الخرطوم : مفاوضات السلام تتوقف غدا وتستأنف منتصف فبراير القادم
الخرطوم ـ من احمد حنقه:
وسط توقعات بتوصل طرفي التفاوض في مفاوضات السلام السودانية لاتفاق
جزئي حول المناطق الثلاث (ابي جبال النوبة والانقسنا) تتوقف غدا
جولة التفاوض بين نائب الرئيس السوداني علي عثمان طه وزعيم الحركة
الشعبية جون قرنق التي اكملت (53) يوما اثمرت اتفاق قسمة الثروة
.
وأكد الناطق الرسمي باسم الحركة الشعبية ياسر عرمان امكانية الوصول
الى اتفاق حول ملف المناطق الثلاث الذي يواجه صعوبات بالغة خاصة
في منطقة ابيي. وقال عرمان : انه بمزيد من الصبر والمثابرة يمكن
الوصل الى حلول مرضية للطرفين حول قضايا المناطق الثلاث .. مبينا
ان هذه القضايا ليست باصعب من القضايا التي تم الاتفاق عليها في
الترتيبات الامنية والعسكرية وقسمة الثروة .
ومن المنتظر ان يقوم الرئيس السوداني عمر البشير قبل استئناف التفاوض
بجولة لعدد من الدول العربية لاطلاع القادة العرب على آخر المستجدات
في عملية السلام .
وارسل الرئيس البشير امس بمبعوثين للزعيم الليبي معمر القذافي وهما
مساعداه مبارك الفاضل ووزير الداخلية اللواء عبد الرحيم محمد حسين
بهدف اطلاعه على تطورات السلام
والاوضاع في دارفور .
واكد وزير الخارجية السوداني د. مصطفى عثمان اسماعيل ان زيارة مبعوثي
الرئيس تأتي في اطار جهود السودان لاطلاع القادة العرب والافارقة
خاصة دول الجوار حول آخر المستجدات في نيفاشا وتطورات الاوضاع في
اقليم دارفور ومساعي الدولة لاحتوائها عبر الطرق السياسية .
الدكتور مصطفى اسماعيل وزير خارجية السودان لـ(الوطن):
حرب الجنوب حررت السودان وأفرزت سودان المشاركة السياسية والديمقراطية
الجديد
المصريون لم يعبروا عن مخاوف تجاه إمكانية تسميم منابع النيل ولن
يسكتوا إذا شعروا بوجود هذا التهديد
قرنق سيكون زعيما مؤقتا للجنوب.. الاتفاق ينص على إجراء انتخابات
ديمقراطية بإشراف دولي
إذا ثبت دعم قرنق لمتمردي دارفور سندرس الموقف ونتخذ القرار المناسب..
لا يمكن منح تقرير المصير للجميع
نعمل على إنجاز مصالحة شاملة في الشمال تحرم قرنق من إمكانية مواصلة
الحرب بأشكال أخرى.. لا نعرف نواياه
حاوره في صنعاء: شاكر الجوهري
لا يتردد الدكتور مصطفى اسماعيل وزير خارجية السودان في القول إن
حكومة السودان تعترف بالاسم الذي اختاره الجيش الشعبي لتحرير السودان
لنفسه، وأنها تتعامل معه على هذا الأساس. بل إن الوزير السوداني،
الذي أصبح خلال السنوات القليلة الماضية، عمودا بارزا من اعمدة الدبلوماسية
العربية، لا يتردد كذلك في القول إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه
بين الحكومة وهذا الجيش بزعامة جون قرنق حرر السودان فعلاً، إذا
كان ما عناه قرنق باسم حركته هو تحقيق المشاركة السياسية والديمقراطية
وتقاسم الثروة والسلطة، إذ أن هذا هو مضمون الاتفاق الذي ابرم، برعاية
اميركية، بين الجانبين، لأن اميركا وحدها هي التي تملك التأثير على
قرنق، لأنها هي التي تمده بالدعم والمساعدات.
ويقضي الاتفاق، وفقا للوزير السوداني، بأن يكون قرنق زعيما انتقاليا
للجنوب، ريثما تجرى انتخابات ديمقراطية حرة بإشراف دولي. ويقول إن
سبب التمرد الحالي في دارفور الذي تقوم به فقط قبيلة واحدة تقطن
في ثلاث محافظات من أصل 27 محافظة يتشكل منها الإقليم، يعود إلى
رفض الحكومة السودانية مطلبا اضافيا لهذه القبيلة يقضي بمنح اهالي
الإقليم حق تقرير المصير أسوة بالجنوب، وذلك بعد أن تم توقيع اتفاق
خرقته هذه القبيلة التي هي سودانية ـ تشادية مشتركة، ينتمي إليها
رئيس تشاد ادريس ديبي.
ويبدي اسماعيل تمسكا بالنفي الذي صدر مؤخراً عن قرنق لكونه يقدم
الدعم لمتمردي دارفور، بالرغم من تقارير الأجهزة الأمنية التي تؤكد
ذلك. لكنه يقول إذا ثبت هذا، فإن الحكومة السودانية ستدرس الموقف
وتتخذ القرار المناسب.
ولا يدري اسماعيل ماذا يوجد داخل قلب قرنق. ولذلك فهو لا يعرف نواياه،
وما إذا كانت تضمر مواصلة الحرب في عموم السودان عبر وسائل أخرى،
لكنه يكشف عن أن الحكومة السودانية تنشط الآن في اجراء مصالحة شاملة
في الجنوب، وحركة دبلوماسية ناشطة تهدف إلى تطوير علاقات السودان
مع كل دول الجوار، ودول العالم (باستثناء اريتريا)، للحيلولة دون
تواصل أو تجدد التمرد مستقبلا.
وينفي الوزير السوداني أن تكون مصر اعربت عن مخاوف ازاء امكانية
تعرض منابع النيل للتسميم. ويؤكد أن مثل هذا العمل لا يمكن أن يحدث
لمخالفته القانون الدولي، فضلا عن أن مصر لا يمكن أن تلزم الصمت
حيال مثل هذه المخاوف إن كانت قائمة.
وهذا نص الحوار الذي أجري على هامش مشاركة الوزير السوداني في المؤتمر
الإقليمي للديمقراطية وحقوق الإنسان ودور محكمة الجنايات الدولية
الذي انعقد مؤخرا في صنعاء:
* ارجو اعطاءنا، بداية، فكرة عن الخلفية التي أدت إلى الاتفاق الأخير
الجاري ابرامه بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان..؟
وهل اصبحتم تعترفون به باسمه هكذا (تحرير السودان)..؟
**نعم. اسمه الجيش الشعبي لتحرير السودان. هذا هو الاسم الذي اختاره
لنفسه ونحن نتعامل معه وفق الاسم الذي اختاره.
الاتفاق الأخير كان خاصا بتوزيع الثروة، وهو مهم جداً، لأن عدم التنمية
كان واحداً من الأسباب التي قادت إلى الحرب. وبالتالي، فإن الشعور
بالعدالة في توزيع الثروة أصبح واحدة من القضايا الهامة جداً إذا
كنا نسعى إلى سلام دائم في السودان.
معروف أنه بعد اكتشاف النفط في السودان، أصبح العديد من الجهات والمجموعات
السودانية تطالب بحقها في هذا النفط. وبالتالي أصبحت عملية توزيع
الثروة عاملا اساسيا في استقرار السودان، وفي المحافظة على وحدته.
نحن لا نريد لأي مجموعة من المجموعات السودانية أن تشعر أنها مظلومة،
أو مقهورة، وبالتالي، فإن الاتفاق الذي توصلنا إليه لا يعالج فقط
تقسيم الثروة بين الشمال والجنوب، لكنه أصبح مدخلا اساسيا لمعالجة
الثروة بين كل الاقاليم السودانية.
* ربما يكون عدم توزيع الثروة ساهم في تجييش الناس لتقاتل، لكن عامل
الخلاف الأساسي كان متعلقا بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولم يكن توزيع
الثروة. وهذا على الأقل فيما يخص قيادات الجيش الشعبي لتحرير السودان..؟
** الشريعة الإسلامية لم تكن مطبقة حين بدأت الحرب. الحرب الأولى
بدأت بعد الاستقلال مباشرة، واستمرت حتى عام 1973، حيث وقع الرئيس
الأسبق جعفر نميري اتفاقية أديس ابابا، وهي الاتفاقية التي حققت
للسودان عشر سنوات من السلام.. ثم فشلت الاتفاقية عام 1983. حتى
ذلك الحين لم تكن الشريعة الإسلامية قد بدء في تطبيقها، وإنما كان
النظام علمانيا.
لقد فشلت الاتفاقية عام 1983 لأسباب عديدة، لم تكن الشريعة الإسلامية
واحدة منها. تطبيق الشريعة الإسلامية حدث مؤخراً..
* في 1983 أعلنت القوانين التي أسماها النميري بـ(العدالة الناجزة)..؟
** حدث ذلك في اواخر 1983، وذلك بعد استئناف الحرب بتسعة أشهر..
وربما يكون النميري عمل على تطبيق الشريعة من أجل أن يجد تأييداً
من قبل مجموعات من الإسلاميين اراد أن تقف معه..
* بمواجهة القوى الحديثة، وفقا للتسمية التي سادت في ذلك الوقت..؟
** يمكن أن يكون هذا. على كل حال كانت الشريعة من رواسب الحرب.
النفط بدأنا في تصديره قبل ثلاث سنوات..
* لكنه مكتشف منذ فترة طويلة..؟
** ومع ذلك لم نصدره إلا قبل فقط ثلاث سنوات.
* بسبب الحالة الأمنية..؟
** نعم. لكن النفط أصبح الآن واحدا من رواسب الحرب، حيث أن الحديث
عن تقاسم الثروة ينصب اساسا على النفط. لقد استخرج النفط قبل ثلاث
سنوات، وأثناء استمرار الحرب التي دامت قرابة العشرين سنة. ما أريد
أن أقوله أن هناك قضايا أتت نتيجة لتداعيات الحرب، واستمرار الحرب
جعل هذه القضايا جزءا من الحرب، لكنها ليست الأساس الذي أدى إلى
نشوب الحرب.
* لكن الذي أدى إلى تجدد الحرب عام 1983 هو خرق النميري لاتفاقية
أديس ابابا، إلى جانب تطبيقه للشريعة الإسلامية..؟
** البعض يقول إن النميري أخل بالاتفاق، لكن هذا البعض ينسى أن جوزيف
لاقو زعيم التمرد في ذلك الوقت، الذي وقع اتفاق أديس ابابا مع النميري،
هو الذي أصر على اعادة تقسيم الجنوب. والفقرة التي يقال ان النميري
أخل بها من فقرات الاتفاق هي التي تنص على أن الجنوب يشكل اقليما
واحداً، لكنه قسم الجنوب إلى ثلاثة اقاليم، وذلك بناء على طلب جوزيف
لاقو الذي وقع الاتفاق معه، والذي أبلغ نميري أنهم في منطقة الإستوائية
يرفضون هيمنة قبيلة الدينكا، التي ينتمي إليها جون قرنق، على بقية
القبائل. وبالتالي، فقد صوتوا في برلمان الجنوب على اعادة تقسيم
الإقليم الجنوبي، وقد استجاب النميري لذلك، لأنه إن لم يستجب كان
سيحدث كذلك تمرد من قبل القبائل الأخرى. وقد استجاب تحت ضغط القبائل
الجنوبية، وزعيم التمرد السابق الذي وقع معه الاتفاق.
احتواء أسباب التمرد
* في ضوء ذلك، ما الذي يمنع ظهور زعيم جديد لتمرد جديد بعد توقيع
اتفاق نهائي مع قرنق..؟
** هنالك ثلاثة عوامل نظن أنها أثرت في فشل عملية السلام، أو اتفاقية
أديس ابابا. ونحن الآن نحتاط لها، واولها العامل الداخلي. وفي اطار
هذا العامل نحرص نحن على ضرورة وجود وفاق وطني، وأن لا يعزل الاتفاق
مجموعات جنوبية لا تنتمي لحركة التمرد، ولا قوى سياسية ليست جزءا
من نظام الإنقاذ. وننادي الآن بميثاق وطني للجميع، وأن تكون حكومة
ذات قاعدة عريضة، وأن تكون هناك انتخابات مراقبة (بفتح القاف) تحدد
الأوزان أثناء الفترة الانتقالية، وأن يكون هناك توزيع عادل للثروة
والسلطة على مستوى كل السودان، حتى نتفادى أي عناصر داخلية تعمل
على افشال عملية السلام.
العامل الثاني هو العامل الإقليمي. ويلاحظ المراقبون مؤخرا حركة
قوية جدا للدبلوماسية السودانية تهدف لتطوير العلاقات مع دول الجوار.
لقد تطورت علاقاتنا مع دول الجوار، باستثناء اريتريا، التي تظل استثناء
في المنطقة. وقد بدأنا نربط دول الجوار ببعضها البعض، ونعالج أية
مشكلات بين دول الجوار السوداني حتى لا تصب سلبا في عملية السلام
في السودان.
في هذا الإطار عقدنا الشهر الماضي اجتماعا ثلاثيا على مستوى وزراء
الخارجية بين مصر واثيوبيا والسودان. وقد اتفقنا على تكرار هذا الاجتماع
بشكل دوري كل ستة أشهر، نناقش فيه العلاقات الثلاثية والأمن في الإقليم..الخ..
كما التقى رؤساء تشاد وافريقيا الوسطى والسودان في الخرطوم واتفقوا
على آلية للتنسيق الثلاثي بين هذه الدول الواقعة غرب افريقيا. ونعمل
الآن على تشكيل لجنة وزارية مشتركة مع اوغندا.
باستثناء اريتريا، علاقات السودان مع كل دول الجوار ممتازة، وذلك
كي نضمن أن لا يكون هناك تأثير سلبي لهذه الدول على الأمن داخل السودان..
آخذين في الاعتبار أن الذي ساعد حركة التمرد في الماضي هما دولتان
احداهما عربية، والأخرى غير عربية. فقد دعمت ليبيا حركة التمرد في
البداية لخلافها مع النميري، واثيوبيا في عهد مانغستو هيلا ميريام
دعم حركة التمرد لأن السودان كان يدعم حركة تحرير اريتريا. ونحن
الآن نريد أن نتفادى أي تأثير اقليمي سلبي.
العامل الثالث هو العامل الدولي. نحن نحرص على توطيد علاقاتنا الخارجية
حتى لا يستخدم العالم الخارجي قوى داخل السودان، أو في الإقليم،
لزعزعة استقرار السودان، ولكي يساهم معنا كذلك في عملية التنمية
الشاملة.
وعودة إلى السؤال: كيف نضمن أن لا يكون هناك تمرد آخر، وجون قرنق
جديد..؟ الإجابة هي من خلال البرنامج الذي ذكرته، نستطيع أن نشكل
ضمانة بأن أي شخص آخر يفكر في أن يقود تمرداً، لن يجد أي موطئ قدم
في الداخل أو في الخارج، ولن يحظى بدعم المجتمع الدولي.
* ولكن هذا البرنامج يأخذ في الاعتبار العاملين الإقليمي والدولي
بأكثر مما يأخذ في اعتباره العامل المحلي الداخلي. كمثال، ما لم
يكن هنالك خلل داخلي في دارفور لا يمكن أن يكون هناك دعم خارجي..؟
الدعم الخارجي يستغل الخلل الداخلي..؟
** وفي بعض الأحيان هو نفسه يوجد خللاً داخليا. حين يشعر الداخل
أن هناك اذنا صاغية في الخارج، يتشجع أكثر، لكنه حين لا يجد أذنا
صاغية في الخارج، فإنه لو أصر، سيكون تأثيره ضعيفاً..
زعامة مؤقتة
* لكنه يريد اسبابه أيضاً..؟ اتفاق تقاسم الثروة، وكذلك الاتفاق
الشامل والنهائي المنتظر مع قرنق، هل سيكرس جون قرنق زعيما للجنوب،
أم أنه سيتيح ديمقراطية حقيقية في الجنوب بحيث ينتخب الشخص الذي
يفوضه الجنوبيون، حتى لا يتكرر نموذج جوزيف لاقو..
** لا بد من فترة انتقالية. جون قرنق سيكون زعيم الجنوب لفترة انتقالية
محددة جداً، تجري خلالها انتخابات، يخوضها الجنوبيون بموجب تحالفات
أو بشكل منفرد، كما يحدث في الشمال. في صلب الاتفاق هناك توافق على
إعمال الديمقراطية عبر الانتخابات المراقبة من قبل منظمات دولية.
* في البدء كانت التسمية الجيش الشعبي لتحرير السودان.. ألم يعودوا
يريدون تحرير كامل السودان، وهل باتوا يكتفون فقط بتحرير الجنوب..؟
** أتصور أنه إذا كانت فكرة تحرير السودان تقوم على معالجة عادلة
لتوزيع الثروة والسلطة بين جميع أبناء السودان، فنحن قد وصلنا الآن
إلى ذلك. كما ذكرت، الاتفاقية التي سيتم توقيعها لن تخص فقط الجنوب.
ستعمم على كل السودان. توزيع السلطة سيتم عبر الانتخابات، وقد اتفقنا
على ذلك. والآلية التي وضعت لتوزيع الثروة سيتم تطبيقها على بقية
أنحاء السودان. ولذلك، إذا كانت فكرة الجيش الشعبي لتحرير السودان
هي الوصول إلى معادلة لإقامة سودان جديد، فنحن قد وصلنا إلى صياغة
هذه المعادلة..
* أنتم ما الذي تريدونه: سودان جديد، أم سودان الإنقاذ (نسبة لثورة
الإنقاذ)..؟
** بالنسبة لنا ليست التسمية هي الأمر المهم. ليسمى بالسودان الجديد،
أو سودان الإنقاذ. المهم أن نصل إلى وضع يحقق المشاركة السياسية
والديمقراطية، ولكنها ليست مماثلة لحالة الفوضى التي كنا نعيشها
قبل عهد الإنقاذ. وضع فيه احترام حقوق الإنسان، ولكن دون اخلال بالقيم
والعادات والتقاليد الموجودة عند الشعب السوداني. فيها احترام للأقليات
الموجودة، ومحافظة على حقوقها، ولكن هذا لا يعني فرض الأقلية لرأيها
على الأغلبية. تحترم حقوق الأقلية، ولا تكون سببا في محاولة فرض
رأيها على الأغلبية. هذا هو السودان الذي نريده.. السودان المستقر
سياسيا، والقوي اقتصاديا، والذي له دور في محيطه الإقليمي والدولي،
وجزء لا يتجزأ من مجتمعه الإقليمي والدولي. هذا هو السودان الذي
ننشده. سمه السودان الجديد، سودان الإنقاذ.. ليس هذا هو المهم.
نحن اتفقنا الآن، بعد أن كنا مختلفين، بشأن جملة قضايا. فقد كانت
الحركة تطالب بعملتين ومصرفين مركزيين. لقد اتفقنا على أن يكون هناك
مصرف مركزي واحد، وعملة وطنية واحدة، لكننا لم نصر على أن تكون هذه
العملة هي العملة المتداولة الآن. كان المهم أن نتفق على عملة واحدة.
* وماذا عن الجيشين..؟
** الاتفاق لا ينص على وجود جيشين. هناك جيش واحد مشترك محدد. اثنا
عشر ألفا نصفهم من الشمال ونصفهم من الجنوب، ويكون مرابطا في الجنوب.
ثلاثة آلاف يشكلون مناصفة، يكون مقرهم في جبال النوبة، ومثلهم في
الخرطوم. هذا جيش مشترك.
سيكون لدى الحركة بقية من قوات تحتفظ بها في الجنوب إلى أن تتم معالجة
وضعها. لدى الحكومة قضايا أخرى، مثل دارفور التي لا بد من ضبط الأمن
والنظام فيها..الخ..
علاقة قرنق بتمرد دارفور
* ما علاقة ما يجري في الجنوب بما يجري في دارفور..؟
** ظنت المجموعات الموجودة في دارفور أنها باستخدام العنف ستتمكن
من أن تفرض علينا اجراء محادثات مطابقة لما يجري في الجنوب. هذا
هو الخلاف، وهذه هي نقطة الربط.
نحن رفضنا ذلك، وقلنا إن دارفور ستستفيد من الاتفاقية التي توقع
مع الجنوب، لجهة التوزيع العادل للثروة والسلطة والتي ستطبق على
دارفور.
* وما الذي يحول دون اشراكهم في المفاوضات..؟
** لأن المفاوضات التي تجري في الجنوب تقر للجنوبيين بحق تقرير المصير.
نحن إذا قبلنا في أي بقعة من السودان بأن يكون حق تقرير المصير جزءا
من الحل سننتهي إلى عشرات السودانات. لذلك قلنا إن (النموذج) المستخدم
في الجنوب لا يصلح لبقية أنحاء السودان، لأننا لن نقبل بمنح حق تقرير
المصير لكل مجموعة تشعر أنها مظلومة. هم يقولون إنهم مظلومون، ليتفضلوا
ويجلسوا معنا نفكر ونناقش. الثروة والسلطة جاهزون لتقسيمهما، والانتخابات
تجرى.. كل هذا متفق عليه، ولكن إذا كنا سنرفع شعار حق تقرير المصير
بمواجهة كل مشكلة، فما الذي يمنع أهل الشمال النوبيون المجاورون
لمصر من فعل ذلك، وما الذي يمنع أهل الشرق من قبائل البجة من فعل
ذلك.
* قبائل البجة أليست عربية..؟
** بلى. هي عربية.
* وماذا عن قبائل دارفور..؟
** في دارفور توجد قبائل عربية وغير عربية.
* أسأل عن الأغلبية..؟
** الأغلبية قبائل عربية. يوجد في دارفور 27 حكما محليا ..27 محافظة،
والحرب موجودة فقط في ثلاث محافظات تقطنها قبيلة واحدة هي قبيلة
الزقاوة، وهي أصلا من القبائل المشتركة بين تشاد والسودان.
* ليست عربية..؟
** لا. ليست عربية، وهي نفس قبيلة الرئيس التشادي إدريس ديبي. لكن
أكبر قبائل دارفور هي قبائل (الفور) التي اطلق اسمها على الإقليم،
وقبائل الرزيقات، وهي قبائل عربية.. وقبائل المساليت وهي قبائل غير
عربية.. وقبائل البني هلبة.. هناك قبائل عديدة موجودة في دارفور.
* ماذا عن قبائل الفور.. هل هي عربية أم لا..؟
** ليست قبائل عربية، لكن هناك قبائل أخرى عربية عديدة مثل البقارة،
الرزيقات وغيرهما.
القتال قائم فقط في مناطق قبيلة الزقاوة، وهي القبيلة الوحيدة التي
تصر على حمل السلاح.
* وما موقف جون قرنق مما يجري في دارفور..؟
** جون قرنق يقول انه لا علاقة له بما يجري في دارفور. هذا آخر ما
صدر عنه، لكن الأجهزة الأمنية تقول إن الدعم الذي يأتي إلى دارفور
يصل عبر الجنوب. ونحن علينا أن نأخذ ما يصدر عن لسانه.
الاتفاق الموقوف
* ما الحل..؟
** لقد توصلنا إلى حل برعاية الرئيس التشادي ادريس ديبي نفسه. وقد
وقعنا اتفاقية أبشي، وهي مدينة تقع في شرق تشاد. وتتشكل هذه الاتفاقية
من خمس نقاط:
1ـ وقف اطلاق النار.
2ـ السماح بوصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين.
3ـ تجميع السلاح من أيدي غير افراد القوات المسلحة.
4ـ توظيف المتمردين في الجيش أو الوظائف المدنية.
5ـ تنفيذ مشاريع تنمية في دارفور.
لكننا، حين بدأنا في تنفيذ الاتفاقية بعد شهر من توقيعها، عرضوا
عناصر جديدة ارادوا اضافتها إلى الاتفاق، وقد رفضناها، وأعلن الرئيس
ديبي فشل المحادثات لأن المتمردين تقدموا بمطالب جديدة لا يمكن قبولها،
وبدأ القتال.
* ما هي هذه النقاط..؟
** المطالبة بحق تقرير المصير، وتدويل القضية.
* ما المعني بتدويل القضية..؟
** تدخل المجتمع الدولي في الحل.
* كما حصل في الجنوب..؟
** نعم.
التأثير الأميركي
* لماذا فشلت الوساطة المصرية الليبية لحل الإشكال في الجنوب، فيما
نجحت الوساطة الأميركية..؟ هل قدمتم كحكومة تنازلات عن طريق الأميركان
أكثر مما قدمتم عن طريق مصر وليبيا..؟
** السؤال طويل جدا تصعب الإجابة عليه. نحن لم نرفض الوساطة المصرية
الليبية، وهذه الوساطة لم تنجح لأن حركة التمرد والتجمع رفضاها لعدم
تضمنها حق تقرير المصير، وقبلا بمبادرة (الإيجاد). وأميركا دعمت
مبادرة (الإيجاد)، وهي الجهة الوحيدة التي تستطيع أن تؤثر على حركة
التمرد.
* لماذا..؟
** لأنها تدعمها. شريان الحياة لحركة التمرد يأتي من اميركا. وبالتالي،
فإن اميركا هي التي تستطيع أن تؤثر على حركة التمرد. لا توجد دولة
أخرى تستطيع أن تؤثر عليها مثل التأثير الأميركي.
نوايا قرنق
* هل أنتم مطمئنون إلى أن الاتفاق مع قرنق سيكون نهائيا. وأنه لن
يكون مجرد مرحلة على طريق خطوات لاحقة في اطار مخطط بعيد الأمد يقضي
بالإبقاء على تحالفاته مع قوى المعارضة في الشمال، وفي دارفور، بهدف
مواصلة الحرب بأشكال مختلفة ضد نظام الحكم في الخرطوم..؟
** لا أتصور أنه سيفعل ذلك، لأنه إن فعل ذلك، فإن لدى الحكومة اوراقا
(كروتا) أكبر من الأوراق (الكروت) التي بيديه.
الجنوب مجتمع قبلي، والميليشيات المسلحة الموجودة في الجنوب خارج
سيطرة جون قرنق تعد عشرات الآلاف من المسلحين. إذا لم تتعاون الحكومة
مع جون قرنق. فإنه لن يستطيع أن يلجم هذه الميليشيات، وأن يحول الجنوب
إلى منطقة سلام. وبالتالي، كما أن قرنق في حاجة إلى الحكومة، فإن
الحكومة كذلك في حاجة إلى قرنق. لذلك، لا اتصور أنه قد يغامر بالقيام
بما يتصوره السؤال.
* هل لديه النوايا..؟
** نحن لا نستطيع أن ندخل في القلوب، ولكننا نحاكم الناس على أساس
ما يصدر عنهم من افعال. قبل أيام قال قرنق إنه لا علاقة له بالتمرد
في دارفور، ونحن سنرى. إذا وجدنا من الأفعال ما يؤكد عكس ذلك، سنعلنه،
وسنتعامل معه على هذا الأساس، وإن لم نجد من الأفعال ما يؤكد ذلك،
فإننا لسنا مطالبين بالدخول إلى القلوب والبحث عما تخفيه، وما يوجد
داخلها.
* ما هي الإجراءات العملية التي يمكن أن تترتب على ثبوت تلقي متمردي
دارفور دعما من قرنق..؟
** الأمور لا تعالج بهذه الطريقة. قطعا، إذا ثبت ذلك، فإن الحكومة
ستبحث الموقف وتقرر كيفية التعامل مع قرنق. هل تشتكيه إلى الجهات
الراعية للمفاوضات..؟ هل تتعامل معه عسكريا..؟ هل تبرز له الوثائق،
خاصة وأن قنوات الاتصال مفتوحة معه..؟
ليس لدي قالب جاهز يقول إذا فعل ذلك، سنفعل كذا وكذا..
* على كل، فإن وجود احتمال، ولو نظري، لإبقاء قرنق على تحالفاته
مع الشمال، اتصور أنه يمكن أن يعالج من خلال اتمام مصالحة في الشمال..؟
** هذا ما نفعله.
المصالحة في الشمال
* إلى أين وصلتم على طريق انجاز المصالحة في الشمال..؟
** لقد قطعنا شوطا في ذلك. يوم الأحد الماضي (أجري هذا الحوار يوم
الأحد الموافق 11يناير الجاري)، عقد اجتماع في مقر مجلس الوزراء
ضم الرئيس الفريق عمر البشير، الصادق المهدي (رئيس الوزراء السابق
ورئيس حزب الأمة)، جعفر النميري (الرئيس الأسبق)، أحمد الميرغني
(رئيس الحزب الإتحادي)، الجزولي دفع الله، وكل ممثلي الأحزاب السودانية،
بما في ذلك حزب المؤتمر الشعبي (بزعامة الدكتور حسن الترابي). وقد
بثت صور هذا الاجتماع من على شاشة التلفاز السوداني.
* ماذا انبثق عن هذا الاجتماع..؟
** توجد الآن لجنة مشتركة بيننا وبين التجمع الوطني الديمقراطي.
النائب الأول (علي عثمان محمد طه) سافر الشهر الماضي إلى جدة ووقع
اتفاقا مع الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي. وقد عقد الرئيس
البشير بعد عودة النائب الأول اجتماعا استمر طوال ثلاث ساعات مع
الصادق المهدي. وقد شكلت لجنة مشتركة بين حزب الأمة، وبين الحكومة.
وهذه اللجنة تعمل الآن.
* أليس حزب الأمة عضوا في التجمع..؟
** لا. إنه خارج التجمع. لقد خرج من التجمع قبل ثلاث سنوات. الصادق
المهدي حين قرر العودة إلى الخرطوم، خرج من التجمع ثم عاد.
تسميم منابع النيل
* المخاوف المصرية من تسميم منابع النيل، ما مدى واقعيتها..؟
** لا أتصور أن هناك مخاوف من تسميم منابع النيل، لأن هذه المنابع
تحكمها اتفاقات دولية من الصعب جداً خرقها.
* هل عبر المصريون عن مثل هذه المخاوف..؟
** لم يفعلوا ذلك امامنا. لدى المصريين علاقات جيدة مع الحكومة السودانية،
لكنهم لهم كذلك علاقات مع مختلف الفصائل السودانية. وبما أنه لا
يوجد الآن تهديد لمياه النيل، فإن السؤال ربما لا يكون مطروحا في
الوقت الحاضر. لكنني أعلم تماما أن مصر إذا شعرت بوجود أي تهديد
لمياه النيل، فهي لن تسكت أبداً. لذلك، يقيني أنها لو شعرت بوجود
مثل هذا التهديد، لكانت ابرزت ذلك بطريقة واضحة.
أنا لا أرى تهديدا لمياه النيل، ولا أظن أن مصر ترى الآن مثل هذا
التهديد.
أعلى