باختصار
إسرائيل من الداخل والخارج
كان احد المنظرين يردد على مسامع مستمعيه ان
القضية الفلسطينية باتت قضية كونية وان العالم او معظمه سيقف ذات
يوم ليقاضي تلك اسرائيل على افعالها ضد الشعب الفلسطيني وعلى استعمارها
التاريخي لارضه . ولم يكن ليسكت ذلك المنظّر الاردني الا اذا وضع
التفاصيل التي ستصل اليها اسرائيل التي تخسر كل يوم بحكم ارتكاباتها
الهمجية لابشع المجازر ضد الفلسطينيين .
وسواء ايدنا ام لم نؤيد ماجرى للكنيسين اليهوديين في تركيا فان الافق
العدائي البشري لدولة اسرائيل آخذ في النمو . انه مثل بقعة الزيت
، وهو في الخارج كذلك لكنه في الداخل ايضا يصل الى حد ملحوظ سوف
يزداد ايضا مع الوقت . ان امتناع بعض الطيارين الاسرائيليين عن ضرب
اهداف مدنية فلسطينية يصبح مؤشرا لما هو اكثر اتساعا وشمولية في
دولة ستضطر مستقبلا للنزول عند رغبة ابنائها اذا ما اصبحت المواقف
الرافضة للسياسة المعلنة في اسرائيل اكثر احتداما .
نقول عن الطيارين على اعتبارهم النموذج الذي يصح التدليل عليه في
وقت تتحرك فيه قضية جديدة ابطالها اربعة سابقين من جهاز الامن الداخلي
الاسرائيلي (الشين بيت) وقد شنوا هجوما على السياسة الحالية للحكومة
الاسرائيلية ، بمعنى انها تطول ارييل شارون وكل تلك الوجوه التي
فقدت الاحساس بما يدور حولها وبما تفعله بالفلسطينيين .
الاصوات التي ترتفع في اسرائيل تحدد اهدافها : سياسات كل الحكومات
الاسرائيلية اوصلت الواضع القائم بين الفلسطينيين والاسرائيليين
الى ماهي عليه اليوم . بمعنى ان محاولة التفلت من تقديم الحقوق للفلسطينيين
بالمزيد من الاعتداء عليهم لم ولن يحل القضية ، كما ان التحكم بميزان
القوة من جانب اسرائيل لن يسهل الطريق امام المعالجة الاسرائيلية
. ولقد ثبت برأي هؤلاء ان حكوماتهم وقياداتهم ستحمل الكارثة لاسرائيل
وان المستقبل المظلم هو بانتظارها ، وربما فات هؤلاء القول ان الشعب
الاسرائيلي سوف يثأر مستقبلا من قياداته اكثر بكثير من اعادة ممارسة
القوة ضد الفلسطينيين .
لعل الاصوات الكثيرة داخل وخارج اسرائيل ترتفع اليوم مجسدة حقيقة
التحولات التي تطرأ على الذهنية العالمية حيث بات مفهوما ماهية طبيعة
الصراع القائم في الشرق الاوسط .
يذكر لي احد العائدين من باريس ان يهوديا قدر له ان يقيم علاقة مع
فتاة باريسية . وحين ازدادت المظالم الاسرائيلية ضد الفلسطينيين
دخلت تلك الفتاة الى احد المقاهي حيث يجلس حبيبها اليهودي الذي ينتظرها
على موعد لتبصق في وجهه وتقول له : قتلة وسفاحون ثم تتركه على عجل
. العالم يتطور مثلما تتغير اسرائيل من الداخل . وسواء قبلنا ان
اعتبرنا ذلك مجرد تنظير او لم نقبل فنحن مقبلون على المزيد من الاصوات
الداخلية الرافضة للسياسة القائمة الحالية والمستقبلية والماضية
ايضا اضافة الى يقظة عالمية سوف تعلن عن نفسها في النهاية تيارا
عالميا جارفا من اجل الحق الفلسطيني وضد ممارسات اسرائيل .
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
أصداف
إعلان أميركي غامض في العراق
اضطررت لإعادة قراءة التصريح الأميركي، بخصوص
إطلاق الرصاص على عضو مجلس الحكم الانتقالي في العراق محمد بحر العلوم،
الذي أدى إلى جرح سائقه، أثناء مرور سيارته على أحد جسور بغداد،
ولم أتمكن من فهم ما يريد قوله المتحدث الأميركي، وسألت عدداً من
المهتمين ليوضحوا لي الجانب الخفي من ذلك التصريح، الذي نشرته وسائل
الإعلام، ورددته الفضائيات والإذاعات، على خلفية ذلك الحادث، وعجز
الآخرون عن تفسير الجانب الخفي.
إذ قال المتحدث الأميركي في تعليقه على حادث إطلاق النار لقد خلط
الجنود الأميركيون بين سيارته (سيارة عضو مجلس الحكم بحر العلوم)
وسيارة أخرى خلفها توهموا أنها غير مرخصة.
القضية التي نحتاج إلى تفسيرها، أو توضيح جوانبها الغامضة، هي مسألة
الخلط التي حصلت عند الجندي الأميركي الذي يحمل سلاحه، ويفترض أنه
يحافظ على الأمن وسط العاصمة العراقية، فكيف حصل عنده التصور، الذي
دفعه للشك بسيارة كانت تسير خلف سيارة بحر العلوم، بحيث توهم الجندي
الأميركي، حسب التصريح الرسمي الأميركي، بأن السيارة غير مرخصة،
ولا أحد يفهم، ما هو المقصود بكلمة (غير مرخصة)، فإذا كان القصد
من ذلك، عدم وجود أوراق رسمية بداخلها، فهذا الأمر لا يمكن اكتشافه
بالنظر من بعد عشرات الأمتار، إلا إذا كان عقل الجندي الأميركي،
يحمل خصائص لا يمتلكها بقية البشر، وحتى إذا كان يتميز بذلك، فها
هو يخطئ في توهمه.
ربما يقصد الناطق الأميركي، الذي علق على الحادث، أن سائق السيارة
المقصودة، لا يحمل إجازة سياقة رسمية، لذلك فأن عقوبة المواطن العراقي،
الذي لا يحمل مثل هذه الأوراق، هي القتل برصاص الجنود الأميركيين،
الذين توهموا واستناداً إلى ذلك الوهم، أصدروا حكماً قضائياً أميركياً،
بقتل هذا الشخص، وتم تنفيذ هذا الحكم خلال ثوان قليلة، أي أن جندي
الاحتلال الأميركي، له الحق في أن يحول ما يتوهمه إلى حقيقة يراها
هو دون غيره، وأن يتخيل الحالة وفق ما يتصور، وأن يسارع لإصدار حكم
الإعدام رمياً بوابل من الرصاص بحق المواطن العراقي.
بعد هذا، نأتي على الوجه الآخر للقضية، من خلال قراءتنا لتصريح المتحدث
الرسمي باسم القوات الأميركية في بغداد، الذي أعطى الحق لتحويل الوهم
عند الجندي الأميركي إلى حقيقة، وأن يصدر حكمه فوراً، حتى لو كان
ذلك الحكم يعني قتل شخص أو عائلة عراقية بجميع أفرادها وهم داخل
سيارتهم وداخل بلادهم.
فإذا كان الجندي الأميركي بمثل هذه الدقة، في توهمه أن السيارة التي
كانت تسير خلف سيارة بحر العلوم هي سيارة غير مرخصة، ويستحق من بداخلها
الإعدام، لأنها غير مرخصة فقط، وهذا يعني أن دقة الجندي الأميركي
عالية جداً، فكيف تحولت هذه الدقة من استهداف تلك السيارة، وأصابت
السيارة التي تسير أمامها، ولم تتم إصابة السيارة المقصودة.
هل تمكنا من تحليل التصريح الأميركي، وفق النظرية البنيوية، وهل
وصلنا إلى تفكيك علمي لهذا الخلط في الرؤية وفي الأوراق، المهم أن
الذي فهمناه بصورة واضحة، أن من حق الجندي الأميركي أن يتوهم، وأن
يصدر الحكم بإعدام أي عراقي أو أية مجموعة منهم، وليس ثمة من يحاسبه،
كما أن من حقه أن يقتل الذين يصادف وجودهم على مقربة من الذين أصدر
بحقهم حكم القتل، حتى وأن كان مبنياً على الوهم.
ربما الآن احتاج لإعادة قراءة التصريح الأميركي مرة واحدة فقط.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى
كل يوم
مكابرة أميركية في غير محلها!
من باب المكابرة لا غير تأتي تصريحات المسئولين
الاميركيين بشأن عدم الانسحاب المبكر من العراق فالرئيس بوش يعود
الى القول ان قواته ستبقى في العراق وافغانستان حتى انجاز (العمل)
والعثور على صدام حسين واسامة بن لادن وبناء مجتمع حر ديموقراطي
في البلدين. وهذا ما يكرره وزير دفاعه رامسفيلد الذي يشير الى انه
لا توجد خطة لانسحاب مبكر من العراق لكن العراقيين قد يحصلون على
مزيد من الصلاحيات اسرع مما كان يعتقد في البداية ويضيف: وسنبقى
هناك ما اقتضت الضرورة وحتى نرى العراق على الطريق الى الديموقراطية.
اننا نتساءل عن هذه الديموقراطية التي تريد واشنطن ان تجلبها الى
العراق بحراب قوات الاحتلال ! ونتساءل : لماذا هذا التشريع في منح
العراقيين مزيدا من الصلاحيات ؟ وهل كانت لدى مجلس الحكم الانتقالي
وحكومته المؤقتة صلاحيات فعلا حتى تزيد؟!
لا بد ان نربط هذه التصريحات الاميركية بالتحولات الكبيرة على صعيد
المقاومة الوطنية العراقية التي لم يعد هناك شك في ان قيادتها بيد
صدام حسين وحزب البعث وان كانت هناك فصائل اخرى اسلامية التوجه والفكر
تقاتل الاميركيين ايضا ولا يعرف ان كان ذلك بالتنسيق مع التنظيمات
البعثية والقومية.
ولا بد ان نشير الى ان تصريحات بوش قبل ذلك كانت تتحدث عن رغبته
في وضع صلاحيات اوسع بيد العراقيين دون ان يربط ذلك بانسحاب اميركي
او حديث عن بقاء القوات الاميركية لوقت اطول ومن الواضح ان تأثير
المقاومة الكبير على القوات المحتلة في مختلف مناطق العراق هو الذي
يجعل بوش وغيره من المسئولين الاميركيين يتجهون الى وضع بعض المسؤوليات
بأيدي مواطنين عراقيين من اتباعهم ومؤيديهم وذلك حتى يحول وجود عناصر
عراقية عسكرية ومدنية في الواجهة دون وقوع مزيد من الاصابات بالقوات
الاميركية والحليفة ولعل الخسائر الاخيرة التي مني بها الاميركيون
والايطاليون في عمليتين كبيرتين تقف وراء هذا التوجه الاميركي بايجاد
قوات عراقية حتى من الجيش الذي قام المحتلون بتسريحه كاملا لتقف
في مواجهة عناصر المقاومة النشطة والمدربة وذات الكفاءة.
واذا كانت القوات الاميركية المحتلة موجودة في افغانستان منذ اكثر
من سنتين فان بقاء القوات الاميركية في العراق سيطول ما لم تضطرها
ضربات المقاومة الى الرحيل!
واذا كان بوش ورامسفيلد جادين في الحديث عن بقاء قوات الاحتلال حتى
القبض على صدام حسين من العراق وابن لادن في افغانستان فان ذلك سيطول
كثيرا ومثل هذا القول نفسه يسوغ هذا البقاء ويمد في فترة الاحتلال
وان كان ذلك يغطى بحديث عن تسريع (كذا) حصول العراقيين على صلاحيات
جديدة وانجاز الديموقراطية.
ان هذه الوعود والتصريحات المجانية لا ترتبط بموعد ولا جدول زمني
ولا تفصح عن خطة متكاملة لعراق المستقبل ولكيفية احلال حكومة ديموقراطية
منتخبة محل قوات الاحتلال فكيف للشعب العراقي ان يصدق هذه الوعود
ونموذج افغانستان مايزال ماثلا للعيان؟! انها مكابرة اميركية في
غير مكانها .. ولا زمانها.
محمد ناجي عمايره
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
مناسبات غالية وإنجازات شاهدة تلتقي على أرض عمان
((1))
لا أجد عسرا وصعوبة في الكتابة كحالتي التي يغلب عليها الإقدام والإحجام
عندما أجدني مضطرا للتطرق إلى المناسبات التي لا نكاد نشعر بالفارق
الزمني الذي يربط بين تلك التي نودعها والأخرى التي نتهيأ لاستقبالها
, وتكمن الصعوبة في أن المناسبات من التنوع والعدد بحيث تصيب الكاتب
بالحيرة إذ لا يدري عن أي نوع منها يكتب ويتحدث ومن أي زاوية أو
باب يتناولها , فالمناسبات تتوالى علينا في مواعيدها التي لا تتغير
إلا من حيث تغير الفصول التي تحتضنها (( فرمضان الذي يتحفنا ببركاته
وتشرق علينا أنواره في هذه الأيام هل علينا في فصل يتميز بطقس معتدل
, في حين أننا سنستقبله بعد سنوات في فصل يغلب عليه طقس حراري مرتفع
)) , مما يعني بأن الكتابة عن المناسبة الواحدة التي تعود لزيارتنا
في كل عام بحاجة إلى التجديد في الفكرة والصيغة والطرح وإلى التطوير
في الأسلوب والتقديم عن تلك التي ظهرت في مناسبات سابقة وإلا كانت
الكتابة عرضة للتكرار الممل , وعندما تكون المناسبة ذات قدر كبير
ومكانة عالية في النفوس بسبب ما أضافته من إنجازات وما قدمته من
تضحيات ومفاخر في تاريخ الأمم وما أظهرته من نتائج شاهدة لا مجال
لنكرانها ولأهدافها النبيلة , فإنها تحتاج إلى قلم خبير متمكن للتعبير
عنها قادر على أن يعطيها حقها ويكشف للقارئ مكانتها وإنجازاتها ويؤكد
بالشواهد حق الآخرين عليها وهو ما أفتقده , كما وأن الكتابة عن المناسبات
يتطلب جهدا مضاعفا وبحثا مضنيا وفكرا وسطا ونظرة موضوعية وشاملة
إلى واقع الأمة وحال المجتمعات التي تعنيها المناسبة , بهدف البحث
في التغييرات الإيجابية التي تضفيها هذه المناسبات على الإنسان الذي
تشمله روحا وفكرا وثقافة ورقيا وسلوكا , وقياس حجم التبدلات التي
حدثت على أرض الواقع خلال عام من الزمن يربط بين المناسبة والمناسبة
والنتائج التي تحققت , والبحث في الآليات والأدوات التي تستخدم من
أجل قياس مؤشرات التنمية ودرجة التقدم العلمي ومستوى التطور الذي
طرأ على المؤسسات المدنية والخطوات التي تحققت في مجال الإصلاح التعليمي
والسياسي والاقتصادي والاجتماعي للتحقق من نقاط الضعف التي تظهر
والوسائل المعدة لتلافيها , وطرح الأسئلة حول قدرة المجتمعات على
الاستفادة من الدروس المكتسبة والخبرات المتراكمة ومدى إمكانية توظيفها
في مسائل التوعية والتطوير والارتقاء والإصلاح والعمل على تحقيق
تقدم ملموس تظهر آثاره وتوابعه مع ظهور وموعد المناسبة القادمة وهي
عوامل وأسباب تحتاج إلى أقلام وكتاب وباحثين مخلصين , كما أن الكتابة
عن المناسبات يتطلب جهدا أكبر عندما تجتمع وتلتقي وتتداخل في لحظة
مشتركة كما عليه حال العماني هذه الأيام .
(( 2 ))
إلى جانب مناسبة عيد الفطر المبارك الذي ننتظر مقدمه الميمون بعد
أيام فإننا نعيش كذلك الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك الذي
يحمل من المضامين الراقية والأهداف السامية والإنجازات التاريخية
المشرقة ما يجعلنا ـ نحن أبناء الأمة الإسلامية ـ نتوقف معها بهدف
إلقاء نظرة شمولية إلى واقعنا المؤلم لتشخيص أسبابه وتقييم نتائجه
وآثاره المستقبلية واستخلاص الدروس والعبر وتوظيف مكانة وقدر هذه
المناسبة مع المناسبات الأخرى من أجل وحدة المسلمين والنهوض بالأمة
والعمل على إصلاح شأنها وإخراجها من النفق الذي تعيشه , لكي لا تفقد
هذه المناسبات ألقها الروحي وأهدافها العملية الملموسة وتصبح وعاء
ينحصر فقط في إقامة الشعائر ومضاعفة الطقوس الدينية التي غالبا ما
ينتهي مفعولها بانتهاء المناسبة ليعود المسلم إلى عاداته ووضعه وحاله
الذي كان عليه قبلا دون أن تضيف المناسبة جديدا على واقع الأمة.
إن مثل هذه المناسبة وغيرها من المناسبات الدينية تهدف إلى غرس وتنمية
مجموعة من المثل والقيم والأخلاقيات الراقية التي يتوجب استثمارها
والدفع بها لتصبح سلوكا عاما يتقنه الفرد المسلم لا يقتصر استشعاره
وأداؤه في زمن المناسبات دون غيرها , فالتعاضد والوحدة بين المسلمين
والعمل على تقديم العون للآخرين والفهم السليم لتعاليم الإسلام والتحلي
بالأخلاق الفاضلة والوقوف مع الحق وبناء الإنسان روحا وفكرا وسلوكا
كلها سلوكيات راقية وتعاليم سامية حث عليها الإسلام ينبغي الاعتياد
عليها وفهمها والتواصل معها واقعا وعملا إخلاصا وأمانة ومسئولية
.
(( 3 ))
وفي هذه الأيام يستقبل المواطن كذلك مناسبة وطنية غالية لها قدرها
ومكانتها في نفسه, ولأنها تحمل إنجازات تقصر مقالة بهذا الحجم أن
تلم ولو بجزء يسير منها فإننا نكتفي بأن نقول انها نقلت عمان وأبناءها
من عصر إلى آخر في زمن قصير لا يمكن أن يقاس ويقارن مع حجم التغييرات
الفجائية والتحولات السريعة والطفرات الرائعة التي شملت جميع مناحي
الحياة وطالت حسناتها وتوزعت خيراتها على كل مواطن , ولكي نعطي هذه
المناسبة حقها وفاء وصدقا وإخلاصا , وحرصا على أن يبقى القها ويرتفع
رصيدها في قلوب أولئك الذين خرجوا إلى الدنيا وعاشوا في كنفها دون
أن تتاح لهم فرصة المقارنة بين الحياتين , وحتى يبقى المواطن ممتنا
وشاعرا باستمرار بعطاء هذه النهضة المباركة التي يجب أن لا يعتريها
الضعف وأن تتحاشى التراجع أو التوقف عن إنجازاتها وعطائها إلا من
أجل التقييم والتطوير وإصلاح الأخطاء التي هي سمة من سمات البشر
ينبغي التوقف معها والاعتراف بها دون أن نشعر تجاهها بالحياء والضعف
ومن ثم التجاوز , وإلا فهو الخطأ الجسيم بعينه , وحتى لا تقف المناسبة
فقط عند حدود الصيغة الاحتفالية والطقوس والشعارات المصاحبة والخطب
والمصطلحات المكررة , فإنه يتوجب علينا مع كل مناسبة من هذا النوع
أن نجري تقييما شاملا لأوضاعنا التعليمية والاقتصادية والسياسية
والاجتماعية , حتى نتمكن من استيعاب حجم الإنجازات وإجراء المقارنات
بين ما تحقق منها وبين المخطط والمستهدف بشفافية ووضوح تدعمها الأرقام
والبيانات السليمة , لتتمكن المؤسسات المختلفة والجهات المتخصصة
من تحديد الأهداف ووضع الاستراتيجيات المستقبلية التي تلبي طموحات
المواطن وتخدم تطلعاته وتفي بتحقيق أحلامه وتساعد على التخفيف من
معاناته بصفته هدف التنمية الشاملة , وهي مفاصل دقيقة ومحطات في
غاية الأهمية تتطلب التوقف معها لنعيد بلورتها لتحقيق المزيد من
التطوير والتحديث والإصلاح ولتكون العزائم المسخرة والجهود الموجهة
والنتائج المحققة على قدر وأهمية المناسبة ومكانة وجلالة النهضة
العمانية المباركة. Saud2002h@hotmail.com
سعود بن علي الحارثي
كاتب عماني
أعلى
إنه أمر مقزز مثير للقرف
في مطار نيويورك تم احتجازي واخذت صورتي وبصماتي
وجاء من يفتش اغراضي بدقة وتم تصوير جواز سفري ولم تتم الاجابة على
استفساراتي والاسباب التي دعت لكل تلك الاجراءات ، حتى بدأ التحقيق
معي من قبل عنصر من مكتب التحقيقات الفدرالية وشرطي من دائرة نيويورك
عبد العزيز آل محمود*
اسمي ماهر عرار ، كندي من اصل سوري ، عشت في كندا منذ ان كان عمري
سبعة عشر عاما ، حاصل على درجة الماجستير في الاتصالات ، متزوج ولي
طفلة اسمها براء عمرها ست سنوات ورزقت مؤخرا بطفل اسميته (هود) عمره
عشروةن شهرا الان ، هذا انا ، اب وزوج ومهندس ، لم تكن لي مشاكل
مع الشرطة في يوم من الايام ، وكنت دائما مواطنا صالحا ،حتى هذه
اللحظة لست مصدقا لما حصل لي وكيف تم تحطيم حياتي ومستقبلي !!
هكذا بدأ الشاب ماهر عرار حديثه الصحفي بعد وصوله الى كندا وكانت
تجلس بالقرب منه زوجته التي قال ان لها الفضل الكبير في اخراجه من
محنته ، فما هي تلك الازمة التي مر بها ماهر ؟ وما هي التهم التي
وجهت اليه ؟ وكيف تم تحطيم حياته ومستقبله ؟ لنستمع لبقية القصة
........
بدأت مشكلتي عندما كنت في اجازة عائلية في تونس ، فقد وصلتني رسالة
بالبريد الالكتروني من شركتي التي اعمل فيها تطلب مني السفر من اجل
العمل وباسرع وقت ممكن ، ودعت عائلتي واستعديت للسفر الى كندا ،
ولم اجد افضل من خط الطيران الذي يمر على زيوريخ ثم نيويورك لاصل
الى مونتريال ، ومن هنا بدأ حلمي السيئ .
في مطار نيويورك تم احتجازي واخذت صورتي وبصماتي وجاء من يفتش اغراضي
بدقة وتم تصوير جواز سفري ولم تتم الاجابة على استفساراتي والاسباب
التي دعت لكل تلك الاجراءات ، حتى بدأ التحقيق معي من قبل عنصر من
مكتب التحقيقات الفدرالية وشرطي من دائرة نيويورك ، وعندما اخبرتهم
انني اطالب بمحام قالوا بان ليس لي الحق في ذلك لانني لست مواطنا
اميركيا ، لقد سبوني واهانوني وارادوني ان اجاوب على كل سؤال يطرحونه
بسرعة ، كان لديهم ملف فيه كل المعلومات الخاصة بي يرجعون اليه لطرح
اسئلتهم .
سألوني عن شخص اسمه عبدالله المالكي ، واخبرتهم انني سبق وان عملت
مع اخيه في شركة في مدينة اوتاوا ، وان عائلة المالكي قد قدمت من
سوريا ايضا في نفس السنة التي هاجرنا فيها ، واخبرتهم انني لا اعرف
الرجل بشكل جيد .
سجنت في زنزانة صغيرة بعد ذلك ولم يسمح لي بالاتصال الهاتفي او مقابلة
محام وعوملت بخلاف بقية النزلاء في السجن ، وفي اليوم السابع من
سجني اخبروني بانهم سيسفروني ، زارتني القنصل الكندي في الرابع من
شهر اكتوبر واخبرتها بمخاوفي من ان يتم تسفيري الى سوريا وطمأنتي
بان ذلك لن يحصل وانها بصدد تعيين محام لي .
في الثامن من اكتوبر وفي حوالي الساعة الثالثة صباحا جاء الحارس
واخبرني انني ساغادر ، ثم صفدوني بالاغلال وجاء عنصران من الامن
الوطني واخبراني ان مدير الامن الوطني الاميركي قد قرر نقلي الى
سوريا ، وعندما اخبرتهم بانهم سيعذبوني هناك كان ردهم بان مؤسسة
الامن الوطني ليست الجهة المعنية بتطبيق معاهدة جنيف .
اركبوني في طائرة صغيرة اقلتنا عبر عدة مدن حتى هبطنا في احدى الدول
العربية في التاسع من اكتوبر ، ثم نقلت في سيارة كنت خلالها اتعرض
للضرب على يد مرافقي حتى وصلنا الى الحدود السورية في حوالي الساعة
السادسة مساء من نفس اليوم ، وعندما سألت عن مكاني اجابني احدهم
بانني في قسم فلسطين التابع للمخابرات السورية .
جاءني من يحقق معي ، وسألني عن الاسباب التي دعت عائلتي للهجرة من
سوريا واستفسر عن اخوتي وكنت اجاوب على اسئلته وعندما اتردد كان
يشير الى كرسي معدني ويقول : هل تريدني ان استخدم هذا ؟ لم اعرف
ما يقصد ولكن عرفت بعد ذلك ان هذا الكرسي كان مخصص للتعذيب .
في الواحدة صباحا من اليوم التالي جاء الحرس واخذوني الى زنزانة
تحت الارض ، وعندما فتحوا الباب نظرت ولم اكد اصدق عيناي ، عندها
سالتهم : كم سابقى هنا ؟ لم احصل على جواب ، دفعوني واغلقوا الباب
، كانت زنزانتي قبرا بدون ضوء .
كان عرضها ثلاثة اقدام بطول ستة اقدام وبها باب معدني به فتحة صغيرة
لادخال الطعام ، في السقف فتحة صغيرة بطول قدمين وعرض قدم واحد مغلقة
بشبك معدني يسمح بدخول ضوء خفيف الى الزنزانة وكنت استطيع مشاهدة
القطط والجرذان وهي تطل علي منها من حين الى اخر ، وجدت بطانيتين
وصحنين وقنينتين واحدة للبول واخرى للشرب ولا شئ اخر البته .
لقد قضيت عشرة اشهر وعشرة ايام في هذا القبر اسمع صراخ المعذبين
ليل نهار..........ولحديث الشاب بقية طويلة .
اطلق سراح ماهر عرار بعد ذلك وعاد الى وطنه كندا ، بفضل تدخل المؤسسات
الكندية لتحول دون نسيانه في غيابة الجب ، ولكن هناك العشرات والمئات
ممكن بقوا في زنازينهم تحت الارض اما في سجنه الذي كان فيه او في
دول اخرى او حتى في غوانتانامو ، لم استطع ان انقل كل ماقاله ماهر
عرار عن محنته ، فما مر به الرجل يصيب المرء بالغثيان وضيق النفس
والحنق والقرف من مؤسسات مازالت تعيش على رائحة الموت في قصص محاكم
التفتيش ، ولمن يريد الاستزادة فاني انصحه بقراءة مانشرته وكالة
كندا الغربية ( Can west news service ) او اي وسيلة اعلام كندية
، وهكذا تستمر الحرب ويتساقط ضحاياها الابرياء وتتلوث المزيد من
الايادي بالدماء .
عبدالعزيز آل محمود
رئيس تحرير (الجزيرة نت)
Qatar877@hotmail.com
أعلى
(لويا جرغا) عراقية... وأبو زيد يبحث
عن صفقة!
انسجاماً مع قانون موضوعي يقول إن وجد احتلال
فحتمّا توجد مقاومته، لا عجب أن تغدو المقاومة العراقية للاحتلال
الأنغلو-أميركي وتوابعه هذه الأيام حقيقة واقعة، بحيث لم يعد بالإمكان
تجاهلها أو مواصلة عدم الاعتراف بوجودها، وهو الأمر الذي كان يتم
حتى الآن من قبل طرفين:
الأول: المحتلون، ومن قال ان محتلا في التاريخ كان من السهل عليه
الاعتراف بمن يقاومه، لا سيما في البدايات، أي قبل اشتداد عود المقاومة
وتعاظم تأثيرها المادي والمعنوي عليه، وصولاً إلى تكبيده خسائر لا
يستطيع احتمالها؟! حدث هذا في كل الأزمان، ويحدث راهناً في العراق،
فالأميركان بدأوا في سبيلهم للاعتراف بالمقاومة، وان لا زالوا يصرون
على نسبتها للمتسللين الأجانب عبر الحدود مع دول الجوار، أو بقايا
فلول النظام، أو منتسبي القاعدة... أو كل عنوان آخر لا يعود إلى
الشعب العراقي، أو لا يمكن رده إلى الوطنية العراقية!
والثاني: كل من لا يريد إغضاب الولايات المتحدة في العالم والمنطقة،
وكل المحرجين جراء فقدانهم للحول والطول أو القدرة على اتخاذ القرارات
والمواقف الضرورية المنسجمة مع قناعاتهم أو مصالحهم في مواجهة التغوّل
الاميركي. إذ يصعب عليهم، والحالة هذه، الاعتراف بأن هذا الذي يجري
راهناً في العراق يمكن حصره موضوعياً ضمن جدلية أو معادلة ذات بعدين:
عنف محتلين يشتد ضراوةً تقابله عمليات مقاومة تتصاعد وتتسع كماً
وكيفاً. وبالتالي يجد هؤلاء أن من الأسهل عليهم، ولا سلم لهم اللجوء
إلى ما يتصورونها نعمة التجاهل، وقد يصل الأمر لدرجة أن يسم البعض
هذه المقاومة بالعنف الأعمى، أو حالة من الفوضى، أو نعتها باللاجدوى،
أو الزعم بأنها تعطي المحتلين المبرر الذي ينشدونه لمواصلة الاحتلال.
وكأن هذا الاحتلال هو في سبيله للجلاء لكن المقاومة بدلاً من دفعه
إلى التسريع بذلك تمنعه من هذا الرحيل الموشك. أو قد يركّزون على
إدانة بعض العمليات المشبوهة وغير معروفة النسب، مثل الاعتداءات
التي وقعت على مقري الأمم المتحدة وهيئة الصليب الأحمر الدولي، وبعض
السفارات، أو محاولات الاغتيالات الدموية التي جرت ضد بعض المرجعيات
الدينية لدى العراقيين الشيعة وحيث أماكنهم المقدسة.
لنؤكد ما ذهبنا إليه، لا حاجة بنا إلى تعداد عمليات المقاومة العراقية
اليومية ضد الاحتلال وما تلحقه من خسائر يعترف بها المحتلون، ولا
تتبعها جغرافياً من حيث وقوعها أو امتدادها، من الموصل، وكركوك شمالاً
لتصل إلى الناصرية جنوباً، أي خارج ما يدعى المثلث السني، لتطال
الإيطاليين في قاعدتهم هناك، ثم البولون إلى الجنوب منهم، وحتى الوصول
إلى البصرة والبريطانيون هناك، بل تكفي الإشارة إلى لجوء أعظم قوة
على الأرض قبل أيام فقط إلى قصف بغداد المحتلة جواً وبراً، أي بعد
مرور أشهر على الفروغ من عملية احتلالها، الأمر الذي حدث مثله قبل
ذلك وبطائرات الـ( F-16 ) في كل من تكريت والفلوجة، وبات يجري يومياً
في سلسلة من عمليات القمع المتواصلة لاستئصال المقاومة تحت مسميات
آخرها: المطرقة الحديدية أو إعصار ايفي، وإن يصل مستوى الذعر الذي
يضرب اطنابه بين جنود الاحتلال لأن يطلقوا النار على موكب عضو مجلس
الحكم الانتقالي المعين من قبلها محمد بحر العلوم، والمفترض أنه
يقيم ويتحرك تحت حمايتهم.
لكن لعل الأهم، لناحية فعالية هذه المقاومة وأثرها على الاحتلال،
هو ما يؤشر عليه أمران:
الأول: تقرير لـ(سي آي ايه) قُدّم للرئيس الاميركي يتوقع أياماً
أسوأ للأميركيين في العراق ويقول: ان الرأي العام العراقي بدأ يؤمن
بالمقاومة، وأن هزيمة الأميركان ممكنة، لأنهم بدأوا يخسرون قلوب
وعقول العراقيين.
وحيث لا نعتقد أنهم كانوا قد كسبوها أصلاً، وفق ما كانوا يروّجون،
فلعل المؤشر الأكبر يكمن في الأمر الثاني: وهو استدعاء بريمر الحاكم
الاميركي لعراق ما بعد الاحتلال، أو مندوب الإدارة الاميركية السامي
هناك، إلى واشنطن، على وقع خلافات تستفحل داخل الإدارة الاميركية
حول سياساتها المتبعة في العراق، وتعاظم الانتقادات لها لدى النخب
السياسية والثقافية والإعلامية الاميركية، بالتوازي مع الهبوط المضطرد
لشعبية الرئيس بوش الذي بدأ للتو حملة إعادة انتخابه لفترةٍ رئاسية
ثانية.
لماذا أستدعى بريمر؟
استدعى في سياق مراجعة أميركية للمخططات التي اتبعتها الولايات المتحدة
بالنسبة لمشروعها العراقي، وعليه، قدم الرجل كشفاً بحساباته الاحتلالية،
واستمع إلى التوجيهات الجديدة، أي شارك في وقفة أميركية أمام التطورات
عكسها اجتماع هام في البيت الأبيض حضره الرجل، ضم قمم المسؤولية
في الإدارة الراهنة المتمثلة، إلى جانب الرئيس، في نائبه ديك تشيني،
ووزير الحرب دونالد رامسفيلد، ووزير الخارجية كولن باول، ومستشارة
الأمن القومي كونداليزا رايس... إذن، مالذي عاد به بريمر إلى بغداد؟
عاد وفي جعبته هدف جديد زودته به واشنطن عليه السعي بالسرعة الممكنة
لإنجازه... ما هو؟
قيل له، هناك، ان المطلوب منك من الآن فصاعداً توليف واجهة عراقية
جديدة للاحتلال... ولعل هذا الكلام كان يمكن قراءته ضمناً في قول
الرئيس بوش انه قد كلف بريمر بإعداد استراتيجية لتسريع نقل السلطة
إلى العراقيين، أو كما قال: لنقل سلطات إضافية للعراقيين، وذلك سعياً
لقطع الطريق على ما دعاهم المجاهدين الأجانب الذين يريدون إقامة
نظام في العراق مماثل لنظام طالبان!
إذن، المطلوب من بريمر بعد وصوله إلى بغداد السعي لإيجاد بديل عن
مجلس كان قد عيّنه بنفسه، وثبت الآن عجزه عن القيام بما أُوجد أصلاً
من أجله، وهو مساعدته، أي مساعدة الاحتلال، في إدارة بلدٍ، أصبح
الأميركان يدركون اليوم أكثر من أي وقت سبق أنه ليس من السهل عليهم
إدارته.
قبل ظهور الدخان الأبيض من مدخنة البيت الأبيض، وانفضاض الاجتماع
المشار إليه، مهد الأميركان للتحول الجديد بحملة على مجلس الحكم
العراقي المؤقت بدأتها صحيفة الواشنطن بوست، ومن ثم توالت الحملة،
ومما ركّزت عليه، هي جملة من النقائص والهنّات بدا وكأن الأميركان
ينتبهون لها لأول مرة، مثل: انعدام الكفاءة والقدرة والخبرة، إلى
جانب ضعف التمثيل الشعبي، إضافة إلى التردد وحتى الضياع. أما واسطة
عقد هذه الصفات السلبية، التي غدت غير مستحبة أميركياً، فهي أنه
كان من بين أعضائه من ورّط الإدارة الاميركية في أوحال ذريعة أسلحة
الدمار الشامل الزائفة. والطريف أنه لم يعد هناك من يدافع عن مجلس
الحكم هذا في الولايات المتحدة إلا ريتشارد بيرل أو أمير الظلام
كما يدعى في البنتاغون، والأطرف أن رامسفيلد، وهو في سبيله لأن يغدو
كبش فداء، بعد تسليم الملف العراقي لكونداليزا رايس، وتململ الكونغرس،
ومطالبة مشروع قرار وقعه ستة عشر نائباً ديموقراطياً الرئيس بوش
بإقالته، قد غدا أيضاً بدوره عرضة للانتقاد حتى من وليم كريستول،
أحد اعتى منظري المحافظين الجدد ممن يعد رامسفيلد واحد من دهاقنتهم،
حيث يتهم كريستول الأخير بالعناد!
البيت الأبيض يدعو التحول الجديد في العراق تأقلماً مع الظروف السياسية
والأمنية، ما هي الترجمة العملية لهذا التحول، التي قد نراها في
المشهد العراقي في الأيام القادمة؟
ما رشح حتى الآن هو السعي لاستبدال مجلس الحكم الانتقالي هناك بنوع
ما من إشكال استعادة النموذج الأفغاني أي: قرضاي عراقي إن أمكن،
أو لويا جرغا عراقية، أو حكومة انتقالية تكلّف بوضع دستور، أو مجلس
تنفيذي يتولى سلطة الحكم في المسائل السياسية... وباتجاه انتخابات
قد تجري في مدة تتراوح ما بين الأربعة إلى الستة أشهر... أي العودة
إلى شيء هو أقرب إلى الاقتراح الفرنسي الذي كان قد تم رفضه في حينه...
بالمناسبة الفرنسيون هم اليوم الأكثر سعادة بهذا التأقلم الاميركي
مع ما يسمونه بالظروف السياسية والأمنية، وأكثر ترحيباً بالعودة
المتأخرة إلى اقتراحهم المشار إليه، عكس ذلك نخوة مفاجئة من قبل
وزير الخارجية دوفيلبان، ربما لا تخلو من بعض التشفي، عندما أبدى
حرصة على أرواح الأميركان ومن معهم التي تزهق في العراق، حيث قال:
لا يمكن أن أقبل بعد الآن برؤية كل هذا العدد من القتلى الاميركيين
والبريطانيين والأسبان والبولنديين والإيطاليين يومياً، لا أقبل
أن يستمر هذا المسلسل يومياً ويتفاقم يوماً بعد يوم.
قبل هذا التحول الاميركي، أو هذه العودة المتأخرة للاقتراح الفرنسي
المرفوض، كان بريمر قد أبدى استعداده لأن يدرس اقتراح لوزير داخلية
حكومة مجلس الحكم الانتقالي المطلوب اليوم تبديله. الاقتراح كان
يقضي بإنشاء قوة عراقية خاصة من الميليشيات الكردية والشيعية، وعناصر
متعاونة من أجهزة الاستخبارات العراقية السابقة... والان هل مثل
هذه الدراسة لمثل هذه المقترح لم تعد واردة؟
الجواب: لا على الإطلاق، بل ربما هي أكثر وروداً، لأن الهدف الاميركي
أولاً وأخيراً هو الخروج من الورطة العراقية بأقل الخسائر والبقاء
في العراق بأكثر قدر ممكن من المغانم وعلى رأسها الجانب الاستراتيجي
من استهدافات الغزو، وعليه كل السبل المؤدية إلى ذلك وارد طرقها
ولا يضير البراغماتية الاميركية محاولة سلوكها، بما في ذلك: ما ينبئ
به كلام ذو معنى للجنرال جون أبي زيد قائد ما يعرف بالقيادة الاميركية
الوسطى. الجنرال الذي هدد قبل أسابيع عشائر الأنبار بالويل والثبور
عاد اليوم ليطالب باشراك أهل السنة العراقيين في الحلول الاميركية
المقترحة التي سبق التطرق إليها، ومن قوله مغازلاً من كان يتوعدهم
قبل أيام فقط:
لقد أخذنا الكثير من السنة... وعلينا أن نفكر بطريقة لإشراكهم!
ماذا يعني هذا الكلام؟
إنه يعني أننا أمام فصل من البراغماتية الاميركية الموصوفة تطل على
وقع خطى التحول أو التأقلم المراد مع ما يوصف بالظروف الأمنية والسياسية،
أي بلغة أخرى، تتوازى مع تصاعد المقاومة العراقية التي لا مناص من
الاعتراف بحقائقها التي تفرضها العمليات اليومية ضد الاحتلال على
الأرض... ثم ما الذي يمنع هذه البراغماتية من الذهاب بعيداً، ربما
أكثر مما قد يتصوره جماعة مجلس الحكم، أو لعلها قد تصل وبسرعة غير
متوقعة إلى ما يتوجس طالباني رئيسه الحالي وباقي أعضائه الخمسة والعشرين
خيفة من الوصول إليه... مثل ماذا؟
محاولة عقد صفقة ما مع أي جهة عراقية خارج مجلس الحكم قد تساعد إن
عقدت في الخروج من الورطة وفق التصور الاميركي... صفقة ربما حتى
مع ما يطلقون عليهم فلول النظام السابق!
هل يستبعد ذلك؟
هذا يظل رهناً بأمور ثلاث هي: كنه الترجمة العملية للتحول الاميركي،
واحتمالات تطور المأزق، واشتداد عود المقاومة... لكن، وفي كل الأحوال،
يجب أن لا يحجب الضجيج المرافق لتفاصيل الحدث العراقي عن الأذهان،
وخصوصاً في مرحلة ازدياد الكلام عن احتمالات التسريع في إعادة السيادة
للعراقيين والكلام الغامض عن النية في تقصير أمد الاحتلال، حقيقة
كون الأميركان لم يأتوا أصلاً إلى العراق إلا لتدجين العالم برمته،
وبهدف معلن هو إعادة صياغته وفق رؤاهم الإمبراطورية. وعليه، هل بإمكانهم
حقاً احتمال الظهور بمظهر العاجز عن إخضاع العراق وعدم القدرة على
إعادة تركيب سلطة موالية لهم فيه؟
إن عجزهم إن كان فلا يعني ببساطة إلا فشل المشروع الذي شنوا الحرب
أصلاً من أجله، واعترافا منهم بعدم قدرتهم على تعميمه في المنطقة
والعالم، الأمر الذي يعني انكفاءً إمبراطورياً لا تقوى روما العصر
على احتماله... وعليه، تظل الإجابة عن مثل هذه التساؤلات رهنا بمقاومة
الشعب العراقي، تلك التي لم يعد من الممكن تجاهل حقيقتها
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
muhanna@scs-net.org
أعلى
حكومة فلسطينية جديدة وقضايا شائكة
بعد التوصل إلى حل وسط بين الرئيس عرفات ورئيس
الوزراء احمد قريع يتم من خلاله تسليم حقيبة الداخلية لحكم بلعاوي،
على ان ينضم نصر يوسف لمجلس الأمن القومي، الذي يشرف عليه عرفات
ويسيطر على كافة القضايا الامنية.. فان عقبات كأداء قد أزيحت من
طريق الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة احمد قريع.
منصب رئيس الوزراء الفلسطيني هو استحقاق ورد في خارطة الطريق وهو
رغبة اميركية ـ اوروبية ـ اسرائيلية أيضا للحد من نفوذ عرفات وبخاصة
مسألة اشرافه على الأجهزة الأمنية المتعددة، والتي طالبت الأطراف
الثلاثة المسابقة بتوحيدها واخضاعها لسلطة رئيس الوزراء، لكن النفوذ
الفعلي للرئيس الفلسطيني حد من هذه الاندفاعة، كما ان موازين القوى
الداخلية فلسطينيا تجعل من الصعب امام أي شخصية فلسطينية تجاوز الرئيس
عرفات باعتباره رمزا تاريخيا للثورة الفلسطينية، ومحطة تمسك بكافة
امور وزمام السلطة والاجهزة الفلسطينية وزعيما يمتلك بعدا جماهيريا
يشكل سندا له في أي مزاحمات داخلية على السلطة.
تعاقب الحكومات الفلسطينية المتعددة خلال فترة قصيرة. لا يعد دليل
صحة في الوضع الفلسطيني، الذي يجابه احتلالا اسرائيليا مباشرا بدعم
وتأييد من قبل الولايات المتحدة التي أعلنت بكل الصراحة والوضوح
عن حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها وبكافة الطرق والوسائل التي تراها
مناسبة.. هذا الوضع يوجد قضايا شائكة ومعقدة امام اي وزارة فلسطينية
من بينها مواجهة الاحتلال باعتباره تناقضا تناحريا رئيسيا يستوجب
تجميع كافة الجهود الفلسطينية سلطة وفصائلية ضد هذا الاحتلال ، لكن
الشروط الاميركية والاسرائيلية تضغط باتجاه قيام الحكومة الجديدة
بالوقوف امام ما يسمونه (ارهابا) وتفكيك البنية التحتية لفصائل المعارضة
الفلسطينية بما فيها حماس والجبهة الشعبية وحركة الجهاد الاسلامي.
القبول الاميركي ـ الاسرائيلي ـ الغربي (إلى حد ما) للحكومة الجديدة
مرهون بمدى ما تقوم به هذه الحكومة من خطوات فعلية امام سحب الأسلحة
واعتقال قيادات الفصائل الفلسطينية المشار اليها،وهذه مهمة صعبة
ومعقدة اخرى، فعدا عن الصعوبات اللوجستية للقيام بها فان هذه الخطوة
ليست مقبولة حتى من فصيل حزب السلطة ولا من الجماهير الفلسطينية
التي تعاني يوميا من الارهاب الصهيوني الفاشي , دون ان تبدو في الافق
اية حلول توافق عليها اسرائيل على الاعتراف بأي حقوق فلسطينية في
العودة وتقرير المصير واقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس , فالخطوط
الحمراء الاسرائيلية حول هذه الحقوق تشكل اجماعا اسرائيليا يلتقي
حوله الحزبان الرئيسيان: العمل والليكود فما بالك بقوى اليمين المشاركة
في حكومة شارون الائتلافية الحالية، وهذه القوى تنادي بترحيل (ترانسفير)
الفلسطينيين من الصفة الغربية وغزة.
من الاستحالة بمكان ووسط هذا الجو السياسي، ان تقوم اي حكومة فلسطينية
بالاقدام على خطوة تفكيك منظمات المعارضة، لانها تعني اقتتالا فلسطينيا
داخليا ومجانيا يجرى تقديمه لاسرائيل واميركا دون حتى وعود جازمة
منهما باعطاء الفلسطينيين اي مكاسب حقيقية مقابل هكذا ثمن !!
من القضايا الشائكة ايضا التي ستواجه هذه الحكومة هي تعارض الصلاحيات
بين الرئيس ورئيس الوزراء فرغم تشكيل هذه الحكومة ورغم الاتفاق مبدئيا
على الصلاحيات فان الحلول الوسط تعمل على ترحيل هذه المشكلة ولا
تعتبر حلا جذريا لها. لذلك ربما سنواجه بعد شهور قليلة قادمة اوضاعا
من تلك التي رافقت حكومة (ابو مازن) وبداية تشكيل حكومة الطوارئ
برئاسة قريع، القضايا الحياتية بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين هي
قضايا شائكة ايضا وبخاصة ان اسرائيل هدمت حوالي 80% من البنية التحتية
التي بنتها السلطة في سنواتها اضافة الى ان هذه الحكومة ستكون مطالبة
باجراء انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي والبلديات باعتبار هذه
الحلقات الثلاث قد مضت مواعيدها الدستورية منذ سنوات.
ان اعادة الحياة إلى المفاوضات مع اسرائيل ومع الولايات المتحدة
واللجنة الرباعية والدول الغربية وكافة اطراف المجتمع الدولي هي
من المهام التي حددها رئيس الوزراء قريع لحكومته وهذه وفي ظل ابقاء
بعض السلطات الفعلية بين يدي الرئيس عرفات على عكس ما تتوقعه واشنطن
وتل ابيب سيضع عراقيل امام دواليب عجلة الحكومة الفلسطينية الجديدة
التي ستخضع لفترة مراقبة تحدد كيفية التعامل معها مستقبلا من قبل
العاصمتين المذكوريتين.
ان القضايا الاهم ـ من وجهة نظرنا ـ والتي يتوجب ان تستحوذ على عمل
الحكومة ونشاطاتها هي: ترتيب الوضع الفلسطيني الداخلي، على قاعدة
تمتين الوحدة الوطنية الفلسطينية مع فصائل المعارضة وانشاء قيادة
جماعية فلسطينية من كافة الفصائل تكون مرجعية لكافة القضايا والمهمات
التي تواجه الفلسطينيين داخليا وخارجيا بذلك يستطيع النضال الفلسطيني
السير قدما باتجاه تحصيل الحقوق الوطنية الفلسطينية.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى
قرابين على طريق الديمقراطية في العراق
غامر محمد الكعبي بحياته لنشر الديمقراطية
التي دعا إليها الرئيس بوش في العراق فقد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة
على يد انصار صدام حسين. الا ان الرجل مات مقتولا في الاسبوع الماضي
برصاصة اطلقها احد الجنود الاميركيين عليه في بغداد. على مخططي السياسة
في واشنطن دراسة هذه المأساة بتمعن من اجل تجنب وقوع مثيلات لها
في المستقبل.
محمد الكعبي شاب وسيم في الثامنة والعشرين من العمر وكان يعمل مهندسا
بحريا ويجيد الانكليزية. عمل محمد الكعبي رئيسا للمجلس البلدي في
مدينة الصدر في بغداد. والمجلس البلدي الذي رأسه محمد كان احدى ثمار
المشروع الاميركي للديمقراطية الهادف لبعث الروح في مفاصل الحكومة
المحلية العراقية لم يعرف البغداديون معنى أسلوب السياسة المتشعبة
فكان لزاما على الاميركيين اقامة مجالس بلدية لأحياء مدينة بغداد
يجري اختيارها من قبل سكان تلك الاحياء. قامت تلك المجالس بانتخاب
مجالس خاصة بالمناطق والاخيرة قامت بدورها باختيار المجلس البلدي
لمدينة بغداد.
والمبدأ من وراء كل هذا ان يعتاد العراقيون مناقشة قضاياهم الداخلية
ـ مثل الشوارع والمدارس الآمنة ونقل النفايات ـ حتى لو كان القرار
النهائي في يد الأميركيين. ان هذه المجالس معنية بتدريب الطبقة الجديدة
من السياسيين العراقيين ـ الذين سيخوضون في يوم ما معركة الانتخابات.
بتولي الجنرال جو رايس وهو حاكم سابق لمدينة غيلينديل في لوكورادو
مهمة تنسيق هذا المشروع حيث تراه حاضرا في جميع اجتماعات مجلس مدينة
بغداد. قال رايس لي: لأول مرة بدأ العراقيون بتعلم كيفية طرح الافكار
وتنفيذها بدلا من الركون على الطرق غير المشروعة.وكان محمد الكعبي
من اوائل من تعلموا ذلك الدرس.
عندما التقيته كان مفعما بالحماس بالرغم من انه خاض اسبوعا صعبا.
فقد قام انصار مقتدى الصدر باحتلال مبنى المجلس البلدي في مدينة
الصدر ونجحت القوات الاميركية في اخراجهم بسلام.
كان محمد الكعبي يعرف بأن العمل مع الاميركيين خطر جدا، لكنه أصر
على ان عمله يصب في مصلحة شعبه. وقال بأن المتشددين يمثلون شريحة
واحدة فقط من مجتمع مدينة الصدر.
واضاف : يؤيد معظم الناس في المدينة المجلس البلدي ويعتقدون انه
جاء لمساعدتهم. ان المواطنين الذين اتصلوا بنا قد لاحظوا التطورات
التي طرأت على المدينة جراء الاعمال التي قمنا بها.
لكن محمد الكعبي كان قلقا ـ قال في هذا الصدد: لا يفقه جميع العراقيين
الديمقراطية. لماذا؟ لأننا مسلمون ولدينا طريقتنا الخاصة بالديمقراطية.
الا ان الديمقراطية الجديدة جاءت برفقة الجيش والجنود.
واضاف محمد الكعبي : ان العراقيين بحاجة الى بعض الوقت لاستيعاب
الكيفية التي سينشر فيها الجنود الاميركيون الديمقراطية في العراق.
كان يحاول افهام سكان مدينته بأن الامر يستحق منحه بعض الوقت لحين
ظهور الحكومة المنتخبة. لم يهادن الكعبي حتى بعد اغتيال نائب محافظ
بغداد.
في ظهيرة يوم الاثنين الماضي وصل الكعبي ليترأس اجتماعا للمجلس البلدي
في مدينة الصدر. الا ان جندي اميركي متهور رفض السماح للكعبي بايقاف
سيارته في المواقف الخاصة بالمجلس.
نشب نقاش بين الرجلين. واطلق الجندي رصاصة على الكعبي الذي مات قبل
وصوله إلى المستشفى. ادعى الجيش الاميركي بان الكعبي حاول اخذ سلاح
الجندي الا ان اصدقاءه نفوا ذلك. يأمل مستشارو المجلس بأن تخصص الولايات
المتحدة راتبا تقاعديا لعائلة الكعبي تعبيرا عن الندم والوقوف بوجه
المطالبة بالثأر لكن هذه الخطوة، وبعد ثلاثة ايام على وقوع الحادث،
لم تر النور.
ان ذلك الحادث يمثل ضربة موجعة للطموحات الرامية الى اقامة مجلس
تمثيلي منتخب لمدينة الصدر الذي يعتبر استقرارها حيويا لاستقرار
العاصمة العراقية.
وطالما ان القوات الاميركية تشدد من خناقها على الارهابيين فان وقوع
مثل هذه الاخطاء وارد جدا. أريد أن اعرف لماذا قتل الكعبي وما هي
الاجراءات التي سيتخذها الجيش الاميركي لمنع وقوع مثل هذه الحوادث
المأساوية في المستقبل.
على المسئولين الاميركيين الاجابة على الاسئلة التي تتردد على شفاه
من يحاولون بسط الديمقراطية في العراق.
ترودي روبين
عضو هيئة تحرير فيلادلفيا أنكوايرير ويكتب احد الاعمدة فيها
أعلى
ذراع التقنية الأميركية الطويلة لا تحقق
نصرا
بدأت الولايات المتحدة حربها على العراق بحملة
(الصدمة والرعب) ظاهرة كاسحة للقوة الجوية والتفوق الجوي الأميركي
كان يرمى منها الى اقناع العراقيين ان يلقوا بأسلحتهم ويستسلموا
بل حتى الثورة والانتفاضة ضد صدام حسين ولكن هذا التوقع ـ على نحو
يدعو للحزن ـ خاب وأحبط ، حيث طال أمد الحرب واستمر الأميركيون والعراقيون
في لقاء حتفهم.
ومصطلح (الصدمة والرعب) له صلة بالعقدة الأنغلو ـ أميركية القديمة
والإيمان بان ذراع التقنية الطويلة تصلح وتحقق نصرا سريعا .
ان التفوق التقني العسكري قد انعش وغذى مرارا توقعات بتحقيق نصر
(نظيف ) ، ولكننا وجدنا ان احدث تقنية لا تقصر دائما أمد الحروب.
ان الأسلحة الحديثة اليوم أكثر تدميرا بكثير من الماضي وتبدو أنها
قادرة على اقناع اي خصم بتجنب القتال .
في (الثورة الأميركية) اعتقد الكابتن البريطاني باتريك فيرغسون ان
بنادقه ستضمن له النصر ، ولكن ثقته في ذلك كلفته حياته في غابات
ساوث كاليفورنيا ، حيث اكتسح القرويون الأميركان الذين كانوا يحملون
أسلحة عتيقة الطراز ـ قواته . وقد استخدم الأميركي ريتشارد غاتلينغ
مثل ذلك المنطق في القرن التاسع عشر ، متنبئا بأن بنادقه سريعة النيران
ستضع نهاية للحرب حيث ان لا أحد يمكنه التقدم في وجه مثل تلك القوة
النيرانية الساحقة ، ولكن غاتلينغ ، مثله مثل كثير من المخترعين
المحدثين ـ اغفل استعداد الناس للتضحية بحياتهم أغفل حتى في أكثر
الصراعات دموية ،فبنادق غاتلينغ وأخلافها لم تثبت انها حاسمة في
أي حرب على الرغم من أنها زادت من نسب الخسائر في كل الأطراف.
ان الاسلحة المتطورة مثل البنادق الآلية وحتى الدبابات تظل في متناول
البشر ، وهكذا تكون خاضعة للتدمير حتى بتقنية أقل ، كما ان الطائرات
ـ كما يعتقد بذلك غالبا ـ غيرت كل شيء ، وتقوم بالهجوم من فوق أي
هدف إلا الدفاعات عالية التقنية بقدر مساو.
لم يكن مبتدع سياسة (الصدمة والرعب) عاملا في البنتاغون ولكنه هو
غيليو دوتشيه ، وهو ايطالي مدافع ومناد بالقوة والتفوق الجوي في
الثلاثينيات . فقد تنبأ دوتشيه ـ والذي بدأ مثل محلل دفاعي معاصر
ـ بانه في غضون يومين من الهجوم الجوي على المراكز الحضرية ، سيفر
الناس المذعورون المرعوبون من المدن هربا من هذا الرعب القادم من
الجو.
ان اي مجتمع سيمر بحالة (الانهيار الكامل) حيث سينتفض المدنيون ـ
الساعون الى إنهاء الفزع والمعاناة ويطالبون بإنهاء الحرب .
وقد أوصى وفضل دوتشيه بضربات استباقية مثل التي شنتها الولايات المتحدة
على العراق ، ولكن المدنيين اثبتوا مرارا ان دوتشيه على خطأ.
لقد الحقت القوة الجوية والتفوق الجوي الأميركي ضررا كبيرا بالمؤسسة
العسكرية العراقية ودمرت منشآت حكومية رئيسية عديدة سوقتلت مئات
المدنيين ، وفي تلك العملية أغضبت الولايات المتحدة ملايين البشر
حول العالم بمن فيهم كما يبدو ، عراقيون كثيرون جدا.
ان الحرب أداة لا تنتج أي نصر (نظيف) ففي نهاية المطاف ، يجب ان
يغادر الجنود مركباتهم المدرعة ويرسون النظام في الشوارع ، ويجب
ان يواجهوا الناس الذين استهدفوهم في السابق من عل.
والنتيجة هي غالبا صراع وقتال منخفض التقنية لا تفيد فيه ذراع التقنية
الطويلة.
مايكل بيللسيلز
كاتب لصالح (هيستوري نيوز سيرفيس)
خدمة (كيه آر تي) ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى
أقول لكم
بيرنغ
تمردت سيارتي واخذت تصدر اصواتا غير مألوفة
استدعت زيارة عاجلة لورشة ميكانيكية .. الفني عربي الجنسية في العقد
الخامس من عمره تقريبا ويبدو صائما حتى عن الكلام .. بهدوء أدار
محرك السيارة ثم حمل مفكا بالغ الطول وضع يده الخشبية على أذنه وأخذ
ينقل الطرف المعدني من مكان لآخر في المحرك ثم قال باقتضاب : انه
البيرنغ .. يحتاج الى تغيير فوري حتى لا تحدث مضاعفات اندهشت من
طريقته في فحص السيارة وقلت : كأنك طبيب تفحص مريضا بالسماعة ! رد
الرجل قائلا : لا فرق .. هو طبيب للبشر وانا طبيب السيارات العليلة
, والفرق الوحيد ان الطبيب البشري يشخص الحالة ثم يكتب تذكرة الدواء
اما انا فأشخص وأعالج ايضا مثل طبيب الاسنان والجراح!
ازدادت دهشتي لرد الميكانيكي المثقف وقلت : هل يمكن تأجيل هذا (العلاج)
عدة ايام حتى اجد متسعا من الوقت ؟ بصق الرجل بشدة وقال : لقد شخصت
الحالة تشخيصا دقيقا , اما تنفيذ العلاج فأمر يرجع اليك ثم مسح يديه
المغطاتين بالشحوم والزيوت واضاف قائلا بقرف : هذه مشكلتنا نحن العرب
.. نعرف عيوبنا بالتحديد ونظل نسوف في علاجها الى ان تحدث كارثة
! اثار الرجل شهيتي لمواصلة الحوار معه فقلت مستفزا : انك تخلط الشامي
بالمغربي فما علاقة عطب ميكانيكي في السيارة بمشاكلنا كعرب؟ رد الرجل
قائلا : المبدأ واحد واذا كان لديك ثقب في الثوب فانه يتسع ان لم
تبادر بترميمه ! قلت ضاحكا : فما علاقة ثقوب الثوب بالثقوب العربية
؟ قال الرجل باعياء : اسمع يا استاذ .. يبدو انك رائق المزاج وتريدأن
تسلي صيامك!
قلت بصوت جاد الحقيقة انني اريد ان اعرف وجهة نظرك فقد اعجبتني طريقتك
في التفكير ! قال الرجل : مشاكل العرب - مثل سيارتك - تتلخص في البيرنغ!
اندهشت وقلت : كيف؟ قال : انهم لم يعرفوا اي شكل من اشكال الديموقراطية
منذ خلافة بني امية وحتى الان وتركوا المشكلة تتفاقم وتتراكم دون
حل , الى ان اصبحوا فرائس للقوى الاستعمارية في أوروبا ... ثم للاميركان
الان ! قلت : وما الحل ؟ قال ممتعضا : ان تبادر بتغيير البيرنغ فورا
حتى لا يعطب المحرك بالكامل ... مع السلامة!
ركبت السيارة العليلة واخذت الوح بيدي بحرارة للميكانيكي الدكتور!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى