الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

 


تحليل (الوطن) السياسي

قراءة الماضي لإستشراف المستقبل

باختصار

استشراف المستقبل العربي

أصداف

مواطن إيراني ومواطنون عراقيون

أقول لكم
أدوية الفقراء
في الموضوع
مركزية السلطة في بريطانيا
3 أبعاد
الفرار من إسرائيل
همسة

الديون هم لا ينتهي

رأي

(الزعامة) والتجربة المريرة

رأي
(نقص المناعة) السياسية وغياب فضيلة الاعتراف!!
رأي
أعطني يدك
رأي
(الفتح الأميركي) لبلاد العرب
رأي
ما بين الشخصي والرسمي







تحليل (الوطن) السياسي
قراءة الماضي لإستشراف المستقبل

لم يكشف وزير الثقافة اللبناني غازي العريضي، سراً عندما كان يتعرض لموضوع الاسرى العرب في السجون الاسرائيلية وهو يلقي كلمته في مؤتمر الفكر العربي الثاني الذي يعقد حالياً في بيروت، عندما قال: ان اصغر اسير في العالم هو طفل فلسطيني لم يتجاوز عمره الشهر الواحد..العريضي كان يدق جرس الخطر وينبه المؤتمرين الى شريحة مهمة من المجتمع العربي تعاني اشد انواع التعذيب والتشريد في اسرائيل وان الامر لم يعد يحتمل ولا بد من تجنيد كل المنظمات الدولية بإيجاد حل سريع يخفف عن آلاف الاطفال العرب وهم الذين يعوّل عليهم المجتمع العربي وعليه ان يبحث في مستقبلهم طالما ان موضوع المؤتمر هو استشراف مستقبل العالم العربي والتوقف عند متطلبات كل شريحة..على اعتبار ان الطفل العربي لم ينل حقه من اهتمام المفكرين والمربين والمثقفين العرب، وهو ما زال يعيش مهمشاً في الكثير من الدول العربية بينما على حال أفضل في الدول العربية الباقية، ومشكلة الطفل العربي تتمحور في الواقع المؤلم الذي يعيشه في الاراضي الفلسطينية المحتلة وكيف يعده الاحتلال، وخاصة بعد انتفاضة الحجارة، للإنخراط في مجتمع جديد ما زال يجهله: هل هو سيعيش ويتربى في وضع احتلال دائم، ام في مجتمع حر ومستقل؟! وكيف يمكن ان يعيش هذا العدد الكبير من اطفال الحجارة حالة من التشرذم والقهر جنباً الى جنب مع بقية اطفال العرب.
ان ما يشغل اسرائيل هو الطفل الفلسطيني في مختلف الاعمار ويسبب لها نوعاً من الهوس الامني تعتبره خطراً على كل استراتيجياتها الامنية الراهنة والمستقبلية.. وانطلاقاً من هذه المفاهيم العنصرية والعدائية والارهابية بدأت اسرائيل سياسة مرعبة تقضي بالتخلص من الطفل قبل ولادته او وأده..اي ارتكاب الجرائم البشعة بحقه تحت ستار امنها المهتز.
في رأي اسرائيل ان كل فلسطيني ولد او سيولد سيصبح ذات يوم خطراً مؤكداً على بقائها..ومن هنا كانت مقولتها الشهيرة: (طفل اليوم هو ارهابي الغد).
اسر وسجن الاطفال وحتى الرُضع مهم تعتبره اسرائيل بداية خطة تسعى لتنفيذها منذ كان الاحتلال وهي القضاء ونهائياً على كافة مقومات الانسان العربي وتدمير البنية التحتية التي رغم هزالها تقلق المحتل وتمنعه بشتى الوسائل من تنفيذ شيء منها.
وعندما يكون المجتمع الفلسطيني، اينما وجد، هو المعني في البداية في عملية التهويد الشاملة فإن المجتمع العربي هو كله سوف يعاني من هذا الخطر المدمر المستقبل.
ان من أهم ما يجب ان يتصدى له مؤتمر الفكر العربي في استشرافه لمستقبل العالم العربي هو التصدي لعملية التهويد..تهويد الطفل الفلسطيني ثم التسلل الى بقية مقومات المستقبل العربي الذي تصنفه اسرائيل في دائرة مراقبتها للتطورات.
مهمة المؤتمر ليس فقط استشراف ما يمكن عمله وتسليط الاضواء بسرعة على استراتيجيات تعتبر ضرورية تتفق في محتواها على طبيعة المستقبل العربي وقراءة معمقة لاخطار العولمة التي تقصر الى تذويب الفكر العربي وجعل الامة العربية والاسلامية تعيش حالة فراغ: قاتل..لا هوية ولا تاريخ.
ولعل الاهم قبل استشراف المستقبل هو التبصر في معطيات الحاضر ثم استذكار الماضي القريب على الاقل لانه مليء بسلبيات يمكننا تحويلها الى ايجابيات تكون نقطة انطلاق نتحدى بها المجهول الذي يلف الفكر العربي قبل مجتمعه.

أحمد الاسعد
بيروت

أعلى






باختصار
استشراف المستقبل العربي

يدعي الكثير من المنظرين العرب قدرتهم على (استشراف المستقبل العربي) تلك الجملة الموهوبة التي تبنتها واحدة من كبريات المؤسسات الثقافية العربية التي اتخذت شعارا لها وحدة المال والفكر.. ففي حمأة الاوضاع العربية التي لايمكن وصفها الا بانها تعبير عن ازمة ومشكلة يبدو الوضع العربي محاطا بالمخاطر ومحيطا نفسه بانسداد الرؤية.
ان التنظير في موضوع مصيري وحيوي كهذا الشعار الكبير الفتّان لسوف يأخذنا الى البحث الجدي عن تلك الازمات المتعددة التي يعيشها العرب والتي تزداد تعقيدا. ولقد حاولت كثيرا ان اطرح هذا السؤال على عديدين عبر اكثر من ربع قرن فلم اكن اجد غير امنيات هي اشبه بقراءات قاصرة او بتفسيرات محددة او بقطع من المحفوظات المرسلة عن ظهر قلب.
سيكون صعبا على من لم يجد حلا لمعضلات قديمة حديثة ان يتمكن من اتخاذ القرارات المفصلية والذهاب الى تنفيذها . فالعجز اولا هو في ذاك المثقف الذي هو تعبير عن عجز اجتماعي كامل وعن عجز سياسي واضح وعن عجز ارادي (من ارادة) صعب وكارثي.
لقد استهلك المثقفون الاوقات وقدح الذهن والافكار والاوراق وطالت اجتماعاتهم لكنهم كانوا دائما اميل الىاصدار البيانات المكررة كل عام او كل مناسبة وما اكثرها من مناسبات في عالمنا العربي، في وقت تتحرك القوى المعادية لهذه الامة على استئصال شعب بكامله في فلسطين وعلىاحتلال ارض عربية في العراق. ويتمكن الاستراتيجيون الغربيون من تفسير عالمنا العربي بشتى انواع النعوت واقلها التقصير وعدم القدرة وعدم امتلاك القوة والاذعان والتواطؤ وغيرها.. ان المثقف الاجنبي الذي تسنى له قراءة الواقع العربي سيكون عليه ان يرى الامور في نتائجها لانه في كثير من الاحيان لايمتلك قراءة صحيحة لتفاصيل عالمنا في شتى اتجاهاتها.
مسألة استشراف المستقبل العربي قد يجيب عليها كل من اقتنع بابعادها وبمعناها وبفحواها. وستكون الاجابات كلها من النوع الذي اعتدنا عليه او عشنا طرق التعبير عنه. كثير من المثقفين استهلك الامر واستسهله. وكثير من المثقفين غالى في التعبير عن القصور العربي الذي اخذنا الى نقطة اليأس والدمار ، لكننا جميعا سنبقى اسرى النظرية واللفظة والمشهد ان لم نتمتع بالقدرة التي هي في الاجابة اولا عن قطريتنا التي استهلكت وعن وحدتنا التي تم اعدامها.
عندما نتمكن من الاجابة على تلك الفكرة المبسطة نكون قد فسرنا احد اهم الاسباب التي اوصلتنا الى هذا الدرك والى هذا السوء الذي يعشعش فينا وينخر في بنيانا مزيدا كل يوم بانتظار ما ستطوله من كوارث اخرى لن تكون باقل مما نحن فيه.
فهل يستطيع هذا المثقف العربي المنظر في مجالات الفكر ان لايستهلك وقته (الثمين) تحت بحث الاستكشاف بينما الحقيقة بين يديه وما عليه سوى ان ينفذ. كيف؟: الله اعلم.

زهير ماجد

أعلى






أصداف
مواطن إيراني ومواطنون عراقيون

جاء احتجاج الحكومة الإيرانية رسمياً، على قتل مواطنها في سامراء، على أيدي القوات الأميركية، التي وجهت أسلحتها وقتلت ثمانية عراقيين بينهم امرأة وطفل، بالقرب من مرقد إسلامي مقدس، ليؤكد هذا الاحتجاج، على قيمة الإنسان، من جانب، ووجود من يهتم به ويتابعه، حتى لو كان على مبعدة آلاف الكيلومترات من بلده.
لكن الذي حصل في عصر ذلك اليوم، في مدينة سامراء، قرب مرقد الإمام علي الهادي، كان عبارة، عن هجوم مفاجئ بالأسلحة الأميركية القاتلة، على العراقيين الأبرياء الذين كانوا في الشارع العام، وسقط منهم، من سقط، وجُرح العشرات، وكان من بين الضحايا مواطن إيراني، وهو كما قلنا واحد من ثمانية أشخاص، لهم عوائلهم، مثلما له هو عائلته، وهؤلاء السبعة من العراقيين، هم من بين العشرات، الذين قتلتهم القوات الأميركية، في ذلك اليوم في العراق، ولا يعلم أحد بهم، وهؤلاء العشرات، هم من بين المئات من العراقيين، الذين قتلتهم القوات الأميركية، خلال ذلك الأسبوع، ولا أحد يتحدث عنهم، وهؤلاء المئات من العراقيين، هم من بين الآلاف، الذين قتلتهم أسلحة الجنود الأميركيين، خلال الأشهر الماضية، في مناطق مختلفة من العراق، ومن بينهم النساء والأطفال والعلماء والشباب.
وبينما سارعت الحكومة الإيرانية للتعبير عن شديد انزعاجها واستنكارها، بسبب مقتل مواطن إيراني واحد، فأن أحداً لم يحتج أو يستنكر، ويرفع صوته ضد القوات الأميركية، التي قتلت الآلاف، لا لسبب، فقط لأنهم في بيوتهم، أو صادف مرورهم قرب قافلة، أو لأن مزاج الجندي الأميركي، لم يكن رائقاً في تلك اللحظات، مثل ذاك الجندي الذي قتل مسؤولاً في بلدية بغداد، لأن الضحية تحدث إلى الجندي الأميركي، الذي لم يكن رائق المزاج، أما إذا كانت مجموعة من الجنود بمزاج متعكر، فأن مصير المئات من العراقيين، هو القتل.
ليس هذا فقط، بل أن هناك ما هو أقسى من ذلك، إذ يمنع الجنود الأميركيون، أي شخص يحاول إنقاذ الجرحى الذين ينزفون، ويستمر هذا المنع لساعات طويلة.
هؤلاء الضحايا من العراقيين، والذين يعدون بالآلاف، ليس هناك من يتحدث عنهم، ويطالب بوضع حد للمآسي اليومية، التي تحل بهم، ولم يسمع أحد بموقف حاسم من جامعة الدول العربية، ضد قوات الاحتلال الأميركي، التي ترتكب كل هذه المجازر، ولا يتحدث عنها المسؤولون العرب، مع أن القتل والإرهاب اليومي يتواصل في العراق.

وليد الزبيدي
كاتب عراقي

أعلى





أقول لكم
أدوية الفقراء

مطلع العام القادم يبدأ تنفيذ اتفاقية حماية الملكية الفردية المعروفة باسم (تريبس) وبمقتضى بنودها سيكون العلاج الطبى ترفا لا يقدر عليه مرضى دول العالم الثالث، فشركات الادوية العالمية متعددة الجنسيات سوف تسعى الى تعويض استثماراتها في البحث العلمي لانتاج أدوية جديدة برفع الاسعار لتغطية النفقات وتحقيق الربح ولو على حساب المرضى، وقيام الحكومات بدعم الادوية يتكلف مبالغ باهظة اضافة الى آثارة الاقتصادية السلبية، والحل هو تنشيط البحث العلمى في دول العالم الثالث التى تمتلك بنية تحتية وخبرات بشرية مؤهلة لاجراء بحوث تستغل النباتات الطبية المحلية لانتاج ادوية فعالة رخيصة الثمن.
وفي كتاب مثير بعنوان : المخ.. ذلك المجهول، يقول مؤلفه عالم البيولوجى البريطانى ان المخ البشرى طاقة جبارة قادرة على السيطرة على كثير من الامراض وعلاجها دون تدخل دوائى، ويشير الى ان العمر الافتراضى للمخ يصل الى 800 سنة، وعند موت صاحبه يكون المخ مثل موتور جديد تم تركيبه على هيكل متهالك، ويؤكد الباحث ان طاقة المخ الجبارة تحتاج الى مزيد من الدراسات والبحوث لاستثمارها طبيا في علاج طائفة كبيرة من أمراض البشر.
والدعوة موجهة الى علماء الدول النامية لاجراء هذه البحوث التي يمكن ان تسفر عن ثورة في عالم الطب البديل.
ومافيا شركات الادوية العالمية تتحالف مع أعداد كبيرة من الاطباء في مختلف دول العالم لترويج منتجاتها من الادوية واجراء قياسات لآثارها العلاجية على مرضاهم وتقديم ذلك في بحوث واوراق عمل ضمن ندوات تقيمها هذه الشركات في العواصم العالمية ويدعى اليها الاطباء المتعاونون مع توفير مقاعد الدرجة الاولى في الطائرات واقامة كاملة في فنادق النجوم الخمس على نفقة هذه الشركات، وهو نوع من (الارهاب) العلمى لابد من مواجهته ببحوث ودراسات لانتاج ادوية محلية فعالة بسعر مناسب، رغم أنف التريبس ومافيا الدواء !

شوقي حافظ

أعلى

 




في الموضوع
مركزية السلطة في بريطانيا

يشعر كثير من المسلمين البريطانيين وكذلك المسلمون في دول غربية عديدة، بإحساس بالاضهاد لان الاجراءات الامنية التى تفرضها حكومات بلادهم، بحجة الحماية من (عمليات ارهابية) محتملة تعتبر قيدا كبيرا على الحريات، وتجعلهم في موقف الاتهام دون حجة وتثير الرأي العام في بلادهم ضدهم، بما يتنافى مع حقوق الانسان، وينير احتمالات صراعات عادة، ويضر بالسلام الاجتماعي في تلك البلاد ذاتها، وتأتي هذه الاجراءات الحكومية في ظل قوانين جديدة صدرت على عجل في برلمانات تلك الدول، في اعقاب احداث 11 سبتمبر عام 2001، من اجل تعزيز موقف الشرطة في مجال مكافحة الارهاب.
والنقطة المهمة في هذا السياق، هي أن كثيرا من ابناء الدول التي تطبق فيها اجراءات من هذا النوع ـ ومن اولئك مواطنون عاديون غير مسلمين، وليسوا نشطين في مجال حقوق الانسان ـ يشعرون ان تلك القوانين مقيدة لحقوق الانسان، وتعتبر حالة من الردة ضد المناخ الليبرالي الذي اصبح طابع تلك المجتمعات وتتفاقم تلك المشكلة، عندما يتبين ان الشرطة تتوسع في استخدام تلك القوانين، ابتداء من محاصرة المتظاهرين، ومرورا بتوقيف سائقي السيارات وحتى بالنسبة لمداهمة المنازل واماكن العمل، واحتجاز الناس على ذمة التحقيق وحرمانهم من حقوق الاتصال مع ذويهم او محاميهم.
وفي بريطانيا يتزامن ذلك كله، مع ما يجري على يد حكومة رئيس الوزراء توني بلير، من تركيز للسلطة في يد رئيس الحكومة، وفي يد من حوله من مستشارين وموظفين غير منتخبين او مسؤولين سياسيا، لدرجة ان انتقادات عديدة بدأت تتردد حاليا ـ وبصوت مرتفع ـ عن ان رئيس الوزراء لم يعد الاول بين زملاء متساوين وانما رئيس فوقهم حسب حالة النظام السياسي السائد في الولايات المتحدة الاميركية، بما في ذلك سيطرته على اجهزة المخابرات والامن، والتدخل في تقاريرها بالتزوير والتحوير، لتبرير سياسات معينة، مثل شن الحرب ضد العراق، الذي هو ـ بالصدفة او بالتدبير ـ بلد اسلامي ايضا.
ويدفع ذلك الناس الى الاعتقاد، بان مركزية السلطة في لندن جاءت في ظروف الحرب ضد (الارهاب) ـ او ضد الاسلام ـ وان كان بريطانيون محايدون، يرون ان تركيز السلطة في يد قيادة حزب العمال يأتي كرد فعل لحالة الانفلات التي كانت طابع عمل الحزب خلال الثمانينيات، ولم تجعله مؤهلا لتولي السلطة فطال حكم حزب المحافظين تحت قيادة مرغريت تاتشر وجون ميغور ـ الى 18 عاما ويقول هؤلاء المحايدون ان تصرف توني بلير بهذه الطريقة لا يختلف عن تصرف مرغريت تاتشر، عندما كانت رئيسة للوزراء، ومثل هذا التصرف ربما كان ضد مبادئ الانفتاح السياسي والحرية، لكنه ربما كان ضروريا في الظروف الاستثنائية لمكافحة الارهاب كما ان الانفلات الذي يعاني منه حزب المحافظين حاليا ـ ومنذ اواخر عهد جون ميغور ـ كان سبب خسارته لانتخابات عام 1997 ومازال يشكل سببا في عدم تأهيله للفوز بالحكم في بريطانيا.
وسواء كانت حالة (مركزية السلطة) الحالية في بريطانيا صدفة ام مرتبة، بهدف التضييق على الحريات العامة، فإن ذلك يتزامن ايضا مع سطوة تقنية اجهزة الحاسب الآلي، التي جعلت من الممكن استخراج بيانات عن اي انسان ـ منذ ميلاده وحتى مماته ـ في لحظات، تتضمن اماكن اقامته وعمله وتعليمه وحساباته المصرفية وسجلاته الائتمانية وممتلكاته ـ وحتى علاقاته الشخصية ـ اضافة الى الاماكن التي زارها، مع تسجيل ذهابه اليها بالصور، وأرقام السيارات التي استقلها، والتنصت على محادثاته، حتى وان كانت في غرف خاصة، وكذلك على اتصالاته الهاتفية، لدرجة انه لم تعد للانسان خصوصية في حياته ايضا.
وتعمل الحكومة البريطانية ـ مثل حكومات غربية اخرى ـ على اصدار تشريعات تلزم المواطنين بحمل بطاقات هوية جديدة، وتوفر للحكومات فرصة وضع تلك البطاقة في اجهزة لتستطيع قراءة معلومات اليكترونية مسجلة عليها، تحمل كل ما يمكن عن حياة خصومه وتمكن اجهزة الشرطة ـ واي مؤسسة حكومية اخرى ـ من معرفة كل شيء عنه في لحظات وتقول الحكومات انه ليس هناك ما يمكن ان يخشاه المواطن من ذلك، مادام يعيش في ظل القانون ويلتزم به، لكن كثيرا من الناس يرون في ذلك تدخلا سافرا في حياتهم الخاصة، ونوعا من المراقبة تحت ستار ضرورات طارئة، كما انه يمثل خرقا لحقوق الانسان، وتحيزا كبيرا ضد المهاجرين، واجراء لاستبعاد طالبي اللجوء، وان كانت الحكومات ترى ان الضرورات تفرض اتباع هذه الاجراءات تماما مثل الاجراءات الامنية والتفتيش الذي يخضع له المسافرون في المطارات، قبل ان يستقلوا طائراتهم.
والقضية الاساسية هنا، هي ان الحريات المدنية ـ التي ناضل الغربيون من اجلها قرونا طويلة ـ اصبحت الآن في خطر وتحت التهديد، ويتزامن ذلك مع تزايد عدد المسلمين في الدول الغربية، ويرى كثيرون ان الحرب ضد (الارهاب) وعملية (وصف الاسلام بالارهاب) ما هي الا محاولة للهجوم على الاسلام في ارضه ـ وعلى مستوى العالم كله ـ بعد ان تبين ان المسلمين بدأوا يقيمون لانفسهم قواعد في الدول الغربية، ويتعين علينا ان نناقش هذه القضية بموضوعية وصراحة، للتوصل الى ما اذا كان ذلك صحيحا ـ كما يقول البعض ـ ام ان هناك سببا آخر وهو ان المسلمين ـ الذين يتصرفون حسب تقاليد واعراف معينة، تختلف عما هو سائد في الغرب، وليست لها بالضرورة علاقة مع الاسلام ـ اثاروا حساسية الغربيين من اتباع نفس الاساليب في بلادهم، وهي مختلفة عما كان سائدا فيها او يتماشى مع طبيعتها.

عبد الله حمودة


أعلى





3 أبعاد
الفرار من إسرائيل

أجراس الإنذار تدق على كافة المستويات السياسية في إسرائيل بسبب ازدياد مضطرد في معدلات الهجرة فرارا من العنف المرتبط بالانتفاضة الفلسطينية ومن الأحوال الاقتصادية المتردية في إسرائيل. ربع الأميركيين الذي ذهبوا للعيش في إسرائيل منذ عام 1989 غادروها. والأرقام الأخرى لا تقل سوءا. رئيس الوزراء الإسرائيلي يرغب في اجتذاب مليون مهاجر يهودي جديد الى إسرائيل بحلول عام 2010 ، ولكن من ذا الذي يرغب في تحقيق امنية أو خطة شارون؟ لقد ارتفع عدد الإسرائيليين الذين يعيشون خارج إسرائيل من 550 الفا في عام 2000 الى اكثر من 760 الفا اليوم، وفقا لأرقام نشرتها الحكومة الإسرائيلية نفسها. وهذا العام لن ينتقل للعيش في إسرائيل إلا 23 ألف يهودي فقط وهو أقل عدد منذ عام 1989. إسرائيل تتداعى داخليا. هذا ما تقوله كريستين شاليف وهي أم لطفلة في الثالثة من عمرها وتستعد للهجرة الى كندا. حكومة الصقور في إسرائيل ترغب في زيادة عدد السكان عن طريق الهجرة حتى يتسنى لها نهب مزيد من الأرض. الجدار الأمني الذي تشيده اسرائيل في الضفة الغربية إذا اكتمل تشييده وفقا لخرائطه الأصلية سوف يلتهم 55 في المائة من الضفة الغربية بما في ذلك ثمانية آبار مياه لها أهمية قصوى. الجدار والهجرة ذريعتان لالتهام الأرض التي يقول الرئيس بوش إن الفلسطينيين سوف يقيمون عليها الدولة الفلسطينية بحلول نهاية عام 2005. لكن الهجرة المعاكسة من إسرائيل قد تقوض أحلام الصقور في التهام مزيد من الأرض. على الانترنيت نقرأ مئات من الإعلانات وضعها يهود يعيشون في إسرائيل لبيع ممتلكاتهم قبل مغادرتهم. ولعل هذه الهجرة المعاكسة هي جزء من الكارثة التي قد تحل بإسرائيل والتي حذر منها أربعة جنرالات إسرائيليين رأسوا المخابرات الإسرائيلية ذات يوم. قال الجنرالات الأربعة إن السبيل الوحيد للحيلولة دون تلك الكارثة هو سلام في وقت سريع مع الفلسطينيين. والكارثة تتحرك من اتجاهين. ففي الوقت الذي يفر فيه مزيد من اليهود من إسرائيل بسبب غياب السلام والحياة الرغدة، يفر فيه مزيد من الفلسطينيين من السلام الى العنف بسبب غياب الأمل في السلام والحياة الكريمة. خبراء الدراسات السكانية يحذرون الآن من أنه إذا استمرت المعدلات الراهنة فسوف يتحول اليهود الى أقلية في إسرائيل والأراضي المحتلة في غضون عشرين عاما. هذا العام وحده هاجر ستة الاف إسرائيلي الى كندا ولكن فرار اليهود من إسرائيل يحدث بهدوء وبدون جلبة لأن هجرة اليهودي من إسرائيل تكاد تعادل ارتداد اليهودي عن ديانته. عار كبير. رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل اسحق رابين ذات يوم وصف الفارين من إسرائيل بأنهم حثالة طفيليات المجتمع. لكن رئيس الوزراء الراهن شارون وفر لهؤلاء الحثالة اكبر حافز للفرار بتحويله المجتمع الإسرائيلي الى مكان يتسم بالقسوة على الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

عاطف عبد الجواد


أعلى





همسة
الديون هم لا ينتهي

اتساءل كثيرا لماذا وصل الوضع المادي بكثير من الناس الى ذلك الوضع المتردي القاسي لماذا غالبيتهم يعانون من الضغوط المادية والديون المتعددة وقلة الحيلة؟! وخصوصا وقت الاعياد حيث تتفاقم المشكلة فنرى الكثير منهم في حالة يرثى لها يولولون و لا يكفيهم الراتب الشهري لمستلزمات العيد. لكن لا اظن في ذلك أي غرابة فالناس ارهقتها الالتزامات المالية فغالبيتهم تذهب رواتبهم الشهرية في سداد الاقساط الواجبة عليهم كاقساط البنوك واقساط السيارات وديون هنا وهناك بالاضافة الى مستلزمات المنزل ومشترياته المختلفة ودفع فواتير الماء والكهرباء وفواتير الهاتف. وهؤلاء من ترهقهم الديون سيماهم في وجوههم يعيشون في عالم من الحزن والالم المكبوت و لا حول لهم ولا قوة و حالة من اليأس والاحباط والقلق والتأفف وضيق الصدر ويغضبون لاتفه الاسباب لدرجة ان كثيرا منهم ينهار تماما من الديون فتصيبهم حالات نفسية من الاحباط والاكتئاب او الصمت المطبق وغيرهم يدمرون انفسهم فيلجأون الى المسكرات والمخدرات اعتقادا منهم انه الحل لنسيان الهموم وضغوطات الحياة المادية. وبعضهم يلتقي باصدقاء السوء لينتهج معهم اساليب غير قانونية للحصول على المال. وكنت اتساءل لماذا كثر الطلاق وزادت نسبته بهذه الصورة ولماذا صارت عيشة المتزوجين نكد في نكد ولا يطيق الواحد الاخر ووجدت ان واقع الحياة المادية التي يعيشها الازواج تجيب على السؤال فالموظف او العامل كل منهما اصبح في الهم شريك فكل منهما يختفي دخلهما الشهري ويشفط قبل ان يصل البيت حيث تتقاسمه البنوك ووكالات السيارات و الفواتير متعددة الاطراف فالرجل مع زوجته اصبح لا يطيق عيشته بسبب انه غير قادر على تلبية متطلبات حياته معها فنجده عصبيا فاترا صامتا وهي ترى نفسها اقل من غيرها وزوجها غير مبال لها فتصيبها الوساوس فيبدأ كل منهما يكيل التهم ويخرج الغضب في صاحبه ويصبح كل منهما صدره ضيقا للاخر فالرجل يخرج من بيته ولا يعود اليه الا في منتصف الليل والمرأة تصب غضبها على اطفالها او من حولها فيصبح الحب والتفاهم مفقودا ولغة الحوار معدومة وكلما تحدثا الى بعضهما البعض تذكرا مشاكلهما فيبدأ الشجار من جديد. هكذا هو حال كثير من الاسر فالديون ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي قضت على السعادة وطردتها من الشباك. لكن هذه المشكلة لا يمكن ان نقول الحكم والعبر والنصائح فيها لاننا لو فعلنا سنكون وكأننا نتكلم من برج عاج بعيد كل البعد عن الواقع وكلنا يدرك ان الدين بتلك الصورة هم لا ينتهي لكن نسأل الله الرحمة للجميع.

فوزية العامري

أعلى





(الزعامة) والتجربة المريرة

مع تعاظم وتيرة التردي في الأوضاع الأمنية والسياسية والخدمية في العراق، وتوافقاً مع إخفاق قوات الاحتلال الأنكلو ـ أميركية في إدارة شؤون العراق الزاخر بالتعقيدات الشائكة، يتصاعد قلق الغالبية العظمى من العراقيين الذين يفتقرون إلى أسس التيقن وإلى ضمانات المستقبل. في مثل هذه الأوقات الصعبة يظهر جلال الطلباني، الرئيس الدوري (السابق) لمجلس الحكم، كي يميط اللثام عن خطة لنقل السيادة إلى العراقيين حسب جدول زمني يُعطي أُكله في يونيو القادم، 2004. وما يلبث أن يجف الحبر عن هذه الخطة حتى نستمع إلى صوت الرئيس السابق صدام حسين ليعلن ترشيح نفسه ومعييته للعودة إلى الحكم، معلناً (حرباً مقدسة) على قوات الاحتلال وضد أعضاء مجلس الحكم بوصفهم رجالا قادمين مع الاحتلال. وما أن يفصح الفرقاء عن خططهم حتى تسقط بغداد في غياهب ظلام دامس مع انقطاع التيار الكهربائي عن جميع مناطقها لينام (البغاددة) على هذه (الهدية) المحبطة للآمال. هكذا يسقط أبناء هذا البلد الحي والحيوي في دوامة من الصراعات الدموية التي تبقيه في نفق مظلم يرتجى الخروج منه.
لقد أصبح هذا الشعب ألعوبة بأيدي المتنافسين عليه وعلى ثرواته. بل أن قضية حكم العراق ومسألة انفلاته من هذه الدوامة الجارفة أصبحت (ملعباً) لأفكار ومقترحات الجميع، عدا أبناء الشعب العراقي بطبيعة الحال. وللمرء في كل مكان من العالم أن يظهر على شاشات التليفزيون أو أن يكتب في أية صحيفة ليعلن (نظريته) الخاصة لحل المشكلة العراقية حسبما يشاء وكما يتصور. أما الفرقاء والمتنافسون فانهم في حرب فيما بينهم، متسابقين إلى كراسي السلطة المكهربة والمليئة بالمسامير والشفرات. والمدهش في هذه (الفانتازماغوريا) المتداخلة والمختلطة هو تغييب الشعب العراقي واستبعاده عن تقرير مصيره بنفسه : على هذا الشعب، فقط، أن يدفع أثمان الصراع الدامي ولكن ليس له أن يصنع قراره بنفسه. الشعب العراقي هو (موضوع) الصراع، ولكنه خارج الحلبة لأنه الضحية النهائية لكل الذين يرشحون أنفسهم أو يرشحهم الغير. إذاً، على العراقيين الانتظار فقط حتى الجولة النهائية كي يقبلون، غير مختارين، بمن يوجه الضربة القاضية إلى خصمه ليسقطه أرضاً فيستلم مقاليد الأمور. هذه هي مأساتنا مقدمة إلى القارئ على نحو (فوتوغرافي) طبق الأصل.
لقد غدا هذا الشعب أشبه ما يكون بالجريح الذي يخشى من كل شيء، ذلك أنه يحبس أنفاسه كلما خرج عليه أحد اللاعبين أو المتلاعبين في مصيره الغامض. إنها حساسية الجرح العميق الذي لا يلتئم إزاء لاعبين لا رحمة في قلوبهم. واحدة من نذر الرعب والهلع جاءت من وزير الخارجية الأميركي، كولن باول : فقد بث الوزير الخوف في دواخل العراقيين عندما أعلن قبل أيام بأن الساحة السياسية لم تشهد ظهور (زعيم) بمواصفات قيادية يمكن أن يستقطب جميع العراقيين بتنوعاتهم واختلاف مشاربهم. ربما مرَّ هذا الإعلان بين الجمهور في كل مكان في العالم على نحو طبيعي بوصفه خلاصة عادية مستقاة من (الواقع) العراقي. بيد أن ردود الأفعال العراقية كانت مختلفة ومشحونة بالتوتر والهواجس، ذلك أن طرائق (فهم) واستيعاب مثل هذا الإعلان في بلد مخرب ومضطرب تبقى مختلطة ومتراوحة بين المعقول واللامعقول، بين المنطقي والعبثي. لنلاحظ، على سبيل المثال، أن إعلان باول هذا قد ذهب بالبعض حد الاعتقاد بثمة اتفاق بين الأميركان والنظام السابق لعودة الأخير إلى الحكم، ولكن حسب شروط وضوابط أميركية. ومن ناحية أخرى، ارتعب فريق ثان من إمكانية (تنصيب) الأميركان أحد رموز النظام السابق كحاكم مطلق مختلف ولكن من خريجي ذات المدرسة الشمولية. ومن ناحية ثالثة، راح البعض يحسبون حساباتهم على (اضطرار) الإدارة الأميركية إلى التخلي عن بناء ديمقراطية في العراق من خلال (تعيين) ديكتاتور فولاذي (نصف ـ استاليني) و(نصف ـ ماركوسي) لإدارة الأوضاع في العراق ولتيسير انسحاب أميركي من ميدان المواجهة المباشرة. وهذا ليس بغريب، حسب ما يذهب إليه هؤلاء، على الإدارة الأميركية التي تسعى إلى تحسين سجلها أمام الناخبين المحتملين الذين سيدلون بأصواتهم بعد أشهر لاختيار الرئيس الأميركي.
ولم يزل إعلان باول أعلاه مدعاة للقلق والابتئاس على حظوظ أبناء هذا البلد الذي وضعته أقداره السوداوية بأيدي غيره. إن عملية البحث عن (زعيم) من هذا النوع تستثير حفيظة العراقيين لأنها تعني، على نحو ضمني، تخلي الإدارة الأميركية عن خططها بـ(دمقرطة) العراق. كما أن خبرة العراقيين، عبر تاريخهم الحديث وابتداءً من تأسيس الدولة العراقية 20-1921، جعلتهم بدرجة من الحساسية حيال ألفاظ من نوع (زعيم) أو (قائد) بسبب ما تنطوي عليه من تذكير وارتجاع إلى حالة الحاكم المطلق. لقد جرب الشعب العراقي فكرة الزعيم الواحد الأوحد من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الأخيرة. وكان القائد (المنفرد) دائماً وراء واحدة من معضلات العراق التي يصعب تخطيها. وكانت النتيجة النهائية هي رجوعنا إلى الاحتلال الأجنبي الذي أزيح بعد ثورة العشرين (1920) التي جعلت من العراق واحداً من أوائل الدول المستقلة سياسياً في منطقة الشرق الأوسط. لقد بقي (الزعماء) الذين توالوا على حكم العراق (يدعمون) و يسندون (حركات التحرر) في البلدان العربية والمجاورة وحتى الأفريقية والأميركية اللاتينية، ابتداءً من الجزائر وانتهاءً بجزر جنوب المحيط الهادي التي يصعب استذكار أسمائها، حتى وضعوا رقبة العراق نفسه تحت مقصلة الاحتلال الأجنبي. لهذا السبب يقرأ العراقيون تاريخهم الحديث وعيونهم ممتلئة بالدموع بدرجة عدم التمكن من قراءة كلمات النص التاريخي بدقة بسبب ذلك. وهذا ما يجعلهم يجدون صعوبة في فهم دروس التاريخ على نحو حسن، لأنهم لو كانوا فعلوا، لتمكنوا من إدراك خطورة ومأساوية فكرة (الزعيم) الأوحد الذي لابد وأن يعيد العراق إلى ذات الانفراد والتسلط الذي لا يقبل النقاش والتفاهم والذي أدى إلى الهجرة الجماعية في بلد كان فيه القادم الأجنبي وحتى العربي أشبه ما يكون بزائر آت من خارج المجموعة الشمسية، كما كانت عليه الحال في ستينيات القرن الماضي.
إن العراق ليس بحاجة إلى زعيم أوحد من النوع الذي تحدث عنه كولن باول قبل أيام. هذا البلد بحاجة إلى ديمقراطية تعمل على نحو جماعي وفرقي لإدارة شؤون العراق بمنأى عن التكتلات الأسرية والعشائرية، المدينية والطائفية، التي أحالت هذه الأرض المعطاء الطافية على خزائن النفط والثروات إلى أرض يعيش عليها واحد من أفقر الشعوب في العالم. وبناءً على هذه التجربة المريرة التي استهلكت أجيال وأجيال في (الحروب العالمية) التي تفرد بها العراق فحسب، فان هذا الشعب يأمل في إقامة حكومة منتخبة تأتي من دستور وانتخابات برلمانية حرة ونزيهة تمثل كافة أطياف الشعب على نحو دقيق وديمقراطي متوازن. حتى فكرة الرئاسة ينبغي أن تكون من النوع الجماعي الممثل بمجلس سيادة حقيقي منتخب يضم رجال نزيهين يعبّرون عن مبادئ العدالة والتقشف ونكران الذات.

أ.د.محمد الدعمي

أعلى





(نقص المناعة) السياسية وغياب فضيلة الاعتراف!!

للمرة الأولى تدرج دول الشرق الأوسط ضمن الخطر الداهم الذي يمثله مرض نقص المناعة (الإيدز).
لقد جاء هذا الإدراج في تقرير مشحوناً بالكثير من التحذيرات التي سيتركها مرض الإيدز كمخلفات يومية مدمرة في حياة هذه المنطقة إلى جانب مناطق أخرى استوطن فيها وتحول إلى وحش يفتك بالمجتمعات، وفي مقدمتها الأفريقية اقتصادياً واجتماعياً بعد أن هدأت نسبياً الحروب العرقية والحدودية بين العديد من دول القارة الأفريقية التي كانت تحصد الآلاف من الأفارقة إلى جانب ما يحصده الإيدز.
لقد كان التقرير المذكور معاينة ميدانية لفريق مشترك من البنك الدولي والأمم المتحدة، وقد أشار إلى أن هناك الآن في العالم أكثر من أربعين مليون مصاب، وأن المرض سيقضي على سبعين مليون إنسان حتى عام 2020، كما أشار التقرير إلى حصول خمسة ملايين إصابة به في الأشهر العشرة الماضية من العام الحالي، وإذا كانت هذه الأرقام كافية أصلاً لكي تثير الرعب فأن صورة إضافية وردت في التقرير تكفي هي الأخرى للتدليل على ما يخلفه الإيدز من عنصر تدمير في الوضع الاقتصادي للدول التي انتشر فيها، فقد أفاد أن ثلث الناتج القومي يتعرض للتعطيل بسبب هذا المرض معتمداً على نتائج اقتصادية مباشرة وغير اقتصادية لكنها في النتيجة النهائية تصب لصالح هذا التعطيل، وإذا كان الأمر بالنسبة للقارة الأفريقية لم يعد خافياً على أحد بعد أن وضعت خطورة الإيدز على طاولة المداولة السياسية المفتوحة، وأعد أكثر من نشاط لمواجهته فأن الحال في منطقة الشرق الأوسط وحصراً في الوطن العربي لم يستحق حتى الآن استخدام أجراس الإنذار للحذر منه كوحش داهم ينفذ إلى المجتمعات العربية ويتوغل في العمق.
والمؤكد هنا أن عدم الاستحقاق هذا يعود بعضه بل أغلبه إلى أسباب سياسية وليس لأمر آخر بفعل غياب فضيلة الاعتراف بالمخاطر لئلا تحسب تلك المخاطر على مسؤولية الحكومات العربية القائمة باعتقادها أن ذلك يثلم من صورتها التي تريدها لنفسها على وفق الملامح الدعائية اليومية من أنها لا تترك شاردة أو واردة إلا وعالجتها من أجل مجتمعات تتوفر فيها كل عوامل المتعة والقوة والتطور بينما الحال غير ذلك تماماً.
ولن نذهب جزافاً إذا أضفنا إلى ذلك أن هناك تغطية مقصودة على الكثير من أسباب النخر والفساد والضعف والتراجع ووضع القمامة تحت أقرب سجادة لكي تبدو الصالات السياسية نظيفة تماماً أمام الأعين، وهذه التغطية المقصودة تشارك فيها قوى وفعاليات بعضها علمية أن لم نقل تشارك فيها فعاليات من وزارات الصحة العربية لكي يكون انشغالها بعيداً عن الإمساك بالجروح الحقيقية التي تصيب الجسم العربي.
أن إدراج الوطن العربي في التقرير المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة عن الإيدز والخطر الكبير الذي يمثله بالنسبة للمجتمعات في الشرق الأوسط لابدَّ أنه يمثل فضيحة سياسية وأن كانت بلا جلاجل ويعيد الاعتبار إلى الحقيقة نسبياً إن لم يظهر بعضهم ليكذب ما ورد في ذلك التقرير ويعلن نظافة المنطقة من هذا المرض أو يعلن أن الوضع مسيطر عليه وأن هناك المزيد من الإجراءات تحول دون انتشار الوباء.
وبالحق فأن ما ورد في ذلك التقرير يستحق أن يكون قيد النظر الآن بصورة عاجلة، وإذا كان من المبالغة أن يستدعي الوضع عقد مؤتمر قمة عربية طارئة تخصص لمواجهة هذا الخطر، فأن من المنطقي أن يتناخى وزراء الصحة العرب إلى جلسة عمل جدية بعيداً عن الأضواء ويكون على طاولة المداولة ما ورد في التقرير من الأرقام الواقعية عن عدد الإصابات وماذا يمثل خطر الإيدز الآن في المجتمعات العربية، ودور إسرائيل في تلويث المجتمعات العربية بأنواع معينة من الأوبئة، ولن ننسى ما فعله الإسرائيليون عندما جلبوا المزيد من الزوارق المملوءة بالفأر النرويجي وهو أخطر الفئران في العالم نهماً في تدمير المزروعات ليلقوها على البر المصري خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي الأمر الذي دفع القائمين على الزراعة في مصر آنذاك إلى إعلان حالة طوارئ لمواجهة هذا الزائر النهم.
لقد سكن الإيدز أفريقيا أكثر من عقدين من دون أن تحرك السياسة ساكناً فيها لمواجهة الخطر ولكن عندما وصل الأمر إلى حد أن يتحول الوباء إلى فضيحة اجتماعية قاصمة بدأت ملفات الإيدز تتسلل إلى طاولة السياسيين تباعاً، وبالنسبة للوطن العربي أن حصل فيه ما حصل في أفريقيا، فعندها لن يكون هناك وقت كافٍ للبكاء على الأطلال.

عادل سعد
كاتب عراقي

أعلى





أعطني يدك

أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير..
أعطني يدك.
البرد شديد، والليل موحش، والفجر بعيد، والظلم ظلام، والظلام ضياع، والدرب طويل، وبعض الزاد رفيق..
يدي وحدها ضعيفة، وطريقي بلا رفيق تطول، وبك أنا قوي وأنت بي أقوى..
أعطني يدك وكل عام ونحن بخير.
الظلم ظلام.. والظلام ضياع.. والطغاة قبيلة، ولا أمن من جوعٍ وخوف..
العزلة تفترس الروح، والخوف ينمو في الأحشاء،
البُغَاث في أرضنا تستنسر، وأجنحة الغربان تغطي السماء،
ومن بين أصابعي الخمس يتسرب الزمن.
أعطني يدك قبل أن تضيع الفرصة، ويهرب العمر، وتجف الخضرة في العود، ويغيض الماء في الأرض، ويتسرب الأمل من شقوق الضلوع، وينفطر القلب حسرات على ما فات.. ولات حين مندَم.. لات حين مندَم..
أعطني يدك وكل عام ونحن بخير.
إذا كان بيني وبينك جبل فلنمشِ نحو نقطة اللقاء عبر الجبل..
لا شيء أقوى من إرادة الإنسان إذا أراد،
والمثل يقول: جبل لجبل لا يلتقيان وإنسان لإنسان يلتقيان..
والإرادة الخيرة زورق نجاة في بحر عاصف، وألف بستان وبستان في كل مكان وزمان..
أعطني يدك وكل عام ونحن بخير.
إن كان بيني وبينك دم فامسح بدمي حقد قلبك، وامسح بعفوك حقد قلبي.. فالحقد موت ونحن أبناء الحياة.. ولا بد من أمل.. فلا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.
أنا وإياك في الليل البهيم نهيم، والريح تعزف لحن العاصفة، وطريق الرمل بلا معالم.. والفضاء من حولنا محشوٌّ بالنذُر..
قدماي تغوصان في الرمل، ويضيع مني الطريق.. ألا تغوص قدماك في الرمل ويضيع منك الطريق؟
أنا وإياك في الليل البهيم نهْبَ زوابع الرمل.. والصحراء تأكل الوجه..
ليس لي سواك وليس لك سواي..
أعطني يدك.. أعطني يدك.. فبعض الزاد رفيق..
النيازك تنقضّ علينا من سماء البشر..
وعيبنا الكبير أنَّا لم نهئ ما يقينا شر النيازك والبشر، ولا شرَّ البغضاء المنقضّة علينا من أقمار الفضاء وأيدي البشر..
عيبنا أنا نمنا طويلاً ويسحرنا النوم،
نما طويلاً وما زلنا النوم..
أخطأنا أنا وأنت.. أخطأنا أنا وأنت.. أخطأنا أنا وأنت..
الخطأ ضيق.. والعفو سعة..
العالم واسع.. والله غفور رحيم.
الأرض تتسع لأكثر من اثنين، والقلب المحب فضاء رحب، وعين الرضا عن كل عيب كليلة.. والله واسع عليم..
أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير.
تلومني وألومك، تبغضني وأبغضك، تضعِفُني وأضعِفُك، تدمي قلبي وأدمي قلبك.. لا بأس.. لا بأس.. فنحن الجرح والسكين..
نفنى وينشرح صدر العدو،
لكن قل لي: أين الحكمة، وإلى أين المصير؟!
هذا حقل موت ينمو فيه البؤس ويفرّخ اليأس،
حالة تجعلنا فريسة..
لست قوياً من دوني.. ولست قوياً من دونك..
أعطني يدك وهاك يدي.. أقوى بك وتقوى بي..
أخطأنا.. أنا وأنت..
الخطأ ضيق.. والعفو سَعة.. والله غفور رحيم..
أعطني يدك: نحن اثنان نشد إلينا ثالث..
نغدو أمَّة.. فالفرقة ضعف، والضعف ضياع، والضياع موت..
ونحن أبناء الحياة.. والحياة عفو.. والله غفور رحيم.
أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير.
تعال نجلس قرب حَورة عملاقة على ضفة بردى القديم، قرب زيتونة لا شرقية ولا غربية من شجر الخليل.. ننظر الفرات والنيل بعيني زرقاء اليمامة.. ما فات قد يبعث الحياة..
تعال نسأل الأيام الخوالي عن بيت كان لنا في الشام.. فيه شجرة نارنج، وساقية ذات موسيقى سماوية ساحرة، وبركة يتدفق منها الماء.. وفي ظله ينمو الحب..
تعال نذرف دمعة عند نهر الأردن على قبة الصخرة، ونسأل: كيف أصبحنا بهذا الموت.. وهذي القسوة !؟
كيف لا يحركنا الدم، ولا يوقظنا الصوت، ولا نعرف أهلنا في الحياة والموت؟!
كيف نسينا الأمس، وأضعنا اليوم، ونخاف الغد.. ولا نملك من أمرنا رشَدا، ولا من أنفسنا إلا حسرات؟!
كيف افترسَنا الشك أحدنا بالآخر، وأصبحنا بهذا القدر من الضعف.. والخواء.. والخوف، عصفاً مأكولاً منبوذاً في الفلوات.. يهدّدنا الآخر فيرتفع منا الصوت ويرتعد القلب.. ويموت العزم.. وننتظر على قارعة الطريق عطف الأمم؟!
وكيف أضعنا الطريق.. أحدنا إلى الآخر!؟
كيف زلزلنا جدران بيتنا بأيدينا.. تناهبنا الجدران فسقط السقف، وزال البيت، وانكشف عنا الغطاء،
صرنا عراة في العراء،
يتسرّب من بين أيدينا حب البيت.. الوطن، وحب الوطن.. البيت،
نمشي من يباب إلى يباب.. من خراب إلى خراب
صرنا المعرَّة والخراب؟!
صرنا المعرَّة والخراب!!
أنت مسؤول.. وأنا مسؤول..
أنت مسؤول.. وأنا مسؤول..
لا فائدة من إضاعة الوقت بالعتاب.. والكِذاب.. والعذاب..
أنت مسؤول وأنا مسؤول..
أعطني يدك، لم يفت الوقت.. فللمحبة ألف باب..
للمحبة ألف باب،
العفو من شيم الكرام، وألف باب للقاء..
ألف باب ثم باب..
أعطني يدك..
تعال إليّ.. أجيء إليك.. العمر قصير، وقلبي وحيد، ويدي ضعيفة، وكفٌ واحدة لا تصفّق.. والسماء تعجّ بالغربان..
أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير.
في الأوقات الخمسة يتفتّح التاريخ عند أبواب الحرَم المكي.. ومئذنة العروس.. وضريح الحسين.. وقبر صلاح الدين.. وكنائس الشام.. ومحراب الأقصى.. وجامع الزيتونة.. وقمم الأوراس..
التاريخ نداء..
والإيمان نداء..
والحرية نداء..
وكل يوم بين أيدينا ألف درس وألف باب لألف رجاء.
من غزة وجنين.. من رفح والقدس.. من سيناء والجولان.. من بيروت وبغداد.. إلى قمم الأوراس.. يصيح بنا الشهداء: ماذا تفعلون.. نسيتم أنفسكم.. هل جننتم؟
نسيتم دمنا وقضايانا،
وصلتم في الهراش حدود انعدام الذاكرة وموت الشعور؟!
ماذا تفعلون؟!
أضعفٌ على ضعف، وجبنٌ على خوف، ومجونٌ على مجون، وفسادٌ فاق حدّ الظن وحدَّ الجنون..؟!
من أنتم.. ما أنتم.. ومن تكونون؟!.
يمرّ بنا الصوت من دون صدى..
صحراء نحن تأكل الصوت ورجع الصدى..
تأكل الوجه.. وكلَّ المدى..
صحراء نحن..
صحراء نحن..
نأكل بالشهداء ونشرب..
نَشْرَق بالشهداء ونطرب..
يا لهول ما نحن.. يا لهول ما نحن..
موت يجرّ الموت.. موت يجرّ الموت..
لا فرق في الناس بين موت وموت..
تعددت الأسباب..
لكن شتَّان بين حي وحي.. بين ميت وميت.
أعطني يدك..
أعطني يدك.. لنستعيد حياة ونصنع حياة..
أعطني يدك.. فما زال أمامنا العمر وفينا الأمل..
أعطني يدك.. وكل عام ونحن بخير.

علي عقلة عرسان
رئيس اتحاد الادباء والكتاب العرب

أعلى







(الفتح الأميركي) لبلاد العرب

ما زالت الولايات المتحدة تتخبط في تحديد علاقتها بتلك البقعة من الأرض المعروفة مجازاً باسم الشرق الأوسط، وما إذا كانت هذه العلاقة تصب في منحى الوصاية أم التعاون المشترك أم فرض الأمر الواقع كما تراه واشنطن، وما تمليه مصالحها. ولم تنل منطقة في العالم هذا الاهتمام التاريخي لإمبراطورية القرن العشرين، وقد زادت حدة هذا الاهتمام عشية وقوع أحداث سبتمبر المريعة التى جعلت من المنطقة العربية حجر زاوية وثابتا أساسيا في سياسة أميركا الخارجية، إن لم تكن الحجر الأساسي للرؤية الأميركية للعالم كله. وبات على الولايات المتحدة ـ وفق رؤيتها هذه ـ ضرورة الانخراط بشكل أكثر ديناميكية في شئون هذه البقعة كي تحدد توجهاتها السياسية والفكرية، بل الأكثر من ذلك فقد ربطت الإدارة الحالية مصيرها في الحكم بتطورات الأحداث في الشرق الأوسط سواء على صعيد كارثة العراق أو القضية الأزلية للشعب الفلسطيني. ومن هذا المنطلق لم تتوقف المبادرات والدعوات الأميركية (لدمقرطة) المنطقة وتحويلها من كانتونات تسلطية إلى بلدان تنعم بالديمقراطية وسلمية تداول السلطة وإرساء شرعيتها، وذلك على غرار ما يحدث في بلدان العالم المتقدم. بيد أن أغلب هذه المحاولات والتي تمخضت عن أكثر من ثلاث مبادرات بدأت مع دعوة وزير الخارجية الأميركي والمعروفة باسم (مبادرة باول) لإرساء الديمقراطية في المنطقة وانتهاء بمبادرة كوندليزا رايس التي كُشف النقاب عنها الأسبوع الماضي والتى أطلق عليها (الشرق الأوسط الأوسع) مروراً بمبادرة التجارة الحرة مع بلدان الشرق الأوسط التي أطلقها الرئيس بوش وعرفت مجازاً بـ(مبادرة بوش)، كل هذه المبادرات لا تستند إلي أسس واقعية بل مجرد بالونات ومفرقعات سرعان ما تزول بزوال مروجيها، يدعم ذلك حالة الانفصال الحاد في السلوك الخارجي الأميركي مع هذه الدعوات المتكررة، مما يجعلها في النهاية مجرد حبر على ورق، وتدفع نحو تجاهلها بل والرثاء عليها. وتدفع كل هذه المحاولات الأميركية (للبرلة ودمقرطة) العالم العربي إلي الاعتقاد بأننا أمام مرحلة جديدة من (الفتح) الأميركي للشرق الأوسط، فقد وضح جلياً أن هناك اعتقادا راسخا يهيمن على فكر الإدارة الأميركية الحالية يدور حول ضرورة غزو المنطقة العربية فكريا وتحريرها قيمياً، باعتبار أن ذلك هو الضمانة الوحيدة للمصالح الأميركية في المنطقة وربما العالم بأسره. وهو ما قد يبرر بشكل واضح امتطاء الولايات المتحدة لجواد الإرهاب باعتباره العصا التي تُرفع في وجه من يعترض أو يبدي امتعاضاً من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ويصبح من التبسيط اختزال ما ترمي إليه الولايات المتحدة من وراء هذا النهج في مجرد تحويل المنطقة إلي قلعة أو حديقة ديمقراطية تنبت ورود الشفافية وأزهار الحرية، يدعمنا في ذلك تلك البراجماتية التي تهيمن علي الفكر الأميركي بشكل عام بشكل يبرر الارتياب في حقيقة النوايا الأميركية. فهذا النهج الأميركي يتسق كلياً مع طبيعة الفكر الأميركي القائم على (الفرونتييرية ـ الاستيطانية) التي تأسست عليها أميركا إبان القرن الثامن عشر، وصبغت حلقات التعاطي الأميركي مع الغرباء والخارجين عن الدرب الأميركي، مع اختلاف الوسائل والأدوات بطبيعة الحال. فضلاً عن هذا فما زال فكرة العالمية والكونية التي تنظر الولايات المتحدة من خلالها للكون باعتباره فناء خلفياً للمصالح الأميركية، تهيمن على فكر وتوجهات الإدارات الأميركية المتعاقبة وهي فكرة تمتد جذورها من مدارس الفكر الأميركي المتعاقبة والتي كانت تشكل قوة الدفع الأولي للسياسة الخارجية الأميركية. ويتسق الفكر الذي تتبناه الإدارة الحالية مع ما أطلق عليه (والتر ميد) ـ في معرض تحليله لأنماط السياسة الخارجية الأميركية ـ المدرسة الويلسونية (نسبة إلى الرئيس الأميركي وودر ويلسون) والتي يري أنصارها أن الولايات المتحدة يقع عليها واجب أخلاقي وعملي لنشر الديمقراطية في العالم. مع اختلاف الأدوات في الحالتين، فوفقا لهذه المدرسة تصبح الجوانب الأخلاقية والقانونية هي الوسيلة الأساسية لنشر الديمقراطية في حين تعتمد الإدارة الحالية على قوى الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولقد راجت فكاهة أميركية مع نهاية القرن التاسع عشر تدلل على الحلم العالمي الأميركي ـ يعرضها الزميل الغائب رضا هلال في كتابه الحرب الأميركية العالمية ـ مفادها أن ثلاثة رحالة أميركيين كانوا يشربون نخب بلدهم في حضور مستضيفيهم الأجانب، وقال الأول: هذا النخب لأميركا التي يحدها شمالاً البريطانية (يقصد كندا) ويحدها جنوباً خليج المكسيك وشرقا المحيط الهندي وغربا المحيط الهادي. وقال الثاني: لا..هذا النخب لأميركا التي يحدها من الشمال القطب الشمالي ومن الجنوب القطب الجنوبي ومن الشرق شروق الشمس ومن الغرب غروب الشمس، أما الثالث فقال: أقدم لكم أميركا التي يحدها من الشمال الشفق القطبي الشمالي ومن الجنوب اعتدال الأيام والفصول ومن الشرق الفوضي البدائية ومن الغرب يوم الحساب..أي أميركا اللامتناهية السرمدية عبر الزمن. وإذا كانت الإدارة الحالية لم تعبر صراحة عن حقيقة هذا التوجه، إلا أن تصرفاتها وتعاطيها مع المنطقة يؤكد ذلك ويبرره، ولذا فليس غريباً أن يطلع علينا مسئولو الإدارة كل يوم بمحاولة جديدة لإقناع العرب بحسن توجههم ورغبتهم في تحديث المنطقة العربية. والأكثر من ذلك ـ والأخطر في نفس الوقت ـ أن الولايات المتحدة تتبني رسالة أيديولوجة وإعلامية واضحة تركز في مجملها على التقليل من الشأن العربي ـ خاصة على الصعيد السياسي ـ وتعمد إلي تشويه صورة العرب دولياً باعتبارهم أساس الكوارث العالمية ومنبت الإرهاب الدولي، وذلك بهدف استدرار تأييد القوى العالمية لتبرير تعاطيها مع القضايا العربية. يدعم لك كوندليزا رايس مستشارة بوش للأمن القومي كسب تعاطف الدول الأوروبية وإقناع أعضاء (حلف الأطلسي) بتبني مبادرة (الشرق الأوسط الأوسع) الذي يضم الدول العربية ودول أوروبا جنوب المتوسط بهدف ترسيخ مبادئ الديمقراطية في نفوس الشعوب العربية، ودمجها تدريجيا في منظومة القيم الغربية. ويظل المأزق الأميركي في التعاطي مع العالم العربي قائماً، طالما ظلت حوادث سبتمبر هي الإطار الحاكم لهذا التعاطي وسلة إفرازات لا تنضب لتوجهات الإدارة الحالية تجاه المنطقة ككل. فعلى الرغم من تقلب فترات المد والجزر في العلاقات العربية الأميركية، إلا أن فترة الجزر الحالية قد تطول لأكثر مما هو حادث، بحيث تصبح سمة مميزة لصيرورة هذه العلاقات. وبغض النظر عن مسئولية أي من الطرفين في الوصول إلى هذه الدرجة من الجمود والجفاء في العلاقات بينهما، تبدو الرغبة في استعادة زخم العلاقة محكومة برؤى وتوجهات متشابكة ومعقدة تجعل من محاولات جسر الهوة بينهما أشبه بالحرث في الماء. وتنبع مشكلة الولايات المتحدة في إرساء الديمقراطية في العالم العربي من أنها تنطلق في مجملها من استخدام الديمقراطية كأداة وليس كغاية، وهذه ليست نظرة تآمرية كما قد يحلو للبعض وصفها بقدر ما هي تشخيص للواقع وربط للقول بالفعل، يدعمنا فيها توقيت الإعلان عن هذه الرغبة فضلاً عن افتقادها إلى مفردات تحويلها إلى واقع ملموس. ولذا تتسع الفجوة بين ما تراه الولايات المتحدة الأميركية للمنطقة وما قد تراه نظم المنطقة لنفسها، فالولايات المتحدة تري في الديمقراطية السبيل الوحيد لجذب شعوب المنطقة نحو المرونة الفكرية وما قد تحويه من قبول للآخر بشقيه الداخلي والخارجي والتفاعل معه، في حين تراها النظم العربية كأداة لسحب الهيمنة من تحت أقدامها، مما يمثل خروجاً عن المألوف لديهم. في وقت تحاول فيه النخب العربية الحاكمة النأي بنفسها عن تقديم التضحيات والقرابين لإرساء الديمقراطية، والنظر إليها باعتبارها رفاهية سياسية يصعب تداولها بين شعوب المنطقة.

خليل العناني
كاتب ومفكر مصري

أعلى







ما بين الشخصي والرسمي

منذ أن طرحت وثيقة جنيف في بازار المبادرات السياسية، وحالة الجدل والنقاش في الساحة الفلسطينية تتواتر مابين الحوار الموضوعي والذي يلتزم بأصول الحوار ومبادئه ومابين التشنج الذي وسم بعض ردات الفعل التي رفعت من حدة الحوار الخلافي حول مضمون الوثيقة ووظيفتها، بيد أن هذا الحوار الهاديء أحيانا والصاخب في أحايين كثيرة طرح من جملة ما طرحه قضية الموقف الشخصي والرسمي بالتعاطي مع مثل هكذا مبادرات، وارتباطا بقرار القيادة الفلسطينية التي كانت قد أكدت عليه في اجتماعها الأخير بأن هذا الاتفاق غير رسمي وغير ملزم لا للمنظمة ولا للسلطة الوطنية الفلسطينية، فإن هذا القرار ترافق معه استحضار نمط من الممارسة السياسية الفلسطينية طالما عرفت وعرفت (بالفهلوة السياسية)، أي بمعنى أن هذا الاتفاق غير رسمي ويقوم بإنتاجه وتسويقه داخليا وخارجيا شخصيات رسمية، من اللجنة التنفيذية للمنظمة ووزراء في الحكومة الحالية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وكل ذلك يمرر تحت مفهوم أن هذا جهد او موقف شخصي لهذا الوزير او ذاك.
وان كان من غير الممكن والمألوف بالعمل السياسي والمرتبط بالشأن العام ليس في فلسطين فحسب بل بكل أنحاء العالم عدم امكانية الفصل بين الرسمي والشخصي فيما يتصل بالمسائل العامة، فإن هذا الترويج للتمييز بين ما هو شخصي وعام يندرج تحت استعارة (سياسية الفهلوة) سابقة الذكر التي من الصعب انطلائها او تمريرها ببساطة على احد، فهذه الممارسة لا تحترم القوى السياسية التي لها موقف عقلاني وواقعي سياسيا، ناهيك عن عقل ووعي الجمهور الذي لا يعرف ولا يفهم ولا يجد معنى ومبررا لهذا التمييز المفتعل.
وإذا ما كانت قضية الموقف الشخصي والرسمي في الأحزاب والحركات السياسية قد أخذت أبعادا مختلفة انطلاقا من واقع تطوير التعددية في هذه الحركات والأحزاب لضمان حرية الرأي والتعبير داخل وخارج الحزب او الحركة، فإن هذه التعددية أيضا محكومة بقوانين الديمقراطية الداخلية التي تحدد متى وكيف يعبر ويميز ما بين الموقف الشخصي والرسمي إزاء قضية عامة من هذا الشخص او ذاك، ورغم أن التعددية داخل التنظيم الواحد والتعبيرات المختلفة عنها لا تزال في الساحة الفلسطينية، محدودة الأثر والتجربة، إلا أنها لم تصبح سياسة عامة يمكن الركون إليها في التجربة الحزبية حتى يمكن سحبها وتعميمها على القضايا الرسمية الأخرى مع الأخذ بعين الاعتبار، لعدم امكانية الربط بين هذه وتلك.
إن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسته الأخيرة والذي شرع عمليا المشاركة الرسمية لوزراء في حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية في أمر غير رسمي واعتبار هذه المشاركة شخصية، هو علاوة على انه تلاعب بالألفاظ إلا انه قد يعكس حقيقة رهان ما لدى الحكومة الحالية على ما يمكن أن تسفر عنه هذه المبادرة وإمكانية التعاطي معها مستقبلا كشيء رسمي، وبما انه لا يمكن الفصل بين منصب رسمي في المنظمة والسلطة وممارسة سياسية تمس الشأن الوطني العام بمبادرة بمثل هذا المستوى، وما يمكن أن تحدثه من تحول نوعي في الفكر والممارسة السياسية الفلسطينية، فإنه لا وجود ومكان للشخصي فيها انطلاقا من انه لا يحق لأي مجموعة او أفراد أن تبادر وان تقدم عل أي عمل يمس حاضر ومستقبل القضية الوطنية، ويعتبر عملها اجتهادا شخصيا، على الأقل هذه الشخصيات ولاعتبارات توفير الغطاء السياسي لا تستطيع المبادرة بهذه العمل ما لم تكن تحظى بالغطاء والحماية والدعم الرسمي ومن أعلى المستويات، وقد تحقق لها ذلك بطريقة او بأخرى.
إن الأجدر والأصوب أما أن يتجرد القائمون على هذا العمل من صفاتهم الرسمية في المنظمة والسلطة ويتحملوا مسؤوليته كأفراد لهم رؤيتهم السياسية واجتهادهم الخاص وهذا من حقهم، أو من كان لديه على المستوى الرسمي تقديرات بصرف النظر عن واقعيتها من أن هذا الخيار هو الأصوب والأقصر والأفضل للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة فلا ضير من طرح الوثيقة بكل استقامة وجدية، ويبادر الى إدارة حوار وطني جدي عليها وحولها. أن طرح المسائل على حقيقتها من قبل المستوى الرسمي ومناقشتها على أوسع مدى ممكن داخل المجتمع والحياة السياسية الفلسطينية لا أن يستخدم أسلوب التبليع التدريجي الذي اثبت عقمه وفشله في تجربتنا التاريخية الطازجة غير البعيدة أمر في غاية الأهمية لعدم تكرار تجارب الماضي غير الناجحة.
إن التوقيت الذي تمت فيه مراسم الاحتفال بالتوقيع على الوثيقة في جنيف عشية بدء الحوار بالقاهرة وبمشاركة شخصيات رسمية فلسطينية من المنظمة والسلطة، من الممكن أن تكون أضرت ضررا بالغا بالحوار قبل أن يبدأ وأرسلت رسالة للمعنيين الذين يراد التوصل معهم لاتفاق سياسي يوحد ما أمكن الجهد والموقف الفلسطيني أن هناك سقفا سياسيا جديدا قابلا للقبول الرسمي وبالتالي فالمدعو للحوار سوف يحتار، على أي قاعدة سياسية سيجري عليها الحوار، هل على قاعدة البرنامج الوطني الفلسطيني ومبادرة السلام الفلسطينية التي أقرتها قرارات المجالس الوطنية والمركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية وهي بالمناسبة غير مقبولة لديه ويعتبرها دون المستوى المطلوب، أم على القاعدة الجديدة التي تثير عوامل انقسام وتفتت جديدة حتى داخل أطراف م.ت.ف وداخل التنظيم الواحد. وهل ستكون هناك مصداقية حقيقية وقدرة على الإقناع بأن القائمين على مبادرة جنيف يمثلون أنفسهم وهم غير رسميين وما داموا وهم يقومون بهذا العمل يحملون صفاتهم الرسمية في المنظمة والسلطة.
إن الوقت الذي كان فيه التيار المركزي بامتداداته المعروفة في الساحة الفلسطينية يتمتع فيه بالأغلبية ويأخذ القرار على عاتقه وبالتالي يشق طريقا جديدا فيه ويفرضه كواقع سياسي على الأطراف الأخرى كما حدث ابان تبني المرحلية وبرنامج النقاط العشر في السبعينيات من القرن الماضي، وكذلك عند طرح وتبني اتفاق اوسلو. فإنه لم يعد ممكنا في المرحلة الراهنة تكرار تلك التجربة، فلا التيار المركزي موحد، ولا ثقله ووزنه لو كان موحدا يمكنه من فرض رؤيته بالأغلبية التي كان يتمتع بها لأنه قد افتقدها، وبالتالي فإن هذا الخيار يحمل من المغامرة السياسية نحو تفتيت الوضع الداخلي الفلسطيني ما ينذر بمخاطر كبيرة ينبغي تداركها قبل فوت الآوان.

د.احمد مجدلاني
كاتب فلسطيني ـ رام الله المحتلة

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



تجليات شعرية في حب الوطن والقائد

مخطوطات عمانية منذ عام 121 هجري وأخرى قبل عهد اليعاربة يحتفظ بها مواطن من ولاية ضنك

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر ديسمبر 2003 م


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept