
فتاوى واحكام
س : هل يجوز للشخص الذي سبق أن حج مرة واحدة
أن يحج مرة أخرى بنية الفرض بعد أن شك عن الحجة الأولى ؟
ج : إن نوى بذلك الاحتياط عن الفرض فلا حرج والله أعلم .
س : هل تجوز عمرة التطوع بعد الإحلال من عمرة التمتع وقبل الإحرام
للحج ؟ وهل تجوز بعد الإفاضة من منى في اليوم الثاني عشر ؟
ج : الاعتمار ينافي التمتع فلا يجوز إلا بعد أيام التشريق والله
أعلم .
س : هل يحق للمستأجر إذا فرغ من أداء العمرة القادم بها للحج أن
يعتمر عن نفسه في الأيام التي يقيمها في مكة إلى أن يحين موعد الحج
؟
ج : لا إلى أن يفرغ من جميع مناسك الحج والله أعلم .
س : هل هناك عدد من العمرات تكفي عن حجة الفريضة ؟
ج : لا يغني عن الحجة المفروضة الاعتمار ولو تكرر فلا بد من أداء
فريضة الحج والله أعلم .
س : هل يجوز لرجل أن يعتمر عن هالك عمرتين في اليوم الواحد ؟
ج : نعم والله أعلم.
س: ما قولكم فيمن يدفع له مبلغ من المال للسلام على قبر النبي -
صلى الله عليه وسلم ؟ فهل يأخذه ؟
ج : إن أعطاه المبلغ من طيب خاطره فلا مانع من أخذه والله أعلم ؟
س : هل يحق للحاج أن يتقاضى مبلغاً معيناً مقابل السلام على رسول
الله ؟
ج : أخذ الأجرة على التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي
إذ لا يكلّف ذلك عناءً والله أعلم .
س : هل يجب على الحاج زيارة المدينة خاصة إذا كان الوقت ضيقاً لديه
؟ إذ أن البعض يقول (من حج ولم يزرني فقد جفاني) فهل هذا حديث صحيح
؟
ج : هذا الحديث غير صحيح والزيارة للحاج غير واجبة والله أعلم .
س : إذا لم يتمكن الحاج أو المعتمر عند ذهابه لزيارة قبر الرسول
صلى الله عليه وسلم والتسليم عليه بالقرب من القبر فهل يجوز من أي
مكان من المسجد النبوي الشريف ؟
ج : يجوز له ذلك والله أعلم .
س : هل يجب على المرأة التسليم على قبر النبي المصطفى وصاحبيه من
الخارج دون الوقوف أمام القبر الشريف ؟
ج : لا يجب عليها ذلك ويجزئ تسليمها على النبي صلى الله عليه وسلم
وعلى صاحبيه ولو من بعيد أي لا يشترط أن تقف حيال القبر والله أعلم.
س : هل تجب زيارة المساجد الصغيرة الموجودة في المدينة على الحجاج
؟
ج : زيارة المساجد التي أعتاد الناس أعتاد الناس زيارتها في رحلتهم
إلى الحج بالمدينة غير واجبة وغير مسنونة ففي الحديث الصحيح عن النبي
صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام
ومسجدي هذا ومسجد إبله) يعني بيت المقدس اللهم إلا مسجد قبا فقد
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه ماشياً وراكباً والله
أعلم .
س : يقول بعض الناس أنه يجب لمن أراد الحج ان يمكث في المدينة المنورة
ثمانية أيام وصلاة خمسة وأربعين فرضاً فهل هذا من السنة ؟
ج : هذا كله لا أساس له من الصحة إذ لم يأت بهذا دليل من السنة ولا
عرفة السلف والله أعلم .
س : عن الزائرين لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاموا بالمدينة
عدة أيام هل الأفضل لهم ان يصلوا جمعاً أم قصراً ؟
ج : المسافر إلى مكة أو المدينة أو غيرهما مطالب بالقصر للصلوات
الرباعية مالم يصلّ خلف مقيم فإن صلى خلف مقيم أتم والقصر لا يقابله
الجمع حتى يقال أيهما أفضل وإنما يقابله الإتمام ويقابل الجمع الإفراد
لأن القصر هو قصر الرباعيات سواء كان مسافرا يجمع أو يفرد والإفراد
هو أفضل للمقيم في البلد ولو يوماً أو يومين والجمع هو أفضل للجاد
في السير والله أعلم .
س : رجل أراد السفر إلى الحج أو العمرة من عُمان إلى جدة ثم ذهب
أيضاً من جدة إلى المدينة المنورة بالطائرة لقضاء الزيارة ثم عاد
إلى جدة أيضاً بالطائرة ليذهب بعدها إلى مكة بالسيارة لأداء العمرة
من أين يحرم هذا الرجل ؟
ج : يحُرم قبل ركوبه الطائرة ولا حرج إن لبى بعد ما تسير به الطائرة
ولكنه يتجرد من ثيابه المعتادة في ثوبي إحرامه قبل ركوب الطائرة
لئلا تمر به الطائرة على الميقات وهو في غير حالة الإحرام والله
تعالى أعلم .
س : ما قولكم في المتمتع إذا أراد أن يخرج إلى جدة هل يصح له ذلك
وهل جدة من الحل أم من الحرم فإذا كانت من الحل فماذا يفعل إذا أراد
الرجوع إلى مكة؟
ج : لا مانع من ذلك وليس عليه إحرام لدخوله مكة وإن كانت جدة من
الحل والله أعلم .
س : إذا سافر الرجل القاصد للحج أو العمرة من عُمان إلى جدة بالطائرة
ثم ذهب مباشرة من جدة إلى مكة المكرمة بالسيارة لأداء العمرة فمن
أين يحرم؟
ج : يحُرم من آخر مطار يطير منه فإن كان يطير في مسقط ولا ينزل في
أي مكان بعد ذلك إلا في جدة فليلبس ثوبي إحرامه في مسقط وليتجرد
من ثيابه المعتادة وإن كان يطير من الرياض كذلك وإن كان يطير من
البحرين فكذلك ولا يعني ذلك أنه يجب عليه أن يحرم قبل الميقات ولكن
هذا من باب الاحتياط لئلا يجاوز الميقات وهو على غير إحرام وإن كان
يعرف مكان الميقات وهو على ظهر الطائرة ويتمكن من التجرد من ثيابه
المعتادة قبل أن يتجاوز الميقات فلا حرج عليه في ذلك وعلى أي حال
فإنه يلبي بالعمرة أو بالحج قبل أن يتجاوز الميقات والله أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الاجتماع والأخلاق في الإسلام
ـ مقاييس الأخلاق في القرآن وحي منزل ليست من بيئات الناس
ـ نظام الاستئذان الذي يضبط الحياة الأسرية ضبطا محكما
ـ الإسلام يهدف بتشريعاته إلى طهارة اللسان والوجدان وواقع الحياة
ـ من واجب كل أحد أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
لا يتمكن التفرقة بين الاجتماع والأخلاق في
الإسلام فإن الأخلاق هي أسس الاجتماع بل أستطيع الجزم بأن العنصر
الخلقي لا يعدم في أي جزء من التشريع القرآني والنبي صلى الله عليه
وسلم قد حدد الغاية من رسالته في قوله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)
والله تعالى عندما أثنى عليه صلى الله عليه وسلم وصفه بالخلق العظيم
حيث قال فيه (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم/4) وما أجل
هذا الوصف وأعظم هذا الثناء وأفخم هذا الشرف الذي ألبسه الله تعالى
عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ليبقى متلوا على لسان الدهر ما بقي
الزمن، وأهم ما نستفيده من هذه الآية ومن ذلك الحديث أهمية الأخلاق
في الإسلام، وإذا تدبرنا آي القرآن وجدناها تهدف إلى بناء صرح الأمة
الإسلامية على أسس متينة من الأخلاق ودعائم ثابتة من الاجتماع ولذلك
كان العنصر الخلقي ملموسا في كل جزئية من جزئيات تشريعه، وبالإجمال
فإن القرآن الكريم جاء حاضا على مكارم الأخلاق وداعيا إليها فهو
يدعو إلى الصدق والأمانة والوفاء والكرم والعفاف والتواضع من غير
ذل والترفع من غير استكبار وتجنب كل إساءت إلى الغير سواء أكانت
باللسان أم اليد أم إشارة العين والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام
أجدر الناس بأن يتجسد فيه الخلق القرآني لأن الله تعالى اصطفاه من
بين خلقه بإنزال القرآن عليه ليبلغه الناس بلسانه وليترجم بفعله
ومن ثم كان كما وصفته الصديقة ابنة الصديق أم المؤمنين عائشة رضي
الله عن أبيها وعنها في قولتها التاريخية الصادقة عندما سئلت عن
خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت (كان خلقه القرآن الكريم) وبما أن
الإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته تتداخل مصالح بني جنسه وتتشابك
معاملاتهم- كان ميزان التعامل السليم فيما بينهم الخلق الفاضل.
مقاييس الأخلاق في القرآن
ومقاييس الأخلاق في القرآن، وفي سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام
ليست نابتة من التراب وإنما هي نازلة من السماء فلا تستخرج من بيئات
الناس فالبيئات كثيرا ما تتأثر وتتعفن وقد تستحسن بيئة ما تستقبحه
أخرى، وأفكار الناس كثيرا ما تتأثر بطبع البيئة وما يدور فيها، وإذا
كان الإسلام قد أبقى بعض العادات التي كان عليها أهل الجاهلية فإن
ذلك لا يعود إلى استحسان الجاهلية وإنما يعود إلى استحسان الحسن
بقطع النظر عمن يتلبس به من الناس، ومدار الأخلاق والاجتماع في الإسلام
على الطهارة فهو يدعو إلى طهارة الضمير وطهارة الفكر وطهارة الوجدان
وطهارة اللسان وطهارة واقع الحياة ومن هنا نرى الآيات القرآنية والأحاديث
النبوية تحرص على طهارة المسلم في نفسه وطهارة صلته بالآخرين وقد
أحاط الإسلام الأسرة المسلمة بسياج يمنع تسرب أي تلوث إليها، ولو
أخذنا نستعرض الآيات التي جاءت بذلك لطال بنا المقام ولكن نكتفي
بذكر مثالين لما قلناه مرجئين البسط إلى وصولنا إلى تلك الآيات في
التفسير إن من الله علينا بالتوفيق.
أمثلتها
أولهما:- نظام الاستئذان الذي يضبط الحياة الأسرية ضبطا محكما وهو
ينقسم إلى نوعين :استئذان من في خارج الدار واستئذان ساكن الدار
فعن النوع الأول يقول الحق تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُون فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا
حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا
هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) النور/27، 28) وفي قوله عز من قائل (حَتى
تستأنسُوا) إشارة إلى أن حكمة الاستئذان حصول الأنس فإن دخول الإنسان
بين أخيه من غير إذن منه هو مصدر للوحشة وسبب للجفوة لأن من طبع
الإنسان ستر العورة والعورة كما تكون في البدن تكون في الأطعمة وفي
الملابس وفي الأثاث. وفي الهيئة التي يكون عليها مكان الاستقبال
لأن من طبيعة الإنسان الرغبة في أن يظهر أمام غيره على أحسن حال،
فإذا فوجئ بمن يلج عليه في بيته على أي حال كانت هذه المفاجأة مثار
الوحشة والانزعاج والله يريد لعباده الطهر والنقاء لذلك قال (هو
أزكى لكم) فالاستئذان وما يقترن به من التسليم ويستصحبه من الأنس
مما يصفي القلوب من أكدارها ويسكن الوحشة والانزعاج وهذا النوع من
الاستئذان حكمة العموم يشمل جميع طبقات الناس الذين يختلفون إلى
بيوت غيرهم.
وإما النوع الثاني فقد قال الله فيه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ
لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ
صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ
وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ
عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ) النور/58) في
هذه الآية تعليم لنظام الأدب والأخلاق في البيوت فليس للأطفال والأقرباء
أن يندفعوا إلى داخل بيوت الآباء والأمهات والسادة متى أرادوا وإذا
تسومح في دخولهم بدون استئذان في غير أوقات الحرج فإنه لا يتسامح
في الأوقات التي يكون فيها الدخول سببا للحرج ومثارا للانزعاج لذلك
كانت هذه الاوقات الثلاثة عورات لا يباح فيها للرفيق ولا للطفل دخول
البيوت إلا بعد الاستئذان ثلاث مرات، وهي قبل صلاة الفجر وقت الانتباه
من النوم، فإنه مظنة أن يكون الإنسان في هيئة لا يجب أن يشاهد عليها
ووقت القيلولة في الظهيرة للعلة نفسها وبعد صلاة العشاء عندما تتشوق
النفس إلى الاستراحة ويسرع الإنسان إلى الفراش فإن هيئة النوم غير
هيئة اليقظة، وخصوصا النوم مع الأهل والأطفال الذين أعطوا هذا الحكم
هنا يسلب منهم بعدما يبلغون الحلم ( وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمْ
الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ ) النور/59) فليس حكم البلوغ كحكم الصبا وإنما على البالغين
أن يستأذنوا في مطلق الأوقات الاستئذان العام الذي سبق ذكره والإسلام
بهذه الآداب البيتية يرعى الحالات النفسية والواجبات الخلقية فإن
رؤية الطفل لأبوية في بعض الحالات التي تكون بينهما قد تسبب ردة
فعل نفسية وعصبية وخلقية في نفسه كما يقرر ذلك علماء النفس، وقد
اكتشف ذلك بعد قرون خلت منذ نزول كتاب الله بهذا الأدب الرباني ودخول
الناس فجأة من غير استئذان في بيوت غيرهم مما يسبب الريبة ويجر إلى
الفساد فقد تتسلط أبصارهم على عورات النساء فيجر إما إلى الطلاق
من قيود الفضائل والأخلاق أو إلى آلام نفسية وأمراض عصبية وقد أغلق
الإسلام بحكمته البالغة هذا الباب بما سنه من الآداب التي تطهر الوجدان
وتنظم العلاقات فلا تقوم إلا على أساس الاستقامة والطهر والعفاف.
ثانيهما: الحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى على النساء بعدما فرض
على الرجال واجبات اجتماعية تشق عليهم مع تبرج النساء وعدم احتشامهن
وهذا لأن الله تعالى طالب الرجال بغض الأبصار وحفظ الفروج حيث قال
(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا
فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
يَصْنَعُونَ) النور/30) والبصر هو أول نافذة من نوافذ الشيطان لذلك
أمر الله بإغلاقها مقاومة للشيطان وسدا للمسالك عليه، وهذا لأن من
أطلق لبصره العنان لن يستطيع مقاومة مكايد الشيطان بعد دخوله عليه
من هذه النافذة وقد أجاد أمير الشعراء في قوله:
نظــرة فابتسامة فســـلام
فكــلام فمــوعد فلقـــاء
وحفظ الفرج ثمرة غض البصر لذلك أمر الله به بعد الأمر بمقدمته وهو
غض البصر وقد أوضح الله سبحانه في الآية أنه أراد لعباده بما فرض
عليهم الطهارة والنقاء حيث قال (ذلك أزكى لهُمْ) والإسلام بعيد عن
التناقضات والمفارقات فلا يكتفي أن حرم شيئا بسد بعض أبوابه دون
بعض، ومن المعلوم أنه يتعذر على الرجال غض الأبصار في حالة عدم فرض
قيود اجتماعية على النساء تكون عونا للرجال على امتثال هذا الواجب
لذلك أتبع الله سبحانه وتعالى ما أوجبه على الرجال عن غض الأبصار
وحفظ الفروج بما فرضه على النساء في قوله (وقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ
أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِين غَيْرِ أُوْلِي
الارْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا
عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/31) ليتم
المطلوب من صيانة المجتمع الإسلامي وتنقيته من الأدران الشهوانية
وقد ابتدأ الله سبحانه) فيما أوجبه على النساء بغض الأبصار وحفظ
الفروج لأن إرسال المرأة نظراتها غير المحتشمة قد يخلب لب الرجال
فلذلك أمرها الله بالرزانة والحشمة في نظراتها وعدم حفظها لفرجها
يعني بلوغ أقصى حدود الفساد من جانبها ومن جانب الرجل الذي يتعامل
معها ثم أتبع ما أوجبه عليها من صون جسمها بالحجاب الشرعي لتصون
بذلك عفتها.
والإسلام الحنيف لا يحارب الفطرة ولكن ينظمها لتصبح بناءة غير هدامة
ومما ركز في فطرة المرأة حب الظهور بمظهر الجمال والزينة، وقد لبى
الإسلام رغبتها ولكنه نظمها حيث أمرها أن تتجه بمطلق زينتها إلى
الرجل الذي تحرص كل امرأة عادة على كسب وده وهو شريك حياتها الذي
يربطها به رباط الزوجية المقدس، كما أباح لها أن تبدي بعض زينتها
لذوي المحارم منها لما طبع الله تعالى عليه ذوي المحارم من عدم تأثرهم
وهيجان غرائزهم برؤية ذوات محارمهم وإن كن متفننات في الزينة أما
سائر الرجال فلا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي لهم شيئا من زينتها
إلا ما ظهر منها واختلف في المقصود به فقيل الوجه والكفان وقيل ظاهر
ثيابها.
هدف المقاييس الخلقية
والإسلام الحنيف يريد بهذه القيود والآداب أخذ المسالك على الفساد
وإغلاق أبواب الفتنة وسد منافذ الشيطان إلى النفس فالمرأة ذات أثر
كبير على الرجل فقد تشعل نار الفتنة في قلبه بنظرة عابرة تنفلت منه
فكيف إذا تتابع نظره إليها؟ وما بالك إذا التفت نظراتهما وتبادلت
وحي الغرام؟ وقد تستيقظ الفتنة بنبرة صوتها وبرنة حليها وبنفحة طيبها
لما يترتب على كل من ذلك من خواطر نفسية تؤرق النفس وتقض عليها مضجعها
وقد تثير هذه الأمور أنواعا من الخيال تراود النفس بين لحظة وأخرى
حتى تتركها تهيم في أودية الخيال السحيقة فتفقد اتزانها وهل كانت
مآسي العشاق إلا بمثل هذه الأسباب؟ وقد أوصد الإسلام هذه الأبواب
بهذه القيود الاجتماعية لتسير حياة الذكر والأنثى سيرا سليما لا
يستثير الغرائز ولا يهيج العواطف وهي تأديب نفسي وتأديب اجتماعي
لأن أثره كما يظهر على النفس ينعكس على المجتمع فتسوده الطهارة والعفة
ومما لا يشك فيه أنه لو أمر الرجال وحدهم بغض الأبصار وحفظ الفروج
وتركت النساء وشأنهن لكان ذلك من أكبر المفارقات وأقبح التناقضات،
كيف يمكن للرجال أن يخضعوا لهذه القيود الثقيلة وأجسام النساء العارية
تتراقص من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وأعينهن
الفتاكة ترنو إليهم وأصواتهن الرخيمة تستفز مشاعرهم وأصوات حليهن
تداعب خيالهم؟
هذا وليست فتنة النظر تخشى على الرجال وحدهم فللمرأة قلب كما أن
للرجل قلبا وقلب كل منهما معرض للتقلب وكثيرا ما كانت نظرة المرأة
إلى الرجل مفتاحا لباب فتنة اصطلت سعيرها طوال حياتها، وحفظ الفرج
في كل منهما ثمرة لغض البصر، لذلك قرن الله سبحانه بين الأمر بغض
البصر والأمر بحفظ الفروج في خطابه للمؤمنين وخطابه للمؤمنات وهذه
التعليمات صادرة عمن فطر الرجل والمرأة وطبع كلا منهما بخصائصه وهو
العليم بما تنطوي عليه طبيعة كل منهما (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك/1 فلا تخضع هذه التعاليم للنقد
ولا للاختبار وإنما على المؤمنين والمؤمنات التسليم والطاعة (وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ
يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) الأحزاب/36)
أما أولئك الذين يرددون نظريات دعاة الفساد ورواد الفجور، الذين
لا يقيمون للفضيلة وزنا، ولا يعرفون للعفة معنى، كفرويد ونظرائه
فإنهم أشبه بالبغاء التي لا حيلة لها إلا تقليد ما تسمع، ولا نشك
أن أولئك جل همهم في الحياة تعرية الإنسان من ثوب الفضيلة وسلبه
خصائص الإنسانية، ومن هنا أرادوا له عيشة البهيمة العجماء في عدم
التقيد بالأخلاق ومن معاول هدمهم لصرح كرامة الإنسان ما يرددونه
من النظريات القائلة (إن اجتماع الرجل بالمرأة وتبادلهما المزاح
والفكاهات والحديث والمرح واطلاع الرجل باستمرار على مخابئ الفتنة
وأماكن الإغراء من المرأة كل ذلك مما يروح عن النفس ويطلقها من كبت
الضغط الجنسي ويهذب الغزيرة الجنسي) مع منشؤها ما تحمله النفوس من
حقد على القيم الإنسانية والفضائل والأخلاق وقد كذبها الواقع التاريخي
فإن البلاد التي تحررت من جميع القيود الخلقية والاجتماعية وانطلقت
بغير حدود في الفساد وإرضاء العواطف والشهوات لم تردد بذلك إلا هيجان
الشهوات الحيوانية في الرجال والنساء معا ...مع ما يتبع ذلك من جرائم
كثيرا ما يذهب ضحيتها الأطفال والأبرياء ولقد قرأت منذ سنتين في
إحدى الصحف السيارة أن أميركيا اغتصب أكثر من ثلاثين طفلا ثم قتلهم
فهل كان بروز مفاتن النساء في تلك البلاد واختلاطهن بالرجال من غير
قيود قانونية ولا خلقية مهذبا للغريزة الجنسية أو مؤججا لنيرانها
حتى خرجت بهم عن الفطرة إلى الشذوذ بحيث صار الرجال لا يقتنعون بالنساء
بل فيندفعون إلى الأطفال يرزؤنهم في رجولتهم المستقبلة وحياتهم الغالية
كما يحصل الشذوذ أيضا في كثير من النساء.
مواقف المخالفين من النوع الإنساني
ومما لا نشك فيه أن أولئك الذين يرجون لمثل هذه النظريات في البلاد
الإسلامية يهمهم أن تلقى المجتمعات الإسلامية مثل هذا المصير المؤلم
بحيث يصير كل أحد مهددا في أطفاله ونسائه والإنسان تختلف طبيعته
الجنسية عن الحيوان، فالحيوان لا تعدو رغبته مقدار طاقته فلا تستفزه
رؤية إناث جنسه إذا استنفد طاقته الجنسية بينما الإنسان يزيد ميل
كل واحد من نوعي جنسه إلى النوع الآخر عما أودع في طبيعته من الطاقة
الجنسية ولله في ذلك حكمة، فإنه بذلك يريد أن تكون حياة الإنسان
حياة مدنية، وأول لبنة لبنائها التعايش الزوجي بين الذكر والأنثى
وطبيعة الإنسان تدعو إلى التقليل من المثيرات الجنسية لما يترتب
على عكس ذلك من إنهاك قواه الجسمية والعقلية مع أنه مطالب بوظائف
متنوعة في الحياة ويترتب على تأجيج الشهوات الحيوانية في الإنسان
فساد بين الناس فلا تبقى رحمة ولا تعاطف بينهم وتفشي الزنا- والعياذ
بالله- في أي شعب أو مجتمع أو أمة من أحد فلا يأمن على عرضه أو على
بيته ولا يأمن أن يكون الأولاد الذين ولدوا على فراشه من ذرية قوم
آخرين، كما أن ذلك من دواعي قلة النسل إذ المرأة التي تحمل من الزنا
لا تبالي بالإجهاض إما للتخلص من العار أو للتخلص من تبعات تربية
المولود التي لا يشاركها فيه أب شرعي له وكثيرا ما تتقي الزواني
الحمل باستعمال الموانع الواقية منه وبهذا تتجلى حكمة الله فيما
فرضه من القيود الأخلاقية والاجتماعية لصون الأعراض وحفظ الأنساب.
حماية الإسلام لتشريعاته الخلقية
هذا وإذا كان الإسلام يهدف بتشريعاته وأخلاقه إلى الطهارة طهارة
اللسان وطهارة الوجدان وطهارة واقع الحياة، فلا غرو إذا وجدناه يقطع
الألسنة البذيئة لئلا تلغ في أعراض الناس فتؤذيهم أو تنتقض شيئا
من أقدارهم أو تسئ إلى العلاقات والصلات فيما بينهم ولنسمع إلى ما
يقوله الحق تعالى في ذلك (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ
قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ
مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا
أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالاَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ
بَعْدَ الايمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)
الحجرات/11
فلا مجال للسخرية بين الناس لا يسخر رجال من رجال ولا نساء من نساء،
فقد يكون المسخور منه عند الله خيرا من الساخر، ولو كان في هذه الدنيا
أضعف وأفقر وأقل جاها عند الناس ممن سخر منه، وفي هذا ما يمنع الناس
أن يتطاولوا بما آتاهم الله على من يرونهم دونهم فلا يهزأ غني بفقير
ولا قوي بضعيف ولا شريف بوضيع ولا أبيض بأسود إذ لا يعلم لعله عند
الله خيرا منه، وكذلك النساء ليس لامرأة أن تتطاول على غيرها بجمالها
أو مالها، أو منزلتها أو أصالتها لأن هذه الأمور كلها لا وزن لها
عند الله وإنما الوزن للتقوى وهي منافية لها، ولا يصح لأحد أن يلمز
أخاه لأنه كأنما يلمز بذلك نفسه، ولذلك قال الله في الآية (ولا تلمزوا
أنفسكم) وفي ذلك ما يوحي بوجوب ترابط المشاعر والأحاسيس بين المسلمين
فكل ما يصيب الفرد يصيب المجموعة واللمز هو الطعن باللسان ونبرات
حروف هذه الكلمة تجسد وقع هذا الطعن كأنما يحسه القارئ أو السامع
واقعا عليه وكثيرا ما يخلع الناس على غيرهم ألقابا توحي بالسخرية
وتؤذي أصحابها، فلذلك شدد الله تعالى في الألقاب في قوله (ولا تنابزوا
بالألقاب) وأكد هذا المنع بقوله (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان)
فليس لأحد أن يدعو أو أن يذكر أخاه إلا بأحب أسمائه إليه لأن من
واجب كل أحد أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وبين- تعالى- خطورة الإصرار
على مثل هذه الأعمال حيث قال (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) ولأجل
المحافظة على متانة الصلة بين المسلمين حرم اتباع الشكوك والظنون
في قوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ
الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) الحجرات/12) فلا يحق لمسلم
أن يظن بأخيه إلا خيرا وإذا رأى منه شيئا حمله على أحسن الظنون ما
دام هنالك احتمال، كما حرم التجسس ولا تقتصر هذه الحرمة على المسلم
وحده، بل التجسس ممنوع على المسلم وغيره ليبقى كل إنسان آمنا في
ظل الإسلام والتجسس إنما هو استكشاف للعورات وتنقيب عن المساوئ وهذا
يتنافى مع طهر الإسلام وقداسته، ولأجل عموم حكم التجسس على المسلم
وعلى غيره أطلق في الآية حيث قال فيها الحق تعالى (ولا تجسَّسُوا)
ولم يقل ولا تجسسوا على أنفسكم أو لا تجسسوا على إخوانكم كما قال
(ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) وكما قال ( وَلا يَغْتَبْ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) الحجرات/12) لأن لمز المشرك أو الفاسق بشركه
أو فسقه لا يمنع ما دام في ذلك تنفير عن الشرك والفسوق ما لم يفض
إلى الزيادة عن الواقع كما أطلق في صدر الإسلام على عمرو بن هشام
لقب أبي جهل مع أن كنيته كانت أبا الحكم وكما لقب مسيلمة بالكذاب.
ومثل ذلك حكم الغيبة فهي حرام في المسلم وتحل غيبة المشرك والفاسق
المجاهر بمعصية الله لأجل التحذير من الشرك والفسوق لا لأجل التلذذ
بذكر المساوئ ومن ثم حرمت غيبة المستتر بستر الله وإن كان فاسقا
لأن فسقه يضر به نفسه والإسلام يبني أحكامه في العلاقات بين أبنائه
على ما يظهر من أعمالهم دون ما يختفي والغيبة التي نهت عنها الآية
فسرها الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله (ذكرك أخاك بما يكره)
قيل له أرأيت إن كان في أخي ما أقوله؟ قال) إن كان فيه ما تقوله
فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) والله تعالى عندما حرم الغيبة
في الآية أكد التنفير عنها حيث صورها في صورة هي من أبشع الصور يتقزز
منها الإنسان بطبعه وذلك حيث شبه الاغتياب بنهش الإنسان لحم أخيه
وهو ميت حيث قال أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) الحجرات/12 وفي هذا التمثيل ما يجعل اللبيب
كلما أراد لسانه تمزيق عرض أخيه يتصور هذه الصورة الشائنة الكريهة
كأنها أمام ناظرية وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم عندما أقام الحد على ماعز بعد اعترافه بالزنى سمع أحد الصحابة
يقول (انظروا إلى هذا أما كان الأولى لـه أن يستر ما ستره الله فقد
رجم كما يرجم الكلب) فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى
جيفة حمار فقال (أين فلان وفلان)؟ يريد القائل والمقول لـه- فأتياه
فأمرهما أن يأكلا من تلك الجيفة فقالا غفر الله لك يا رسول الله
أهذا مما يؤكل منه؟ قال لهما (ما أصبتما من أخيكما أعظم) ثم أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم عن ماعز رضي الله عنه أنه يسبح في أنهار
الجنة لقطع الألسن عن قالت السوء فيه ولتطهير النفوس عن الظن السيئ
به.
وإذا كان الإنسان مطالبا بتطهير لسانه من أرجاس الغيبة مطلقا فإن
قذف المحصنين والمحصنات أشد في النهي وأوغل في الإثم لذلك شرع الله
سبحانه وتعالى الحد في مقابل رمي المحصنات حيث قال ( وَالَّذِينَ
يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً
أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) النور/4) والنص قد جاء
في رمي المحصنات لأن فضيحة المرأة تزيد عن فضيحة الرجل لما ينعكس
منها من الأثر السيئ على أسرتها ومجتمعها بينما فضيحة الرجل تكون
محسوبة عليه وحده ولأن الأوغاد والسفلة كثيرا ما يتلذذون في مجالسهم
بهتك أعراض النساء وحمل رمي المحصنين على رمي المحصنات بالسنة والإجماع
وكما فرض الله سبحانه عقوبتين صارمتين في الدنيا على رمي المحصنات
بالسوء وهما الحد وإسقاط الشهادة بين الله تعالى عقوبة هؤلاء في
الدار الآخرة حيث قال (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ
الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ
يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) النور/23، 25) ويراد بهذا وذاك أن تكون
حياة الأمة الإسلامية قائمة على أساس طهارة النفوس وطهارة الألسن
وتبادل مشاعر الحب والتقزز من الفحشاء بحيث يأنف الناس من ذكرها
فضلا عن ارتكابها وهذا لأن ذكر الفحشاء إن شاع بين الناس أصبحت أمرا
عاديا لا يبالي أحدهم بارتكابه بخلاف ما إذا استعظم دلائل إعجاز
الكتاب المبين فإن العقول البشرية لا تهتدي بنفسها إلى هذه الدقائق
فسبحان من أدهشت حكمته عقول المستبصرين.
مثل من تفوق الإسلام في فلسفة الاجتماع.
ومن تفوق في الإسلام الظاهر في فلسفة الاجتماع ما يفرضه على الأولاد
من رعاية حقوق الآباء والأمهات لتبقى الفروع موصولة بأصولها ولتبقى
الأجيال المتلاحقة حلقات مترابطة في سلسلة واحدة لا ينفك آخرها عن
أولها ولم يجد في أي فلسفة أخلاقية تعظيم الأبوة والأمومة كما هو
في الإسلام فالله تعالى قد قرن بين حقوق الوالدين وحقه حيث قال (
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا
فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ
رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/23، 24)
وجمع بين شكرهما وشكره في قوله (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ
أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) لقمان/14)
وفي طوايا هذه الكلمات القرآنية التي توصي برعاية حقوق الوالدين
من المعاني القيمة والإشارات اللطيفة مالا يمكن أن يفي به تعبير
آخر ويكفينا أن نشير إلى قوله سبحانه (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا
إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا
أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ
لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء/23، 24) فإن بلوغ الكبر من
الرجل والمرأة قد يسبب صدور إيذاء منهما لمن يقوم بأمرهما ولكن الولد
في هذه الحال مطالب بالاحتمال والصبر وعدم التضجر والتأفف مما يلقاه
منهما وخفض الجناح لهما وعدم مقابلة إساءتهما بمثلها وتذكر ما كان
منهما من تربية له واحتمال لإيذائه وصبر على بلواه من غير أن يتأففا
أو يتضجرا ومن غير أن يخطر ببالهما حب التخلص منه وفي هذا التذكير
ما يجعل اللسان يفيض بالضراعة والابتهال إلى الله بأن يرحمهما كما
ربياه صغيرا فإن ذلك غاية ما يستطيعه إذ ليس في وسعه أن يكافئهما
على إحسانهما فقد أحسنا إليه وهما لا يشعران بالملل أو السأم مما
يلقيان منه في طفولته بل كان يهشان لـه ويبشان في وجهه مهما صدر
منه من هفوة أو إيذاء لهما.
وإذا كان الوالدان مشركين فإن شركهما لا يمنع حقهما منه بل عليه
أن يتلطف بهما ويطيع أمرهما ما لم يأمراه بعصيان الخالق تعالى فإنه
(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) لذلك قال الحق تعالى بعد التوصية
بهما (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) لقمان/15) .
وفي قصة إبراهيم عليه السلام التي ذكرها الله في سورة مريم مثل للأولاد
الذين يبتلون بآباء كفرة أو فسقة، فقد كان إبراهيم متلطفا بأبيه
في خطابه له مشفقا عليه من سوء المنقلب وشر المصير وقد حكى الله
ذلك كله في قوله تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ
كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ
تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ
فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ
الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا يَا
أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) مريم/41، 45) ،ثم حكى ما كان
من شراسة الأب في الجواب وما كان من إبراهيم عليه السلام من الاعتزال
لأبيه بعد يأسه منه حيث قال (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي
يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي
مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ
كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا
لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا
لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)
مريم/46، 50).
أثر هذه الفلسفة على الأسرة
وفي هذه الحقوق التي يلقي الله مسئوليتها على الأولاد ما يكفي دليلا
لكل مستبصر على أن هذه التوصيات لا تصدر من فكر إنسان وإنما هي تنزل
من حكيم حميد يعلم طوايا الأنفس وطبائعها فليس من الممكن أن تصدر
من فكر إنسان معرض لتأثير العواطف والعوارض الداخلية ولو وهب ما
وهب من الوعي والحكمة فضلا أن تصدر من أمي لم يقرأ كتابا ولم يدرس
أوضاع البشر وفي هذه التوصيات البالغة بحقوق الأبوين ما يمنح الأسرة
في الإسلام القوة والمتانة ويضفي عليها السعادة والهناء، ولو ألقى
إنسان نظرة اليوم إلى العالم المتحضر الذي أطغته المادة واستبدت
به الشهوات واستحكمت فيه الأنانيات فحلت وشائج الرحم وقطعت صلات
القربى لم يجد لـه علاجا إلا إرشاد القرآن، ولو ألقى أحد نظرة إلى
أي مجتمع غربي وما يعانيه من القطيعة بين الآباء والأمهات من جهة
وبين البنين والبنات من جهة أخرى وبين مطلق ذوي القربى لرأى أن المشكلة
لا يمكن أن تحل بفلسفة بشرية فالمكتبات الغربية زاخرة بفلسفات الاجتماع
والأخلاق وعلم النفس ولكنها هل أغنت شيئا عن الإنسان التعيس الحائر
هناك، أما إذا قرأت مثلا قول الله تبارك وتعالى (وَقَضَى رَبُّكَ
أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا
تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا
كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ
رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ
بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ
وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ
كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ
كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ
رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا وَلا تَجْعَلْ
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ
وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلا تَقْرَبُوا
الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلا تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ
مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ
فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ
إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا
بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ
إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْئُولًا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ
تَخْرِقَ الارْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا كُلُّ ذَلِكَ
كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى
إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ) الإسراء/23-
39) لوجدت في ثنايا هذه الآيات علاج كل مشكلة ينوء بها المجتمع الغربي
في زماننا حتى إنه ليخيل لك أن الآيات المذكورة أنزلت لعلاج مشاكل
العصر خاصة لا سيما في المجتمع الغربي الذي يعاني من ضلال العقيدة
وانحدار الأخلاق وطغيان المادة وغرور النفس والقطيعة بين الأقربين
ولو اجتمعت طاقات البشر الفكرية على إنتاج شيء من هذه الحلول لارتدت
خاسئة ولجاءت بالداء من حيث تظن أن الدواء فسبحان القائل : (وَمَا
هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) القلم/52) فنور القرآن لم يسطع
ليقتبس منه شعب أو جيل دون آخر وإنما هو نور الله المبين الذي يسطع
على جميع العالمين.
سماحة الشيخ أحمد
بن حمد الخليلي
أعلى
المفكر الإسلامي سيد قطب في تفسير ( في ظلال القرآن )
سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر
لا نظير للمنهج الإسلامي بين سائر المناهج
من تختلط عليه الحقيقة ينقصه الحس النقي بحقيقة العقيدة
علاقة المسلم بالناس جميعاً أساسها العقيدة
نزل القرآن ليبث الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي يخوضها بعقيدته
كتب ـ محمد بن عامر الحارثي: يعد تفسير
في ظلال القرآن للمفكر الإسلامي العملاق سيد قطب من أهم التفاسير
التي قدمت النص القرآني بأسلوب فكري جذاب وبروح إيمانية ، ومن القضايا
التي تعنى بها الأمة الإسلامية اليوم قضية العلاقة مع أهل الكتاب
، وقد بين القرآن الكريم الركائز في هذه العلاقة وجاء المفكر الإسلامي
سيد قطب ليفصل كليات الموضوع وفق المنهج الإسلامي من أدلة الكتاب
والسنة .
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ[51]فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ
فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ
أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا
عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ[52]([سورة المائدة]
.
معنى الولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود
والنصارى: إنها تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم
في دينهم؛ فبعيد جداً أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود
والنصارى في الدين، إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس
على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم بحكم ما كان واقعاً من
تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات
من اليهود قبل الإسلام، وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة
حتى نهاهم الله عنه، وأمر بإبطاله بعد ما تبين عدم إمكان قيام الولاء
والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة.
وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية، وقد جاء في صدد الكلام
عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا
إلى دار الإسلام، فقال الله سبحانه:( مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا[72] ( 'سورة الأنفال' . وطبيعي أن
المقصود هنا ليس الولاية في الدين، فالمسلم ولي المسلم في الدين
على كل حال، إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون فهي التي لا
تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم،
وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين
آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال .
السماحة شيء والولاية شيء آخر: إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء،
واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين الذين
لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته بوصفه
حركة منهجية واقعية تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض وفق التصور الإسلامي
الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية، وتصطدم
من- ثَمَّ- بالتصورات والأوضاع المخالفة، كما تصطدم بشهوات الناس
وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله، وتدخل في معركة لا حيلة فيها ولا
بد منها لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده وتتحرك إليه حركة إيجابية
فاعلة منشئة.
غفلة ونقص: وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي
بحقيقة العقيدة.. كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة
موقف أهل الكتاب فيها، ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة
فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب
والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين
الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة ناسين ما يقرره
القرآن الكريم.
من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة وأن هذا
شأن ثابت لهم وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه وأنهم لن يرضوا عن المسلم
إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم وأنهم مصرِّون على الحرب للإسلام وللجماعة
المسلمة وأنهم قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفي صدورهم أكبر..
إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة.
إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب، ولكنه منهي عن الولاء لهم
بمعنى: التناصر والتحالف معهم.. وإن طريقه لتمكين دينه، وتحقيق نظامه
المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب. ومهما أبدى لهم من
السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه، وتحقيق
نظامه، ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له .
وسذاجة أية سذاجة وغفلة أية غفلة أن نظن أن لنا وإياهم طريقاً واحداً
نسلكه للتمكين للدين أمام الكفار والملحدين؛ فهم مع الكفار والملحدين
إذا كانت المعركة مع المسلمين !!
نسيان للقرآن.. وجهل بالتاريخ : وهذه الحقائق الواعية يغفل عنها
السذج منَّا في هذا الزمان وفي كل زمان، حين يفهمون أننا نستطيع
أن نضع أيدينا في أيدي أهل الكتاب في الأرض للوقوف في وجه المادية
والإلحاد بوصفنا جميعا أهل دين ناسين تعليم القرآن كله، وناسين تعليم
التاريخ كله، فأهل الكتاب هؤلاء: هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا
من المشركين هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا !!
وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألبوا المشركين على الجماعة المسلمة
في المدينة وكانوا لهم درعاً وردءا. وأهل الكتاب هم الذين شنوا الحروب
الصليبية خلال مائتي عام . وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس .
وهم الذي شردوا العرب المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم متعاونين
في هذا مع الإلحاد والمادية.
وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان في الحبشة
والصومال وأريتريا والجزائر، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد
والمادية والوثنية في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند، وفي كل
مكان !
ثم يظهر بيننا من يظن- في بُعْدٍ كامل عن تقريرات القرآن الجازمة-
أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر ندفع
به المادية الإلحادية عن الدين .
إن هؤلاء لا يقرأون القرآن، وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة
التي هي طابع الإسلام، فظنوها دعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن.
إن هؤلاء لا يعيش الإسلام في حسهم: لا بوصفه عقيدة لا يقبل الله
من الناس غيرها، ولا بوصفه حركة إيجابية تستهدف إنشاء واقع جديد
في الأرض، تقف في وجه عداوات أهل الكتاب اليوم كما وقفت له بالأمس
الموقف الذي لا يمكن تبديله لأنه الموقف الطبيعي الوحيد !
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ[51] ('سورة المائدة' .
هذا النداء موجه إلى الجماعة المسلمة في المدينة، ولكنه في الوقت
ذاته موجه لكل جماعة مسلمة تقوم في أي ركن من أركان الأرض إلى يوم
القيامة.. موجه لكل من ينطبق عليه ذات يوم صفة: ( الَّذِينَ ءَامَنُوا
( .
نزل القرآن ليبث الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي يخوضها بعقيدته؛
لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة، ولينشيء في ضمير المسلم تلك
المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة
ولا يقف تحت رايتها الخاصة.. المفاصلة التي لا تنهي السماحة الخلقية-
فهذه صفة المسلم دائماً- ولكنها تنهي الولاء الذي لا يكون في قلب
المسلم إلا لله ورسوله والذين آمنوا الوعي والمفاصلة اللذان لابد
منهما للمسلم في كل أرض وفي كل جيل.
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ[51]( .. ( بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ( إنها حقيقة
لا علاقة لها بالزمن لأنها حقيقة نابعة من طبيعة الأشياء.
ثوابت وقواعد: إنهم لن يكونوا أولياء للجماعة المسلمة في أي أرض
ولا في أي تاريخ وقد مضت القرون تلو القرون ترسم مصداق هذه القولة
الصادقة لقد ولي بعضهم بعضاً في حرب محمد صلى الله عليه وسلم، والجماعة
المسلمة في المدينة.. وولي بعضهم بعضاً في كل فجاج الأرض على مدار
التاريخ.
ولم تختل هذه القاعدة مرة واحدة، ولم يقع في هذه الأرض إلا ما قرره
القرآن الكريم في صيغة الوصف الدائم لا الحادث المفرد، واختيار الجملة
الاسمية على هذا النحو: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ( ليست مجرد
تعبير إنما هي اختيار مقصود للدلالة على الوصف الدائم الأصيل!
جزاء من يتولى اليهود والنصارى: ثم رتب على هذه الحقيقة الأساسية
نتائجها: فإنه إذا كان اليهود والنصارى (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ( فإنه لا يتولاهم: إلا من هو منهم . والفرد الذي يتولاهم
من الصف المسلم يخلع نفسه من الصف. ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف:
(الإسلام).
وينضم إلى الصف الآخر؛ لأن هذه هي النتيجة الطبيعية الواقعية:( وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (
وكان ظالماً لنفسه، ولدين الله، وللجماعة المسلمة . وبِسَبَبٍ مِنْ
ظُلْمِهِ هذا يدخله الله في زمرة اليهود والنصارى الذين أعطاهم ولاءه
. ولا يهديه إلى الحق . ولا يرده إلى الصف المسلم.. ( إِنَّ اللَّهَ
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (.
لقد كان هذا تحذيراً عنيفاً للجماعة المسلمة في المدينة ولكنه تحذير
ليس مبالغاً فيه.. فهو عنيف نعم، ولكنه يمثل الحقيقة الواقعة.. فما
يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى و (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ( ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم
الذين يتولى الله ورسوله والذين آمنوا.. فهذا مفرق الطريق .
وما يمكن أن يتميع حسم المسلم في المفاصلة الكاملة بينه وبين كل
من ينهج غير منهج الإسلام، وبينه وبين كل من يرفع راية غير راية
الإسلام، ثم يكون في وسعه بعد ذلك أن يعمل عملاً ذا قيمة في الحركة
الإسلامية الضخمة التي تستهدف أول ما تستهدف إقامة نظام واقعي في
الأرض فريد، يختلف عن كل الأنظمة الأخرى، ويعتمد على تصور متفرد
كذلك من كل التصورات الأخرى.
إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم الذي لا أرجحة فيه ولا
تردد بأن:
دينه هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس بعد رسالة محمد صلى
الله عليه وسلم.
وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه منهج متفرد، لا نظير
له بين سائر المناهج، ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر، ولا يمكن
أن يقوم مقامه منهج آخر، ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا
أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه .
ولا يعفيه الله إلا إذا هو بذل جهد طاقته في إقامة هذا المنهج بكل
جوانبه الاعتقادية والاجتماعية; لم يأل في ذلك جهداً ولم يقبل من
منهجه بديلاً- ولا في جزء منه صغير- ولم يخلط بينه وبين أي منهج
آخر في تصور اعتقادي، ولا في نظام اجتماعي، ولا في أحكام تشريعية.
إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو وحده الذي
يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس، في
وجه العقبات الشاقة، والتكاليف المضنية، والمقاومة العنيدة، والكيد
الناصب، والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان.. وإلا
فما العناء في أمر يغني عنه غيره مما هو قائم في الأرض من جاهلية..
سواء كانت هذه الجاهلية ممثلة في وثنية الشرك، أو في انحراف أهل
الكتاب، أو في الإلحاد السافر.. بل ما العناء في إقامة المنهج الإسلامي
إذا كانت الفوارق بينه وبين مناهج أهل الكتاب أو غيرهم قليلة يمكن
الالتقاء عليها بالمصالحة والمهادنة.
إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب
بين أهل الأديان السماوية يخطئون فهم معنى الأديان كما يخطئون فهم
معنى التسامح، فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله، والتسامح يكون
في المعاملات الشخصية لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي.
إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم: بأن الله لا يقبل
ديناً إلا الإسلام، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام
ولا يقبل دونه بديلا، ولا يقبل فيه تعديلاً ولو طفيفاً.. هذا اليقين
الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر:
( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ[19] ((سورة آل عمران).
( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
[85] ( (ورة آل عمران) .
( وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
إِلَيْكَ[49] ((سورة المائدة).
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ[51]( (سورة المائدة) .. وفي القرآن
كلمة الفصل.. ولا على المسلم من تميع المتميعين وتمييعهم لهذا اليقين
.
ليس للمسلم ولاء ولا حلف إلا مع المسلم: والنص هنا يسوي بين اليهود
والنصارى- كما يسوي النص القادم بينهم جميعاً وبين الكفار- فيما
يختص بقضية المحالفة والولاء، ذلك أن هذه القضية ترتكز على قاعدة
أخرى ثابتة هي: أن ليس للمسلم ولاء ولا حلف إلا مع المسلم، وليس
للمسلم ولاء إلا لله ولرسوله وللجماعة المسلمة.. ويستوي بعد ذلك
كل الفرق في هذا الأمر مهما اختلفت مواقفهم من المسلمين في بعض الظروف.
على أن الله سبحانه وهو يضع للجماعة المسلمة هذه القاعدة العامة
الحازمة الصارمة كان علمه يتناول الزمان كله لا تلك الفترة الخاصة
من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وملابساتها الموقوتة.. وقد
أظهر التاريخ الواقع فيما بعد أن عداء النصارى لهذا الدين وللجماعة
المسلمة في معظم بقاع الأرض لم يكن أقل من عداء اليهود، فالرقعة
النصرانية في الغرب قد حملت للإسلام في تاريخها كله منذ أن احتكت
به من العداوة والضغن، وشنت عليه من الحرب والكيد ما لا يفترق عن
حرب اليهود وكيدهم في أي زمان حتى الحبشة التي أحسن عاهلها استقبال
المهاجرين المسلمين، واستقبال الإسلام عادت فإذا هي أشد حرباً على
الإسلام والمسلمين من كل أحد، لا يجاريها في هذا إلا اليهود.
والله سبحانه يعلم الأمر كله فوضع للمسلم هذه القاعدة العامة بغض
النظر عن واقع الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها وملابساتها
الموقوتة وبغض النظر عما يقع مثلها في بعض الأحيان هنا وهناك إلى
آخر الزمان .
إن الإسلام يكلف المسلم أن يقيم علاقاته بالناس جميعاً على أساس
العقيدة، فالولاء والعداء لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على
السواء إلا في العقيدة، ومن ثَمَّ لا يمكن أن يقوم الولاء وهو التناصر
بين المسلم وغير المسلم، إذ أنهما لا يمكن أن يتناصرا في مجال العقيدة-
ولا حتى أمام الإلحاد مثلا كما يتصور بعض السذج منا، وبعض من لا
يقرأون القرآن- وكيف يتناصران وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه؟!
فإذا كان سعي المؤمن كله ينبغي أن يتجه إلى إقامة منهج الله في الحياة..
بكل تفصيلات وجوانب هذا المنهج، وهي تشمل كل نشاط الإنسان في الحياة،
فكيف يمكن إذن أن يتعاون المسلم في هذا السعي مع من لا يؤمن بالإسلام
ديناً ومنهجاً ونظاماً وشريعة، ومن يتجه في سعيه إلى أهداف أخرى
- إن لم تكن معادية للإسلام وأهدافه فهي على الأقل- ليست أهداف الإسلام؛
إذ الإسلام لا يعترف بهدف ولا عمل لا يقوم على أساس العقيدة مهما
بدا في ذاته صالحاً .
والإسلام يكلف المسلم أن يخلص سعيه كله للإسلام، ولا يتصور إمكان
انفصال أية جزئية في السعي اليومي في حياة المسلم عن الإسلام.. لا
يتصور إمكان هذا إلا من لا يعرف طبيعة الإسلام وطبيعة المنهج الإسلامي..
ولا يتصور أن هناك جوانب في الحياة خارجة عن هذا المنهج يمكن التعاون
فيها مع من يعادي الإسلام، أو لا يرضى من المسلم إلا أن يترك إسلامه
كما نص الله في كتابه على ما يطلبه اليهود والنصارى من المسلم ليرضوا
عنه.. إن هناك استحالة اعتقادية كما أن هناك استحالة عملية على السواء
.
ولقد كان اعتذار عبدالله بن أبي بن سلول- وهو من الذين في قلوبهم
مرض- عن مسارعته واجتهاده في الولاء ليهود والاستمساك بحلفه معها
هي قوله: (إنني رجل أخشى الدوائر! إني أخشى أن تدور علينا الدوائر..
وأن تصيبنا الشدة وأن تنزل بنا الضائقة.. وهذه الحجة هي علامة مرض
القلب وضعف الإيمان فالولي هو الله، والناصر هو الله، والاستنصار
بغيره ضلالة كما أنه عبث لا ثمرة له.
ولكن حجة ابن سلول هي حجة كل ابن سلول على مدار الزمان، وتصوره هو
تصور كل منافق مريض القلب لا يدرك حقيقة الإيمان .. إنهما نهجان
مختلفان ناشئان عن تصورين مختلفين، وعن شعورين متباينين، ومثل هذا
الاختلاف قائم على مدار الزمان بين قلب مؤمن وقلب لا يعرف الإيمان.
ويهدد القرآن المستنصرين بأعداء دينهم، المتألبين عليهم، المنافقين
الذين لا يخلصون لله اعتقادهم، ولا ولاءهم، ولا اعتمادهم يهددهم
برجاء الفتح، أو أمر الله الذي يفصل في الموقف، أو يكشف المستور
من النفاق:( فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ
مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ
نَادِمِينَ[52] (وعند الفتح يندم أولئك الذين في قلوبهم مرض على
المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى، وعلى النفاق الذي انكشف
أمره.. وعندئذ يعجب الذين آمنوا من حال المنافقين ويستنكرون ما كانوا
فيه من النفاق، وما صاروا إليه من الخسران..( وَيَقُولُ الَّذِينَ
ءَامَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ
إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ[53](
.
ولقد جاء الله بالفتح يوماً وتكشفت نوايا، وحبطت أعمال، وخسرت فئات،
ونحن على وعد من الله قائم بأن يجيء الفتح كلما استمسكنا بعروة الله
وحده، وكلما أخلصنا الولاء لله وحده، وكلما وعينا منهج الله وأقمنا
عليه تصوراتنا وأوضاعنا، وكلما تحركنا في المعركة على هدى الله وتوجيهه؛
فلم نتخذ لنا ولياً إلا الله ورسوله والذين آمنوا .
أعلى
إحذروا المهلكات (41)
الإستطالة على الضعيف والمملوك والجارية والزوجة والدابة
لأن الله قد أمر بالإحسان
إليهم بقوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين
إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار
الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب
من كان مختالا فخورا). وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف
النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: يا معاذ، قلت: لبيك وسعديك
يا رسول الله. قال: (هل تدري ما حق الله على العبادوما حق العباد
على الله؟). قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن حق الله على العباد
أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من
لا يشرك به شيئا). قوله تعالى (وبالوالدين إحسانا) يريد البر بهما
مع اللطف ولين الجانب ولا يغلظ لهما الجواب ولا يحد النظر إليهما
ولا يرفع صوته عليهما (وبذي القربى) يصلهم ويتعطف عليهم (واليتامى)
يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رؤوسهم (والمساكين) ببذل يسير ورد جميل (والجار
ذي القربى) يعني الذي بينك وبينه قرابة فله حق القرابة وحق الجوار
وحق الاسلام (والجار الجنب) هو الذي ليس بينك وبينه قرابة. يقال:
رجل جنب إذا كل غريبا متباعدا أهله، وقوم أجانب والجنابة: البعد.
عن عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما زال
جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). و(الصاحب بالجنب) هو
الرفيق في السفر له حق الجوار وحق الصحبة (وابن السبيل) هو الضعيف
يجب إقراؤه الى ان يبلغ حيث يريد، وقال ابن عباس: هو عابر السبيل
تؤويه وتطعمه حتى يرحل عنك (وما ملكت أيمانكم) هو المملوك يحسن رزقه
ويعفو عنه فيما يخطىء (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) قال
ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الله،
والفخور هو الذي يفخر على عباد الله بما خوله الله من كرامته وما
أعطاه من نعمه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (بينما رجل شاب ممن كان قبلكم يمشي في حلة مختالا
فخورا إذ إبتلعته الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة). وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خروجه من الدنيا في آخر مرضه يوصي
بالصلاة وبالإحسان الى المملوك، ويقول: (الله الله الصلاة وما ملكت
أيمانكم). ودخل جماعة على سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو أمير على
المدائن فوجدوه يعجن عجين أهله، فقالوا له: ألا تترك الجارية تعجن؟
فقال رضي الله عنه: إنا أرسلناها في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملا
آخر. وفي النهي عن تعذيب الدابة ورد في صحيح البخاري أنه صلى الله
عليه وسلم رأى امرأة معلقة في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها
وهي تعذبها كما عذبتها في الدنيا بالحبس والجوع، وهذا عام في سائر
الحيوان، وكذلك إذا حملها فوق طاقتها تقتص منه يوم القيامة. وبين
لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرفق مطلوب وواجب بالدواب حتى
عند أخذها للذبح حيث قال: (إذا قتلتم فاحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم
فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته). ويكره صيد الطير
أيام فراخه، ويكره ذبح الحيوان بين يدي أمه. اللهم اجعلنا من حزبك
المفلحين وعبادك الصالحين.
علي بن عوض الشيباني.
أعلى
ضوابط وركائز دعوية
حمل أمانة تبليغ الرسالة، وتوضيح الحق للناس
من لوازم الانتماء إلى خير أمة، فما مقاصد هذه الرسالة؟ وما أهمية
هذه الدعوة وما ثمراتها، وما ركائزها؟ وما صفات الداعية المربي؟
وما العوائق والشبهات التي تعترض طريق الدعوة وكيف يتغلب عليها الداعية؟.
حمل الأمانة : لابد من تحمل الأمانة وتبليغ الرسالة، لابد من البعد
عن السلبية التي يعيشها المسلمون، لابد أن نوضح الحق للناس ونحمل
الرسالة؛ وبحمل هذه الرسالة نتشرف بالانتماء إلى خير أمة كما قال
تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فإذا لم نأمر بالمعروف
وننه عن المنكر فلا يكون لنا مثل هذا الشرف.
وبحمل هذه الرسالة نُعذر أمام الله إذا نحن أخلصنا النية، إن الله
سبحانه ذكر في إحدى الآيات أن الناس على ثلاثة أقسام: صالح، ومصلح،
وفاسد، فيقرر بأن الإعذار يوم القيامة يكون بدعوة الفاسدين وبالإنكار
عليهم، وبأمرهم بالمعروف؛ يقول تعالى: (قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ
لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ)
فالدعوة إلى الله ذات مقصدين :
·الأول: عذر الداعي أمام الله يوم القيامة .
·الثاني: عودة الناس إلى ربهم، وأن ينيبوا إليه ويبلغوا رسالته .
أهمية حمل الدعوة :
وبحمل هذه الرسالة ننجو في الحياة الدنيا ويصلح مجتمعنا: إن الرسول
صلى الله عليه وسلم قد بيّن في أحد الأحاديث التي رواها البخاري
أن الناس على قسمين: منهم صالح، ومنهم فاسد وهم كقوم تقاسموا سفينة
فكان بعضهم في أعلى السفينة، وبعضهم في أسفل، فالذين في أسفل السفينة
أرادوا أن يأخذوا من ماء البحر خرجوا على سطحها وغرفوا من ماء البحر،
فظنوا بظنهم البشري المحدود أنهم يفعلون خيرًا إذا هم خرقوا في السفينة
خرقًا في أسفلها ليحصلوا على الماء مباشرةً حتى لا يؤذوا الذين من
فوقهم، فإن تركهم الذين في أعلى السفينة فإن السفينة تغرق، وإن أنكروا
عليهم وأخذوا على أيديهم فإن السفينة تنجو؛ وذلك مثل الأخذ على يد
الظالم والفاسق .
يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى
حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا
عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا
فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ
مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا
فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ
وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ
نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) رواه البخاري .
هذا الحديث يوضح بأن حمل هذه الأمانة، وتبليغ هذه الرسالة، وأمر
الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر فيه صلاح المجتمع الذي هو مثل السفينة
في هذا الحديث، وبحمل هذه الرسالة نبلّغ ما نزل إلينا من ربنا، ونحقق
البلاغ المطلوب الذي أُمرنا به، يقول الله تعالى لرسوله صلى الله
عليه وسلم: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)...
وبحمل هذه الرسالة نكون من أنصار الله الذين يقبلون عليه وعلى وحيه
ولا يتولون عنه: فينطبق عليهم قوله تعالى: (... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ َلا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)
وبحمل هذه الرسالة نحقق صفة الطموح العالي الذي يمتدحه الله في المؤمنين:
حيث يصفهم بأنهم يقولون: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ
لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) إنهم يقولون: اجعلنا قدوات للأتقياء من
المؤمنين.. هذا الطموح العالي .. لا نريد أن نكون قدوة للفاسدين
فحسب، ولا للصالحين فحسب، إنما قدوة للأتقياء من المؤمنين .
وبحمل هذه الرسالة نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان
يحمل همّ هذا الدين وهمّ إيصاله إلى الآخرين طوال وقته: فالدين كان
يسري في مشاعره ودمه وفي حياته كلها، كان صلى الله عليه وسلم يهتم
كثيرًا إذا لم يستجب الناس للدعوة، حتى وصل الأمر إلى أن يطمئنه
الله، ويقول له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمْ
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) أي: فلعلك مهلك
نفسك من الأسف عليهم إن لم يستجيبوا لك .
عظيم الأجر: الداعي إلى الله يحصل على أجر عظيم، يجد نتيجته في الآخرة،
يقول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى
كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ
ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضََلالَةٍ كَانَ
عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ
ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئً) (رواه مسلم. إنه أجر عظيم عندما
نتفكر فيه.. إنك إذا دللت إنسانًا على خير فإنك تحصّل مثل أجره؛
دللته على الصلاة فصلى، أو نصحته بالصيام فصام، أو نصحته بالزكاة
فزكى، أو نصحته بقراءة القرآن، وبالذكر والدعاة ففعل؛ فلك مثل أجر
ما يفعله، ولو كنا نتذكر هذا الأجر دائمًا؛ ما فرطنا فيه لحظة واحدة
.وأما في الحياة الدنيا فهناك نتائج كثيرة لمن يحمل هذا الدين .
من فوائد الدعوة:
الطمأنينة القلبية للداعي إلى الله: لأنه يؤدي بعض الواجب على الأقل،
فالذي لا يؤدي هذا الواجب تجده يلوم نفسه، وغير مطمئن البال؛ لأن
الموقف السلبي محزن ومؤثر جدًا، وذلك مثل أثر التعطّل عن العمل الدنيوي
يأتي بالأمراض النفسية لأولئك المتعطلين، والدراسات الحديثة في الطب
النفسي تؤيد ذلك؛ فالعاطلون عن العمل وإن كانوا يحصلون على الدخل
المادي نفسه مثلهم في ذلك مثل أولئك الذي يعملون؛ إلا أنهم يعانون
من أمراض نفسية كثرة غير ما يعانيه الذين يعملون؛ فالذي يعمل يؤدي
واجبه، ويحقق غاية في نفسه ورغبة فطرية في ذاته.
الداعي إلى الله يتعلم من المدعوين: حيث يسألونه ويجيب، يجيب عما
يعلم ويبحث عما لا يعلم؛ والمثال واضح على ذلك: فالعالم الداعي إلى
الله يزداد علمه؛ بينما القاعد في زاوية من زوايا بيته لا يفتح صدره
لطلبة العلم ولا للناس؛ يضعف علمه وينسى كثيرًا. فالعالم الداعي
تجده عندما يقبل رمضان؛ يدرس أحكام رمضان بالتفصيل، وعندما يأتي
الحج؛ يدرس أحكام الحج بالتفصيل، وبذلك يزداد علمه يومًا بعد يوم
.
الداعي إلى الله يتمثل صفات المدعوين التي تنقصه : وليس من الضروري
أن يكون الداعي إلى الله أفضل من المدعوين في كل صغيرة وكبيرة؛ ولكن
يجب أن يتمثل الداعي ما يدعو إليه لكي يكون ذلك أعون على إجابة دعوته،
والاقتناع بما يدعو إليه من قبل المدعوين.
الدعوة إلى الله تحرك الإيمان وتزيده، وتزيد الإنسان هدى إلى هداه:
انظروا إلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى
وَءَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ[17]) [سورة محمد]. و قوله تعالى: (إِنَّهُمْ
فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[13]) [سورة
الكهف].
الدعوة إلى الله تجعلك تحت المجهر البشري: فتُلاحظ في كل تصرفاتك
كبيرها وصغيرها، فينظر إليك النقاد والحساد ويقدمون لك النقد والتجريح،
ويتقدم إليك الأحباب والأصحاب بالنصح والتوجيه، فاقبل النصح ، واستمع
إلى النقد والتجريح، وتعلم مما تسمع ولا تهمله .
الداعي إلى الله عندما يتعامل مع الناس فإنه يتربى على صفات جديدة
لا يمكن أن يتربى عليها أو يكتسبها بمفرده: فمثلاً ضبط النفس لا
يكون إلا مع التعامل مع الآخرين، وكذلك الحميّة، والأخوة، وقبول
النصح، والاهتمام بالغير، وغير ذلك .. كل هذه الصفات لا يتعلمها
الإنسان وحده، وإنما لابد أن يتعامل مع الناس ويعلمهم؛ فيتربى من
خلال التعامل معهم .
والدراسات الحديثة في الطب النفسي تنحو إلى علاج بعض الناس بالعلاج
الجماعي، والمسلمون بالدعوة إلى الله والتعامل مع الناس يمارسون
سببًا مهمًا في الوقاية من الأمراض النفسية التي يعاني منها أولئك
المنعزلون .. تلك بعض الفوائد التي يستفيد منها الداعي إلى الله
من خلال تعامله مع الناس .
ركيزتان: للدعوة إلى الله أسلوب ذو ملامح، أذكر منه ركيزتين مهمتين
له، وهما:
الركيزة الأولى : الدفع بالتي هي أحسن: لأنك إذا دفعت الذي أساء
إليك بالتي هي أحسن فإنه ينقلب إلى صديق عزيز، ولو كان من أعدى أعدائك،
يقول تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ
كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[34]وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ
صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[35]) [سورة فصلت].
الركيزة الثانية: هي اختيار الزمان والمكان المناسب .. واختيار الأسلوب
المناسب: ومما يوضح ذلك:
قول عبد الله بن عباس رضي عنهما ينصح آخر: (لا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي
الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ
فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ وَلَكِنْ أَنْصِتْ
فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ) رواه البخاري
.
وعلى الداعية أن يختار الوقت المناسب لإعطاء كلمته عندما يصغي إليه
الناس ويستمعون، فَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ
يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ
قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ
أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا
بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) رواه البخاري.
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتخير فرصًا معينة ليعظ؛ فما كان
الرسول يعظ طوال وقته وهو أعظم واعظ، وأكبر مؤثر، وأفضل داعية، والصحابة
أفضل المستمعين، لقد كان الناس يحبون أن يستمعوا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم في كل يوم ومع ذلك كان يتخولهم بالموعظة مخافة السآمة
عليهم .
خالد المصلحي
أعلى
لماذا اخترنا الاسلام؟
أقوال بعض من اهتدى إلى الاسلام
(انّ الاسلام هو أوضح الاديان في اثبات وجود
الله تعالى من واقع الحياة ، وهذا يمثل الحقيقة ، لان الله هو الحق
، وهذه الحقيقة التي هي ضالّة الانسانية كلّها ، تحت يد المسلمين
، فلو أمكن اجلاؤها لدخل الناس جميعا في دين الله أفواجا).
الحاج الدكتور عبد الكريم ساتيو الياباني
استاذ اقتصاد في احدى الجامعات اليابانية
(انني تتبعت كل الآيات القرآنية التي لها ارتباط بالعلوم الطبية
والصحية والطبيعية والتي درستها من صغري واعلمها جيداً ، فوجدت هذه
الايات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة ، فأسلمت لانّي تيقنت
أنّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بالحق الصريح من قبل أكثر
من ألف سنة ، من قبل أن يكون معلم أو مدرس من البشر ، ولو كان كل
صاحب فن من الفنون أو علم من العلوم قارن كل الايات القرآنية المرتبطة
بما تعلم جيداً كما قارنت أنا لاَسلم بلا شك ، ان كان عاقلا خاليا
من الاغراض).
الدكتور جرينيه الفرنسي
كان يعمل في مجلس النوّاب الفرنسي
(انّ دين الله واحد ، وان الاسلام أتى مصدقا لما سبقه من ديانات
السماء ، ومصححا لما نالها من تحريف بفعل الكهنة ، وان القرآن الكريم
في العصر الحاضر هو الكتاب السماوي الوحيد
الذي لم ينله . . . ولن يناله تحريف أو تبديل ، وقد وعد الله بحفظه
مصداقاً لقوله تعالى في القرآن:(انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له
لحافظون).
الفونس ايتين دينيه (1861ـ1929) فنان فرنسي أسلم وبدّل اسمه إلى
(ناصر الدين)
(لا أستطيع اليوم أن أقول أي النواحي استهوتني أكثر من غيرها ، فانّ
الاسلام على ما يبدو لي بناء تام الصنعة وكل أجزائه قد صيغت ليتمم
بعضها بعضاً ، ويشدّ بعضها بعضاً ، فليس هناك شيء لا حاجة اليه ،
وليس هناك نقص في شيء . فنتج من ذلك كلّه ائتلاف متزن مرصوص ، ولعل
هذا الشعور من ان جميع ما في الاسلام من تعاليم وفرائض قد وضعت موضعها
هو الذي كان له أقوى الاثر في نفسي).
الكاتب والصحفي النمساوي الكبير ليوبولد فايس (محمد أسد)
(من مفاخر الاسلام أنّه مبني على العقل ولا يطالب معتنقيه أبداً
بتجميد طاقاتهم الفكريّة مخالفا بذلك عقائد أخرى تلزم تابعيها بالاعتقاد
الاعمى لمذاهب وآراء معيّنة دون تفكير فيها).
(البروفيسور هارون مصطفى ليون الاوروبي)
السكرتير العام للجمعية الدولية لعلم اصول اللغات والعلوم والفنون
الجميلة ورئيس تحرير مجلة (فيلومات) العلمية الصادرة في لندن .
(وجدت في الاسلام المنطق والعقل ، ووجدت المسلمين يؤمنون بالله ورسوله
الذي هو بشر مثلهم اختاره الله لينقل رسالة الايمان إلى الناس ،
ويتلو عليهم كتابه الذي هو دستور الحياة ، ينظّم شؤونهم بحيث يعيشون
في تعاون وسعادة وبساطة ، وبلا مظاهر كاذبة).
(مارشيلا مايكل انجلو) ايطالية
(الاسلام هو الدين القادر على التصدّي لموجات الالحاد والتفكيك التي
تعاني منها المجتمعات الصناعية الحالية ، وان الاسلام سيجذب الكثيرين
من خريجي الجامعات وخاصة هؤلاء الذين أعيتهم وأثقلتهم المناقشات
العقائدية).
(26)
(اللورد دو كلاس هاملتون)
مليونير انجليزي أسلم وبدّل اسمه إلى (عادل هاملتون)
(ليست هناك نعمة من نعم الدنيا يستمتع بها الانسان أعظم من أن يشرح
الله صدره للاسلام فيهتدي بنوره حتى يبصر حقائق الدنيا والاخرة فيميّز
الحق من الباطل ، وطريق السعادة من طريق الشّقاء ، واني لاسجد لله
شكراً على هذه النعمة الجليلة التي حباني بها والتي ملات نفسي بالسعادة
الحقيقية وأتاحت لي أن أستظل بهذه الدوحة الكبرى الوارفة الظلال
المتعددة الثمار ، وهي دوحة الاسرة الاسلامية والاخوّة في الاسلام).
(مرمادوك بكثول) (1875ـ1936)
أديب ومفكر انجليزي مشهور ، اسلم وتسمّى باسم محمد ، وتعتبر ترجمته
لمعاني القرآن الكريم من اهم جهوده العلمية على الاطلاق .
(ان خلاص العالم من ازمته يكمن في اتباع المنهج الاسلامي ، فالاسلام
يملك مفتاح الاصلاح لانه يمتاز بقاعدتين; هما التسامي وروح الجماعة).
(ان القرآن يعلمنا أن نرى في كل حادث وفي كل شيء آية من آيات الله
ورمزاً لوجود أعلى يُسيّرنا ، ويُسيّر الطبيعة والمجتمع ، وهدف الدين
الرئيسي هو التناسق والوحدة الصادرة عن الله والعائدة اليه ، ومما
يجعل الانسان إنساناً هو اتجاهه إلى تحقيق ارادة الله .
ان الغرب الان بحاجة إلى الاسلام اكثر من أي وقت مضى ،ليعطي للحياة
معنى ، وللتاريخ مغزى ، وحتى يغير اسلوب الغرب في الفصل بين العلم
والحكمة أو فصل التفكير عن الوسائل ، وفصل التفكير عن النتائج ،
ان الاسلام لا يضع حاجزاً بين العلم والايمان ، بل على العكس من
ذلك يربط بينهما باعتبارهما وحدة متكاملة غير قابلة للتجزئة .
ان الاسلام يدعو الانسان إلى أن يفتش ويبحث عن نهايته العظمى ومآله
، كما يمكن للاسلام أن يعيد احياء الامل في مجتمعاتنا الغربية المتأثرة
بالفردية بطريقة من النمو تقود العالم باجمعه إلى الانتحار)).
(البروفيسور روجيه غارودي)
أديب ومفكر وفيلسوف فرنسي بارز ، شغل منصب رئيس المجلس الوطني الفرنسي
من 1956-1958 اسلم جارودي في 11 /رمضان 1402 هـ . وبدّل اسمه إلى
(رجاء) واحدث اسلامه ضجّة كبيرة في الغرب .
أعلى
الحق في ميزان العقل
الانسان المسلم لا ينتصر لعاطفته ولا لنفسه
، بل ينتصر للحق وقد جعل الحق سبحانه وتعالى العقل والنقل وسائل
يتوصل بها الانسان إلى الحق فعلى الانسان أن يفكر في أمور عدة وهو
يعبر قنطرة الدنيا ومنا :
أولاً: التفكير في شرف الحق و ضِعَةِ الباطل: وذلك بأن يفكر في عظمة
الله، وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكره الباطل، وأن
من اتبع الحق استحق رضوان رب العالمين، فكان سبحانه وليه في الدنيا
والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلمه خيراً له وأشرف حتى يتوفاه راضياً
مرضياً، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرماً منعماً
في النعيم المقيم، والشرف الخالد، الذي لا تبلغ الأوهام عظمته.
وأن من أخلد إلى الباطل استحق سخط رب العالمين وغضبه وعقابه، فإن
آتاه شيئاً من نعيم الدنيا؛ فإنما ذلك لهوانه عليه ليزيده بعداً
عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد الذي لا تبلغ الأوهام
شدته .
ثانيًا: يفكر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة،
ونسبة بؤس الدنيا إلى سخط رب العالمين وعذاب الآخرة: ويتدبر قول
الله عز وجل : (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى
رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[31] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ
رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا
يَجْمَعُونَ[32]وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا
مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ[33] وَلِبُيُوتِهِمْ
أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ[34]وَزُخْرُفًا وَإِنْ
كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ
عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ[35]) [سورة الزخرف] .
ويفهم من ذلك أنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة؛ لابتلى الله المؤمنين
بما لم تجر به العادة من شدة الفقر والضر والخوف والحزن وغير ذلك،
وحسبك أن الله ابتلى أنبياءه وأصفياءه بأنواع البلاء .وعَنْ كَعْبِ
بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: [مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنْ الزَّرْعِ
تُفِيئُهَا الرِّيحُ تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى
حَتَّى تَهِيجَ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ
عَلَى أَصْلِهَا لا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا
مَرَّةً وَاحِدَةً] رواه البخاري ومسلم.
والمقصود من الحديث: تهذيب المسلمين، فيأنس المؤمن بالمتاعب والمصائب،
ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب، راجياً أن تكون له عند ربه، ولا
يتمنى خالصاً من قلبه النعم ولا يحسد أهلها، ولا يسكن إلى السلامة
والنعم ولا يركن إليها، بل يتلقاها بخوف وحذر وخشية؛ أن تكون إنما
هيئت له لاختلال إيمانه، فترغب نفسه إلى تصريفها في سبيل الله، فلا
يخلد إلى الراحة ولا يبخل، ولا يعجب بما أوتيه، ولا يستكبر ولا يغتر،
ولم يتعرض الحديث لحال الكافر؛ لأن الحجة عليه واضحة على كل حال
.
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً قَالَ: [الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ
فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ
كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ
رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ
بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ
خَطِيئَةٌ] رواه الترمذي وأحمد والدارمي.
وقد ابتلى أيوب بما هو مشهور . وابتلى يعقوب بفقد ولديه، وشدد أثر
ذلك على قلبه فكان كما قصه الله في كتابه: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ
وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ
الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ[84]) [سورة يوسف].
وابتلى محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام بما تراه في السيرة، فكلفه
أن يدعو قومه إلى ترك ما نشأوا عليه تبعاً لآبائهم من الشرك والضلال،
ويصارحهم بذلك سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، ويدور عليهم في نواديهم
ومجتمعاتهم وقراهم، فاستمر على ذلك نحو ثلاث عشرة سنة، وهم يؤذونه
أشد الأذى مع أنه كان قد عاش قبل ذلك أربعين سنة أو فوقها ولا يعرف
أن يؤذي؛ إذ كان من قبيلة شريفة، في بيت محترم موقر، ونشأ على أخلاق
كريمة احترمه لأجلها الناس ووقروه، ثم كان ذلك على غاية الحياء والغيرة
وعزة النفس.
ومن كانت هذه حاله؛ يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى، ويشق عليه غاية
المشقة الإقدام على ما يعرضه لأن يؤذى، ويتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء:
هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه، وهذا يحاول أن يضع
رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى الجزور على ظهره وهو
ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه،
وهذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه، ويحذر الناس منه، ويقول : إنه كذاب،
وإنه مجنون.
وهؤلاء يغرون به السفهاء، فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً، وهؤلاء
يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعاً، وهؤلاء يعذبون
من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء
ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك
ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها
أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها.
كل ذلك لا لشئ إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور،
ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن عذابه الخالد
إلى نعيمه الدائم، ولم يلتفوا إلى ذلك مع وضوح الحجة، وإنما كان
همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم .
ومن وجه آخر ابتلى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن
قبض أبويه صغيراً، ثم جده ثم عمه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأته
التي كانت تؤنسه، وتخفف عنه، ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله
عليه وآله وسلم- وتفصيل هذا يطول- هذا وهو سيد ولد آدم، وأحبهم إلى
الله عز وجل .
فتدبر هذا كله؛ لتعلم حق العلم ما نتنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم
الدنيا وجاهها ليس هو بشئ في جانب رضوان الله والنعيم الدائم في
جواره، وأن ما نفرّ منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيء في جانب
سخط الله، وغضبه والخلود في عذاب جهنم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا
ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ
قَطُّ فَيَقُولُ لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ
بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً
فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا
قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لا وَاللَّهِ يَا
رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ]
رواه مسلم .
ثالثًا: يفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية: فأما
المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغباً نشيطاً لا يريد إلا وجه الله والدار
الآخرة، فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله فيما يرجو معونته
على السعي للآخرة، فإن كان ولا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه
عن السعي للآخرة.
وهو على كل حال متوكل على الله، راغب إليه أن يختار له ما هو خير
وأنفع، ثم يباشر الطاعة خاشعاً، مستحضراً أن الله يراه ويرى ما في
نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله، وهو مع ذلك كما قال الله
تعالى: (..يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ
إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[60]) [سورة المؤمنون]. فهو يخاف ويخشى
أن لا تكون نيته خالصة، وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان،
وقد تكون من ضعيفه، الذي إنما يطيع احتياطًا، وقد لا تكون خالصة
بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أورغبة في الآثار الطبيعية
ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس. وكمنفعة البدن كالذي يصوم
ليصح، ويصلي التراويح لينهضم طعامه .
وكحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج، ويلقى أصحابه،
ويقف على أخبارهم . وكمراعاة الناس لكي يمدحوه، ويثنوا عليه، فيعظم
جاهه، ويصل إلى أغراضه ولا يمقتوه... إلى غير ذلك من المقاصد. كالعالم
يريد أن يراه الناس ويعظموه ويستفتوه، فيشتهر علمه ويعظم جاهه، وغير
ذلك .
والمؤمن- ولو خلصت نيته في نفس الأمر- لا يستطيع أن يستيقن ذلك من
نفسه . والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع،
وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة، يرجو أن يكون
قبلها الله بعفوه وكرمه، ويخشى أن يكون ردت لخلل فيها- وإن لم يشعر
به- أو لخلل في أساسها وهو الإيمان .
هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ
مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ[201]وَإِخْوَانُهُمْ
يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ [202]) [سورة
الأعراف].
فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه، فقد يطيف به الشيطان، فيغفله عن قوة
إيمانه، فيغلبه هواه فيصرعه، وهو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه،
فلا تصفوا له لذتها، ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض، حتى يتذكر،
فيستعيد قوة إيمانه، فيعض أنامله أسفاً وحزناً على غفلته التي أعان
بها عدوه على نفسه، عازماً على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة .
وأما إخوان الشياطين، فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه، ويمنونهم
الأماني فيقنعون، فمن الأماني أن يقول : الله قدره علي، فما شاء
فعل .. قد اختلف العلماء في حرمة هذا الفعل، قد اختلفوا في كونه
كبيرة، والصغائر أمرها هين .. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب ..
لعل الله يغفر لي .. لعل فلاناً يشفع لي .. سوف أتوب !
وأحسن حاله أن يقول: أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومحي ذنبه، قال
الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ
عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ
إِلا الْحَقَّ...[169]) [سورة الأعراف].
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى
ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ
عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى
أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا) .
رابعا: يستحضر أن الذي يُهمه، ويُسأل عنه هو حاله في نفسه: فلا يضره
عند الله، ولا عند أهل العلم والدين والعقل أن يكون معلمه، أو مربيه،
أو أسلافه، أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم
يسلموا من هذا، وأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم، ورضى عنهم، وكان آباؤهم وأسلافهم مشركين . هذا مع احتمال أن
يكون أسلافك معذورين إذا لم ينبهوا، ولم تقم عليهم الحجة .
وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به فاتباعك لهم وتعصبك
لا ينفعهم شيئاً، بل يضرهم ضرراً شديداً، فإنه يلحقهم مثل إثمك،
ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعك إلى يوم القيامة، كما يلحقك
مع إثمك مثل إثم من يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعك إلى
الحق هو خير لأسلافك على كل حال؟
المراجع :
القائد إلى تصحيح العقائد (عبد الرحمن اليماني)
عبدالله الحارثي
أعلى
(سـماحة الإسلام مع البشرية)
السماحة من الخصائص التي انفرد بها الدين الخاتم
على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم فلم يكن مبعثه إلا رحمة للعالمين
وتسامحه من خلقه العظيم وكان حريصا على المؤمنين بهم رءوف رحيم فأدى
ذلك إلى إذعان كثير من البشر لهدى هذا الدين القويم فكان متسامحا
مع معتنقيه وغيرهم فجاء باللين والرأفة لا بالقسوة والشدة، ونبذ
كل ما كان عليه أهل الجاهلية من التعصب والشدة بينهم وبين غيرهم،
ولا ريب أن الديانات الأخرى كانت تتعامل مع بني جنسها بالقسوة والغلظة
فكانت هذه المعاملة وبالا عليهم مما اضطر كثير منهم إلى اعتزال فكرهم
والانضمام إلى سماحة الإسلام بسبب المعاملة الشنيعة التي كانوا يتلقونها
من دينهم المنحرف عن الصراط.
هذا وقد تخلى العدد الكثير من أصحاب هذه الديانات عن دياناتهم بغية
الحياة الهنيئة في الدنيا والآخرة فتشوقوا إلى سماع أي صفة تخالف
منهجهم وتدعو إلى تحرير الناس من العنف إلى اللين فالإسلام دين التسامح
مع المسلمين وأهل الكتاب، تسامح في المعاملات اليومية التي تربط
بين الخالق والمخلوق وبين المخلوق وبني جنسه في البيع والشراء، وفي
الرابطة الزوجية، مع المسلمين وغيرهم، وهناك عبادات
أخرى مقصورة على أهل الإسلام مثل قصر الصلوات والإفطار على من كان
مريضا أو مسافرا وفي الزكاة أيضا فقد فرقت الشريعة بين الغني والفقير
وممتلكي الأنعام مثلا فتؤخذ على صاحب السائمة ولا تؤخذ من صاحب المعلوفة،
وليس على كل الناس بل المميز والعاقل منهم فقد رفع القلم عن الذين
لم يبلغوا الحلم والمجنون ففي الحديث الذي أخرجه ابن حبان من طريق
عائشة (ت 58 هـ) رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الغلام حتى يحتلم
وعن المجنون حتى يفيق) وتسامحه مع أهل الكتاب في العبادات في الصوامع،
والشيوخ الذين لم يقاتلوا بل أمر الإسلام بالبر بحسن المعاملة والإكرام
والإحسان إليهم وإعطائهم قسطا من أموالهم أي المسلمين قال تعالى
(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم
أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8.. فهذه
صفة الإسلام واتعباعه العارفين لأوامره والملتزمين بحدوده ويصف لنا
سيد قطب (ت 1966
م) معاملة الإسلام مع مخالفيه بقوله (إن الإسلام دين سلام، وعقيدة
وحب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه،
وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين. ليس هناك عائق
يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله.فأما إذا سالموهم
فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك! وهو حتى في حالة
الخصومة يستبقي أسباب الودّ في النفوس بنظافة
السلوك وعدالة المعاملة، انتظارا لليوم الذي يقتنع فيه الخصوم بأن
الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع. ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم
الذي تستقيم فيه النفوس، فتتجه هذا الاتجاه المستقيم )(1) ومجمل
القول إن الدين الإسلامي دين التسامح واليسر مع البشرية جمعاء وهذا
ما علمه سيد البشر صلى الله عليه وسلم لخير امة أخرجت للناس بقوله
( بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) (ولن يشاد
الدين أحد إلا غلبه) وعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا
بن جبل ( ت 18هـ) رضي الله عنه ومن معه إلى اليمن قال لهما عليه
الصلاة والسلام (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا)
هذه هي التعاليم التي ألفناها عن سيد البشر عليه السلام وعن صحابته
الأبرار ومن اقتفا أثرهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.وهي منحة منحها
الإسلام للمسلمين وأهل الكتاب.
ونحن اليوم مطالبون بالتسامح بين مجتمعنا الإسلامي المترامي الاطراف
بصفة خاصة بأن نسعى إلى لمّ شمل الإسلام وأهله المتفرقين في مشارق
الأرض ومغاربها فنبين للمسلمين كيف كان التسامح في العهد النبوي
الشريف وعهد صحابته الكرام وتابعيهم بإحسان لأن أمتنا خير أمة أخرجت
للناس كما قال: الحق جل وعلا (كنتم خير أُمة
أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو
آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) آل
عمران: 110... ونحن الآن ـ في عصر الفتن الملتهبة ـ أحوج من غيرنا
إلى معرفة حقيقة الإسلام لنتتدارك أخطاءنا( وهذا ما ينبغي أن تدركه
الأمة المسلمة أيضا؛ لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون
طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة والله يريد أن تكون
القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض ومن ثم لا ينبغي
لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية إنما ينبغي دائما أن تعطي
هذه الأمم مما لديها وأن يكون لديها دائما ما تعطيه من الاعتقاد
الصحيح وينظم في إطاره، التصور، والنظام، والخلق، والمعرفة، والعلم...هذا
واجبها الذي يحتمه عليها مكانها...) فهذه صفة الأمة المحمدية جاءت
لتصون حياة البشر من الشر والفساد فعلينا أن لا نحيد عن الصراط المستقيم
بل نسير على حسب الطريقة المرسومة لنا فيكون التسامح المناهج التي
تؤدي إلى فهم الإسلام ومعتنقيه المضطهدين في العصر الراهن. ونسأل
الله العلي القدير أن يهدي المسلمين إلى مبدأ التسامح لكي ترسوا
السفينة على بر الأمان والسلام، فتمتثل لذلك الأجيال الناشئة ومن
جاء بعدهم. والله ولى التوفيق
بقلم: إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
تنمية الحياة الـبشرية:
لقد جاء الإسلام بمبادئ التنمية للحياة البشرية وهي كثيرة ومتعددة
الجوانب فقد سعى كل السعي إلى صهر الفوارق بين الناس وتجفيف الجنس
البشري من ظاهرة التشتت فرسم لهم الطريق المؤدي إلى التفاف وانضمام
المجتمع بعضهم إلى البعض وشواهد السيرة النبوية والتاريخ شاهدة على
ذلك فمثلا كانت طلائع المهاجرين بعد ما أناخوا ركابهم فوق ركاب إخوانهم
الأنصار التفوا واحتضن بعضهم بعضا فتحققت الأخوة بينهم... والإسلام
لا يفرق بين جنس وآخر إلا بالتقوى فهي المعيار الحقيقي بين الناس
لا التفاضل والتفاخر بالأنساب والاحساب يقول الرب العليّ (ياأيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات: 13.. فهذا
الخطاب موجه لكافة البشرية من المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم فمعيار
التفريق بينهم التقوى فالمسلم ينال أجره في الدنيا والآخرة، وغير
المسلم ينال أجره في الدنيا بتيسير الأمور له وتمتعه بالصحة والرزق
لان الله تعالى لا يظلم أحدا من خلقه ولعل في الدار الاخرة يكون
عذابه أخف وأهون من غيره فكما إن للجنة درجات فكذلك للنار دركات
هذا ويوضح لنا الشهيد سيد قطب (ت 1966م) الآية بقوله( ياأيها الناس.ياأيها
المختلفون أجناسا وألوانا، المتفرقون شعوبا وقبائل.إنكم من أصل واحد.
فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تخاصموا ولا تذهبوا بددا.ياأيها الناس
والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم..من ذكر وأنثى وهو.... يطلعكم
على الغاية من جعلكم شعوبا وقبائل إنها ليست التناحر والخصام إنما
هي التعارف والوئام..وهكذا تسقط جميع الفوارق، وتسقط جميع القيم،
ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر،
وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان) فكان اختلاط العرب
بالعجم والفرس بالروم وأهل المشرق بأهل المغرب وأهل الشمال بأهل
الجنوب. ومن هنا جاء التشريع الرباني يحل للمسلمين ما حرم عليهم
من قبل فأباح لهم أكل طعام أهل الكتاب وجواز مناكحتهم فكل ذلك من
الامتزاج والاختلاط بين الشعوب (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين
أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات
من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير
مسافحين ولا متخذي أخذان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في
الآخرة من الخاسرين) المائدة : 5 ...هذا وقد منح الإسلام أهل الكتاب
وغيرهم عدة مزايا الهدف منها تقريبهم إلى الدين القويم وهي كثيرة
لا يتسع المقام لذكرها، فعلى سبيل المثال لا الحصر أعطى بعضهم الحق
في أخذ الزكاة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها
والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب) التوبة: {60} والمؤلفة قلوبهم هم من
غير المسلمين بل (هم طوائف، منهم الذين دخلوا حديثا في الإسلام ويراد
تثبيتهم عليه ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا ومنهم الذين
اسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثبتوا إلى الإسلام
حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون) وعطف على الفقراء والمساكين فكفل
حقوقهم المادية والذاتية.
هذا وقد سمح الإسلام لأهل الكتاب وغيرهم أيضا بإقامة شعائرهم الدينية
وبناء صروحهم التعبدية في الدولة الإسلامية والشواهد على ذلك لا
تحجب الأعمى عن رؤية هذا التسامح ولم يكرههم على اعتناق الدين الإسلامي
يقول تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256..فهذا
تكريم لبني آدم، وقد أعطاهم البارئ الحكيم حق التفكير والاختيار
فيما يصلح لهم بعد أن بين الله تعالى لهم طريق النجدين طريق الهداية
وطريق الغواية (وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان؛ واحترام
إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال
في الاعتقاد؛ وتحميله وحساب نفسه...وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني...فحرية
الاعتقاد هي أول حقوق (الإنسان) التي يثبت لها وصف إنسان فالذي يسلب
إنسانا حرية الاعتقاد، إنما يسلبه إنسانيته ابتداء..ومع حرية الاعتقاد
حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة..وإلا فهي حرية بالاسم
لا مدلول لها في واقع الحياة والإسلام وهو أرقى تصور للوجود وللحياة،
وأقوم
منهج للمجتمع الإنساني بلا مراء ـ هو الذي ينادي بأن لا إكراه في
الدين...) فهل بعد هذا التبين الواضح من أحد يكره الناس على اعتناق
دين معين ؟ كلا.. ونحن المسلمين من باب أولى أن ننهج منهج عدم إكراه
بعض المسلمين إلى الانضمام لمذهب معين لأن معظم المذاهب إن لم يكن
كلها متفقة على الأصول ومختلفة في الفروع ولكل مجتهد أجران فان أصاب
فله أجران وأن اخطأ فله أجر واحد فلا داعي لتفرقة الجماعة المسلمة
بل الواجب على من يرى انه على صواب عليه تبين الحقيقة للآخرين دون
تعصب أو تعسف في الأقوال والأمثال ولله در الإمام السالمي ( ت 1332هـ)
رحمه الله في قوله:
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعـتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قـمنا
إلا إذا ما نقضوا المقالا واعتقدوا في دينهم ضلالا
قمنا نبين الصواب لهم ونحسـبن ذاك من حـقهم
فما رأيته من التحرير في كتب التوحيد والتقرير
رد مسأل وحـل شبه جـاء بها من ظل للمنتبه
قمنا نردها ونبدى الحقا بجهدنا كي لا يضلوا الخلقا
هذا وعلينا أن نقبل الحق ولو جاء من عند من يخالفنا في الرأي ولا
يضيق بعضنا بعضا في الأمور الفرعية فكل أحد يرى قوله صوابا ولكن
نقول كما قال: (.. الإمام الشافعي (ت204 هـ) في تسامح رائع قائلا
(رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب) فالواجب علينا
تصحيح مفاهيمنا الفكرية تجاه بعضنا البعض وعلينا أيضا تبين الطريقة
الإسلامية الصحيحة لغير المسلمين من المغضوب عليهم ولا الضالين ومن
ماثلهم كل ذلك يؤدي إلى زيادة تنمية الحياة البشرية للمجتمع المسالم
وستعود الأمة المحمدية بإذن الله تعالى إلى كيانها الأصلي ومواريثها
الحقيقية التي سار عليها الجيل الصالح ومن نهج نهجهم إلى يوم الدين
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى طريق الرشاد.
إبراهيم بن حبيب السعدي
أعلى
علم الكون (السماء والأرض)
يقول ربنا سبحانه : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ
لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم)
البقرة: 29 والآية الأخرى تقول : (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء
وَهِيَ دُخَان) بينما الأرض كانت متقدمة وقد تطورت (ثُمَّ اسْتَوَى
إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ) أي أن هناك مرحلة من مراحل السماء
كانت دخانا هذا كلام الله وهذا ما يقول به العلم أخيرا ! يقولون
: تريدون الأدلة ؟ اذهبوا إلى أي مرصد من المراصد وانظروا بأعينكم
إلى السماء فستجدون الدخان في السماء .. بقايا الدخان تتكون منه
نجوم وكواكب إلى يومنا هذا !! لو قلت لأعرابي أو لمثقف : هل الدخان
ينتج عن النار أم النار تنتج عن الدخان ؟ فسيقول : الدخان نتيجة
للنار . قلت : النجوم والكواكب هل كان يتصور إنسان أنها كانت دخانا
؟! إن النار هذه كانت دخانا ؟ لا يخطر على بال أحد لكن هذا هو الذي
يقرره القرآن ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ
لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا
طَائِعِينَ ) فصلت :11 عندما بدأت الأرض تتكون - وهذه أيضا من نفس
الكتاب - يدرسون الأرض فيقولون : تكونت الجبال عن طريق خروجها من
باطن الأرض في صورة براكين .. انظروا تكون جبل . وتكون جبل .. وهكذا
.. فالجبال ألقى بها من باطن الأرض ( وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ *
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ) الانشقاق : 3-4 ألقت ما فيها
هذا في النهاية أما في البدابة أي أن الرواسى التى جاء ذكرها في
قوله تعالى : (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) النازعات : 32 تتكون عن
طريق الإلقاء فألقى بالجبال ثم ماذا ؟ ثم خرجت المياه من باطن الأرض
جميع البحار والأنهار كانت كلها في باطن الأرض وخرجت من باطن الأرض
إلى أعلى . كذلك النباتات غاز ثاني أكسيد الكربون الهواء الذي تتكون
منه أجسام النباتات إلى جانب التربة كلها كانت في باطن الأرض ثم
خرجت الأصلية خرجت أيضا من باطن الأرض اسمعوا إلى قول المولى جل
وعلا : (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) للكلام عن بداية الخلق
(أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا
فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ
بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا
* وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) النازعات : 31 - 33 ألم يقولوا أخيرا
ماقاله الله أولا هذا كلامهم يلتقى مع قوله سبحانه : ( أَخْرَجَ
مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا
لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ) النازعات : 31 - 33 لكن أتدرون ما بعد
هذه الآية ؟ ( فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ
الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ) النازعات
: 34 - 36 انظروا هذه الآية عندنا منذ 1400 سنة والآن يقولون : شاهدنا
هذا والله ودرسنا الأرض ودرسنا تاريخها فوجدنا هذا قد خلق هكذا فكما
أن الجزء الأول يتكلم عن بداية الخلق فإن الثاني يتكلم عن نهاية
الخلق وكما رأينا الجزء الأول حقا فسنرى الجزء الثاني حقا ( فَإِذَا
جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا
سَعَى ) .. الإنسان أنا وأنت .. في هذا الوقت سنتذكر سعينا .. يوم
يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى أما من طغى - تجاوز الحد
- وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى إي وربى إنه لحق لأنه
كله من عنده ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ
عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) النازعات
اختر لنفسك ما تريد .. هذا كلام رب العالمين درسوا باطن الأرض ,
وأرضنا هذه درسوا باطنها فماذا وجدوا ؟ وجدوا باطنها في حالة التهاب
ثم تخرج منه تيارات حرارية هكذا في دوامة وتيارات أخرى تمثل دوامة
وتيارات أخرى تمثل دوامة مثل براد الشاى حين يفور يصعد الماء وينزل
ويعمل دوامة .. هكذا باطن الأرض يفور من هنا .. فرن كبير جدا ..
هذا الفرن يحمى باطن الأرض .. باطن الأرض في حالة دوامات متحركة
.. تصوروا لو أنهم قطعوا الأرض نصفين فقالوا : هذه مادة الأرض التي
تحتنا وهذه القشرة الأرضية التي نحن عليها التى من أعلى هذه القشرة
الأرضية وهذه المادة التى تحتها .. ومن هنا إلى هنا مادة في غاية
الحرارة هي التي فيها الدوامات وهذا سائل .. مادة منصهرة سائلة ..
وهذه مادة صلبة .. أظن هذا أيضا من القشرة القلب وهذه المادة التي
تحدث فيها الدوامات وهذه القشرة التي نحن عليها انظروا هذا وجدوا
أنها سبع قطع تحتها هنا مادة صلبة بعض الشئ وفوقها هذه القطع مقطعة
.. هنا تبدأ قطعة وهنا تبدأ قطعة .. الأرض .. مالون هذا ؟ .. الفراش
الذى نحن عليه .. لماذا نجعله الفراش ؟ ما فائدة الفراش ؟ لنتقى
به أذى ما تحتنا .. أليس كذلك ؟ .. الذي تحتنا هنا نار .. قدور ..
.. وصخور هائلة تقذف من قاع الأرض .. وفوقها قشرة ساخنة جدا لو كنا
عليها نموت ما يبقى شئ .. ففرشها الله بفرش سمكه 70 كيلو مترا ..
هذه القشرة التي ترونها أنتم سمكها 70 كيلو مترا .. لنتقى بهذا الفرش
ما تحتنا وهو قطعة واحدة ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ) البقرة : 21 - 22 فرشها
تحتنا حتى لا نضار بما يوجد في باطن الأرض .. لم يعرف العلماء هذه
الحقائق الا في السنوات العشر الأخيرة.
المصدر (العلم طريق الإيمان) للشيخ عبد
المجيد الزنداني
أعلى