رأي الوطن
تقارب طال انتظاره
زيارة الرئيس السورى إلى تركيا تشكل علامة
فارقة في آلية العمل العربي وبخاصة في شقه المتعلق بطبيعة العلاقة
مع دول الجوار وبشكل خاص الجوار الاسلامى وبشكل اكثر خصوصية دول
التخوم ممثلة في تركيا وايران وقد حاولت اسرائيل الالتفاف على العلاقة
التاريخية بين العرب وجيرانهم وأذكت نار الفتنة بينهم ردحا من الزمن،
لكن حصافة الدبلوماسية السورية مكنت دمشق من تخطى ضغوط ومصاعب العلاقة
الشائكة مع تركيا، ورغم العلاقات الوثيقة والمعاهدات البينية لتركيا
مع اسرائيل العسكرية والاقتصادية والمائية، الا ان ذلك يمكن ان يكون
عنصرا ايجابيا للتوصل الى حلول تؤدى الى استقرار الشرق الاوسط بكامله
خاصة ان سوريا وتركيا تجمعهما مواقف مشتركة أهمها الاشتراك في المجرى
المائى المهم (نهر الفرات) وكذلك الاتفاق في وجهات النظر حول مشكلة
طموحات اكراد شمال العراق في الانفصال حيث تعارض تركيا وسوريا معا
هذا الطرح لما له من تأثير على العرق الكردى المتواجد في كلا البلدين،
ونظن ان تركيا تدرك ان علاقتها باسرائيل ليست مستقرة وأن انقرة تدرك
طبيعة المؤامرات التى تحيكها اسرائيل رغم العلاقات (المصلحبية) التى
تضطرها للتقارب مع تركيا.
وما كان لأكراد العراق ان يضغطوا في هذا الوقت المبكر وقبل تسوية
انتقال السلطة الى العراقيين في اتجاه موضوع الاستقلال الذاتى الذى
يسعون اليه منذ زمن بعيد.
ولعل إعلان الرئيس بشار الأسد من تركيا ان من حق بلاده الدفاع عن
نفسها أمام دولة لا تزال تحتل أراضى سوريا حتى لو كان بامتلاك اسلحة
دمار شامل يشكل قيمة مضافة إلى قوة الموقف السورى واشتداده بدعم
علاقات سوريا مع دول الجوار وعلى الاخص تركيا، اما علاقتها بإيران
فهى ممتازة بطبعها، ويضاف الى هذا التحرك الناجح مع تركيا تحرك مصر
تجاه اقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إيران حسب ما أذيع أمس.
كما ان العرب ليس بمقدروهم الاستمرار في تجاهل عوامل القوة التي
يمكن ان تتحقق لهم من خلال دعم العلاقات مع تركيا وإيران تجاوزا
لعراقيل واحتقانات صارت من التاريخ ولا تأثير لها مطلقا في العلاقات
الراهنة وتوازناتها.
من جهتها تدرك ايران وتركيا ان تحركات الولايات المتحدة في المنطقة
لا تصب في اتجاه مصالح الدول في الشرق الاوسط بقدر ما تصب في اتجاه
مصالح وطموحات واشنطن وتل أبيب خاصة بعد ان أفصحت واشنطن عن عزمها
دعم طموحات الاكراد في الاستقلال الذاتى وان يكن على مراحل بدءا
بالحديث عن الفيدرالية وهو ما يضر بمصالح تركيا ايضا، اضافة الى
مشاكل واشنطن مع طهران المتعلقة بقضايا عدة أهمها الملف النووى،
اذا ليس امام العرب من سبيل للعمل بمفردهم فيما يبدو امام ضغوط الولايات
المتحدة واسرائيل وانما بالتنسيق والتقارب مع دول الجوار الجغرافي،
وكلما اتسعت الدائرة التصالحية كلما شكل ذلك مزيدا من الخطوات الناجحة
للتصدى لكل أشكال الهيمنة على القرار السياسي والثروات الاقتصادية
للعرب ولنتخذ من التقارب الهندى الباكستانى نموذجا لقدرة الأطراف
المتصارعة على التوافق والتلاقى على أساس من المصالح المشتركة، كما
علينا ان نتخذ العبرة من موقف واشنطن المتعنت من ليبيا بتجديد برنامج
العقوبات ضدها لعام آخر رغم ما قدمت ليبيا من تنازلات بشأن برنامجها
التسليحي وموطن العبرة لنا ان السعي المنفرد في اتجاه واشنطن او
تل أبيب لن يأتى بثماره المرجوة.
والأمل الان معقود على دبلوماسية تقارب هادئة وطويلة النفس وتتسم
بالصبر مع كل الأطراف في الشرق الأوسط كما تفعل سوريا الآن.
أعلى