الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 





كتاب (عراق المستقبل) يصف السياسة الأميركية في محاولة إعادة تشكيل الشرق الأوسط

عرض - أنور الجاسم
لا يمكن التكهن بمستقبل العراق، شأنه في ذلك شأن اي دولة اخرى، كما لا يمكن استكشافه بحساب بسيط الا انه يحظى بأهمية بالغة بالنسبة للجميع واي محاولة للتنبؤ بما سوف يحدث في المستقبل القريب، سوف يحظى بالتأكيد خاصة عندما تصل إلى التفاصيل المهمة، وفور تجاوز الامور البسيطة.
والكتاب الصادر هذا الشهر عن دار الساقي في لبنان بعنوان عراق المستقبل للكاتب جيف سيمونز خبير في قضايا الشرق الاوسط وايران والخليج وله مؤلفات عديدة، يطرح عدة تساؤلات كبيرة منها ما هي المضاعفات والمعاني الضمنية لاحتلال العراق بالنسبة إلى دول المنطقة ككل؟ وماذا تريد الولايات المتحدة حقا؟ وكيف سترد دول الشرق الاوسط؟ كما يحلل سيمونز ماذا ينتظر العراق والعالم العربي بعد سقوط نظام صدام، ويتمعن في مراكز القوة المختلفة في المنطقة: في العراق ودول مهمة اخرى (تركيا، إيران، سوريا، فلسطين، منطقة الخليج)، ويبحث في مصير هذه الدول في الأجندة الاميركية لاعادة تشكيل الشرق، وكيف ستستجيب لسلم تفصله اميركا وتفرضه بقوتها؟ وما هي ردود الفعل التي سيستثيرها الوجود الاميركي الجديد لدى الاسلاميين والاسلام السياسي؟وما هو الدور الذي يلعبه النفط في المعادلة كلها؟ كما يسأل عن سبب تغييب الامم المتحدة، وماذا يمكن لها ان تأمل في تحقيقه الآن؟ وما هي الدلالة التي يجب استخلاصها من استمرار توسع الهيمنة الاميركية في العالم؟
ويرى الكتاب ان القوى الفاعلة التي تصوغ العالم الحديث بادية للعيان: القوة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الاميركية؛ الغضب المتصاعد في العالم الاسلامي الواقع في قبضة الاستبداد والاستغلال؛ التوترات القائمة بين الديانات والحضارات ؛ العولمة الآخذة في التوسع في التجارة والتكنولوجيا؛ وأممية تضامنية متفاقمة للشعوب المضطهدة في كل انحاء العالم.
ويضيف انه يبدو من البديهي من خلال هذا المنظور ان القوة الاميركية ستبقى بمنأى عن اي تحد في المدى القصير إلى المتوسط برغم ان الولايات المتحدة تعاني ازمات مالية ينبغي دراستها بشكل كامل. ويشير ذلك إلى ان حلفاء اميركا، سواء من كان منهم عدوانيا متصلبا مثل اسرائيل، ام طيعا كما ينتظر من بريطانيا، سوف يواصلون رؤية منافع لهم في دورهم المعهود . وستقوم دول اخرى مدفوعة بتوترات داخلية، بتطبيق ترتيبات واقعية على المستوى المحلي حيث أمكن، في حين تظل متنبهة إلى ديناميكيات المشهد العالمي الذي يشكله طموح الدولة العظمى.
ويرى الكتاب انه من المحتم ان يستفز الاحتلال الاميركي ردا، ليس في المجموعة الاسلامية فقط، بل في العالم الأوسع ايضا. ومن المستبعد ان يستند نظام حكم ما بعد صدام في بغداد إلى النموذج الديموقراطي الغربي، كما لا يتوقع ان يرضى المتدينون عن ظهور دولة علمانية جديدة في العراق. وقد يتحول العراق إلى فيدرالية يهدد فيها تأثير الشريعة المفهوم الغربي لحقوق الانسان بما في ذلك تحرر المرأة. وقد لا يرى الشعب العراقي من هذا المنظور، اي فائدة اجتماعية من سقوط صدام، خاصة إذا ظهر نظام استبدادي جديد ولا يقل قسوة عن النظام البعثي (السابق) يسعى إلى حماية مكونات دولة اسلامية. اما الانظمة الاخرى في المنطقة فسوف تعمد في ردها على الاحتلال الاميركي الجديد، إلى الاستجابة بطرق نمطية ولكن مشابهة. ومن المرجح ان تشهد دول ذات حركات اسلامية قوية، مثل ايران والمملكة العربية السعودية، يقظة جديدة للالتزام الاسلامي.
ويرى المؤلف ان الولايات المتحدة ستحافظ على علاقتهما الجديدة طويلة الامد مع النظام العراقي الجديد لترسيخ سبقها الاستراتيجي المتعاظم وضمان بقاء موارد النفط العراقية في الأيدي المناسبة. اما الظواهر المرافقة التي لا بد منها، فهي تقييد يدي الامم المتحدة.
ويظهر الكتاب صعوبة الحصول على صورة دقيقة للفترة التي سبقت الحرب، او الحرب نفسها، او حالة الفوضى التي أعقبت الحرب. وتبين المعلومات الموثوقة المتوفرة للرأي العام، ان الوضع في فترة ما بعد الحرب ليس الا حالة من المعاناة والدمار الهائلين؛ لكن القصة الحقيقة لم ترو بعد.
ويصف هذا الكتاب وقع صدمة الحرب من حيث تقديم دلائل عن تطورات سياسية محتملة في المستقبل، ويتضمن معلومات اساسية عن خلفيات الامور لا يمكن من دونها فهم احتمالات المستقبل. ويقدم بعض المؤشرات عن الكارثة الانسانية الهائلة التي تجابه الشعب العراقي ونظام الحكم المقبل في العراق مهما يكن نوعه (الفصل الاول)، ويرصد كذلك تأثير الحرب على المنطقة، ويعطي مؤشرات عن تطورات يرجح حدوثها في الشرق الاوسط (الفصل الثاني). ويركز الفصل الثالث على عناصر محددة - تطورات العراق والاهمية الطاغية للنفط ودور الامم المتحدة - وهي العناصر التي تضافرت لايجاد الوضع الراهن، وستظل تعمل على تشكيل المستقبل. وتوجه هنا عناية خاصة إلى دور الولايات المتحدة تتظاهر بانها قوة اخلاقية، ولكنها تظل في نهاية المطاف قوة متجبرة أنانية في ميزان طموحاتها الكونية.
ان ما بين أيدينا هو في الاعتبار الأول حديث عن مخاطر القوة , ويصل الكتاب إلى ان القوة العسكرية الاميركية التي لا تقاوم، ومن دون وجود امبراطورية اخرى (منافسة) ذات وزن في العالم، هي أهم عامل في صياغة الاوضاع السياسية للقرن الواحد والعشرين. لكن هذا الوضع سيتغير : فالامبراطوريات، مثل الافراد والمؤسسات، آيلة إلى الزوال. بيد ان حكومة الولايات المتحدة ستكون في المستقبل المنظور هي الجهة التي ستحاول اعادة تشكيل الشرق الاوسط - والعالم الاوسع - بما يتفق والمصالح الاميركية.

اسم الكتاب: عراق المستقبل
المؤلف: جيف سيمونز - ترجمة : سعيد العظم
الناشر: دار الساقي - يناير 2004 - بيروت


أعلى




القمر الأخير.. آخر أفلام المخرج العالمي ميغيل ليتين عن جده الفلسطيني

غزة ـ من عبد القادر ابراهيم :
في عام 1914 هاجر ميخائيل سليمان اليتيم من بلدة بيت ساحور الى تشيلي، كما فعل الالاف من مواطنيه وصل عددهم الان في تشيلي وحدها 350 ألفا وهم يشكلون أضعاف من بقي في الوطن.
وكما يحدث دائما فان المهاجر الجديد إلى تشيلي ، كان كثير الحنين إلى بلدته ووطنه والحديث عن نشأته في فلسطين بقيت سمة ملازمة له طوال حياته.
ولم يتحقق له حلم العودة إلى وطنه، فتوفي ودفن هنالك في تشيلي التي كانت له (بلد المهجر) ولكنها كانت لأبنائه وأحفاده وطنهم الذي لا يعرفون وطنا غيره.
ومن بين هؤلاء الأحفاد ميغيل ليتين المخرج التشيلي العالمي، الذي تعرف عليه محبو الفن السابع من خلال أعماله ومشاركته في مهرجانات السينما وعرف على نطاق واسع عندما وضع الكاتب العالمي حائز نوبل غبريال ماركيز كتابا عنه، يتحدث فيه عن تجربة ليتين مع حكم بينوشت العسكري في تشيلي، ونجاته من الموت بأعجوبة في المجازر التي ارتكبها نظام بينوشت بعد الانقلاب على حكم الرئيس الليندي.
وترجم كتاب ماركيز إلى لغات العالم المختلفة وصدر باللغة العربية بترجمة صالح علماني.
وبعد زوال حكم بينوشت العسكري، وعودة المنفيين إلى وطنهم ومن ضمنهم ليتين نفسه، بدا الأخير يسأل عن جذوره ويخرج من الذاكرة بقايا حكايات جده ميخائيل اليتيم وجدته الفلسطينية العربية هي الأخرى، التي كانت تجلس مع العربيات الأخريات يتحلقن للحديث ليس لهن غير الحنين إلى الوطن وحكايته التي لا تنتهي.
وسنحت فرصة لـ (ليتين) عندما دعي في أواسط تسعينيات القرن الماضي (العشرين) ليترأس لجنة التحكيم في إحدى دورات مهرجان دمشق الدولي، فلبى الدعوة فورا يحمل على كتفيه حكايات الجد والجدة وأيضا صورا قديمة لهما ولأقربائهما في الوطن.
وفوجئ ليتين عندما كان عدد من أبناء بلدته بيت ساحور في دمشق ينتظرونه، فلم يكن يتوقع أن يجد آخرين مهتمين بأصله العربي الفلسطيني، والذي عرف بعد كتاب ماركيز (هو الآخر تربطه صلة نسب بالعرب عن طريق زوجته مصرية الأصل: مرسيدس..!)
وتولى الترجمة بين ميغيل ليتين وهؤلاء المترجم الكفء صالح علماني، وعندما رأوا الصور التي تحمل شرحا بالعربية تم بسهولة معرفة العائلة التي ينتمي إليها ميغيل: هي عائلة اليتيم إحدى عائلات مدينة بيت ساحور.
وتحدث ميغيل مع الذين التقاهم عن من بقي من العائلة في بيت ساحور وسأل كثيرا عن بلدة جده، ولم يكن أحد يقدر مدى حماس ميغيل لأرض الأجداد، فبعد انتهاء مهرجان دمشق الدولي، قصد فلسطين وتحديدا مدينة بيت ساحور، وحل ضيفا على ابن عمه الياس اليتيم، وطلب من مضيفيه أن ينادونه باسمه الجديد (ميخائيل اليتيم)..!
ورغم قصر زيارته فانه حرص على زيارة منزل الجد وما تبقى من منازل العائلة وأماكن أخرى، وغادر بيت ساحور ولم يكن أحد من العائلة يعرف متى سيلتم (الشمل) مرة أخرى.
ولكن ميغيل ليتين عاد مرة أخرى إلى بيت ساحور ومعه هذه المرة ابنه الذي يحمل نفس الاسم (ميغيل ليتين) وهو شاب يعمل في إخراج الأفلام التسجيلية، وطوال السنوات الخمس الماضية تكررت زيارات ميغيل ليتين إلى بيت ساحور وبيت لحم والقدس، وعندما كان يواجه بالسؤال التقليدي حول ما إذا كان ينوي عمل فيلم عن القضية الفلسطينية، لم يكن يجيب إجابات مباشرة ولكنه قال انه يعمل على إعداد فيلم.
وفي الصيف الماضي وصل ميغيل ليتين مع طاقمه إلى الأماكن التي اصبح يعرفها جيدا ليصور فيلمه (القمر الأخير) مقتفيا آثار جده الذي يحمل اسمه.
وبميزانية قدرت بنحو مليون ونصف المليون دولار أنجز ليتين فيلمه الذي أنتجته كما قال إحدى اكبر شركات الإنتاج في أميركا اللاتينية، وبمساهمة حكومة تشيلي، وسيتم عرضه في مختلف دول العالم وسيترجم للعربية.
وقال ليتين انه عاد إلى فلسطين ليصور فيلمه الذي يحمل رقم 21بين أفلامه ليس كسائح ولكن كفنان يصور حياة الشعب الفلسطيني خلال النصف الأول من القرن العشرين.
اعتبر ليتين فيلمه (القمر الأخير) فيلمه (الفلسطيني الأول) مؤكدا انه لو لم يكن مقتنعا بعدالة القضية الفلسطينية لما صنع هذا الفيلم.
وحول موضوع الفيلم الذي شارك فيه العشرات من الفنيين والممثلين والكومبارس الفلسطينيين اكتفى بالقول بأنه يجمع بين الوثائقية والخيال والروائية، ويحمل رسالة إلى العالم بان الحياة في فلسطين ليست فقط عنفا وحربا ولكن أيضا تحفل بالأمل والإبداع.
وقال ميغيل (اشعر بان هذا الفيلم هو جزء من تاريخ أجدادي الذي لم يستطيعوا العودة إلى هنا، فصنعت الفيلم لهم ولذكرى جدي ميخائيل اليتيم).
واسم الفيلم مأخوذ من أغنية قديمة لطفل فلسطيني يخاطب جده قائلا لا تدع التنين يأكل قمرنا.
تقول كلماتها كما ترجمها بطل الفيلم ايمن أبو الزلف:
في ليلة خسوف
تلتنين افترس القمر
وإذا ما قتلنا الوحش
حيكون آخر قمر
وحسب ميغيل ليتين فان هذه الاغنية شعبية فلسطينية كان الأطفال يغنوها في بداية القرن الماضي.
المهم انه اخذ اسم فيلمه الموحي منها، واسند بطولته للشاب ايمن أبو الزلف من مدينة بيت ساحور الذي ارتبط بالفيلم بالصدفة ولم يكن يطمح يوما أن يكون ممثلا وعن ذلك يقول:
لم اسمع عن ميغيل من قبل، وفي أحد الأيام استدعاني رئيس بلدية بيت ساحور الذي كان ميغيل في زيارته، وطلب مني المساعدة كوني اعمل في مركز السياحة البديلة أن أوفر خدمات لوجستية لميغيل، ولكن عندما رآني ميغيل قال لي : أريدك معي في الفيلم
وفعلا اسند ميغيل الدور الرئيسي لأيمن وهو دور سليمان اليتيم والد ميخائيل.

أعلى






ظلال
رحل العربي الوفي .. رحل منيف


يقينّا أن المصاب جلل وان الموت حق علي كل إنسان .. ولكن فقدان إنسان ترك أثره في الملايين علي امتداد الوطن العربي يختلف عن موت إنسان أخر لا يعرفه غلا من هم حوله .. ان وفاة عبد الرحمن منيف لا تخص بلداً أو دولة أو قطر أو مكان أو مدينة وإنما مصيبة يعزى فيها العالم العربي بأكمله .. لماذا ؟ لان عبد الرحمن منيف هو الوحيد .. من الأدباء والمفكرين العرب الذي كان ينتسب وينسب إلى عروبته وليس إلى أي دولة أو قطر .. كان يقدم دوماً علي انه الروائي العربي فقط وليس الروائي السعودي أو السوري أو المصري أو المغربي .. وإنما العربي لذلك فهو يعنينا جميعاً .. عبد الرحمن منيف المولود في عمان الأردن .. ومن أبوين أحدهما من نجد والآخر من العراق .. درس في الأردن .. ومن ثم في العراق .. ثم مصر .. ومنها إلى يوغسلافيا .. عمل في العراق .. واستقر أخيرا في دمشق .. بعد أن مر علي لبنان وتغرب في باريس .. تعددت الأمكنة والترحال كان سببه البحث عن حرية القول دون رقيب أو عتيد .. هذا الرجل الذي لو وجد في مكان أخر لنال الكثير من الاحترام والتقدير ولكن...! عبد الرحمن منيف المحاصر والمحارب والمظلوم إعلاميا والذي عان من منع رواياته طويلاً .. في حين كان أنصاف الأدباء والكتاب يحتف بهم .. كان هو مركوناً في الظل .. ولكن لأنه لم يرد يوماً أن يكون بوقاً إعلامياً لدولة أو نظام وآثر أن يعيش حراً .. فرداً .. فقد كسب احترام قرائه في أرجاء عالمنا العربي .

انه آخر الرجال المحترمين .. هو من طينة أخرى .. طينة تختلف عن الذين يملأون المشهد الثقافي العربي .. هؤلاء الذين يمشون رويد .. ويطلبون الصيد .. أغلبهم إلا منيف و قلة آخرون .. رحل عنا ( العربي الأول ) وترى هل يكون الأخير .. دون ان تكون هناك بلد يحتمل أن ينسب هذا الرجل الشجاع والوفي إليه .

الوفاء ..

عالم الكتابة لا يختلف عن العوالم الأخرى يوجد فيه الأفاق واللص .. والأناني والأنانية وحب الذات ربما كانت سمة شائعة الى حدما وهي ضرورية إلى حد ما لأن الأدب يحتاج إلى الاشتغال علي النفس والتطوير وإنجاز المشاريع الخاصة .. لذلك نادرا ما نرى الأدباء بكافة مشاربهم يعنون بالكتابة عن أصدقاء أو أدباء آخرين .. لان ذلك سيأخذ حيزاً من وقتهم الثمين .. أقصى ما يمكنهم فعله هو كتابة مقال .. أو إلقاء كلمة تأبين عن الراحل .. وحده عبد الرحمن منيف كان وفياً لأقصى الحدود شغل نفسه بالآخرين .. كتب عن جبرا .. عن غائب طعمة فرمان .. عن الجميل محمد الباهي .. عن كل أصدقائه .. كان يذكرهم... كتبه عن (( عروة الزمان الباهي )) و (( لوعة الغياب)) يعتبران نموذجاً لإنكار الذات .. وإعلاء لشأن الصداقات ودفء المشاعر .. لان هذا الرجل لم يكن يطلب حيزاً ، هذا الذي تنكرت له الأمكنة والحدود والأزمنة .. كانت الحميمية والصداقات والعلاقات الإنسانية ملاذاً له .. لم يكن وفيا لأصدقائه فقط .. كان وفيا للمكان .. كتب عن عمّان كما لم يكتب عنها أحد من قبل (( سيرة مدينة )) .. كتب عن العراق .. ملحمته (( ارض السواد )) .. كتب عن شبه الجزيرة الملحمة الأولى (( مدن الملح )) .. منيف كان يكتب عن الأصدقاء والأمكنة التي يحبها وكأنه يريد يخرجها من حيز الذاكرة إلى مرحلة التمرئي والوجود.. عرف الباهي .. فأرادنا ان نعرفه اكثر .. رأى عمان وأحبها فثبتها علي الورق حتى نراها كما رآها .. كان وفياًً لمن كان يحبهم وكأن لهم ديناً عليه .. ترى هل يكون لمنيف نفسه أصدقاء أوفياء يعطونه حقه ويكتبون عنه .. ربما إقامة مشروع ثقافي باسمه عن طريق الجامعة العربية لان الرجل يعتبر ابنا للعرب جميعاً ..هو أقل ما يستحقه من هذا الوطن الذي أفنى عمره وهو ينافح من أجل أن يكون أفضل.

الرواية ..

عندما خرج من عالم السياسة مهزوماً .. لا لأنه ضعيف ولكن لأنه مختلف لأنه كان صادقا لا يبحث عن منافع وأهواء شخصية وعندما أحس بأن هناك خيانة لمبادئه .. غادر السياسة لأنه كان أمام خيارين أما أن يتنكر لمبادئه وأفكاره ويستمر ويغير جلده .. وأما أن يتركها ويظل منتصراً لشخصه ومعتقداته .. فآثر الحل الثاني .. خرج من السياسة إلى الرواية .. فكان المبدع الذي أحببناه .. والذي قدم رواية جديدة .. مختلفة رواية لا تلتزم مكاناً واحداً ولا محيطاً واحداً .. وإنما رواية مساحتها الوطن العربي بأكمله .. كتب عن مدن الملح فكان الأجرأ والأصدق .. كتب عن السجن في شرق المتوسط وأعاد الكتابة عنه في مرة أخرى .. كتب عن العراق أرض السواد.. كتب المناحة الكبرى عن النكسة في حين تركنا الجسر .. أبدع مع الأستاذ جبرا في عالم بلا خرائط ..كتب عن الحب في قصة حب مجوسية .. كتب روايته الأولى .. عن اغتيال مرزوق والأشجار .. كتب منيف .. في السياسة منطلقاً من هم عربي .. قومي .. رحل وهو يرثي العراق .. وحزين من أجل العراق ..آخر كتبه كان عن العراق .. كتب عن الفن التشكيلي وكان نفسه فناناً وله في هذا المجال كتابات متميزة .. كان يحلو أن يرسم شخصياته وهو بكتبها .. يلونها بالريشة ثم يلونها على الورق .

رحل عنا وهو يكتب سيرته الذاتية .. والعديد من الأعمال غير المنجزة .. رحل منيف .. ولكن سيظل متعب الهذال .. حياً .

متعب الهذال .. منيف

أحد أبرز شخصيات منيف الروائية .. ولد في مدن الملح .. واختفى فيها وظهر في شرق المتوسط مرة أخرى .. متعب الهذال .. كنت تلمح خياله في الروايات التي ظهرت بعد مدن الملح .. بقى حياً عند منيف وبقي حياً في ذاكرة كل من قرأ مدن الملح .. الهذال بقي حياً متواجداً على لسان الشخصيات في رواية مدن الملح . وفي اعتقادي سيظل منيف حياً متواجدا طالما استمرت رواياته .. موجودة .. ومقروءة .


جمال خالد الغيلاني

أعلى







استدراج
حيلة للكتابة عن الحب

في بحثك الدؤوب عن تعريف لماهية الحب، يخطر لك أن تبحثي عن نظرية الحب عند العرب القدامى، تمدي يديك لطوق الحمامة لتنتزعيه من سكينة الرف، تقرئي في باب الكلام في ماهية الحب:
والحب- أعزك الله- أوله هزل و آخره جد، دقت معانيه عن أن توصف لجلالتها فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة) ،يعجبك الكلام ، تضعي خطا تحت أعزك الله ، تستمري في القراءة، يشدك الكتاب بما يرد فيه من تحليل للحب و صفاته و أحواله ، فتأتي عليه واقفة ، ثم جالسة ، ثم متكئة على الصوفا.

ترجعي إلى فصل الكلام في ماهية الحب، يضايقك الخط الذي وضعته تحت الجملة الاعتراضية ، تغلقي الكتاب محاولة فهم مؤلف الكتاب ، تتساءلي ، لماذا يعترض ابن حزم على الحب بجملة تكرم القارئ و تربأ به عن الحب، و كأن الحب نقيصة في ذاته، أو عيب أخلاقي في أصله؟ لماذا يكتب أبن حزم كتاب يكرسه للحب و هو يبدأ كلامه باعتراض صريح وواضح عليه، لماذا يكتب ابن حزم كتابا في الحب ، إن لم يكن مقتنعا بما يكتب؟

تضايقك الفكرة ، تغمضي عينيك، تحاولي أن تتخيلي ابن حزم وهو جالس إلى الدواة و القرطاس، يغمس ريشته في الحبر و يخط كلمة الحب تتخيليه يتوقف عن الكتابة بعد هذه الكلمة ليفكر في خصومه الكثر الذين يعرف أنهم لن يتقبلوا منه هذا الكلام وهو الفقيه العالم ، صاحب المذهب الظاهري، الذي أثقل على خصومه ، ورد عليهم بحدة أقرب إلى التشهير. يتذكر أبن حزم خصومه ، ويتذكر السجن الذي خرج منه للتو، يتذكر القصر الذي تربى فيه والوزارة التي تقلدها، يتذكر النساء اللائي تربى في حجورهن و الحبيبة التي قضت في عز شبابها لتتركه كلفا ، ذا صبابة دائمة.

يتذكر كل هذا ، فتزداد الرعشة، يريد الحديث عن الحب ، بل هو كلف به ، لكنه لا يستطيع أن يكتب هكذا عنه و كأنه يمجده متخليا عن رزانة الفقيه و حكمة رجل العلم ، عليه بابتكار حيل كي ينجو بكتابه من الحرق ، فيضع علامات الاعتراض و يكتب بين شرطتين - أعزك الله- هكذا يبدو أنه يكرم القارئ من الوقوع في الحب و الاستسلام له ، فهو يعمل على إنقاذ العامة من المسلمين من الهوى إذا ، الهوى الذي هو السقوط حسب لسان العرب ، ثم يضيف ( أوله هزل و آخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة) تعجبه العبارة المخطوطة على القرطاس، لكن هاجس الآخرين يتربص به فيضيف بسرعة ( و ليس بمنكر في الديانة و لا بمحظور في الشريعة ، إذ القلوب بأيدي الله عز و جل) ، هكذا يوجه ابن حزم اللكمة الثانية لخصومه ، و يفاجئهم بالاستعارة من النبي الكريم ، متمثلا الحديث الشريف إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) نعم عليه أن يوضح لخصومه أنه لا يتعدى على حرمات الله ، بل هو واع شديد الإدراك لها ، ثم يكتب ( و لقد أحب من الخلفاء المهديين و الأئمة الراشدين الكثير) ، نعم يجب التدليل على مشروعية هذه الكتابة بسرد بعض من سير الخلفاء و الأئمة الذي يكن لهم الخواص قبل العوام الاحترام و التبجيل.

بعد هذا يأمن ابن حزم للكتابة ، و يبدأ في تحريك ريشته بانسيابية رائعة ، لكنه يتذكر خصومه بين الحين والآخر فيشد انتباه المتلقي فيورد جملته الاعتراضية تلك ، مذكرا خصومه و ليس القارئ المفترض فقط ، بأنه شديد الحرص على الدين ، و أكثر من خصومه دفاعا عن أخلاقيات المجتمع الإسلامي، لذلك يكرس آخر بابين في طوق الحمامة للنجاة بالمسلمين من فتنة الحب ، فيكتب فصلين خاتمين، أولهما في قبح المعصية و ثانيهما في فضل التعفف ، يورد ابن حزم هذين البابين كي ينفض عن كتابته ما قد يعلق بها من اتهامات بالزيغ ، و تزيين المعصية و الخروج على حدود الله.

تستخلصي أن ابن حزم كان يكتب الكتاب و هو مدفوع بالمغامرة أكثر من أي شيء آخر، يغامر بالكتابة عن الحب في عصر الهزائم والدويلات في الأندلس، ويغامر بكتابة تخرجه بعيدا عن دائرة الفقه و العلم الذي عرف به، بل أنه يغامر فيكتب في الحب كتابا سيظل من أهم ما كتب في تاريخ الأدب العربي عن الحب ، متحديا خصومه ، متحايلا عليهم ، وملتفا على اتهاماتهم.

يمكر الزمان والخصوم لابن حزم الأندلسي، فيرد عليهم من خلال طوق الحمامة مكر بمكر، فينجو بكتابته من الحرق والتمزيق، و ينجو بنفسه من التجريم و التجريح . يتحايل ليكتب كتابا يصنفه هو ذاته في باب لغو الكلام، و مع ذلك يقدم عليه بشغف العاشق، ذلك لأن للكتابة غوايتها ، وللسرد فتنته التي لا ترد .

بشرى خلفان

أعلى






رحاب
من تكنولوجيا التميز (1)

يؤكد احد الناجحين ان ما ساعده على النجاح، انه تعود ان يتصور اهدافه، ثم يكتبها على ورق، فكان يختار وقتا مناسبا من كل اسبوع يطلق عليه (ساعة جريئة) لكتابة احلامه، يأوي الى ركن هادئ من منزله او في اي مكان يبعث على الطمأنينة والهدوء. وهناك يطلق العنان لقريحته ان تكتب، يستمطر احلامه، ينضدها في حروف. كان يكتب ما يتوقعه لنفسه، وما كان يتوقع الآخرون منه كناجح، وما يمكنه ان يكون، وما الذي سيفعله، لو صار حلمه حقيقة، ومن الذين سيستفيدون مما ينوي عمله؟
يجعل تلك اللحظات حافلة بالسعادة، ويحرص ان يصمم الاهداف التي تثير بداخله فيضا من الطاقة التي تبعث على الحيوية والنشاط، وتجتذب اليه همة عالية. وعندما يبلغ ذروة الحماس، يشعر انه يسيطر على زمام قدراته، يوجهها حيث يشاء، يحرك حلمه في بؤرة تركيزه وتفكيره، بحيث لا يقبل بأن يتخيل نفسه مستقبلا بدون تحقيق ذلك الحلم.
هذا الاسلوب بعينه اتبعه شاب عماني، تخرج في تخصص شرعي منذ عدة سنوات، فأمضى عدة اعوام دون ان يحصل على وظيفة، حتى اذا كاد ان ييأس من البحث عن عمل مناسب في مؤسسات كثيرة، جمع جميع اسباب عدم قبول طلبه في الوظائف التي تقدم لها، وحول جميع ارشيف (ليس عندنا عمل.. راجعنا بعد شهر.. او بعد شهرين او بعدين مفتوحة!!) الى تجارب وخبرات.
عكف على اعادة بناء قناعاته وتفكيره، وصمم خطة طموحة تضمن له تحويل الخبرات السلبية التي جابهته الى منظور ايجابي، فبدأ بتوظيف تلك التجارب في مشروع ذاتي لتحقيق التميز والنمو الشخصي.
ارجأ التفكير في العمل وقرر اعادة تأهيل نفسه تأهيلا اضافيا في علوم تلبي حاجة سوق العمل، بدأ بدراسة اللغة الانكليزية، ولم تمض سنوات قلائل حتى اجتاز اعلى مستوى في اللغة الانكليزية لغير الناطقين بها، والمدهش انه تقدم لوظيفة مذيع في محطة (اف. ام) وتم قبوله كمذيع غير متفرغ، واستمر في تأهيل نفسه وتطوير قدراته في الحاسب الآلي، وبعدها وجه اهتمامه الى تعلم اللغة الفرنسية ايضا بدون ان يغادر البلاد، وحقق ايضا مستوى متقدما اهله الى اجتياز جميع برامج اللغة الفرنسية التي يتم عقدها في السلطنة، محرزا مرتبة متقدمة، بعد ذلك حصل على منحة مجانية لدراسة الماجستير في تخصص الادارة في احدى الجامعات الفرنسية.
منذ ايام كتب الي هذا الشاب المتميز يشكرني على اثارة موضوع الذكاء الروحي ودوره في حياة الناجحين، لا سيما وانا اعرفه شخصيا يوم كان بلا عمل ولا يعرف حتى تشغيل جهاز الحاسب الآلي واليوم يتحدث ويقرأ ويكتب ويحاضر بثلاث لغات هي العربية والانكليزية والفرنسية، ويتابع دراسته العليا باتجاه الدكتوراه. لم يكن هذا الشاب الرائع من نجوم الثانوية العامة، ولم يتجه يوما الى طرق ابواب الواسطة ولم يسقط همومه على الظروف الخارجية، بل اتجه الى داخله، اقترب من ذاته، تعرف على مصادر القوة التي حباه الخالق بها، وصاغ هدفه على النحو الذي يحلم به، تراكمت احلامه، تحولت الى واقع يمشي معه، نشطت عقله، روحه، ايقظت طاقاته الكامنة، بعد ذلك صار يقترب من الظروف والاشخاص والمشاعر والاماكن التي ترتبط بحلمه، حولها الى جزء من حياته، ابقى على حلمه متحركا، نشطا، حتى بلغ به اليقين صار يرى حلمه واقعا، ليس خيالا، وليس هروبا من الواقع ولكن حول الحلم الى رغبة والرغبة صارت دينامو ينشط تفكيره ونزواته ورغباته وتشتعل في منامه ويقظته، فأقبل يقرأ ويتعلم ويتحدث ويكتب وقبل ان يحصل على المنحة الى فرنسا، صار يعمل في وظيفتين، فكان مساعدا لمدير معهد لتدريس اللغة الانكليزية وفي الوقت نفسه يعمل متعاونا مع محطة (برامج اف. ام) ولم يكمل سنتين حتى حظي بعروض عمل افضل في اكثر من مؤسسة، لكنه اختار متابعة الدراسة، وبالفعل هو الآن يدرس ويعمل في نفس الوقت. ينظر الى الماضي خلفه فيرى بستان كفاحه مخضرا مورقا، يرسل اليه اريج الرضا والشعور بالفخر.
آن الأوان لكي نطلق العنان لروح الابداع والامل في داخلنا، لنرتاد غياهب المستقبل باصرار مستمر ويقين لا يتزعزع يخرجنا من ريبة اليأس الى اليقين والثقة بامكانياتنا وقدراتنا، ولا يعني هذا ان نلجم جماح عقولنا ونتغنى ونتخيل، كلا. بل نفعل ذلك لكي نوقظ طاقاتنا الكامنة، ونجسد كل ذلك في انطلاق يحظى منا بالرغبة والتركيز والاصرار مع الاستمرار في المحاولة والتعديل حتى يصبح النجاح قدرنا.

أحمد بن علي المعشني


أعلى





من طيوب الذاكرة
سليمان العيسى في مهرجان مسقط

لنا اليوم في المساء موعد مع شيطان شعر تحول إلى ملاك ، مع شعلة وهاجة حمراء ، تحولت إلى وردة بيضاء ، يضوع منها الطيب والنقاء ، إنه موعد مع ثمانين عاماً من الشعر ونيف ، يحملها إلينا شاعر العروبة ، شاعر الطفولة والمستقبل ، سليمان العيسى وهو يلبي دعوة مهرجان مسقط حاملاً إلى السلطنة عبق الشام ، وقد مازجه بأريج يماني .
***
لا اذكر متى عرفت سليمان العيسى ، وأحسب أن كثيرين مثلي يتساءلون ، أترانا عرفناه يوم ولدنا أم كان من قبل في الذاكرة ؟ فقد كانت أشعاره ولا تزال تقدم وجبة غنية لخيال الطفولة من ثدي الشاعرية العذبة الصافية يرضعونها مع حليب الأمهات ، وتلك حالة لم يحققها شاعر قبله ، كما أن قصائده القومية والإنسانية للكبار كانت تهدر على كل لسان، ولقد كنت طالباً في دار المعلمين في حلب مطلع الستينيات من القرن الماضي ، وكان الأستاذ سليمان يدرّس الأدب في الدار ، وفي ثانوية المأمون الشهيرة ، ولم أحظ بأن أدرس في صفه ، وهذا ما دفعني فيما بعد إلى الحرص على تحقيق ما فاتني ، فهرعت إليه أدرس على شاعريته ، وأحظى بصحبته وصداقته.
وحين قامت ثورة مارس في الشام عام 1963، توقعنا نحن الطلاب الصغار ، أن نرى شاعر القومية الأشهر يترك التعليم إلى منصب كبير ، فهو واحد من رواد الحركة ، اسمه مقترن باسم الأرسوزي وعفلق وغانم وسواهم من المؤسسين ، ولكننا فوجئنا بأن شاعرنا أمسك بالحلم ، وترك لسواه الحكم ، واحتفظ بالمنصب الذي لا يملك أن يمنحه إياه أحد ، ولا أن يعزله منه أحد ، وهو منصب الشاعر الذي يحكم القلوب ، وفوجئنا بأن شاعرنا لا يختص نفسه بشيء من متع الحياة وقد باتت يسيرة ، فكل من حكموا الشام ، كانوا من تلامذته أو من تلامذتهم ، وكلهم يعرضون على الشاعر ما يريد مع فيض من الحب والتقدير ، لكنه لم يكن يريد شيئاً لنفسه ، فقد كان الحلم الذي عاش حياته كلها يزركشه وينمقه ، هو أن يرى أمته قوية تمتلك سيادتها وإرادتها ، وتعود إلى دورها الحضاري العظيم .
كان الحلم يتوهج في مطلع الستينيات ، ثورات هنا وهناك ، وشعارات وأهازيج انتصارات العروبة ، وملايين الناس ينشدون قصيدة سليمان الشهيرة ( ياشباب العرب هيا وانطلق يا موكبي ) لكن الموكب توقف عن السير فجأة في نكسة يونيو ، وكانت فجيعة الشاعر الكبرى حين رأى الحلم يصير أضغاثاً .
بعد ست سنين من الأسى والتفجع ، توهج الحلم من جديد ، وعاد سليمان العيسى يغرد في سماء النصر خارجاً من قفص الهزيمة ، ويغني للشهيد الذي صنع المجد في حرب أكتوبر .
ولكن أشباح الظلام سرعان ما اختطفوا فرح النصر من الأمة ، وفقد الشاعر ثقته بقدرة الكبار على تحقيق ما يحلم ، فانصرف بإبداعه إلى من يحملون الأمل ، ومن يصنعون المستقبل ، للصغار ، وللطفولة التي لم تلوث ، والتي تحتاج إلى ينابيع تستقي منها العقيدة والإيمان ، وتعلمها الشعر بوصفه إبداع أمة ، ولغة تحمل البيان ، وتطرب الاذان ، وتصوغ ثقافة ترسخ في الوجدان ، وهكذا تحول سليمان ، من شاعر الشعلة الحمراء ، إلى حمامة بيضاء ، تهدهد للصغار ، وتحكي لهم قبيل النوم ، عن المعري و المتنبي وأبي تمام ، وتقص روايات السندباد.
وأول ما تلثغ به الطفولة في بلادي قصيدة عصماء لايوجد طفل في الشام وماحولها لم يبدأ بها شدوه العذب الجميل هي ( ماما ماما يا أنغاما ، تملأ قلبي بندى الحب ، أنت نشيدي عيدك عيدي ، بسمة أمي ، سر وجودي ،أنا عصفور ملء الدار ، قبلة ماما ضوء نهاري )أو أغنيته العذبة التي هي نموذج لأغنياته التي يُعرِِّف فيها الصغار إلى قيمة العمل ( عمي منصور نجار ، يضحك في يده المنشار ، قلت لعمي ، عندي لعبة ، اصنع لي بيتاً للعبة ، هز الرأس وقال ، أنا أهوى الأطفال ) لقد عاد الشاعر سليمان مخلصاً لمهنة التعليم ، ليبدأ الدرس من جديد مع تلامذة صغار جداً ، بعضهم دون الخامسة ، وأكد أن بناء الأمة يبدأ من صناع المستقبل ، فانصرف إليهم وراح يعلمهم معنى الوحدة والتعاون ( من زهرة واحدة ، لايصنع الربيع ) ويحكي لهم عن أصلنا العربي كيلا يظنوا أنهم بلا جذور ( وأبعد نحن من عبس ، ومن مضر نعم أبعد ، حمورابي وهاني بعل، بعض عطائنا الأخلد ، لنا بلقيس والأهرام ، والبردي والمعبد ، ومن زيتوننا عيسى ، ومن صحرائنا أحمد ) .
أليس هذا بعض ما عناه ابن المقفع حين تحدث عن السهل الممتنع ؟
وأحسب أن أول أبيات حفظتها لسليمان العيسى هي تلك التي قرأتها في مجلة العربي في الستينيات ، وليست لدي القصيدة الآن كي أقبس منها ، وأخشى أن تخونني الذاكرة بعد عقود ، لكنني أحسب أنها تلك الاعتذارية العذبة التي مهدت لها المجلة بقولها إن الشاعر سليمان العيسى كان في الكفرون على مائدة طعام وإلى جواره صبية حسناء ، ودون أن ينتبه هوى كأس من يد الشاعر على ثوب الفتاة ، وبدا أنها انزعجت فقال لها الشاعر معتذراً ( لاتلوميني ولومي القدحا ، أسكرته لفتة فانسفحا ، قطرة شاعرة حنت إلى شاطىء السحر فطارت فرحا) إلى آخر هذا الاعتذار الرقيق الذكي المبدع .
لقد تعرفت على سليمان العيسى عن قرب ، و عرفت الكثير من أسرار إبداعه وبعضها امتلاء قلبه بالمحبة ، وترفعه عن الصغائر ،ولطفه ودماثته ، وحسن لقائه ، وبشاشة ترحيبه ، وتعرفت على شيء من ذاك المخزون الثري العجيب مما يحفظ من طفولته شعراً ونثراً ، وهو يمتح منه ، فيدخله إلى مشغله الفني ليأخذ منه النكهة والسلاف ، ويضيف إليه من لدنه ما تقتطفه الروح القلقة المعذبة في سراحها وهواجسها وهي تعاود الأرق ، فتصوغه شعراً ، ومنه تعلمت يوم كان الحوار مشتداً حول القصيدة القديمة والجديدة أن ( الشعر هو النبض الحي وراء البيت ) وهكذا ببساطة وضع سليمان يده على النار التي يتوهج منها الإبداع ، وهو يقتبس منها جمرة النبضة الحية ويعاف الميتة الباردة ، وقد أتيح لي أن أحاوره مرات على شاشة التليفزيون ، وهو المتحدث العذب الفياض ، الذي يغرف من بحر ثقافته الواسعة ، وسر جماله الصافي صدقه وبساطته
لقد أطلق سليمان العيسى هدير صوته حين كان الحلم مواراً شديد التوق ، وكان ينعكس على لغته في مثل قوله
( هدر يضج بمسمعي ونداء ، وخطى تُجرُّ و شارع وضّاء ، ومواكب ألف الطريق ذهابها ، وإيابها والريحُ والضوضاء ) لكن هذا الهدير يصير سكوناً وحشة وأسى ووحشة ، حين يواجه حقيقة الانكسار الذي حاق بالأمة ، وحين صار الحديث عن العودة أغنية للنواح (مضت السنون وخيمتي ممدودة ، فوقي تقهقه حولها النكباء ، اليوم تكتسح البروقُ سماءنا ، وتموج فيها العزة القعساء ) ويحق لشاعرنا وهو يعيش انكسار الحلم أن ينكر كأسه وعوده ، وأن يسأل شظايا النجوم في الوتر المحموم ( هل فيك شهقة من قصيدِ ؟ بسمة ؟ وردة ؟ بقية طفل لم يزل يغزل الرؤى بنشيدي ؟ وزعته قصائد الحب في الدنيا فكان الرماد حب الحصيدِ ، ياصديقي نحن كنا على شفة الجمر عطاشاً إلى رحيق الوجود ، هل ظفرنا بقطرة ، حسبنا لحظة بعمر الخلود ).
وسليمان العيسى شاعر مسرحي وقد كانت مسرحيته الشعرية الشهيرة ( الإزار الجريح ) مقررة على طلاب البكالوريا ، لقد عرّفنا فيها أستاذنا (أبو معن ) على ضخامة موقف كنا نمر عليه مرور العابرين ، ولا نتأمله كما فعل الشاعر الكبير ، إنه موقف جبلة بن الأيهم الشاعر الغساني المسيحي ، حين تعرض لامتحان الولاء بين بيزنطة المسيحية وبين إسلام قومه ، فاختار الوقوف مع العروبة المسلمة ، وحارب العدو المحتل ، إنها مسرحية هامة في أدبنا العربي لأنها تقتحم الانتماء ، وينجح الولاء للعروبة في امتحان حاسم مثير .
ولو أن أبا معن أمعن في كتابة المسرح الشعري لزود الأدب المسرحي العربي بكنوز من الإبداع ، وقد فعل ذلك فيما كتب للأطفال من مسحيات شعرية وغنائيات ، وأعتقد أنه أول شاعر عربي كبير ، يقتحم عالم الطفولة الذي يهابه المبدعون ، لأن الكتابة للكبار أمر يحسنه الكثيرون ، ولكن من ذا يملك أن يبسط اللغة ، وأن يملأها لحناً طروباً ليصير نشيداً وأغنيات يرددها ملايين أطفال العرب ، ومن ذا يستطيع أن يصوغ الفكرة الجليلة الصعبة العميقة فيجعلها يسيرة لطيفة يستوعبها الأطفال وهي تنسل إلى اللاشعور ، وتدخل في الوجدان بلا استئذان ؟
إنه الشاعر المتمكن من أدواته ، المجرب في بيانه ، وهو المعلم الذي مارس خطاب البسطاء من الناس حين كان يطوف القرى ، ويعلم الفلاحين الأميين القراءة والكتابة ، ويصوغ لهم أهازيج حب العروبة والوطن .
وسليمان العيسى شاعر يتأرجح بين مدرستين ، مدرسة التجديد ومدرسة التقليد ، ولكنه لم يشغل نفسه بإعلان الانتماء إلى واحدة دون الأخرى ، فهذه مهمة النقاد يرون أي المدارس خرّجته وأيها كان فيها معلماً ؟ وقد خرجته مدرسة التقليد ، ليصير أستاذاً في مدرسة التجديد ، ولكنه لم يشتطّ على أركان القصيد ، فحتى في قصائده الحديثة أو النثرية ، تسمع موسيقا الشعر الطربة تتمايل راقصة بين الكلمات ، وسر ذاك ، أن أبا معن فنان طروب ، لا تتوقف الموسيقا عن العزف والغناء في داخله .
وسليمان العيسى قد تجاوز اليوم الثمانين (أمد الله في عمره ورزقه الصحة والعافية ) ولكن قلبه لا يزال في عز الصبوة والشباب ، ولا يزال يحن إلى نِدّه القديم ، وهو موج البحر الهادر ( نِدّان يا أمواج نحن ، قصيدة عطشى ولج ثائر متمرد ، صُبّي على عينيّ آخر قطرة في صدر عوسجة المغيب تَردّد ) وقد ولد سليمان في النعيرية في الشمال السوري عام 1921 بعد عام من دخول الاستعمار الفرنسي إلى سوريا ، ونال تعليمه العالي في بغداد ، وعاد ليبني مع الرواد نهضة الأمة وليس نهضة سوريا وحدها ، فقد كان إيمانه بحلم الوحدة ينبوع شاعريته ، وكانت العروبة ولا تزال جذوة إبداعه ، وقد تشبع بالتراث الأصيل ، في البيت العريق الذي ولد فيه حيث تعلم على أبيه الشيخ أحمد العيسى .
ولعل كثيرين لايعرفون أن سليمان العيسى واحد من كبار الشعراء الظرفاء الساخرين ، وقد أسس مع صديقه الأديب الراحل صدقي إسماعيل جريدة (الكلب ) التي نبح فيها كبار المبدعين ، وتهاوشوا مع الحكومات ، وعضوا السياسات ، وعضتهم ، وهذه المجلة فريدة في بابها ، وقد صدرت مجموعة قبل سنين في كتاب يحمل عنوان ( الكلب ) وهي تؤرخ للسياسة من جانب ساخر ضاحك ظريف .
وسليمان العيسى عضو في مجمع اللغة العربية ، وقد أمضى جل عمله الوظيفي موجهاً تربوياً عاماً للغة العربية في وزارة التربية ، وقد رافق زوجته الأديبة الدكتورة ملك ابيض في رحلتها منذ مطالع التسعينيات إلى اليمن حيث تعمل أستاذة وباحثة في الجامعة وقد أحب سليمان أهل اليمن وأحبوه ، وبات ديوانه الشعري عن اليمن ذروة انتاجه الأدبي .
ولا يتيح لي المجال أن أسهب في الحديث عن أستاذي وصديقي أبي معن ، ولو أنه اتسع لما توقفت ، ففي قلبي فيض من الحب له ، ومن الوفاء لأستاذيته ، ومن التقدير لمكانته السامية في ثقافتنا وفي أدبنا العربي الحديث ،ومن المعرفة لقدره بوصفه رجل موقف ومبدأ ، واحمد الله أن التقدم في السن ، والحزن المفجع على ما آل إليه حال الأمة ، لم يوقفاه عن العطاء ، وقد قال ( وتموت آخر باقة مخضوبة بدم النهار ، وأظل عبر الموج لحناً كالمحيط بلا قرار ) فأهلاً بهذا اللحن يمتعنا ، وسيبقى ينساب في أعماق الأجيال التي تربت عليه ، حتى تحقق ما عجز جيل الشاعر ، وأجيالنا اللاحقة عن تحقيقه ، ولكنه لابد يوماً من أن يتحقق بإذن الله .

د. رياض نعسان آغا

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


الآثار الروحية والسلوكية لفريضة الحج

دعوة لاكتشاف بحر الرمال

قطاع التكنولوجيا يودع سنوات الركود

المسيحية الصهيونية أَنشأت (إسرائيل) وما زالت تدعمها


.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept