادارة الاميركية المضي قدما في تصعيدها للتوتر والقيام بخطوات عسكرية على شاكلة ما جرى في العراق، ولأنه وحتى اللحظة لايبدو في الأفق ما يشير الى ذلك، يبقى ان السبب الرئيسي لسياسة التصعيد الاميركية، هو تصدير المأزق الداخلي من اجل ممارسة الابتزاز السياسي لهذه الدول (التي تضع في آفاقها الحالة العراقية) على طريق مراكمة انجازات اميركية تكون بمثابة الكتاب الذي تضعه الادارة الاميركية في يمينها حين الدخول الى الانتخابات الرئاسية القادمة التي بات يفصلنا عنها قرابة عام، للتغطية على الفشلين الداخلي والخارجي.. لكن ذلك كله، لا ينفي حقيقة المأزق السياسي والاقتصادي الذي تمر به الادارة الاميركية في هذه المرحلة.
أما بالنسبة لاسرائيل، فمن الواضح ان شارون ورغم بطشه، لم يجلب الأمن للاسرائيليين، الذي وعدهم به في بداية تسلمه لرئاسة الحكومة، لا سوره العازل ولا كل اجراءات الامن التي يتخذها كل من وزير دفاعه ورئيس اركانه كافية لمنع شاب او فتاة تريد الاستشهاد دفاعا عن قضيتها وشعبها، وهذا ما سبق وان ادركه اسحق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق الذي صرح بالفم الملآن: (ان اسرائيل لا تستطيع منع انسان يريد الموت) ولهذا اتجه للتسوية. ومن اجل ذلك تم اغتياله.
من جانب آخر، فان الوضع الاقتصادي الاسرائيلي يعيش مأزقا صعبا، فالمتطلبات المالية لاحتلال المناطق الفلسطينية من جهة وتداعيات الانتفاضة على الداخل الاسرائيلي من جهة ثانية، ان بارتفاع حدة التضخم وزيادة البطالة مرورا بانخفاض حجم الاستثمارات الخارجية في اسرائيل، وانخفاض نسبة السياح الى النصف وازدياد وتائر الهجرة المعاكسة مع نقص في الهجرة الى اسرائيل، وصولا الى الخسائر البشرية الاسرائيلية.. كل ذلك ساهم في تعقيد الاوضاع في اسرائيل، وحتى اللحظة فان الـ(14) مليار دولار التي طلبتها اسرائيل من الولايات المتحدة (4 مليارات منحة، 10 مليارات قروض) لم يجر البت فيها، بفعل العجز الاميركي في الموازنة، وهو السبب الاكثر موضوعية من كل الاسباب والخطوات السياسية، التي قد يبدو ان الطرفين يختلفان عليها (السور العازل، والاستيطان).. ذلك ان اسرائيل ماضية فيهما على مسمع ومرأى من الادارة الاميركية.
اسرائيل وتحت ضغوطات المأزق الداخلي والوان طيفه المتعددة، ارادت هي الاخرى تصدير ازمتها للخارج من خلال العدوان على سوريا فالغارة الاسرائيلية هي رسالة لكل من سوريا وايران ايضا (باعتبار البلدين يمتلكان اسلحة دمار شامل تهدد اسرائيل، وفقا لما تقوله واشنطن وتل ابيب) ! الغارة ايضا رسالة الى كافة الدول العربية، فحواها ان اليد الطولى لاسرائيل قادرة على الوصول الى اي بلد عربي وان اسرائيل تكتفي بتأييد الولايات المتحدة لها، بمعزل عن آراء وتوجهات المجتمع الدولي، والغارة هي رسالة ايضا الى المجتمع الدولي وهيئات الشرعية الدولية، الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي، الذي تحتل سوريا مقعدا فيه هذا العام.
المأزق الاسرائيلي ويبدو حادا، لذلك لا يبدو مستغربا استمرار التهديدات الاسرائيلية لسوريا، وامكانية تكرارها من خلال غارات وضربات محدودة، سياسية الهدف اكثر منها ضربات عسكرية.
الصقور في الجانبين الادارة الاميركية، والحكومة الاسرائيلية بائتلافها اليميني يعملان على توتير الاوضاع في المنطقة، مما يستدعي من الدول العربية تنسيق المواقف باتجاه خطوات سياسية ملموسة تتخذها من اجل كبح جماح الصقور في كل من الولايات المتحدة واسرائيل وذلك اضعف الايمان.
اما على الصعيد الفلسطيني، فأمام حكومة الطوارئ المشكلة مهمة كبيرة، وهي ترتيب اوضاع الساحة الفلسطينية بما يعمق الوحدة الوطنية الفلسطينية ويزيد من تلاحمها، والرفض المطلق للدعوات الاميركية والاسرائيلية المنادية بالاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني تحت شعار تدمير البنية التحتية لما يسمونه (ارهابا)! الولايات المتحدة واسرائيل تعيشان مأزقين حقيقيين.

د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني


أعلى



رسالة أميركية برطانة عبرية!

قبل يومين من حدوث الغارة الجوية الإسرائيلية على قرية عين الصاحب السورية أوحت الإدارة الاميركية إلى لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الاميركي بأنها لم تعد تعترض على تمرير مشروع القرار الشهير المعروف بقانون محاسبة سوريا... وإثر الغارة سمع العرب ومن يهمه الأمر في العالم ما يلي:
قلت بوضوح بالغ لرئيس الوزراء (شارون)، كما فعلت باستمرار سابقاً، أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها بشتى السبل، وأن على إسرائيل ألا تشعر بأنها مقيدة وهي تفعل ذلك... هذا الكلام للرئيس الاميركي جورج بوش، صدر عنه معقباً على تداعيات تلك الغارة. أما متى أوضح لشارون هذا الذي قال أنه فعله باستمرار سابقاً، فكان في مهاتفة أجراها مع تل أبيب معزياً ومتضامناً إثر عملية حيفا الفدائية الأخيرة.
مالذي يعنيه ذلك؟
أنه مبدئياً يعني حصول إسرائيل، كالعادة، على غطاء سياسي اميركي كامل لعدوانها المشار إليه... الإسرائيليون بدورهم سارعوا فردوا التحية بأحسن منها، رحبوا بالموقف الاميركي، وأشادوا بما وصفوه بإعلان بوش، وكذا ثمّنوا مواقف إدارته في مجلس الأمن المعرقلة لمشروع القرار المقدم من سوريا لإدانة العدوان. وأكدوا وهم يرحبون، على توافق الطرفين حول الأمر الذي بدا في جوهره أكثر من التوافق، بل الأقرب إلى التماهي، وهذا ما عكسته في حينه تصريحات الناطقين باسم البيت الأبيض ووزارة الخارجية الاميركية، ومعهما مندوب الولايات المتحدة الدائم في مجلس الأمن لاحقاً... فمما قاله الأول: قلنا لسوريا مراراً أن عليها أن تتوقف عن دعم الإرهابيين. وجاء على لسان الثاني: إن واشنطن تعتبر سوريا دولة راعية للإرهاب منذ زمن طويل. أما الثالث فأكد أن الولايات المتحدة تعتقد أن سوريا تقف مع الجانب الخاطئ في الحرب ضد الإرهاب.
... بعد أيام قليلة من الغارة صوتت لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الاميركي لصالح تمرير القانون الذي غدا يطلق عليه قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان... أيد المشروع 33 عضوا ولم يعارضه فيها سوى اثنين، والطريف أنهما جمهوريان، وبذا حصل النائب المتصهين إيلوت أنغل، داعية القانون، على مبتغاه، وقريباً سيعرض قانونه على مجلس النواب، ومن ثم الشيوخ، ليكون بعدها رهن توقيع الرئيس بوش... قد لا يكون في كل ما تقدم جديداً، فالإدارة الاميركية لم تبخل يوماً بنشر مظلتها الدائمة والجاهزة لحماية إسرائيل وتغطيتها سياسياً ومعنوياً ومادياً، فرعايتها ودعمها المتعدد الوجوه والأشكال للعدوانية الإسرائيلية معروف، ومن هذا ما تفعله راهناً في أروقة مجلس الأمن لتعطيل مشروع القرار الذي يسعى أغلب الأعضاء لأن يدين إن صدر عدواناً استنكرته وانتقدته حتى الآن ثلاثون دولة من الأعضاء في الهيئة الدولية باستثناء مندوب واحد بالطبع هو الاميركي نيغروبونتي، الشاهر الفيتو في خدمة نظريته التي تقول: أن أي قرار يتعلق بالشرق الأوسط لا يدين (الإرهاب) الفلسطيني لن يمر! لا سيما وإن الولايات المتحدة تعتبر هذا العدوان على عين الصاحب رغم مخالفته لكل الأعراف والقوانين الدولية، جزءاً لا يتجزأ من حربها هي على الإرهاب. وهذا تجلى في تعقيب لاحق للرئيس بوش على الغارة قال فيه أن القرارات التي يتخذها (شارون) للدفاع عن شعبه قرارات مشروعة تماماً، كنا سنفعل الأمر ذاته! كما لا تنفك واشنطن تعلن أن سوريا توفر (ملجأً للإرهابيين) الفلسطينيين، في إشارة إلى تواجد إعلامي، لم يعد قائماً، لحركات المقاومة الفلسطينية التي تصنفها الإدارة الاميركية بالإرهابية في دمشق. لكن الأخطر، أو المستجد في الأمر، هو ما قد لا يختلف عليه اثنان إقليمياً ودولياً، وهو كون الغارة الإسرائيلية على عين الصاحب،الخالية من وجود فلسطيني فعلي أو أي هدف عسكري حقيقي، أو المكان الذي (كان شاغراً) وفق اعتراف الإسرائيليين أنفسهم، تحمل إلى جانب إبعادها الإسرائيلية التي سوف نأتي على ذكرها، رسالة اميركية لسوريا كتبت بالعبرية، وهناك شبه إجماع دولي بأنها ما كانت لتتم أصلاً دونما موافقة اميركية، وإن نفي الاميركان علمهم المسبق بها، الأمر الذي شككت فيه حتى بعض التسريبات الإسرائيلية التي تقول أن مدير مكتب شارون أبلغ كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الاميركي بالغارة سلفاً، بل تذهب بعض المصادر إلى حد القول أنه كان قد تشاور معها قبل تنفيذها، وكذلك الأنباء، أو بالأحرى التسريبات، التي تؤكد أن تلك الغارة ليست إلا واحدة من جملة ما يدعى بـ(بنك أهداف) مقترحة من قبل (الهيئة الأمنية) المكونة من قادة الأجهزة الأمنية ورئيس الأركان الإسرائيليين، وكان مخططاً لها قبل عملية حيفا، بل تمضي هذه التسريبات إلى القول انها جاءت كحل وسط لخلافات بين اتجاهات في داخل رئاسة الأركان الإسرائيلية، بعضها يريد الإغارة على أهداف داخل العاصمة السورية نفسها وبعض الآخر يحذر من عواقب ذلك!
وحيث أن هذه الغارة رسالة اميركية بلغة عبرية فإن تمرير مشروع محاسبة سوريا بدورة كان ترجمة سياسية اميركية لتلك الغارة واستكمالاً لاستهدافاتها.
ما هو فحوى هذه الرسالة؟
انها وبالنظر لاستتباعها بالقانون المشار إليه، وما عكسته تصريحات أعلى هرم المسؤولية في الولايات المتحدة، لا تدل على التنسيق المسبق بين واشنطن وتل أبيب فحسب، وإنما على نوع من التماهي الكامل في المواقف، الذي تجاوزت حدوده مسألة ما يعرف عادة بإعطاء الضوء الأخضر إلى مرحلة هي عملياً نوع خاص من القتال معاً وفق أجندة مشتركة وفي جبهة عربية واسعة مفتوحة ومتعددة الخنادق. وهي تأتي اليوم في سياق الضغط على سوريا لمواقفها، أو ما يعرف بثوابتها السياسية المعروفة حيال مسألة احتلال العراق، أو ما يجري في فلسطين، والموقف من حزب الله اللبناني، وإجمالاً في سياق محاولة ترويض ما تبقى من الأطراف الممانعة في النظام العربي... وأخيراً تكشف فيما تكشف عن مأزق اميركي يتفاقم في العراق مع تعاظم المقاومة العراقية للاحتلال، التي غدت في تصاعد واضح، وصل حد أن تعيد الإدارة الاميركية ترتيباتها لإدارة هذا الاحتلال، وذلك عبر تشكيل هيئة جديدة للإشراف على إدارة بريمر الحاكم المدني وجنرالات الاحتلال هناك ترأسها مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس، أي بلغة أخرى إشراف الإدارة المباشر على ما تقوم به وزارة الدفاع هناك!
هذا في الجانب الاميركي، فماذا عن الإسرائيلي؟
ما من شك أن إسرائيل الشارونية قد أفادت إلى أبعد حد من اللحاق بركب حرب بوش الكونية على ما يسمى بالإرهاب، وحاولت ما استطاعت أيضاً الإفادة من التحول الإستراتيجي القائم في المنطقة بعيد احتلال العراق، واستغلت إلى أبعد حدود حالة الوهن والضعف بل التشرذم العربي، وغياب حتى الحد الأدنى من التضامن المفترض بين أطراف النظام العربي، والذي غدا في حالة يرثى لها جراء المتغيرات وواقعة الراهن الغني عن الوصف، وهي إذ نفذت مهمة إيصال الرسالة الاميركية كما أسلفنا، قامت في نفس الوقت بما تدعوه المصادر الإسرائيلية نفسها بنوع من (الهجوم الإعلاني)، أو بعملية استعراضية مثيرة تخاطب المزاج الإسرائيلي الناقم بعيد عملية حيفا، بحيث يمكن القول أن (عين الصاحب) في أحد جوانبها الإسرائيلية كانت هدفاً نفسياً وإعلامياً، لكنها أيضاً طرحت فور وقوعها، الذي جاء خرقاً للأجواء اللبنانية السورية، واستطراداً انتهاكاً لاتفاقية هدنة، وإخلالاً بحالة توازن قائمة في المنطقة، بل والأمن العربي برمته، تساؤلاً ملحاً يقول:
هل هو بداية باتجاه ما وصفه البروفيسور ايتمار رابينوفيتش رئيس جامعة تل أبيب، ورئيس طاقم المفاوضات السياسية مع سوريا، وسفير إسرائيل السابق في واشنطن، بأنه قرار بتغيير قواعد اللعبة؟ أو أن إسرائيل، كما يقول المحلل العسكري المعروف زئيف شيف، قد (قررت توسيع الحرب ضد الإرهاب)، أي أنه مسعى لتوسيع جبهة الصراع القائمة في فلسطين ونقلها إلى الجوار العربي؟ وما علاقة ذلك بالمشروع الاميركي المعلن القاضي بإعادة ترتيب الخرائط وحتى العقائد والثوابت المحلية الموروثة في المنطقة؟
أم أنه مجرد تنفيس لحالة احتقان داخلي، وفي كلا الحالتين تعبير حاد عن أزمة جراء وصول قدرة القمع الإسرائيلي مداها وحدودها القصوى ضد الفلسطينيين الذين لم تفلح عقود من القمع والإبادة المبرمجة في إخضاعهم، ومن ثم تعبير عن انعدام الخيارات أمام الإسرائيليين في سياق محاولاتهم إخراج هذه القدرة من مأزق انسداد آفاقها القمعية وارتداد استهدافاتها المتعثرة؟!
ثم أوليست الغارة، وفق ما تقوله صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، تفسر عدم إدراج ياسر عرفات والمقاطعة في رام الله هذه المرة ضمن عملية الرد على عملية حيفا الفدائية؟ وهذا لا لشيء إلا لأن إسرائيل، كما تقول الصحيفة، قد امتنعت عن خطوتين تعتبر أن لهما ثمناً باهظاً في حياة البشر والذخر السياسي: طرد عرفات أو حملة برية كبرى في غزة!
أن ما يجعل مثل هذه التساؤلات أعلاه أكثر إلحاحاً هو التصعيد الذي اتبع على الحدود الجنوبية اللبنانية، التي شهدت تحركات عسكرية إسرائيلية نشطة، توجت باشتباك أدّى إلى مصرع جندي إسرائيلي وجرح آخرين، وتوالى صيحات التهديد الإسرائيلية، بـ(حريق ضخم) على تلك الحدود، قمتها تحذير الجنرال بنيامين غانز قائد ما يسمى بالمنطقة الشمالية لسوريا ولبنان مما دعاه (المخاطر الجسيمة التي يواجهانها)، في حال تركهما (الإرهابيون ينشطون على أراضيهما). واستطراداً وحيث أكد شارون في أول تصريح له بعد العدوان أن (المعركة مستمرة)! وأن إسرائيل ستضرب أعدائها في كل مكان، وبكل السبل التي تراها ضرورية، فقد رأت الـ(واشنطن بوست) الاميركية بأن في هذا الكلام ما يحمل أيضاً تهديداً موجهاً لإيران وليس لدول الجوار العربي فحسب... لكن الأمر أصبح أكثر جلاءً على لسان جون بولتون مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون نزع التسلح الذي واصل الحملة على إيران ودول (محور الشر) المعروفة مطالباً ضم المزيد من ما دعاه (الدول المارقة الخاسرة) إليها، ذاكراً ليبيا وسوريا وكوبا...!
...والآن وقد حدثت الغارة، وكانت استهتاراً واضحاً برأي عام دولي أجمع على إدانة العدوان، إدانة تحمل في طياتها ما مفاده أن أغلب العالم لم يعد يرى في بوش وشارون إلا وجهان لعملة واحدة... كيف قابلت دمشق العدوان؟!
فهمت الرسالة وأدركت المرامي... ضبطت النفس، وتحركت هي ولبنان باتجاه مجلس الأمن محاولةً الإفادة من استنكار دولي شامل وصل حد أن يعبّر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان عن (أسفه الشديد)... وفي إشارة ذات معنى، لوّحت بالقدرة على ردٍ غير تقليدي، يأتي في المكان والزمان الذي تختاره هي لا شارون، وكان هذا واضحاً عبر تأكيد وزير الخارجية فاروق الشرع بأن:
سوريا ليست عاجزة عن ايجاد توازن مقاوم ورادع يلزم إسرائيل بإعادة حساباتها. بيد أن اللافت في هذا السياق هو إعلان كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس بالتهديد بالرد على العدوان على سوريا، وفي عمق فلسطين المحتلة، يليه إعلان لحزب الله يؤكد أن معارك أطراف الأمة مع إسرائيل لا تتجزأ.
إذن... حملت الغارة في طياتها من حيث لا يريد مرتكبوها اعترافين ضمنيين: ترابط كل قضايا الأمة العربية في فلسطين والعراق ولبنان وسواها مهما حاولوا فصلها، وبالدور السوري الطبيعي، لكن غير المرغوب اميركياً وإسرائيلياً، في فلسطين ولبنان، والذي لا يمكن استمرار إنكاره أو تجاهله، لا سيما وقد أعاد موقف كتائب القسام وحزب الله هذا غير الرغوب فيه بقوة للإذهان... وبقي أن نقول: أن الغارة على عين الصاحب وترجمتها السياسية عبر قانون محاسبة سوريا كانت غارة على أوهام السلام الشاحبة في المنطقة... كانت فعلا استباقيا اميركيا استخدم الهراوة الإسرائيلية،وهو فعل وأداة لا يخفيان مأزقاً اميركياً إسرائيلياً ومن ثم هروباً مزدوجاً منه... حيث يقاوم العراقيون ولا يستسلم الفلسطينيون ولن يحيّد العرب أو يخرجوا من جلودهم... غارة تأتي في سياق محاولات تغيير قواعد اللعبة، بعد تغيير قواعد القانون الدولي، في مرحلة أصبح فيها المعتدي المحتل مدافعاً عن النفس، والمعتدى عليه والمحتلة أرضه إرهابياً..!


عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | الشورى | كاريكاتير



شاب عماني يبتكر آلة لتعميق الآبار

تقاطعات الشوارع الرئيسية .. مصدر خطر يؤرق الجميع

الوضع العربي والدولي مابعد احتلال العراق

إيران :ارتياح شعبي وتحفظ رسمي على منح شيرين عبادي نوبل للسلام


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept