الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوىاحكام

*هنالك سماحة الشيخ.. شبهة يثيرها المستشرقون وهي أن فريضة الزكاة وصرفها للفقراء والمساكين يعني وجود الفقر بصورة دائمة ووجود الفقراء باعتبارهم طبقة فرض لها حق الزكاة، فكيف نرد عليهم.
**إن الله تبارك وتعالى قسم الأرزاق بين عباده بعدله وبحكمته فهو تبارك وتعالى أعطى كل أحد ما أعطاه مما يتفوق به على الآخرين ليكون هنالك تكامل في البنية البشرية وقد فضل بعضهم على بعض في الرزق، وفضل بعضهم على بعض في القوة وفي موهبة العقل وفي السلطة وفي شتى المزايا التي يختص بها من يشاء من عباده وهو القائل سبحانه: (نحن قمسنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) وقال سبحانه: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) وهذا يعني أن وجود التفاضل في الجنس البشري أمر لا محيص عنه تقتضيه الفطرة البشرية ليتم التكامل بين الناس وليكون هنالك ما يكون من أسباب الترابط والاجتماع فيما بينهم، ومصارف الزكاة ليست منحصرة في الفقراء والمساكين وحدهم بل مصارفها متعددة والله تعالى يقول: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) فالزكاة تصرف في هذه المصارف الثمانية بأسرها، وإنما قدم الفقراء والمساكين لأجل ردم الهوة التي تفصل بين طبقات الناس حتى لا تكون هذه الهوة واسعة فيكون بذلك التقارب ما بين الطبقتين الطبقة الغنية الواحد، والطبقة الفقيرة المحتاجة المعدمة، وهذه السنة (سنة الله تعالى في خلقه) في جميع المجتمعات البشرية، فهل يمكن أن يقال في هذه المجتمعات البشرية الراقية الآن بأنه لا يوجد فيها فقراء، فهل في الولايات المتحدة الأميركية لا يوجد فقراء؟، وهل في الدول الأوروبية لا يوجد فقراء؟، هذا وقد ضمن الإسلام للمسلمين ما ضمنه من الحقوق على اختلاف طبقاتهم ومواهبهم، وفرض على بعضهم للبعض حقوقا بقدر ما منح الله سبحانه أولئك الذين فرض عليهم.. فالإسلام لم يحرم الإنسان من الملكية الخاصة بل أباح له التملك ولكن مع تقييد هذه الملكية بقيود وضوابط أخلاقية حتى لا يطلق الإنسان لنفسه العنان فيكون إثراؤه على حساب بني جنسه وهذا بخلاف ما يوجد في المجتمعات الرأسمالية وقد شاهدت بنفسي تباين الأوضاع في المجتمعات الرأسمالية فهونغ كونج عندما كانت مستعمرة بريطانية شاهدت فيها العمارات الشاهقة التي هي كأنما تعانق السحاب وتناغي النجوم وقيل لي إن فردا قد يملك أكثر من عمارة من العمارات وإيجارها ايجار مرتفع جدا بحيث قيل لي بأن الشقة الواحدة يصل ايجارها في ذلك الوقت إلى ما يساوي أربعة آلاف ريال عماني في الشهر الواحد.. بينما وجدت طائفة من الناس هناك لا مأوى لهم إلا أن يأووا إلى قوارب الصيد في البحر أو إلى هياكل السيارات المتحطمة، وهذا مما يدل على أن الفجوة ما بين الطبقتين فجوة سحيقة جدا وهذا أمر لا يقره الإسلام فالإسلام يأمر بالعطف والرحمة ولا يأمر بالقسوة والشدة ونجد أن انفجار الثورات الشيوعية في المجتمع الغربي ما كان إلا بسبب نتيجة القسوة التي كابدها الناس في ظل النظام الرأسمالي القاسي الشديد فماركس نفسه عانى ماعانى من الحرمان، وتسجل ذلك امرأته في رسالة بعثت بها لصديق لها تقول بأنهم اجتمع عليهم مبلغ من المال لصاحبة المسكن الذي كانوا يسكنونه بسبب الايجار وبعض القروض فما كان منها إلا أن باغتتهم في ليلة مطيرة شديدة البرد بالشرطة فأخرجوهم من المسكن وحاول زوجها بكل جهد أن يقنع أحدا أن يتقبل ايواءهم ولم يحصل، وتحدثت عن ابنة ولدت لهم، وكابدت من مرض ثم توفيت قالت: وظللنا نبكي عليها ولم نجد لها ثوبا نكفنها به... ثم قالت واأسفاه لقد وفدت ابنتنا إلى الدنيا ولم ترزق مهدا وغادرتها ولم ترزق كفنا.
هذا هو النظام الرأسمالي فهل قضى على هذه الفجوة ما بين تلك الطبقات هناك، وما هي أسباب مشكلات العمال والإضراب الذي يقع منهم إلا شعورهم بالحرمان، فالإسلام الحنيف فرض الزكاة وحقوقا غيرها من أجل سد حاجات الفقراء والمساكين فالله تعالى يقول: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من أمن بالله واليوم الأخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب) فقد جعل إيتاء المال واقعا في تسلسل درجات البر إثر العقيدة فورا وهذه حقوق من غير الزكاة بدليل قوله من بعد (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) والمجتمعات الإسلامية عندما طبقت نظام الزكاة كاد ينعدم الفقر، ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله تعالى عنه ـ لم يجد جباة الزكاة لها من يستحقها من الفقراء، فأمر عمر رضي الله عنه أن يزوج بها العزاب، ثم أمر بعد ذلك بأن يبنى بها مساكن للذين لا يملكون مساكن، ثم أمر بعد ذلك أن يواسى بها فقراء أهل الذمة والله أعلم.
*إذا أخطأ المزكي في صرف الزكاة. فماذا يفعل؟
إن وضعها في غير موضعها خطأ لزمه أن يعيد دفعها إلى مستحقيها. والله أعلم.

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى




في حديث له بعنوان (توجيهات لطلبة العلم)
سماحة المفتي : الحياة كلها ميدان واسع لتنافس المتنافسين في طلب العلم
ـ طلب العلم لا ينحصر في مواقيت معينة يذهب فيها الطالب الى المدرسة أو المعهد أو الجامعة
ـ العلم الشرعي هو العلم الذي يزكي النفس البشرية
ـ طالب العلم الحقيقي لا يفوت شيئا من الوقت ولا يجد لنفسه راحة إلا في طلبه العلم

أكد سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة على أهمية طلب العلم وحث طلبة العلم على الجد مؤكدا على أن العلم لا يحد بحد زماني أو مكاني وقال سماحته :جعل الله ـ تعالى ـ الزمن على وتيرة واحدة فالليل والنهار يتعاقبان فيه باستمرار وقد جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ في هذا التعاقب عبرة لأولي الألباب يقول سبحانه وتعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) ( آل عمران / 190 ـ 194 ) ومن المعلوم أن هذا التعاقب المستمر بين هذين الخلقين المتعاقبين لدليل يؤذن بتقريب كل بعيد وان كل انسان سيرد المورد الذي وعد بان يرده فـ (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ( آل عمران / 185 ) إذ هذا التعاقب الذي يستمر ولا ينقطع إنما هو مؤذن بالتقاضي الذي يتقاضاه الأجل المحتوم كل انسان من خلق الله .
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلـة
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
فلذلك كان كل امرىء جديرا بان ينتهز هذه الفرصة من اجل تزود زاد التقوى الذي ينتهي به إلى أن يفوز برضوان الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة وان يلقى نعيما وملكا كبيرا يؤتيه الله سبحانه وتعالى المتقين العاملين المخلصين الذين يعملون بأمره ويزدجرون عن نهيه ، ويستغلون فرص هذه الحياة .
ولا ريب أن هذه الفرصة لا يمكن أن تعوض بحال ؛ فان فواتها يؤذن بخسارة من فوّتها . فلذلك كان العبد مسئولا عن كل جزء من عمره ، كما دل على ذلك حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انه يسأل عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه . فليس الكيس من أهمل نفسه ، وفوت فرصته ، وأضاع عمره ، وقضى أوقاته في اللهو والمجون ؛ يستقبل الليل والنهار بالخمول والكسل ، واللهو ، والهزل . وإنما الكيس هو من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ـ كما جاءت بذلك الرواية عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ـ .
وقال سماحته :العلم هو أساس ومصدر كل فضيلة وسبب لاستقامة كل عمل . فان العلم هو ميزة هذا الإنسان الذي كرمه الله ـ سبحانه وتعالى ـ وجعله خليفة في هذه الأرض وسيدا في هذا الكون ، ولذلك تعاقبت مواكب النبوات تحمل إلى الناس رسالة العلم من اجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وعندما جاءت الرسالة الخاتمة التي بعث بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت رسالة ناطقة بالدعوة إلى العلم في أول ما واجهت به هذا الإنسان من خطاب إذ الخطاب الأول ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ( العلق / 1 ـ 5) وهذا الخطاب وان من كان من حيث لفظه موجها إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فانه من حيث معناه يشمل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويشمل أمته جميعا ، فالأمة مخاطبة بهذا الخطاب حتى تكون امة قوية عزيزة ، عليمة ، خبيرة ، تتصرف في كل أمورها بعلم ، وتضبط جميع حركاتها في هذه الحياة بضوابط الحق الذي انزله الله سبحانه .
فان الإنسان لم يخلق هملا ولم يترك سدى بل خلق من اجل أمانة ثقيلة ، ثقلت على السماوات والأرض والجبال فأبين إن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا ، ولئن كانت هذه الأمانة بهذا المقدار من الجسامة فانه ولا ريب لا يستطيع هذا الإنسان إن يتقن حملها إلا عندما يكون متسلحا بسلاح العلم ، بحيث يتبين الخير من الشر ،والنفع من الضر ويميز بين الحق والباطل ويفرق بين ما يؤدي إلى رضوان الله وما يؤدي إلى سخطه ـ سبحانه وتعالى ـ .
فمن هنا كان ضرورة تعلم العلم النافع الذي يقرب إلى الله زلفى ، وقد امتن الله سبحانه على المؤمنين ببعثة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهم معلما . فقد قال سبحانه : ( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ْ ) ( آل عمران / 164 ) وامتن بهذه النعمة على العرب الأميين الذين كانوا غارقين في الجهل ، بعيدين عن الرشد ، عميا عن الحقيقة ، ـ امتن الله سبحانه وتعالى ـ عليهم عندما قال: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ْ ) ( الجمعة / 2 ) ثم امتن بذلك على سائر الشعوب والأمم عندما قال : ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ْ ) ( الجمعة / 3 ـ 4 ).
ولئن كان العلم بهذا القدر من الشأن ، وعلو المرتبة ؛! من اجله أرسل الله تعالى المرسلين ليحملوه إلى الخلق حتى يتكيفوا في معتقداتهم وتصوراتهم ، وفي عباداتهم وقرباتهم ، وفي أخلاقهم ومعاملاتهم ـ بحسب ما يقتضيه ـ فان طلب هذا العلم في مقدمة الواجبات ، إذ العبادات على اختلافها لا تؤدى إلا بالعلم ، ولا يميز بين الحق والباطل ، والضلال والهدى في المعتقدات والتصورات والأفكار إلا بالعلم . فلذلك كان لزاما على الإنسان أن يطلب العلم .
وقال سماحة المفتي :وطلب العلم ليس له ميقات محدود ، فالحياة كلها ميدان واسع لتنافس المتنافسين في طلب العلم ، لذلك كان طالب العلم ـ الذي هو حريص عليه ومنافسا في ميدانه ـ يطلبه كما قيل : (من المهد إلى اللحد) فلا يعني طلب العلم أن يكون الإنسان يطلبه في مرحلة معينة من عمره ، بحيث يتعلم في السنين التي اصطلح الناس في أن تقضى ما بين المدارس والجامعات والمعاهد وسائر المؤسسات العلمية ، ثم بعد ذلك يترك هذا الأمر ويعدل عنه إلى حياة أخرى ...
إنما طلب العلم يجب أن يكون طلبا متواصلا من أول الحياة إلى آخرها ، فمنذ بداية فهم الإنسان وتمييزه يؤمر بان يطلب العلم ، ويوجه أهله إلى توجيهه لان يطلب العلم ، ثم يستمر مع ذلك في الطلب إلى أن يلقى ربه ـ سبحانه وتعالى ـ .
لذلك كان طلب العلم لا ينحصر في مواقيت معينة يذهب فيها الطالب الى المدرسة أو المعهد أو الجامعة ، ثم تأتي الفرصة التي تسمى الاجازة الصيفية يلقي كتابه جانبا ويقبل إلى اللهو والكسل وما يتصوره راحة للنفس بحيث يخلد الى النوم يستقبل ليله ونهاره كسلان غير مبال بما اكتسبه من قبل من علم يراجعه ، وإنما على هذا الطالب الذي خرج من المدرسة أو المعهد أو الكلية أو الجامعة أن يغتنم هذه الفرصة لمواصلة الطريق ، مع أنه ولا ريب ، العلوم كلها مفيدة وكلها تؤدي - عندما تستخدم كما يرضي الله سبحانه وتعالى- إلى سلامة الدنيا وإلى سعادة العقبى ، ولكن مع ذلك تقاس هذه العلوم وتوزن بمقادير عطائها في هذه الحياة وأثرها في هذه النفوس.
ولا ريب أن العلم الشرعي هو العلم الذي يزكي النفس البشرية بحيث يبدأ أولا تنزيه هذه النفس عن المعتقدات السيئة ، والتصورات الضالة ، ويبين للإنسان الدليل المميز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال ، ثم بعد ذلك يقوم سلوك هذا الإنسان ، فيجعل هذا الإنسان موصولا بربه في كل أحواله ، في عباداته ومعاملاته في أخلاقه وسلوكه ، في عطائه ورده في مكرهه ومنشطه ، في سلمه وحربه ، في ما بينه وبين ربه سبحانه وتعالى وفي ما بينه وما بين الخلق ، في ما بين الولد ووالده ، وفي ما بين الأخ وأخيه وفي ما بين الجار وجاره ، وفي ما بين القريب وقريبه ، وفي ما بين المسلم وسائر اخوانه المسلمين ، وفي ما بين المسلم وسائر الناس ، وفي ما بين هذا المسلم وهذا الكون الذي يتعامل مع كل جزء من أجزائه ، إذ سخر له تسخيرا بأمر الله سبحانه وتعالى.
فلذلك كانت ضرورة التفقه في دين الله ، ومن أجل هذا نرى في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ، فالفقه في دين الله خير كبير ، ولكن هل الفقه في دين الله سبحانه يتوصل إليه بين عشية وضحاها بمجرد الأماني وبمجرد تعلق النفس بأن تصبح فقيهة متمكنة من العلوم الشرعية على اختلاف أنواعها ، قادرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة ، أو أن هذا أمر يحتاج إلى جهد جهيد ، لقد أجاب عن هذا السؤال الشاعر عندما قال:
تمنيت أن تمسي فقيهاً مناظرا
بغير عناء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقة تحمـ
ـلها فالعلم كيف يكون
الإنسان عندما يسعى إلى أي شيء لابد من أن يبذل فيه الغالي والثمين ، ويضحي براحته ووقته ، فطالب المال عندما يطلب المال يدأب ويجتهد في اكتساب المال ، وطالب الرئاسة أيضا يسعى الى هذه الرئاسة متخذا جميع الوسائل من أجل الوصول إليها ، وهكذا من طلب أي مطلب من مطالب هذه الحياة لا بد أن يستعد لهذا المطلب بحيث يتخذ الوسائل الموصلة إليه.
مع أنه من الممكن للإنسان أن يتوصل الى مواهب هذه الحياة بدون جهد وعناء -وإن كان ذلك أمرا قد يبدو شاقا وعسيرا- ، فقد يستغني الفقير بين عشية أو ضحاها ، إذ يمكن لهذا الإنسان الفقير أن يرث مالا -بين عشية وضحاها- ويصبح من الأثرياء الكبار ، ويمكن أن يوصى له بمقدار كبير من المال ، يحوله من الفقر الى الغناء ، ويمكن أن يوهب أيضا مقدارا كبيرا من المال ، هذه احتمالات واردة ، ولكن من طلب المال لا يعول على هذه الاحتمالات ويبقى ليله ونهاره ينتظر أن يموت موروثه ، أو أن يموت أحدا يوصي له بمقدار كبير من المال ، أو أن يمنح من أحد الأثرياء مقدارا هائلا من المال ، إنما طالب المال يجتهد ويكدح ، ويتخذ الوسائل للوصول الى هذا المال.
ويصور العلامة ابن النضر - رحمه الله تعالى - حال الناس في طلب هذه الدنيا عندما يقول:
ما الناس الا كالدواب الهمل
همهم في الأكل والترفل
والكدح والشح وبالتحيل
قد حاولوا الدنيا بكل الحيل
والقطع للبيد ونص الأبل .... إلخ ما ذكره من أحوال الناس ، فهذا دأب الناس في طلبهم هذه الدنيا.
والعلم أغلى من المال ، والعلم لا يتوصل إليه بهذه السبل الخيالية التي قد يمكن أن يوصل إلى المال من خلالها ، لا يمكن للإنسان أن يموت عالما من العلماء بينه وبينه صلة قرابة فيورثه هذا العلم الذي كان معه ، فالعلم لا ينتقل من الآباء إلى الأبناء ، ومن الأجداد إلى الحفدة ، ومن الأقرباء إلى أقربائهم بمجرد موت حامله ، ولكن العلم إنما يحصل بالطلب بالرغبة الملحة والعشق بحيث يجعله الإنسان ملء قلبه وملء سمعه وبصره ، وملء فكره ووجدانه، ونصب عينيه يدأب ليله ونهاره في طلبه.
وكذلك لا يتصور أن يتحول الإنسان من الجهل إلى العلم بعطية يهبها له أحد العلماء ، إذ يمنحه جزءا من علمه كما يمكن أن يمنحه جزءا من ماله ، وكذلك لا يمكن أن يتحول العلم من شخص الى شخص بمجرد الوصية ، بحيث يوصي العالم بأن تركته من العلم هي لفلان ، لا ، العلم لا يمكن أن يتوصل إليه بأي سبب من هذه الأسباب التي يحتمل أن يتوصل إلى المال من خلالها ، فلذلك كانت ضرورة طلب العلم والالحاح في هذا الطلب ، وقد أجاد من قال في توجيه طلبة العلم:
بقدر الكد تعطى ما تروم
ومن رام المنى ليلا يقوم
وأيام الحداثة فاغتنمها
ألا إن الحداثة لا تدوم
هكذا يكون طالب العلم ، يجتهد في تحصيل العلم ويسهر ليله من أجل هذا التحصيل ، ويكرره في نهاره حتى يتبوأ المكان الذي يتطلع إليه ، وقد أجاد الحكيم عندما قال:
أعطي العلم كلك يعطك بعضه ، فإن العلم أوسع من أن يحيط به أي أحد من الناس.
والزمخشري العلامة الذي وصف بهذا اللقب واشتهر به حتى أصبح علما غالبا ووصفا لازما ، أي العلامة ، كما اشتهر بلقب جار الله ، الزمخشري يخاطب الإنسان الذي يطمح الى أن يصل إلى مستواه ، ويتبوأ المكانة التي تبوأها في العلم ويصبح مثله في تحقيق العلوم باستخراج كنوز العلم من مضانها ، يخاطب مثل هذا الإنسان بقوله:
أأبيت سهران الدجى وتبيته
نوما وتبغي بعد ذاك لحاق
فشتان بين الاثنين ، بين هذا الذي يبيت ساهرا ليله من أجل التوصل إلى العلم ، وبين هذا الأحمق الجاهل الذي يبيت ليله نائما ، وكل أمنيته أن يصبح عالما مناظرا في مستوى الزمخشري الذي يقضي ليله بين دفاتره ومحابره ، مفتشا عن جواهر العلم بالغوص في أعماق بحاره ، شتان بين الاثنين.
ويقول - الزمخشري- مبينا لذته في تحصيل العلم:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من وصل غانية وطيب عناق
السهر الذي يقضيه بين محابره ودفاتره من أجل تنقيح العلوم وتحريرها هو ألذ له من وصل المرأة الجميلة الحسناء يقضي معها ليله مستمتعا بها ومعانقا إياها. فهكذا رغبة الذين يحرصون على العلم ويطلبون العلم.
وقال : ومن المعلوم أن كل أحد يعرب في هذه الحياة عما هو متعلق به ، فكل صاحب هم في هذه الدنيا يعرب عن همه ، عندما سئل امرؤ القيس -وكان رجلا عاشقا للنساء حريصا على الاستمتاع بهن عن لذته في هذه الحياة- عندما قيل له فيما لذتك ؟ قال: في غيداء خرعوبة بالشحم مكروبة وبالطيب مشبوبة.
وعندما سئل الأعشى عن لذته -وكان رجلا شاربا للخمر- قال: في صهباء صافية من كف غانية ، ولكن عندما سئل أحد العلماء عن لذته - إذ قيل له فيما لذتك - قال: في حجة تتبختر اتضاحا ، وشبهة تتضاءل افتضاحا. هذه لذة حامل العلم وطالبه الذي يسعى الى تحصيله.
فإذن هؤلاء الطلبة عليهم أن يدركوا قيمة ما يطلبون ، وأنهم لا يمكنهم أن يصبحوا من العلماء المتبحرين المحققين القادرين على إعطاء الدليل الشرعي في المسائل الشرعية والتمييز بين راجح هذه الأدلة ومرجوحها ، وصحيح الأقوال وضعيفها إلا باجتهادهم في طلب العلم حتى يتبوأوا هذه المنزلة.
ولا ريب أن نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده - بالفهم والإدراك والفطنة - نعمة كبرى ، ولكن إن لم تستغل هذه النعمة لن تصل بالإنسان الى غاية ، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
بجد لا بجد من مجد
وهل جد بلا جد بمجد
فكم عبد يقوم مقام حر
وكم حر يقوم مقام عبد
الأمر بالجد - أي بالحض - وطلب العلم لابد من ان يصحبه حض بحيث يهيئ الله سبحانه وتعالى طالب العلم لان يكون من حملته ، (لا بجد) لا بمجرد الاجتهاد إن لم يكن مع هذا الجد حض ، ولكن (هل جد بلا جد بمجد) هل يجدي الحض وحده من غير اجتهاد ؟ وبسبب هذا يتنافس المتنافسون ، حتى يكون الأحرار في مستوى العبيد ، ويكون العبيد في مستوى الأحرار ، بحيث ما يكون بين جنبي كل واحد منهم من همة - تلكم الهمة هي التي تقعد بصاحبها أو تنهض به.
وأضاف سماحته : على طلاب العلم وهم يستقبلون - أي العطلة والتي هي فرصة للإطلاع على أنواع أخرى من العلم ، مع مذاكرة ما تعلموه ودراسته ، على هؤلاء الطلاب أن يستغلوا هذه الفرصة حتى يكونوا فيها متنافسين في مجال الاجتهاد في طلب العلم ، وذلك بان يقضوا نهارهم - لا في اللعب واللهو - وأن يحيوا أوقاتهم بالمذاكرة الدائمة للعلم والحرص على تحصيله ، والعلوم - كما قلت - علوم متفاوتة ، وكلها فيها خير كبير ، ولكن التفاوت إنما يرجع الى مقادير عطائها ، والعطاء إنما يقاس بمقدار تأثيرها في هذه النفوس.
فإن الإنسان بقدر ما يتأثر يتحول من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع ، فقد يكون الإنسان في مستوى الملائكة من حيث صفاء النفس وطهارة الضمير ونقاء القلب والصلة بالله سبحانه وتعالى ، وقد يكون -أيضا- نازلا إلى الدرك الذي فيه الشياطين والعياذ بالله ، وقد يكون هذا الإنسان في همته ، همته مع الأفلاك النيرة ، وقد تكون أيضا همته تنزل به إلى أن تكون في الحضيض أسفل وأن يكون قدره لا يتعدى قدر الجرذان والفئران والزواحف السامة والحشرات المؤذية.
فمن أجل ذلك ، على هؤلاء الطلاب أن يحرصوا على طلب العلم بحسب ما يمكنهم من ترويض أنفسهم وتحويلها الى الخير والطاعة والرشد والهداية والصلاح والاستقامة.
على أن طالب العلم الحقيقي - وليس مدعيا لطلبه - لا يفوت شيئا من الوقت ولا يجد لنفسه راحة إلا في طلبه العلم ، وهذا مما عرف عن الكثير الكثير من أسلافنا رحمهم الله ، فأسلافنا كانوا أحرص ما يكونون على تحصيل العلم بشتى الوسائل مع قضاء الأوقات في تحصيله حتى ولو كلفهم ذلك ما كلفهم ، ولا ريب أن الكثير منا قرأ ما كان من العلامة الشيخ أبي زكريا يحيى بن صالح ـ رحمه الله تعالى ـ في إبان طلبه العلم بجزيرة جربة بالقطر التونسي وقد انتقل إليها من وادي ميزاب ، في وقت كان فيه الوادي غارقا في الجهل ، وأراد أن يبدد هذه الظلمات التي كانت في الوادي ، فخرج طالبا للعلم منتقلا من مسقط رأسه وموطن آبائه ومرتع طفولته ومسرح خياله الى جزيرة جربة التي هي بمنأى عن الوادي ، إذ هي بقطر غير ذلك القطر ، وفي بعض الروايات يقال بأنه قضّى اثني عشر عاما في طلبه للعلم ، وفي بعضها يقال بانه قضّى ثلاثين عاما وهو يطلب العلم وفي هذه المدة كانت تأتيه الرسائل من موطنه وكان يضع تلك الرسائل في كوة ، حتى لا يشغله ما فيها من الأنباء المزعجة عما هو مقبل عليه ، وعندما فرغ وأراد العودة إلى بلده فتش تلكم الرسائل وأطلع على ما فيها فوجد ما لو أطلع على بعضه إبان طلبه لازعجه وتركه يقطع رحلته العلمية ويرجع الى وطنه ، ولكن كانت نتيجة ذلك أنه كان مصباحا مضيئا ما بين تلكم الظلمات ، فإذا به يبدد تلكم الظلمات ويطوي سجافها كطي الشمس لظلمات الليل عندما يشع شعاعها ، وإذا بالعلماء النوابغ الكبار يتخرجون في مدرسته بعدما درسوا على يديه وكرعوا من ذلكم المعين الدافق السلسال ، ومن بين هؤلاء العلماء الكبار الذين كانوا تلامذته العلامة الكبير الإمام ضياء الدين عبدالعزيز الثميني صاحب النيل رحمه الله تعالى. فإذن هكذا ينبغي أن يكون طالب العلم
وقال سماحته :من المعلوم أن القرآن الكريم هو مصدر كل خير وأساس كل هداية ، هو النور المشع وحبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : (إنا سمعنا قرآنا عجبا) ، فمن حفظ القرآن الكريم كان كمن أدرج علم النبوة بين جنبيه ، لأن القرآن الكريم هو وعاء علم النبوة ، هو وحي الله تعالى المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد وصفه الله سبحانه بقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، وقال: (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين) ، فإذن الكتاب الكريم يجب أن يحرص على تحفظه من أول الأمر ، وأن يسخر الطلبة أوقاتهم في كل عطلة من أجل حفظ كتاب الله ومن أجل استذكار ما كادوا ينسونه مما حفظوه منه ، وأن يقبلوا على دراسة العلوم الشرعية التي هي من عطاء هذا القرآن ونتائجه ، ومن عطاء السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بحيث يحرصون على دراسة الفقه في دين الله وتفسير كتاب الله ودراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ ما يمكنهم أن يحفظوه منها ودراسة ما يمكن أن يدرسوه من أصول الدين ، ودراسة ما يمكنهم أن يدرسوه من أصول الفقه حتى تكون عندهم الآلة الفاعلة التي يتمكنون بها من التمييز بين الحق والباطل ومن معرفة الراجح والمرجوح من الأقوال ، ويتوصلون بوساطتها الى فهم تأثير الأدلة الشرعية حتى يستنبط منها الحكم الشرعي ، هذا أمر ندعو إليه طلبة العلم ، ونرجو أن تكون المساجد بعون الله وتوفيقه مراكز لهذه التوجهات ، وأن تكون جهود أهل العلم جهودا دائبة من أجل القيام بهذه المسوؤلية والاضطلاع بهذه الأمانة ، فإن حياة العلم مذاكرته ، وعلى من منحه الله سبحانه وتعالى شيئا من العلم أن يبصر به الآخرين.


سماحة الشيخ العلامة
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة


أعلى





رسالة المسلم في عصر العولمة (1-4)

- العولمة: هي إخراج الأشياء من حيز الخصوصية إلى آفاق العالمية
- العلم مرتبط دائما بالموضوعية، والمذهب متداخل مع الذاتية
- العالمية ليست شيئا جديدا خرج من رحم العولمة
- المذهب هو المعتقدات والآراء التي يعتقدها الفرد أو الجماعة

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان لغاية، وجعل له هدفا في الحياة، وهو عبادته جل وعلا لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُون) الذاريات:56، هذه العبادة تلف كل مناحي الكون، وتأتي على حياة الإنسان من مبتداها إلى منتهاها، آخذة بكل حركته في الحياة، حيث يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام:162-163، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان مائة جزء، أعظمها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق)) رواه الربيع.
فعلى المسلم أن لا يتخلى عن رسالته التي كلفه الله تعالى بها حتى يخرج من هذه الدنيا ويلقى ربه وهو على عهد الإيمان بالله تعالى والتسليم لشرعه الحنيف يقول سبحانه حكاية عن نبيه يوسف عليه السلام: (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) يوسف:101.
ولا يقبل الله سبحانه وتعالى من الإنسان إلا أن يدين له بالإسلام لقوله عز من قائل: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران:85.
والإنسان هو خليفة الله في الأرض، خلقه فيها ليحسن إعمارها وفق منهجه تعالى يقول سبحانه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة:30، ويقول أيضا: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) النمل:60-62 ومقام المسلم في الأرض هو مقام القائد الذي يقود البشرية إلى خيري الدنيا والآخرة، والمسلم الحق هو الذي يحقق القانون الإلهي؛ بأن يجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وذلك بنصرة دين الله تعالى بكل ما يملك، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التوبة:38-41، وحال المسلمين الآن حال المقصر، فطالما أن كلمة الذين كفروا هي الكلمة التي تقود البشرية وترغم المسلمين على الخضوع لها، فإننا في وضع مخل بالأمانة التي حملنا إياها، ولا يستقيم الأمر إلا أن نرجع رجوعا صادقا إلى ديننا، وأن نأخذ بزمام القيادة، ونعمل على تحقيق التمكين لأمة الإسلام.
هذه مبادئ أولية في عقيدتنا يفقهها كل مسلم، ولكن بكل تأكيد يوجد فينا خلل، أوصلنا إلى أن تتكالب علينا الأمم من كل حدب وصوب، وأصبحنا -بكل أسف- أمة غثائية ننتقص من كل جانب، من عقيدتنا وفكرنا، ومن خلقنا وسلوكنا، ومن أرضنا ودمائنا، ومن اقتصادنا وخيراتنا، وإذ نحن الآن في عصر "العولمة" علينا أن نراجع أنفسنا، وأن ندرس واقعنا، ونحلله تحليلا يبتغ الوصول إلى الحقيقة، ثم نضع لأنفسنا العلاج الناجع الذي يرفعنا من وهدة التأخر وينقذنا من حضيض الضياع.
إن رسالة المسلم في عصر العولمة هي أن يعيد النظر إلى موقع الأمة من الخارطة العالمية وإلى واقع المسلمين من قائمة الشعوب، ويخرج بدواء للأدواء التي نعانيها، ويسعى بعد ذلك إلى العمل بجد غير متوان ولا متواكل، فعليه أن يأخذ بالأسباب التي بثها الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، وأن يوثق صلته به جل وعلا.
فالصراخ والعويل ونثر التراب على الرؤوس لن يجدي نفعا، وانتظار تحقق الأماني بدون عمل وسعي هي سلعة المخذول والمنهزم، ورمي التبعة على الأعداء هي حيلة العاجز الذي قصرت به الهمة وانحطت مداركه وخارت قواه، أما المؤمن القوي فهو من يسعى لنصرة دين الله تعالى، والأخذ بالأسباب، والبحث في هذا الكون عن مخرج لضعف الأمة وانحطاطها وركودها وغفوتها.
نعم؛ هناك مؤامرة من الأعداء بل هي مؤامرات كقطع الليل المظلم، ولكن ماذا يجدينا إدانة هذه المؤامرات العدائية ونحن في نوم قاتل وسبات عميق، إننا بإدانتنا الفارغة لا نزيد الأمة إلا وهنا، ولا نزرع فيها إلا مزيدا من العجز، وربما نحطم ما بقي فيها من خير، علينا أن نرجع الكرة مرات ومرات، ونحشد قدراتنا المختلفة، ونرص الصفوف، وننسى الخلاف، ونستغل كل ما يمكن من مقدرات الأمة، تحقيقا لنصرة الله تعالى ونصرة دينه وعزة أمة الإسلام.
علينا أن ندرك المتغيرات العالمية، ونتقن فنون إدارة الحياة، ونأخذ بالعلوم والسنن الكونية، وأن نزاحم عليها أعداء الله تعالى، وأن يعي علماء الأمة أن العلوم المطلوبة من أبناء الأمة ليست هي العلوم الشرعية وحدها، بل علوم الحياة جميعها، فنلج هذا الجانب ولوج المؤمن التقي، ونندفع إلى ذلك بحماس المسلم الوفي لدينه.
وفق هذه الرؤية نعالج بإذن الله تعالى الموضوع المطروح للكتابة فيه وهو رسالة المسلم في عصر العولمة.
مفهوم العولمة:
كثر الحديث عن العولمة، ووضعت الكثير من الكتب والدراسات والمقالات عنها، ووقف الناس حيالها طرائق قددا، فمنهم من يعتبرها شرا محضا ورجسا من عمل الشيطان، وخرجت للتنديد بها مظاهرات عالمية، ومنهم من أخذ يبشر بها، ويعدها نهاية النعيم وغاية الفردوس، وجعلها أبدع ما أنتجته البشرية وعندها ينتهي العالم، أي لا يمكن أن تأتي البشرية بطريقة أفضل منها، وهؤلاء يذكروننا بنزق الشيوعيين الذين كانوا يعدون العالم بفردوسهم الأرضي، وتكشفت في الأخير عن نار لظى وسعير جهنمي، لم تلبث البشرية أن مجته وسأمته وعانت من ويلاته وذاقت مرارته.
ووقف الكثير من الكتاب يعددون مزايا العولمة ومساوئها، وأنها لا يمكن أن تعتبر شرا محضا كما لا يمكن أن تعتبر خيرا محضا، وهؤلاء يدعون للاستفادة من خيرها، ومناهضة شرها، إلا أنهم لم يتفقوا على تحديد ما هو النافع من الضار في العولمة، فما يراه البعض نافعا يراه الآخرون ضارا، والعكس بالعكس، قد يتفقون على بعض الأمور إلا أنهم يختلفون على أكثرها.
والأمر الذي يراه الكثيرون أن العولمة لا زالت في طور تشكلها، فهي لم تتحدد المعالم، ولم تعرف كافة أبعادها، ولم يتفق على تعريفها، فهي من ناحية التعريف هلامية، ومن حيث إطارها مطاطية، فهي أشبه بإحدى أدواتها وأخطرها وهي "الإنترنت"، فشبكة المعلومات العالمية شبكة عنكبوتية متداخلة متوازية ومتقاطعة في جميع الاتجاهات، وتتمدد باستمرار، وهكذا العولمة؛ يتسع مفهومها بسرعة حركة الحياة، كما أن أصحاب كل اتجاه يفسرونها ويحللونها بطرائقهم ومناهجهم، حتى أن هناك من يراها بأنها اشتراكية بثوب رأسمالي ومن يراها رأسمالية بثوب شيوعي، ومن يراها رأسمالية في صورتها المتوحشة.
فالعولمة تعني في جانب المعلومات الفضائيات التي تدخل كل بيت والإنترنت التي على رأس كل سرير.
وفي جانب الاقتصاد فهي الشركات عابرة القارات التي لا تعترف بأرض ووطن، فكل أرض وطنها، وهي الشركات التي تأكل من هو أصغر منها.
وفي مجال الحرب فهي تعني البوارج التي تحمل مدنا عسكرية بأكملها بداية من المطارات المجهزة لانطلاق عشرات الطائرات منها، وانتهاء بتقديم أكثر من عشرين ألف وجبة يوميا لجنودها السبعة آلاف محارب، وتعني في الحرب أيضا المدمرات الذكية والحرب التكنولوجية الذكية.
وفي الجوانب الاجتماعية فهي تعني النموذج الغربي وبالأخص الأميركي؛ الذي ينبغي أن يقتدى به في المأكل والمشرب والملبس وطريقة الحديث والتعامل مع الآخرين وطرائق التفكير.
وفي الثقافة ذوبان الفروق الثقافية والتخلي عن الخصوصيات الذاتية، وتعني وحدة الأديان، والبشر في هذه المنظومة صالحهم وطالحهم سواء.
العولمة تعني كل ذلك وأكثر من ذلك.
ولكن أين كلمة الإسلام في ذلك وما موقف المسلم، وما هي رسالته؟.
لنجيب على هذه الاستفهامات علينا أن نفك التداخل بين العلم والمذهب.
العلم والمذهب:
حتى نقف على رؤية صحيحة في موضوع العولمة، وبالتالي يؤدي المسلم رسالته التي ناطه الله تعالى به، لا بد لنا أن نبي أمورنا على تصور سليم للمعرفة الإنسانية.
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وجعله قادرا على التفاعل في هذه الحياة والتعامل مع حركتها، فللإنسان قدرة عجيبة وفائقة على اكتساب المعارف ومعرفة سنن الله تعالى في كونه، يقول سبحانه: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النحل:78، وهذا ما يشير إليه أيضا قوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون) البقرة:30-33 فقابلية الإنسان لتعلم الأسماء ينبثق منها قدرته على تعلم الأمور واكتساب الأفكار التي يستغل بها هذا الكون، وخاصة أن الله تعالى قد جعله على ضخامته وترامي أطرافه وتنوع مكوناته وتعدد موجوداته مسخرا للإنسان، وهي خاصية أمتاز بها دون سائر المخلوقات الأخرى، بل هذه المخلوقات هي مسخرة له، لقوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الجاثية:13، ويفصل الله سبحانه وتعالى هذا الإجمال في آيات أخر من ذلك قوله سبحانه: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) النحل5-18.
وقد ابتدأ الإنسان في تعامله مع هذا الكون بداية بسيطة، ولكنه أخذ في الترقي طورا بعد طور على مدى حركة الأيام وتعاقب الدهور، فتوسعت معرفته يوما إثر يوم، وكلما استطاع أن يكتشف جزءا من الكون ومن الأنظمة المسيرة له ازدادت قدرته على استغلال قانون التسخير الذي أعطاه إياه الله تعالى، يقول عز وجل: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) نوح:14، ويقول تبارك وتعالى بعد ذكر تسخير الكون للناس: ((وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الجاثية:14.
أصبح الإنسان يقطع المسافات الشاسعة في ساعات معدودة بعد أن كان يقطعها في الأشهر الكثيرة أو السنوات، وكان يستخدم في تنقله الدواب، والآن يستخدم المركبات السريعة برا وبحرا وجوا، وكان لا يعرف ما يجري في القرية المجاورة له، وإذا به يرى ويسمع في نفس اللحظة ما يجري في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وبالجملة بعد أن كانت الأرض شاسعة مترامية الأطراف غدت قرية صغيرة، تتحرك فيها الحياة بجوانبها المختلفة؛ البشر والمعلومات والأموال، بأسرع ما يمكن.
لكن حركة الإنسان في الحياة لم تكن كلها حركة بريئة وخيرة، وإنما ابتعدت كثيرا عن مقاصد استخلافه في الأرض، فعاث فسادا فيها وسفك دماء، وظهر بما كسبت يده الفساد في البر والبحر، يقول سبحانه وتعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم:41، وقد تعاقبت عليه رسالات السماء من الله تعالى لتهديه إلى دين الله تعالى وتضبط مسير حياته وترسم له خارطة سيره.
وفي سير الإنسان وحركته الدائبة في الكون اختلطت لديه الكثير من المفاهيم، ولذلك يحتاج دائما إلى ما يضبط وجوده في هذا الكون، فكان دين الله تعالى الخاتم هو الدين الأنسب لمعطيات الإنسان الحضارية، وهو القادر على مواكبة تطوره بعيدا عن الانحراف أو الانجراف إلى الهاوية، وقبل الحديث عن هذه النقطة يجدر بنا أن نفرق بين العلم والمذهب، وأين يقف الإسلام بينهما، حتى يعرف المسلم رسالته في عصر العولمة.
تنقسم المعارف الإنسانية إلى علم ومذهب.
أما العلم فهو القوانين والقواعد والسنن التي بثها الله تعالى في هذا الكون، وعلى وفقها تسير الأمور بمشيئته جل وعلا، ولا يمكن للإنسان أن يستغل الكون إلا بها، كقوانين الرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب ونحوها فقد اقتضت حكمته جل وعلا أن تسير وفق سنن محددة لا تحيد عنها، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) الأحزاب:62 (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) فاطر:43، وهذه السنن دالة على عظمته وقدرته سبحانه وتعالى.
ويندرج تحت هذه السنن قوانين علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ وعلم الاقتصاد، وهذه العلوم وإن حدث فيها خلط مع مذاهب من اشتغل بها، ولكن لها قوانينها التي تسير على وفقها، وعلينا أن نفك هذا الاختلاط، ونستخلص القوانين التي تسيّر هذه العلوم.
أما المذهب فهو المعتقدات والآراء التي يعتقدها الفرد أو الجماعة، كالمذهب الشيوعي والمذهب الرأسمالي ونحوهما، فهذه المذاهب وإن كانت قد اشتغل اتباعها بالعلوم الكونية، وقد قطعوا فيها شوطا كبيرا، إلا أن مذاهبهم العقدية والفكرية أثرت على صياغة العلوم الكونية، فلم تعد علوما محضة، بل أصبحت علوما مشوبة بمذاهبهم.
فلذلك علينا أن لا نخلط بين الأمور، وإنما علينا أن نسعى لفرز هذه العلوم عن تلك المذاهب.
إن العلم مرتبط دائما بالموضوعية، والمذهب متداخل مع الذاتية التي يعكسها الفرد أو الجماعة، ولذلك على الباحث أن يتخلى عن ذاتيته ويدخل حقل العلوم متحليا بالموضوعية التامة.
هناك أمور كثيرة تعكس ذاتية المرء على أي علم من العلوم وتؤثر على موضوعيته، من ذلك عقيدة الإنسان ودينه، والتربية التي تربى عليها والمناهج التي يسير عليها النظام التعليمي، كما أن لظروف الزمان والمكان أثرها القوي، بل طبيعة الإنسان ومزاجه لهما أثرهما الذي يعكس ذاتية الإنسان على العلم الذي يبحث فيه أو يأخذ به، لذلك على الإنسان أن يحاول جهده أن يتخلص من ذاتيته ويتحلى بأكبر قدر ممكن من الموضوعية.
والعلوم الكونية والعلوم الاجتماعية المعاصرة نشأت في الغرب، فجاء الكثير منها محملا بذاتية البيئة التي بحثتها والباحثين الذين بحثوها، فهي من حيث الكشف عن قوانين الكون التي جعلها الله تعالى ومن حيث استغلال هذه القوانين أمر مشاع بين خلق الله تعالى، فلا يحكر على أحد دون أحد استخدامها، والمسلمون هم أول من يأخذ بهذه العلوم لأنها من خلق الله تعالى ولأنها تحقق النصر والتمكين للمسلمين، وتجعل كلمة الله تعالى هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
ولكن ذلك لا ينسينا أن نفرز هذه العلوم مما شابها من مذاهب القوم التي لا تمت إلى العلم، وإنما تروج ثقافتهم التي لا تمت إلى الإسلام بل تتعارض مع هديه الحنيف، بداية من الإلحاد في الله تعالى وانتهاء بالتفسخ الأخلاقي والانحطاط الإباحي، مرورا بالاستغلال الاقتصادي، حيث علينا أن نرفض هذه الثقافة رفضا تاما، لأننا مطالبون أن ننتمي إلى ثقافة ديننا النابعة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.
والإسلام الذي اصطفاه الله لعباده وإن كان يحمل معتقدات إلا أننا لا يمكن أن نصنفه بأنه مذهب كغيره من المذاهب، بل هو في الحقيقة ينتمي إلى دائرة العلم، لأن الله خالق هذا الكون وجاعل سننه وقوانينه؛ هو منزل الإسلام، فما في الإسلام لا يتنافى مع العلوم الكونية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو سبحانه وتعالى منزه من أن يحابي أحدا على أحد، وهو متعال عن تأثير الأمور عليه، فلا ينزّل على عباده إلا ما يتوافق مع قوانين هذا الكون ومع حركته الموزونة والمقدرة من قبله جل وعلا.
ومن المهم أن ننبه بأن العصمة من مخالفة سنن الله تعالى ونواميسه هي لكتاب الله العزيز وحده، وأما السنة النبوية فقد دخلها الكثير من الوضع وأصابها التحريف المقصود أو الوهم غير المقصود، ولذلك تحتاج إلى تنقية وغربلة يخلصها مما علق بها مما ليس منها.
والمذاهب الإسلامية قد تقترب من الحق الذي أنزله الله تعالى وقد تبتعد بمقدار ما تخلص مؤسسوها ومنظروها من ذاتيتهم، وبالتي هي لا تمثل علما موضوعيا خالصا، ولكن ولا ريب فيها الخير الكثير الذي يمكن أن يستفاد منه، وجزى الله علماءنا خيرا على ما قدموا من خدمة لدينهم ولأمة الإسلام، ولكن على العلماء الآن أن يجتهدوا في أحوال زمانهم بالرجوع المباشر لكتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يعيدوا صياغة التفكير وأساليب الاجتهاد.
تعريف العولمة وأركانها:
مع كثرة التعريفات التي أعطيت للعولمة وتعدد مفاهيمها، يمكننا أن نخرج بتعريف سهل لكنه يشمل قضاياها؛ فنقول:
العولمة: هي إخراج الأشياء من حيز الخصوصية إلى آفاق العالمية في أقصى سرعة ممكنة بوسائل الاتصال الحديثة بغية تحقيق المصالح .
بهذا يتبين لنا أن أركان العولمة خمسة:
الأشياء، والعالمية، ووسائل الاتصال، والسرعة، والمصالح.
. الأشياء:
وهي تشمل كل جوانب الحياة.
فهي تشمل في جانب الثقافة: الاجتماع والتربية والتعليم والمعارف والصحافة والعقائد والسلوك والتراث الإنساني.
وفي جانب الاقتصاد تشمل: التكنولوجيا والتجارة والأموال والاتفاقيات بشتى أنواعها وهجرة العمال والبضائع والحرف والمهن والسوق الحر.
وفي السياسة تشمل: الاتفاقات، وقرارات الأمم المتحدة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي.
وفي الفن تشمل: الأدب والسينما والمسرح والتمثيل والموسيقى والأغاني.
بل أصبحت الجريمة والإباحية والمافيا مما شملتها العولمة.
وكذلك الحرب والدمار وتقنيتهما كالإنتاج النووي والذري والبيولوجي وعقيدة القتال وأدوات الحرب الذكية.
ولمزيد بيان سنتكلم لاحقا بإذن الله تعالى عن عناصر العولمة.
العالمية:
أصبح الكون الآن قرية واحدة، ومن الطبيعي أن تتحرك الأشياء في أطراف هذه القرية، ولم تكتسب العولمة صفتها إلا من خلال تحقق العالمية، فهي الركن الأول من أركان العولمة.
وهذه العالمية قد أوجدت منافذ لا تحصى لرواج الأشياء من أفكار وأموال ونحوها، فهي من جهة إيجابية لمن يحسن استغلالها، حيث تعني له النمو والازدهار والرخاء وسيادة أفكاره وثقافته على غيرها من الثقافات والأفكار الأخرى، ومن جهة أخرى هي قاتلة للضعفاء والفقراء والكسالى والصغار، حيث يعني فقدان هويتهم وخصوصيتهم، ودمار اقتصادهم وتداعي منجزاتهم، وذوبانهم في عالم الكبار.
وبمعنى آخر يزداد الفقير فقرا والغني غنى والقوي قوة والضعيف ضعفا والكبير استكبارا والصغير صغارا، فهي على ما عليه اليوم لا تعدو أن تكون الرأسمالية في أشرس صورها، وهي الرأسمالية المتوحشة التي تأكل كل شيء حتى الرأسماليات الضعيفة.
هناك جانب آخر في "عالمية" العولمة، وهو التشابك والتداخل الكبير بين جوانب العولمة؛ سواء على نطاق الأشياء أو على نطاق الوسائل، أي أنها تعمل على دمج هذه الجوانب كلها بحيث يختلط كثيرا العلم بالمذهب.
العالمية ليست شيئا جديدا خرج من رحم العولمة، بل العولمة خرجت من رحم العالمية إن صح التعبير، فالعالمية قديمة جدا قدم الإمبراطوريات التي كانت تهيمن على أجزاء كبيرة من العالم، أو كانت تحاول أن تسيطر على العالم كله، وهي بغية كل شعب من الشعوب، وتوجه كل تيار من التيارات الفكرية والعقدية، لكن الفارق الآن الإمكانات التي تحقق فشو عالمية الأشياء في وقت قياسي وبقدرة عالية جدا، تجعل من يصل أولا هو الفائز ومن يتأخر ولو للحظات هو الخاسر، والفائز يحرز كل شيء ويفرض كل ما يريده، حتى أنه يفرض منطق "من لم يكن معنا فهو ضدنا" منطق القوة والغلبة وهو آخر صيحة تطلقها العولمة.
وسائل الاتصال:
تعتمد العولمة في تمددها على وسائل الاتصال الحديثة، وقد قطعت هذه الوسائل شأوا كبيرا في نقل الأشياء، واخترقت البشرية مجالات ما كانت تحلم ولا تفكر بها، قد كان الإنسان ينتقل من قرية إلى أخرى في أيام بأقدامه، أو بالدواب من حمير وبغال وإبل وخيول، أصبح الآن يطوف الكرة الأرضية في ساعات معدودة، في مركبات مريحة لم تكن تتوفر في المنزل القديم فضلا عن أدوات ركوبه ونقله.
وفي مجال نقل المعلومات دخلنا العصر الرقمي؛ هذا العصر الذي ينقل المعلومات في أسرع من لمح البصر، فبعد أن كان الإنسان يكدح ويشقى ليتحصل على لقمة عيشه، غدا الآن يدير أكبر المشاريع من غرفته عبر الشبكة العنكبوتية، فهو يحاور ويجادل ويتفاهم ويعقد الصفقات ويدفع ثمنها وأجور الموظفين والعمال في جلسات مغلقة بالصوت والصورة.
وفي مجال الحرب قللت تقنية وسائل الحرب استخدام الإنسان، فأصبحت تنتقل وسائل تنفيذ المعارك بصورة مذهلة وعجيبة، هذه الحرب غيرت أساليب وتقنية الحرب التي كانت تتبع قبل عقد ونصف من الزمن، طبعا هذا لا ينسينا أن هذه التقنيات العالية الجودة هي أداة نافعة في يد من يملكها، لكنها أداة دمار وإبادة على من تنزل عليه غاضبة.
وهكذا في مجالات الاتصال أخرى، ومن نافلة القول أن نقول إن وسائل الاتصال لا تقتصر على قضية نقل الصوت والصورة والكلمة، إنما تشمل جميع الوسائل، حيث تطورت خلال القرن "العشرين" تطورا مذهلا، يصدق عليها قول الله تبارك وتعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) المؤمنون:14.
وقد أخذت هذه الوسائل تكشف المجهول بصورة مذهلة، فأصبحت الأقمار الفضائية تكشف عن حركة الأرض، وتسبر أغوار البحار، كما أن سفن الفضاء اخترقت ونفذت من الغلاف الأرضي ووصلت إلى كواكب مجاورة.
إن كان قد قيل سابقا: (البقاء للأصلح) فإن هذا العصر يؤكد المقولة بعبارة أخرى وهي (البقاء لمن يملك وسائل العولمة)، وعندما نتكلم عن مسألة البقاء لا يعني هلاك الأجساد؛ وإن كانت هي الأخرى في حال الضعف تتأثر سلبا بالعولمة، وإنما نقصد الموت الحضاري للأمم والذوبان الثقافي لها، الذي تجتاحه العولمة بفرض قيم من يملك وسائل الاتصال الحديثة التي تفرض علينا العولمة فرضا قاتلا.
السرعة:
أصدق وصف يمكننا أن نصف به عصر العولمة هو "عصر السرعة"، وباتت السرعة تتدخل في كل أمر لتحسمه لصالح الأسرع، وهذا أمر بيّن لا يتنازع فيه، لكن هناك أمرا داخليا تحمله السرعة يؤثر على الكيان الإنساني؛ أفرادا وجماعات، هذا الأمر هو الإبهار.
والإبهار: هو نوع من التوهج يثير إعجاب النفس الإنسانية فيسلمها غالبا إلى التقليد والتمثل للشيء المبهر.
فالسرعة في نقل الخبر وتحليله، والسرعة في تحليل الظواهر الاجتماعية؛ ومنها ظواهر احتكاك الدول والشعوب عن طريق الحروب، والسرعة في استغلالها، والسرعة في نقل آلة الحرب للفصل في صالح من يملك التقنية الدقيقة والسريعة، والسرعة في صنع الاتفاقيات الاقتصادية وفرضها وكسبها، والسرعة في إدارة العمل وإنجازه وتخليصه، وإدارة المؤسسات بشتى فروعها وأنواعها، كل هذه السرعة تثير نوعا من الانبهار المثير للنفس الإنسانية، حيث يصبح من هو عاجز عن تحقيق هذه السرعة الفائقة منقادا لمن يملكها.
وهذه السرعة في حد ذاتها مأزق انخدع به الكثيرون حيث خلطوا بين عامل السرعة وبين ما يقدمه هذا العامل، فهو عامل مطلوب لذاته، وديننا يأمرنا به حيث يقول سبحانه وتعالى: (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) المؤمنون:61 ويقول تبارك اسمه: (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران:114.
ولكن للأسف الشديد قدم بهذا العامل العولمة بكل ما لها وما عليها.
والانبهار هو الذي أدى بكثير من أبناء الأمة المسلمة إلى أن ينخدعوا به وينساقوا وراء الحضارة الغربية، ويعتبروا النموذج الغربي هو النموذج المثالي الذي يجب أن يُتمثل ويُقتدى به.
ونحن لا نختزل الإبهار في عامل السرعة، فالإبهار يدخل في مجالات كثيرة من مجالات العولمة، لكننا تحدثنا عنه في السرعة لأنه أصبح من خصائصها المميزة.

خميس بن راشد العدوي

أعلى





حتى لا تلجأ إلى الطلاق

إن الناظر ابتداء إلى الطلاق ينظر إليه بوحشية وإجحاف ، أنه مبدأ لتفكيك الأسرة لا لجمعها ، وسرعان ما ينقلب رأيه رأسا على عقب إذا تأمل في أحكامه نظر في أسراره ، ليراه أنه ما شرع إلا لبقاء آصرة الأسرة شديدة الرباط بين أفرادها .
إن حق الطلاق في الإسلام أكد مكانة المرأة ؛ إذ إن استمرار الحياة الزوجية مع وجود حق الطلاق بمثابة إعلان يومي أن هذا الزوج يريد هذه الزوجة يتمسك بها ؛ فالزواج ليس مجرد شركة اجتماعية ؛ بل هو اتحاد روحي كما هو جسدي ، يجد منه حاجته الفطرية والنفسية والجسدية ، ومع أن الزواج كذلك إلا أن طبائع الخلق قد تتباين فلا يتلائم الزوجان ، فتستحيل الحياة بينهما جحيما لا يطاق ، وهنا يأتي الطلاق لينتشل كلا الزوجين مما وقعا فيه من خطأ ليبدا حياة أخرى مع شريك أخر .
إذا كان الإسلام قد أباح الطلاق فإنما جعل مرتبته آخر المراتب ، يستيقن عندها الزوجان ألا سبيل إلى الوئام إلا بفك هذه الرابطة المقدسة ، ومع هذا كله فإن الإسلام جاء في أصله مبعدا عن الوصول إلى هذا الطريق بما شرع من الأحكام التي من شأنها أن تجبر الخطأ وتقوم الاعوجاج قبل الإضطرار على الطلاق ، بل إن الإسلام جاء بأحكامه مبعدا عن الطلاق قبل الدخول في عقد الزوجية ، حيث جعل حرية اختيار الزوج لها ، لا ترغم على من لا تحب لا تجد معه السكن ، وهو حق أعلنه الإسلام عندما رد نكاح امرأة زوّجها أبوها من لا تريد حتى إذا ابطل الشرع نكاحها قالت : قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للأباء من الأمر شيء ( رواه النسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم) ثم إذا وقع الزواج وبدأ الدرب الأسري في الاعوجاج لم يشرع الإسلام الطلاق ليكون هو الدواء لهذا الداء ، بل جعل مرحلته تأتى عقب خطوات كما أوضحتها الآيات القرآنية : (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) سورة النساء الآية 34
فهذه الحلول الوقائية تخمد النار في مكمنها قبل أن تستفحل ، وترقع الثقب قبل ان يتسع على الراتق ، ذلك أن الإسلام أدرك خطورة الطلاق وآثاره الوخيمة الناجمة على الفرد والسرة والمجتمع ، كيف لا ؟ والأسرة قوام المجتمع ولبنة من لبناته فصلاحه ونشاطه ونهوضه بنهوضها ونشاطها وصحة مسيرها ، لذلك كان الطلاق بيد الرجل بحكم خلقته فالمرأة سريعة الثوران عاطفية الطبع قد تدفعها ثورة الغضب إلى استعمال هذا الحق دون ترو ، ولأن الزوج هو المتضرر بالطلاق قبل المرأة ، ولأنه هو الذي دفع المهر وهو الذي يتولى الإنفاق عليها في عدتها أن لو طلقها ، وهو الذي سيتكبد أجرة إرضاع ولده وحضانته ، لذلك سيفكر طويلا قبل هذه الخطوة التي ستكلفه الكثير من العنت والمصاعب النفسية والمالية والإحراجات الاجتماعية .
وليقف كل من الزوجين وقفة تأمل ينظران فيها مصير فلذات أكبادهم قرة أعينهم وما سيؤولون إليه من التشتت والتشريد، وربما يعود بالآثار النفسية التي تحول دون بلوغهم بعض المستويات العلمية أو الخلقية .
إن الكيس من اتعظ بغيره واعتبر بما يشاهد في مسرح الحياة ، فكم من اسر عض الزوجان فيها على أصابعهم ندما بعد الفراق ، وربما أرادا الرجوع ولم يمكنهما ذلك ، كيف لا وهم يرون فلذات أكبادهم وقرة أعينهم تتقاذفهم البلدان بين بلد الزوج لزيارة أهل أبيهم وبين بلد الزوجة لزيارة أهل أمهم ؟!
إن الرباط الزوجي له اثر سلوكي في تصرفات الأطفال وأخلاقهم ومعاملاتهم ، فمن حرم أحد أبويه يبرز فيه التعطش العاطفي لأي يد حانية تواجهه فيستجيب لها ، وربما كانت يدا تحمل في ظاهرها النعومة والملاسة وهي في باطنها تحمل السم الزعاف .
إذا خطوت خطوات الشرع فلن تصل إلى الطلاق إلا إذا كان هو الحل الوحيد ، وكم من أحيان يكون فيها الحل غير الطلاق ولكن الأزواج لا يلجئون إليه ،إن الله سبحانه وتعالى أعطاك هذه الخطوات فى كتابه على النحو التالي :ـ
أولا : الوعظ :
يذكرها بما يؤثر فى نفسها من آيات وأحاديث وذكريات رسماها فى الماضى وامال قصداها فى المستقبل ،ثم عتاب يناسب من الزوج فى شفقه على أسرته وعلى زوجته ،فإذا أثمر هذا العمل التهذيبى المؤدب فبها ونعمت وإلا لجأ إلى الخطوه الأخرى.
ثانياٌ:الهجر فى المضجع :
بحيث يوضح لها خطأما وقعت فيه وهذا أدبها، شريطة أن لا يكون إلا فى المضجع بحيث يكون معها فى مكان واحد ولا يعيرها أي اهتمام أو مبالاة فإن لم يجد هذا الأدب النفسي انتقل إلى الخطوة الثالثة .
ثالثا: الضرب غير المبرح :
وهو ضرب لا يترك أثرا لا يكسر عظما ،و لا يكون في موضع الكرامة كالوجه والضرب ليس للانتقام وانما لتحسيس المرأة بحق قوامة الرجل عليها ،ولا بد أن يكون الرجل تقيا مؤمنا يخاف الله تعالى ليستخدم هذا الحق لاجل الإصلاح وليس الإفساد .
رابعا :اللجوء إلى الحكمين :
فإن لم يجد الضرب احتكما إلى حكمين من أهله وأهلها ، فإن لم يجد هذا كان له أن يطلقها تأديبا قفة لهما ثم يرجعها ، فإن كانت الحياة جحيما لا تتم إلا بالطلاق لجأ إليه وهذا آخر الحلول .
إن الناظر إلى آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق يجدها أكثر من أن تحد بعقل أو تعد بحساب ، فمن آياته سبحانه في الأنفس أن خلق منها زوجها لتسكن إليه ، يقول الله تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة رحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) سورة الروم الآية 21 فقد أودع الله عز وجل في نفس الزوجين هذه العواطف والمشاعر جعل في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب ، وراحة للجسم والقلب ، واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء ، فكان في الزواج تلبية للحاجة الفطرية نفسية وعقلية وجسدية ، ولكن الأقدار قد تسوق الإنسان إلى شريك لا يلائم طبعه ولا يمازج نفسيته ولا يسكن روحة وحينها يكون الزاج جحيما وعذابا لا يطاق ، ولذلك فإن الشارع الحكيم قدر لمثل هذه الحالات ما يخلص كلا الزوجين من هذه الرابطة ، فإذا ما أصبحت العيشة بينهما نكدا وضيقا ، بات اجتماعهما عسيرا عليهما فالمخلص حينها لرفع مثل هذا الفساد وتوقي هذا الضرر هو الطلاق الذي يحل هذه الرابطة ويفك قيدها .
وهناك ملاحظ لا بد أن يلحظها مريد الطلاق .
* الملحظ الأول :
أن ينظر مريد الطلاق إلى حالة زوجته أهي في طهر أم حيض ، فإذا كانت في حيض أمسك عن طلاقها ، ذلك لأن الطلاق في الحيض طلاق بدعي محرم لا يجوز الإقدام عليه ، والرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(من أحدث في أمرناهذا ما ليس منه فهو رد) (رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم وغيرهم) وقد تغيظ الرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما طلق عبد الله بن عمر زوجته وهي حائض وأمره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها (حديث رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وغيرهم). فهذه هي العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء في قوله : (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعد تهن) (سورة الطلاق الآية رقم 1) ذلك لان طلاق المرأة في حيضها إضرار بها يؤدي إلى تطويل عدتها ، ومن قواعد الإسلام أن لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال ، وقد عقب الله سبحانه وتعالى آيات الطلاق بقوله : (وأتقوا الله ربكم) (سورة الطلاق رقم 1) قال القطب رحمة الله في تفسير (وأتقوا الله ربكم) (سورة الطلاق رقم 1):
(أحذروا تطويل العدة عليهن بأن تطلقوهن في الحيض ).
* الملحظ الثاني :
وهو لابد أن يلحظ في حال المرأة أيضا فإذا كانت المرأة في طهر قد مسها فيه زوجها فاٍن الطلاق على هذا الحال يكون بدعيا أيضا يأثم فاعلة لآنه مخالف للسنة.
* الملحظ الثالث :
وهو مختص بلفط الطلاق ،فإذا رأى زوجته طاهرا ولم يمسها في ذلك الطهر وأراد طلاقها فلينتبه للفظه ، بأن يكون مرة واحدة فإن زاد عن واحدة فهو بدعي يأثم فاعلة ولكنه واقع معتبر كأن يقول :((طالق بالثلاث ))((أو طالق مرتين )) أو(( طالق طالق )) أو ((طالق طالق طالق )) فهذه ألفاظ بعيدة عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو غضبان : (( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم )) رواه النسائي وأبو داود إذن فطلاق السنة أن يقول : ( أنت طالق ) لفظ واحد لا يزيد عليه وإذا أراد أن يطلق الثانية فلينتظر حتى تحيض ثم تطهر طلقها الثانية وإذا أراد أن يطلقها الثالثة انتظرها حتى تحيض الحيضة الثانية بعد الطلاق ثم تطهر وبعد ذلك إن شاء طلقها أو أمسكها .
ومما يؤسف له أن ينساق الإنسان وراء غضبه فيطلق زوجته بأكثر من طلقة كأن يقول لها : ( طالق عشرين مرة ) أو( طالق ألف مرة ) ونحو هذه من الألفاظ التي يتعدى بها ويأثم . فقد روي أن الصامت طلق زوجته ألف مرة فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : بانت بثلاث في معصية الله تعالى وبقيت تسعمائة سبع تسعون عدوانا وظلما ( رواه عبد الرزاق ) .
وكذلك مما ينبغي أن يلحظه المطلق في طلاقه ترك التعليق في الطلاق وهو أن يعلق وقوع الطلاق بوقع أمر ما فإذا وقع ذلك الأمر وقع الطلاق كمن يقول لزوجته : إن دخلت ذلك اليت فأنت طالق أو إن كلمت فلانا فأنت طالق .
* الملحظ الرابع :
أن المرء مأمور بأن لا يجعل الطلاق طرف لسانه فإذا ما خاصم أحدا أو تنكد من أمر أو غضب على رجل جعل أول من يناله شر غضبه زوجته ، وكم من أحيان بلغ الناس فيها إلى درجة الشرك بالله سبحانه وتعالى إلى ان يقسمون بالطلاق من دون الله سبحانه وتعالى فيقولون : (بالطلاق ، بطلاق زوجتي) أو يقل لزوجته (بطلاقك) وهو أمر محرم في الحديث عن النبي - صلى الله عليه سلم - (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه أبو داود الترمذي وأحمد وغيرهم
* الملحظ الخامس في الطلاق :
وهو أن الرجل إذا أراد الطلاق فليشهد رجلين على طلاقه لقوله تعالى : ( أو فارقوهن بمعروف أشهدا ذوي عدل منكم ) سورة الطلاق الآية 2 وإنما يحتاج إلى الإشهاد لما يترتب عليه من الأحكام كدفع ادعاء أحدهم ثبوت الزوجية ليرث من الآخر ، كي لا تنكر المرأة الرجعة لتتزوج .
* الملحظ السادس :
هو أمر لا بد أن يلحظه الرجال والنساء على السواء وقد تخلى عنه الناس وتركوه ألا وهو خروج أو إخراج المرأة من البيت بعد الطلاق وقد حذر الله منه بقولة (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) سورة الطلاق الآية 1 فلا يخرج الرجل المرأة من البيت سفها أو غضبا عليها أو انتقاما أو كراهة لمساكنتها ، وكذلك النساء لا يخرجن ولا يطلبن الخروج ، لا يؤذن لهن فيه لا يخرجن ولو رضي الرجال ، هذه حدود الله ومن يتعداها فقد ظلم نفسه .
أخيرا قبل أن نودعكم نقدم لكم هذه الباقة من الورد :
إذا غضبت أيها الزوج فاخرج من ذلك المكان إلى مكان آخر وابتعد عن زوجك .
أيتها المرأة المؤمنة إذا رأيت انفعال الزوج وغضبه فاعلمي على عدم زيادة إثارته والسكوت خير علاج .
إياك ثم إياك أيتها المرأة المؤمنة أن تسوقك ساعة الغضب والحوار مع الزوج أن تطالبين بالطلاق ولو كان هو الحل في حسبانك .
ينبغي لك أيها الزوج أن تراعي زوجك لا سيما في فترة المحيض .
الاعتزاز بالنفس والرأي لا ينبغي أن يكون بين الزوجين فالمؤمن يتشرف بأن يكون ذليلا لأخوته المؤمنين كما جاء في الآية (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) سورة المائدة الآية 54 وخير الزوجين من يتنازل عن رأيه ويسبق الآخر إلى الصفح .
اكثرا من دعاء (اللهم ألف بين قلوبنا برحمتك واجمعنا على طاعتك).

أسعد بن حمود المقيمي


أعلى





الطفل المطيع

إن عملية استجابة الأبناء خاصة في مرحلة الطفولة لأوامر الآباء لمن الأمور التي قد تبدو صعبة أحيانا بالنسبة للأهل خاصة إن كان الطفل من النوع العنيد أو قد تكون لديه بعض المشاكل السلوكية‏.‏
لذلك فيجب على أحد الوالدين قضاء بعض الوقت مع الطفل لتدريبه على الاستجابة للأوامر‏.‏
ويمكن عمل ذلك بسهولة باختيار وقت لا يكون الطفل مشغولا فيه ويطلب منه إسداء خدمة بسيطة مثل مناولة المناديل الورقية أو ملعقة أو ..‏ الخ، أو أن يقال له‏:‏ هل من الممكن أن تناولني كذا؟ ويسمي هذا كما تقول د‏.‏ علية عبدالباقي أستاذ طب نفس الأطفال بجامعة عين شمس أوامر الإتيان.
وحسب صحيفة "الأهرام" المصرية يجب أن تتضمن فقط مجهودا بسيطا من الطفل‏، فيوجه للطفل خمسة أوامر خلال الدقائق القليلة ويطلب منه تلبية كل أمر والتأكد من توجيه الإطراء الخاص لاستجابته للأمر‏.‏
ويجب القيام بهذه التمارين لتنمية الاستجابة للأوامر لدى الطفل كل يوم لأن الطلبات البسيطة جدا يستطيع تلبيتها معظم الأطفال حتى الذين لهم مشاكل سلوكية وتكون هذه هي الفرصة المناسبة للإطراء على سلوكه‏.‏
وتضيف د‏.‏ علية فتقول‏:‏ يمكن أن تستخدم الأم مهارات الانتباه لإبداء الرضا والقبول تجاه طفلها عندما يستجيب لطلبها فيكون إظهار الثناء فوريا عند عمل الطفل عملا معينا وعليها ألا تترك المكان ولكن تبقى وتنتبه وتعلق تعليقا إيجابيا‏.‏
ومن أهم وسائل وأصول الاهتمام والانتباه من الأم عند استجابة الطفل للأوامر‏:‏
‏(1)‏ بمجرد أن توجه الأمر أو الطلب ويبدأ الطفل في الاستجابة فيكون الثناء عليه باستخدام التعبيرات مثل‏:‏
ـ أنا أكون سعيدة عندما تسمع كلامي‏.‏
ـ انظر كيف تفعل ذلك بهذا الجمال‏، بهذه السرعة بهذا النظام.
ـ جميل أنك تسمع الكلام.
ـ شكرا على سماع كلام ماما‏/‏ بابا ـ ولد شاطر‏/‏ بنت شاطرة‏.‏
أو استخدام أي تعبير آخر يوضح بصفة محددة أنك مسرورة لأنه يلبي طلبك‏.‏
‏(2)‏ بعد الاهتمام باستجابة الطفل لأمر يمكن للأم أن تتركه بعض الوقت إذا كان لا بد من ذلك ثم تعود من وقت لآخر للإطراء على استجابته‏.‏
‏(3)‏ إذا وجدت الأم طفلها قد قام بعمل أو واجب بدون أن يطلب منه ذلك بصفة خاصة‏، فهذا هو الوقت المناسب لتطري عليه إطراء إيجابيا خاصا ويمكنها أيضا أن تخصه بمنحة صغيرة لعل هذا مما سيساعد الطفل على أن يتذكر وأن يتبع الأنظمة المنزلية بدون أن يطلب منه ذلك‏.‏
‏(4)‏ يجب أن تبدأ الأم في استخدام الانتباه الإيجابي للطفل لكل أمر توجهه له بالإضافة إلى ذلك يجب أن تختار لمدة أسبوع أمرين أو ثلاثة أوامر من الأوامر التي لا يستجيب لها الطفل بصفة دائمة ويجب أن تبذل الأم مجهودا خاصا للاهتمام والإطراء كلما استجاب لهذه الأوامر بالذات.
من موقع البلاغ ( بتصرف)

خولة النعمانية

أعلى





علماء الدين بمصر :
العبـادات ليسـت مقصـورة عــلى شهــر رمضــان فقـط
انتهاء الشهر الكريم يجب أن يكون بداية عهد جديد بين العبد وربه
فتور حماس بعض المسلمين بعد انقضاء رمضان .. ظاهرة مؤسفة

القاهرة ـ من محمد عمر :
أكد علماء الدين أنه ليس معنى انقضاء شهر رمضان أن أعمال الخير تنتهي أو تكون أقل مما كانت في هذا الشهر الكريم .. لأنه للأسف يحرص بعض المسلمين على الصيام والصلاة والزكاة في هذا الشهر الكريم وما أن ينتهي حتى يهجروا المساجد مرة ثانية ولا يعرفوا لها طريقا إلا عند صلاة الجمعة كما تنقطع علاقتهم بكتاب الله وهذا خطأ كبير وظاهرة مؤسفة ، لأن هؤلاء تناسوا أن رب رمضان هو رب شوال وبقية أشهر العام والله موجود في كل زمان ومكان.
التقت (الوطن) ببعض علماء الدين وسألتهم كيف يتم القضاء على هذه الظاهرة ونلتزم بما أمر به الله ورسوله ولماذا لا يستفيد المسلمون من المنح التي وهبها الله لهم في هذا الشهر الكريم لتكون بداية صفحة جديدة بين العبد وربه ؟.
في البداية يقول د. محمد أبو ليلة أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنكليزية بجامعة الأزهر إن رمضان شهر عزيز على النفوس فهو شهر جامع لخيرات كثيرة أولها نزول القرآن والصيام وليلة القدر والاعتكاف لذلك يجب على كل مسلم ومسلمة أن يستفيد من هذا الشهر الكريم ليكون بداية عهد جديد بين العبد وربه ليستفيد من هذه الخيرات طوال العام.
قال للأسف الشديد إن هناك ظاهرة نلاحظها كل عام هي فتور حماس بعض المسلمين في نهاية رمضان فنجدهم يمتنعون عن الذهاب للمساجد أو قراءة القرآن وكأنهم بذلك جعلوا هذه العبادات مقصورة على شهر رمضان فقط.
قال د. أبو ليلة إنه مطلوب من المسلمين أن يجدوا في العبادات سواء في رمضان أو في غيره لأن العبادة لا تتجزأ حتى يغفر الله لهم ويفوز بالعتق من النار لا أن يتكاسلوا وتفتر عزائمهم ويتغلب عليهم الشيطان فيحول بينهم وبين الأجر العظيم الذي اكتسبوه بصيامهم وصلاتهم وزكاتهم وصالح أعمالهم في الشهر الكريم.
فريضة واجبة
يؤكد الدكتور عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر أن المسلم الذي يفرط في أعمال الخير التي قدمها في هذا الشهر الكريم وهو شهر رمضان من إقامة الصلاة في المساجد وقراءة وختم القرآن الكريم مرة أو أكثر وأدى زكاة فطره وترك كل هذا بعد انتهاء هذا الشهر فكأنه فرط في حق نفسه وسلمها للشيطان وجدير بأن يحرمه الله من رحمته يوم القيامة .
فبالنسبة للصلاة فحري بالمسلم أن يحافظ عليها في كل أشهر العام لأنها طاعة لله والله موجود في كل زمان ومكان والعقاب على تركها عاجل وآجل وتاركو الصلاة عموما والجمع خصوصا محرومون من فضل الله تعالى لأنها سبب من أسباب غفران الذنوب والناس في أشد الحاجة إلى ما يعينهم إلى غفران الله قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم يوما (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهرا يغتسل فيه اليوم والليلة خمس مرات هل يبقى من درنه - يعني أوساخه - التي على جسده من شيء) .. قالوا : لا يبقى من درنه شيء .. قال : (ذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).
كذلك الصوم الذي هو طاعة لله والزكاة وجميع الأعمال الصالحة لم تقتصر على شهر معين فالصيام نعم في رمضان وهذه فريضة واجبة لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم في شعبان والمناسبات الدينية الأخرى كي يفوز برضا وحب الله لكنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه كان يشفق دائما على أصحابه وأهل بيته حتى لا يتصوروا أن صيام التطوع واجب عليهم لكنه كان يحثهم دائما على الصوم متى استطاعوا حيث انه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فيا أيها المسلم اعبد الله في غير شهر رمضان كما تعبده في شهر رمضان وإلا كنت عابدا للزمن لا عابدا لله وهذا شبيه والعياذ بالله من الشرك المحبط للعمل .
قوة دافعة
يقول د. جمال الدين حسين أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر : إن شهر رمضان بين الشهور يجب أن يكون القوة الدافعة للمسلم في بقية الشهور حيث يكثر المسلم فيه من القيام والصدقات وعمل الخير لأن أجره مضاعف ، وإذا كان الله قد فضل بعض الشهور على بعض وبعض الأيام على بعض وبعض الأماكن على بعض فإن تفضيل شهر رمضان وتخصيصه بالثواب الكبير لا يعني أن ينقطع المسلم بعد رمضان عن الإكثار من النوافل أو يتوقف عن الفرائض وهذا للأسف ما يحدث كثيرا حيث نجد المساجد مليئة بالمصلين في شهر رمضان وبعد انتهائه يقل عددهم بصورة ملحوظة وكأن عبادة الله مقصورة على شهر رمضان فقط والعياذ بالله .
يتساءل د. سامي العوضي الأستاذ بجامعة الأزهر أنه إذا كان الإنسان قد انتصر في شهر رمضان على شهواته واستطاع كبحها والتخلي عن الصفات والسلوكيات الخاطئة التي يمارسها سواء بقصد أو بدون قصد شهرا كاملا فما المانع أن يستمر ويستفيد من هذا التدريب العظيم الذي يتحلى به الإنسان المسلم بالصبر ويكف عن الكلام غير المرغوب فيه ويردد لسانه دائما أحلى الكلمات وهي كلمات كتاب الله القرآن الكريم فكيف يضيع المسلم كل هذا ، ويطالب أن يكون انقضاء شهر رمضان هو بداية لكل مسلم ومسلمة أن يفتح كل منهما صفحة جديدة من التقوى والتعاطف والتواد والتسامح والتكامل الاجتماعي بين المسلمين كما كانوا في رمضان لأن التربية النفسية التي تتم في شهر رمضان هي التربية التي تجعل من الشعوب الإسلامية أمة قادرة على القيام بمسؤليتها تجاه نفسها وتجاه ربها وتجاه العالم.
حسن الطاعة
يقول د. حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر : إن المسلم عاش أيام رمضان ولياليه في إقبال حاشد على الخير النافع لنفسه وللمجتمع وذلك بما ألزم نفسه به من حسن الطاعة وصدق العبادة لأن الصوم في رمضان مدرسة تعلم الإنسان فيها كيف يلجم نفسه بالصيام متساميا على شهواته امتثالا لأمر الله تعالى كما تعلم كيف يتجاوز شح النفس بالبذل عن طواعية لذوي الحاجة من الفقراء والمساكين ممن لا يملكون من متاع الحياة مثل ما يملك فإذا انقضى رمضان كان عليه أن يتوجه إلى الحياة على الطريق نفسه دون أن ينقطع عما كان فيه وعليه أن يستمر في فعل ما تعود عليه من الصيام تطوعا كأن يصوم ستا من شوال تلبية لتوجيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه (من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر) .. وكان يصوم الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي .
وأضاف : أنه لا يصح أبدا أن يتوقف نشاط المسلم على شهر رمضان لأن العبادة والطاعة والاحتشاد للدين ليس محددا بوقت ولا مقصورا على زمن فالزمن كله ملك للخالق جل جلاله والتوجه إليه سبحانه وتعالى بالعبادة واجب على امتداد الليالي والأيام .

أعلى





رجال على صهوات المجد

كعب بن سور العُماني التابعي
هو كعب بن سور بن بكر بن عبيد بن ثعلبة بن سليم بن ذهل بن لقيط بن الحارث بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ؛ كان مسلماً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، وكان كعب في الجيش الذي خرج به عثمان بن أبي العاص الثقفي من عمان، لقتال الفرس ، وكان له في قتالهم أثر كبير ، ثم أقام هو ومن معه من الأزد بتوّج ، من أرض فارس، ومنها وفد إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ، فاستقضاه الخليفة على البصرة، وهو أول من قدمها من أهل عُمان مع أُناس من الأزد عددهم ثمانية عشر رجلاً.
وسبب استقضاء عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) له على البصرة، أنه كان ذات يوم جالساً عند عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ، فجاءت امرأة فقالت: ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي، إنه ليبيت ليله قائماً، ويظل نهاره صائماً، في اليوم الحر ما يُفطر، فاستغفر لها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وأثنى عليها، وقال مثلك أثنى بالخير وقاله، فاستحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها، إذ جاءتك تستعديك، قال : أكذلك أرادت ؟ قال : نعم، قال: ردّوا عليّ المرأة، فرُدّت ، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا يزعم أنك جئت تشتكين أنه يجتنب فراشك ؟ قالت : أجل إني امرأة شابة وإني أبتغي ما يبتغي النساء ؛ فأرسل إلى زوجها ، فجاءه، فقال لكعب : اقض بينهما ، فقال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما ، فقال: عزمت عليك لتقضين بينهما ، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم ، فقال : إني اقضي لها يوماً من أربعة أيام، كأن زوجها له أربع نسوة، فإذا لم يكن له غيرها ، فإني أقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة، فقال له عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) : والله ما رأيك الأول بأعجب من رأيك الآخر، اذهب فأنت قاض على أهل البصرة ، وكتب إلى أبي موسى بذلك، فقضى بين أهلها، إلى أن قُتل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ثم في خلافة عثمان بن عفان، فلم يزل قاضياً عليها إلى أن قُتل يوم الجمل مع أم المؤمنين السيدة عائشة.
وفي قضاء كعب بين المرأة وزوجها، يقول العلاّمة نور الدين السالمي (رحمه الله) في كتابه (جوهر النظام) في باب معاشرة الأزواج :
وإن تكن قد طلبت إياه يلزمه إن شاء أو أباه
في أربع الأيام قيل مرة أخرج هذا القول قاضي البصرة
وهو العُماني على التحقيق قضى به في حضرة الفاروق
فاستحسن الفاروق ذاك النظرا ومن هناك صار قاضي عُمرا
وفي رواية أخرى ذكرها ابن عبد البر ، عمن روى عن محمد بن سيرين ، قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقالت : إن زوجي يصوم النهار ، ويقوم الليل، قال: أفتريدين أن أنهاه عن صيام النهار، وقيام الليل ؟ قال: ثم رجعت إليه فقالت: إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، قال: أفتريدين أن أنهاه عن صيام النهار وقيام الليل؟ قال: وكان عنده كعب بن سور ، فقال كعب: إنها امرأة تشتكي زوجها، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) :أما إذ فطنت لها، فقُم فاحكم بينهما، قال: فقام كعب، وجاءت بزوجها، فقالت :
يا أيها القاضي الفقيه أرشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده وخوف رب باليقين يعبده
مفترشا جبينه يكدده نهاره وليله ما يرقده
ولست في أمر النساء أحمده فامض القضا يا كعب لا تردده
فقال الزوج:
إني امرؤ قد شفني ما قد نزل في سورة النور وفي السبع الطول
وفي الحواميم الشِفا وفي النحل فردها عني وعن سوء الجدل
فحثها يا ذا على خير العمل من طاعة الله ومن بر البعل
فقال كعب:
إن السعيد بالقضاء من فصل ومن قضى بالحق حقاً وعدل
إن لها حقاً علي يا بعل من أربع واحدة لمن عقل
امض لها ذاك ودع عنك العلل وأنت من أمر الثلاث في مهل
إذاً فصمهن وقمهن وصل لا ينفع القول وتضييع العمل
ثم قال له: أيها الرجل ، إن لك أن تتزوج (من النساء مثنى وثلاث ورباع)، فلك ثلاثة أيام، ولامرأتك هذه من أربعة أيام يوم، ومن أربع ليال ليلة، فلا تُصل في ليلتها إلا الفريضة، فبعثه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قاضياً على البصرة.
ولم يزل قاضياً على البصرة إلى أن قُتل يوم الجمل مع السيدة عائشة، وكان قد اعتزل الفتنة، فقيل للسيدة عائشة : إن خرج معك كعب، لم يتخلف من الأزد أحد، فركبت إليه فكلمته، فأخذ مصحفه ونشره، وخرج بين الصفين يدعوهم إلى السلام، والقتال ناشب، فجاءه سهم فقتله.
وقيل: كان المصحف معه، وبيده خطام الجمل، فجاءه سهم غرب فقتله، وقيل: ان السيدة عائشة قالت له: خلّ عن الجمل، وتقدم بالمصحف، فادعهم إليه، وناولته مصحفاً ، فاستقبل القوم، فرموه رشقاً واحداً فقتلوه، وذلك في شهر جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين، وكان كعب مسلماً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره.، فهو معدود من التابعين.
قال العلامة العوتبي، بعد أن ذكر قصة كعب: كان معروفاً بالصلاح، وليس له عقب .
هذا، وبعد أن ذكرت التابعي كعب بن سور، وهو أول عُماني يُعد من كبار التابعين، لإدراكه عصر النبوة، أردف ذلك بذكر سبعة عشر رجلاً من رجال العلم، ورواة الحديث، من أهل عمان، عاشوا - فيما يبدو - خارجها، مع احتفاظهم بالانتساب إليها، وقد أدرك بعضهم نفراً من الصحابة، وأولهم : عبد الله العماني

أعلى




الطـمــــوح

إن من أهم عوامل نجاح الإنسان في الحياة والوصول إلى المراتب العليا والدرجات القصوى منه اتصافه بصفة الطموح .
الطموح الذي عرفه العظماء وسعوا إليه .. الطموح الذي يرتقي بصاحبه ويدفعه إلى الأمام .. الطموح الذي تتمناه الأمم لأبنائها .. الطموح الذي لا يستوعبه الصغار ...
نعم ، فإن الإنسان الذي ليس لديه طموحات يسعى إلى تحقيقها إنما هو إنسان فارغ من المعاني الحقيقية التي خلق لأجلها .
كيف لا يكون كذلك ، والله قد ألقى على عاتقه مسؤولية الخلافة في الأرض التي عبر عنها بالأمانة في قوله :
( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان )
فأنى له أن يؤديها إذا لم يكن مليئا بالطموحات الصادقة ؟
فلا بد للإنسان من أن يكون طموحا إلى الخيرات ، وإلى الارتقاء بنفسه إلى معالي الأمور. ففي مجال العلم والمعرفة عليه أن يبني له قاعدة واسعة في أغلب الفنون والمجالات ؛ كعلوم الشريعة واللغة والتاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية والسياسة وغيرها مما يمكن أن نسميها الثقافة العامة .
وفي مجال العمل عليه أن يطمح إلى الحصول على أعلى المناصب وأفضلها ؛ ليكون شخصية قيادية في أمته لا أن يكون تابعا لغيره ، فإن الإنسان القائد هو الذي يملي على الناس آراءه وأفكاره ، فينفع بذلك نفسه وينفع غيره .
وفي مجال التعامل مع الغير عليه أن يطمح إلى تكوين علاقات حميمة وطيبة مع الجميع قدر الإمكان وفي حدود الشرع ، فإن جسور المحبة تيسر الوصول إلى الغايات إن كانت الوسائل مباحة .
وهكذا في شتى المجالات ..
فإذا اقتنع الإنسان بمثل هذه الطموحات وجعلها يقينا راسخا في نفسه ومدركا أهمية تطبيقها في الحياة ؛ انتقل إلى المرحلة الأخرى التي تليها وهي التطبيق في الواقع العملي الملموس وتمثيل ذلك في السلوك المعاش .
نعم ، فالطموحات التي لا يسعى صاحبها إلى تحقيقها إنما هي أمان كاذبة وخيالات سخيفة لا يلبث صاحبها إلا أن يرى الفشل الذريع يهجم على كل أمانيه؛ إذ أنه كان يظن أنه قد بنى ناطحات سحاب سوف يقطنها فإذا بها بقع سراب لا يتوقعها .
فعلى الإنسان أن يجمع دوما بين الطموح والسعي إلى تحقيقه ، حتى يحظى بالنجاح في الوصول إلى ما يصبو إليه، ويكون بذلك أهلا لتحمل الأمانة؛بل ويكون أهلا للوفاء بحقها .

أحمد بن نبهان الخروصي

أعلى





التتابع في صيام ست من شوال
د. شريفة بنت سالم آل سعيد


جعل الله تعالى من الطاعات والعبادات بعد شهر رمضان ما تهنأ به أنفسنا وتقر به أعيننا طوال العام ، ومن ذلك صيام ست من شوال التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من صامَ رمضانَ ثمَّ أتبعَهُ ستةً مِنْ شوالٍ فكأنَّما صامَ الدهرَ ) . رواه الربيع .
فصيام ستة من شوال تجبر ما يكون قد وقع من خلل في صيام شهر رمضان ، وشأنها في ذلك كشأن الصلوات النافلة التي تجبر ما يقع في الفريضة من نقص أو خلل . ووجه كونها كصيام الدهر ، فلأن الحسنة بعشر أمثالها ، وصيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين فهذه سنة كاملة ، روى ثوبان : ( صيامُ شهرِ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ ، وصيامُ ستةٍ أيامٍ بشهرينِ ، فذلكَ سنةٌ ) وهذا الفضل العظيم لمن واظبَ على صيامِ شهرِ رمضانَ والستةَ أيامٍ بعده فيكون كصائم الدهر .
ومن الأخطاء الشائعة اعتقاد كثير من الناس وجوب صوم الأيام الستة من شوال متتابعة ، والصواب أنه لا يشترط تتابعها ، فيجوز صومها متتابعة ومتفرقة ، ويحصل ثوابها للصائم في كلتا الحالتين ، وذهب بعض الفقهاء إلى أن الأفضل في صيامها أن تقع متتابعة .
ومن الأخطاء أيضاً ما يعتقده كثير من الناس من وجوب صومها عقب يوم العيد مباشرة ، وهذا غير صحيح حيث إنه لا يشترط ذلك ، فلو أداها الصائم بعد يوم العيد بأيام أو أسابيع لأجزأته ولحصل له ثوابها ، فيجوز للصائم أن يصومها أول الشهر أو يؤخرها إلى وسطه أو آخره ، حيث لم يرد دليل صريح يحدد صيامها عقب يوم العيد مباشرة .
ويطلق بعض الناس على الستةِ من شوال اسم الأيام البيض ، وهذا خطأ ، لأن الأيام البيض هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري وهي من الأيام الفاضلة التي يستحب الصيام فيها ولكنها تختلف عن الستة من شوال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا صِمْتَ من الشهرِ ثلاثاً فَصُمْ ثلاثَ عشرَةَ ، وأربَعَ عشرةَ ، وخمسَ عشرةَ )
ومن الأخطاء ما يفعله بعض الناس من إفساد صوم الأيام الستة من شوال عمداً أثناء النهار بعد الشروع في الصوم ، وهذا خطأ لأن الواجب على المسلم إذا دخل في صوم تطوع أن يتمه ولا يقطعه ، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب قضاء صوم التطوع إذا تم إفساده عمداً وبدون عذر شرعي بعد الشروع فيه ، عملاً بعموم قوله تعالى : ( ولا تُبْطِلوا أعماَلكُمْ ) سورة محمد / الآية 33 .

أعلى





عمرو بن الجموح

هو زعيم من زعماء يثرب في الجاهلية ـ وسيد بني سلمة ـ وواحد من اجواد المدينة وذوي المروءات فيها وعرف عنه هذه الجملة انه (شيخ عزم على ان يطأ بعرجته الجنة)
كان من شأن الجاهلية ـ ان الغني فيهم كان يتخذ له صنما في بيته ليتبرك به عند الغدو والرواح ـ وكان صنم عمرو بن الجموح يدعي ـ مناة، وكان عمرو بن الجموح قد جاوز الستين من عمره حين بدأ مصعب بن عمير يعلم الناس الاسلام في المدينة ـ وكان عنده ثلاثة اولاد كلهم أسلموا على يد مصعب بن عمير وكان اسماؤهم ـ معوذ ـ ومعاذ ـ وخلاد ـ وآمنت مع ابنائه الثلاثة أمهم هند ـ وهو لا يعرف من امر ايمانهم شيئا ـ ورأت هند زوجة عمرو بن الجموح ان غالبية اهل يثرب كلهم قد أسلموا ـ وكانت تحبه وتجله وتخاف عليه ان يموت على الكفر فيصير إلى النار.
وكان هو في الوقت نفسه يخشى على ابنائه ان يرتدوا عن دين آبائهم واجدادهم وان يتبعوا هذا الداعية مصعب بن عمير.
فقال لزوجته: يا هند احذري ان يلتقي اولادك بهذا الرجل ـ يعني ـ مصعب بن عمير ـ حتى نرى رأينا فيه ـ فقالت سمعا وطاعة ـ ولكن هل لك ان تسمع من ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل؟ فقال : ويحك وهل صبأ معاذ عن دينه وانا لا اعلم؟
فأشفقت المرأة الصالحة على زوجها قالت: كلا ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية ـ وحفظ شيئا مما يقوله ـ فقال: ادعوه اليّ فلما حضر ـ قال اسمعني شيئا مما يقوله هذا الرجل
فقرأ عليه سورة الفاتحة كاملة فقال: ما احسن هذا الكلام واجمله هل كل كلامه مثل هذا؟ قال معاذ واحسن من هذا يا ابتاه ـ فهل لك ان تبايعه؟ فسكت الشيخ قليلا ثم قال: لست فاعلا حتى استشير ـ مناة ـ فانظر ما يقول ـ فقال الفتى يا ابتاه ما عسى ان يقول وهو خشب أصم لا يعقل ولا ينطق ـ فقال الشيخ في حدة قلت لك لن اقطع امرا دونه.
وكان ابناء عمرو بن الجموح يعرفون مدى تعلق ابيهم بضمه (مناة) وكيف انه غدا مع الزمن قطعة منه ـ ولكنهم ادركوا انه بدأت تعاليم الاسلام تملأ قلبه ـ ففكروا في امر يجعلون أباهم يقتنع بدين الاسلام الصحيح.
فلما دخل الليل تسلل الاولاد الثلاثة وحملوا صنم ابيهم ـ وذهبوا به الى حفرة لبني سلمة يرمون فيها اقذارهم وطرحوه هناك وعادوا دون ان يعلم أبوهم ـ فلما اصبح عمرو بحث عن صنمه فلم يجده فبحث عنه فوجده وسط القذارة فرجع به وغسله وقال ويحكم من فعل هذا فلم يجبه احد بشيء وفعلوا ذلك ثلاث ليال متتاليات ـ فقال في اخر مرة بعد ان لقيه مربوط في عنقه كلب ميت ـ ولم يأخذه من مكانه
والله لو كنت الها لم تكن
أنت وكلب وسط بئر في قرن
ثم اعلن اسلامه وامن بالله رب العالمين وكان عمرو بن الجموح شيخا كبيرا طاعن في السن فلما جاءت غزوة احد رأى ابناءه الثلاثة يتجهزون للقاء المشركين ـ وهم يتوقون لنيل الشهادة والفوز برضا الله عز وجل فعزم على ان يخرج معهم للجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن اولاده ارادوا ان يمنعوه ـ فهو شيخ كبير ـ وهو الى ذلك اعرج شديد العرج ـ وقد عذره الله فيمن عذرهم فقالوا له:
يا ابانا ان لله عذرك فعلام تكلف نفسك ما اعفاك الله منه فغضب الرجل منهم ـ وذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم فقال: يا رسول الله ان ابنائي هؤلاء يريدون ان يحبسوني عن هذا الخير ـ بحجة اني اعرج والله اني لأرجو ان اطأ بعرجتي هذه الجنة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه (دعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة)،(وما ان حان وقت الخروج حتى ودع عمرو بن الجموح زوجته وداع مفارق لا يعود) ثم اتجه الى القبلة ورفع كفيه الى السماء وقال: (اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني الى اهلي خائبا) ثم انطلق ومعه ابناؤه الثلاثة وجمع كثير من المسلمين ولما اشتد وطيس المعركة وتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شوهد عمرو بن الجموح يمضي في الفوج الاول ويقف على رجله الصحيحة وهو يقول:
اني لمشتاق إلى الجنة اني لمشتاق إلى الجنة ـ وكان وراءه ابنه خلاد ومازال الرجل وابنه يجالدان ويدافعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرا صريعين شهيدين على ارض المعركة ليس بين الابن والاب الا لحظات.
وبعد انتهاء المعركة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شهداء احد ليواريهم ترابهم قال لأصحابه الكرام.
(حلوهم بدمائهم وجراحهم فأنا الشهيد عليهم) ثم قال ـ ما من مسلم يكلم اي يجرح) في سبيل الله الا جاء يوم القيامة يسيل دما ـ اللون كلون الزعفران والريح كريح المسك وقال ادفنوا عمرو بن الجموح مع عبدالله بن عمرو فقد كانا متحابين في الدنيا.
اخي المسلم: ما اجمل الاسلام عندما يصل الى اعماق القلوب ينسيها الدنيا وزخرفها ـ ويكون كل التفكير في الجنة والنعيم المقيم فيها ـ واعظم مراتب الايمان او اعظم ما يتمناه الانسان المسلم هو ان يموت شهيدا في سبيل الله ومدافعا عن تعاليم دينه فصاحب قصتنا ـ حوله الاسلام من رجل معطل العقل الى رجل شغل وقته في التفكير في طاعة رب العالمين ـ وجعله حريصا على الشهادة في سبيله ـ ولم يتعلق قلبه بالدنيا فندعو الله العلي القدير ان يجعلنا من السعداء ومن الشهداء وان يوفقنا جميعا الى ما يحبه ويرضاه

ابراهيم السيد العربي

أعلى





ثلاثون وصية للنجاح في الحياة

1ـ كن مبتسما واحرص أن تكون الابتسامة طبيعية غير متكلفة ، وإذا لم تستطع فتصنع الابتسامة حتى تكون طبعا من طباعك ، فالابتسامة لها أسرار كثيرة منها ...أنها تكسبك الأجر والثواب من عند الله .. ومنها أنها تؤخر عنك شبح الشيخوخة المبكرة .. ومنها أنها تقوي عضلات وجهك وتعطي قلبك حيوية ونشاطا.
2ـ نظم أوقاتك وبرمج أعمالك وكن غيورا على أوقاتك ، فإن لم تفعل فقد عرضت وقتك لنهب الناهبين وعبث العابثين ، وأذنت للآخرين أن يتصرفوا في أوقاتك كيفما شاءوا. فالتنظيم والترتيب أمر عسير لكنّ ثمرته في النهاية حلوة مفيدة ، ووصيتي لك أن تحاول ذلك ولو مائة مرة فالإخفاق لا يعني الفشل بل هو اكتساب خبرة تضاف إلى خبرة سابقة ...
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
3ـ عش حـدود يـومك وقل لنفسك سأعيش هذا اليوم سعيداً ، طائعا لربي ، متعاهدا مصحفي ، أعود مريضا ، أشيّع جنازة ، أفرّج عن مكروب ، أرحم صغيرا ، أجلّ كبيرا ، وسأقول لنفسي لن أسمح لأحد أن ينكّد عيشي أو يكّدر صفوي ، هكذا سأعيش يومي إلى أن ألقى ربي.
4ـ حدد أهدافك بوضوح وذلك من خلال كتابتها والعمل على تحقيقها ، اكتب وسجل أهدافك الروحية والاجتماعية والوظيفية والمادية وغيرها مما تريد تحقيقه ، واقرأ هذه الأهداف كلما سنحت لك الفرصة ، واعمل على متابعة نفسك بشكل شهري لتعرف مدى ما تحقق منها وما لم يتحقق ، وهكذا تعيش وقد عرفت للحياة طعماً ومعنى.
5ـ لا تحقر نفسك فأنت مخلوق عظيم قد أودع فيك المولى - سبحانه وتعالى- من القدرات والطاقات الشيء الكثير ، فما عليك إلا أن تعزّز نفسك بالعبارات أولا ، وبالأفعال ثانيا ، وأذكّرك بقوله عليه السلام ( كل ميسر لما خلق له).
6ـ كن في الحياة كالصخرة التي تتحطم فوقها حبات الثلج ، فلو التفت إلى كل ناعق لما خطوت خطوة إلى الأمام.
7ـ لا تلتفت إلى نقد الناس وتجريحهم ما دمت طائعا لله ...
اصبر على كيد الحسود *** فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها *** إن لم تجد ما تأكله
8ـ لا تكن ساعي بريد الشيطان ، تنشر الشائعات ، ولا تمحص الأخبار ، وتزرع الفتن بين عباد الله من غير دليل ولا برهان ، فإن فعلت ذلك فقد وقعت في أعظم الذنوب ، فالشائعة قبل أن تخرجها من فيك فأنت سيدها ، وإن خرجت فأنت عبدها.
9ـ لا تحمل هموم الكرة الأرضية في رأسك ، بل اصنع من الليمونة الحامضة عصيرا حلواً ، فاطرح الهموم جانبا ، وتذكر قول القائل:
دع الأمور تجري في أعنتها ** ولا تبيتّن إلا خالي البال
10ـ كن جريئا في اتخاذ القرارات بعد تمحيصها ، ولا تتردد في ذلك ، فإن فساد الرأي أن تترددا ، وتذكر أن قراراتك هي التي تحدد مصيرك.
11ـ كن واثقا من نفسك ، متحملا كامل المسؤولية الملقاة على عاتقك.
12ـ إذا أصبت بأي مصيبة من مصائب الدنيا فلا تجزع ، بل عليك بالصبر فإنه مفتاح الفرج ، واعلم أن بعد العسر يسرا ، ولن يغلب عسر يسرين.
13ـ طهر قلبك من الحقد والحسد وسوء الظن ، وكف أذاك عن الناس ، وتذكر قول القائل:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب **** ولا يبلغ العلا من طبعه الغضب
14ـ عوّد لسانك ذكر الله تعالى حتى يصل إلى مرحلة إدمان ذلك تعش مطمئن النفس ، منشرح الصدر ، وذلك مصداقا لقوله تعالى:
(ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
15ـ عقلك بفضل من الله - سبحانه وتعالى- يعطيك في كل يوم حوالي 600 فكرة جديدة ، فاحرص على الاستفادة من هذه الطاقة العقلية بشكل مستمر ، فإن طاقة العقل مثل الماء ، إن استخدمته تحرك وتنشط وأنتج ، وإن تركته فسد.
16ـ اجعل لنفسك ورداً يومياً لقراءة القرآن الكريم ، تتغذى به روحك ونفسك ، وورداً آخر للمطالعة ، يتغذى منه فكرك وعقلك.
17ـ داوم على ممارسة الرياضة ولو في كل يوم ربع ساعة ، تكسب النشاط والحيوية ، وتقلل بذلك من ترسب الدهون في جسمك.
18ـ يقول بعض الحكماء: (متتبع العيوب كالذباب ، لا يقع إلا على الجرح ، وبعض الناس مصاب بكلمة (لكن) ، كلما ذكرت له شخصا قال: خير ... خير ولكن ... ثم اسمع ما يأتي بعد لكن !! ... هجاء مقذع ، وسباب قبيح ، وهتك صريح.
19ـ لا تغضب ، فإن الغضب يفسد المزاج ، ويقطع الصلة ، ويسيئ العشرة ، ويفسد المودة ، فإن غضبت فاسكت ، وتعوذ من الشيطان ، وغيّر هيأتك وأكثر من ذكر الله.
20ـ احتفظ بمذكرة صغيرة في جيبك ترتب لك أعمالك ، وتنظم أوقاتك ، وتذكّرك بمواعيدك ، وتسجل عليها ملاحظاتك.
21ـ انظر إلى الجانب المشرق من المصيبة ، وتأمل أجرها ، وأعلم أنها أسهل من غيرها ، وتأس بالمنكوبين ، واحرص دائما أن تحوّل خسائرك إلى أرباح.
22ـ من تيسرت له القراءة فإنه سعيد ، لأن القراءة تسرّ القلب ، وتؤنس النفس ، وتشرح الصدر ، وتنمي الفكر ، فإن لم يكن لك نصيب من القراءة فأحسن الله عزاءك.
23ـ لا تتخذ قرارا حتى تدرسه من جوانبه كافة ، ثم استخر الله وشاور أهل الرأي والحكمة ، فإن نجحت فهو المراد ، وإلا فلا تندم.
24ـ كن كالنملة في المثابرة ، فإنها تصعد الشجرة مائة مرة وتسقط ثم تعود صاعدة حتى تصل فلا تكل ولا تمل.
25ـ إذا تذكرت شيئا من الماضي فتذكر تاريخك المشرق لتفرح ، وإذا ذكرت يومك فاذكر إنجازك تسعد ، وإذا ذكرت الغد فاذكر أحلامك الجميلة لتتفاءك.
26ـ لا تتهيب المصاعب فإن الأسد يواجه القطيع من الجمال غير هيّاب ، ولا تشكو المتاعب فإن الحمار يحمل الأثقال ولا يئن.
27ـ اصنع المعروف واخدم الآخرين ، ولا تكن معزولا في هامش الحياة ، فالعزلة مصدر تعاسة ، فالمجتمع ينتظر أن يرى بصمتك واضحة من خلال إنجازاتك وإسهاماتك.
28ـ اجعل من الهدية المتواضعة والكلمة الطيبة قنطرة عبور إلى قلوب الآخرين.
29ـ كن إيجابيا في الحياة ، وانظر إليها بتفاؤل ، واحذر من مجالسة المتشائمين الذين لا يرون من الحياة إلا اللون الأسود.
30ـ اجعل همك في طلب الآخرة ، واجعل الدنيا في يدك لا في قلبك ، وعلامة ذلك ظهور الحزن عليك عندما يفوتك شيء من عمل الآخرة ، أما إذا أصابتك خسارة مالية ونحوها بقيت متماسكا وكأن شيئا لم يقع.

سالم بن سعيد الطوقي

أعلى





فن التعامل مع الطلاب

تمر التربية بأزمات خطيرة وتحديات صعبة لا تخفى عليكم ، فواقع العصر الذي نعيشه وما طرأ على المجتمع من تغيّرات اجتماعية واقتصادية وإعلامية وثقافية ......؛ أثّـر سلباً على التربية والتعليم، فساهم في ظهور سلوكيات ممقوتة عند بعض الطلاب خاصة في المرحلتين المتوسطة والثانوية ، ومما زاد في ذلك تخلي بعض الأسر عن دورها التربوي.
والقضية التي سأطرحها بين يديكم من أهم القضايا التي تشغل بال المعلمين والمعنيين بالتربية إنها: ( فن التعامل مع الطلاب ). فهي من أهم المهارات التي يجب على المعلم إجادتها وإتقانها . وفي هذه النشرة التربوية سينصب حديثنا على ثلاث قواعد رئيسية .
القاعدة الأولى : مفاهيم خاطئة للشخصية .
يعتقد بعض المعلمين أن التعامل مع الطلاب برفقٍ وشفقةٍ ورحمة ٍ وإحسانٍ ، وأن النزول إلى مستواهم ضعفٌ في الشخصية. ويرى البعض أن قوة الشخصية ترتبط بالشدة المفرطة والعبوس والتعسف والجور وذلك بجعل الفصل ثكنة عسكرية . ويزداد الأمر سوءاً عندما يضع بعض المعلمين حواجز مصطنعة بينهم وبين الطلاب من خلال نظرتهم التشاؤمية. كما أفرط بعض المعلمين في تعاملهم مع الطلاب بترك الحبل على غاربه متنكبين وفارين من المسئولية الملقاة على عاتقهم متحججين بذرائع هشة وأوهام خاطئة .
ولو تساءلنا لماذا يملك هذا المعلم حب الطلاب واحترامهم داخل وخارج المدرسة ؟ بينما نجد المعلم الآخر لا يملك إلا بغضهم وكراهيتهم !! إذاً لابد من وجود خلل !!
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فهو المعلم والمربي والقائد ، فقد كان يحسن إلى البر والفاجر والمسلم والكافر. قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم : (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) آل عمران /159. وانظر أخي المعلم إلى رفقه عليه الصلاة والسلام بالأعرابي الذي بال في المسجد ، وحلمه على الشاب الذي استأذنه في فعل فاحشة الزنا ، فهما خير دليل على نظرته التربوية الصائبة . ولا غرابة في ذلك ، وهو القائل : (إن الرفق ما يكون في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه) رواه مسلم .
القاعدة الثانية : مؤهلات مطلوبة لكسب الطلاب .
لكي ينجح المعلم في كسب الطلاب لابد أن يكون مؤهلاً تأهيلاً نفسياً وعلمياً وتربوياً . وأهم هذه المؤهلات (القدوة الحسنة) فعلى المعلم أن يتحلى بالصبر والحلم والأناة والحكمة والشفقة والرحمة والتواضع ، وأن يكون على دراية بأحوال الطلاب وخصائص المرحلة التي هم فيها ومتغيرات الزمان وفلسفة التربية وأن يبتعد عن المثالية فطالب اليوم ليس كطالب الأمس . كما أن حسن المظهر وقدرة المعلم العلمية وفنه في إيصال المعلومة من المؤهلات الضرورية التي تساهم بشكل كبير في جذب الطلاب واحترامهم وحبهم للمعلم وتفاعلهم معه .
القاعدة الثالثة : كيف تكسب الطلاب ؟
لكسب الطلاب عليك أخي المعلم بهذه الخطوات العشر :
1ـ كن سمحا ً هاشاً باشاً ليناً سهلاً ، وأكثر من السلام عليهم تمتلك قلوبهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) .
2ـ ابتعد عن العبوس وتقطيب الجبين ، واترك الشدة المفرطة فإنها لا تأتي بخير، ولا تكثر من الزجر والتأنيب والتهديد والوعيد. (رفقٌ من غير ضعف وحزمٌ من غير عسف).
3ـ لا تسخر منهم أو تحتقرهم ، وجرّب النصيحة الفردية معهم .
4ـ أكثر من الثواب والثناء عليهم ، واستمر في تشجيعهم .
5ـ اعدل بين طلابك ، ولا تحابي أحدهم على الآخرين .
6ـ اعف عن المسيئ وأعطه الفرصة لإصلاح خطئه ، ثم عالج الخطأ باعتدال .
7ـ لا تضع نفسك في مواضع التهم ،ولا تستخدم طلابك في أمورك الشخصية وقضاء حاجاتك
8ـ أدخل الدعابة والفكاهة عليهم ولا تبالغ في ذلك .
9ـ تحسس ظروفهم ، وساهم في حل مشكلاتهم ، وتعاون مع المرشد الطلابي في ذلك، وأشعرهم بأنك كالأب لهم أو الأخ الأكبر تغار على مصلحتهم ويهمك أمرهم .
10ـ ابذل كل جهدك في إفهامهم المادة واصبر على ضعيفهم وراعي الفروق الفردية بينهم ، ونوع في طرق تدريسك ، وسهّل الأمر عليهم ، ولا ترهقهم بكثرة التكاليف المنزلية .
وأخيراً أخي المعلم: تذكر أمانة المهنة وجسامة الدور وأهمية التربية واحتسب الأجر والثواب وأخلص النية ، فأنت الأمل بعد الله في إصلاح الجيل، ولا تجعل من المعوقات والمحبطات والحالات الشاذة عذراً للتقاعس وعدم العمل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ).
وقال الشاعر : إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
المصدر : (البلاغ).


أعلى




كيف تستخدم المكتبة

تحتوي المكتبات على تسجيل مكتوب ومختصر لتاريخ البشرية على الأرض. إنها من أعظم منجزاتنا ومصدر للبحث والمراجعة. وفي محاولتك لتطوير مهارات الدراسة ستجد نفسك أمام هذا المصدر حتماً.
كيف تستخدم مكتبتك المحلية؟
تستخدم معظم المكتبات نظام تصنيف ديوي العشري، والذي يقوم على الأرقام من صفر حتى 999 لتصنيف الكتب حسب مادتها. يبدأ النظام بتنظيم الكتب إلى عشر مجموعات رئيسية:
صفر ـ 99 عامة
10 ـ 199 فلسفية
200 ـ 299 عقيدة
300 ـ 399 علوم اجتماعية
400 ـ 499 لغة
500 ـ 599 علوم
600 ـ 699 فنون مفيدة (مهارات)
700 ـ 799 فنون رفيعة
800 ـ 899 أدب
900 ـ 999 تاريخ.
وكل مجموعة من هذه المجموعات العشر تقسم إلى عشر وكل من هذه المجموعات المائة تقسم إلى موضوعات أكثر تحديداً ضمن الفئة الأساسية.
مثلاً ضمن مجموعة الكتب الفلسفية (100) هناك (150) علم نفس، و(170) أخلاق. وضمن مجموعة التاريخ (900)، (910) رحلات و(930) تاريخ قديم.
هناك تقسيمات فرعية أخرى. فمثلاً تعطي الرياضيات رقم (500) في السلسلة العلمية ـ 510. لكن هناك مواد مخصصة ضمن الرياضيات، 511: حساب، 512: جبر، وهكذا.
أخيراً لتسهيل الأمر عليك أكثر فإن الرقمين الأخيرين (تحت العشرة).
يدل كل كتاب حسب نظام ديوي العشري على نوع الكتاب وماهيته.
1ـ فلسفة الـ ........
2ـ الخطوط العامة لـ ........
3ـ قاموس الـ ........
4ـ مقالات عن ........
5ـ منشورات دورية عن ........
6ـ صفقات وأحداث اجتماعية
7ـ دراسة أو تعليم الـ ........
8ـ مجموعات
9ـ تاريخ الـ ........
هناك أكثر من (5000) كتاب جديد يُطبع كل عام وتشتري مكتبتك المحلية عدداً منها. تصل الكتب يومياً فتُرسل إلى قسم التصنيف فتُجلد (إذا لزم الأمر) ثم تعطى مكاناً على الرف، وعندما تدخل الكتب في نظام المكتبة تُفهرس في بطاقة تحتوي اسم الكاتب، عنوان الكتاب ومادته. فعندما تحتاج (سيرة ذاتية لتولستوي) مثلاً ما عليك إلا البحث عن بطاقة تخص الكاتب، وتسجيل المعلومات المدونة فيها وإبرازها لأمين المكتبة.
أسلوب البحث:
كل مَن يستخدم المكتبة .. له أسلوب خاص في التمتع بكنوزها واستخدامها بفاعلية.
وقد وجدت بالتجربة أن أهم خطوة أن تبحث عن المادة بدءاً من الخطوط العامة أو المواضيع، ثم تنتقل إلى الموضوع المخصص أكثر فأكثر.
لنفترض على سبيل المثال أنك تحضر تقريراً عن مقاومة اللا مبالاة ووضعه ضمن منظور تاريخي. إليك الأسلوب الذي تصل من خلاله إلى موضوعك:
1ـ ابدأ بالقاموس: وابحث عن معنى لامبالاة. تأكد من استيعابك الكامل لمضمون هذه العبارة قبل أن تتقدم أكثر.
2ـ راجع دائرة المعارف المتوفرة في مكتبتك المحلية، وهنا ستجد لمحة شاملة ومنظوراً تاريخياً عن المادة التي تحققها. إن دائرة المعارف مدخل شامل يمكنك الرجوع إليه، فهي تغطي كل المقاطعات والأنواع المعرفية الموجودة حتى تاريخ طباعتها.
3ـ بعد أن حصلت على الصورة الكبيرة الشاملة للمادة، تستطيع الرجوع إلى الفهارس الأساسية في المكتبة لتدوين مصادر ومراجع أكثر خصوصية، وستجد من الكتب ما يكفي لتأليف كتاب عن اللامبالاة لا مجرد تقرير.
لكن ماذا لو كنت تجد المكتبة مكاناً لا يطاق؟ هنا أؤكد لك على أن أي عادة تكتسب بالمران. وكلما واظبت على استخدام المكتبة، كلما وجدتها أقرب إلى نفسك واستفدت منها أفضل، فتكون بمثابة بيتك الثاني والرفوف أصدقاء لك.

عبدالله الحارثي

أعلى





كيف تنظم يومك ؟

إذا نجح الإنسان في تنظيم يومه نجح في تنظيم حياته وكثير من الناس يواجهون أعباء الحياة يوميا بدون تنظيم ولا تخطيط لأعمالهم فيرهقون أنفسهم ، ولا يبلغون أهدافهم
ولكي تبدأ في تنظيم يومك .. اليك هذه الافكار التي نرجو ان تتحول الى برنامج وعمل وهي كالتالي :
1ـ أعد قائمة بأعمالك اليوميه في مساء اليوم الذي قبله أو في صباح اليوم نفسه ، واحتفظ بهذه القائمة في جيبك وكلما انجزت عملا فأشِّر عليه بالقلم
و2) أوجز عبارات الاعمال في الورقة بما يذكرك بها فقط
و3) قدّر لكل عمل وقتا كافيا وحدد بدايته ونهايته
و4) قسم الاعمال تقسيما جغرافيا بمعنى ان كل مجموعة أعمال في مكان واحد أو في أماكن متقاربة تنجز متتالية حفظا للوقت
و5) اجعل قائمتك مرنة بحيث يمكن الحذف منها والاضافة اليها اذا استدعى الامر ذلك
و6) اترك وقتا في برنامجك للطوارئ التي لا تتوقعها مثل ضيف يزورك بدون موعد أو طفل يصاب بمرض طارئ أو سيارة تتعطل عليك في الطريق وأمثال ذلك
و7) بادر لاستغلال بعض هوامش الاعمال الطويلة لإنجاز أعمال قصيرة مثلا : عند الانتظار في عيادة الطبيب إقرأ في كتاب أو اكتب رساله أو اتصل اذا وجد هاتف لانجاز بعض الامور ..... وهكذا
و8) عندما يكون وضع برنامجك اليومي اختياريا ، نوّع اعمالك لئلا تصاب بالملل فاجعل جزءاً منها شخصيا وآخر عائليا وثالثا خارج البيت .... الخ
و9) اجعل جزءاً من برنامجك اليومي لمشاريعك الكبيرة كتطوير ذاتك وثقافتك والتفكير الهادئ لمشاريعك المستقبلية وأمثال ذلك
و10) حبذا لو صممت استمارة مناسبة لكتابة برنامجك اليومي عليها ، ثم صورت نسخاً منها ووضعتها في ملف لديك وجعلت لكل يوم منها واحدة.

أعلى

الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept