
فتاوى واحكام
س : ما قولكم في رجل قصد الحج إلى بيت الله
الحرام هل عليه كفارة صيام شهرين أو إطعام مسكيناً وهو بالغ من العمر
أربعين سنة ولا يتحمل الصيام ويستطيع الإطعام ؟
ج : ليس على من قصد الحج أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً
إلا إن أرتكب ما يوجب ذلك أما نفس قصد الحج فلا يوجب ذلك إذ لم يقم
على ذلك دليل والله أعلم .
س : أريد أن أحج عن والدتي ولي إخوان وأخوات وهم غير راضين عني بسبب
أنه كان رجل يخطب عليهم سنة كاملة ويتردد عليهم وأنا كذلك ودفعت
إليهم الشيوخ والوالي والقاضي ولم يوافقوا حتى كلفهم الشرع وتزوجتُ
عن طريق القاضي والآن رموني بالخصام ولم يسلموا علّي هل إذا حججت
يلزمني شئ وقام فاعلوا الخير ليصلحوا بيننا ورفضوا ولم يوافقوا على
ذلك .
ج : إن أمكنك أن تصالحيهم قبل السفر إلى الحج فذلك أولى وإلا فما
عليك من حقدهم وأنت لم تسيئي إليهم فحجي على بركة الله والله أعلم
.
س : هل يصح لزوج المرأة أن يمنعها عن أداء فريضة الحج ؟
ج : ليس للزوج أن يمنع زوجته عن حجة الفريضة كما أنه ليس له أن يمنعها
عن الصلاة والصيام والزكاة والله أعلم .
س : هل حج المرأة من مسئولية الزوج أم لا ؟
ج : هو غير مسئول عن ذلك فإن الحج إنما هو على من استطاع إليه سبيلا
وهي عبادة يستقل بها كل إنسان في خاصة نفسه فالمرأة تستقل بها والرجل
يستقل بها وعلى أي حال إن تبرع زوجها بمؤنة حجها فإن عليها أن تحج
في هذه الحالة من مال زوجها والله أعلم .
س : هل تلزم العمرة كل مسلم كما يلزمه الحج أم لا ؟
ج : أختلف فيها على قولين والراجح أنها واجبة لقوله تعالى { وأتموا
الحج والعمرة لله } وللأحاديث التي نصت على أنها فريضة مع الحج والله
أعلم .
س : ما حكم الإسلام في الممتنع عن الحج مع القدرة المالي والبدنية
و الأمن ؟ وما الدليل ؟
ج : حكمه الكفر { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين }
س : يدعي بعض الشباب أن فريضة الحج لا تؤدى إلاّ بعد الزواج وتحصين
النفس بالرغم من توفر الإستطاعه العلمية والبدنية والمالية لديه
فما قولكم في هذه المسألة ؟
ج : هذه دعوى مردودة وهي لا تصدر إلاّ من أهل الجهل المركب الذين
يقولون على الله ما لا يعلمون وكفى بذلك إثماً مبيناً وما الحج إلا
ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه فلا يتوقف وجوبه ولا أداؤه
على الزواج كما لا يتوقف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام
رمضان والله أعلم .
س : هل يجب على من يريد الحج أن يصلي في بيته أو مسجده قبل سفره
؟
ج : لا يجب عليه ذلك وإنما مستحب وهي صلاة الوداع من أجل الحج والله
أعلم .
س : هل يصح أن يحج الرجل عن محارمه من
النساء وذلك لما نسمع من الفساد الأخلاقي ولعل ذلك مرده إلى الزحام
في موسم الحج مع أن النساء يستطعن الحج أم أن الأمان ليس من شروط
الاستطاعة ؟
ج : الأمان من شر ما يحدث داخل في الإستطاعه وبإمكان النساء التوقي
من الفساد فالواجب أن يحججن بأنفسهن مع التحرز والله أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
المسار الحضاري للفكر الإسلامي في جدليته مع الحضارة الغربية
انتقل العرب في عصر البداوة الى عصر الحضارة
والمدنية بفضل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم فضلاً عن المساهمات
الرائدة لمفكري الإسلام في إثراء المباحث الفلسفية والعلمية والعقلية
واللغوية فكانوا بحق وحقيقة أساتذة العالم بدون منازع ( الكندي -
الرازي - ابن سيناء - الفارابي - مسكويه - جابر بن حيان - البيروني
- ابن الهيثم - ابن حوقل - ابن باجة - ابن طفيل - ابن رشد - .....
الخ )
في أوروبا :
- سار التخلف على كل المستويات بحيث غاب مفهوم الإنسان ككائن متميز
ومستقل بذاته . ذلك لأن الإنسان كان مملوك الروح من طرف الكنيسة
ومملوك الجسد من طرف الإقطاعيين .
* الحقيقة الدينية المسيحية أولى من الحقيقة العقلية فنتج عن ذلك
محاربة الفكر الفلسفي وقتل المفكرين العقلانيين .
لكن الأوروبيين من خلال احتكاكهم بمفكري الإسلام ،تعلموا الشيء الكثير
خاصة في المجال العلمي . فهم استفادوا من المباحث العلمية ولم يأخذوا
شيئاً من معطيات العقيدة الإسلامية ، وهكذا انطلقوا في فضاءات التغير
والتطوير قرناً بعد قرن فكل جيل يحدث قفزة نوعية تدفع بالحضارة الأوروبية
باتجاه التقدم . فبعد القرن 14م الذي يصطلح على تسميته في التاريخ
الحضاري الأوروبي عصر الإحياء ، جاء القرن 15م وشهد الإصلاح الديني
على يد ( king Marline Luther ). ثم القرن 16م عصر النهضة . ثم القرن
17م عصر العقلانية ثم القرن 18م عصر الأنوار ، ثم القرن 19م عصر
استقلاق العلوم عن الفلسفة. فالقرن العشرون عصر التكنلوجيا وغزو
الفضاء فإلى أين هم ذاهبون؟
أضواء على تطور الحضارة الغربية :
* بعد الإقلاع الحضاري المتميز للإسلام والمسلمين ، عاشت أوروبا
ما كان يعرف بالعصور الوسطى أو عصور الظلام . وهي عصور ساد فيها
الفكر المسيحي المتحجر الرافض لأي إبداع فكري أو فلسفي ، بحجة أن
الكنيسة وحدها هي التي تمتلك الحقيقة ، وما سواها مجرد هرطقات وبدع
، وفي سبيل بيان ذلك أقول .
لقد تواطأ رجال الإقطاع (1) وهم كبار ملاك الأراضي والعبيد مع الكنيسة
ضداً على الفكر العقلاني ، حفاظاً على مصالحهم ، فكلّ من حاول التفكير
الحد أو معارضة الأنظمة القائمة كانت ورقة التفكير الصادرة عن رجال
الدين كافية لقراءة وبالتالي القضاء عليه . فرجال الدين كانوا يروجون
لمقالات هم خلفاء الله وممثلوه في الأرض كذلك الملوك والأباطرة +
حقيقة الوجود بيد البابا وحده ....
وهكذا نجد وسيلة الإعلام من أهم ما وظّف في سبيل إخراس الأصوات التي
كانت تتعالى مطالبة بالإصلاح أو بالجدية أو بالنقد .
وحسبنا أن نذكر مقتل العالم جاليلي Galilee ) ) لا لشيء إلا لأنه
قال بدوران الأرض حول الشمس ، ونظريته صحيحة أثبتها العلم لاحقاً
.
في حين كانت الكنيسة وقتئذ تقول إن الأرض مسطحة ولا مجال للمناقشة
أو المعارضة نفس المصير لاقاه الفيزيائي الفلكي البولندي كوترنيك
....
(1) امتلاك الأرض بما فيها ومن عليها .
وأمّا الإنسان البسيط والعادي ، فقد كان مطحوناً لا يملك حقيقة كينونيته
، فهو ممزق بين امتلاك الكنيسة لروحه وامتلاك الإقطاعيين لجسده ،
فو لاءات الإنسان موزعة بين تسخيره لجسده للإقطاعي الذي لم يكن يعطيه
إلا ما يبقي على رمقه أو بالأحرى لم يكن يزوده إلا بما يتركه يشتغل
كآلة ترفع من إنتاج الإقطاعي . فأين الإنسان ككائن مستقل ؟ لا وجود
له إنه غائب . لكن ومع انتقال الإشعاع الحضاري الإسلامي من الشرق
الى الغرب ونقصد الأندلس بدأت تأثيرات هذا الإشعاع تساعد على انتعاش
الظلام . فنحن عندما نقول الأندلس نقول (أسبانيا) ، وهي جزء من أوروبا
وقريبة جداً من فرنسا وايطاليا ... والوجود الإسلامي هناك كان وجوداً
حضارياً بكل ما تعنيه مفاهيم الإنتاج الحضاري من معان فالمسلمون
لم يكن وجودهم هناك بهدف التدمير أو التخريب أو النهب . بل قدّم
المسلمون في تلك البقاع أروع النماذج وأنصعها من حيث العمران والإبداع
الفكري والفلسفي والشعري والفقهي ....
فمدن غرناطة وأشبيلية وبلد الوليد ما تزال شاهدة الى اليوم ، وفلسفات
ابن رشد وابن باجة وابن طفيل وأشعار ابن زيدون ... كلها أحدثت تأثيرات
عميقة في نفوس المفكرين الأوروبيين يبحثون بتلاميذ الى الأندلس من
أجد التعليم على يد علماء الإسلام فقد اندهشوا وأعجبوا بدرجة التحضّر
السامية التي بلغها المسلمون فمجالات توظيف العقل مفتوحة أمام الجميع
، وأشكال الجدال والنقاش بين العلماء على أشدها وأشراف الأمراء على
الجلسات العلمية وتشجيع أطرافها عن طريق البذل والعطاء مما كان شائعاً
ومنتشراً فلا وجود في هذا الفضاء لجهة معينة تدعي امتلاك الحقيقة
المطلقة كما هو شأن الكنيسة ولا وجود لوسائط بين الإنسان والله ،
بل كل الحقائق تبقى بنسبة وبإمكان الإنسان الخوض فيها إذا امتلك
الوسائل لذلك (الحقائق المطلقة هي الله وما أخبر به من غيب).
كما إن العلاقة بين الإنسان وربه هي علاقة مباشرة لا تحتاج الى تزكية
من طرق رجال الدين أو القسّ أو البابا ...
ولذلك فلا عجب أن نجد أحد تلاميذ ابن رشد يؤلف كتاباً يعكس بحق مدى
التفوق الذي ألفه المسلمون آنذاك بالمقارنة مع الأوروبيين وعنوان
الكتاب كان حوار بين يهودي ومسيحي وفيلسوف . فالمسلم آنذاك كان ينعت
من منظور الأوروبيين بالفيلسوف ، لأن دين الإسلام لم يغلق يوماً
أبواب إعمال العقل ، والتدبر والتأمل في وجه معتنقيه وهكذا حرص الغربيون
على التعلم من المسلمين ، فترجموا بل سرقوا أمهات المصادر الإسلامية
خاصة الجوانب العلمية ( طب - رياضيات - فيزياء - كيمياء - فلك ....
) وعادوا الى بلدانهم ومعهم أنفس الذخائر الفكرية والعلمية .
وما أن أطل القرن 14م حتى انهمك الغربيون بكل لهف وشغف على التراث
الإسلامي فدرسوه بل هضموه وقرروا الانغلاق على ذواتهم والرجوع مرة
أخرى الى التراث اليوناني القديم الذي كانت الكنيسة طوال العصر الوسيط
تمنع تدريسه أو تعليمه على اعتبار أنه إنتاج وثني فسمي القرن الرابع
عشر بعصر الإحياء فكان سيئاً كان ميتاً وبدأت الحياة تدب إليه من
جديد .
ثم جاء القرن 15م فقد شهد تحولاً قيماً في تاريخ المسيحية نفسها
ذلك إن القس الألماني (King Martin Luther ) أسس خلال هذا العصر
ما يعرف اليوم بالنهج البروتستانتي في المسيحية .
فقد اهتزت ألمانيا بسبب ثروة عبيد الفلاحين التي تزعمها لوثر وصديقه
(Tomh's Munzer ) وحدث ما يعرف بالإصلاح الديني .
وإن كثيراً من المفكرين والباحثين والدارسين يرون أن الإصلاح البروتستانتي
استفاد في كثير من مبادئه من الدين الإسلامي وفي سبيل بيان ذلك نورد
أهم أسس البروتستانتية لنتأكد من ذلك :
* قال لوثر :
1- زواج الرهبان مباح وجائز عكس ما تقول به الكنيسة الكاثوليكية
التي يتزعمها اليوم البابا يوحنا بولس الثاني ( الفاتيكان ) .
وهذا المبدأ إسلامي . فالإسلام ضد الرهبانية ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : .. وأنا أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني
. والواقع أن الكنيسة الكاثوليكية كانت وما تزال ضد الفطرة السليمة
ونحن من حقنا أن نتساءل وما الضامن لحياة روحية أسعد ؟ الزواج أم
الرهبنة ؟ إن الإجابة السليمة هي الزواج والزواج أساس للحياة الروحية
وضامن لثرائها وإغنائها وليس العكس .
ثم أن الأبحاث الأدكيولوجيه (1) التي أجريت في مناطق مختلفة من أوروبا
كانت الكنيسة الكاثوليكية تسيطر عليها كشفت حقائق مثيرة ومذهلة ،
ذلك أنه وجدت عظام وبقايا هياكل النساء تحت جدران الكنائس. بمعنى
أن رجال الدين الكاثوليكيين كانوا يدعون أمام الملأ بالعفاف باعتبار
العلاقات الجنسية نزوات من وحي الشيطان ، لكنهم في الخفاء إذا حدث
وجاءت نساء لتتعبدن في الكنيسة ينقضون عليهن ويمارسون عليهن الجنس
بشكل فظيع وخوفاً من افتضاح أمرهم كانوا يقتلوهنّ ويدفنوهنّ تحت
جدران الكنيسة ...
بل إن كثيراً من الأبحاث المعاصرة والتحقيقات بينت شذوذ الرهبان
سواء فيما بينهم أو حتى مع الراهبات والأطفال ... ؟؟؟ !!
(1) الأدكيولوجيا : علم النفس
2- تحريم تزين الرهبان بالحديد والذهب :-
هذا مبدأ إسلامي محض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ هذين
حرام على ذكور أمتي ، حلّ لأناثهم يعني الذهب والحرير .
3- العلاقة بين الله والإنسان علاقة مباشرة :-
مبدأ إسلامي أصيل ، والله تعالى يعتبر اتخاذ الوسائل شركاً والله
لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . قال تعالى: (وإذا
سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) . صدق الله
العظيم
القرن 16م : اصطلح على تسميته بعصر النهضة ، ففي هذا العصر بدأت
الكنيسة تفقد سلطاتها المطلقة التي تتمتع بها طوال العصر الوسيط
. وظهر مفكرون عقلانيون وآخرون يعتمدون في إبرازهم لحقائق الأشياء
على الملاحظة والتجريب مما يعنيه محاربة الفكر الكنسي الغيبي المتحجّر
.
وبعض الباحثين يطلق على هذا القرن قرن الإنسان ، وذلك لسببين أولهما
إكتشاف William Harrey للدورة الدموية بشكل علمي كامل ( كان ابن
النفيس قد سبقه في الاكتشاف ) والثاني مطالبة المفكر والفيلسوف الإنجليزي
John lock بتأصيل مبدأ الملكية الفردية في المجتمعات الأوروبية ،
ولا يجب أن يتبادر الى الذهن أن الملكية الفردية هنا تعني حق امتلاك
الأفراد للبيوت أو المزارع ، بل تتعداه الى حق الإنسان في امتلاك
نفسه .
فقد سبق أن أشرنا الى أن الإنسان في العصر الوسيط كان موزعاً بين
الكنيسة والإقطاع ، فروحه تملكها الكنيسة ، في حين كان جسده مملوكاً
من طرف الإقطاعيين وهكذا طالب لوك بحرية الإنسان في امتلاك روحه
وجسده ، بعيداً عن أي شكل من أشكال الضعف أو القهر أو الوساطة وقد
صادف هذه التحولات الهائلة في الجسد الأوروبي ، اكتشاف البحارة الأوروبيين
لمناطق استراتيجية في العالم ولعل أبرزها رأس الرجاء الصالح وقد
ساعدت هذه الاكتشافات الجغرافية الكبرى على ازدهار النشاط التجاري
في البلدان الأوروبية التي بدأت تعرف تكدس المواد الأولية والمعادن
النفيسة في مخازنها تهيئاً للتحول الصناعي الذي سيظهر بعد قرن ونصف
.
القرن 17م : اشتهر هذا القرن بتسميته عصر العقلانية ولعل ابرز مفكر
يطفو اسمه على سطح الفضاء الأوروبي هو المفكر الفرنسي ( Rene Descartes
) ديكارت صحيح أنه كان مسيحياً لكنه لم يكن يؤمن بما كانت تقوله
الكنيسة دون دراسة أو تمحيص أو حتى نقد فهو يعتبر أن الحقيقة المطلقة
هو وجود الله تعالى وما سوى هذه الحقيقة نسبي قابل للتشكيك فيه أو
دراسته . وهكذا أسس منهجاً جديداً في الأبحاث والدراسات وهو منهج
الشك على اعتبار أن الشك هو الموصل الى اليقين. وهذا يعني أن الفكر
له دور مهم في تسيير أغوار الحقائق ، بل أن ديكارت ذهب بعيداً لمّا
قال أن ما يكسب للإنسان قيمته الوجودية هو مقدار توظيفه للفكر وامتلاكه
لأدوات التفكير ، قال ديكارت (أنا أفكر إذاً أنا موجود) ، كما اعتبر
ديكارت الحدس ( هو المعرفة المباشرة التي لا تقوم على أي استدلال
عقلي ) مصدراً من مصادر المعرفة ، وقال أنه نور فكري كما لا ننسى
دور المفكر الهولندي (Spinoea ) في دعم التوجيه العقلاني في أوروبا
، خاصة ومحاربته للفكر الإيماني المسيحي النسكمي ولإشكال الخرافة
والأسطورة التي كانت تعيش في أذهان الناس فضلاً عن انتقاداته اللاذعة
للأنظمة السياسية الأوروبية آنذاك .
القرن 18م : إنه عصر الأنوار ، عصر ما تزال المركزية الأوروبية تعتز
به الى يومنا هذا ، تسميته بالأنوار تعمل أكثر من دلالة ، فكأن أوروبا
كانت تعيش في ظلام دامس ، وسرعان ما سطعت في سمائها أضواء أنارت
لها ولغيرها الطريق .
ولأن الساحة التي شهدت هذا التحول في المسار الحضاري الأوروبي ،
هي فرنسا ، وأسماء لثلاثة مفكرين تفرض نفسها بإلحاح على أي باحث
في هذه الفترة : إنهم على التوالي فولتيير وجان جاك روسو ومونتسكيو.
لقد شهد هذا القرن انفجار الثورة السياسية الفرنسية ، بالتحديد سنة
1789م ، وتمّ تحجيم وتقزيم النظام الإقطاعي ، وتمّ القضاء على النظام
الملكي المطلق ، ورفعت شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية
الفكر والاعتقاد .
وقد صاحب هذا التحول ، تراجع النظام الزراعي في أوروبا ليحل محله
تدريجياً النظام الصناعي ،خاصة بعد انفجار الثورة الصناعية في انجلترا
بعد الاكتشاف الرائع للآلة البخارية .
وهكذا انتقلت أوروبا من عصر الظلام الى عصر النور ، ومن الضعف الاقتصادي
الإقطاعي الى النمط الاقتصادي الصناعي ، مع ما صاحب ذلك من إطلاق
وفتح للأبواب على مصراعيها أمام الإبداع الفكري والفلسفي دونما خوف
من وصاية كنسية قمعية أو من قيود وضغوط من أية جهة كانت .
القرن 19م : وهو قرن شهد ثلاثة تحولات مهمة ، نذكرها على التوالي
:
1- استقلال العلوم من الفلسفة . الماركسية
2- ظهور فلسفات إلحادية . الداروينية
3- ظهور النزعات العرقية وشعور الأوروبيين بالتفوق .
وسنحاول في إيجاز شديد تسليط بعض الأضواء على كل تحول :
1- لقد كانت الفلسفة الى حدود هذا القرن تعرف بأمّ العلوم ، والفيلسوف
كان يلقب بأب القرية ، بمعنى أن الفيلسوف يلزم أن يكون تكوينه موسوعياً
، فإلى جانب إبداعه في المجال التأملي ، كنا نجده مبدعاً في العلوم
الطبيعية والإنسانية . وحسبنا أن نذكر سقراط مثلاً في الحضارة الإغريقية
، فهو كان فيلسوفاً وشاعراً ورياضياً وموسيقياً ... وابن سينا في
الحضارة الإسلامية ، كان فيلسوفاً وطبيباً وشاعراً ولغوياً ومتصوفاً.
لكن مع إطلالة القرن 19م ، سادت في أوروبا الروح الوضعية وهي روح
كانت تحث على أهمية اعتماد خطوات المنهج العلمي في سبيل الكشف عن
حقائق الأشياء ، وهي خطوات تقوم على :
1- الملاحظة 2- الفرضية 3- التجريب 4- الاستنتاج أو القانون العلمي
بل إن الفرنسي أوكست كونت سيدعو الى اعتماد المنهج العلمي التجريبي
في دراسة حتى الظواهر الإنسانية ، وهكذا أصبح لكل مبحث موضوعه ومنهجه
الخاصان به . وأصبحنا نسمع بـ :
- السيكولوجيا Psychology علم النفس
- السوسيولوجيا Sociology علم الاجتماع
- الفيزيولوجيا Physiology علم وظائف الأعضاء
- البيولوجيا Biology علم الأحياء
وقد أدى هذا التخصص في دراسة الظواهر الى إحراز أشكال متميزة من
التقدم على مستوى كشف أسرار الكون والسلوك البشري والحيواني .
طالب راشد الهاشمي
أعلى
آداب تلاوة القرآن الكريم
القرآن الكريم كتاب الله الخالد، وكلامه القديم،ومعجزة
نبيه الكبرى، وجامعة الإسلام العظمى، وصفه الذي أنزله بالعلم: (لَّـكِنِ
اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ
يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً (166) النساء. وبالحكمة:
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) يس. وبالكرم: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ
كَرِيمٌ (77) الواقعة، وبالمجد: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) ق،
وبالعزة: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) فصلت، وبالعظمة: وَلَقَدْ
آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)
الحجر، وبالبركة: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ص 29،
وبالتذكير: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) ص. وبالوضوح والتبيين:
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) الدخان.
وبين آثاره في الهداية والبشرى إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) الإسراء. وفي الشفاء
والرحمة: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ الإسراء 82، وفي التذكير والتقوى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا
لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
(27) قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
(28) الزمر، وفي الثبات على الحق: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى
وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) النحل، وفي زيادة الإيمان: وَإِذَا
مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ
هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) التوبة.
ووصفه الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم وبيّن آثاره في كثير من
أحاديثه الشريفة، منها ما روي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: أما أنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج
منها يا رسول الله؟ فقال: كتاب الله تعالى، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر
ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار
قصمه الله تعالى، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى، وهو
حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي
لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء،
ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنفضي عجائبه، وهو الذي لم تنته اليه
الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فآمنا
به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا اليه
هدي الى صراط مستقيم. رواه الترمذي.
وعن محمد بن علي رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: القرآن أفضل من كل شيء دون الله، وفضل القرآن على سائر الكلام
كفضل الله على خلقه، فمن وقّر القرآن فقد وقّر الله، ومن لم يوقّر
القرآن لم يوقّر الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده،
القرآن شافع مشفع، وما حل ـ أي خصم مجادل ـ مصدّق، فمن شفع له القرآن
شفع، ومن محل بالقرآن صدق، ومن جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله
خلفه ساقه الى النار، وحملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبسون
نور الله، المعلمون كلام الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم
فقد عادى الله. رواه القرطبي في تفسيره.
وقد أمر الله تعالى بتلاوته {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ
هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ}
النمل 91-92. ووعد عليها الخير الجزيل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ
أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
(30) فاطر. كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوته وبيّن ما أعد
الله سبحانه وتعالى لمن قرأه من أجر عظيم منها شفاعته به فقال اقرأوا
القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه رواه مسلم.
ومنها حصوله على ثروة عريضة من الحسنات التي تضاف الى رصيده عند
تلاوة كل حرف من الكتاب الكريم، قال عليه الصلاة والسلام: من قرأ
حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم
حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف رواه الترمذي. ومنها ارتقاؤه
الى منزلة لا تنتهي رفعتها إلا عندما ينتهي من تلاوته قال صلى الله
عليه وسلم: يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق كما كنت ترتل في الدنيا،
فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها رواه أبو داود والترمذي. ومنها نيله
شهادة نبوية بتقليده أعلى وسام إلهي: إن لله أهلين من الناس، قالوا:
من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. رواه النسائي
وابن ماجه.
إنه كتاب الله تعالى الدستور الجامع لأحكام الإسلام، والمنبع الصافي
للعلم والخير والحكمة والنور والوسيلة المختصرة لمعرفة الله تعالى
وقربه ورضاه والوصول الى حقائق التقوى ومعادن الإيمان. وفي الحديث
الشريف إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن
هذا القرآن حبل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك
به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي
عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد رواه الحاكم. وفي وصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه عليك بتلاوة القرآن فإنه
نور لك في الأرض، وذخر لك في السماء.
إنه رسالة الله العلي القدير، لهذا الإنسان الضعيف الجهول الفقير،
لتأخذ بيده وتدله على سبيل النجاة، وتهديه الى صراط الله، وتمنحه
السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.
عن جبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبشروا
فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن
تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا رواه الطبراني.
ولقد بوأ الله به المسلمين عندما تمسكوا به، وأخلصوا في تطبيق أوامره،
وتنفيذ أحكامه ووصاياه، وانتهوا عن كل ما نهى عنه، بوأهم مكانة الصدارة
بين الأمم، وجعلهم مخلّصي الشعوب ومعلمي الأمم، وناشري الحضارة التي
ما عرف التاريخ لها مثيلا، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.
وهذا كتاب الله تعالى تكفل بحفظه، وسخر عباده لتوثيقه، ليكون الدستور
الخالد الى يوم القيامة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
لَهُ لَحَافِظُونَ (9) الحجر.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: خيركم من تعلّم القرآن
وعلّمه رواه البخاري.
قال أحدهم:
قد حوى القرآن نورا وهدى
فعصى القرآن من لا يعقل
قل لقوم نبذوا أحكامه
ما لكم مما نبذتم بدل
فاسألوا التاريخ عن قرآنكم
يوم ضاءت بسناه السبل
فكأن الكون أفق أنتم
فيه بدر كامل لا يأفل
أو كأن الكون منكم روضة
وعلى الأغصان أنتم بلبل
إنه كتاب الله، منزلته كمنزلة منزله، وتعظيمه
من تعظيم قائله، والأدب معه أدب مع الله سبحانه وحري بالمسلم أن
يتعلم هذه الآداب ليلتزمها مع كتاب الله الكريم.
1ـ أن يقصد بقراءته وجه الله تعالى، وتعلم أحكام كتابه، وتنيفيذ
أمر ربه بتلاوة القرآن الكريم.
قال ابن عباس رضي الله عنه: (إنما يعطى الرجل على قدر نيته).
قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ البينة 5.
وعن ابن عمران رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سيجيئ أقوام يقرؤون القرآن يسألون
به الناس رواه الترمذي.
وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من
قرأ القرآن يتأكّل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه
لحم رواه البيهقي.
2ـ أن يكون على طهارة من الحدثين، فالطهارة من الجنابة والحيض والنفاس
فرض لقراءة القرآن أو مس المصحف وحمله.
قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ
(78) لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ
الْعَالَمِينَ (80) الواقعة.
وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه
عن القرآن شيء ليس الجنابة. رواه أصحاب السنن.
وعنه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ
ثم قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا،
ولا آية رواه أحمد وأبو يعلى.
3ـ تنظيف الفم بالسواك وغيره، لأنه مجرى كلام الله تبارك وتعالى.
قال قتادة ( ما أكلت الثوم منذ قرأت القرآن).
عن علي رضي الله عنه مرفوعا: إن أفواهكم طرق للقرآن فطيّبوها بالسواك
رواه البزار.
4ـ يستحب للقارئ أن يجلس مستقبلا القبلة إذا تمكن من ذلك، لأنه ورد
(خير المجالس ما استقبل به القبلة) رواه الطبراني.
ويجوز أن يقرأ قائما أو ماشيا أو مضطجعا أو في فراشه أو في الطريق
أو على غير ذلك من الأحوال وله الأجر، وإن كان دون الأول.
5ـ طهارة المكان والثياب ونظافتهما، والتجمل والتطيب استعدادا لمناجاة
الله تعالى بتلاوة كلامه.
6ـ التعوذ والبسملة قبل البدء بالتلاوة.
قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله فهو أجذم رواه أبو داود وابن ماجه
والنسائي.
7ـ المداومة على قراءة القرآن، بالتزام ورد يومي وإن قلّ، وتجنب
هجران القرآن ونسيان تلاوته. قال سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه:
لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا عز وجل، وإني لأكره أن يأتي
عليّ يوم لا أنظر في المصحف.
قال تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا
هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) الفرقان.
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعاهدوا
هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشدّ تفلتا من الإبل في عقلها
متفق عليه.
1ـ الإقبال بشغف وشوق ومحبة على كلام الله تعالى حتى يتملك عليه
مشاعره وأحاسيسه، وقلبه وفكره وروحه، ويعين على ذلك طرح كل ما يشغله
من أفكار أو كلام أو هموم الحياة الدنيا، وخصوصا في صلاة الليل.
قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً
مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)
الزمر 23.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من أحبّ أن يحبّه الله ورسوله فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب
الله ورسوله رواه الطبراني.
2ـ تحسين الصوت وتزيينه عند التلاوة، والتغني بالقرآن ليكون أشد
وقعا، وأكبر تأثيرا في القلوب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر
به متفق عليه.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
زيّنوا القرآن بأصواتكم رواه أبو داود والنسائي.
محمد بن عبدالله الحارثي
أعلى
احذروا المهلكات
التعلم للدنيا وكتمان العلم
قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده
العلماء). يعني العلماء بالله عزوجل، قال ابن عباس رضي الله عنهما:
يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقال الربيع
بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، وقال الله تعالى: (وإذ أخذ الله
ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء
ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون). قال بعض المفسرين:
نزلت هذه الآية في يهود المدينة، أخذ الله ميثاقهم في التوراة ليبينن
شأن محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه ولا يخفونه، وهو قوله
تعالى: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه)، وقال الحسن: هذا ميثاق الله
تعالى على علماء اليهود أن بينوا للناس ما في كتابهم، وفيه ذكر رسول
الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم). قال
ابن عباس: أي ألقوا ذلك الميثاق خلف ظهورهم، (واشتروا به ثمنا قليلا)
يعني ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برياستهم في العلم، (فبئس ما يشترون).
قال ابن عباس: قبح شراؤهم وخسروا. وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ومن تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب
به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة).
يعني ريحها. وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه في الثلاثة الذين
يسحبون إلى النار، أحدهم الذي يقال له: إنما تعلمت ليقال عالم وقد
قيل.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من ابتغى العلم ليباهي به العلماء أو
ليماري به السفهاء أو تقبل أفئدة الناس إليه، فإلى النار). وفي لفظ
(أدخله الله النار). وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أعوذ بك من علم لا ينفع). وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بالعالم السوء يوم القيامة
فيقذف في النار فيدور بقصبه كما يدور الحمار بالرحا، فيقال له: بما
لقيت هذا وإنما اهتدينا بك؟. فيقول: كنت أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه).
إنما الدنيا متاع * كل ما فيها غرور
فتذكر هول يوم * السما فيه تمور
علي بن عوض الشيباني
أعلى
من أعلام الأمة الإسلامية
(الإمام عبدالله بن وهب الراسبي)
إن دراسة التاريخ بتذكر أسلاف الأمة الإسلامية
والبحث في سيرهم الخالدة والتنقيب عن مآثرهم وأخبارهم يحيى فكر الشباب
الطموح لمعرفة حياة السلف الصالح والفكر القويم الذي ساروا عليه،
فالأمة التي تتنكر لماضيها لا يمكن أن يكون لها مستقبل مشرق وزاهر
ولن يقوم لها أي قائم حثيث مادام أبناؤها يعملون بمعزل عن الحق وتجارب
الأسلاف الذين أضاؤوا رقعة الأرض الإسلامية فضحوا من اجلها وبذلوا
فيها الخير الكثير ومن هذا الخير الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة
الحق وخفض كلمة الباطل فالتاريخ الإسلامي وغيره حافل بالعبر والمواعظ
فكان ذلك التاريخ منهاجا لأولى البصائر والأحلام (لقد كان في قصصهم
عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى) يوسف: { 111 } ففي دراسة
التاريخ القصص والأحداث السارة والمؤلمة التي فيها الفوائد الكثيرة
فهي تقي الناس في المستقبل من الوقوع والانزلاق في المخاطر التي
لا يحمد عقباها ولا يعرف منتهاها.
ومن هؤلاء الأسلاف الذين اهدوا أنفسهم رخيصة في سبيل الحق لحمل راية
الإسلام الإمام:عبدالله بن وهب الراسبي وهو أحد الصحابة رضوان الله
عليهم الذي تم اختياره إماماً للمسلمين من قبل خيار الصحابة رضوان
الله عليهم ورؤساء المسلمين من فقهاء وقراء وعلماء في مختلف الفنون
وكان عددهم آنذاك قرابة عشرة آلاف رجل وقد تمت مبايعة هذا الإمام
في مكان يقال له أرض حروراء من أراضي الكوفة بالعراق.
وقد كان اجتماع هؤلاء المسلمين في بيت الإمام عبدالله بن وهب الراسبي
وقبل أن يعرض المسلمون عليه المبايعة عرضوها على الصحابي حرقوص بن
زهير السعدي (ت 38هـ) فلم تقو نفسه على تحمل هذه المهمة الصعبة فأبى
ذلك العرض وبعد أن رفض حرقوص السعدي المبايعة عرض المسلمون المبايعة
على الإمام عبد الله بن وهب الراسبي
فقال:(ها توها، أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرق
من الموت) فبايعه المسلمون وجعلوا الموعد بينهم أرض النهروان، وهي
مدينة صغيرة على بعد أربعة فراسخ من بغداد شرقا ويقدر حاليا الآن
بأربعة وعشرين كيلو متراً وفيها أحداث تاريخية مؤلمة وكئيبة.
وفــاتـــه:
كانت الأحداث السياسية في ذلك العهد السحيق تموج بالفتن الشرسة فكانت
بعض القيادات تطمع في حب الدنيا وشهواتها وقد كثر الدخلاء المغرضون
على الإسلام في ذلك العصر فشوهوا الحقائق وأشعلوا الفتن بين صفوف
المسلمين فأوقدوا النار مما صعب على الناس إطفاءها.فكانت نتيجة ذلك
نشوب الحرب بين الأمام عبدالله بن وهب الراسبي ومن شايعه والإمام
على بن أبي طالب كرم الله وجهه بسبب مقتل رسول الإمام على وأحد من
اتباعه وهو عبدالله بن خباب بن الأرت، ونتج عن ذلك وطيس معركة النهروان
في عام 38 هـ التي راح ضحيتها خيار الصحابة رضوان الله عليهم من
القراء والفقهاء وأهل الشرف في الدين والرأي والإمام عبدالله بن
وهب الراسبي منهم. فعلينا أن نعتبر ونعى من هذه المواقف والأحداث
ونحاول بجهدنا أن نسد باب الفرقة وأن نفتح باب الحوار بين المسلمين
خصوصا وبين خصومنا عموما لنتجنب الحروب الطاحنة التي تفتك بالبشرية
وتهلك الحرث والنسل كل ذلك بعد التبيين من الأخبار والتأكد من صحتها
كما قال الله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا
أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الحجرات: {
6 } فالآية صريحة على ضرورة تفحص الأخبار لنتعرف على الخبر العليل
من الصحيح ونحن أحوج في هذا العصر لهذا المبدأ لان الأعداء يشوهون
الحقائق ويريدون إشعال نار الفتن بيننا فلتجنب ذلك علينا الرجوع
إلى أصول التشريع الإسلامي الكتاب والسنة فباتباعهما نعصم أنفسنا
والبشرية جمعاء من الزلل، فعسى أن يتحقق ذلك لنكن حريصين على المحافظة
على دمائنا ودماء البشر وننشر الأمن والسلام في ربوع العالم ليهنأ
الناس بالسعادة والرخاء هذا والله ولى التوفيق والسداد.
إبراهيم بن حبيب السعدي
أعلى
أعلام من خلال كتاب بيان الشرع
الشيخ أبو زياد الوضاح بن عقبة
** اسمه ونسبه:
هو الشيخ أبو زياد الوضاح بن عقبة ( بيان الشرع 15/174) ، وما بعد
هذا لا تفيدنا الآثار عنه بشيء.
وكنية شيخنا هي أبو زياد ، وهو المراد بهذه الكنية في كتب أصحابنا
من خلال التتبع ، ولكن إذا ورد في نقل أصحابنا من كتب المخالفين
فالمراد غيره ( بيان الشرع 7/107 ، 9/154 ، 11/172).
ويرد أيضا فيها باسمه مجردا ، مع التنبيه إلى وضّاح آخر ليست له
مسائل تذكر ، هو والٍ للإمام الجلندي ، فإذا ما ورد الوضاح مقترنا
بذكر الإمام الجلندي فالمراد واليه ، وما عدا ذلك فالمراد به شيخنا
الوضاح بن عقبة (بيان الشرع 71/296 ، 3/65).
** أهلـــــه وقرابتـــه:
تشير الآثار إلى أفراد من أسرة أبي زياد ، ونذكرهم كما يلي:
عقبة: والده ، تشير الآثار إلى أن أبا زياد كان يلقّن أباه التكبير
عند مرضه (بيان الشرع 14/190)
ابنه زياد: من علماء عصره ، له مسائل في الأثر وقد أدرك جده عقبة
(بيان الشرع 10/110 ، 14/190)
ابنه محمد: أصغر من أخيه زياد المذكور ، وقد أراد أبو زياد عند مرضه
أن يجعل زياداً وكيلاً لمحمد ، لأنه مازال صغيراً ، ولكن انتزعته
يد القدر من الحياة الدنيا قبل أبيه وأخيه (بيان الشرع 57/66).
** ولادته ونشأته العلمية:
لم تحدد لنا الآثار تأريخ ولادة أبي زياد ، ولكن بعد استلهامها وقراءة
ما بعد السطور نخرج أن ولادة أبي زياد كانت في العقد التاسع من القرن
الثاني الهجري أو قبل ذلك بقليل ، والذي دعانا إلى هذا ما يلي:
تتلمذ أبي زياد على مشايخ لم نجد لهم ذكرا بعد سنة 207هـ كمنير بن
النير ومسبّح بن عبدالله وغيرهم.
عدم وجود دور أو مشاركة من قبل أبي زياد -كما تشير الآثار- حتى العقد
الثالث من القرن الثالث الهجري.
هذا ... وقد تلقى أبو زياد العلم على يد عدة مشايخ ، بل ارتحل في
طلبه كما يفهم ذلك من اختلاف أماكن مشايخه الآتي ذكرهم:
1- هاشم بن غيلان (حي إلى 207هـ): كثيرا ما ينقل عن أبو زياد ، فهو
من مشايخه الذين تتلمذ على يديهم ( انظر مثلا: بيان الشرع 3/317
، 12/47،94 ، 20/156،288 ، 28/204).
2- أبو عبدالله محمد بن محبوب: كان أبو زياد يسأله ، ويحفظ وينقل
عنه ، ثم لما بلغ أبو زياد مبلغه في العلم صارا يشتركان في الإجابة
على أسئلة الولاة والقضاة (بيان الشرع 3/258 ، 4/175 ، 5،64 ، 26/405
، 37/115 ، 45/110 ، 49/109).
3- مسبّح بن عبدالله: نقل عنه أبو زياد ، وحفظ أقواله في المسائل
(بيان الشرع 3/196 ، 24/240 ، 48/402 ، 71/35).
4- أبو عثمان سليمان بن عثمان: أكثر أبو زياد في النقل عنه ، فحفظه
لأقواله وملازمته له يفسران لنا كثرة هذا النقل (بيان الشرع 11/124
، 14/77 ،84 ، 25/203 ، 26/405 ، 29/181 ، 33،87 ، 35/6 ، 42/167(.
5- عبدالمقتدر: كان أبو زياد يسأله ، ويكثر من النقل (بيان الشرع
25/70 ، 26/16 ، 46/265 ، 50/322 ، 51/274 ، 52/330 ، 53/154).
6- عمر بن المفضل: يحفظ عنه وينقل ، فهو أحد شيوخه الذين أخذ عنهم
( بيان الشرع 19/96 ، 21/66 ، 27/101 ، 48/444(.
7- منازل: نقل عنه في عدة مواضع ( بيان الشرع 49/59 ، 61/68 ، 22/33
).
8- مسعدة بن تميم: يحفظ وينقل عنه (بيان الشرع 46/324 ، 48/321).
9- أبو المنذر بشير بن المنذر: ينقل عنه أبو زياد في عدة مواضع ،
فكأنه أحد مشايخه ، ثم صارا -بعد أن نال أبو زياد حظه من العلم-
يجيبان على أسئلة القضاة والولاة (بيان الشرع 3/348 ، 6/77 ، 12/24
، 47/92 ، 49/109 ، 52/362).
10- منير بن النير: ينقل عنه ويحفظ (بيان الشرع 68/250 ، 71/322(.
11- منذر بن عبدالعزيز: ينقل عنه ، بل كان منذر هذا يقصد أبا زياد
بالتحديث (بيان الشرع 56/316 ، 58/536(
12- مسلمة: نقل عنه أبو زياد ( بيان الشرع 56/316 ، 58/537).
13- أبو عيسى الخراساني: نقل عنه أبو زياد ، وحفظ أقواله في المسائل
( بيان الشرع 3/38 ،39 ، 14/37).
14- مسلم بن إبراهيم: حفظ عنه أبو زياد ونقل ( بيان الشرع 3/401
، 45/119).
15- أبو شعيب: نقل عنه أبو زياد (بيان الشرع 26/15).
16- القاسم بن شعيب: ولعله نفس السابق ، كان ممن يحدّث أبا زياد
(بيان الشرع 45/146).
17- أبو مودود: ممّن نقل عنه أبو زياد (بيان الشرع 25/235).
18- أبو بكر الموصلي: نقل عنه أبو زياد (بيان الشرع 12/24).
19- أبو مروان بن عبيدالله: حفظ عنه أبو زياد (بيان الشرع 26/38).
20- أبو عبدالله هاشم بن عبدالله الخراساني: نقل عنه أبو زياد (
بيان الشرع 26/379).
21- أبو علي الأزهر بن علي: ينقل عنه أبو زياد ، وللشيخ نصيحة لتلميذه
(بيان الشرع 28/5 ، 48/402).
22- علي بن عزرة: ممن نقل عنه أبو زياد (بيان الشرع 47/136).
23- منذر بن البشير: نقل عنه أبو زياد ، وخالفه الرأي ( بيان الشرع
3/258).
** آثـــاره العلمية:
كان للشيخ ميدان رحب في العلم والتعليم ، وحتى تتضح لنا الصورة جلية
عن آثار الشيخ العلمية ، سنقسمها قسمين:
قسم خاص بتلاميذه ، وقسم خاص بتأليفه.
أولا: مدرسة الشيخ أبي زياد والتلاميــذ
كانت للشيخ أبي زياد مدرسة عظيمة ، يشهد لها التلاميذ العظام الذين
تخرجوا منها ، وهم كما أشارت إليهم الآثار:
1- أبو المؤثر الصلت بن خميس: كثيرا ما ينقل شيخه أبي زياد ، فقد
حفظ عنه أقواله وآراءه ( بيان الشرع 5/330 ، 7/89 ، 21/87 ، 35/75
، 36/280 ، 57/66 ، 71/140 ،63 ).
2- أبو معاوية عزان بن الصقر: ينقل عن شيخه أبي زياد ( بيان الشرع
66/298).
3- أبو جابر محمد بن جعفر: كان يتوجه بالسؤال إلى الشيخ أبي زياد
( بيان الشرع 12/15).
4- أبو عبدالله محمد بن المسبّح: ممن يقصده أبو زياد بالتحديث (
بيان الشرع 14/234 ، 21/66).
ثانيا: الشيخ أبو زياد والتأليف:
لم تذكر الآثار أن الشيخ أبا زياد دون شيئا من المؤلفات ، ولكن الذي
نستفيده منها أن للشيخ أبي زياد مسائل عديدة ، منها ما هو جواب لأحد
ما ، ومنها ما دونه تلاميذه عنه ، وعلى كل حال نجمل آثاره الموجودة
في كتب الأثر في النقاط الآتية:
1- أقواله وآراؤه المبثوثة والمتفرقة في كتب الأثر ، التي تحتاج
إلى من يجمعها ويرتبها.
2- أجوبته المتفرقة منها ما هو جواب لتلاميذه ، ومنها ما هو جواب
للولاة والقضاة ، والأخير قد يشاركه فيه غيره من العلماء ( بيان
الشرع 37/115 ، 47/92 ، 49/109).
3- يشير أحد الآثار إلى وجود مجموع عن أبي زياد ، فلعل أحدا بعده
جمع أجوبته وآثاره ، ولكن ما مصيره ؟!!
هذا ما لا نملك الاجابة عليه الآن ( بيان الشرع 12/209).
هذا ... وقبل أن نختم حديثنا عن آثاره العلمية نحب أن نشير الى مكانة
الشيخ العلمية بشيء من الإيجاز:
1- يعتبر الشيخ أبو زياد أحد رجال سلسلة نسب الدين (بيان الشرع)
2- يصفه أحدهم بقوله: (.... من الأئمة الذين قاموا بالحق ، وأخمدوا
الباطل ... ومن فقهاء عمان ، ومن المقدمين في ذلك العصر ...) (بيان
الشرع 3/298) ، وعدّه آخر من ثقات المسلمين (بيان الشرع 62/53).
** معاصــروه:
يقترن ذكر شيخنا في مواضع عديدة بأسماء شخصيات عاصرها ، منها من
قد مرّ ذكره ، ومنها من نذكره الآن:
1- محمد بن علي: عالم معاصر له ، ويبدو أنّه كان والياً على شيء
من الأماكن ، وقد أرسل عدة أسئلة إلى أبي زياد ومن معه من العلماء
فأجابوا على أسئلته واستفساراته (بيان الشرع 37/115 ، 47/92 ، 49/17).
2- موسى بن علي: أحد كبار العلماء المعاصرين له ، كان يشاور أبا
زياد في كثير من المسائل ، فيكتب بها إليه ، وكان أبو زياد موضع
ثقة عنده ( بيان الشرع 8/186 ، 26/377 ، 32/37 ، 35/75-76 ، 45/85
، 47/109 ، 112 ، 56/316 ، 58/536).
3- سعيد بن محرز: أحد العلماء المعاصرين له ، كتب مع أبي زياد كتاباً
إلى من بلغه من المسلمين من أهل عمان (بيان الشرع 4/175).
4- عمر بن سعيد بن محرز: ابن السابق ، كان ينقل عنه أبو زياد (بيان
الشرع 20/89).
5- سعيد بن المبشر: حكم أمام أبي زياد في قضية ما ( بيان الشرع 45/145).
6- حفيظ بن محبوب: نقل له عن موسى بن علي تقييداً (بيان الشرع 6/111).
7- منذر بن الحكم: نقل به عن بشير عن سليمان بن عثمان (بيان الشرع
11/186).
8- سليمان بن الحكم: لعله أخو السابق ، كان والياً على صحار ، وقد
عاصره أبو زياد وروى عنه حادثة (بيان الشرع 28/58 ، 29/51).
9- عزان بن راشد: أخبره عن مسألة عن سليمان بن عثمان ومحبوب (بيان
الشرع 47/149).
10- أبو العباس: أحد العلماء المعاصرين له ، وقد كان يشاركه في الإجابة
على أسئلة الولاة والقضاة (بيان الشرع 37/115 ، 46/324 ، 47/92).
11- أبو السرّي: تاجر اختصم مع مسعدة بن تميم فحكم بينهم سعيد بن
المبشر بمحضر من سليمان بن عثمان ، وقد نقل هذه الحادثة أبو زياد
( 45/145).
12- أبو الحواري محمد بن الحواري: كان يتوجه أبو زياد إليه بالسؤال
، فيجيب عليه أبو الحواري ، وأبو الحواري هذا غير أبي الحواري المشهور
في كتب الأثر بالفقه الذي عاصر مجيء ابن بور إلى عمان ، فلينتبه
لذلك (بيان الشرع 39/117 ، 58/434).
13- محمد بن مكرم: توجّه بالسؤال مع أبي زياد إلى أبي الحواري السابق
( بيان الشرع 39/117).
** رحلاتـه وأسفــاره:
قام الشيخ أبو زياد بعدة رحلات إلى خارج عمان ، وهي كالتالي:
1- سافر إلى مكة لأداء المناسك: وكأنه قد سافر إليها مرتين ، المرة
الأولى مع شيخه أو عثمان ، وفيها وقع في مسألة أفتاه فيها شيخة المذكور
( بيان الشرع 12/170) ، والمرة الثانية بعد أن أصبح من العلماء المشار
إليهم ، وفيها أفتى أحد الحجاج في مسألة وقعت له ( بيان الشرع 23/254).
2- سافر إلى البصرة ليخلّص الشيخ أبي علي موسى بن علي من علاقة لزمته
بها ، وكان أبو علي يثق بأبي زياد كثيراً ( بيان الشرع 35/75-76).
3- رحلاته عبر الشذا لمحاربة أهل الشرك من الهند وغيرها ، ولا يبعد
وصول أبي زياد إلى أرض الهند والسند وبلاد فارس أثناء ملاحقته لهؤلاء
( بيان الشرع 69/117 ، 147).
** الشيخ أبو زياد والسياسة:
لم يكن الشيخ أبو زياد متقوقعاً على نفسه تاركاً حبل أمور المسلمين
على غاربه ، بل شارك في شدّ كلمة المسلمين وصد كيد أعدائهم ومحاربة
من ناوأهم من المشركين ، وعلى كل حال نجمل دور ابي زياد في ذلك في
النقاط الآتية:
1- كان مرجع الولاة والقضاة مع غيره من كبار العلماء ، يجيبون على
الأسئلة ويحلون القضايا المستعصية.
2- كان هو وأبو عبدالله وسعيد بن محرز يقفون موقفاً من الإمام المهنا
، فهم شاهدوا منه أعمالاً لم يرتضوها منه ، فبرؤوا منه ، وأرادوا
أن يكتبوا كتاباً بذلك إلى أهل عمان ، ثم رأوا السكوت عن ذلك أفضل
حفاظاً على كلمة المسلمين (بيان الشرع 4/201).
3- كأنه كان والياً على المضيبي مع محمد بن مكرم في أول أمره ، ويؤيد
ذلك جواب أبي الحواري إليهم في مسألة تخص ولاية المضيبي آنذاك (بيان
الشرع 39/117).
4- كان قائداً شجاعاً ، انتخب لمحاربة أهل الشرك من الهند وغيرها
، ولعلّ ذلك كان على عهد الإمام غسان بن عبدالله (192-207هـ) الذي
يعتبر أول من اتخذ الشذا لمحاربة القراصنة من كفار الهند وبلاد فارس
(بيان الشرع 69/117 ،147).
** أخلاقـه وشمائلـه:
كان الشيخ أبو زياد شجاعاً بطلاً ، وقائداً بارعاً ، يحب اجتماع
الكلمة ، ويكره التشتت ، يحضّ على التعاون والوحدة ، وينفر من التفرق
والخلاف (بيان الشرع 69/117،147 ، 6/84 ، 5/236).
** وفــاته:
لا تشير الآثار إلى تأريخ وفاته بالتحديد ، إلا إنه كان معاصراً
للإمام المهنا ، وعاش حتى توفي ، فهو حيّ إلى سنة 237هـ ، وما بعد
ذلك لا ندري ما كان ، هل عمّر سنوات عديدة أو اخترمه ريب المنون
بعد بقليل ؟! (بيان الشرع 4/201 ، 6/133).
وبعد ذلك لا نقول إلا رحم الله تلك الأبدان ، وأدخل أرواحها الجنان
، اللهم آمين
بقلم / فهد بمن علي السعدي
أعلى
كيف تبنى الثقة بالنفس
إن الثقة تكتسب وتتطور ولم تولد الثقة مع إنسان
حين ولد ، فهؤلاء الأشخاص الذين تعرف أنت أنهم مشحونون بالثقة ويسيطرون
على قلقهم، ولا يجدون صعوبات في التعامل و التأقلم في أي زمان أو
مكان هم أناس اكتسبوا ثقتهم بأنفسهم..اكتسبوا كل ذرة فيها.
أننا غالبا ما نردد هذه الكلمة أو نسمع الأشخاص المحيطين بنا يردون
إنهم يفتقرون إلى الثقة بالنفس؟ !
ماذا تعني كلمة نقص أو انعدام الثقة في النفس؟؟
إن عدم الثقة بالنفس سلسلة مرتبطة ببعضها البعض تبدأ:
أولا: بانعدام الثقة بالنفس.
ثانيا: الاعتقاد بأن الآخرين يرون ضعفك وسلبياتك
ثالثا: القلق بفعل هذا الإحساس و التفاعل معه.. بأن يصدر عنك سلوك
وتصرف سيئ أو ضعيف ، وفي العادة لا يمت إلى شخصيتك وأسلوبك.
رابعا: الإحساس بالخجل من نفسك..وهذا الإحساس يقودك مرة أخرى إلى
نقطة البداية.. وهي انعدام الثقة بالنفس وهكذا تدمر حياتك بفعل هذا
الإحساس السلبي تجاه نفسك وقدراتك.
لكن هل قررت عزيزي القارئ التوقف عن جلد نفسك بتلك الأفكار السلبية،
والتي تعتبر بمثابة موت بطئ لطاقاتك ودوافعك ؟
إذا اتخذت ذلك القرار بالتوقف عن إلام نفسك و تدميرها.. ابدأ بالخطوة
الأولى:
تحديد مصدر المشكلة:
أين يكمن مصدر هذا الإحساس ؟؟
هل ذلك بسبب تعرضي لحادثة وأنا صغير كالإحراج أو الاستهزاء بقدراتي
ومقارنتي بالآخرين ؟
هل السبب أنني فشلت في أداء شيء ما كالدراسة مثلا ؟أو أن أحد المدرسين
أو رؤسائي في العمل قد وجه لي انتقادا بشكل جارح أمام زملائي؟
هل للأقارب أو الأصدقاء دور في زيادة إحساسي
بالألم؟
وهل مازال هذا التأثير قائما حتى الآن؟؟
أسئلة كثيرة حاول أن تسأل نفسك وتتوصل إلى الحل
كن صريحا مع نفسك ولا تحاول تحميل الآخرين أخطائك، وذلك لكي تصل
إلى الجذور الحقيقية للمشكلة لتستطيع حلها ، حاول ترتيب أفكارك
استخدم ورقة وقلما واكتب كل الأشياء التي تعتقد أنها ساهمت في خلق
مشكلة عدم الثقة لديك , تعرف على الأسباب الرئيسية و الفرعية التي
أدت إلى تفاقم المشكلة .
البحث عن حل:
بعد أن توصلت إلى مصدر المشكلة..أبدا في البحث عن حل ..
بمجرد تحديدك للمشكلة تبدأ الحلول قي الظهور...اجلس في مكان هادئ
وتحاور مع نفسك، حاول ترتيب أفكارك
ما الذي يجعلني أسيطر على مخاوفي و أستعيد ثقتي بنفسي ؟
إذا كان الأقارب أو الأصدقاء مثلا طرفا أو عاملا رئيسيا في فقدانك
لثقتك ..حاول أن توقف إحساسك بالاضطهاد ليس لأنه توقف بل لأنه لا
يفيدك في الوقت الحاضر بل يسهم في هدم ثقتك ويوقف قدرتك للمبادرة
بالتخلص من عدم الثقة.
أقنع نفسك وردد: من حقي أن أحصل على ثقة عالية بنفسي وبقدراتي .
من حقي أن أتخلص من هذا الجانب السلبي في حياتي.
ثقتك بنفسك تكمن في اعتقاداتك:
في البداية احرص على أن لا تتفوه بكلمات يمكن أن تدمر ثقتك بنفسك.
.فالثقة بالنفس فكرة تولدها في دماغك وتتجاوب معها أي أنك تخلق الفكرة
سلبية كانت أم إيجابية وتغيرها وتشكلها وتسيرها حسب اعتقاداتك عن
نفسك ...لذلك تبني عبارات وأفكار تشحنك بالثقة وحاول زرعها في دماغك.
انظر إلى نفسك كشخص ناجح وواثق و استمع إلى حديث نفسك جيدا واحذف
الكلمات المحملة بالإحباط ،إن ارتفاع روحك المعنوية مسئوليتك وحدك
لذلك حاول دائما إسعاد نفسك .
اعتبر الماضي بكل إحباطاته قد انتهى ..وأنت قادر على المسامحة
أغفر لأهلك... لأقاربك لأصدقائك
أغفر لكل من أساء إليك لأنك لست مسؤولا عن جهلهم وضعفهم الإنساني
ابتعد كل البعد عن المقارنة أي لا تسمح لنفسك ولو من قبيل الحديث
فقط أن تقارن نفسك بالأخريين حتى لا تكسر ثقتك بقدرتك وتذكر إنه
لا يوجد إنسان عبقري في كل شئ.
فقط ركز على إبداعاتك وعلى ما تعرف أبرزه، وحاول تطوير هوايات الشخصية...
وكنتيجة لذلك حاول أن تكون ما تريده أنت لا ما يريده الآخرون.
ومن المهم جدا أن تقرأ عن الأشخاص الآخرين وكيف قادتهم قوة عزائمهم
إلى أن يحصلوا على ما أرادوا...اختر مثلا أعلى لك وادرس حياته وأسلوبه
في الحياة ولن تجد أفضل من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه
رضوان الله عليهم، مثلا في قدرة التحمل والصبر والجهاد من أجل هدف
سام ونبيل وهو إعلاء كلمة الله تعالى ونشر دينه.
بنك الذاكرة:
يقودنا النقص الزائد في الثقة بالنفس مباشرة إلى ذاكرة غير منتظمة
فالعقل يشبه البنك كثيرا، إنك تودع يوميا أفكارا جديدة في بنكك العقلي
وتنمو هذه الودائع وتكوِن ذاكرتك
حين تواجه مشكلة أو تحاول حل مشكلة ما فإنك في واقع الأمر تسأل بنك
ذاكرتك:
ما الذي أعرفه عن هذه القضية ؟..
ويزودك بنك ذاكرتك أوتوماتيكيا بمعلومات متفرقة تتصل بالموقف المطلوب
بالتالي مخزون ذاكرتك هو المادة الخام لأفكارك الجديدة
أي أنك عندما تواجه موقفا ما ..صعبا...فكر بالنجاح ،لا تفكر بالفشل
استدعي الأفكار الإيجابية..المواقف التي حققت فيها نجاحا من قبل
...
لا تقل : قد أفشل كما فشلت في الموقف الفلاني..نعم أنا سأفشل...بذلك
تتسلل الأفكار السلبية إلى بنكك ...وتصبح جزءا من المادة الخام لأفكارك.
حين تدخل في منافسة مع آخر ، قل: أنا كفء لأكون الأفضل، ولا تقل
لست مؤهلا، إجعل فكرة (سأنجح) هي الفكرة الرئيسية السائدة في عملية
تفكيرك .
يهيئ التفكير بالنجاح عقلك ليعد خططا تنتج النجاح، وينتج التفكير
بالفشل فهو يهيئ عقلك لوضع خطط تنتج الفشل.
لذلك احرص على إيداع الأفكار الإيجابية فقط في بنك ذاكرتك،واحرص
على أن تسحب من أفكارك إيجابية ولا تسمح لأفكارك السلبية أن تتخذ
مكانا في بنك ذاكرتك.
عوامل تزيد ثقتك بنفسك:
عندما نضع أهدافا وننفذها تزيد ثقتنا بنفسنا مهما كانت هذه الأهداف..
سواء على المستوى الشخصي.. أو على صعيد العمل.. مهما كانت صغيره
تلك الأهداف.
اقبل تحمل المسؤولية.. فهي تجعلك تشعرك بأهميتك.. تقدم ولا تخف..
اقهر الخوف في كل مرة يظهر فيها..
افعل ما تخشاه يختفي الخوف..
كن إنسانا نشيطا..
اشغل نفسك بأشياء مختلفة..
استخدم العمل لمعالجة خوفك.. تكتسب ثقة أكبر.
حدث نفسك حديثا إيجابيا..في صباح كل يوم وابدأ يومك بتفاؤل وابتسامة
جميلة.. واسأل نفسك ما الذي يمكنني عمله اليوم لأكون أكثر قيمة؟
تكلم! فالكلام فيتامين بناء الثقة. . ولكن تمرن على الكلام أولا.
حاول المشاركة بالمناقشات واهتم بتثقيف نفسك من خلال القراءة في
كل المجالات.. كلما شاركت في النقاش تضيف إلى ثقتك كلما تحدثت أكثر،
يسهل عليك التحدث في المرة التالية ولكن لا تنسى مراعاة أساليب الحوار
الهادئ والمثمر.
اشغل نفسك بمساعدة الآخرين
تذكر أن كل شخص آخر، هو إنسان مثلك تماما يمتلك نفس قدراتك ربما
أقل ولكن هو يحسن عرض نفسه وهو يثق في قدراته أكثر منك
اهتم في مظهرك و لا تهمله.. ويظل المظهر هو أول ما يقع عليه نظر
الآخرين.
لا تنس.. الصلاة وقراءة القران الكريم يمد الإنسان بالطمأنينة والسكينة..
وتذهب الخوف من المستقبل.. تجعل الإنسان يعمل قدر استطاعته ثم يتوكل
على الله.. في كل شيء.
المراجع:
ـ العبقرية السهلة، ديفيد شوارتر
ـ ما عندي ثقة في نفسي، د.فوزية الدريع
ـ موقع عالم بلا مشكلات
محمد الحارثي
أعلى
العلمانيون يواصلون مسلسل الأباطيل .. لهدم ثوابت الإسلام
آخر دعواهم الخبيثة .. المطالبة بترتيب جديد لسور القرآن
علماء الدين بمصر :ترتيب السور والآيات بأمر من الله للرسول .. والعبث
بكتاب الله مرفوض
القـرآن ليس كـائنا ثقافيـا أنتجته البيئة ليتوافق مع ميولهم الماركسية
القاهرة ـ من محمد عمر : ازدادت الهجمة الشرسة
ضراوة ضد الإسلام .. فبعد أن خرج علينا أعداء الدين منذ أيام بفتوى
تجيز قراءة القرآن الكريم باللغة التركية بدلا من العربية بل وأداء
الصلاة بها ظهرت دعوة جديدة من العلمانيين يطالبون فيها بترتيب جديد
لآيات القرآن الكريم على حسب نزول التاريخ والأحداث وبذلك يتغير
ترتيب السور .. وهذه دعوة خبيثة الهدف من ورائها هدم ثوابت الدين
وتهميش كتاب الله.
ناقشت (الوطن) هذه الدعوة مع علماء الدين للرد على هؤلاء الحاقدين
فماذا قالوا ؟.
يقول د. طه حبيشي الأستاذ بجامعة الأزهر : إن القرآن الكريم قد أصبح
في هذا الزمان غرضا لسهام الرافضين لآثاره في المجتمع وثقافته وحضارته
الناشئين على أساس منه .. لذلك فإن الدعوة إلى مسألة إعادة ترتيب
آيات القرآن الكريم مجددا لا يمكن الرد عليها قبل معرفة الباعث الحثيث
على طرحها .. وهذا الباعث الحثيث على هذه الفكرة وإن كان كامنا في
نفوس القوم إلا أن الشواهد عليه أكثر من أن تحصى .. ومن أهم هذه
الشواهد ما ينطوي عليه هذان الاقتراحان .. والله عز وجل قد علم النبي
كيف يرد على المعارضين في عصر المبعث فأمره أن يكون الرد على خطوات
ثلاث أن يعرض عنهم وأن يعظهم وأن يقول لهم في أنفسهم قولا بليغا.
أضاف د. حبيشي: نحن الآن نهتم بهذا المنهج بكل جزئياته لكننا نحب
أن نركز على قوله تعالى: (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) .. وبعض
ما يفهم من هذا النص أن النبي مأمور أن يخرج إلى النور مخبوء نفوس
المعار ضين من الدوافع والغايات التي تحركهم صوب ما يريدونه من المسلمين
ومن نبيهم ومن ثقافتهم ومن أصول هذه الثقافة.
والذين يريدون اليوم أن يعيدوا ترتيب آيات القرآن الكريم لابد أن
نخضعهم للمنهج ذاته .. ونسأل ما هي الدوافع الحقيقية وراء موقفهم
هذا ؟.. وإذا رفضوا الإجابة - وهو المعهود منهم - فإن علينا أن نصطنع
المنهج التحليلي لنقف من خلال الصادر عنهم على ما تكنه نفوسهم.
كائن ثقافي
قال إنهم يطالبون أن يعيدوا ترتيب آيات القرآن على أسباب النزول
وهم لا يريدون من ذلك إلا أن يمهدوا إلى قضية هم أول من يؤمنون بها
وهي بعيدة عنا وعن الإنسانية غاية البعد وقد ثبت فشلها حين تعرضت
للتطبيق الفعلي والذي هو محك نجاح أو فشل كل نظام.
إنهم يريدون أن يعيدوا ترتيب آيات القرآن الكريم على أساس من أسباب
النزول ليمهدوا الأمر ويعدوا النفوس إلى تقبل دعواهم التالية وهي
أن القرآن الكريم ما هو إلا كائن ثقافي ولدته الأحداث واقتضته الظروف
وأنتجته البيئة على نحو ما تقتضيه قوانين ماركس التي آمنوا بها وكرسوا
لها فترة من الزمن ولا يزالون.
أضاف أنهم يعتقدون لو خلص لهم إعادة ترتيب آيات القرآن على النحو
الذي يرجونه لأمكن لهم أن يقولوا إن إلههم الذي يعبدونه ليس هو الإله
الذي يعبده المسلمون له العلو المطلق وإلههم في الأرض متمثل في الجماعة
والأمة.
وهذا الذي قد وصلنا إليه من التحليل ومن طريق النظر الخالص هو نفسه
الذي صرحوا به وتصاريحهم مخطوطة ومطبوعة تحت أيدينا.
الاقتراح الثاني
وأما اقتراحهم الثاني وهو إعادة ترتيب آيات القرآن على أساس من نزول
هذه الآيات على رسول الله أول مرة فهو إن دل على شئ فإنما يدل على
إمكانية اختراق القرآن الكريم والعبث بآياته بقصد النيل من مكانته
القدسية في نفوس أتباعه .. وهم بذلك يريدون تمهيد الطريق إلى مسلمة
آمنوا بها وأنكرها عليهم كل عاقل وهي أن القرآن الكريم منتج ثقافي
يمكن اختراقه والعمل فيه بالحذف والإضافة والتقديم والتأخير وإعادة
الصياغة وتفريغه من محتواه وملئه بمعان أخرى يكون الإسلام والقرآن
إطارا لها إلى حين ، فإذا جاء الوقت المناسب حطموا هذا الإطار وتركوا
المحتوى سافرا هكذا في العراء بغير ستار.
هكذا أدى بنا المنهج الإلهي الذي اصطنعناه في خطوة من خطواته (وقل
لهم في أنفسهم قولا بليغا) وأخرى (وعظهم) وسوف نصطنعها معهم في كلمات
قلائل لعلنا نملك أن نوقظ ضمائرهم ونردهم إلى الإسلام مردا جميلا
.. ألا فلتعلموا أنه ما من آية نزلت إلا وقد أمر النبي بواسطة جبريل
أن يضعها في مكانها من السورة المعينة ويأمر النبي صلى الله عليه
وسلم كتاب الوحي قائلا (ضعوها في سورة كذا بين آية كذا وآية كذا)
.
أكد أن النبي صلى الله عليه وسلم التزم في قراءة القرآن بهذا الترتيب
لآياته في صلاته وخارج صلاته.
واقعة معينة
يقول د. عبد الصبور شاهين الأستاذ بجامعة القاهرة إن القرآن الكريم
نزل حسب الأحداث والوقائع التي شهدتها الدعوة خلال ثلاثة وعشرين
عاما .. ولاشك أن كل تنزيل من القرآن كان متصلا بواقعة معينة سواء
اتضحت أم لم تتضح لكن المؤكد أن القرآن الذي بين أيدينا بترتيبه
المعروف هو أيضا من الوحي وقد كان جبريل عليه السلام يراجع رسول
الله في كل عام بالترتيب المعروف لنا خلال اعتكافه في العشر الأواخر
من رمضان وجاءنا القرآن عن صحابة رسول من الله من حفاظه بهذا الترتيب
الذي أجمعت عليه الأمة أخذا عن رسول الله واستمر الالتزام بهذا الترتيب
على طول الزمن وسيبقى إلى يوم القيامة على أن المفسرين قد استخدموا
أحيانا مناسبات النزول لبيان معنى قرآني يحتاج إلى ذكر هذه المناسبة
.. فليست مناسبات النزول خافية عن علم العلماء.
أما الدعوة التي أطلقها بعض المستشرقين وأحلاسهم عن رغبتهم في أن
يجدوا قرآنا مرتبا على حسب النزول فهي كلمة حق أريد بها باطل ذلك
أن العلمانيين أصحاب هذه الدعوة لا علاقة لهم بالقرآن لا بالسور
التي هو عليها ولا بأية سورة أخرى كترتيبه حسب النزول فهم أعداء
لن تتخلص نفوسهم من مرارة العداوة لكتاب الله ولعقيدة الإسلام وأمنه.
أمر توقيفي
يؤكد د. عبدالعظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر أنه من المعرف
عند علماء الأمة خلفا عن سلف أن ترتيب سور القرآن كما هي الآن أمر
توقيفي بمعنى أن هذا الترتيب طريقة الإذن من الشرع لا مجرد اتفاق
بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جمعوا القرآن في خلافة
عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين.
وكذلك ترتيب الآيات في السور منذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
كانت تنزل عليه آية أو آيات كان يمليها على كتاب الوحي فيكتبونها
ثم يقول لهم ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا مثل البقرة
وآل عمران وهكذا.
أضاف أنه من المعروف كذلك أن جبريل عليه السلام كان ينزل في كل شهر
رمضان فيتلو عليه النبي كل ما نزل من القرآن مرة واحدة .. وفي شهر
رمضان الأخير في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل
مرتين وتلا عليه الرسول القرآن مرتين وجبريل يسمع ليثبت القرآن على
ما هو عليه في صدره.
ومعنى هذا أنه لا يجوز لأحد مهما كان أن يغير من المصحف شيئا لا
في ترتيب آياته ولا في ترتيب سوره ولا في طريقة كتابته المسماة الرسم
العثماني للمصحف الشريف .. والذين ينادون من حين إلى آخر بقلب سور
القرآن على حسب تاريخ لا على ما هو عليه الآن يدعون إلى بدعة شنيعة
تعادل جريمة تحريف القرآن.
أعلى
أخــتي ... هـــذه نهــايـتــي
إن عوامل نهوض أي حضارة من الحضارات لابد وأن يقوم على أسس وقواعد
، يكون لها الدور في نهوض الحضارة ومقدار استمرارها ، ولم يشهد التاريخ
حضارة قامت كحضارة الإسلام ، فما هو أس هذا النهوض ؟ مع أن حضارة
الإسلام لم تعرف بكثرة المصانع فيها ولا بعدد الصناعات التي قدمتها
مقارنة بما أحدثته الحضارة المعاصرة منذ نهوضها من حيث كثرة الابتكارات
وأعداد الاختراعات ، إلا أنها لم تحدث ذلك البريق الذي أحدثته حضارة
الإسلام حين بزغ فجرها ، فما زال المفكرون والمحللون السياسيون والاقتصاديون
والاجتماعيون يعلون صيحاتهم لهذه الحضارة معلنين انحرافها عن السير
، ولقد وضع ابن عباس رضي الله عنه- في كلمة قالها الأساس الذي قام
عليه الإسلام ، حين قال:
) لكل بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق ) ، وحسن الخلق يندرج
تحته كل بناء حضاري يقوم على قاعدة السلوك والمتعامل بين أفراد المجتمع.
(إخوة الإيمان):
لقد جرت سنة هذه الحياة أن يفتخر التابع باتباعه للحضارة المتصدرة
فلما كانت الحضارة المسلمة في صدر الحضارات ومقدمتها افتخرت الكافرة
المرأة بارتدائها للحجاب وافتخر الرجل الكافر بتحية الإسلام ، ولما
دار الزمان دورته ، وهشّت قبضة المسلمين بدينهم ، ضعفت حضارة الإسلام
لأن أفرادها تخلوا عنها وما قامت أساسا إلا بهم لأن الحضارة أساسا
تقوم على مجموع فكر الأفراد وسلوكهم ، هم يدنونها وهم يعلون شأنها.
(إخوة الإيمان):
إن ما نلحظه الآن من سلوك يظهر في القول أو الفعل أو اللباس أو الفكر
أو سائر التصرفات يقلد به أفراد هذه الأمة المسلمة سلوك الحضارة
الغربية الكافرة ما هو إلا ثمرة من ثمرات انهزامهم امام هذه الحضارة
واغترارهم ببهارجها البراقة.
لقد قدمت بداية أن الحضارة لا تقوم على جانب التطور المادي وحده
وإلا لما قامت حضارة الإسلام الأولى ، والعجب ممن تغره الحضارة المعاصرة
ببهارج صناعاتها وتقدمها إلا أنه في تقليده واتباعه لا يسلك سلوكها
فيما أعجب به ، بل يسلك سلوكها فيما يخالف فيه أسس دينه وصالح تقاليده
، يأخذ الغث والسمين ويمسك بالقبيح ويترك الحسن ، وما نراه من طرق
في تسريح الشعر لدى الرجال أو النساء وما نراه من نوعية اللباس أيضا
لدى الرجال والنساء مما هو مخالف لأحكام الإسلام ما هو إلا ضربة
في أسس قيام الحضارة (الخلق والمبدأ(
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم *** فأقم عليهم مأتما وعويلا
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فأن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وأدعوك أخي لتنظر معي إلى بطن هذه الحضارة من الداخل ، ولا أطيل
عليك الانغماس في بطنها ولكن أقف معك على لمحات من مظاهر حقيقتها
المغطاة بالتقدم المادي والعلمي في بعض جوانب حياتها.
لقد نشرت مجلة (منار الإسلام) في عددها الرابع سنة ألف وأربعمائة
وتسع عشرة للهجرة دراسة قدمتها وزارة العدل الاميركية عن الإفراط
في تناول الكحول بأن ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين شخصا سنويا يرتكبون
جرائم وهم مخمورون ، وشملت الدراسة جرائم القتل والاغتصاب والاعتداء
الجنسي والسطو والتعدي بالضرب ، وغطت الدراسة بيانات عدة سنوات ،
وأظهرت أنه من بين كل أربع جرائم العنف الأسري ثلاث تتعلق بالكحول.
إن هذه الاحصائيات الحديثة ما هي وليدة الصدفة أبدا ، بل سبقها من
الأحوال ما أوصلها إلى هذه الحال ، فمن قبل ثلاثة عقود مضت تؤكد
الإحصائيات مثل هذه الانحرافات ، فمما رصدته الصحف أن ما يزيد على
نسبة 40% من طالبات مدارس الثانوية بإحدى مدن الولايات المتحدة الاميركية
حبالى.
والحديث يطول حول هذا الجانب لذلك اعرض عنه لنقف عند مقالات دوّت
بها وسائل الاعلام وأطلقها أبناء الحضارة المعاصرة محذرين ومنبهين
على خطورة مسلكهم ، تقول مرغريت سميث:
إن الطالبة لا تفكر إلا بعواطفها ، والوسائل التي تتجاوب مع هذه
العاطفة ... وأن 10% منهن فقط مازلن محافظات .
ويقول كنيدي:
(بأن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها منحل غارق في الشهوات لا يقدر
المسؤولية الملقاة على عاتقه) .
ويقول خروتشوف:
(بأن مستقبل روسيا في خطر ، وأن شباب روسيا لا يؤمن على مستقبله
لأنه مائع ومنحل وغارق في الشهوات) .
(إخوة الإيمان):
إن ما سبق ذكره ما هو إلا وليد للبعد عن الدين الذي تتجه الإنسانية
شطره وما هذه المعاناة التي تعانيها من انتشار الأمراض الفتاكة والأوباء
المعدية إلا ضريبة هذه الحضارة الزائفة ، ولقد لحق المسلمين شيء
من شظى هذه الانفجارات التي تعانيها الحضارة الغربية ، فكم من قصص
ومشاهد ، وكم من مواقف وعبر سطرتها وسائل الإعلام تظهر شيئا من الأسى
الذي تتكبده الأمة جميعا.
وها أنا أضع بين يديك أخي المسلم معاناة فتاة ، بل مأساة زهرة لم
تهنأ بنضارتها حتى أذبلها حالها الذي ترثى عليه حين قذف بها المجتمع
إلى هوة ساحقة حطمت كيانها ، وهشمت أخلاقها ، وأحالت حياتها إلى
مشهد بائس يحكي للناظر إليه قصة بؤسه ومعاناته المريرة.
لقد عاشت هذه الفتاة في كنف أسرة مكونة من أبويها واخوتها ، كانت
آخر العنقود وأصغر البنات ، فبعد أن قضى القدر بانتقال أخواتها إلى
بيوت أزواجهن ، بقيت هذه الفتاة بين أبوين جشعين ، المال كل شيء
في حياتهما ، يطلبانه بأي ثمن ويقدمان لأجله كل قربان ولو كان العز
والإباء ، بل ولو كانت العفة والشرف لذلك كان الشجار بين الأبوين
حول هذا المبدأ يستحوذ على كل لقاء ، وتلك الفتاة اليافعة تشهد هذه
المشاهد حتى أطلقت عليها اسم حفلات يومية وهي تقول:
ما لن أنساه ما حييت هو تلك الحفلات اليومية التي تجري بين أمي وأبي
، وغالبا ما تنتهي بصفعات مؤلمة يوجهها الأب للأم ، التي كانت لا
تتوانى عن ردها له إذا أتيح لها المجال ، لم تستطع هذه الأسرة أن
تستمر وتبقى أكثر ما بقيت لذلك قضى الحال بأن ينفصل الأبوان وتتجه
البنت إلى حيث سارت أمها.
(إخوة الإيمان):
لقد كان انتقال هذه الفتاة إلى أمها بداية لحياة جديدة يجب عليها
أن تخوضها ، لقد عملت الأم في أحد المقاهي الفاخرة المرموقة ، ودعت
ابنتها أن تشاركها ميدان عملها ، لقد كان العمل الذي تقوم به هذه
الفتاة هي وأمها تقديم الطعام وتقريب ما يحتاجه الزبائن ويطلبونه
، وتقول الفتاة التي قادها حظها العاثر إلى هذا المكان لقد كان عملي
تقديم الطلبات وتوزيع الابتسامات ، هكذا كان عملها ، وهكذا كان سلوكها
في عملها ، يلفت إليها الأنظار وهي تجوب بين الزبائن راسمة في محياها
معاني السعادة ضاربة بسهم فتنتها أفئدة الزبائن.
وفي يوم من الأيام كان حالها يخبئ لها ثمرة ما تجنيه من سلوكها ،
حيث كان ينتظرها أحد الزبائن وقد تأبط شرا ، وعزم منكرا ، أومأ إليها
بيديه طالبا خدمتها فلما أتته مختالة مبتسمة ضاحكة بدأ يلاطفها بكلمات
منمقة حاول أن يستدر بها عاطفة الفتاة ، ثم تقول الفتاة: (دس في
يدي رقم هاتفه وطلب مني الاتصال به بعد أن ذكر لي شركات عديدة وأموال
طائلة ، بعدها أخبرت الفتاة أمها ، فهو أمر ما اعتادت عليه ، فاستنكرته
في نفسها ، فماذا كان رد فعل هذه الام
تقول الفتاة: لقد قبلت أمي أن تقدمني له لقمة سائغة أو فلنقل تبيعني
له .... وطبعا كان موقفي الرفض أمام طلب الأم ، لقد كان رفضها لموقف
أمها أمرا له ما بعده حيث لا يمكن من حيث المبدأ أن تعايش من كان
هذا مبدأه في الحياة ، وهنا قذف بها الحال لأن تلجأ لابيها علها
تجد عنده طعما للحياة في ظل القيم والأخلاق.
وكان انتقالها لبيت أبيها وزوجته الجديدة مرحلة جديدة في حياتها
تمثل لونا من ألوان المعاناة وشكلا من أشكال ما تقاسيه في مسيرة
حياتها ، حيث وقعت في براثن زوجة أبيها التي عانت منها الأمرين وهي
تقول: لقد لاقيت ما لاقيت من قهر الخالة وعقوبات الاب جعلتني أكابد
في العيش معهم ، إلى أن ساقني القدر يوما لأسمع حديثا دار بين أبي
وأحد الرجال سمعت الرجل يقول فيه لأبي: إنها جميلة وستأتيك بالمزيد
من المال ... لقد أرادني أبي سلعة كما أرادت أمي فأين المفر من هذا
المجتمع وإلى من سآوي ؟ ثم قالت عن نفسها هذه الكلمات الشديدة التي
تلبس بها المجتمع والأسرة أغلال الإجرام وسلاسله تقول: هنا بدأت
رحلة الضياع العقلي والعذاب الحقيقي ، الذي ذقت غصته الواحدة تلو
الأخرى وأوصلني إلى الذي أنا فيه الآن .
لقد أصبحت هذه الفتاة تعيش حياة يطوقها الحزن ، وتعتصرها المشاكل
المتوالية عليها ، افتقدت اليد الحانية التي تكفكف دموعها وتمسح
عرقها وتربت على كتفها وتخفف آلامها ، لقد افتقدت الإنسانية من قلوب
الناس ، فــأصبحت تعيش حالة نفسية تدفعها إلى أن تبث أحزانها وتنفث
آهاتها وتحكي مرارة ما تكابده إلى كل من أظهر لها لين التعامل وأمطرها
بكلمات العطف والحنان ، وأسبل عليها نعمته وفضله.
لقد كانت خاتمة الحياة التي وصلت إليها
هذه الفتاة أنها تعرفت على رجل أظهر لها من الحنان ما تفتقد ومن
العطف ما ينقصها ، وأظهر لها من لين الجانب ودماثة الأخلاق ما غرها
به ، كان يثلج صدرها بكلماته العسلية ، وتشعرها حسن وعوده وجميل
آماله بشيئ من الراحة والأمان ، وكان يعدها بالزواج والأحلام الوردية
التي تستجيش عواطف النساء.
لما رأت هذه الفتاة المسكينة من هذا الرجل كل تلك الصفات ، تقول
عن نفسها حسرة وندامة وقد أصبحت مهيضة الجناح ضعيفة أمامه: ( أسلمته
نفسي ليطلق لرغباته العنان ويفعل ما يشاء ، فلما طال به الزمن ملّني
، لم أر شيئا من وعوده ولفظني كما يلفظ الريق من الفم) .
وهكذا فقدت هذه الفتاة أعز ما تملك المرأة من عفة وطهر ، فتحطم كيانها
ورأت نفسها مدفوعة بشدة إلى حياة العهر والفساد ، فهربت عن أبيها
حتى آوتها أحضان المراقص والفساد ، تاركة في وجه المجتمع وصمة تحمّله
نصف إثمها وشر صنيعها الذي بلغته ، ثم نُشرت قصتها في إحدى صحفنا
اليومية بعنوان ( الأب والأم وضعاها على طريق الرذيلة .... فتاة
تتشرد وتقع فريسة للذئاب) .
وهاهي الفتاة من خلال تجربتها السوداء وحالتها المأساوية تلوح بيديها
وتصرخ بلسان حالها محذرة بنات جنسها من مآل أصبح مأوى ومتنهى لأعداد
كبيرة من فتيات المجتمع والعياذ بالله.
مسكينة هذه الفتاة بذلت طاقتها لتصون نفسها فدفعت ما استطاعت دفعه
حتى وهنت قواها وضعف إرادتها وهش عزمها وخارت قدرتها فلما وضع فيها
الذئب مخالبه وغرس أنيابه كانت له أطوع من بنان فاستاقها إلى ما
يريد ، رزأها في طهرها ودنسها في شرفها ثم رماها كعادة السباع ترمي
الفريسة وقد جعلت من جثتها جيفة عليها البغاث من الطير والحيوان.
يا لها من مأساة يلوث فيها الطهر ، ويالها من حسرة تنتهي إليها هذه
الفتاة ، لقد كافحت ونافحت وهربت من أبيها وأمها لأنهما يدفعانها
إلى الفساد ، ولكنها للأسف الشديد اندفعت إلى حيث أراد أبوها وأمها
، لقد صدق عليها قول القائل:
إلى حتفي سعى قدمي
أرى قدمي أراق دمي
نعم لقد سعت إلى حتفها بظلفها.
وهكذا أرد أبوها لما أذاقها طعم التفكك الأسري ، لقد كان الجشع وحب
المال طاغيا عليهما ، والدين والخلق بعيدا عنهما ، لقد دفعت بها
أسرتها إلى هذا المصير عندما أساءت تربيتها واي ضمير في هذه الأم
سوغ لها أن تقدم ابنتها لذلك الزبون في المقهى ، وأي أبوة هذه التي
جعلت من الأب مصيخا منصتا للمخطط الذي يمليه عليه صاحبه ليدر له
المال من جمال ابنته ، أي مشهد هذه الأسرة يظهر لنا موضعا غرس فيه
الأبوان فضيلة في بنتها بل أي مشهد هذا الذي غرس فيه الابوان خصلة
إنسانية فضلا عن صفات إيمانية ، لم يبذلا جهدا يبذران فيه بذرة خيرة
تنبت نباتا حسنا ، فأي حسن هذا الذي نرتجيه من هذه الفتاة ، وأي
عطاء هذا الذي نطمح فيه منها ، لقد نشأت نشأة بعيدة عن الفضيلة نائية
عن الخلق مجانبة للدين ، إن حالا كهذا لا يرتجى منه إلا هذه النهايات.
وليكن وضع الأسرة على أي حال فإن ذلك لا يسوغ لهذه الفتاة بحال من
الأحوال أن تكون هذه خاتمتها ، لقد رزقها الله العقل المفكر فأهملته
، ووهبها الفطرة السليمة التي تشمئز من كل رذيلة فما استجابت لندائها
، إن حال أسرتها مهما يكون ما هو إلا سبب للجريمة وتبقى شخصيتها
هي المجرم الأول ولا تعذر بصنيعها ، وإن الجفاف العاطفي أو التفكك
الأسري أو النوائب المتوالية والمشكلات المتتالية على أي فتاة أيا
كان حالها وكيف وضعيتها لا تبيح لها هنا الإجرام الشنيع الذي يتقدم
فيه الشرف والعفة إلى مذبحة العهر والفساد ذليلا منكسرا لا يملك
حولا ولا قوة.
(إخوة الإيمان):
هذه هي الحكاية التي أصبحت لا تملك من النطق إلا لسان حالها مستدعية
عقول المعتبرين للتأمل في أحداثها.
لقد رسم الشرع ضوابط وحدودا لتعامل الرجل مع المرأة والعكس ، بحيث
لا يتعدى الواحد منهم حدوده ، وما أوقع هذه الفتاة هذا الموقع إلا
جهلها بحدود تعاملها ، فقد تعدت الضوابط إذ سمحت لنفسها تجاذب الحديث
العاطفي والاختلاء برجل حيث لا رقيب يحسن خلوتها فكان ما كان ، وهنا
تستوقف القصة كل فتاة لتفقه هذا النوع من التعامل فالمحادثات العاطفية
والرسائل الغرامية واللقاءات المثيرة لمكامن الغريزة في ظل الخلوة
كلها دروب توصل إلى هذه النهاية التي انتهتها هذه الفتاة.
والعجب كل العجب من فتاة تثق في معسول الكلام والوعود الكاذبة بالزواج
لتجعل من نفسها لقمة سائغة لهذا الصنف من البشر الذين ما إن يظفروا
بمرادهم حتى يفصحوا عن حقيقة هدفهم وربما قيدوا هذه الفريسة الساقطة
تحت مخالبهم بصور يهددونها بها لتبقى ضعيفة مهيضة الجناح أمام طلباتهم
، ومن هنا فلتحذر الفتاة أن يصير حالها إلى هذا المآل ، وإن وقع
أن رجلا احتال عليها فلتظهر له الجرأة وعدم خشيتها من تلك الصور
ذلك لأنها إن خشيت فضيحة انتشار صورها فهو أهون عليها من أن تكون
فضيحتها في أعظم ما نملك إذ هو وحده برهان شرفها ، كما أن الفتاة
إذا أظهرت ضعفها أمام تلك الصور فإن طلبات هذا الذئب سوف لا تقف
عند حد.
إن مظهرا خطيرا يسلكه الشباب هو خطوتهم الأولى إلى قلوب النساء ،
يرفعون من شأنهم ويظهرون عليهم من صفات المال والغنى ما يوهمون به
المرأة أن هذا شأنهم في المجتمع ، ومسكينة هذه الفتاة عندما تحلم
بالرفاهية والترف تحت ظلال هذا الشاب ، ثم يسبل عليها وعوده ويمطرها
بتلك الكلمات المعسولة ثم يناولها رقم هاتفه ليبدأ بينهما حبل الوصال
وهذه بداية الشقاء وأول خطوة تقاد بها الفريسة إلى المجزرة ، فالمرأة
الساذجة التي تسلم قيادها لهذا الشاب وتقتنع بما يقول سيكون مصيرها
سيف الجزار ، وكم من قصص وعبر وعظات نطق بها حال المجتمع من هذا
الصنف ، غير أن المرأة تبق كما هي لا تتعظ بغيرها ، وتبقى هذه القصة
تتكرر مرارا كثيرة كل مرة عند فتاة ، بل ربما كانت الفتاة الواحدة
تقع في هذا المشهد مرات متوالية ، أهي كلمات الحب والثناء التي تجعل
الفتاة سهلة أسيرة لتقاد ؟ أم أنها السذاجة والسطحية في شخصيتها
، أم أنه الدهاء والمكر في ذلك الذئب ؟
نحمد الله أن مجتمعنا مازال بخير ، فلئن كنت فتاة القصة لم تجد من
تركن إليه بعد أبويها لبث همومها وأحزانها ، فإن وجود الصحبة الطيبة
والأهل الأكرام في المجتمع يفتحون أذرعهم ويشرحون صدورهم لسماع شكواك
، فإياك إياك أن تلجئي إلى رجل أجنبي تجعلينه مكمنا لأسرارك وموطنا
لبث همومك.
أيها الأبوان:
إن ثمة طرقا تسلكونها تؤدي بفلذات أكبادكم إلى مثل هذه الخاتمة التعيسة
، وإن لم تكن بالشكل الصريح كما في هذا القصة فكم من أبوين فتحوا
السبل أمام بناتهم لسلوك هذه المسالك ، بل إن كثيرا من الفتيات يتحايلن
لإيجاد ثغرات من أسرهم تتيح لهم الولوج في هذه الهوة السحيقة وفي
النهاية تخادع نفسها لا أسرتها.
إن الإسلام ما جاء لكبت المشاعر أو مصادمة الفطر ، بل العكس جاء
غير مستنكر لها وإنما يهذبها ويشذبها وينقيها مما يدفع الإنسان إلى
الضرر ، ولا أحسن وأشرف من حب الزوجين حيث يقوم على أساس الرحمة
والمودة والألفة والأنس ، ولأن هذا الحب ناشئ عن مصدر العقل والعاطفة
معا ضمنت الحياة استمراره.
ففي الزواج يسأل كل من الزوجين عن صفات صاحبه ، وعن كريم خلقه حتى
يعلم أنه انتقى من الصفات ما تقر بها عينه وتهنأ بها نفسه ، أما
في الحب العاطفي الأعمى الذي يقع فيه كثير من الناس وهو الحب الناجم
عن نظرة خاطفة أو لمحة سريعة أو سماع صوت عذب فهذا أثبتت الحياة
فشله ، وكم من زيجات باءت بالفراق لأن هذه بدايتها ، فالجمال هو
الأساس الذي قامت عليه هذه الزيجة في الغالب وسرعان ما يؤلف بمرور
الزمن ، وما أن يؤلف حتى يبقى الوفاق صعبا بين الزوجين ، وهذا يرد
بقوة على أولئك الذين يدعون أن الحياة الزوجية لابد أن تسبق بهذه
المقدمة العاطفية.
أسعد بن حمود المقيمي
أعلى