السالمي
رعى حفل الختام بجامع السلطان قابوس الأكبر
ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان توصي بمواصلة البحوث والدراسات
في جانب القواعد الشرعية الأصولية والفقهية
التأكيد على أهمية تدريس القواعد الفقهية الشرعية في كليات القانون
وفتح المجال للفقه المقارن بين المدارس الإسلامية المختلفة
متابعة ـ مصطفى بن احمد وعلي بن صالح السليمي
:
اوصت ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري
(القواعد الشرعية نموذجا) بمواصلة البحوث والدراسات في جانب القواعد
الشرعية الاصولية والفقهية وان تكون هناك دراسات اكاديمية جامعية
تعنى بهذا الجانب واغناء للفقه الاسلامي وسدا لحاجات الامة المتجددة
وعلاجا للازمات التي تمر بها .
جاء ذلك في ختام جلسات ومناقشات أوراق العمل والبحوث حيث رعى حفل
الختام معالي الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالله السالمي وزير الاوقاف
والشؤون الدينية وبحضور عدد من المسؤولين بالوزارة .
كما اوصت الندوة بتدريس القواعد الفقهية الشرعية في كليات القانون
حتى يتمكن الدارس والباحث القانوني من ادراك هذه القواعد والاستفادة
منها في دراسته وتبنيها في المجال القانوني .
كما رأت الندوة ضرورة فسح المجال للفقه المقارن بين المدارس الاسلامية
المختلفة في الجامعات والكليات الشرعية والقانونية بتوسيع دائرة
دراسته وتوجيه الطلاب في الدراسات العليا اليه وحضهم عليه.
واصت الندوة بعقد المؤتمرات والندوات لأجل تفعيل القواعد الشرعية
الاصولية والفقهية في واقع الحياة , كما ينبغي للمتخصصين ان يعملوا
على تبسيط هذا العلم حتى يتيسر للمسلمين عموما فهم هذا العلم الجليل
واستيعابه , فيكونون على بينة من امر دينهم ودنياهم .
اوصت الندوة الباحثين والمتخصصين في الفقه بالبحث والتأليف في استخراج
القواعد الشرعية الاصولية والفقهية من الفقه الاباضي ,اسوة بما هو
قائم في مدارس الفقه الاسلامية الاخرى , واشباع هذه القواعد بالدراسة
من حيث التقعيد والتأصيل والتفريع والتخريج والمقارنة الفقهية والتطبيقات
العملية .
ورأت الندوة ان من الضروري ان يبث الوعي بأهمية العلوم الفقهية وتاريخ
تطورها ما بين عموم المسلمين وذلك عن طريق تخصيص برامج وملاحق في
وسائل الاعلام المختلفة .
كما اوصت الندوة بطباعة كتاب الاشراف للعلامة النيسابوري واضافة
تعليقات الامام ابي سعيد الكدمي المعروفة بزيادة الاشراف .
واخيرا اوصت الندوة بطباعة بحوث الندوة حتى تكون مرجعا علميا للباحثين
والمطلعين وطلبة العلم .
وختاما فإن ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان في القرن الرابع الهجري
(القواعد الشرعية انموذجا) فتحت الباب للفكر المستنير والاجتهاد
الهادف ليطلع الاواخر على ذخائر الاوائل وليتواصل الماضي بالحاضر
وليقف المسلم على العطاء المتجدد للكتاب والسنة باعتبارهما مصدري
التشريع وبهذا فان الندوة ستبقى شاهدا على عظمة الحضارة العمانية
عبر حقبها وأزمانها المختلفة ودلالة حية على دور العمانيين واسهامهم
في بناء الفكر الانساني في مختلف المعارف والعلوم .
وقال الشيخ سالم بن هلال الخروصي مدير الوعظ والارشاد بوزارة الاوقاف
والشؤون الدينية في معرض اعلانه للتوصيات بأن الندوة قد ناقشت الكثير
من القضايا محل البحث والدراسة وخرجت بالتوصيات التي تساهم في البناء
الفكري والحضاري للمجتمع الانساني وهو هدف اصيل تتبناه وزارة الاوقاف
والشؤون الدينية وتسعى في تحقيقه , كما ان هذه الندوة تربط العطاء
الحضاري الاسلامي قديمه بحديثه وتصل بين ماض تليد وحاضر مشرق ومستقبل
طموح ليكون نبراسا لأجيالنا المتعاقبة , ومرآة تعكس مدى ما تتمتع
به من ارث فكري وعلمي .
واشار الشيخ سالم الخروصي: ان القواعد الشرعية فقهية واصولية كانت
وما تزال تشكل منظومة الشرع الخالد والتي بها يستنبط الحكم الشرعي
من ادلتها التفصيلية دالة على مرونة التشريع الاسلامي على مر العصور.
تأتي ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان لتكشف عن الجهود العلمية
والفقهية التي قام بها العلماء العمانيون ,حيث بينت ان علماء عمان
قد ساهموا مساهمة فعالة في حركة الفقه الاسلامي دراسة وتأصيلا وتقعيدا
وتأليفا .
كما كان القرن الرابع الهجري هو العصر الذهبي للاجتهاد وتقعيد القواعد
وصياغتها صياغة مقبولة وكان البدء في التدوين والتقعيد اواخر القرن
الثالث الهجري .
وقد اكدت بحوث الندوة ان الاحكام الشرعية قد شرعت لمقاصد وغايات
وان ذلك ثبت بأدلة قطعية من الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة
.
لم توضع القواعد الشرعية الاصولية والفقهية جملة واحدة بل تنامت
الكتابات فيها عبر مسير الفقه الاسلامي على ايدي كبار الفقهاء بعد
ان مرت عبر مراحل التداول والصقل والتحرير ثم اعتمدت قاعدة .
ان فهم القواعد الشرعية: الاصولية والفقهية يساعد على فهم منهاج
الفتوى ويعين المفتي على اكتساب ملكة فقهية قوية تمكنه من تخريج
الفروع بطريقة سليمة فهذه القواعد ضرورية لاستنباط الحلول للوقائع
المتجددة ولذلك فهي امر لابد منه للقضاة والمفتين .
وتكون القواعد الشرعية يقينية عند استمدادها من الكتاب العزيز والسنة
الشريفة واستقراء اوامر الشرع في الموضوعات المختلفة .
تعد القواعد الاصولية مرتكزا للفقيه في تقعيده واستنباطه واجتهاده
وفتاواه , فهي ترسم له معالم الفقه , وتختصر له الطريق للاستنباط
والاستخراج الفقهي وان مايراه البعض من انها تمثل جوانب نظرية في
عمومها فقط يحتاج الى نظر من حيث ان هذه القواعد قد اتت ثمارها العملية
في زمن تفعيلها في الصدر الاول من تاريخ الامة ,وما شهدته الامة
بعد ذلك من ركود في هذا الجانب لايعني ضعف هذا العلم , بل يطلب من
المجتهدين تفعيل الاصول وتحريكها في ارض الواقع .
والمنظومة الاصولية ابتعدت شيئا فشيئا عن واقع الحياة بسبب مبالغتها
وتركيزها على الجانب البياني اللغوي , ولذلك تأتي اهمية القواعد
الفقهية لتطوير هذه المنظومة بما يتواكب مع حركة الحياة لملامسة
القواعد الفقهية حركة المجتمع وإدراكها لمقاصد الشرع دون الاخلال
بالآلة اللغوية او اهمال القواعد الاصولية .
وقد درست الندوة القواعد والضوابط الفقهية وبينت ان هذين المصطلحين
قد مرا بالتطور في الاستعمال فبعد ان كان لايميز بينهما كثيرا وصل
التعريف الى نوع من الاستقرار فعرفت القاعدة الفقهية بأنها امر كلي
او اغلبي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم احكامها منه واما الضابط فيختلف
عن القاعدة الفقهية من حيث كونه فروعا في باب واحد , بينما القاعدة
تجمعها من ابواب شتى .
وهناك علاقة قوية بين القواعد الفقهية والمقاصد الشرعية , حيث ان
كليهما يعتبر قضايا كلية او اغلبية كما ان غايتها واحدة وهي الوقوف
على مقصد الشارع في الوقائع والحوادث .
كما ان المتتبع للقواعد الفقهية يجد منها ما يشتمل على مقاصد الشريعة
مثل قواعد تتعلق بموضوع المصلحة والمفسدة كقاعدة التكليف كله اما
لدرء مفسدة او لجلب مصلحة او لكليهما معا وقواعد تتناول موضوع رفع
الحرج كقاعدة المشقة تجلب التيسير وقواعد تتعلق بمالات الأفعال ومقاصد
المكلفين كقاعدة المقاصد معتبرة في التصرفات والامور بمقاصدها ,
وقواعد تتعلق بإزالة الضرر كقاعدة لاضرر ولا ضرار .
وللقواعد الفقهية المشتملة على المقاصد اثر على الفروع الفقهية ولذلك
ينبغي للفقيه ان يستوعب هذه القواعد حتى يتمكن من تخريج الفروع تخريجا
سليما وعلى سبيل المثال لا الحصر نأخذ قاعدة الضرر يزال فمن تأثيرها
على الفروع ما اوجبه الفقهاء من احترام الحقوق القديمة من منافع
وتصرفات ومرافق ولو لم يكن في ايدي اصحابها وثائق ثابتة , لان في
ازالتها اضرارا بهم ما لم يثبت احداثها بطريق غير مشروع , او يكون
فيها ضرر بحقوق العامة .
واشار الشيخ سالم الخروصي إلى ان المتقدمين لم يعطوا تعريفا محددا
للمقاصد الشرعية ,وانما عبروا عنها ببعض الالفاظ الدالة على التفاتهم
لمراعاتها في فهم النصوص , كالمصلحة والحكمة والعلة والمفسدة ونحوها
, وقد عمل المتأخرون على اعطاء تعريفات للمقاصد الشرعية وهي ان اختلفت
في الفاظها لكنها تؤدي الى معنى واحد يمكن تعريفها به وهو ما اراده
الشارع الحكيم من مصالح ومنافع تعود على الناس من خلال تشريعه للاحكام
, فتحقق صلاحهم في الحال وفلاحهم في المآل . ومقاصد الشريعة جاءت
مراعية لضرورات الناس وامورهم الحاجية والتحسينية وقد تكون اصلية
او تبعية , ومنها ما يراعي عموم احوال التشريع ومنها ما يتعلق بباب
من ابواب الفقه .
كما درست الندوة بشئ من التفصيل المصلحة لاهميتها في تجديد الاجتهاد
الفقهي , وقد بينت البحوث انها كل معنى قام به قانون الشريعة وحصلت
به المنفعة العامة في الخليقة ودرء المفسدة يعد في حد ذاته مصلحة
.
والمصالح هي وجهة ملازمة للمقاصد ولذلك تنقسم الى نفس اقسام المقاصد
من حيث قوتها وهي المصالح الضرورية والمصالح الحاجية والمصالح التحسنية
وكذلك من حيث العموم والخصوص , وتأتي ايضا عامة كلية او خاصة جزئية
.
وتنقسم من حيث تحقق الحاجة الى: المصلحة القطعية: وهي التي دلت عليها
ادلة من قبيل النص الذي لا يحتمل التأويل وما دل العقل على ان في
تحصيله صلاحا عظيما , والمصلحة الظنية: وهي ما دل عليه دليل ظني
من الشرع او ما اقتضى العقل ظنه منها والمصلحة الوهمية: وهي التي
يتخيل فيها صلاح وخير وهو عند التأمل ضر اما لخفاء ضره واما لكون
الصلاح مغمورا بفساد.
وتأتي المصالح من حيث شهادة الشرع لها: اما معتبرة او ملغية او يسكت
الشرع عنها فهي المصالح المرسلة , وما يبنى من الاحكام الشرعية على
المصالح المرسلة يتبدل ويتغير عند تغير هذه المصالح بتغير الزمان
والمكان وعند تعارض المصلحة والمفسدة يقدم ارجحهما .
كما ان مراعاة المقاصد والغايات مقدم على مراعاة وسائل اقامتها وقد
برز هذا في اجتهادات كثير من الفقهاء وسلفهم في ذلك امير المؤمنين
عمر بن الخطاب رضي الله عنه , حيث اعتبرها في كثير من اجتهاداته
وقد وافقه في بعض هذه الاجتهادات جميع الفقهاء ووافقه بعضهم في شئ
منها .
ولا تصح دراسة الجزئيات بمعزل عن الكليات التي توجهها , ولا دراسة
الفروع بعيدا عن القواعد وان كثيرا من القصور في الاجتهاد ناشئ من
تحكيم الجزئيات المفردة المقتطعة عن سياقاتها على حساب الكليات والاقتصار
على الظاهر دون النظر في المقاصد .
كما تعتبر اللغة العربية وعاء الشريعة , وقد جاء بها كتاب الله تعالى
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , لذلك لابد من دراسة اللغة العربية
والتعمق في بحثها حتى يتمكن الفقيه من تحصيل ملكة الاجتهاد .
واكدت الندوة على روح الفقه الاباضي الذي يتميز بخاصية الفقه المقارن
منذ نشأته الاولى , وشهد القرن الرابع النضج في الدراسات الفقهية
وبالتالي يعد الفقه الاباضي من اسبق المدارس التي اعتنت بهذا الجانب
, ان لم يكن اسبقها .
كما وجد في المدرسة الاباضية خط متواصل من التطرق للقواعد الفقهية
وضوابطها انطلاقا من علماء المدونة في البصرة وفي هذا الخط وجدت
نقاط ارتكاز بين الفترة والاخرى عند كبار علماء المذهب كالائمة ابن
بركة , وابي سعيد الكدمي وعامر بن علي الشماخي , وابي يعقوب الوارجلاني
وابي القاسم البرادي واحمد بن سعيد الشماخي وعبد العزيز الثميني
وسعيد بن خلفان الخليلي والقطب محمد بن يوسف اطفيش ونور الدين السالمي
وخلفان بن جميل السيابي رحمهم الله تعالى .
ومن نماذج علماء الفترة التي درستها الندوة الامام ابو سعيد الكدمي
رضي الله عنه الذي تميز منهجه بتجاوز مضيق المصطلحات الى فسيح النظر
وعمق الفكر المنسجم مع قواعد الفقه والشريعة وتعتبر تخريجاته حلقة
من حلقات تطور التشريع الاسلامي عند الاباضية وهذه التخريجات هي
من باب تخريج الفروع على الفروع فهو بعد ان يذكر اراء السابقين يظهر
له من ذلك رأي اخر , وذلك معنى التخريج عنده , ويدخل في هذا مسألة
جواز احداث قول ثالث بعد الاختلاف فيها على قولين ومن اهم مؤلفاته
الاستقامة والمعتبر وزيادات الاشراف .
كما ابرزت الندوة ايضا دور الامام ابي محمد بن عبدالله بن محمد بن
بركة البهلوي رضي الله عنه , الذي يعد من اوائل واوسع من الف في
قواعد الشرعية الاصولية والفقهية على نطاق العالم الاسلامي خلال
القرن الرابع الهجري فقد الف كتابه الجامع لتأصيل القواعد والتفريع
عليها , وألف كتابا كاملا في قاعدة فقهية واحدة وهي العادة محكمة
اسماه التعارف ومن منهجه التزامه في كثيرمن القواعد بالاستدلال لها
من دلائل النقل والعقل , وكان يلمح الى القاعدة مع كثير من الفروع
التي يراها تندرج تحت قاعدته ليؤكد على اصله الذي سار عليه في انشاء
الفروع .
كما ربطت الندوة ايضا بين طلاب العلم وبين مآثر ائمتهم السالفين
وحثتهم على مواصلة الدراسة والبحث والتأليف في مجالات العلوم المختلفة
وعلى وجه الخصوص العلوم الفقهية , وان عليهم ان يدركوا ان هذه العلوم
تحتاج الى مزيد من البحث حتى تستيطع ان تواكب التغير الحضاري المتجدد
في الحياة .
د. وهبة الزحيلي في ختام الندوة: الندوة دليل
على قوة الرابطة الاسلامية بين مشارق الارض ومغاربها
قال الاستاذ الدكتور وهبة الزحيلي احد المشاركين
في الندوة ومن الذين تقدموا بورقة عمل بعنوان ظهور القواعد الشرعية
من منظور مقارن قال في كلمة له في حفل ختام الندوة: اننا نرفع أسمى
آيات الشكر والتقدير والعرفان لما تلقيناه على ارض السلطنة العريقة
من طيب وحسن المعاملة ولما احتضنته الوزارة ونظمته لمثل هذه الندوات
الاسلامية بتوجيه واشراف من قبل معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي
وزير الاوقاف والشئون الدينية الذي لم يألو جهدا في الاعداد والتنظيم
لهذه الندوة والتي تعتبر دليلا واضحا على قوة الرابطة الاسلامية
بين مشارق الارض ومغاربها وهي برهان ساطع على الاخوة الاسلامية والتي
ستظل الرابط والحصن الحصين لهذه الأمة.
وقال الاستاذ الدكتور وهبة الزحيلي ان ندوة تطور العلوم الفقهية
في عمان خلال القرن الرابع الهجري تعد الاولى من نوعها والتي تهتم
بدراسة القواعد الشرعية والتي نأمل ان تبقى موصولة الحلقات في السنوات
القادمة وهذا دليل واضح على ان السلطنة لديها القدرة على احتضان
العلم والعلماء والذين يتميزون بمواكبة افكارهم للعصر والتجديد وهذا
بالأصل ما هو مطلوب من علماء هذه الأمة.
قالوا عن الندوة
د. عيسى البجاجي: شكرا للسلطنة على احتضانها مثل هذه الندوات
قال الدكتور عيسى البجاجي من ليبيا من جامعة
الفاتح بطرابلس واحد المدعوين لحضور هذه الندوة : ان الندوة تعتبر
متميزة والتي كما عشناها ولاحظنا ما جال فيها من خلال الموضوعات
وما قدمه العلماء والباحثون فهي كانت صراحة وبكل تجرد كانت في ذلك
المستوى الطيب وحققت ما كان مرجوا لها وكان الخيار والنجاح من البداية
اي من العنوان وهو تطور العلوم الفقهية في عمان وحيث إنه تم تحديد
العصر الذي يجب ان يبحث وهو القرن الرابع الهجري فحقيقة عندما نظرنا
وعشنا ما قدمه الباحثون من خلال المحاور من ظهور القواعد الشرعية
والضوابط وارتباطها والقواعد الأصولية والفقهية لبعض العلماء الاباضيين
في عمان وغيرها فنجدها انها كانت موفقة في التخطيط وفي التنفيذ وكانت
ساحة من ساحات العلم التي تخدم الامة الاسلامية وعلومها المختلفة
وخاصة ما يجري في هذا العصر من مشكلات واحداث تشكل بعض المنعطفات
ولكن الحمد لله ومن خلال هذه الندوة لو رجعنا الى التوصيات التي
كانت ناتجة عن هذه الندوة وما فيها من مداخلات فكانت بحق ناجحة ونشكر
من كان سببا في اقامتها ومن ساهم فيها وفي انجاحها من الجهات في
داخل السلطنة او من العلماء والباحثين الذين تم استدعاؤهم حيث كان
الاختيار مناسبا ومختلفا شرقا وغربا سواء من الشام ومن كندا ومن
افريقيا وغيرها وهذا ان دل على شيء فانما يدل بأن ما يجري في السلطنة
هو ما يهم الأمة الاسلامية ونثمن هذه الخطوات ونتمنى لهم نجاحا باهرا
في الخطوات القادمة فيما قد يكون في المستقبل من ندوات ومحاضرات
لتبحث بعض القضايا التي هي بحاجة إليها الأمة الاسلامية الآن.
كهلان الخروصي: التواصل بين العلماء والمفكرين
من الأهداف التي سعت إليها الندوة
قال الشيخ كهلان بن نبهان بن عبدالرحمن الخروصي
الباحث بمكتب الافتاء في كلمة له في ختام ندوة تطور العلوم الفقهية
في عمان خلال القرن الرابع الهجري ان وزارة الاوقاف والشئون الدينية
تتقدم بخالص الشكر والعرفان لجميع العلماء والمفكرين والباحثين الذين
شاركوا في هذه الندوة وهو من اهداف ما تسعى اليه الوزارة.
واضاف الشيخ كهلان الخروصي: ان وزارة الاوقاف والشئون الدينية تسعى
دائما الى عقد مثل هذه الندوات ومثيلاتها لاستشراف مستقبل اسلامي
غني بالجوهر والمظهر حيث اننا ننظر الى العصور الماضية بعين فاحصة
الزاخرة بتراثها لننهل منها الفائدة وما دعوة الوزارة لهذه الكوكبة
من العلماء والباحثين انما هو من اهداف الرسالة التي تؤمن بها الوزارة.
د. جابر السعدي: نتمنى تفعيل توصيات الندوة
الدكتور جابر بن علي السعدي الذي شارك ببحث
عنوانه ( القواعد الأصولية عند الامام ابن بركة) قال: من حيث انها
يمكن استنباط وتلمس بعض الضوابط والأسس يستطيع المختصون من المجتهدين
توظيفها في حل كثير من الوقائع أو مما ينزل بالمسلمين أو مما يطرأ
مما تفرزه الحياة حاليا او مستقبلا.
وحول موضوع الندوة فانه جيد وكنت اتمنى ان تفعّل تلك التوصيات للواقع
المعاصر ومن القواعد الفقهية لا يمكن تغير الأحكام بتغير الازمان.
محمد بن الشيخ: نأمل تطبيق أوراق الندوة على
المستوى العملي
قال الشيخ محمد بن الشيخ الذي قدم بحثا بعنوان
(القواعد الفقهية وأثرها في الاجتهاد): ان اللسان يعجز عن التعبير
بكلمة الشكر للسلطنة على رعايتها هذه الندوات العلمية عبر سنوات
متتالية من أن يزيد في عظمة الاسلام والأمة الاسلامية وخاصة في السلطنة
ماضيا وحاضرا ونرجو لها كذلك مستقبلا والتوصيات التي اتخذت نرجو
ان تكون في مستوى عزة السلطنة على شرط ألا تبقى مسجلة على الورق
فقط وانما تبرز لوجود واقعي تؤخذ في كثير من الاعتبار لتطبيقها وتنفيذها
على المستوى الدراسي الجامعي وعلى المستوى العملي في مجالات الحقوق
والقضاء او الافتاء وتخريج طلبة راسخين في العلم فقهاء ليكونوا قضاة
في مستوى التفتح والانفتاح والاصالة محافظين على اصالتهم الاسلامية
متفتحين على متطلبات الحياة وان يكون الاساس في ذلك للجهاد واعمال
العقل في اطار نور الله الذي يجعله الله سبحانه وتعالى نورا للسماوات
والارض.
د. صلاح الدين خليل : أطروحات الندوة تهم المسلمين في حياتهم الراهنة
والمستقبلية
وقال الدكتور صلاح الدين خليل عثمان رئيس قسم
الدراسات الاسلامية بكلية الرستاق احد المحاضرين في الندوة فيقول:
لقد كان الموضوع الذي تناولته هذه الندوة حول تطور العلوم الفقهية
في عمان خلال القرن الرابع الهجري (القواعد الشرعية) (نموذجا) ذا
اهمية بالغة في العصر الذي نعيشه لما فيه من أطروحات عملية تهم المسلمين
في حياتهم الراهنة والمستقبلية ذلك ان الحديث عن القواعد والمقاصد
ذات الصلة بها جدير بايجاد الحلول لمصالح المسلمين الطارئة في سياق
الحوادث والنوازل المتشابكة واننا نعتقد ان السير في طريق التأصيل
والبناء التراكمي لهذه القواعد كفيل بايجاد الحلول لقضايا الأمة
والمجتمع الأسلامي. والشكر أجزله للقائمين على هذه الندوة على جهودهم
الكبيرة باقامة هذه الندوة وتوفير ظروف النجاح الكامل لها والتي
خرجت بتوصيات يكتب لها النجاح مستقبلا ان شاء الله تعالى.
من بحوث الندوة
القواعد الفقهية عند الإمام ابن بركة
في اول ايام الندوة القى فضيلة الشيخ خلفان
بن محمد بن عبدالله الحارثي قاضي الاستئناف ورقته البحثية المعنونة
بـ(القواعد الفقهية عند الامام ابن بركة) تحدث فيها عن سيرة حياة
ابن بركة ومكانته حيث اشار الى ان العلامة ابو محمد بن عبدالله بن
محمد بن بركة ينتهي نسبه الى سليمة بن مالك بن فهم , ولد في مدينة
بهلى من داخلية عمان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ما
بين 296ـ 300 هـ وعاش في القرن الرابع الهجري ويقدر وقت وفاته ما
بين 342 ـ 355 هـ كما استظهره بعض الباحثين .
وقد عاصر الامام الرضي سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب الرحيلي
واستفاد من علمه , ويمكن ان يعتبر هذا الامام واحدا من مشائخه لانه
مع كونه تحمل اعباء الحكم في ارض عمان بالبيعة له بالامامة العظمى
في سنة 320 هـ فقد عرف عنه بأنه اعلم اهل زمانه يقول عنه الشيخ محمد
بن روح , كان اعلم الجماعة الذين معه .
ومن اشهر علمائه الذين يعتز بهم كثيرا ويذكرهم بصفات الاجلال والاكبار
هو العلامة ابو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني المقيم في منطقة
صحار والمنسوب الى احدى قراها التي تسمى صلان .
ومن اشهر تلاميذه الذي سار على نهجه واهتم بتراثه وكان خليفته على
مدرسته العلامة ابو الحسن علي بن محمد البسيوي من مدينة بهلى , وغيره
كثير من طلاب العلم اهل عمان واهل المغرب العربي الذين وفدوا اليه
ابتغاء العلم .
وابو محمد من العلماء القلائل الذين جمعوا بين العلم والغنى فكان
ثريا ينفق على المتعلمين معه , وانضم الى ركب التعليم في مدرسته
جملة من اهل عمان واهل المغرب العربي وهو لا يناصر اولئك الذين يروجون
للزهد والتقشف وذم الدنيا ففي تعليقه على حديث رهن درع النبي صلى
الله عليه وسلم لليهودي قال: الله اعلم بصحة الخبر بأن النبي صلى
الله عليه وسلم مات عن سعة وكان الضيق قبل ذلك وفي هذا الخبر انه
اشترى صلى الله عليه وسلم من اليهودي المرتهن درعه بثلاثين صاعا
من طعام فاقتاته ثلاثين يوما وفي حبسه الطعام اكثر من يوم في منزله
يدل على ضعف مذهب من ادعى التقشف والتزهد في الدنيا وزعم انه لاينبغي
للمسلم ان يحبس قوت يوم الى غد والنبي صلى الله عليه وسلم هو الغاية
في التقشف والزهد في الدنيا . ومما يؤسف له ان اثار العلامة ابي
محمد ابن بركة قد ضاعت ولم يبق منها الا النزر القليل وربما يرجع
سبب ذلك الى ان العلماء الذين جاءوا من بعده مالوا بقوة الى ابي
سعيد الكدمي المعاصر له وراقت لهم اراؤه خاصة مسائل الولاية والبراءة
فيما يخص الاحداث الواقعة من موسى بن موسى وراشد بن النظر زمان الامام
الصلت بن مالك في القرن الثاني الهجري . وكان العلامة ابو محمد بن
بركة يقف موقفا مغايرا للعلامة ابي سعيد الكدمي حتى ان الموقفين
تأسست عليهما فرقتان وصارت مدرستين تعرف لكلا العالمين .
واشار الحارثي: ومنذ سن الصبا وانا احس بجاذبية تجاه ما ينقل عن
العلامة ابي محمد بن بركة من اقوال فقهية ترتاح لها نفسي وتتجاوب
معها مشاعري ويحلو لي النقاش والحوار الفقهي اذا كان منقولا عن هذا
العلم اللامع ,تبرز فيه الفصاحة ويدعمه الدليل , وقد ارتسمت شخصية
مثالية في قلبي لهذا الامام وتولدت لي شبه قناعة ان من جاء بعده
فهو عالة عليه في الفقه وأصوله ,واتصفح كتب الفقهاء فأراهم يزينون
اقوالهم بذكر هذا العلامة ويأنسون كثيرا اذا ما اختاروا رأيا في
كفته ابو محمد , وأصبح اسمه لامعا على مستوى سلف الاباضية وكأنه
بدر بين النجوم وجامعه الذي الفه صار ينعت على لسان الفقهاء وعلى
مرور الزمان باسم الكتاب وكم من علمائنا الاوائل من يكنى بأبي محمد
لكنه بلا منازعة وباعتراف الجميع اذا اطلقت هذه الكنية في كتب الفقة
لا تذهب الا اليه .
ودون المساس بمكانة غيره فإن الحق الذي يجب ان يقرر ان العلامة ابا
محمد لم يوجد من العلماء من اصل للفقه الاباضي مثله بل وقد امتاز
مع الدراية في العلم والضبط في الرواية بالشجاعة والجرأة عند مناقشة
الاقوال , ويلتزم بقدر كبير من الاجلال والتقدير لعلماء مذهبه لكنه
لايجد حرجا في الخروج عن رأيهم اذا ما كانت الحجة والدليل في قول
اخر , مع بذل الوسع في محاولة فهم رأيهم والاحتجاج لهم , وكثيرا
ما يختم المسألة بقوله : ونحن نطب لهم الحجة .
وبالنسبة لاهتمامات ابن بركة بالتقعيد التأصيل قال الباحث ان العلامة
ابا محمد بن بركة كما سبق الاشارة اليه عاش في بداية القرن الرابع
الهجري وهناك من يرى انه عاش في القرن الثالث الهجري ولقد اهتم بتأصيل
الفقه وتقرير قواعده واهتم كذلك بمقارنة الفقه الاباضي بالمذاهب
الاخرى , مما زاده ذلك سعة في الفكرة وقوة في المناظرة . وادراكا
منه بأهمية دراسة اصول الفقه والنظر في الروايات وكيفية الاستنباط
من الايات القرآنية واعادة فروع الفقه الى القواعد التي يسميها احيانا
امهات الفقه وضع كتابه المسمى بالجامع والذي انتشر صيته وأصبح ينعت
عند علماء المذهب الاباضي بالكتاب , يقول في مقدمته: ثم نبدأ بذكر
الاخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بها احكام
الشريعة , وان كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها وتنازعوا في صحة
الحكم بها لانها قواعد الفقه وأصول دين الشريعة لحاجة المتفقه الى
ذلك , وقلة استغنائه عن النظر فيه والاعتبار في معانيه فالواجب عليه
اذا اراد علم الفقه ان يتعرف اصول الفقه وامهاته , ليكون بناؤه على
اصول صحيحة ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سننه ويستدل على معرفة
ذلك بالادلة الصحيحة , والاحتجاجات الواضحة وان لايسمى العلة دليلا
ولا الدليل علة والحجة علة وليفرق بين معاني ذلك , ليعلم افتراق
حكم المفترق واتفاق المتفق ,لاني رأيت العوام من متفقهي اصحابنا
ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا وتكلم عند النظر ومحاجة الخصوم
بما ينكره الخواص منهم واهل المعرفة بذلك.
وكان الباعث على تأليفه هذا الجامع هو وضع قواعد واسس لفقه مذهبه
الاباضي يقول في بعض المواضع عندما كان يستدل لقاعدة اليقين لا يزول
بالشك وذكر الحديث لا وضوء الا من صوت أو ريح قال: وهذا خبر له تأويل
وشرح طويل ولن يخفى على خواص اصحابنا ان شاء الله لان الكتاب لهم
جمعناه واياهم قصدنا به , لان المرجوع اليهم والمعول عليهم .
وقد خصص الباب الاول من كتابه لمسائل اصول الفقه وشغلت حيزا كبيرا
بلغت مائتين وأربعين صفحة تقريبا , وتناول الفروع الفقهية فيما بقي
من ابواب الكتاب مهتما بإعادة الفروع الى قواعدها وهو ما يعنيه بأمهات
الفقه وقواعده ويظهر ذلك جليا عند ما يقول في مقدمته السابقة ليعلم
افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق وهذا المعنى هو الذي عبر عنه العلماء
بعد ذلك بقولهم الاشباه والنظائر يقول السيوطي الفقه معرفة الاشباه
والنظائر ولا بد ان نقرر هنا ان العلامة ابا محمد بن بركة من اوائل
علماء الاسلام الذين وجهوا الاهتمام الى قواعد الفقه ونظروا في افتراق
حكم المفترق واتفاق المتفق , او كما عرفت اخيرا بالاشتباه والنظائر
ان لم نقل ان هذا الشيخ قد سبق الجميع حتى من علماء المذاهب الاخرى
لان الدلائل تشير ان الامام ابا طاهر الدباس قد جمع اهم قواعد مذهب
ابي حنيفة في سبع عشرة قاعدة وكان ذلك في مطلع القرن الرابع الهجري
بينما يعتبر اول تأليف في القواعد كان في القرن الخامس الهجري عندما
قام القاضي ابو زيد عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي المتوفي سنة
430 هـ من ائمة الحنفية بأول تأليف في علم الاختلاف وفقه التخريج
في كتاب تأسيس النظر ومن هنا يتبين ان تأليف العلامة ابن بركة سابق
على غيره لصياغة القواعد الفقهية وإلحاق الفروع الملائمة لها واستثناء
الفروع الخارجة عنها .
بل انه الف رسالة مستقلة في قاعدة واحدة من القواعد الكبرى المتفق
عليها وهي العادة محكمة سماه كتاب التعارف يقول في هذا الكتاب فالواجب
على من انعم الله عليه بالاسلام وخصه بشريعة الايمان , ان يبدأ بتعليم
الاصول قبل الفروع , وان يثبت قواعد البيان قبل ان يرفع شواهق الاركان
ومن عرف معاني الاصول عرف كيف يبني عليه الفروع , ومن لم يعرف حقيقة
الاصول كان حريا ان تخفى عليه احكام الفروع .
وقد تحصل هذا العلامة على ملكة في علم الفقه بفضل ما من الله عليه
من علم الاصول والقواعد الفقهية فصار يتعامل مع المسائل الفقهية
ببصيرة جامعة ومبادئ ثابتة ونظرة واسعة وفكرة ناضجة فانطلق انطلاقة
القائد الهمام والشجاع المقدام يناقش كل مسألة تنقل اليه فيستعمل
قدرته في ترجيح الراجح وتفنيد المرجوح , وقلما يتجاوز مسألة الا
ويقول فيها وهذا القول اشيق الى قلبي وهذا عندي انظر القولين او
هذا عندي هو القول وامثال ذلك مع بيان الادلة في الغالب .
أعلى