
فتاوى واحكام
يقول الله تعالى (الحج أشهر معلومات)
فما هي أشهر الحج ؟ @@ شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة على الصحيح
والله أعلم @ ما فضل ذي الحجة على غيره من الشهور وبخاصة الأيام
العشر منه؟ @ شهر ذي الحجة شهر عظيم فهو شهر حرام وقد اختصه الله
تعالى بأن فرض فيه الحج وأقسم بلياليه العشر في قوله (والفجر وليالٍ
عشر) ولكن ليس بأفضل من شهر رمضان الذي أنزل فيه القراَن هدى للناس
وبينات من الهدى والفرقان وفرض على الكل صيامه والله أعلم @ ما قولكم
فيمن نوى الحج وهو كافل لشخصين في أحد البنوك العاملة في السلطنة
؟ وما قولكم في الإجازة الممنوحة للحاج من الدولة هل تجزي لأداء
المناسك ؟ @@ عليه التوبة إلى الله عز وجل إن كانت هذه المعاملة
ربوية فإن من شارك في المعاملة الربوية يدخل ضمن الذين لعنهم الله
بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أن الرسول عليه الصلاة
والسلام يقول (لعن الله الربا واَكله ومؤكله وكاتبه وشاهده) ثم قال
(هم سواء) يعني في الإثم، وتجزي الإجازة الممنوحة من الدولة لأداء
مناسك الحج ما دامت متسعة لها والله تعالى أعلم.
@ رجل طلب مساعدة لأداء فريضة الحج وذهب بها فما رأيكم في حجه؟ @@
الحج لا تطلب من أجله مساعدة مادية لأنه فرض ُ على القادر ببدنه
وماله وإن فعل ذلك ووجد اليُسر فالأولى له والأسلم أن يُعيد حجه
والله أعلم.
لحج @ رجل قُدّمت له مساعدة لأداء فريضة ا وذهب بها فما تقولون في
حجه ؟ @@ إن كان ذلك بغير طلب فلا حرج والله أعلم. @ ماذا ينبغي
للمسافر إلى الحج أن يفعله وهو في طريقه منذ خروجه من منزله حتى
مكان الإحرام ؟ @@ يؤمر قاصد الحج أن يتخلص من التبعات وقضاء الديون
وأداء الحقوق وصلة الأرحام والجيران وإحسان معاملتهم وتدارك تقصيره
في حقهم ثم باختيار الرفقة وعند بدء السفر يودع منزله بركعتين فإذا
ركب سيارته أو أي وسيلة للنقل غيرها أتى بالاَيتين الكريمتين (سبحان
الذي سخر لنا هذا) (الاَيتين) ثم بالورد المأثور (اللهم إني أسألك
في سفرني هذا البر والتقوى) . . الخ، ويذكر الله في حله وترحاله
وسيره ووقوفه وينيب إلى الله في كل حالاته. ¤
س : امرأة تملك ذهباً يقدر ب (600 ) ريال أرادت أن ترهن هذا الذهب
بمبلغ (400) ريال لتؤدي بهن الحج وهي ليس عندها أحد هل يحق لها ذلك
وإذا لم يحق لها ذلك فهل يمكنها بيعه والذهاب بقيمته للحج ؟ ج :
لا مانع إذا باعت المرأة حليها أو رهنته لأجل الحج شرط أن يكون الرهن
شرعياً والله أعلم. س : ما قولكم فيمن حج بمال تكفل به ابنه العامل
في بنك ربوي ؟ ج: إن كان يعلم أن ابنه جاءه بالنفقة من مصدر محرم
فليعد حجه وإلا فكل ذي يد أولى بما تحت يده والله أعلم. س : إنني
امرأة يتيمة الأبوين اجتهد وأعمل بما في وسعي لكي أرجع لهما بعض
الشيء وإن كان لا يساوي أي شيء إطلاقا مقابل ما قدماه لي من تربية
وتعليم وتأديب فقد قمت بعد وفاتهما بالتصدق عنهما وقراءة القراَن
والحج عنهما مع العلم أنهما لم يوصيا بذلك لضيق السعة وحيث أني ميسورة
الحال قمت بذلك ولم أحج عن نفسي بعد فما قولكم في ذلك؟ ج: حجي عن
نفسك ويقبل الله منك ما فعلته عن أبويك وفي الصدقة عنهما خير كثير
والله أعلم. س : ما قولكم في رجل أوصى بوصية - حجة - هل يؤجر أو
هل له أجر على كتابها ؟ ج: نعم إن أراد بها وجه الله ولم يتهاون
في أداء الحج بنفسه والله أعلم. علما أن استفسارنا كان يتعلق بوصية
حجة النافلة حيث أن السائل قد أدى الفريضة هل يؤجر على كتابة وصية
النافلة ؟ تجعل هذه الحجة حجة احتياط لئلا يكون قد أخل بشيء من واجباتها
والله أعلم. س : رجل أجر بحجة عن ولده المتوفى وأجرت الأم عن نفسها
بحجة أيضا وبعد رجوع الرجلين المستأجرين قالا انهما حجا عن الولد
فهل يسقط ذلك فرض الحجة الواجبة عن الأم ؟ ج: بما أن الحجة لم تكن
عنها وإنما كانت عن ولدها فإن ذلك لا يسقط الفرض الواجب عليها فإن
استطاعت الحج بنفسها فلتحج وإن لم تستطع فلتنب غيرها والله أعلم.
س : هل يصح الحج عن المجنون ؟ ج: لا مانع من ذلك والله أعلم. س :
ما قولكم فيمن اعتمر عن أمواته مثل أمه وأبيه وغيرهم فهل في ذلك
حرج ؟ ج: لا حرج في ذلك والله أعلم. س : قال صلى الله عليه وسلم
: (العمرة في رمضان تعادل حجة) هل ينال هذا الثواب لمن أجر عنه ؟
ج: يرجى له ذلك من فضل الله والله أعلم. س : عن امرأة كبيرة السن
ولا تعقل وقد ادخرت أموالاً عند أمين لها وكانت تريد الحج أيام صحتها
ولكنها لم تتمكن فأراد بعض الأولاد أن يأخذ من هذه الأموال لكي يحج
عنها فتشاجر الأولاد في ذلك بعضهم يقول نحج من هذه النقود وبعضهم
معارض فما قولكم في ذلك ؟ ج: إن كانت ادخرت هذا المبلغ للحج فلا
مانع من الحج عنها به والأحوط والأفضل أن يتبرع أحد أولادها فيحج
عنها والله أعلم. س : رجل أراد أن يحج عن والديه اللذين لم يحجا
في حياتهما فما قولكم في ذلك ؟ أفدنا بذلك والله يحفظك ويرعاك. ج:
إن حج عنهما قبل الله ذلك منه وأجره وأجرهما ودين الله كدين خلقه
كما جاء في الحديث والله أعلم. س : هل يلزم الولد أن يحج عن والدته
المتوفاة التي لم توص بحجة عن نفسها لكونها لم تكن تملك نقوداً ؟
ج: لا يلزم أن يحج عنها وإن حج عنها كان ذلك براً منه بها يثاب عليه
كما يكون طاعة لله ويرجى لها الثواب إن كانت من أهل الخير والله
أعلم. س : ما قولكم في رجل حج عن والدته بدون عرض وجهة نظر إخوانه
فوجد على وجوههم عدم الرضا عند رجوعه من الحج ؟ ج: عمل خيراً وأحسن
في ذلك وليس لإخوته إعتراض عليه والله أعلم. س : ما قولكم في امرأة
لديها ( إبن ) وهو مريض في ظهره وتريد أن تحج عنه فهل يجوز لها ذلك
؟ ج: إن كان عاجزاً عن الحج وسبق لها أن حجت عن نفسها فلا مانع من
ذلك والله أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
رسالة المسلم في عصر العولمة (3-4)
تأتي عالمية الإسلام من عدة خصائص له، نراها
لا تتوفر في النظم الأخرى، نذكر منها:
ـ الربانية: اصطفى الله تعالى لنا الإسلام دينا خاتما، وبكونه من
الله تعالى نعلم علم اليقين أنه تعالى جعله صالحا لكل زمان ومكان،
وكيف لا يكون كذلك؟ والله تعالى منزل القرآن هو خالق هذا الكون ومدبره،
وعالم بتقلب أحواله، يقول سبحانه وتعالى: ((قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي
يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً
رَّحِيماً)) الفرقان:6.
ويكتسب النظام الإسلامي بهذه الخاصية الهيبة في تطبيقه، لأن الإنسان
عندما يؤمن بأن هذا النظام من عند الله تعالى، ولا يقبل منه غيره،
تجده يقبل على الالتزام به وتفعيله في الحياة بعقيدة المؤمن به،
وشتان بين من تسيّره العقيدة، وبين من تسيّره المنفعة الفانية.
ولأنه من الله تعالى فهو جاء صالحا لكل زمان ومكان، وكاشفا عن كل
أمر يحتاجه الإنسان، ولم يفرط الله تعالى فيه بشيء، يقول سبحانه
وتعالى: ((وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ
بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ
مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)) الأنعام:38، ويقول
جل شأنه: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)) النحل:89.
وهذا هو الفارق بينه وبين الأنظمة الوضعية، تلك الأنظمة التي هي
عبارة عن تجارب تقاسي منها البشرية الأمرين بسبب "ذاتية"
واضعيها، وبين هذا النظام الذي يتعالى عن الذاتية لأنه من الله تعالى.
ـ الأخلاق: في العولمة الرأسمالية الأخلاق خادمة للمصلحة، وعندما
تتعارض الأخلاق مع المصلحة فلا قيمة للأخلاق، بل الأخلاق موجودة
في العولمة بمقدار ما تدفع بالمصلحة إلى الأمام، ولذلك فالأخلاق
عندهم نسبية جدا، أما في الإسلام فالأخلاق عنصر مهم، والمصلحة محكومة
بعنصر الأخلاق، ولا يمكن أن تتجاوز المصلحة خلقا من الأخلاق.
إن المساوئ التي تفرزها العولمة راجعة إلى ضربها بالأخلاق عرض الحائط،
ويكفينا من السقوط الأخلاقي للعولمة ما نراه من الغطرسة والهيمنة
والاستكبار، والسحق والإبادة للشعوب، وقلب المفاهيم والتلاعب بها.
إن رسول الإسلام العظيم صلوات الله عليه وسلامه قائد النظام الإسلامي
وصفه الله تعالى بالخلق العظيم حيث يقول: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ
عَظِيمٍ)) القلم:4، وفي ذلك دلالة عميقة على أن عدم الالتزام بالأخلاق
في التعامل لا يعد تعاملا إسلاميا، وقد بيّن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق عندما قال: ((إنما بعثت على
تمام محاسن الأخلاق)) رواه الطبراني، وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم أيضا: ((بعثت لأتمم صالح الأخلاق) رواه الحاكم.
والالتزام بالأخلاق في الإسلام ليس مع المسلمين فحسب بل هو التزام
كلي مع كل البشر، يقول سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))
المائدة:8، ويقول عز قائلا: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا
عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ
لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ)) النحل:125-126، وعندما تكون القاعدة
الأخلاقية في الإسلام هي الأساس فذلك مما يضمن له عالميته، ويحقق
له انتشاره.
ـ الحساب الأخروي: من العقائد القطعية في الإسلام الإيمان باليوم
الآخر وهو كثيرا ما يأتي في نصوص الشرع قرين الإيمان بالله تعالى،
فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ
هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)) البقرة:62، وقوله
سبحانه وتعالى: ((يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي
الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)) آل عمران:114،
وقوله سبحانه: ((وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم
عَلِيماً)) النساء:39، وقوله تعالى: ((إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ
اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ
وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ
أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ
وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) التوبة:18-19 وقوله
تقدس اسمه: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ
مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ
فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ))
النور:2.
ومن السنة النبوية؛ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل
لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسير مسيرة يوم وليلة إلا مع
ذي محرم)) رواه الربيع، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ولا يؤذي جاره أبدا)) رواه
الربيع، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها
الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما))
رواه البخاري.
وهذه العقيدة تضمن الالتزام بالنظام الإسلامي، وتعطيه دفعة غير محدودة
من الحركة في واقع الحياة، وذلك لأنها عقيدة تمنع الظلم والاعتداء
وفعل الفواحش، وتحث على فعل كل خير، وعندما يوقن الناس أنهم واقفون
أمام الله تعالى ليجزيهم على ما فعلوا فإنهم سيكونون على حيطة من
أمرهم من الوقوع في الإفساد في الأرض، كما ذكر الله تعالى ذلك على
لسان نبيه شعيب عليه السلام، حيث قال سبحانه: ((وَإِلَى مَدْيَنَ
أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا
الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) العنكبوت:36،
وبالتالي يعيش الناس في انسجام مع أنفسهم ومع من حولهم ومع واقعهم،
وهو الأمر الذي تبحث عنه البشرية لتخرج من مأزق المادية الجاف، المادية
التي تعصف بكل القيم، وتحكم الأهواء والمصالح الضيقة والأفكار المتعصبة،
وما ذلك إلا لأنها غفلت عن الحساب الأخروي.
فلو إن كل إنسان يؤمن إيمانا جازما أنه واقف عن قريب بين يدي الله
تعالى ليحاسبه على كل ما فعل، فإن فعل خيرا فهو في جنة نعيم أو فعل
شرا فمأواه جهنم وبئس المصير؛ إن لم يتدارك أمره بالتوبة إلى الله
تعالى، يقول سبحانه: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)) الزلزلة:7-8،
لو أن كل إنسان آمن بهذه الحقيقة لما عانت البشرية ما تعانيه الآن
من الويل والثبور وعظائم الأمور.
إن البشرية الآن هي أحوج ما تكون إلى هذه العقيدة؛ التي تدفع بالإنسان
إلى فعل الخير وكسبه، وتنأى به عن الشرور، ولذلك جاء أنبياء الله
تعالى عليهم السلام لإقامة الحجج على البشرية بأن اليوم الآخر آت
لا ريب فيه.
فهذه العقيدة تجعل الناس سواسية أمام الله تعالى لا فرق بين أبيض
وأسود، ولا بين رجل وامرأة، يقول الله في محكم كتابه: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات:13، ويقول
كذلك: ((وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ
نَقِيراً)) النساء:124، والعالم الآن محتاج إلى ما يحقق له المساواة
ويرفع عنه الظلم والاستكبار.
وقد حدث الكثير من الانحراف عند الناس في هذا الاعتقاد فجاء القرآن
الكريم ليعطي التصور الصحيح لهذه العقيدة، فمن الناس من ينكر اليوم
الآخر رأسا، فأقام الله تعالى عليهم الحجج والبراهين بأن اليوم الآخر
آت لا شك فيه، حيث يقول سبحانه وتعالى: ((أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ
أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ،
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ
وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ
الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ،
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ)) يس:77-83، ويقول تبارك اسمه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ
مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ
فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ
طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى
وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ
مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ
بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي
الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ
آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ))
الحج:5-7.
وهناك من يتصور أن الإنسان بمجرد اعتقاده بالدين الصحيح لا يضره
عمل المعاصي، أو أنه لا يحجبه في نهاية المطاف عن نيل رضى الله تعالى،
وهذا غبش في التصور ومين في الاعتقاد وزيغ في التفكير، فهذه هي أماني
أهل الكتاب التي ردها الله تعالى عليهم، وأثبت أن من يعمل سوء يجز
به، حيث يقول تبارك وتعالى: ((لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ
أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه وَلاَ يَجِدْ
لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً، وَمَن يَعْمَلْ
مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً)) النساء:123-124،
ويقول سبحانه: ((وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً
مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ
اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ،
بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ)) البقرة:80-82، ويقول كذلك: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى
كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ
مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن
تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ
فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ
لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ
وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)) آل عمران:23-24.
إن عقيدة اليوم الآخر التي جاء بها أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة
والسلام، وأكد عليها جل وعلا في كتابه الخاتم، هي من عوامل عالمية
هذا الدين، وخصائصه التي تكفل له الانتشار.
ـ مراعاة الثابت والمتغير: الحياة تتكون من شقين رئيسيين وهما الثابت
والمتغير، فهناك جوانب من الحياة ثابتة لا يمكن أن نقول بتغيرها،
وهناك جوانب متغيرة لا يمكن أن نزعم بأنها ثابتة.
فكثير من حقائق الوجود هو ثابت، كوجود الله تعالى وعالم الغيب بما
ينطوي عليه من وجود الملائكة والجن وقيام الساعة والجنة والنار،
وكثير من عالم المشاهدة، فسنن الله تعالى التي يجري على وفقها الكون
هي ثابتة؛ سواء في جانب الحركة الكونية أو جانب الحركة الاجتماعية،
والنفس الإنسانية بها شق ثابت، كحاجتها لإرواء الجسد وإشباع العقل
وإغناء النفس، وكذلك الأخلاق الفاضلة الكريمة، هذه الجوانب الثابتة
لا بد من ملاحظتها وإشباعها.
ثم يأتي انطلاقا من هذا المنبع الثابت نهر المتغير الدافق، فحركة
الإنسان في الحياة، واكتشافه للجديد، واستغلاله للكون المسخر من
الله تعالى له، وضربه في الأرض كدحا وبناء، وتطوير مناهجه في التعامل
مع الحياة، كل هذه الأمور هي متغيرة، ولا بد أيضا من مراعاتها وإشباعها.
علينا أن نعي أن الثابت أساس وفرشة للمتغير، والمتغير نابع ومنبثق
من الثابت، ولا بد من ملاحظة ذلك كله، فمراعاة أحدهما وإغفال الآخر
هو في الحقيقة إخلال بالمعادلة المتزنة في الكون، فلا استقرار ولا
اعتدال إلا بتحقيق هذه المعادلة الدقيقة، وإلا فالاضطراب والدمار
والانحطاط، فعندما نولي اهتمامنا بالثابت فقط دون المتغير، فإن الحياة
ستجنح بعيدا، ولا نستطيع أن نواكبها، فنظل جامدين في طرحنا وعلاجنا
للقضايا والمشكلات، والحياة لن تتوقف لكوننا جمدنا عند الثابت فقط،
فسنن الله ماضية، وعجلة الحياة ستأتي عليه فهي لا ترحم إلا من يسابق
هذه العجلة ويرسم لها الخط الذي ستسير عليها، وما اندثار كثير من
الأمم والحضارات إلا من هذه الجهة، حيث لم تستطع أن تواكب المتغيرات
التي تجري في الكون، ولا التبدل الجاري في الحياة.
وفي المقابل فإن الاهتمام بالمتغير على حساب الثابت، هو الآخر يؤدي
إلى الاضمحلال والاندثار، حيث إن إهمال القاعدة التي انبنى عليها
المتغير ذاته، سيؤدي إلى انهيار هذا المتغير، لأنه سيبقى بدون قاعدة،
وينبني على غير أساس.
وعلى هذا الأمر تركبت حضارة العولمة الرأسمالية، فهي قد تركبت على
إهمال الثابت إهمالا شبه تام، واعتنت عناية فائقة بالمتغير وحده،
وهذا ما يؤذن بسقوطها وفنائها، وحينها لن تنفع مقولة "نهاية
التأريخ" هذه الحضارة، لأنها قائمة على شق واحد فقط، وتركت
الشق الآخر؛ الذي قد يكون هو الأهم.
أما الإسلام فقد راعى ذلك كله من خلال تشريعاته العظيمة، فقد جعل
الله تعالى في كتابه العزيز ما هو محكم لا يحتمل إلا معنى واحدا،
وهو ما يراعي الثابت، فمنه ما يتعلق بخالق هذا الكون كوحدانية الله
تعالى وأسمائه الحسنى، ومنها ما يتعلق بالغيب كاليوم الآخر، ومنها
ما يتعلق بالإنسان فردا وجماعة كإقامة كالشعائر التعبدية، ونحو ذلك،
فأصول هذه الجوانب من المحكم في دين الله تعالى، وهو غير قابل للنزاع
والاختلاف، ولا يجوز الخلاف في أصول هذه الثوابت وبالتأكيد لا يجوز
نكرانها.
ثم يأتي المتشابه الذي يتسع ليأخذ بحجز هذا الكون من أطرافه فيضمها
تحت قاعدة سعة الرأي، حيث جاء كثير من نصوص الكتاب العزيز والسنة
النبوية المطهرة -بل هو الأكثر والأعم- متسعا ومكتنزا للكثير من
المعاني، حتى تعطي هذه النصوص حلولا لا نهائية لمستجدات الحياة،
وهذا هو سر خلود الشريعة وشمولها للمكان وعمومها للزمان.
ثم مما ينبغي أن ننبه عليه في الحقل الفقهي الذي يستنبط الأحكام
والحلول للمستجدات، أن النصوص التي تحمل الكثير من المعاني، ينبغي
أن نتجاوز فيها آلية الترجيح الآحادية، بمعنى ينبغي أن لا ننطلق
فقط من المرجحات اللغوية في عملية الاستنباط من الأدلة التي تحمل
العديد من المعاني، فاللغة هي إحدى المرجحات، ولكننا ننطلق بالإضافة
إلى ذلك من أرض الواقع التي ينبغي مراعاتها، والله تبارك وتعالى
لو أراد لنا رأيا واحدا؛ هو الذي يرجح على غيره لفعل، وهو القادر
على كل شيء، وقد فعل فيما يدخل تحت المحكم، وإنما سبحانه وتعالى
لحكمته العظيمة جعل المتشابه متشابها لأجل سعة الرأي، وإعمال الفكر
لكي يدير الإنسان هذه الحياة بكافة متغيراتها، فكل المعاني والآراء
المنبثقة من النص قابلة للاستفادة منها وتفعيلها وفق الة الاجتهاد
الصحيحة.
ثم لا بد ونحن نفعّل النصوص المكتنزة للمعاني أن نحتكم في ذلك إلى
القواعد الكلية للشريعة المنبثقة من الآيات المحكمة، ولا يجوز لنا
أن نتعسف في استغلال هذه النصوص بحيث ننتصر لآرائنا الضيقة وأفكارنا
المحدودة، فعلينا أن نخرج من شرنقة الذاتية إلى أصالة الموضوعية،
يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ((هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ)) آل عمران:7.
إن دينا هذا شأنه لهو الدين العالمي الوحيد الذي يقدر على إدارة
الحياة وإنقاذها من ويلاتها وصراعاتها، وهو المرشح الجدير ليكن بديلا
عن عولمة الرأسمالية التي هي آخذة في الأفول بسبب غطرستها وجبروتها
في الأرض.
واقع الأمة
ارتضى الله تعالى لنا الإسلام دينا، وسن لنا شرائعه، وأنزل علينا
كتابه العزيز مهيمنا على ما سواه من الكتب، وتكفل سبحانه وتعالى
بحفظه من التحريف، حيث يقول سبحانه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) الحجر:9، فهو كتاب لا يدركه
التحريف ولا التبديل، وهي العاهة التي أدركت الكتب السماوية السابقة،
وحفظ الله تعالى له يجعله متماشيا مع حركة الحياة أفقيا ورأسيا،
صالحا للزمان والمكان، فلو لم تكن هذه الخاصية فيه لأعرض عنه الناس،
ولما تحقق له الحفظ الذي أراده الله تعالى له، وذلك لأن حفظه جاء
متلازما مع عناية الخلق به، فهي عناية منبثقة من سنن الله تعالى
الطبيعية، وهذا ما يزيد في قوة إعجازه وإبهاره للخلق.
والنظام الإسلامي هو نظام عالمي استمد عالميته من عالمية دين الله
تعالى، وهو نظام قابل لأن يتمدد في كل اتجاه، ليبني الحياة ويعمر
الكون ويحل قضايا البشر ويعالج المستجدات التي تظهر كل حين.
لكن انتشار هذا النظام وعالميته وشموله للحياة وعمومه للبشر لا يكون
بأمر خارق أو خارج عن سننه تعالى التي بثها في الكون، بل جعله الله
تعالى أمرا مرتهنا بالأخذ بالأسباب، وأولى هذه الأسباب العمل بمقتضى
كتاب الله تعالى وهدي نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم، والسير في
هذا الكون، واستغلاله على أحسن وجه، واكتشاف ما فيه من كنوز؛ سواء
كانت خيرات كنز بها الكون، أو أنظمة وقوانين تحتاج إلى إبرازها وصياغتها
ثم استخدامها.
هذه حكمة الله وهذا قانونه في خلقه، ((فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)) فاطر:43.
عندما وعى المسلمون هذه الحقائق وهم يتربون في مدرسة النبوة العظيمة،
انطلقوا كالسهم الصائب، فأقبلت الناس على دين الله أفواجا، وشرق
المسلمون وغربوا ناشرين دعوتهم في ربوع الأرض، وما هي إلا فترة وجيزة
لا تعدو ربع القرن؛ حتى أخذ المسلمون يدكون معاقل الظلم والطغيان،
فاجتاحوا ملك كسرى، وزحزحوا قيصر عن كثير من مواقع ملكه.
وعندما تحكمت فينا الأهواء، وضربنا بأحكام ديننا عرض الحائط، فاتبعنا
قوانين القبيلة في سياسة الأمة، حيث عطلنا قانون الشورى، ليحل محله
قانون السيادة للقبيلة الواحدة أو البيت الواحد، من تلك اللحظة بدأ
رسمنا البياني الحضاري يهبط بعد أن كان يصعد.
ثم جاءنا الغزو الفكري من أهل الكتاب المتمثل في التجسيم والإرجاء،
ودخل إلينا عبر الروايات المنسوبة كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، كما دخل إلينا التراث الأسطوري عبر الدخيل في التفسير، فصيغ
عقل الأمة بهذه الخليط الفكري المتعارض مع شرع الله تعالى وسننه
في خلقه، فجعل منا أمة خامدة راكدة، تعمقت فينا النعرة القبلية والعصبية
المذهبية والحمية القومية، فأصبحنا نتنازع في التوافه، ونتقاتل على
الفتات، وتركّب تصورنا الفاسد على أخذ بعض دين دون بعض، وشاع فينا
التقليد بعد أن جاء كتاب الله تعالى ليحاربه، وأصبحنا لا نرى دين
الله تعالى إلا بعيون البشر الذين يعتريهم الخطأ والصواب، وأصبح
الخروج عن كلامهم كأنما هو خروج عن دين الله تعالى.
بهذا الانحراف الفكري أخذنا ننتقل من مرحلة ضعف إلى مرحلة أخرى أضعف،
حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ففوجئنا بخصومنا وقد أمسكوا زمام الأمر
وسيطروا على مقاليد الأمور، واعتلوا صهوة الحياة، وهجموا علينا بقضهم
وقضيضهم، يستعمرون ديارنا، ويقتلون شعوبنا، وينهبون خيراتنا، لكن
الأخطر من كل ذلك الانبهار الذي أصابنا تجاه هؤلاء القوم، فأخذنا
نعتنق مذاهبهم الفكرية، ونتمثل سلوكهم وطريقتهم للحياة، فإذا بنا
نتقلب من تبعية هذا إلى تبعية ذلك، وكل مرة نجرب منهجا وضعيا، فنخرج
به خاسرين.
وليت الأمر اقتصر على صراعنا مع عدونا، بل الأمر أشد من ذلك وأدهى،
حيث أخذنا في قتال بعضنا البعض، يكيد أحدنا للآخر، ونستعدي على إخواننا
في الدين أعداء الله وأعداءنا وأعداء البشرية، فتفرقنا أيدي سبا،
وذهبت ريحنا وفشل أمرنا، ونسينا تحذير الله سبحانه وتعالى لنا من
هذا الحال عندما قال: ((وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ
فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ)) الأنفال:46.
وبالاختصار هذا هو واقع الأمة، دين إلهي عظيم، ونظام عالمي تحتاجه
البشرية، ولكنها أمة ضعيفة متفككة.
إن أمتنا الإسلامية حتى تواكب عصر العولمة وتدخل فيه بجدارة؛ لكي
تغير من وضعها ومن الوضع البشري المؤسف، إلى ما فيه خير الإنسانية
جمعاء، لا بد لها من ترتيب أوراقها، وتعيد صياغة تفكيرها ومناهجها
وفق توجيه دين الله تعالى وما توصلت إليه الحضارة الإنسانية من الكشف
عن السنن الله الكونية، ثم بعد ذلك تنطلق انطلاقة حقيقية وصادقة،
ولا بد لها في كل ذلك أن تتناسى الخلافات بينها، وتترك الضغائن والأحقاد،
ويجب عليها أن تسعى إلى التآلف والتكامل، والاستفادة من التنوع الذي
وهبه الله تعالى للأمة، التنوع في كل جانب، في الفكر والمدارس الفقهية
والموارد وقدرات البشر ونحوه، وهو ما يدخل في مقومات نهضة الأمة
المسلمة.
مقومات نهضة الأمة
الأمة الإسلامية تملك الكثير جدا من المقومات التي تنهض بها، وتجعلها
أمة قوية تقود العالم، وتنشر فيه قيم الخير والأخلاق الكريمة، وهي
مع ضعفها ونومها إلا أن لوجود هذه المقومات الكامنة فيها فبإمكانها
أن تنهض من جديد، وتقيل عثرتها، وترص صفها، وتوحد جهودها، ويمكننا
هنا أن نتكلم عن بعض هذه المقومات إجمالا:
ـ الدين القويم: وهو المقوم الأساسي لهذه الأمة، وبدونه فلا أمة
أصلا، ولبقيت الشعوب التي شكلت الأمة -ومنها العرب- شعوبا خامدة
الذكر، ولربما اندثرت مع مرور الأيام، أو على أقل تقدير لما كان
بينها أي رابط يربط بعضها البعض، فقد صنع هذا الدين من الشعوب التي
اعتنقته أمة واحدة ربطها في قالب حضاري واحد، فأصبحت أمة شاهدة على
غيرها من الأمم، أي وصية عليها في اتباع منهج ربها جل وعلا، لقوله
تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ
شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً))
البقرة:143.
فهذا الدين يصهر الشعوب التي تعتنقه في أمة واحدة وحضارة واحدة،
لا تتمايز عن بعضها البعض إلا بتقوى الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات:13، ولكن في
هذا الانصهار لا يتعدى على خصوصيات الشعوب الأخرى، فهو لا يفرض عليها
التقاليد العربية الخاصة، ولا يذيب الشعوب غير العربية تحت جناح
الشعب العربي، بل هو الانصهار المتكافئ والمتداخل مع بعضه البعض
تحت مظلة الإيمان بالله وتقواه واتباع شرعه.
فالقيم والتقاليد العربية هي بنفسها محتاجة إلى الشرعية من دين الله
تعالى، وهذه الشرعية تتلخص في تهذيبها بروح الإسلام، وحذف ما يوجد
فيها من مخالفات شرعية، وتثبيت ما أمر به الإسلام، وهكذا بقية الشعوب،
وعندها تلتقي الشعوب بتفاعل رائع فيما بينها، فلا غلبة لثقافة قومية
بعينها، وإنما الامتزاج والانصهار المتكافئ.
هذه المعادلة الوسط التي جاء بها الإسلام لا نراها في حضارة العولمة
الرأسمالية، فنحن لا نرى إلا التغييب الكامل للحضارات الأخرى، والمحاولات
المستمرة لطي تلك الحضارات لتحل محلها الحضارة المادية والقيم الأميركية.
فهناك فارق واضح جدا بين عالمية إسلامنا والعولمة المعاصرة في التعامل
مع الشعوب التي تنضوي تحت لواء كل منهما، ففي الإسلام شعوب متفاعلة
تنسجم تحت وشيجة الدين الواحد، وأما في العولمة القائمة فهو الدمار
والمسح والمسخ للشعوب الأخرى وحضاراتها.
إن الإسلام لا يريد من الشعوب أن تنسلخ من هويتها وأن تتخلى عن حضارتها،
وإنما يريد منها أن تدخل في دين الله تعالى، فتهذب نفسها بتهذيب
الإسلام، والإسلام يجعل من التنوع والتباين عامل بناء لحضارة واحدة
بشعوب متكافئة فيما بينها.
وهو مع كل ذلك يشد شعوب الأمة مع بعضها بآصرة الوحدة، وعلى الاعتصام
بحبل الله، ويدعوها إلى التعاون على البر والتقوى، يقول سبحانه وتعالى:
((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ
نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ
شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) آل عمران:103،
ويقول جل شأنه: ((وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ
تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ
إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) المائدة:2.
الذاكرة الفكرية:
نقصد بالذاكرة الفكرية هنا هو كل ما يحتويه التأريخ الإسلامي من
أحداث وتجارب، وكل ما أوصله لنا هذا التاريخ من إرث حضاري وفكري
وثقافي وفقهي.
فالذاكرة الفكرية الإسلامية ليست ذاكرة ضعيفة أو قصيرة، بل هي ذاكرة
عميقة رأسيا وأفقيا، فهي موغلة في القدم تمتد إلى أكثر من أربعة
عشر قرنا، فليست هي وليدة مائتي أو ثلاثمائة عام كالحضارة المعاصرة
التي صنعها الهواة والمشردون والمنبوذون، وقد أفنوا أصحاب الوطن
الأم قتلا وتشريدا، وقد صنعوها باستعباد الخلق وجلبهم من أرضهم ظلما
وعدوانا، حضارتنا قد ابتدأ بصنعها أكرم الخلق صلوات الله وسلامه
عليه وفق وحي الله تعالى وعلى منهج الأنبياء عليهم السلام، وكانت
رسالته كلها رحمة ورأفة بالبشرية.
هذه الذاكرة التي تختزن حركة الحضارة هي عقلها الذي تفكر به وتنطلق
منه وتسير على وفقه، فهي امتداد لدعوات الرسل الكرام ووحي السماء.
وهذه الذاكرة الفكرية تحتوي على آلاف من المؤلفات في شتى صنوف المعرفة
بدءا من الفقه وانتهاء بالأدب والفنون، مرورا بشتى صنوف العلوم،
وهذا مقوم ضروري للأمة إذا أثبتت قدرتها على التفاعل مع الحياة،
والتعامل مع المنجزات الحضارية.
والأحداث التي مرت بها الأمة؛ قد أعطتها حصيلة كثيفة من التجارب
التي يمكن أن تستمد منها وتنتفع بها، هذه الأحداث قد تقلبت من الانتصار
إلى الهزيمة، ومن أحداث حلوة إلى أحداث مرة، ومما يحسب للأمة ويحسب
عليها، ولكن مع كل ذلك لا يمنع الاستفادة من هذه الأحداث، فالله
تعالى حكى لنا أحداث غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون وأحداث غزوة
أحد التي دارت فيها الدائرة على المسلمين، فهو تبارك وتعالى يقول
عن بدر: ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ
فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ
مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ، بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ
آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ
إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ
إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، لِيَقْطَعَ طَرَفاً
مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ))
آل عمران:123-127، ويقول عن أحد: ((وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا
وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ
قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ
وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ))
آل عمران:139-140.
وذاكرتنا الفكرية هي المعبر الذي عبرت عن طريقه العلوم الإنسانية
والحضارية، ومع ذلك لم يكن معبرا ساذجا، بل أضاف المسلمون إلى تلك
العلوم الشيء الكثير، وقد نقحوا وعدلوا وأبدعوا في تلك العلوم.
الوفرة في الطبيعة:
العالم الإسلامي عالم مترامي الأطراف، شاسع المساحات، يتكون من رقعة
أرضية كبيرة جدا، وبسبب هذا الترامي والسعة فقد حباه الله تعالى
التنوع في موارد الخير، فلو أحسنا الاستفادة من هذا التنوع لصالح
الأمة الإسلامية، فبإمكاننا أن نخرج من أزمتنا الخانقة وننطلق إلى
رحاب العالمية.
وعلينا أن نشير هنا إلى ما هو معلوم للجميع، وهو أن هذه الخيرات
بسبب تفككنا وتمزقنا وتوزيع ولائنا للشرق والغرب، وبسبب إعراضنا
عن ديننا الحنيف، وسقوطنا في أحضان أعداء الله تعالى فوت علينا الاستفادة
من هذه المنن الإلهية، بل أوغلنا في أنانيتنا إلى الرضى بسقط المتاع
لكي نحافظ على مواقعنا السياسية في مقابل تسليم هذه الخيرات إلى
الأعداء الذين يسيمون المسلمين أنواع الذل والاستعباد، ويعودون باستغلالهم
لمواردنا إلى الكيد لنا وتعطيل نهوض الأمة المسلمة.
إن أمتنا الإسلامية ينضوي تحت عالمها عالم كبير من التنوع، لا نبالغ
أبدا إن قلنا بأنه تنوع لا تملكه أي أمة أخرى.
فيوجد لدينا مصادر الطاقة المتنوعة، وأهمها النفط؛ شريان الحياة
المعاصرة وعمودها الفقري، فأضخم إنتاج للنفط يخرج من بلادنا الإسلامية،
وأكبر احتياطي له يوجد في أرض هذه الأمة، ونملك أيضا الكثير من مصادر
الطاقة المساعدة أو البديلة للنفط، وأهمها الطاقة المائية والطاقة
الشمسية، ففي الأمة الإسلامية أنهار ضخمة جدا، ومصبات مائية عملاقة،
تمنحنا الفرصة الكبيرة لاستغلال هذه المصبات وتطوير أبحاث الطاقة
المائية، وكثير من بلادنا الإسلامية تقع ضمن المناطق الحارة، وفي
هذا فرصة مهمة تمكننا من إقامة مشاريع بحثية وعلمية وعملية للاستفادة
من نعمة الشمس التي سخرها الله تعالى للإنسان.
وأمتنا الإسلامية تملك أيضا الكثير من المعادن الثمينة، ففيها تقع
مناجم الذهب والفضة والألماس والقصدير ونحوها بالإضافة إلى المعادن
الصناعية المهمة كالحديد والنحاس وغيرهما.
وعندنا أيضا الوفرة في الرقعة الزراعية الخصبة التي تنتج جميع الحاجات
الإنسانية من الغذاء، ولنا أن نقول إن هناك من الدول الإسلامية التي
تعد سلالا غذائية يمكنها أن تحقق الاكتفاء الذاتي للأمة في العديد
من المواد الغذائية، بل إن بإمكان الأمة الإسلامية أن تصدر إلى العالم
ما يفيض عن حاجاتها، فيرجع لها بالعزة والقوة والتمكين، فالأمة التي
تملك قوتها لا يمكن أن يستذلها عدوها، بل علينا أن نستغل خيراتنا
في التبشير بديننا الإسلامي وفي الدعوة إلى الله تعالى، فهناك الكثير
من شعوب الأرض تعاني من الظلم فتعيش تحت خط الفقر، فالعودة عليهم
بما يسد جوعهم كفيل بأن يستميلهم إلى الدين الحق.
ومما يؤسف له أن نجد دولا إسلامية تقتلها المجاعة على الرغم من الوفرة
الزراعية في عالمنا وخصوبة الأرض، وما ذلك إلا لسوء التدبير والكسل
القاتل والأنانية المتحكمة فينا.
وإذ تكلمنا عن الوفرة الزراعية نشير كذلك إلى الوفرة الحيوانية والسمكية،
فهناك آلاف بل ملايين الحيوانات التي تشكل قطعانا ضخمة ترعى في الغابات
الممطرة، وبحار العالم الإسلامي وأنهاره غنية جدا بالثروة السمكية،
ويوجد بها أجود أنواع الأسماك عالميا.
وإذا جئنا إلى تنوع التضاريس في العالم الإسلامي فإننا نجد الجبال
الشاهقة والوديان الممتدة والغابات الخصبة الممطرة والصحاري الشاسعة،
وهذا التنوع يسمح للأمة الإسلامية أن تعدد مؤسساتها التنموية وتحسن
من وضعها الإنتاجي فيما تقوم به من مشاريع، ويجعلها في غنى عن استجداء
الآخرين على حساب كرامتها وعزتها.
ويتنوع الطقس في العالم الإسلامي بحسب تنوع الطقس في الكرة الأرضية،
فمن المناطق الثلجية التي تنخفض درجة حرارتها إلى ما تحت الصفر بدرجات
عديدة، إلى المناطق الحارة جدا التي قد تتجاوز الخمسين درجة، ومن
المناطق الجافة إلى المناطق المطيرة التي لا يكاد يرتفع عنها المطر،
وهذا التنوع في الطقس يسمح بإنتاج كل المحاصيل الزراعية على مدار
العام.
ومن المهم جدا أن نذكر هنا الموقع الاستراتيجي الذي يتميز به العالم
الإسلامي، فهو يتوسط الكرة الأرضية، ويتحكم في أهم الممرات العالمية
بحرا وبرا وجوا، فنفوذ حركة التجارة العالمية يجري عبر هذه الممرات،
وكذلك الحركة العسكرية الدولية، ونقل مصادر الطاقة يتم عبر بحارنا
الإسلامية، ولا يمكن أن تقوم الشركات عابرة القارات بتنفيذ مشاريعها
إلا من خلال الاستفادة من موقع العالم الإسلامي.
خميس بن راشد العدوي
أعلى
احذروا المهلكات
المحلل والمحلل له
صح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ان رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله المحلل والمحلل له). وعن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن المحلل فقال: (لا، الا نكاح رغبة، لا نكاح دلسة، ولا استهزاء
بكتاب الله عز وجل حتى يذوق العسيلة). وعن عقبة بن عامر قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الا اخبركم بالتيس المستعار؛ قالوا:
بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له).
وعن ابن عمر ان رجلا سأله فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها احلها
لزوجها لم يأمرني ولم يعلم؟ فقال له ابن عمر: لا، الا نكاح رغبة،
ان اعجبتك امسكتها، وان كرهتها فارقتها، وانا كنا نعد هذا سفاحا
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. واما الآثار عن الصحابة والتابعين
فقد روى الاثرم وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
لا اوتي بمحلل ولا محلل له الا رجمتهما. وسئل عمر بن الخطاب رضي
الله عنه عن تحليل المرأة لزوجها فقال: (ذلك السفاح). وعن عبدالله
بن شريك العامري قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما وقد سئل عن رجل
طلق ابنة عم له، ثم ندم ورغب فيها، فأراد رجل ان يتزوجها ليحلها
له. فقال ابن عمر: كلاهما زان وان مكثا عشرين سنة او نحو ذلك اذا
كان يعلم انه يريد ان يحللها.
وقال ابراهيم النخعي: اذا كان نية احد الثلاثة الزوج الاول او الزوج
الآخر او المرأة التحليل فنكاح الآخر باطل ولا تحل للاول. وقال الحسن
البصري: اذا هم احد الثلاثة بالتحليل فقد افسد. وقال سعيد بن المسيب
في رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها الاول، فقال: لا تحل. فنسأل الله
جل وعلا ان يوفقنا لما يرضيه، ويجنبنا معاصيه، انه جواد كريم، رؤوف
رحيم.
علي بن عوض الشيباني
أعلى
داء العظمة
التطلع إلى الصدارة , وطلب الريادة هو تعلق
القلب بالريادة، وسؤال ذلك صراحة، أو القعود عن القيام بالواجب،
وأداء الرسالة.
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ بَنِي عَمِّي فَقَالَ
أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ
مَا وَلاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ الاخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ
فَقَالَ:' إِنَّا وَاللَّهِ لا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا
سَأَلَهُ وَلا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ رواه البخاري ومسلم .
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
سَمُرَةَ لا تَسْأَلْ الامَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ
مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ
أُعِنْتَ عَلَيْهَا رواه البخاري ومسلم .
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُنِي،
فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ
إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي
عَلَيْهِ فِيهَا رواه مسلم .
ويستثنى من ذلك حالة واحدة، وهي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط :
1- خلو المكان ممن يقوم بهذا الأمر.
2- أن يجد الشخص نفسه أهلاً لذلك.
3- غلبة ظنه بتأثر المكانة بجهوده. وهذه الثلاثة متوفرة في قول الله
على لسان يوسف:(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ
عَلِيمٌ[55]) [سورة يوسف] .
أسباب التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة:
1- الرغبة في التحرر من سيطرة وسلطات الآخرين:ذلك أن بعض الناس قد
ينشأ دون أن يذوق طعم الطاعة لأحد، ولو مرة واحدة، ومثل هذا إذا
وضع في محيط جماعي؛ فإنه يعز عليه بل يكبر في نفسه أن يكون فوقه
أحد؛ لذلك تراه تتعلق نفسه تعلقًا شديدًا بالصدارة، ويسعى جاهدًا
لسؤال الريادة، حتى يتحرر - بتصوّره - من سيطرة وسلطة الآخرين.
2- الرغبة في تحصيل عرض من أعراض الحياة الدنيا:ذلك أن بعض الناس
قد يتعلق بالحياة الدنيا تعلقًا يحمله على إصابتها من أي باب تيسرّ
له، حلالاً كان هذا الباب أو حرامًا، ومثل هذا الصنف يتصور أنه إذا
كان صدرًا أو رائدًا فإن الكل سيكون في خدمته من أجل إصابة حظه من
أعراض هذه الحياة الفانية، لذا تراه متعلق النفس بالصدارة، ساعيًا
بجدية واهتمام لسؤال أو طلب الريادة.
3- الغفلة عن تبعات الصدارة والريادة: ذلك أن تبعات الصدارة والريادة
ضخمة، فصاحبها يجوع حيث يشبع الآخرون، ويظمأ حيث يروى الآخرون، ويسهر
حيث ينام الآخرون، ويتعب حيث يستريح الآخرون، وبالجملة: فإن تبعات
هذا الأمر أن يفدي صاحبه الآخرين بنفسه في ساعات الشدة، ويقدمهم
على هذه النفس في ساعات الرخاء على نحو ما كان يصنع النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه، ومن ذلك:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ
الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي
بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رواه
مسلم.
وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ
وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ
الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَقَدْ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأبِي
طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ:' لَمْ
تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا' ثُمَّ قَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ
قَالَ إِنَّهُ لَبَحْرٌ رواه البخاري ومسلم .
4- الغفلة عن عواقب التقصير في الصدارة والريادة: ذلك أن عواقب التقصير
في هذا الأمر في الدنيا إنما هي إفساح المجال أمام الباطل وجنده،
ليفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل. وأما في الآخرة فهي التقييد
بالأغلال والسلاسل، والحرمان من الجنة والإلقاء في النار، فعن مَعْقِلِ
بْنِ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ
اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ
إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مَغْلُولا لا يَفُكُّهُ إِلا الْعَدْلُ أَوْ يُوبِقُهُ
الْجَوْرُ رواه أحمد والدارمي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ
الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ
فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّار
رواه أبو داود .
5- الرغبة في التسلط وإذلال الآخرين:ذلك أن بعض الناس قد يلقى شدة
وضغطًا في تربيته، أو تهوينًا وتسيبًا إلى حد حب التسلط والإذلال،
ومثل هذا يرى الصدارة والريادة، بابًا يلج منه ليتشفّى، وليشبع غريزة
أفرزتها التربية السيئة؛ لذا فإن نفسه تتوق إلى هذه الصدارة، ويجتهد
في طلب تلك الريادة .
علاج التطلع إلى الصدارة وطلب الريادة:
1- دوام النظر في السنة النبوية: فإن فيها تحذيرًا شديدًا من سؤال
الولاية، أو تعلق القلب بها،بل فيها تصوير بليغ لتبعات وعواقب التقصير
في هذا الأمر على نحو ما ذكرنا من قبل .
2- دوام التذكير بتبعات هذا الأمر، وعواقبه الدنيوية والأخروية:فإن
الإنسان بفطرته ينسى، ولا علاج لهذا النسيان إلا بالتذكير، والتذكير
الدائم، نزولاً على منهج القرآن الكريم:( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ
الذِّكْرَى[9]) [سورة الأعلى] (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ
الْمُؤْمِنِينَ[55]) [سورة الذاريات].
3- التعويد على الطاعة، وهضم النفس منذ نعومة الأظافر:فإن ذلك له
أثره فيما بعد، في خلع هذه الأمراض من القلب، والرضا بالحال التي
يوضع فيها المسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:' طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ
فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ
إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ
فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ
لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ' رواه البخاري.
4- الرفق في المعاملة: فإنه ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع
الرفق من شيء إلا شانه، وعليه فإن هذا الرفق سيعين على تخليص القلب
من الصدارة، بل وحمد الله على المعافاة منها.
5- التذكير بسيرة السلف وموقفهم من الصدارة والريادة:فإن سيرتهم
مليئة بكراهية هذا الأمر والنفور، والتحذير الشديد منه؛ تقديرًا
لتبعاته وعواقبه:
فهذا أبو بكر رضي الله عنه يخطب في المسلمين بعد قبوله الخلافة قائلاً:'
(يا أيها الناس: إن كنتم ظننتم أني أخذت خلافتكم رغبة فيها، أو إرادة
استئثار عليكم، وعلى المسلمين، فلا والذي نفسي بيده، ما أخذتها رغبة
فيها، ولا استئثارًا عليكم، ولا على أحد من المسلمين، ولا حرصت عليها
يومًا ولا ليلة قط، ولا سألت الله سرًا، ولا علانية، ولقد تقلدت
أمرًا عظيمًا لا طاقة لي به إلا أن يعين الله، ولوددت أنها لأيّ
أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن يعدل
فيها، فهي إليكم ردّ، ولا بيعة لكم عندي، فادفعوا لمن أحببتم، فإنما
أنا رجل منكم) .
6- التذكير بمكانة ومنزلة الدنيا في الآخرة: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا
قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى[77]) [سورة النساء].
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ
الآخِرَةَ هِي دَارُ الْقَرَارِ[39]) [سورة غافر]. عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ
مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) رواه الترمذي وابن ماجه.
وعَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ
إِلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ
يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ)
رواه مسلم .فإن هذا التذكير قد يحمل العقلاء على أن يكونوا مغمورين
بعيدًا عن أي صدارة أو ريادة، حتى يخرجوا من هذه الدنيا سالمين غانمين،
فيظفروا غدًا برضوان الله سبحانه، والجنة.
آفات على الطريق - السيد محمد نوح ( بتصرف)
أعلى
تأملات في قصة داود عليه السلام
هو من الرسل الذين أرسلهم الله إلى بني إسرائيل،
وقد آتاه الله الملك والنبوة، وهو من سِبط يهوذا بن يعقوب، وقد ذكره
الله في عداد مجموعة الرسل عليهم السلام، وقال: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ
النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء:
55].
* نسب داود عليه السلام:
أثبت أهل التوراة وأهل الإِنجيل نسبه على الوجه التالي:
هو داود بن يسى إيشا بن عَوْبيد بن بوعز أفصان بن سلمون بن نحشون
بن عِمّيناداب بن إرَام، بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب إسرائيل
عليه السلام.
* حياة داود عليه السلام في فقرات:
)أ) أبرز ما تعرض له المؤرخون من حياة داود عليه السلام ما يلي:
أولاً- مقدمة عن حال بني إسرائيل منذ وفاة موسى عليه السلام حتى
قيام ملك داود عليه السلام:
1- بعد انقضاء المدّة التي أقامها بنو إسرائيل في التيه -وهي (40)
سنة- وبعد وفاة هارون وموسى، تولى أمر بني إسرائيل نبي من أنبيائهم
اسمه (يوشع بن نون عليه السلام)، فدخل بهم بلاد فلسطين، وقسم لهم
الأرضين. وكان لهم تابوت صندوق يسمونه تابوت الميثاق أو تابوت العهد،
فيه ألواح موسى وعصاه ونحو ذلك، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم
بقوله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ
أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ
مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة:
248].
2- لما توفي يوشع بن نون، تولى أمر بني إسرائيل قضاة منهم، ولذلك
سمي الحكم في هذه المدّة: حكم القضاة.
وفي هذه المدة دبّ إلى بني إسرائيل التهاون الديني، فكثرت فيهم المعاصي،
وفشا فيهم الفسق، إلى أن ضيعوا الشريعة، ودخلت في صفوفهم الوثنية،
فسلَّط الله عليهم الأمم، فكانت قبائلهم عرضة لغزوات الأمم القريبة
منهم، وكانوا إلى الخذلان أقرب منهم إلى النصر في كثير من مواقعهم
مع عدوهم، وكثيراً ما كان خصومهم يخرجونهم من ديارهم وأموالهم وأبنائهم.
3- وفي آواخر هذه المدّة سَلب الفلسطينيون منهم تابوت العهد، في
حربٍ دارت بين الطرفين، وكان ممّن يدبر أمرهم في آواخر مدّة حكم
القضاة نبي من أنبياء بني إسرائيل من سِبط لاوي اسمه: (صمويل = شَمْويل)،
يتصل نسبه بهارون عليه السلام.
فطلب بنو إسرائيل من (صمويل) أن يجعل عليهم ملكاً يجتمعون عليه،
ويقاتلون في سبيل الله بقيادته، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ
ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ
عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا
قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ
أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ
الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: 246].
فسأل شمويل ربه في ذلك، فأوحى الله إليه أن الله قد جعل عليهم ملكاً
منهم اسمه (طالوت= شاؤول) من سبط بَنْيامين، وكانت قبيلة بنيامين
في ذلك العهد قد أوشكت على الفناء في حرب أهلية وفتن داخلية قامت
بين بني إسرائيل، فاستنكروا أن يكون طالوت ملكاً عليهم.
قال الله عزّ وجلّ: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ
بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً
مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ
بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 247].
فسألوا عن دليل رباني يدلهم على أن الله ملَّكه عليهم، فقال لهم
صمويل:
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ
التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا
تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة: 248].
وأعطاهم صمويل موعداً لمجيء التابوت تحمله الملائكة، فخرجوا لاستقباله
فلما وجدوا التابوت قد جيء به حسب الموعد أذعنوا لملك طالوت، فكان
أول ملك من ملوك بني إسرائيل.
4- جمع طالوت صفوف بني إسرائيل، وهيأهم لمحاربة عدوهم، وخرج بهم،
ثم اصطفى منهم خلاصة للقتال، يقارب عددها عدد المسلمين في غزوة بدر.
قالوا: وكان عددهم نحواً من (319) مقاتلا، وذلك بطريقة قصها القرآن
علينا في قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ
مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنْ اغْتَرَفَ
غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا
جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا
الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ
مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً
بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 249].
وهؤلاء القلة هم الذين اصطفاهم طالوت للقتال بعد رحلة برية شاقة
سار بهم فيها، وقد اشتد فيها ظمأ القوم، وبهذه القلة التي جاوزت
النهر واجه طالوت الأعداء.
5- لقي طالوت خصومه الوثنيين الفلسطينيين، وكان رئيسهم جالوت (جليات
عند العبرانيين) قوياً شجاعاً فرهبه بنو إسرائيل.
وهنا دخل في صفوف بني إسرائيل المقاتلين فتى صغير من سِبط يهوذا
كان يرعى الغنم لأبيه اسمه داود، ولم يكن في الحسبان أن يدخل مثله
في المقاتلين، ولكن أباه أرسله إلى إخوته الثلاثة الذين هم مع جيش
طالوت ليأتيه بأخبارهم.
قالوا: فرأى داود جالوت وهو يطلب المبارزة معتداً بقوته وبأسه، والمقاتلون
من بني إسرائيل قد رهبوه وخافوا من لقائه.
فسأل داود -وهو الفتى الصغير- عما يصير لقاتل هذا الرجل الجبار شديد
البأس، فأُجيب بأن الملك طالوت يغنيه ويزوِّجه ابنته، ويجعل بيت
أبيه حراً في إسرائيل.
فذهب داود إلى الملك طالوت وطلب منه الإِذن بمبارزة جالوت، فضنَّ
به طالوت وحذره.
فقال له داود: إني قتلت أسداً أخذ شاة من غنم أبي، وكان معه دبّ
فقتلته أيضاً، فألبسه طالوت لامَة الحرب وعدة القتال، فلم يستطع
داود أن يسير بها لعدم خبرته السابقة بذلك، فخلعها وتقدم بعصاه ومقلاعه
وخمسة أحجار صلبة انتخبها من الوادي.
وأقبل داود على جالوت وجرت بينهما مكالمةٌ عن بعد، وأظهر جالوت احتقار
الفتى وازدراءه، والعفة عن مبارزته لصغر سنِّه، لكن داود أخذ مقلاعه
- وكان ماهراً به - وزوَّده بحجرٍ من أحجاره، ورمى به فثبت الحجر
في جبهة جالوت الجبار فطرحه أرضاً، ثم أقبل إليه وأخذ سيفه وفصل
به رأسه، وتمت الهزيمة لجنود جالوت بإذن الله!
قال الله تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ
جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ
مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)
[البقرة: 251].
ووفَّى طالوت لداود بالوعد، فزوجه ابنته (ميكال) وأغناه.
6- ومنذ ذلك التاريخ لمع اسم (داود) في جماهير بني إسرائيل، ثم توالت
الانتصارات لبني إسرائيل على يد داود، وخاف طالوت على ملكه منه فلاحقه
ولاحق أنصاره وعَزَمَ على التخلص منه بالقتل، إلاَّ أن الله سلَّم
داود منه، ولم يكن من داود لطالوت إلاَّ الوفاء والطاعة وحسن العهد،
وقد تهيأت له الفرصة عدة مرات أن يقتله فلم يفعل ولو شاء لانتزع
منه الملك.
7- ولما لم يجد داود سبيلاً لإِصلاح نفس طالوت عليه، اعتزل عنه بعد
عدة محاولات وفاء قام بها نحوه، فلم يخفف ذلك من حسده وقلقه وآلامه.
ومن ثَمّ بدأت الهزائم تلاحق طالوت في حروبه مع أعداء بني إسرائيل،
حتى قُتل هو وثلاثة من بنيه، وهُزم رجاله. قالوا: وقد ندم طالوت
على ما كان منه وتاب.
وكان نبيهم صمويل قد تغير على طالوت وهجره لما بدر منه نحو داود،
وقد أُخبر داود أن المُلكَ صائر إليه بعد موت طالوت.
ثانياً- داود في الملك:
8- علم داود بمقتل طالوت، فصعد إلى حبرون (مدينة الخليل)، فجاء رؤساء
سبط يهوذا وبايعوه بالملك.
أما بقية أسباط بني إسرائيل فقد دانوا بالطاعة لولد من أولاد طالوت
اسمه: (إيشبوشت) .
ثم قامت حروب بين جنود داود وجنود إيشبوشت، انتهت بمقتل ابن طالوت
بعد سنتين أو ثلاث، واستتب لداود الملك العام على بني إسرائيل، وكان
عمره (30) سنة.
9- اتسعت مملكة بني إسرائيل على يد داود عليه السلام، وآتاه الله
مع الملك النبوة، وجعله رسولاً إلى بني إسرائيل يحكم بالتوراة، كما
أنزل عليه (الزبور) - أحد الكتب السماوية الأربعة الكبار - وآتاه
الله الحكمة وفصل الخطاب.
10- قالوا: وقد دام ملكه (40) سنة ثم توفي عليه السلام، ودفن في
بيت لحم بعد أن أوصى بالملك لابنه سليمان، فيكون عمره على هذا حين
قبض عليه السلام (70) سنة. والله أعلم.
)ب) وقد تعرض القرآن الكريم في عدة سور لحياة داود عليه السلام،
بشكل تناول أهم النقاط البارزة في حياته، مما يتصل ببدء ظهور اسمه
في بني إسرائيل، وملكه ونبوته، وبعض صفاته ونعم الله عليه، وأبرز
ما جاء فيه النقاط التالية:
1- إثبات نبوته ورسالته، وأن الله أوحى إليه وأنزل عليه الزبور،
وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، وعلمه مما يشاء، وأمره أن يحكم بين الناس
بالحق.
2- إثبات أنه قتل جالوت في المعركة التي قامت بين بني إسرائيل وعدوهم
بقيادة طالوت.
3- إثبات أن الله أنعم عليه بنعم كثيرة منها:
)أ) أن الله آتاه الملك وشدّه له، وجعله خليفة في الأرض، وأعطاه
قوةً في حكمه.
(ب) أن الله سخر الجبال والطير يسبحن معه في العشي والإِبكار.
فقد آتاه الله صوتاً حسناً، وقدرة على الإِنشاد البديع، فهو يصدح
بصوته بتسبيح الله وتحميده، ويتغنى فيه بكلام الله في الزبور في
العشي والإِبكار، فترجّع الجبال معه التسبيح والتحميد، وتجتمع عليه
الطير فترجع معه تسبيحاً وترنماً وغناءً.
)جـ) أن الله آتاه علم منطق الطير، كما آتى ولده سليمان من بعده
مثل ذلك.
)د) أن الله ألان له الحديد، فهو يتصرف بَطيّه وتقطيعه ونسجه، كما
يتصرف أحدنا بالأشياء اللينة بطبعها.
)هـ) أن الله علَّمه صناعة دروع الحرب المنسوجة
من زرد الحديد.
قالوا: وكانت هذه الصناعة غير معروفة قبل داود عليه السلام.
4- عرض قصة استفتاء فقهي وُجِّه إليه، فأفتى فيه بوجه، وكان ابنه
سليمان فتىً صغيراً حاضراً مجلس الاستفتاء فأفتى بوجه آخر، وكان
ما أفتى به سليمان أضمن للحق وأقرب للصواب.
وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ
وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ
يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 78-79].
نفشت: أي رعت ليلاً بلا راعٍ.
قال المفسرون: إن زرعاً دخلت فيه ليلاً غنم لغير أهله، فأكلته وأفسدته،
فجاء المتحاكمون إلى داود - وعنده سليمان -، فحكم داود بالغنم لصاحب
الحرث عوضاً عن حرثه الذي أتلفته الغَنم ليلاً. فقال سليمان - وهو
ابن إحدى عشرة سنة -: غير هذا أرفق، فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث
لينتفعوا بألبانها وأولادها وأشعارها، وبدفع الحرث إلى أهل الغنم
ليقوموا بإصلاحه حتى يعود إلى ما كان، ثم يترادّان.
5- عرض قصة الخصمين اللذين تسوّرا على داود، ودخلا عليه المحراب
في وقت عبادته الخاصة التي يخلو بها ولا يسمح لأحد أن يدخل عليه
فيها، ففزع داود منهما، لأنهما لم يستأذنا بالدخول عليه، ولم يدخلا
محرابه من بابه، فقالا له:
(لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا
بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ) [ص: 22] أي: لا تَجُرْ في الحكم - (وَاهْدِنَا
إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ).
فأصغى لهما داود، فقال أحد الخصمين:
(إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ
وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) - أي: ملكنيها- (وَعَزَّنِي فِي
الْخِطَابِ) [ص: 23] أي: غلبني في المخاصمة بنفوذٍ أو بقوة.
وسكت الآخر سكوت إقرار.
فقال داود: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ
مَا هُمْ) [ص: 24].
وانصرف المتسوران دون أن يعلِّقا بشيء على ما أفتى به داود.
فرجع داود إلى نفسه، فعرف أن الله أرسل إليه هؤلاء القوم بهذا الاستفتاء
ابتلاء، وذلك لينبهه على أمر ما كان يليق به أن يصدر منه بحسب مقامه،
فوبخ نفسه: (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)
تائباً من ذنبه، خائفاً من ربه.
وتطبيقاً لمبدأ عصمة الرسل عليهم السلام، فإن ما فُتِنَ به داود
ونبِّه عليه عن طريق الخصمين المستفتيين ينبغي أن لا يكون معصية
ثابتة، وإنما هو من المباحات العامة التي لا تليق بمقام الرسل المصطفين
عليهم السلام.
هذا إذا كانت الحادثة بعد النبوة، أما إذا كانت قبل النبوة فينبغي
أن لا تكون من الكبائر، إذ الكبائر لا تليق بآحاد المؤمنين، فضلاً
عن الذين يهيؤون للرسالة. والله أعلم.
وذكر فريق من المفسرين أنّ فتنة داود عليه السلام كانت لأنه حكم
بمجرّد سماع الدعوى، دون أن يسأل البيِّنة، أو يسمع كلام المدَّعى
عليه، ولذلك قال الله له بعد ذلك كما جاء: (يَا دَاوُودُ إِنَّا
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ
الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) .
المراجع:
- قصص الأنبياء
- الموسوعة الإسلامية المعاصرة
عبدالرحمن السعدي
أعلى
تزكية النفس بالصلاة والزكاة
الصلاة هي الوسيلة العظمى في تزكية النفس،
وهي في الوقت نفسه علم وميزان على تزكية النفس، فهي وسيلة وغاية
بآن واحد، فهي تعميق لمعاني العبودية والتوحيد والشكر، وهي ذكر وقيام
وركوع وسجود وقعود، فهي إقامة للعبادة في الهيئات الرئيسية لوضع
الجسد، وإقامتها قطع لدابر الكبر والتمرد على الله واعتراف لله بالربوبية
والتدبير فإقامتها على كمالها وتمامها قطع لدابر العجب والغرور بل
قطع لدابر المنكر كلّه والفحشاء كلّها: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى
عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) [العنكبوت: 45].
وإنما تكون الصلاة كذلك إذا أقيمت بأركانها وسننها وتحقق صاحبها
بأدب الظاهر والباطن، ومن آداب الظاهر أداؤها كاملة بالجوارح، ومن
آداب الباطن الخشوع فيها، والخشوع هو الذي يجعل للصلاة الدور الأكبر
في التطهير، والدور الأكبر في التحقق والتخلّق، وتزكية النفس تدور
حول هذا، وإذ كانت أفعال الصلاة الظاهرة لا تغيب عن مسلم يعيش في
البيئة الإِسلامية، فسنقتصر هنا على ذكر آداب الباطن وهو الذي يسّمى
بعلم الخشوع.
إذ كان الخشوع هو أولى علامات المفلحين: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 1 -2].
وإذ كان أهل الخشوع هم أهل البشارة من الله:
(وبشر الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ
الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون)[الحج: 34-35].
* * *
إن الخشوع هو المظهر الأرقى لصحة القلب فإذا أخرج الخشوع من القلب
فقد خرب هذا القلب، فما ذهب الخشوع إلا وقد غُلِبَ القلب بأمراض
خطيرة وأحوال شريرة كحب الدنيا والتنافس عليها، ومتى غلب القلب بالأمراض
فَقَدَ التطلع إلى الآخرة، ومتى وصل إلى ذلك فلا صلاح للمسلمين،
فحب الدنيا يعقبه التنافس عليها، والتنافس عليها لا يقوم به أمر
دنيا ودين.
* * *
إن فقدان الخشوع علامة على فقدان القلب حياته وحيويته فالموعظة فيه
لا تؤثر، والأهواء فيه غلاّبة، تصوّرْ بعد ذلك كيف يكون الحال؟ عندما
تتغلب الأهواء ولا ينفع وعظ ولا تذكير فعندئذ تتغلب الشهوات ويقوم
سوق التنافس على الجاه والغلبة والسيطرة والمال والشهوات، وهذه إذا
سيطرت لا يصلح معها دنيا أو دين.
بيان الدواء النافع في حضور القلب
اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظماً لله عز وجل وخائفاً منه وراجياً
له ومستحيياً من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال، وإن كانت قوتها
قوّة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرّق الفكر وتقسيم
الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة. ولا يلهي عن
الصلاة إلا الخواطرُ الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو
دفع تلك الخواطر ولا يُدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه، وسبب
موارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً أو أمراً في ذاته باطناً.
الزكاة والإِنفاق
تشكّل الزكاة والإنفاق في سبيل الله الوسيلة الثانية في الأهمية
في باب تزكية النفس، لأن النفس مجبولة على الشح، وهو رذيلة يجب تطهير
النفس منها، قال تعالى: (وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحّ) [النساء:
128] والإِنفاق في سبيل الله هو الذي يطهّر النفس من الشح فتزكو
بذلك النفس، قال تعالى: (وسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي
مَالَهُ يَتَزَكَّى) [الليل: 17 - 18].
وإنما تؤدي الزكات والإنفاق دوراً في تزكية النفس إذا لوحظ فيها
أدب الظاهر والباطن، وها نحن أولاء نقتصر على ذكر ذلك من كلام الغزالي
في الآداب الباطنة أما الآداب الظاهرة فتنظر في قسم الفقه.
أداء الزكاة وشروطها الباطنة والظاهرة
اعلم أنه ينبغي لمؤدي الزكاة أن يراعي أربع أمور: (الأول) النية:
وهو أن ينوي بقلبه زكاة الفرض ويسنّ له تعيين الأموال. فإن كان له
مال غائب فقال هذا عن مالي الغائب إن كان سالما وإلا فهو نافلة جاز.
وإذا وكل بأداء الزكاة ونوى عند التوكيل أو وكل الوكيل بالنية كفاه
لأنّ توكيله بالنية نية. (الثاني) المبادرة عقيب الحول وفي زكاة
الفطر لا يؤخرها عن يوم الفطر. ويدخل وقت وجوبها بغروب الشمس من
آخر يوم من شهر رمضان. ووقت تعجيلها شهر رمضان كله. وَمَنْ أَخَّر
زكاة ماله مع التمكن عصى. (الثالث) أن لا يخرج بدلاً باعتبار القيمة
بل يخرج المنصوص عليه. (الرابع) أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر فإن
أعين المساكين في كل بلدة تمتد إلى أموالها، وفي النقل تخييب للظنون.
فإن فعل ذلك أجزأه في قول ولكن الخروج عن شبهة الخلاف أولى فليخرج
زكاة كل مال في تلك البلدة. ثم لا بأس أن يصرف إلى الغرباء في تلك
البلدة. (الخامس) أن يقسم ماله بعدد الأصناف الموجودين في بلده.
وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ
وَالْمَسَاكِينِ (التوبة: 60) الآية وقد عد من الثمانية أربعة أصناف
في أكثر البلاد: وهم المؤلفة قلوبهم والغزاة والمكاتبون والعاملون
على الزكاة. ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف: الفقراء والمساكين
والغارمون والمسافرون - أعني أبناء السبيل.
بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة
اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف: الوظيفة الأولى: فهم
وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها وسبب جعلها من مباني الإسلام
مع أنها تصرفٌ مالي وليست من عبادة الأبدان وفيه ثلاثة معان: الأول:
أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود
وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فإن
المحبة لا تقبل الشركة، والتوحيد باللسان قليل الجدوى وإنما يُمتحن
درجة المحب بمفارقة المحبوب، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها
آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون من الموت
مع أن فيه لقاء المحبوب، فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا
عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم. ولذلك قال الله تعالى (إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقاً
إلى لقاء الله عز وجل والمسامحة بالمال أهون. ولما فهم هذا المعنى
في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام. قسم صدّقوا التوحيد
ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدّخروا ديناراً ولا درهماً
فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم: كم يجب من
الزكاة في مائتي درهم؟ فقال: خمسة دراهم، وأما نحن فيجب علينا بذل
الجميع.
الموسوعة الإسلامية المعاصرة
عبدالله الحارثي
أعلى
من أوجه الإعجاز العلمي
اختلاط الماء بالأرض الهامدة
خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض وما
بينهما بالحق ، وتميزت الأرض باحتوائها نظماً بيئية متعددة .
ومفهوم النظام البيئي هو مساحة الأرض التي تحوي مكونات حية ومكونات
غير حية.
وتتفاعل هذه المكونات مع بعضها ، وتنتقل العناصر الكيميائية من المكونات
غير الحية إلى الكائنات الحية وبالعكس . وتتكون الكائنات الحية من
عنصرين أساسيين هما :
الماء : كما في قوله تعالى : ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون
) الأنبياء : 30 .
والتراب : كما ذكر عز وجل : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث
فإنا خلقناكم من تراب ) الحج : 5 .
وحبيبات التربة هي مكون غير حي يحفظ الماء ، ويحمل كثيراً من العناصر
الغذائية اللازمة للمكونات الحية .
وإن اختلاط الماء بالتربة ــ وخاصة غرويات الطين ــ يعطي مظهراً
لبداية نشاط الكائنات الحية بها على مختلف صورها ، مثلما يحدث لحبيبات
التربة ذاتها .
ويمكن إدراك ذلك من قول الله عز وجل : ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا
عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) الحج : 5 . وقوله
تعالى : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء
اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ) فصلت
: 39 .
ومما تقدم يمكن القول بأن سقوط أو إنزال الماء على الأرض أو التربة
يتسبب عنه حدوث آثار أو آيات ثلاث ، أكد حدوثها الكثير من علماء
الأرض والحياة بمساعدة الأجهزة العلمية دون أدنى شك ، وهي كما ذكرت
في الآيات الكريمة السابقة .
اهتزت وربت :
أولا / اهتزاز الأرض أو التربة : هو حدوث حركة اهتزازية منفصلة للحبيبات
المكونة للتربة.
وليس بالطبع تحرك طبقات القشرة الأرضية كتلة واحدة كما يتم أثناء
زلزلة الأرض .
ولتفهم حدوث اهتزازات هذه الحبيبات ينبغي الإلمام بشيء عن طبيعتها
وصفاتها .
وطبقاً لما يعرف عن تقسيم قوائم التربة ( Soil Texture ) فإن حبيبة
الطين يقل قطرها عن ( 00.002) من المليمتر .
وتتكون الحبيبة من طبقات متراصة ( من صفائح السليكا والألومينا )
كل طبقة فوق الأخرى شكل (1) .
وتحمل الحبيبة على سطحها شحنات كهربائية سالبة أو موجبة على حسب
نوع الطين ( تنشأ من الزيادة أو النقصان في الشحنات الكهربائية للوحدات
الداخلة في تركيب معدن الطين ) . شكل رقم (2) Baverel al 1972 ).
والطين من الغرويات المعدنية التي تتمتع بكثير من صفات الدقائق الغروية
.
ومن ثم فعند نزول الماء على الأرض بكميات مناسبة يؤدي إلى اهتزاز
حبيباتها ، ويمكن تفسير ذلك بما يلي :
أ) ظهور الشحنة الكهربائية على سطوح الحبيبات يسبب عدم استقرار لها
، وحدوث حركات اهتزازية لا يمكن سكونها وثباتها إلا بعد تعادل هذه
الشحنات بأخرى مخالفة لها في الشحنة ( ناتجة عن تأين الأملاح بالتربة
) حيث يتم تلاقحها على سطح الحبيبة فتستقر وتسكن ، وجعل المخلوقات
في أزواج رحمة من الله تعالى لها للاستقرار والسكون .
ب) ب ــ حدوث حركات واهتزازات لجزيئات التربة ( الغروية ) نتيجة
دفع الدقائق الطينية بجزيئات الوسط السائلي ( الماء ) .
ولما كانت حركة جزيئات السائل ليس لها اتجاه فإن الدقيقة الغروية
( حبيبة الطين ) تهتز وتتحرك من مكانها نتيجة لما تتعرض له من ضربات
غير متساوية على جوانبها المختلفة .
وقد لاحظ العالم روبرت براون ( عام 1243هـ ــ 1828م ) هذه الحركة
للدقائق الغروية ، وأطلق عليها اسم الحركة البراونية ( Brawnion
) حسب مذكرات د . حسين حمدي 1969م لمادة الغرويات .
والوسط السائلي ( الماء ) يكون هو الغالب على الجزء الصلب ، وكلما
كان الوسط السائلي متوفراً بكميات مناسبة أدى ذلك إلى تباعد حبيبات
التربة عن بعضها وسهولة حركتها ما لم يحدث لها تخثر أو تجميع ، فإذا
نقص تقاربت الحبيبات وأبطأت حركتها واهتزازها حتى تتوقف .
وإذا تعادلت الشحنة الكهربائية التي تحملها استقرت وفقدت حركتها
واهتزازها .
ولذلك فإن كلمة ( اهتزت ) الواردة في الآية الكريمة هي تأثير مباشر
للماء على حبيبات التربة .
وإن اهتزاز حبيبة التربة بتأثير دفع الهواء هو تأثير غير مباشر للماء
أيضاً ، فالماء يحل محل الهواء .
وينطلق الهواء من ثقوب محددة إلى الهواء الجوي على هيئة فقاقيع متقطعة
، وقد يدفع حبيبات التربة جانباً في اتجاه معين .
لذا فاهتزاز حبيبة التربة ما هو إلا تأثير مباشر لضربات غير متساوية
من جزيئات الماء على جوانب الحبيبة ، وهي مستمرة متى ما وجد الماء
في التربة .
وهناك تفسيرات تشير إلى أن حبيبات التربة تهتز وتنتفخ وتظهر أعضاء
الجنين فوق سطح التربة ، ويحدث ذلك نتيجة عملية بزوغ وخروج الريشة
أو استطالة السويقة ( تحت الفلقية ) تدفع حبيبات التربة إلى أعلى
مسببة اهتزازاً لحظياً لجزيئات التربة المتماسكة بعد حدوث عملية
الإنبات .
ثانياً / الكلمة الكريمة ( ربت ) .
المراد بها انتفخت ونمت وزادت في السمك . وبالتالي زيادة حجم الأرض
نتيجة زيادة أحجام حبيباتها .
وكما سبق ذكره من قبل فإن حبيبة الطين تتكون من طبقات متراصة ، بين
كل طبقة وأخرى مسافة بينية تتيح لجزيئات الماء وأيونات العناصر الذائبة
فرصة الدخول فيها ( شكل رقم 3 ) .
وتتشرب الحبيبة بالماء ، والأيونات ( صفة غروية ) فيتمدد بذلك معدن
الطين ، ويزيد سمك قطر الحبيبة .
والماء الممسوك على سطح الحبيبات ( الماء الشعري والهيجروسكوبي )
له دور كبير في زيادة سمك التربة كلها بزيادة المسافة بين الحبيبات
.
وهكذا تربو الأرض بتأثير الماء .
ومن الأمثلة العملية في هذا المجال أنه عند وضع وزن معين من الطين
في مخبار مدرج وصب كمية معينة من الماء عليه فإن حجم الطين يزداد
بتشربه للماء ، وينقص بسحب الماء منه بعملية تجفيف التربة ــ ويعتبر
طين المونتومور بلونت من أحسن الأنواع التي لها القدرة على التمدد
والانكماش بتأثير الماء علاوة على امتصاصه العديد من أيونات العناصر
الغذائية بكميات كبيرة .
من هنا يتضح دور وأهمية ذلك بالنسبة للنبات لأن كل حبيبة لها القدرة
على حمل الماء بين طبقاتها ، وحفظ جزيئات الماء على سطحها ( غلاف
يحيط بالحبيبة ) بقوى الجذب الاليكتروستاتيكية والتحام جزيئات الماء
ببعضها عن طريق الروابط الهيدروجينية ( ويقل تأثير هذه القوى كلما
كان جزيء الماء بعيداً عن سطح حبيبة الطين ) . فهي بمثابة وعاء يحفظ
الماء من التسرب إلى اسفل بتأثير الجاذبية الأرضية أو غير ذلك .
وهذا يلفت النظر إلى التفكر في قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء
ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ) المؤمنون
: 18 .
وإن الدراسات العملية والعلمية ، ومراجع علوم الأراضي ، والبيئة
النباتية لتؤكد حدوث الاهتزاز والربو لحبيبات الطين ، وخير دليل
على ذلك هو ذلك التبادل بين الأيونات المتحدة على سطوح الحبيبات
، والأيونات الهيدروجينية ليستفيد النبات من أيونات العناصر الغذائية
لسد احتياجاته في بناء أنسجته .
أما ربو وانتفاخ الحبيبة فهذا دليل على احتفاظها بكمية من الماء
في التربة، وإن لم يستطع النبات الحصول عليها يبدأ في الذبول ، وقد
يؤدي الأمر إلى موته إذا لم ترو الأرض .
ويكفي أن نعرف أن معدل فقدان الماء بالنتح والتبخر من النبات يفوق
كثيراً معدل استخدامه للماء في عملياته الجوية المختلفة.
ثالثاً / ( أنبتت ): أي حدثت عملية إنبات البذور وغيرها مما تحويه
الأرض كما في الآية الثالثة لنزول الماء على الأرض ، وهذا يوحي بخروج
الحي من الميت كما في قوله تعالى : ( والله الذي أرسل الرياح فتثير
سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور
) فاطر : 9 .
فعندما يتوفر الماء تستقي منه البذور والجراثيم والأبواغ ، وجميع
الأعضاء النباتية القابلة للإنبات فينشط جنين البذرة ، وتنتقل المواد
الغذائية البسيطة التركيب إليه بعد تحلل المواد المعقدة مائياً بواسطة
الأنزيمات الخاصة بذلك فتنبت أعضاؤه وتبدأ ببزوغ الجذير ( Radicle
) ( الذي يعطي المجموع الجذري ) أولاً بقدرة الله عز وجل كي يتحسس
وسط الإنبات ، ويوفر احتياجات النبات فيما بعد ، ثم يليه الريشة
( Plumule ) ( التي تعطي المجموع الخضري ) كل ذلك يكتمل والبذرة
لا تزال تحت سطح التربة ( شكل 4) . ومع نمو الجذير وانتحائه إلى
أسفل ، تتجه الريشة ( أو السويقة تحت الفلقية ( Hypocotyl ) إلى
أعلى رافعة فوقها حبيبات التربة المتراكمة مخترقة لطبقاتها ثم تظهر
فوق سطح التربة بانتحائها جهة الضوء . والآية الكريمة تشير إلى إنبات
البذور الخاصة ، وهي أقرب إلى ذهن وعقل اي إنسان كما أنة كلمة (
بهيج ) تدل على البهجة ، وهي ما تراه الأعين من ألوان شتى لأزهار
النباتات البذرية من ذوات الفلقة ( Monocotyledons ) وذوات الفلقتين
. ( Dicotyledons ) ( شكل رقم 5 ) .
ومما يؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى : ( أمن خلق السماوات والأرض
وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن
تنبتوا شجرها أإْله مع الله بل هي قوم يعدلون ) ( النمل : 60 ) .
عندئذ تسر برؤيتها العيون ، وتدهش لها العقول ( سبحان الذي خلق الأزواج
كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) ( يس : 36 ) .
وإن تسلسل حدوث الآثار الثلاثة السابقة :
الاهتزاز والانتفاخ للأرض ثم الإنبات لما تحتويه ، لإشارة إلى الترتيب
الزمني لحدوث كل أثر أو آية . فإذا نزل الماء على الأرض تسبب ذلك
في اهتزاز حبيباتها ، وحدوث الانتفاخ . وزيادة النماء والحجم للحبيبة
ويظهر أثره بعد عدة ساعات لاكتمال هذه العملية ، بينما إنبات البذور
يستغرق زمناً أطول .
وأدنى وقت لحدوثه هو يوم على الأقل من بداية الري مع مراعاة الظروف
البيئية المصاحبة للإنبات .
المصدر : موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن
والسنة
أعلى
من أعلام التابعين
رجاء بن حيوة من أعلام التابعين
أخي المسلم: كان في عهد التابعين ثلاثة رجال
كانوا من اكرم اهل زمانهم وكانوا اتقياء صالحين على الخير والبر
متعاهدين واغتنموا وقتهم في تحصيل العلم وجعلوا انفسهم في خدمة الله
ورسوله صلى الله عليه وسلم وعامة المسلمين وخاصتهم هؤلاء الثلاثة
هم: محمد بن سيرين بالعراق والقاسم بن محمد بن ابي بكر بالحجاز ورجاء
بن حيوة بالشام فتعالوا نعيش هذه اللحظات مع التابعى الجليل الذي
عرف عنه التقوى والزهد والورع انه رجاء بن حيوة ولد رجاء بن حيوة
في ارض فلسطين في اخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ـ رضى الله
عنه ـ وكان ينتمى الى قبيلة كندة العربية وهو يعتبر فلسطيني الوطن
عربى الاصل كندى العشيرة نشأ في طاعة الله ورسوله منذ صغر سنه فأحبه
الله وحببه الى خلقه واقبل على طلب العلم منذ صغره جعل همه الاكبر
التشبع من كتاب الله والتزود من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاستضاء فكره بنور القرآن الكريم واستنارت بصيرته بهدي النبوة وامتلأ
صلاة بالموعظة والحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا واخذ
هذا التابعى عن طائفة كبيرة من افضل الصحابة الكرام عليهم رضوان
الله تعالى امثال ابى سعيد الخدري وابى الدرداء وابى امامة وعبادة
بن الصامت وغيرهم وقد وضع الفتى في اول نشأته دستورا ظل يلتزم به
ويردده طوال حياته فكان يقول: ما أحسن الاسلام يزينه الايمان وما
احسن الايمان يزينه التقى وما احسن التقى يزينه العلم وما أحسن العلم
يزينه العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق وقد صار رجاء بن حيوة وزيرا
لكثير من خلفاء بنى أمية بداية من عبدالملك بن مروان وانتهاء بعمر
بن عبدالعزيز وكانت صلته بسليمان بن عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز
اكثر وأوثق من غيرهم من الخلفاء وقد قربه من خلفاء بني أمية رجاحة
في رأيه وصدق في لهجته وحكمة في معالجة الامور وتوج ذلك كله بزهذه
بما في ايديهم من عرض الدنيا الزائل.
وكان اتصال رجاء بن حيوة التابعى الكريم ببنى أمية من عظيم رحمة
الله بهم فلقد دعاهم الى الخير ودلهم على طرقه وصرفهم عن الشر واراهم
الحق وزين لهم اتباعه وصرفهم عن الباطل ونهاهم عنه فنصح لله ولرسوله
ولائمة المسلمين وعامتهم ولقد وقعت لرجاء قصة اثارت له طريقة في
مخالطة الخلفاء وحددت له مهمته معهم رواها بنفسه وقال: انى لواقف
مع سليمان بن عبدالملك في جموع الناس اذ رأيت رجلا يتجه نحونا وسط
الزحام وكان حسن الصورة جليل الهيئة فما زال يشق الصفوف وانا ما
اشك انه يريد الخليفة حتى وقف الى جانبى ثم حيانى وقال: يا رجاء
بن حيوة انك قد ابتليت بهذا الرجل واشار الى الخليفة وان في القرب
منه الخير الكثير او الشر الكثير فاجعل قربك منه في الخير الكثير
لك وللناس وله واعلم يارجاء انه من كانت له منزلة من السلطان فرفع
اليه حاجة امرئ ضعيف لا يستطيع رفعها لقى الله عز وجل يوم يلقاه
وقد ثبت قدميه للحساب واذكر يا رجاء ان من كان في حاجة اخيه المسلم
كان الله في حاجته واعلم يا رجاء ان من احب الاعمال الى الله تعالى
ادخال الفرح على قلب امرئ مسلم يقول رجاء: وفيما كنت أتأمل كلامه
واترقب ان يزيدني منه نادانى الخليفة قائلا: اين رجاء بن حيوة فملت
اليه وقلت هأنذا يا امير المؤمنين فسألني عن شيء فما كدت افرغ من
جوابه حتى التفت الي صاحبى فلم اجده فبحثت عنه في كل مكان فلم اجده
فكان هذا الموقف بمثابة الناصح المرشد لهذا الرجل المؤمن ولقد عمل
رجاء بن حيوة بهذه النصيحة وكان له مع خلفاء بنى امية مواقف صدق
ما زال يذكرها لنا التاريخ الاسلامي في ازهى صفحاته ومن هذه المواقف
انه كان ذات يوم في مجلس عبدالملك بن مروان الخليفة الاموي فذكر
له رجل يطوى في صدره الحقد لبنى أمية ويناصر عبدالله بن الزبير وذكر
الواشى له من افعاله واقواله ما اثار غضبه فقال عبدالملك بن مروان
والله لئن امكننى الله منه لافعلن ولافعلن ولاضعن السيف في عنقه.
ولم يمض وقت طويل حتى امكنه الله من الرجل وسيق اليه سوقا فلما وقعت
عيناه عليه كاد يتميز من الغيظ وهم بأن ينفذ وعيده به فقام اليه
رجاء بن حيوة وقال: يا أمير المؤمنين ان الله عز وجل قد صنع لك ما
تحبه من القدرة فاصنع لله ما يحبه من العفو فسكنت نفس الخليفة وسكت
عنه غضبه وعفا عن الرجل واحسن اليه.
أخي المسلم: هذا موقف لوزير من وزراء الخليفة عمل بالوصية التى استمع
اليها من الرجل الصالح فكان يشير على الخليفة بالرأى السديد ويدله
على باب العفو والصفح ويأخذ بيده عندما يحتاج اليه فليتنا نتعلم
من هذه المواقف ما ينفعنا ويقربنا الى الله عز وجل وفي نفس الوقت
يؤلف بين قلوبنا فنجد المسلمين جميعا متراحمين يسامح المسلم اخاه
ويعفو عند المقدرة وننصح بعضنا البعض ففي هذه المواقف ما يدعونا
الى التوحد والترابط لما الت الخلافة الى سليمان بن عبدالملك ، كان
لرجاء بن حيوة عنده شأن يفوق شأنه عند سابقيه فقد كان سليمان عظيم
الثقة به شديد الاعتماد عليه حريصا ان يأخذ برأيه في صغير الامور
وكبيرها ومواقف رجاء بن حيوة مع سليمان كثيرة ومثيرة لكن اكبرها
شأنا واعظمها على الاسلام والمسلمين خطرا موقفه من امر ولاية العهد
واثره في البيعة لعمر بن عبد العزيز ، حدث رجاء بن حيوة قال: لما
كان اول يوم جمعة من شهر صفر سنة تسع وتسعين كنا مع أمير المؤمنين
سليمان بن عبدالملك بدايق ودايق هذه بلدة قرب حلب في سوريا كان ينزلها
بنو أمية اذا غزوا بلاد الروم. وكان سليمان قد ارسل جيشا كبيرا الى
القسطينطنية بقيادة اخيه مسلمة بن عبدالملك ومعه ابنه داود وطائفة
كبيرة من أهل بيته وقد اقسم الا يبرح (مرج دايق) حتى يفتح الله عليه
القسطينية او يموت فلما اقترب موعد صلاة الجمعة توضأ الخليفة فأحسن
الوضوء ثم لبس حلة خضراء ونظر في المرآة نظرة معجب بنفسه مزهو بشبابه
وكان في نحو الاربعين من عمره ثم خرج ليصلى بالناس الجمعة فلم يرجع
من المسجد الا وهو موعوك لاصابته بالحمى ثم ازداد عليه المرض يوما
بعد يوم وقد سألنى ان اظل قريبا منه فدخلت عليه ذات مرة فوجدته يكتب
كتابا فقلت ما تصنع يا أمير المؤمنين فقال: اكتب كتابا اعهد به الى
ابنى ايوب بالخلافة فقلت يا أمير المؤمنين ان مما يحفظ الخليفة في
قبره ويبرئ ذمته عند ربه ان يستخلف على الناس الرجل الصالح وان ابنك
ايوب غلام لم يبلغ الحلم بعد ولم يتبين لك صلاحه من فساده فتراجع
وقال انه كتاب كتبته وانا أريد ان استخير الله فيه ولم اعزم عليه
ثم مزق الكتاب ومكث بعد ذلك يوما او يومين ثم دعانى وقال: ما رأيك
في ولدى داود يا ابا المقدام فقلت هو غائب مع جيوش المسلمين وانت
لا تدري الان أهو حي ام ميت ؟ فقال فمن ترى اذن يا رجاء ؟ فقلت الرأى
لك أمير المؤمنين وكنت اريد ان انظر فيمن يذكرهم لكى استبعدهم واحدا
واحدا حتى اصل الى عمر بن عبد العزيز فقال كيف ترى عمر بن عبد العزيز؟
فقلت ما علمته والله الا فاضلا كاملا عاقلا فقال صدقت انه والله
لكذلك ولكننى ان وليته واغفلت اولاد عبدالملك لتكونن فتنة ولا يتركونه
يلى عليهم ابدا ـ فقلت اشرك واحدا منهم واجعله بعده ـ فقال اصبت
فان ذلك مما يسكنهم ويجعلهم يرضونه.
ثم أخذ الكتاب وكتب بيده ـ بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكتاب من عبدالله سليمان بن عبدالملك امير المؤمنين لعمر بن
عبدالعزيز انى وليته الخلافة من بعدى وجعلتها من بعده ليزيد بن عبدالملك
فاسمعوا له واطيعوا ـ واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع الطامعون فيكم
ثم ختم الكتاب وناولنى اياه ـ ثم ارسل الى صاحب الشرطة وقال له ادع
آل بيتى فليجتمعوا ـ واعلمهم ان الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة
هو كتابى ومرهم ان يبايعوا لمن فيه ـ قال ـ رجاء ـ فلما اجتمعوا
قلت لهم هذا كتاب امير المؤمنين قد عهد فيه للخليفة من بعده وقد
امرنى ان اخذ منكم البيعة لمن ولاة فقالوا :
سمعا لأمير المؤمنين وطاعة لخليفته من بعده، وطلبوا ان استاذن لهم
على امير المؤمنين للسلام عليه فقلت نعم، فلما دخلوا عليه قال لهم
ان هذا الكتاب الذي في يد رجاء بن حيوة هو كتابى وفيه عهدى للخليفة
من بعدى فاسمعوا واطيعوا لمن وليت فأخذوا يبايعون رجلا رجلا ـ ثم
خرجت بالكتاب مختوما لا يعلم احد من الخلق ما فيه غيرى وغير امير
المؤمنين. فلما تفرق الناس جاءني عمر بن عبدالعزيز فقال : يا ابا
المقدام ان امير المؤمنين رجل حسن الظن بى وكان يمنحنى من كريم بره
وصافى وداده الشئ الكثير ـ وانا أخشى ان يكون قد اسند الى من هذا
الامر شئ فاستحلفك بالله ـ واسألك بحرمتى ومودتى ان تعلمنى ان كان
في كتاب امير المؤمنين شيئا يخصنى حتى استعفيه من ذلك قبل فوات الفرصة.
فقلت له ـ لا والله ما أنا بمخبرك حرفا واحدا مما سألت عنه فتولى
عنه وهو غضبان ـ المهم في آخر كل هذا ان سليمان لما توفى ارسل رجاء
بن حيوة الى مدير الشرطة فجمع أهل بيت امير المؤمنين جميعا فقلت
ـ بايعوا لمن في كتاب امير المؤمنين ـ فبايعوا رجلا رجلا فلما احكم
الامر ـ قلت لهم ان امير المؤمنين هو عمر بن عبدالعزيز فكانت بيعة
جدد الله فيها للاسلام شبابه ورفع للدين منارة فطوبى لخليفة المسلمين
سليمان فقد ابرأ ذمته أمام الله بتوليته الرجل الصالح ـ وهنيئا لوزير
الصدق رجاء بن حيوة فقد نصح لله ولرسوله ولائمة المسلمين.
وندعو الله تعالى ان يجمع كلمتنا على الدين ونكون اخوة متحابين ولبعضنا
البعض ناصحين ونسأله التوفيق والهداية اللهم آمين.
ابراهيم السيد العربي
أعلى
المحيط والسلوك العنيفان وأثرهما على الطفل
بما أن التعبير عن العنف سلوك متعلم، أي أنه
يمكن أن نتعلمه إما من خلال الملاحظة أو من خلال التقليد، يكون الأطفال
أكثر عرضة للتأثر بالعنف، جراء اتسامه بالحركة السريعة وصناعته البطل،
والأطفال أيضاً أكثر عرضة للتطبع به، إذا وقعوا تحت سطوته، وإما
إذا بقي التأثير والتطبع ملازمين للأطفال، وينتقل معهم إلى المراحل
العمرية اللاحقة فلسوف تصعب السيطرة على الآثار السلبية التي تنتج
عبر هذه الملازمة، والتي قد تتسبب في إيجاد عناصر شاذة، ربما تقاطعت
والمجتمع، وبنحو يجعل الاثنين يرفض كل منهما الآخر، أي الطفل الذي
غيرته الظروف إلى العنف يرفض العالم الذي يعيشه إذا كان مسالماً
هادئاً ويرفضه المجتمع لأنه عنيف شديد. والتليفزيون بالإضافة إلى
السينما وبقية الوسائل التكنولوجية ساهم في بث الإعلام الموجه والمدروس
بعناية إلى الآخرين، بل أدى التليفزيون دوراً أكبر بكثير في تجسيد
مبادئ العنف والإرهاب، وبالذات بعد الانتشار الهائل للفضائيات، وسيطرة
الإعلام الغربي على أغلب هذه القنوات الفضائية مباشرة أو عن طريق
كثرة الإنتاج للأفلام والمسلسلات والبرامج الأخبارية، حتى أنك تندهش
عندما تشاهد خبراً أو صورة لم يكن للغرب الإعلامي يد فيه!!! فالعنف
الذي تبثه الأفلام السينمائية وما يتسرب منها داخل الفضائيات يسهم
إلى حد بعيد في انحراف السلوك لدى المشاهدين من المرضى والمراهقين
والأطفال، ويمكن أن يظهر على شكل استجابات لدى الكثير منهم. ولعل
من المفارقة إن بامكاننا تناول العنف والطفولة من جانبين، الأول
ما يتعلمه الأطفال والصغار من ممارسات في العنف يقوم بها الكبار،
والثاني ما يقع على الأطفال من عنف يرتكبه آخرون بحقهم.وللأسف، إن
أطفالنا عاشوا الحالتين، بعد إن طبقت عليهم عملياً قسراً وكرها،بسبب
الحروب التي عشناها، والبرامج التي رافقتها، ووجدت في الأذهان الصغيرة
مستودعات لها، إضافة إلى حالات الرعب التي عاش دقائقها الأطفال أيام
القصف، ولعبت أدوارا كبيرة في شخصياتهم.. أكثر من هذا، تعرض الأطفال،
بعيد الحرب في العراق إلى تجارب قاسية، لم يفترض بالعوائل أن تعرض
أطفالها لها، ولا يفترض أن تسمح بتكرار الأمر، إذا حدث وان فرضته
إحدى هذه التجارب القاسية نفسها مرة أخرى، ففي فترة ما بعد الحرب
وجراء الذهول الذي ألم بالعوائل العراقية جراء المتغيرات التي أعقبت
سقوط النظام والانفلات الذي سمح بكشف ممارساته، فقد أغفلت هذه العوائل
وهي تعرض عبر أجهزة التسجيل "الفيديو" أفلام التعذيب والقتل
التي كان يقوم بها النظام السابق ضد أعدائه، بأن الأطفال يشاهدون
معها ما تشاهد. ولأن الطفل يرتبط بعلاقة وثيقة مع التليفزيون، ويتأثر
بمن يفوز في النهاية، فقد بدأ أطفال كثيرون يقلدون الممارسات القذرة
التي رأوها، لأنهم لا يعرفون أنها تعني أو لا تعني شيئاً.. فالطفل
لا يعرف من التليفزيون سوى الذي أمامه.وما أمامه ان ثمة من يفوز
دوما، وثمة من يخسر،ولعل من أقسى المفارقات أن الذي كان يخسر في
هذه الأفلام،من يعرض بصورة رثة،بثياب متسخة وشبه ممزقه ولحية طويلة،
في حين إن من يفوز يكون مهندماً ونظيفاً، وأكثر من هذا إن الذي يفوز،
كان التليفزيون يروج له طيلة السنوات السابقة. وهكذا، تحققت خسارة
كبيرة..خسرنا فيها الطفل الذي راح يقلد ما يرى في التليفزيون من
مشاهدات يومية تنعكس سلباً على سنواته التي لا تتجاوز الثماني سنوات
أو العشر في أحسن الأحوال. هنا وقبل أن نتجول في بعض المدارس والمناطق
والبيوت، نذكركم، بأن كثيراً من الأطباء شكوا من مراجعات العديد
من أولياء أمور أولاد صغار راجعوا المستشفيات من أجل أن يعالجوا
أولادهم من بعض الرضوض والكسور، بسبب أفلام العنف، لان أولئك الأولاد
تباروا فيما بينهم بالركل والضرب الحقيقيين لأنهم يفترضون ـ ببساطة
ـ إن ما يحدث في الأفلام حقيقي. كيف تنعكس وقائع العنف على الأطفال؟
طلبت المعلمة من تلاميذ الصف الأول والثاني الابتدائي سرد قصة أو
حكاية قصيرة فقام التلميذ جعفر حاتم بسرد حكاية: (اندلعت الحرب ومات
الناس جميعاً وساح دمهم وضرب الجندي الولد بالقنابل وصعدت الدبابة
على رأسه....الخ). أما زميله زيد الدين علي فاخبرنا بقصة الولد الذي
وضعوا في جيبه المتفجرات وقنبلة يدوية وفجروه معها وأصبح قطعاً صغيرة
من اللحم........ مؤكداً أن هذه القصة من نسج خياله في حين أنها
إحدى الصور التي وضعت في الأقراص المدمجة (CD) التي تعرض حالات التعذيب
للنظام السابق ووقع ذهنه تحت تأثير مشاهدها. وحينما طلبت المعلمة
من التلميذ تغيير القصص والتكلم عن الحيوانات والأزهار والأشجار
بادر التلميذ يوسف سليم قائلاً :ـ "يوجد خروف في الغابة وكان
وديعاً لكنه تحول إلى ذئب وصار وحشاً وأكل أمه وأخوته وأخرج الدم
منهم ثم استدرك بنحو مفاجئ..لكن الدم الذي سال على الأرض تحول إلى
ماء يسقي الوردة ". هنا نجد.. أن الطفل يتنازعه الشر والخير
فعلى الرغم من محاولة الأطفال إسباغ العنف والرعب في قصصهم تظل بذرة
الخير موجودة لديهم، فهم يتمنون أن تنتهي قصصهم نهايات سعيدة لكن
صور العنف التي ترسخت في أذهانهم تغطي عليها. ومن المفارقات التي
حدثت بعد العمليات العسكرية أن وكالات الأنباء العالمية تناقلت صوراً
لما يرسمه الأطفال العراقيون على الجدران والأرصفة من لوحات لا تخلو
من مشاهد القتل والدمار والعدوانية، ومن هنا طلبنا إلى بعض التلاميذ
أن يرسموا لنا ما يحلو لهم من رسوم فرسموا ما توقعناه أسلحة، وقتلى،
وهاربون من أسلحة مصوبة باتجاههم. ومن خلاصة عدة زيارات ومشاهدات
وجدنا أن أكثر من 90% من التلاميذ يميلون إلى القصص والإحداث العنيفة
والعدائية متأثرين بما كان يعرض على شاشات التليفزيون وأحداث الحرب
الأخيرة. وفي استطلاع لآراء المتخصصين والتربويين، ومتابعاتهم لشؤون
الأطفال، خرجنا بحصيلة تضعها أمامكم الباحثة التربوية والمعلمة أحلام
عطا الله تقول: أغلبية التلاميذ في المدرسة يمارسون اللعب القتالي
والضرب واستعمال عيدان الخشب كسيوف والأحجار والطابوق كمتفجرات في
أثناء مدة الاستراحة بين الدروس وحسب نظريات التربية والتعليم الاجتماعي
أن الإنسان يتصرف طبقاً لما تعلمه عند احتكاكه وتفاعله مع الآخرين
لذلك فإن الطفل يقلد بعض أفعال وأقوال الكبار من دون وعي منه. ولعل
ما يزيد اتجاه الأطفال إلى العنف ـ كما تقول حنان الهيتي، تربوية:
الألعاب التي تمثل الأسلحة الفتاكة بأنواعها وأشكالها وأحجامها المختلفة
من سكاكين وسيوف ودبابات وقنابل يدوية، فضلاً عن الرسوم المتحركة
التي في صور وملصقات، تباع في الدكاكين والمحال على الرغم من أن
بعض الصور والرسوم والملصقات تجسد شخصيات من محترفي الإجرام والقتلة
من أبطال تلك الأفلام وهم يحملون الأسلحة وقد سالت الدماء من أجسادهم
وهو ما لا يليق وبراءة الأطفال وفطنتهم السلمية.. ما يجب أن نقف
عنده، إن مجرد مفردة سليمة، تعني انها على استعداد لان تستوعب أي
شيء، خاصة إذا كان غريباً ومقنعاً، والمعروف أن أفلام الرسوم المتحركة
تتميز بالدقة في الصنعة.. ومن هنا يتأثر الأطفال حتى بالشخصيات الشاذة
فيسعون إلى شراء من يطفئ رغباتهم من لعب الأسلحة وأكد عدد من أولياء
الأمور أنهم في حال شراء لعب الأسلحة لأطفالهم فإنهم يجدون لديهم
الرغبة العارمة في ضرب إخوتهم أو احد أصدقائهم، بتلك اللعب. والسيد
علي عطا يؤشر أمراً جديداً هو أن أسعار مثل هذه الألعاب عادة ما
تكون رخيصة ومتوفرة بالأسواق وبكميات كبيرة ويستطيع بعض الأطفال
شراءها بمصروفهم اليومي ومن هنا يلجأ إليها الأطفال لأن الألعاب
الأخرى مثل الالكترونيات تكون غالية أو مرتفعة الثمن ومن هنا يبرز
دور العائلة في معالجة حالات العنف المتولدة عند الأطفال من خلال
ما توفر من ألعاب، وإدراكها ما يمكن أن يشاهده الأطفال. د.الحارث
عبد الحميد استشاري مركز البحوث النفسية والتربوية في بغداد قال
بشأن هذه الإشكالية: ـ أخطر ما يمكن إن يحدث ويمس براءة أطفالنا
العدوان ومع الأسف الشديد توفرت البيئة الأساسية لذلك وصار الطفل
لا يميز بين التسامح والعدوان وليست الأحداث الأخيرة وحدها المسؤولة
عن هذا الوضع المؤسف وإنما الطرق والمناهج والأسس التربوية القمعية
المتبعة في المدرسة والبيت لها بالغ التأثير والتخويف ليس على مستوى
الأطفال حصراً، وإنما على مستوى شرائح المجتمع العراقي عموماً فحالة
الاعتداء وعدم السيطرة على مستوى الأمن والجرائم كلها تسبب القمع
الذي كان سائداً في ظل النظام السابق ويجب أن تستفيد المؤسسات التربوية
والعائلة من التجربة التي مرت وتعطي الحرية للتلاميذ في المؤسسات
التعليمية والعائلة في اختيار ما يريدون وعدم الضغط عليهم ولأجل
أن نواصل لأبنائنا طفولة مبنية على المحبة والتسامح والهدوء علينا
أن نعيد الأساسيات التربوية لتبنى على الحرية والديمقراطية. وزير
الثقافة مفيد الجزائري كان له رأي في هذه الإشكالية ودور الجهات
الرسمية فيها لخصه بقوله: إننا ندرك تماما ما حدث لأطفالنا بسبب
السياسات القديمة المتبعة بالتحريض على العنف وبرامج تأهيل الأطفال
لحمل السلاح وما يعرف بالفتوة والأشبال وما إلى ذلك والتي طبعت أذهان
الأطفال ونفسياتهم ولهذا اعددنا مشروعا كبيرا ستقوم به دار ثقافة
الأطفال في الوزارة بعد مدة قصيرة من الآن يعنى برعاية الطفولة وتثقيفها
بعيدا عن شوائب العنف وإصدار مجلات ونشرات وإنشاء مسارح للأطفال
وبرامج للترفيه كما إن هناك خطة عمل للتنسيق ما بين دائرة ثقافة
الأطفال ووزارة التربية لوضع مناهج سليمة للطفولة وتوفير كل ما يساعد
الأطفال للخروج من هذه الأزمة. وإذن نوجه هنا دعوة لمجتمعنا المسالم
الجديد بان لا يسمح بتطوير حالة الرغبة بالعنف والعدوان عند الأطفال
وان يرفضوا جميع الأشكال والألعاب التي ليس لها وجود في قاموس الطفل
أبدا أو النيل من إنسانية وبراءة الطفولة ولنزرع روح المحبة والخير
في نفوسهم بدلا من الشرور ودعوة أخرى نوجهها إلى القائمين على برامج
التليفزيون الذي لا يعرض سوى أفلام الرسوم المتحركة التي تتناول
قصصها الحروب والقتل إلى إخراج الطفل العراقي من كابوس الحرب بتناول
أفلام أخرى لها دلالات إنسانية واجتماعية نبيلة. والعنف يشمل مختلف
جوانب الحياة، ابتداءً من علاقة المرء بذاته وبأفراد أسرته، ومحيطه
الاجتماعي، وكذا علاقته بالدولة والنظام الحاكم فيها، وانتهاءً بعلاقته
بالآخر، أياً يكن هذا الآخر. ومن الذين ركزوا على نشر ثقافة اللاعنف
هو الإمام الشيرازي قدس سره، لوعيه بأن الثقافة هي التي ترسم للأجيال
مسيرتها، وهي التي تحدد طريقة تعامل الأمة مع الأحداث والوقائع،
وهي التي تعين مستقبل الأمة. إذن ينبغي أن نؤمن بثقافة التسامح واللاعنف
كقيمة داخل ذواتنا، وأن نسعى جميعاً لتطبيقها على أرض الواقع، لا
أن نحملها كشعار أجوف فوق صدورنا.
مكتبة الندوة العامة ـ بهلا
أعلى
حسن قدراتك الذهنية وتغلب على الاحباط
في كثير من الأحيان قد ينسى المرء موعدا مهما،
أو يمكن أن يقابل شخصا ما دون أن يتذكر اسمه أو أين قابله ذات مرة،
ومثل هذه المواقف كثيرا ما تحدث وتسبب الإحراج للإنسان، وهي ليست
مؤشرا مرضيا ولكنها حالة عابرة قد تحدث لأي واحد منا لأسباب عديدة،
فالمشاغل كثيرة والوقت يلاحقنا ونحن نتربص في مكاننا.
للخروج من مثل هذه المآزق ينصح خبراء الصحة العامة والنفسية باتباع
الإرشادات التالية:
ـ نشط ذهنك: لتنشيط الذهن ينصح بالقراءة ومطالعة الصحف والكتب والعمل
على استذكار ما استخلصه المرء من القراءة، وينصح بالتقليل من المدة
التي يمضيها الإنسان بحالة سلبية جالسا أمام التليفزيون إذ يمكن
الاستعاضة عن ذلك بالمطالعة أو ممارسة الهوايات المختلفة والعمل
على جهاز الحاسب الآلي وتنسيق الزهور وغير ذلك من الهوايات المحببة
للإنسان.
ـ تناول الغذاء المتنوع: ينصح بتناول الغذاء الصحي المتنوع الذي
يمد الجسم باحتياجاته المختلفة، وبشكل أساسي مضادات الأكسدة كفيتامينات
إي. آ. سي إضافة إلى الزنك والسيلنيوم التي تقي الخلايا من الأذيات
التي تصيبها من جراء نشاط الجزيئات الحرة، وبذلك يمكن لهذه العناصر
أن تحافظ على صحة وحيوية الجسم.
تمتع بنوم صحي: يعتبر النوم بمثابة المصفاة التي تنقي الجسم والنفس
من الشوائب والهموم، ولهذا ينبغي أن يحرص المرء على النوم لساعات
كافية ليلا. من أجل أن يستعيد الجسم توازنه المفقود، فاللعب وقلة
النوم والتوتر وغير ذلك من العوامل التي تؤثر على القدرات الذهنية
ووظائف الدماغ.
ـ استرح قليلا: ينصح بالاسترخاء قليلا كلما سنحت الفرصة بذلك من
أجل المحافظة على الصحة والحيوية.
ـ تجنب التوتر: يعتبر التوتر من أهم وألد أعداء الجسم، لهذا ينصح
بالابتعاء عن كافة مصادر التوتر والانفعالات والعمل على المحافظة
على الهدوء وضبط النفس من أجل صحة أفضل.
ـ استخدم الورقة والقلم: مما لا شك فيه أن التنظيم أساس النجاح،
وأن الإنسان لكي يكون ناجحا في مختلف نواحي حياته ينبغي أن يعمل
على التخطيط والتنظيم واستخدام المفكرة الورقية أو الإلكترونية لتدوين
برنامج عمله والأنشطة التي يقوم بها وما يتطلبه يوميا.
وأخيرا لابد من التذكير بأن مفتاح الصحة والنجاح بيد الإنسان، وإذا
ما التزم المرء بقواعد الصحة العامة يمكنه أن يحافظ على صحته بعيدا
عن المرض والاضطرابات، وأن يتمتع بالحيوية والقدرات الذهنية المميزة
التي ترتبط بحيوية الشباب التي لا تنضب لو تم الالتزام بما سبق من
إرشادات وبالإضافة إلى ما سبق ينصح أيضا بممارسة التمارين الرياضية
بشكل منتظم من أجل تنشيط الدورة الدموية في كامل الجسم بما في ذلك
في الدماغ الذي يعتبر من الأعضاء الحيوية في الجسم التي ينبغي المحافظة
على سلامتها دوما.
تغلب على الاحباط
إذا أصابك التوتر ووصل بك إلى حد الاستسلام والشعور بالعجز والرغبة
في الانطواء فمعنى ذلك أن الإحباط قد تملكك.
وعليك عدم الاستسلام لهذا الإحباط الذي يعد من أخطر المشاكل التي
يتعرض لها الإنسان بصورة مستمرة في حياته اليومية.
فالإحباط يؤثر تأثيرا سلبيا على سلوكياتنا فهو يعوق تقدمنا في مسيرة
الحياة ويجعل الشاب يبدو كهلا مكبلا بالهموم عاجزا عن الإنجاز,
وهي حالة شعورية تطرأ على الشخص حين يتعرض لضغوط اجتماعية أو نفسية
لا يستطيع مواجهتها؛ فتؤدي إلى التوتر ثم الاستسلام والشعور بالعجز،
فحين يتعرض الإنسان ـ على سبيل المثال ـ إلى مناوشات بالطريق ثم
اختلافات في العمل ثم مشاحنات أسرية.. كل ذلك يدفع به إلى الانطواء
والشعور بالإحباط، وللتغلب على هذا الشعور الذي قد يؤدي إلى الاكتئاب
ننصح بالآتي:
1 ـ اتباع طريقة التنفيس أو التهدئة الذاتية بأخذ شهيق عميق وزفير
بطيء.
2 ـ تفريغ المشاكل بالفضفضة مع صديق أو إنسان مقرب.
3 ـ البكاء إذا أحس الإنسان بالرغبة في ذلك دون مكابرة.
4 ـ الخروج إلى الأماكن العامة المفتوحة.
5 ـ تدريب النفس على استيعاب المشاكل اليومية، باسترجاع التجارب
المشابهة التي مرت به وتغلب عليها فيثق في قدرته على تخطي الأزمة.
6 ـ تبسيط الضغوط النفسية، والثقة بأن أي مشكلة لها حل حتى وإن
كان في وقت لاحق.
7 ـ ممارسة الهوايات؛ لأنها تنقل الشخص إلى حالة مزاجية أكثر
سعادة.
8 ـ أن يترك الإنسان التفكير في مشاكله ويحاول إسعاد الآخرين,
فيجد سعادته الغائبة وليس الإحباط.
9 ـ تذكر أن دوام الحال من المحال والثقة بأن الوقت كفيل بإنهاء
هذه الحالة.
10 ـ الاهتمام بالغذاء، والحرص على تناول البروتينات الحيوانية
والنباتية وعسل النحل والقرفة، لأن ما تحتويه هذه الأغذية من أحماض
أمينية يعتبر مضادات طبيعية للإحباط.
أحمد السعدي
المراجع:
ـ البلاغ ( المهارات الحياتية)
ـ موقع البوابة
أعلى
تخلص من عيوب النفس
تزكية النفس تتألف من شقين: تخلية وتحلية،
أو نقول: هي: تخلُّقٌ وتحقُّقٌ وتطهيرٌ، وعلى هذا فمعرفة زكاة النفس
وسيلة من وسائل تزكيتها لأنه بلا معرفة لا تتم التزكية، فالعلم يسبق
العمل عادة، فكثيراً ما تكون الوسائل غايات، والغايات وسائل، من
خلال نوعٍ من النظر، ومن هنا اخترنا من كلام الغزالي في علامات أمراض
القلوب وصحتها ما سنذكره لك بعد أن عرّفناك على حكمة ذكره هنا.
قال الغزالي : اعلم أنّ كل عضو من أعضاء البدن خُلق لفعلٍ خاص به،
وإنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خُلقَ له حتى لا يصدر منه أصلا
أو يصدر منه مع نوعٍ من الاضطراب. فمرض اليد أن يتعذر عليها البطشُ.
ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار. وكذلك مرض القلب أن يتعذر عليه
فعله الخاص به الذي خُلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب
الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على كل شهوة سواه،
والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه. قال الله تعالى: {وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]
ففي كل عضو فائدة، وفائدة القلب: الحكمة والمعرفة. وهي خاصية النفس
التي للآدمي، وبها يتميز عن البهائم، فإنه لم يتميز عنها بالقوة
على الأكل والوِقاع والإِبصار أو غيرها، بل بمعرفة الأشياء على ما
هي عليه. وأصلُ الأشياء ومُوجِدُها ومخترعها هو الله عز وجل الذي
جعلها أشياء. فلو عرف كل شيء ولم يعرف الله عز وجل فكأنه لم يعرف
شيئاً. وعلامة المعرفة: المحبة، فمن عرف الله تعالى أحبه، وعلامة
المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات كما قال الله
تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ
وَأَزْوَاجُكُمْ} إلى قوله تعالى: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ
اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [ التوبة: 24] فمن عنده شيءٌ أحب إليه من الله
فقلبه مريض، كما أنّ معدة صار الطينُ أحب إليها من الخبز والماء
أو سقطت شهوتها عن الخبز والماء فهي مريضة. فهذه علامات المرض وبهذا
يعرف أنّ القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله.
الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه
اعلم أنّ الله عز وجل إذا أراد بعبد خيراً بصَّره بعيوبِ نفسه، فمن
كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج،
ولكن أكثر الخلق جاهلين بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عينِ أخيه
ولا يرى الجذع في عين نفسه. فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربع
طرق:
الأولى: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلعٍ على خفايا الآفات
فيعرفه أستاذه وشيخه عيوبَ نفسه ويعرفه طريق علاجه. وهذا قد عز في
الزمان وجوده.
الثاني: أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً فينصبه رقيباً على
نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة
والظاهرة ينبهه عليه. فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين.
كان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي. وكان
يسأل سلمان عن عيوبه فلما قدم عليه قال له: ما الذي بلغك عني مما
تكرهه؟ فاستعفى، فألحَّ عليه فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على
مائدة، وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل، قال: وهل بلغكَ غيرُ
هذا؟ قال: لا، قال: أما هذان فقد كُفِيتهما. وكان يسأل حذيفة ويقول
له: أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، فهل
ترى عليَّ شيئاً من آثار النفاق؟ فهو على جلالة قدره وعلوِّ منصبه
هكذا كانتْ تهمته لنفسه رضي الله عنه!
فكل من كان أوفر عقلاً وأعلى منصباً كان أقلَّ إعجاباً وأعظمَ اتهاماً
لنفسه، إلا أن هذا أيضاً قد عزَّ فقلَّ في الأصدقاء من يترك المداهنة
فَيُخْبِرُ بالعيب.
الطريق الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين
السخط تبدي المساوي. ولعل انتفاع الإِنسان بعدوٍ مشاحن يذكِّرهُ
عيوبه أكثر من انتفاعه بصديقٍ مداهنٍ يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه
عيوبه، إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدوّ وحملِ ما يقولهُ على
الحسد، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه
لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم.
الطريق الرابع: أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموماً فيما بين الخلق
فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من
عيوبِ غيره عيوبَ نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى.
فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرين الآخر عن أصله أو عن
أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه ويطهرها من كل ما يذمه من
غيره وناهيك بهذا تأديباً، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم
لاستغنوا عن المؤدب.
محمد الحارثي
أعلى