الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 



بركاء ....محطة سياحية واعدة

تزخر منطقة الباطنة بالعديد من المواقع السياحية الجميلة بالسلطنة. ولكونها تقع بين الانحدارات الشرقية لسلسلة جبال الغربي وعلى ضفاف خليج عمان، فقد أفرز تكوين هذه المنطقة بيئات سياحية مختلفة، البيئة الجبلية بتكويناتها الرائعة، والبيئة الساحلية بجمال شواطئها، ومشاهد السهول الواسعة التي تحتضن واحات النخيل والمعالم الأخرى.
رحلتنا اليوم إلى إحدى ولايات المنطقة، تجاور محافظة مسقط، وتعد محطة سياحية مهمة، تميزت ببيئتها الساحلية، وهي العنصر المهم للجذب السياحي بها، إضافة إلى الموروثات التاريخية، التي تزخر بها هذه الولاية. رحلتنا اليوم إلى ولاية بركاء لنكشف معاً المواقع السياحية الجميلة بها.
أول محطتنا السياحية إلى شاطئ السوادي، وهو وجهة سياحية معروفه على مستوى السلطنة، واستراحة رائعة للسياح والأسر. يتميز هذا الشاطئ بعرضه الواسع وامتداده الطويل الذي يصل إلى خور الملح بولاية المصنعة، وبالتالي فهو يستوعب أعداد كبيرة من الزوار، كما أن اطلالتة على جزر السوادي أضفى علية ميزة أخرى انفردت بها هذه الولاية، إن التكوين هذا الشاطئ الجميل، ظهر كأنه لوحة رائعة جذب إليه الأفواج السياحية. وعند الوصول إليه تزداد الرغبة إلى امتطاء القوارب لاكتشاف جزر السوادي، وهي معلم مهم في تكوين هذا الشاطي ، ويقدم الأهالي خدمة الجولات السياحية بالقوارب نظير مبالغ مناسبة، وتتيح هذه الرحلات البحرية فرصة جيدة لمشاهدة الطيور، التي استوطنت هذه الجزر، والتأمل في التشكيلات الرائعة التي تختزنها. ويستمتع بعض السياح بتسلق قمة الجزيرة الرئيسية والتي تسمى الجون، ومنها يمكن مشاهدة امتداد شاطئ السوادي. كما أن مشاهد الغروب على شاطئ السوادي تدعو للتأمل في جماليات الطبيعة، حيث تتعاقد أشعة الشمس بعونها الزاهي على امتداد الشاطئ إلى الجهة الغربية، ويفضل السياح انتظار هذه اللحظات الجميلة للاستمتاع بمشاهد الغروب، ليختتم بها زيارة رائعة إلى شاطئ السوادي. وقد تم استغلال هذا الموقع السياحي بإقامة فندق شاطئ السوادي، الذي يقدم العديد من الخدمات السياحية البحرية لمرتادي الشاطئ، وهناك خطط مستقبلية لتطوير هذه المرافق الحيوية.
للوصول إلى شاطئ السوادي، يتطلب مواصلة القيادة بعد دوار بركاء باتجاه السير إلى منطقة الباطنة ولمسافة 12 كم تقريبا، بعدها الاتجاه شمالاً في الشارع المؤدي إلى شاطئ السوادي ولمسافة 8 كم.
وتعد الموروثات التاريخية التي تزخر بها ولاية بركاء من المحطات السياحية المهمة، وتعتبر قلعة بركاء من أبرز المعالم التاريخية، وقد فتحت هذه القلعة للسياح للتأمل في النمط المعماري الذي بنيت به ، ويوجد بها مرشد سياحي يقدم خدماته للسياح إضافة إلى تقديم الكتيبات السياحية، ولا يفوت السياح الاستمتاع بالمشاهد الرائعة التي يطل عليها عند صعود أبراج القلعة، خاصة تلك المطلة على جهة الشاطئ. ولهذه القلعة مواقف تاريخية معروفه فهي كانت تعد سكن للوالي ومقراً للحكم في نفس الوقت. وتتكون من عدة أبراج توزعت على جميع زوايا القلعة المختلفة, حاولت تصوير هذه القلعة من زاوية مختلفة غير مالوفة، فكان علي تسلق منارة أحد المساجد، التي تقع إلى الشرق منها، والصعود إلى المنارة عبر السلم الضيق، الذي بالكاد يسع لصعود فرد واحد، كانت الإطلالة رائعة على القلعة، حيث تتضح بعض معالمها وتشكيلاتها الداخلية. تقع هذه القلعة في قلب ولاية بركاء بمنطقة السوق، ويمكن الوصول إليها من الدوار الرئيسي لولاية بركاء، و الاتجاه شمالا إلى وسط المدينة لمسافة 5كم تقريبا، ومنها الاتجاه شرقا لمسافة نصف كيلومتر تقريبا ً.
يعد بيت النعمان من المحطات التاريخية السياحية المهمة، حيث تم الانتهاء من ترميم هذا المعلم التاريخي، وفتح للسياح، يرتفع بيت النعمان ما يقارب أربعة أدوار ويطل على مساحات واسعة.
وتشتهر ولاية بركاء بتنظيم حلبة مصارعة للثيران، التي عادة تقام عصر كل يوم جمعة في قرية المريصي، ويحرص العديد من السياح على مشاهدة مصارعة الثيران، لما تضيفه من إثارة ومتعة وحماس، كما تستقطب هذه العادة المتوارثة جمهور كبير من أبناء الولاية والولايات المجاورة، وينظم السياح برنامج زيارتهم لولاية بركاء يشمل كذلك مشاهدة مصارعة الثيران في الموقع معروف بالولاية.
ولا يفوت السياح وهم يختتمون برنامج الزيارة لهذه الولاية بأن يشتروا الحلوى العمانية، التي تشتهر ولاية بركاء بصناعة بعض أنواعها اللذيذة، وذلك بالقرب من محطة بترول شل عند الدوار الرئيسي لولاية بركاء.
لا تبعد ولاية بركاء من برج الصحوة سواء بمحافظة مسقط سواء 55 كم تقريبا، إضافة إلى كونها محطة توقف للقادمين من ولايات منطقة الباطنة، جعلها ذلك وجهة سياحية مهمة، سواء للسياح من داخل السلطنة أو السياح القادمين من خارج السلطنة.

اعداد وتصوير / خميس بن علي المحاربي


أعلى






الامين العام لاتحاد المستثمرين العرب:

احتلال العراق اكبر نكسة تصيب العرب منذ نكسة احتلال فلسطين

* كل دولار ينتج عن تخفيض سعر النفط يجعل اميركا تربح 8 ملايين دولار
* نظام الاقتصاد العالمي الجديد تشكل بعد احتلال العراق وحسب الرؤية االأميركية

حاوره في دمشق وحيد تاجا :

هل تشكل النظام العالمي الجديد فعلا بعد الاحتلال الاميركي للعراق .. ؟
وما الاهداف الحقيقية من بقاء قوات الاحتلال بعد القاء القبض على الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين ..؟
وبالتالي ما الانعكاسات الاقتصادية للاحتلال الاميركي للعراق ..وما هي السيناريوهات المتوقعة للواقع النفطي في العالم العربي على ضوء الاحتلال ؟
هذه التساؤلات شكلت اهم المحاور في لقائنا مع الدكتور جمال البيومي الامين العام لاتحاد المستثمرين العرب
* كيف ترى الانعكاس الاقتصادي للاحتلال الأميركي للعراق ؟
** يجب أن نأخذ موضوع غزو العراق واحتلالها بمأخذ مختلف عن تناولنا لأي مشكلة , وباعتقادي أنها اكبر نكسة تصيب العرب منذ نكسة احتلال فلسطين , والامر الخطير هو أنه لم يحدث في التاريخ الحديث منذ الحرب العالمية الثانية أن ذهبت قوة عظمى بكل وضوح واحتلت دولة بلا سبب , والآن يقول الممثل لأميركي أن هذا لأجل إعادة الديمقراطية وحقوق الانسان إلى العراق ، لكن السؤال من الذي دعاه ؟ هل هو المجتمع الدولي .. على العكس تماماً فمجلس الأمن رفض إعطاء الاميركان تفويضا بذلك , ولكن رغم هذا على غير وفاق مع المجتمع الدولي بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة احتلت العراق تحت دعوى إعادة الديمقراطية , فلماذا لا تفعل ذلك مع دول قريبة منها وعظيمة وتفتقد إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان ؟! وتزخر تقارير منظمة العفو الدولية بالانتهاكات لحقوق الانسان التي تمارس في بعض بلدان اميركا اللاتينية , فلماذا تختار اميركا العراق ، حاولوا إقناعنا بوجود أسلحة دمار شامل للحصول على تفويض ورفضنا والآن أين أسلحة الدمار الشامل ، والآن تتضح الفضيحتان الأميركية والأوروبية لتسريب معلومات خاطئة عن شراء العراق لمخصبات نووية من النيجر ثبت أن كل ذلك أقاويل كاذبة وإلى الآن ما سبب عدوان اميركا على العراق ؟
ولفت نظري أثناء استماعي وزير الخارجية السوري فاروق الشرع حين قال كيف تعتبر اميركا أن سوريا دولة غير متماشية مع محاربة الإرهاب علماً أن سوريا كانت من الدول التي اشتركت في التسعينات لتحرير الكويت من الغزو العراقي.
واؤكد هنا اننا بصدد سابقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث ، الاحتلال المباشر من دولة عظمى لدولة عربية والسبب غير واضح ويقولون أنه لا يوجد أجندة خفية وهذا غير صحيح يجب أن يكون هناك أجندة خفية .. يجب البحث عن الأهداف الحقيقية ليس بغرض مجابهة اميركا وإقامة حرب معها على العكس إنما بقصد الفهم فإن كان الخوف لأميركي هو الطاقة فنحن بائعون للطاقة والنفط ونريد أن نصدر هذه الطاقة مشكلتنا أننا نريد الثمن العادل ولا أعتقد أن أي مواطن اميركي حر ضد مطالبة العرب بالثمن العادل للنفط و الطاقة ، إنهم يريدون المرور في مضائقنا المائية قناة باب المندب أو قناة السويس أو مضيق جبل طارق ونحن من مصلحتنا أن يمروا وأن يدفعوا الثمن العادل لأن حرية التجارة وحرية المواصلات من مصلحتنا جميعاً.
فأخشى أن المأساة أكبر بكثير من تناولنا لها ، البعض يعتقد أن الغزو والاحتلال للعراق قد حصل نتيجة 11 سبتمبروأنا أتصور العكس ، أتصور أن العراق نقطة في أجندة اميركا بدأت سنة 1989 عندما انفردت الولايات المتحدة بالقوة الوحيدة العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بدأ فكر الولايات المتحدة بالتراكم لكن لم يظهر إلا بعد أحداث 11 سبتمبرلأن الحافز أصبح موجوداً ، صار يقول متى تتحقق لنا هذه الفرصة لأن نكون قوة عظمى منفردة والولايات المتحدة وحسب بعض النظريات تريد انتهاز الفرصة وأن تبدأ في تنظيم العالم تنظيماً اميركياً على هدى الثالوث الذي يدير الرأي في الإدارة االأميركية حالياً وهو ثالوث يميني متطرف ، فالولايات المتحدة لا تنظر للرأي العام العالمي وتتجاهل حلفاءها وتتجاهل روسيا والصين كما تتجاهل حلفاءها في العالم العربي وتنظم العالم على هواها. كانت اميركا في السابق تبحث عن حلفاء أو شركاء وهي الآن تبحث عن عملاء ، تبحث عن حكومات تفصيل ومجلس حاكم تعينه أو حاكم تعينه في دولة أخرى وهنا مكمن الخطأ الحقيقي , وبرايي ان على العالم العربي أن يعي حقيقة التهديد , وهو حتما غير متعلق بـ11 سبتمبرإنما تهديد سبتمبر1989.
وثانيهما: أن نقف موقف تفاوضيا عربيا سليما إيجابيا في مواجهة الولايات المتحدة االأميركية ونبدأ حوارا جديا معها لأنه لا ينبغي أن نترك الولايات المتحدة لتقودها اليمينية المتطرفة أو الصهيونية الجديدة أو إسرائيل.
* هل ترى أن النظام العالمي الجديد قد تشكل فعلا بعد احتلال العراق وحسب الرؤية االأميركية بالطبع ؟
** كنا نتكلم عن نظام الاقتصاد العالمي الجديد وقد سمعت في هلسنكي منذ مدة محلل اقتصادي غربي يقول نحن الآن بصدد اللانظام .. وفعلاً ليس هناك أي احترام لمنظومة الأمم المتحدة وليس هناك احترام للمنظومات المتخصصة (الغات- البنك الدولي - الصندوق الدولي) والقوة المنفردة تريد الانفراد بصناعة القرار وما علينا أن نناقش ، فما كنا نتحدث عنه من إقامة نظام عالمي جديد سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو أمنيا أراه يتراجع حتى في حلف الأطلسي فالأخبار تتكلم عن خلاف حاد داخل الحلف وأن فرنسا وألمانيا وبلجيكا ترفض رفضاً قاطعاً إرسال قوات من الحلف إلى العراق لأنه خارج اختصاص الحلف الذي هو أصلاً حلف دفاعي يدافع عن أوروبا, وإن كان له ان يمتد فليمتد قليلاً إلى شمال البحر المتوسط إنما أن يمتد إلى العراق فهناك دول من حلفاء الولايات المتحدة القريبين جداً يرفضون ذلك ، حتى ما كنا نخشاه من نظام عالميا جديدا تسيطر عليه القوة الكبرى الآن أصبح لا نظام عالمي جديد تسيطر عليه قوة واحدة , والحقيقة لو أنها تخبرنا بمحتويات أجندتها ربما أفادنا ذلك وكان في مصلحتنا.
* كيف تنظر إلى المنعكسات الاقتصادية بعد احتلال العراق ,على العالم العربي بشكل خاص؟
** هناك خوف , وهناك قول بأن الولايات المتحدة تريد أن تضمن نفطا رخيصاً لمدة سنوات قبل أن تضطر يوماً ما إلى أن تستخدم احتياطي النفط الأميركي وهو مكلف ومحدود، وهناك أيضاً دراسة تقول كل دولار ينتج عن تخفيض سعر النفط يجعل اميركا تربح 8 ملايين دولار , فإذا نجحت بخفض النفط 10- 15 دولارا فعندها نتكلم عن 100 مليار دولار تكسبها اميركا من هذه الحرب فقط وتكون حرب تجارية , وهناك نظرية أخرى تتحدث عن أن هذه الحرب تخدم صناعة السلاح الأميركي وأنها لتجربة أسلحة جديدة , والبعض ذكرنا بخطبة الوداع التي ألقاها أيزنهاور في وداعه السلطة وكان أميناً ورجلاً عظيماً عندما حذر من التحالف بين الرأسمالية المتمثلة في صناعة السلاح وبين الإدارة الأميركية وصانع القرار إلا يقع تحت ضغوط صناعة السلاح الأميركية .
كل هذه نقاط وتخوفات نخشاها ولكن هل يعني ذلك أن نتوقف عن الحوار مع اميركا . وعلى رأي محمد حسنين هيكل , بحيث أنه من الجهل أن نتجاهلها بل يجب أن نفهم ونبحث عن دوائر الالتقاء إن كانوا يتكلمون عن الممرات والمضيق والنقل والمواصلات فنحن نؤمنها , وإن كانوا يتكلمون عن النفط فأنا أعتقد أن التحالف المصري - السعودي - السوري بعد حرب 1973 , (كان هناك اتفاق غير مكتوب) وكان ذلك قراراً عاقلاً , يجب أن تفهم اميركا أننا لا نسعى أبداً ولا نشجع الرأي القائل بقطع النفط وبالتالي إمدادات النفط يجب أن تؤمن ليس باحتلال العراق وإنما بتبادل المصالح , وبالتالي يصبح ما بيننا اختلاف تكتيكي بسيط يتعلق بالسعر العادي.
اما عن مدى تضرر البلدان العربية من الحرب وتحديدا العقود المصرية والسعودية والأردنية والسوريا , فيجب أن أخوض هنا بمعيار حرية التجارة وعندما يكون لدي ما أبيعه سوف اظل أربح ،وبالتالي فالسؤال هل لدي قدرة على التنافس أم لا ؟ لأن العراق ليست إلا سوقاً آخر أغلق أو سيفتح أمامنا , ولكن البعض يبالغ في هذه النقطة ويقول ان الاميركان والبريطانيين سيستأثرون (بكعكة) إعمار العراق وأنا أرد على هؤلاء بالقول :
- هل لدينا صناعة محطات دولية للكهرباء؟
- هل لدينا محطات لتنقية النفايات ؟
بمعنى اخر ان ما يحتاجه العراق في بنيته الأساسية قد لا يستطيع العالم العربي إنتاجه, وبالتالي فأنت إما أن تكون مقاولا في بعض العقود أو مقاولا في مسألة البناء..شق الطرق ......الخ .
ولكن أي دولة في العالم العربي , حتى لو لم تكن العراق محتلة , تريد أن تستورد تكنولوجيا وآلات لا بد أن تلجأ إلى أوروبا والولايات المتحدة.
ما أقصده ألا نضخم من شعورنا بالمأساة .. رغم أن المأساة أكبر من كل ما نختلف عليه , لكن المشكلة مشكلة استراتيجية في الوفاق حول كيف سندير حكم العالم ، كيف سندير الأمن العالمي في غيبة من النظام الدولي, كوفي أنان رجل دبلوماسي وحاول ألا يخوض مواجهة مع الولايات المتحدة إنما كان دائماً يحاول أن يكون دبلوماسيا .. ولكنه في خطابه في الجمعية العامة كان واضحاً وقال ان العرض الأميركي الحالي لمحاولة ذهاب قوات الأمم المتحدة إلى العراق لا يساوي التضحية بأرواح ممثلي وموظفي الأمم المتحدة .
فحتى الأمم المتحدة ترى أنها تهمش وترى ان الولايات المتحدة تحاول أن تتخطى النظام العالمي السياسي والأمني والاقتصادي وهذه هي الكارثة الحقيقية.
أما اشتراكنا في إعمار العراق فهذا يتوقف على قدرتنا على الاشتراك وعلى تقبل الشعب العراقي لأنني أخشى وجود حملة مضادة لنا في الرأي العام العراقي تجعل العراقيين يقولون أن العرب قصروا في حقهم حينما ساندوا صدام حسين إبان حكمه .. والحقيقة أننا لم نكن أبداً كذلك.
وبعثات الأخوة الذي ذهبت إلى العراق إبان الحملة عليه لم يكن القصد منها دعم صمود الشعب العراقي في مواجهة احتلال محتمل ولا أتصور أن هناك عراقياً يرحب بالاحتلال حتى وإن كان بديلاً للنظام لأن ليس البديل لنظام داخلي فاسد أن آتي بمستعمر يستعمرني ..وأتصور أن كافة العراقيين العقلاء يدركون هذا تماماً .
* ما السيناريوهات المتوقعة للواقع النفطي في العالم العربي على ضوء الاحتلال ؟
** أعتقد أن الانخفاض التراجيدي في أسعار النفط يضر أوروبا أيضاً "يضر الدول المنتجة (بريطانيا ودول الشمال) , ويضر بكثير من المناطق وبالتالي سيؤدي إلى خروجها من حلبة الإنتاج ولهذا لا أحد يتوقع هبوط النفط عن 16 دولارا مثلاً , لكن السعر العادل كما طرحه معظم خبراء النفط العرب يقارب ما كان عليه الوضع في سنة 1972 أي أن يكون سعر برميل النفط اليوم 34 دولارا كما لو كنت أبيعه بـ3 دولارات سنة 1972 أخذاً بمعيار التضخم ومعيار سعر الدولار في مواجهة قاعدة الذهب , هناك من يقول ان جزءا من التوجه الأميركي لاحتلال العراق هو جزء اقتصادي نفطي .. هذا صحيح ولكن صناعة السلاح وراءه أيضاً , لكن المفهوم الأشمل والاعم هو إحداث ترتيبات في خريطة الأمن والسياسة العالمية على الهوى الأميركي وهذا هو الطرح الأهم.

 

أعلى




في حوار ممتع مع الباحث السوري فراس السواح

أرض فلسطين لم تعرف شعباً متميزاً اسمه الشعب الإسرائيلي

كل ما اصطلح على تسميته بالإسرائيلي أو العبري هو كنعاني في حقيقته وجوهره ومظهره

دمشق ـ من وحيد تاجا :
كشف عالم الآثار الإسرائيلي زئيف هرتسوغ في مقاله المنشور في صحيفة هآرتس بتاريخ 28/10/1999 انه بعد سبعين عاماً من الحفريات الأثرية في أرض فلسطين توصل علماء الآثار إلى استنتاج مخيف، الأمر مختلف من الأساس فأفعال الآباء هي مجرد أساطير شعبية، ونحن لم نهاجر لمصر ولم نرحل من هنالك، وليس هناك أي ذكر لإمبراطورية داوود وسليمان، والباحثون والمختصون يعرفون هذه الوقائع منذ وقت طويل ولكن المجتمع لا يعرف.
وهو بهذا الاعتراف الصريح يكشف زيف الحق التاريخي الإسرائيلي المزعوم ويفجر قنبلة من الداخل نسفت الأساس الذي بنت عليه الصهيونية كل ما ارتكبته من آثام بحق الشعب العربي الفلسطيني.
حول هذا الموضوع وغيره التقت (الوطن) مع الباحث السوري فراس السواح صاحب كتاب (الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم) والذي كان قدم عددا من المحاضرات حول (اركيولوجيا فلسطين والتوراة السورية ) .
والأستاذ السواح معروف في الساحة الفكرية والثقافية في سوريا وغيرها من خلال أبحاثه وكتبه، والتي كان من أهمها: مغامرة العقل الأولى، ملحمة جلجامش، لغز عشتار, الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم , ارام دمشق واسرائيل في التاريخ التوراتي , الاسطورة والمعنى .
- قبل الولوج إلى متن موضوعنا أود أن استفسرك حول مفهوم
* اركيولوجيا فلسطين والتوراة السورية) ماذا قصـدت بالتحديـد ؟
** الشطر الأول من العنوان ليس مفتاحاً للدخول إلى علم آثار فلسطين والغوص في تقنيات الأركيولوجيا الحديثة المعقدة، بل هو اختصار لعنوان أطول هو: ( تاريخ فلسطين استناداً إلى نتائج التقنيات الأثرية الحديثة) أما الشطر الثاني من العنوان فليس مقدمة للكشف عن وجود توراة سورية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل مقدمة لوضع كتاب التوراة المعروفة في إطاره الثقافي الحقيقي الأوسع وهو الثقافة السورية القديمة. معارضاً بذلك على طول الخط وبشكل مبدئي وحاسم، نظرية التوراة المعروف التي جاءت من جزيرة العرب، وهي النظرية التي أثارت عند صدورها جدلاً واسع النطاق في الأوساط الأكاديمية العربية، وزرعت الكثير من التشويش في أذهان القراء والمثقفين عامة. وقد اعتمدنا في منهجنا على إجراء تقاطعات بين ثلاثة محاور هي:
1- نتائج التنقيب الأثري في فلسطين.
2- الحدث التاريخي المثبت وفق منهج علم التاريخ.
3- الرواية التوراتية.
وذلك من أجل الكشف عن حقيقة ما جرى في فلسطين خلال الجزء الأخير من الألف الثانية قبل الميلاد وكامل الألف قبل الميلاد ، ( وهي الفترة التي تغطيها أحداث التوراة) ، ومن أجل وضع تعريف لما يسمى بالثقافة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي.
* بدأت منظمة التنقيب في فلسطين التي أحدثت في بريطانيا عام 1865 التنقيب الاركيولوجي في فلسطين منذ أواسط القرن الماضي، هل لك بإعطائنا لمحة موجزة عن أهداف هذه المنظمة وما تركته من أثر ؟
** جاء في معرض تحديد أهداف المنظمة المذكورة ما يلي:
ان المنظمة تهدف إلى القيام بالتحريات الجادة في مجال التنقيب الأثري والدراسات الطبوغرافية والجيولوجيا الجغرافية وعادات وتقاليد الأرض المقدسة، وذلك من أجل إلقاء الضوء على كتاب التوراة ومنذ ذلك الوقت تتابعت أجيال المنقبين وكلٌ يحمل التوراة بيد والمعول باليد الأخرى، في محاولة لإثبات صحة التوراة، وبذلك حكم على علم الآثار في فلسطين منذ البداية بمرض الكساح التوراتي الذي يعمي البصر والبصيرة في آنٍ معاً. ومع ذلك فقد استطاع عدد من المنقبين الموضوعيين خلال العشرين سنة الأخيرة، التوصل إلى نتائج علمية لم ترضِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي، من أمثال الهولندي فرانكن والأميركية كاثلين كينيون وقد منعت الأخيرة من التنقيب في فلسطين ودخول الأرض المحتلة خلال السنوات الأخيرة التي سبقت وفاتها عام 1978. وهؤلاء المنقبون حاولوا رسم صورة أولية لتاريخ فلسطين خلال الحقبة التوراتية التي سوف نقسمها لسهولة البحث في المراحل التالية:
1- عصر الآباء ، 2- الخروج من مصر ، 3- الاستقرار في كنعان وعصر القضاة ، 4- المملكة الموحدة ،5 - الانقسام ، 6- الانهيار.

* اذا اتفقنا جدلاً مع التقسيم الذي قدمته.. فحول عصر الآباء هناك اتفاق بين المؤرخين على أن تحركات الآباء الواردة في سفر التكوين قد جاءت في فترة الاضطراب التي أحدثها ظهور العموريين في الهلال الخصيب، ما قولك ؟
** تشير البينات الأثرية في فلسطين إلى دمار كامل لعدد كبير من المدن وحصول فترة فراغ طويلة في حياة دويلات المدن الفلسطينية، مما يدل على أن القادمين الجدد كانوا من البداة الرعاة الذين لم يأبهوا لسكن الحواضر. والرأي الشائع، أن الآباء ينتسبون إلى هذه الأقوام وذلك اعتماداً على الأصول اللغوية لأسمائهم، وإن تحركاتهم التي ابتدأت مع نزوح إبراهيم من بلاد الرافدين، قد انطلقت منذ مطلع القرن الثامن عشر قبل الميلاد ( 1800ق.م).وفي الحقيقة لا يمكن أن نتوقع العثور على أي بينات آثارية تثبت رواية سفر التكوين ، لأن تحركات الآباء كانت في حقيقتها تحركات قبلية قامت بها مجموعات متنقلة لم تعرف الاستقرار ولا سكن الحواضر . أما النصوص التاريخية فصامتة تماماً عن هذا الموضوع سواء في بلاد الرافدين أو فلسطين أو مصر التي يفترض أن يوسف ( ع ) ابن يعقوب ( ع) قد رحل إليها وصار هناك وزير أول لفرعون، وذلك حسب الرواية التوراتية. من هنا فإن كل ما كتب ويكتب اليوم حول هذه الفترة من إبراهيم ( ع) إلى يوسف ( ع) هو محض تخيل وافتراض ومحاولة لاستقراء نصوص التوراة وتفسيرها بكثير من حرية الخيال، لذا فإننا واجدون من النظريات حول هذا الموضوع قدر ما لدينا من كتاب تصدوا له من مؤرخين ولغويين وعلماء أديان. ولا نريد هنا أن نضيف أي جديد إلى ذلك العدد الكبير من النظريات، بل نكتفي بالقول بأن الفصل في أمر عصر الآباء استناداً إلى علم الاركيولوجيا والتاريخ غير ممكن في الوقت الحاضر.
* يصمت كتاب التوراة صمتاً تاماً عن الفترة التي قضاها في مصر أبناء يعقوب ( ع) الذي صار اسمه إسرائيل بأمر الرب. فالنص ينتقل مباشرة من موت يوسف (ع) واستعباد بني إسرائيل من بعده، إلى مولد موسى (ع) بعد أربعمائة سنة من ذلك، وما قولك في هذا ؟
** هذا صحيح، وهذا ما دفع كثير من الباحثين إلى الاعتقاد بعدم وجود علاقة بين قصص الآباء وقصة الخروج من مصر، وبأن الربط قد تم في الأزمان المتأخرة على يد مؤلفي التوراة. أما عن زمن الخروج، فقد تم اتفاق المؤرخين اليوم على وضعه قرابة عام 1260ق.م إبان حكم الفرعون رمسيس الثاني الذي اشتهر بتشييد المباني العامة والصروح الضخمة معتمداً على اليد العاملة المسخرة، والذي اتخذ عاصمة له في منطقة الدلتا، وهو موقع يسهل الفرار منه إلى بلاد الشام القريبة. واعتماد هذا التاريخ من قبل المؤرخين لم يتم استناداً إلى بينات تاريخية أو مكتشفات أثرية، بل استناداً إلى أحداث توراتية أحداث متأخرة ثابتة تاريخياً، والرجوع، من ثم، إلى الوراء إثر الأحداث الأسبق. فرغم المجهود الكبير الذي بذله المؤرخون التوراتيون لإثبات تاريخية قصة الخروج من مصر، فإن التاريخ وعلم الآثار بقيا صامتين صمتاً مطبقاً عن ذلك الحدث المركزي في تاريخ ومعتقد بني إسرائيل. وكذلك الأمر فيما يتعلق برواية عبور الأردن واقتحام بلاد كنعان. فالمقاومة المسلحة التي واجهها الإسرائيليون من ملوك شرقي الأردن لا أساس لها من الصحة، لأن منطقة شرقي الأردن كانت خيالية من المراكز الحضرية بين القرن السابع عشر والقرن العاشر، كما أثبت ذلك علم الآثار. أما الاقتحام الصاعق للأراضي الكنعانية عبر الأردن وتدمير وإحراق مدنها الرئيسية، فلم تقم عليه بينة آثارية أو تاريخية، بل على العكس من ذلك، لأن الأركيولوجيا الحديثة في فلسطين أثبتت بطلان الرواية التوراتية.
* تروي التوراة في سفر يشوع عملية تدمير ثلاث مدن كبرى وإحراقها وقتل سكانها عن بكرة أبيهم وهي مدن أريحا وعاي وحاصور. فماذا تقول نتائج التنقيب الاركيولوجي في هذا ؟
** فيما يتعلق بأريحا، تعطي التوراة وصفاً درامياً حياً لاقتحام المدينة وتدميرها. فبعد الدوران حول السور ست مرات حاملين تابوت العهد، تسقط الأسوار من تلقاء ذاتها أمام الإسرائيليين الذين يدخلون المدينة ويقتلون من فيها من رجل وامرأة وطفل وشيخ وبقر وغنم وحمير.
وقد فسر بعض المؤرخين سقوط أريحا على أنه نتيجة زلزال نسبه المهاجمون إلى معجزة من الرب. ولكن لعلم الآثار رأياً مختلفاً في هذا الموضوع. فرغم أن الزلازل كانت متكررة الوقوع في فلسطين. وأن سور أريحا قد تصدع بسببها أكثر من مرة، إلا أن كلا من آثار الدمار الزلزالية في أريحا تعود إلى أزمنة سابقة بكثير للتاريخ المفترض لاجتياح الإسرائيليين. وقد ثبت أن آخر الزلازل المدمرة قد وقع في العصر البرونزي الأول حوالي عام 2300ق.م وأن المدينة قد بنيت مجدداً في العصر البرونزي الوسيط حوالي عام 900 حيث استمرت الحياة فيها إلى عام 1560 ثم هجرت تماماً. وعندما عادت الحياة إليها في العصر البرونزي الأخير انتعشت جزئياً لفترة قصيرة، ولكن دون أسوار أو تحصينات ، فتهجر قبل نهاية عام 1300ق.م ، ويغمرها النسيان إلى ما بعد العصر الحديدي الأول خلال مطلع الألف الأول ق.م أي أنه لم يكن هناك مدينة اسمها أريحا عندما دخل الإسرائيليون إلى فلسطين حوالي 1200ق.م.
وفيما يتعلق بمدينة عاي تشير البينات الآثارية إلى أن المدينة قد انتهت تماماً قبل ألف عام من وصول الإسرائيليين، وعلى ذلك فإن أوائلهم لم يسمعوا إلا بذكرى تلك المدينة العظيمة التي ازدهرت في مطلع العصر البرونزي. وتم الكشف في المستويات العليا لموقع المدينة على قرية صغيرة غير ذات شأن تعود إلى عصر الحديد الأول، أي بعد فترة لا بأس بها من دخول الإسرائيليين.
أما مدينة حاصور ، فتدل التنقيبات الأثرية في الموقع على أن المدينة قد دمرت تماماً في نهاية القرن الرابع عشر ق.م. وهو التدمير الذي يتطابق في تاريخه مع حملة الفرعون سيتي على سوريا الجنوبية ثم أعيد بناء المدينة مباشرةً لتحترق وتدمر بعد فترة قصيرة دون أن تصل حياتها إلى أواخر القرن الثالث عشر ، وتعاصر فترة دخول الإسرائيليين ، وقد كشف في موقع المدينة على قرية صغيرة تعود إلى العصر الحديدي الأول. في مطلع الألف الأول ق.م.
من هذه الأمثلة الثلاثة ومن مطابقة بقية الرواية التوراتية لاقتحام فلسطين على نتائج التنقيب الاركيولوجي . نستنتج أن مؤلفي التوراة قد ضموا في رواية واحدة أزمنة وأحداثاً متباعدة لا يربطها رابط، وصاغوها ضمن تسلسل زمني فشكلوا منها رواية متماسكة من بدايات توافدهم في أرض كنعان . وبشكل عام تثبت التنقيبات الأثرية في فلسطين استمراراً لحضارة كنعانية متصلة خلال الألف الثاني قبل الميلاد دون انقطاع أو فجوات أو تغيير في الأنماط الفنية والمعمارية أو أنماط الاستيطان ،إلا بما تستدعيه حركة التطور داخل الحضارة الواحدة ، ولا يستطيع عالم الآثار أن يثبت أنه في وقت ما من النصف الثاني للألف الثانية قبل الميلاد قد حلت في فلسطين أقوام جديدة ذات ثقافة جديدة مغايرة للثقافة الكنعانية السائدة ، وتركت بصمة حضارية متميزة وذلك فيما عدا الشريط الساحلي الذي استوطنته موجة من شعوب البحر في مطلع القرن الثاني عشر دعيت الفلستيين ، فهنا استطاع علم الآثار أن يحدد تاريخ قدوم هذا الشعب الجديد اعتماداً على التغيير الواقع في الأنماط الخزفية وغيرها من البقايا المادية والفنية للسكان الجدد. وقد تتطابق الزمن الاركيولوجي ، في هذه الحالة ، إلى حدّ كبير من الزمن الذي حدده المؤرخون لاستيطان الفلستيين في ساحة كنعان الفلسطيني.
* بعد سفر يشوع الذي وصف اقتحام القبائل الإسرائيلية الإثني عشر أرض كنعان واستيلائها على فلسطين الداخلية كاملة ، نجد سفر القضاة يعطينا صورة مختلفة عن تلك القبائل المنتصرة ؟
** بعد الاستقرار في الأرض الجديدة ، نجد أن القادمين الجدد ليسوا إلا جماعات مفككة منقسمة إلى فريقين متخاصمين هما القبائل الشمالية والقبائل الجنوبية ، وأن خطاً من المدن الكنعانية القوية تشكله أورشليم وجازر وعجلون ، يفصل بين المجموعتين ويمنع اتصالهما ، وإن كثيراً من المدن الكنعانية التي من المفترض أنها وقعت أيدي الإسرائيليين إبان اجتياحهم ، تعيش حياتها الطبيعية كمدن مستقلة ، كما نجد أن منتصري الأمس ليسوا إلا فرقاً مستضعفة واقعة تحت نير جيرانهم الفلستيين يضطهدونهم ويسومونهم سوء العذاب . ويفسر المؤرخون من ذوي الاتجاه التوراتي هذا الواقع المتناقض تفسيرات أكثر تناقضاً وأقرب إلى النفس اللاهوتي منها إلى المنطق التاريخي . ولنقرأ على سبيل المثال ما يقوله عالم اللغات القديمة اللامع البروفيسور سيروس هـ.غوردن في كتابه الشرق الأدنى القديم الذي أفرد ثلثيه لتاريخ بني إسرائيل في معرض تفسيره لأحوال الإسرائيليين في عصر القضاة يقول غوردن:
عند اقتحام أرض كنعان لم يمارس الإسرائيليون عملية إبادة كاملة للكنعانيين ولم يطردوهم من أرضهم ومدنهم . وحينما كانت شوكة الإسرائيليين تقوى كانوا يستعبدون الكنعانيين ويشغلونهم في أعمال السخرة لصالحهم . لقد أرادت المشيئة الإلهية إبقاء الكنعانيين إلى جانب بني إسرائيل من أجل إبقاء روح النضال قوية وشعلة الإيمان متقدة في إسرائيل ، فإذا رجحت كفة الكنعانيين في الصراع ، عاد الإسرائيليون عن غيهم وانقلبوا إلى عبادة الإله الواحد القادر على تخليصهم من أعدائهم . لقد دام عصر القضاة أكثر من قرنين من الزمان ، ومع ذلك لم يستطع علم الآثار تقديم أي دليل على وجود الإسرائيليين خلال هذه الفترة في فلسطين . فإما أن يكون القادمون الجدد على جانب كبير من الهمجية والتخلف إلى درجة لم تمكنهم من التأثير بجيرانهم المتطورين وتطوير ثقافة خاصة بهم خلال قرنين من الزمن وهذه فرصة أقرب إلى المستحيل ، أو أن هؤلاء القادمين المفترضين لم يكن لهم وجود تاريخي قط.
* دامت المملكة الموحدة للإسرائيليين ، وفق الرواية التوراتية ،ثلاثة أرباع القرن . وهي الفترة الوحيدة التي عاش خلالها الإسرائيليون تحت لواء واحد . وقد أطنبت التوراة في وصف قوة واتساع تلك الدولة بطريقة تداخلت معها الحقيقة بالخرافة والخيال . هل لك أن تحدثنا عن هذه الفترة ؟
** بعد موت شاؤول أول ملوك بني اسرائيل ، خلفه الملك الشاب داوود الذي هزم الفلستيين ، ووجه أنظاره بعد ذلك إلى أورشليم فاستولى عليها وأزاح الخط الفاصل بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب ، ووحد لأول مرة وآخر مرة قبائل بني إسرائيل في مملكة واحدة . ثم اتجه بعد ذلك إلى التوسع ، فأخضع منطقة شرقي الأردن واستولى على عدد من الممالك الآرامية في سوريا من بينها دمشق وحماة . أما ابنه سليمان فقد اتجه إلى البناء والتشييد والتجارة والنشاط الدبلوماسي . بنى سليمان في أورشليم هيكل العرب . الذي كان أعجوبة البناء في عصره ، وبنى إلى جانبه المنطقة الكلية بقصورها المتعددة وأبنيتها الإدارية وجعلها العاصمة وحصنها تحصيناً قوياً . وإضافة إلى أورشليم فقد أعاد سليمان بناء ثلاث مدن كنعانية قديمة هي حاصور وجازر ومجيدو ، وقد بلغ من ثروة سليمان في ذلك الوقت أن سفنه قد جاءت في إحدى غزواتها محملة بأربعمائة قنطار من الذهب (أي ما يعادل سبعة عشر ألف كيلو غرام بأوزاننا المعروفة اليوم)وبلغ من رخاء الناس أن الفضة في أورشليم كانت مثل الحجارة . فأين هذا الإطناب التوراتي من البينة الاركيولوجية والتاريخية ؟
في الحقيقة لم يمكن حتى الآن التثبت تاريخياً من وجود مملكة داوود وسليمان ، أو من توسعها إلى الحدود المذكورة في التوراة . ولم يمكن العثور حتى الآن على نص واحد فيه ذكر لداوود الفاتح أو لسليمان العظيم ، سواء في آرام أو في كنعان أو بلاد الرافدين أو مصر التي زوجت ابنة فرعونها إلى سليمان ، أما البينات الاركيولوجية فتشير إلى استمرار الحضارة الكنعانية في المملكة الإسرائيلية المفترضة . ففي أورشليم ، ومدينة سليمان ، تتابعت البعثات التنقيبية منذ أواسط القرن الماضي إلى عام 1967 ، دون تحقيق نتائج تذكر فيما يتعلق بالكشف عن المدينة القديمة . وقد صار مؤكداً الآن استحالة الحصول على حجر واحد من بقايا المدينة السليمانية . وأقصى ما استطاع المنقبون الوصول إليه هو المدينة البيزنطية والمدينة الرومانية من تحتها . وكذلك الأمر فيما يتعلق بهيكل سليمان ، فالمعبد بني مرة ثانية بعد العودة من السبي البابلي ، ثم تم توسيعه على يد هيرود في أواخر القرن الأول قبل الميلاد . وقد تهدم هذا بدوره ليبنى فوقه بعد ذلك المسجد الأقصى وقبة الصخرة .
إلا أن المخططات التي وضعها الباحثون للمعبد في العصر الحديث واعتماداً على وصفه الدقيق في كتاب التوراة ، تظهر بوضوح أنه لم يكن إلا بناءً كنعانياً في إجماله وطبيعة تفاصيله وطريقة بنائه . وقد تم العثور خلال التنقيبات الحديثة سواء في فينيقيا أم في سوريا الداخلية على معابد ذات تصميم وأسلوب بناء مشابه لمعبد سليمان . أما تزينات المعبد الداخلية فقد تم العثور على أشباهها في مدن السامرة ومجيدة بفلسطين وأرسلان طاش بسوريا وكلها ذات طراز كنعاني واضح.
* على افتراض أن هيكل سليمان ، قد وجد فعلاً ، وبالطريقة التي وصف بها التوراة . فهل كان معبداً مكرساً لعبادة الإله يهوه وحده . أم لعبادة مجمع آلهة ؟
** إن جزءاً من الجواب على هذا السؤال يكمن في الاكتشاف المثير الذي تم في تنقيبات الحملة الاركيولوجية الأخيرة في منطقة أورشليم من عام 1961 إلى عام 1967 . فبعد أن صرف المنقبون أذهانهم نهائياً عن معبد سليمان ، عثروا على مقربة من مكانه المفترض وضمن مسافة لا تزيد عن ثلاثمائة متر من جدرانه على معبد صغير يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد ، وقد تبين فيما بعد أنه معبد كنعاني مكرس لعبادة آلهة الخصب ، وذلك اعتماداً على وجود نصب لـالمازيبوت ( وهو نصب مشكل من عمود أو عمودين يرفعان رمزاً لآلهة الخصب في جميع معابد كنعان) ، وعلى وجود عدد كبير من التماثيل الصغيرة الممثلة للآلهة عشتار في غرفة معدة لخزن النذور . وإذا كانت تنقصنا البيئة المباشرة من أورشليم ذاتها على الطابع العام للمدينة السليمانية ، فإن بعض المراكز القريبة من العاصمة والتي تم الكشف عنها مؤخراً، تظهر طابعاً كنعانياً واضحاً من الطرز المعمارية وأسلوب البناء . من هذه المراكز ذلك القصر الذي اكتشف في تل رامان راحيل جنوب غربي القدس ، والذي كان مركزاً إدارياً تابعاً للقصر الملكي في أورشليم . أما قصور سليمان الخرافية التي بناها لزوجاته العديدات حول المدينة ، واصطبلاته التي تؤوي آلاف الأحصنة ، ومراكزه الإدارية ، وكلها مما أطنب التوراة في وصفه فلم يعثر لها جميعاً على أثر.
فإذا انتقلنا إلى المدن الثلاث التي أعاد سليمان بناءها وهي حاصور ومجيدو وجازر وجدنا علم الآثار في موقع أفضل لتقديم معلومات عنها فالمدن الثلاث كانت مواقع كنعانية هامة في الماضي ، دمرت وأعيد بناؤها في أواسط القرن العاشر ولذا يمكن أن يعزى هذا البناء الجديد إلى الملك سليمان . تعتبر مدينة مجيدو أكبر هذه المدن وقد تم الكشف فيها عن عدد من القصور والمباني العامة الكبيرة وكلها تحمل الطابع الكنعاني . أما حاصور وجازر فلم يعثر المنقبون في موقعها إلا على بلدتين صغيرتين من العصر السليماني . وفيما عدا ذلك فإن التنقيبات الأثرية في مملكة سليمان لم تستطع تقديم بيانات على ازدهار المملكة ورخاء أهلها ، فجميع مواقع التنقيب تشير إلى أن سواد أهل المملكة كانوا يعيشون حياة ريفية فقيرة جداً وبسيطة إلى أبعد الحدود ، الأمر الذي عزاه المنقبون إلى تركيز الملك على العاصمة وبذله معظم موارد الدولة من أجل تنظيمها وتجميلها ، وهذا تفسير يصعب إثبات صحته لأن أورشليم السليمانية قد ضاعت إلى الأبد.
* من المعروف انه بعد موت الملك سليمان عام 925 ق.م عادت الخلافات القبلية من جديد وانقسمت اسرائيل إلى مملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها السامرة ، ومملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها أورشليم. وقد تبع مملكة الشمال عشرة أسباط أما مملكة الجنوب فلها سبط واحد هو سبط يهوذا ، وتوزع السبط الثاني عشر بين المملكتين اللتين عاشتا في صراع دائم حتى دمارهما على يد الفاتح الآشوري ومن بعده البابلي . فهل هذا ما ذهبت إليه في حديثك عن عصر الانقسام ؟
** نعم ، ففي الشمال كانت تربطه أول عاصمة لمملكة إسرائيل ، ثم قام الملك عمري ببناء عاصمة جديدة له هي مدينة السامرة ، التي أقامها على التربة العذراء فوق تل اشتراه من أحد المواطنين . وفي الحقيقة فإن مدينة السامرة هذه هي الوحيدة التي يمكن أن يعزى بناؤها إلى الإسرائيليون في فلسطين ، سواء استناداً إلى الرواية التوراتية أو إلى نتائج التنقيبات الأثرية أما بقية المدن فإما أنها جددت أو بنيت فوق مواقع مدن أسبق منها ، كما هو الحال في مدن سليمان الآنفة الذكر. وقد تطابقت نتائج المكتشفات الأثرية في موقعي السامرة وترهة مع الرواية التوراتية ، إذ نجد أن تاريخ نهاية موقع ترهة وهجرانها يتطابق اركيولوجياً مع بداية السامرة التي انتقل إليها أهالي العاصمة القديمة ، كما نجد أن السامرة قد بنيت على التربة العذراء دون مستويات اركيولوجية سابقة عليها . وتعطينا مدينة السامرة أوضح مثال على الطراز الكنعاني للمدن التوراتية . ففي المنطقة التي تم الكشف عنها بصورة كاملة، وهي السور والمنطقة الملكية والمركز الإداري للمدينة. يتجلى الطابع الكنعاني في التنظيم والعمارة وأسلوب البناء، أما في مجال الفن فقد أمدتنا خرائب قصر الملك اخاب بن عمري ( وهو المعروف في التوراة بقصر العاج) بعدد كبير من كسرات التزينات العاجية لمنحوتات بارزة كانت تزين جدران القصر وأثاثه الخشبي وكلها ذات طابع كنعاني واضح. كما عثر في قصر الملك الآشوري سرغون الثاني على منحوتات بارزة سليمة تماماً شبيهة بمنحوتات السامرة، مما يدل على أن الفاتح الآشوري الذي دمر السامرة قد أخذ بعض هذه الأعمال الفنية غنيمةً له، أو أنها قد قدمت له من قبل ذلك مع الجزية التي كانت المدينة تؤديها، هذا ويمكن مقارنة المنحوتات العاجية السامرية بمجموعة شبيهة تم العثور عليها في موقع أرسلان طاش تماثلاً يكاد أن يكون كاملاً مع القطع السامرية وبشكل عام يمكن القول اعتماداً على نتائج التنقيب الأثرية أن المملكة الحقيقية المزدهرة قد استمرت في الشمال حيث الأراضي الزراعية الخصبة والطرق المفتوحة على التجار في البر والبحر. أما في المملكة الجنوبية التي لم تنل من القسمة إلا الأرض البور، فقد عاشت أورشليم حالة عزلة محاطة ببلاد معادية من جميع جهاتها. وبينما انفتحت السامرة على بقية العالم الكنعاني والآرامي وصارت جزءاً منه إلى أن ذابت تماماً في الثقافة الهلنستية اللاحقة، ازداد انكفاء مملكة يهوذا على نفسها تدريجياً ودخلت عصر التحجر والمحافظة الذي عاشه اليهود حتى نهاية تاريخهم.
* في عهد فقحيا وهوشع، اجتاح الآشوريون مملكة إسرائيل على مرحلتين، وتم تدمير معظم مراكزها الحضرية بين عام 732 وعام 722 وسيق معظم سكانها أسرى حيث تم توزيعهم في أماكن متفرقة من الإمبراطورية الآشورية. فماذا تقول نتائج الاكتشافات الأثرية في هذا؟
** هنا تتطابق نتائج الاكتشافات الأثرية والنصوص التاريخية مع الرواية التوراتية . ففي موقع حاصور تظهر بدقة آثار التدمير الآشوري، حيث عثر على سميك من الرماد فوق موقع المستوى الاركيولوجي الخامس للموقع، وبينات واضحة على الدمار الكامل للمدينة، وأمكن إرجاع هذه الآثار إلى تاريخ موازٍ لفترة سرغون الثاني فاتح السامرة. وفي موقع مجيدو تظهر أيضاً آثار التدمير الشامل للمدينة حوالي التاريخ نفسه، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالسامرة التي سويت أبنيتها بالتراب. وتتفق النصوص التاريخية الآشورية مع الرواية التوراتية. فقد تم العثور على خرائب قصر سرغون الثاني على نصين يتحدث فيهما الملك الآشوري. عن فتح السامرة، يقول في أولهما: أنا حاصرت مدينة السامرة وأخذتها وجلوت 27280 من سكانها ويقول في الثاني: في بدء ملكي حاصرت وفتحت السامرة وجلوت 27280 من سكانها وأتيت إلى مكان من جلوتهم بسكان من البلاد التي كنت ملكتها وفرضت عليهم جزية كجزية الآشوريين.
لقد كان الفتح الآشوري نهاية لمملكة إسرائيل لم تقم لها بعده قائمة، والأسرى الذين وزعهم الآشوريون في أرجاء الإمبراطورية لم يعودوا إلى بلادهم بعد ذلك، وضاعت الأسباط العشرة من سكان مملكة السامرة إلى الأبد. أما السكان الجدد الذين حلوا محل المسبيين فقد جلبوا معهم آلهتهم وثقافتهم التي تفاعلت فيما بينها مشكلة ثقافية كوزموبوليتانية جديدة. ولم يتأخر دور مملكة يهوذا كثيراً في تلقي ضربات آشور، وهي التي استعدت الآشوريين على مملكة السامرة. ففي عام 701 ق.م توجه سنحاريب ابن سرغون الثاني إلى فلسطين وأخذ جميع مدنها وحاصر أورشليم. نقرأ عن هذا الحدث في سفر الملوك الثاني وفي السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا صعد سنحاريب ملك آشور على جميع مدن يهوذا الحصينة وأخذها. وأرسل حزقيا ملك يهوذا إلى ملك آشور يقول قد أخطأت، ارجع عني ومهما جعلت علي حملته. فوضع ملك آشور على حزقيا ملك يهوذا ثلاث مائة وزنه من الفضة وثلاثين وزنه من الذهب وهنا تتطابق الرواية الآشورية مع الرواية التوراتية في معظم تفاصيلها. ففي لوح دوَّن عليه سنحاريب أخبار انتصاراته في سوريا نقرأ ما يلي في الجزء الخاص بمملكة يهوذا: وأما حزقيا ملك يهوذا الذي أبى الخضوع فأخذت ستاً وأربعين من مدنه الحصينة عدا القرى والمزارع التي لا تعد وهو نفسه أمسى كعصفور في قفص في عاصمته أورشليم فأدى إلى جزية ثلاثين قنطاراً من الذهب وثمانمائة قنطار من الفضة.
أما الدمار النهائي لمملكة يهوذا فقد جاء بعد ذلك بحوالي قرن من الزمن، وذلك في عصر المملكة البابلية الجديدة، حين شن الملك نبوخذ نصر حملتين على يهوذا في عامي 597 و 587، ودمر في ثانيتهما مدينة أورشليم وهدم هيكلها المقدس، وساق أهل يهوذا أسرى إلى بابل ولم يبق في البلاد سوى فقراء المزارعين. وهنا تظهر التنقيبات الأثرية في المستويات العائدة إلى نفس التاريخ آثار الحملات البابلية.فنجد مدن يهوذا الرئيسية وقد دمرت وانقطع فيها نمط الاستيطان السابق لفترة طويلة قادمة. كما يظهر المسح الاركيولوجي في شمال فلسطين وجنوبها أن المنطقة كانت معطلة حضارياً بشكل كامل خلال القرون الثلاثة التي تلت سقوط مملكة يهوذا. فسكان السامرة، كما أشرنا منذ قليل، لم يعودوا أبداً من منافيهم المتعددة التي أخذوا إليها، أما القلة القليلة التي عادت من الأسر البابلي إلى أورشليم ورممت الهيكل القديم، فلم تكن كافية لإعادة الحياة إلى المملكة المتصدعة.وقد حاولت هذه القلة اليهودية المفككة لملمة نفسها والاستقلال بدولة صغيرة في نهاية القرن الثاني ق.م.
إبان العصر السلوقي فيما يعرف بحركة المكابين، ولكن السلوقيين قمعوا الحركة بقسوة بالغة ودمروا أورشليم عام 701ق.م ليعاد بناؤها عام 60ق.م وعندما فتح الرومان سوريا، بقيت هذه القلة اليهودية تثير المتاعب للرومان حتى حمل عليهم القائد الروماني، تيتوس عام 70 ميلادية فدمروا أورشليم دماراً كاملاً وقتل معظم أهلها وساق من بقي منهم ليقتل في مصارعة الوحوش في الحلبات الرومانية المعروفة أما العدد القليل الذي نجا، فقد لجأ إلى المناطق المجاورة في بلاد الرافدين ومصر والشام، واختفى ذكرهم من فلسطين منذ ذلك التاريخ.
* بعد هذا العرض السريع للتاريخ التوراتي ومقارنته بنتائج التنقيب الأثري الموضوعي، والحقائق التاريخية الثابتة ، ما هي النتائج المبدئية التي تقودنا إليها هذه الوقائع ؟
** أولاً: اعتماداً على علم التاريخ و الاركيولوجيا الحديثة، لا نستطيع إثبات الرواية التوراتية إلا ابتداءً من عصر المملكة المنقسمة، أما مملكة داوود وسليمان فيمكن استنتاج وجودها، ولكننا لا نستطيع وضعها إلا في حيزها الطبيعي كدولة صغيرة جداً بمقياس ذلك العصر. وأما ما سبق ذلك من الرواية التوراتية فلا نستطيع أن نصنفه إلا في زمن الميثولوجية لسفر التكوين أو الملاحم البطولية فعصر الآباء هو جزء من المقدمة الميثولوجية لسفر التكوين، وهجرة بني إسرائيل إلى مصر وبقائهم فيها أربعمائة سنة ثم خروجهم وتجوالهم واقتحامهم أرض كنعان، فليست إلا من قبيل الملحمة الملأى بالمبالغات والتهويلات، مما تعودت الشعوب تدبيجه عن بدايات تاريخها. ولنا في الشاهنامة ملحمة الفرس خير دليل على ذلك. إلا أن الاحتمال يبقى قائماً في أن ملحمة الخروج ودخول كنعان قد بنيت على أحداث تاريخية بسيطة. فأغلب الظن أن الخروج من مصر قد قامت به مجموعة صغيرة من الفارين من أعمال السخرة من ذوي الأصول الآسيوية ؟ فشقت طريقها نحو شرق الأردن وتسللت بشكل تدريجي وسلمي إلى أرض كنعان، حيث تمازجت مع مجموعات أخرى من المقيمين في المنطقة ومعظمهم ممن لم يغادرها قط. وربما كان هذا هو السبب في تباين أهل الشمال عن أهل الجنوب الذين استوعبوا القادمين الجدد.
ثانياً: أن التماثل التام في حضارة فلسطين الكنعانية خلال الألف الثانية قبل الميلاد، وخصوصاً في الربع الأخير الذي لم تظهر الاركيولوجية أقل احتمال لحلول أقوام جديدة في فلسطين الداخلية خلاله، ينفي وبشكل علمي وحاسم الرواية التوراتية عن اقتحام بلاد كنعان من قبل جماعات كبيرة العدد ذات طابع ثقافي متميز. ويؤكد لنا أن الثقافة الكنعانية قد تابعت مسيرة تطورها الطبيعي خلال الألف الأولى قبل الميلاد. ففي جميع المواقع المفترضة لقيام المملكة الموحدة, ومن بعدها مملكة يهوذا. لا نعثر إلا على نمط كنعاني في العمارة وأسلوب البناء والأعمال الفنية وما إليها وخلال كامل الفترة الموسومة بالإسرائيلية في فلسطين، لا نستطيع أن نتبين أثراً واضحاً لثقافة متميزة يمكن أن تدعوها بالعبرية أو الإسرائيلية.
ثالثاً: اعتماداً على ذلك كله، نستطيع الوصول إلى النتيجة المنطقية الأخيرة، وهي أن أرض فلسطين لم تعرف شعباً متميزاً اسمه الشعب الإسرائيلي، ولا ثقافة خاصة يمكن تعريفها بالثقافة الإسرائيلية. فكل ما نراه ونلمسه خلال الفترة التوراتية في فلسطين هو ثقافة كنعانية في تطورها الذاتي الطبيعي. وبكلمة أخرى، أن كل ما اصطلح على تسميته بالإسرائيلي أو العبري، هو في حقيقته وجوهره ومظهره كنعاني.
* تطرقنا حتى الآن إلى ما اصطلح على تسميته بالثقافة الإسرائيلية ، فإذا انتقلنا إلى تراثها اللغوي والأدبي والديني، هل يمكن التثبت من النتائج التي توصلتم إليها ؟
** عندما نتكلم عن اللغة العبرية فإننا نعني بها لغة التوراة الذي بدئ بتدوينه بعد العودة من السبي البابلي أو خلاله، وأقدم نماذج وصلتنا عنها تلك الأجزاء المتفرقة من بعض أسفار التوراة التي عثر عليها ضمن مخطوطات البحر الميت في وادي قمران، والتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني قبل الميلاد . أما النص العبري الكامل للتوراة فيرجع إلى القرن الثامن الميلادي وهو معروف بالنص الماسوري الذي وضع الشكل الأخير للغة العبرية . ومنذ ابتدائهم بفك رموز الكتابة الكنعانية أدرك العلماء مدى صلتها باللغة العبرية. يقول إسرائيل ولفنستون، وهو مستشرق وعالم لغات مرموق، في كتابه تاريخ اللغات السامية الذي وضعه في مطلع القرن: إن كل آثار اللغة الكنعانية سواء ما وجد منها في وطنهم وما وجد في مستعمراتهم ، تدل على عظم قربها ومشابهتها للغة العبرية حتى كأنهما من أديم واحد . والذي لا شك فيه أن هناك فروقاً من جهة نطق كلمات كثيرة ، ولكن ليس في إمكاننا أن نقف على حقيقتها لأن الكتابات السامية لا تشمل إلا على الحروف دون الحركات . وأما من جهة اشتقاق الكلمات فإن الكنعانية هي بعينها العبرية. وبعد اكتشاف نصوص أوغاريت وترجمتها ترسخ الاعتقاد بأن لغة أوغاريت الكنعانية واللغة العبرية ليستا إلا لهجتين من اللهجات الكنعانية المتعددة، فالفروق بين الأوغاريتية والعبرية لم تكن بأبعد من الفروق بين الأوغاريتية والفينيقية في صيدا وصور وبيبلوس. وقد لجأ علماء التوراة إلى حل كثير من غوامض المقاطع التوراتية اعتماداً على اللغة الأوغاريتية نفسها. وكتاب التوراة نفسه لم يطلق على لغته اسم اللغة العبرية.فهو تارة يسميها باليهودية وأخرى باسمها الصحيح : الكنعانية.


أعلى



الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept