رأي الوطن
تجميل وجه الجريمة
تلجأ إسرائيل كلما شعرت بالتأزم من عدوانية
سلوكها ضد الشعب الفلسطيني إلى مجموعة من الحيل التى تبدو مسرحية
في معظم فصولها، وتتبدى العملية (التمثيلية) في سلوكيات اسرائيل
تجاه جدار الفصل العنصرى بعد ان تصاعدت حركات الرفض له في فصلين
مثيرين احيانا للضحك، الفصل الاول ما ترامى من انباء حول محاولة
(طلاء) الجدار من أجل التخفيف من الانعكاسات السلبية التى يتركها
النظر الى الجدار وكأن اسرائيل بذلك تخفي قبح جريمتها خلف طبقة من
الطلاء والمفترض ان (تجميل) وجه الجريمة يزيد من بشاعتها فانعكاسات
جريمة جدار الفصل العنصري لا تتوقف عند مظهره (مطليا كان او غير
مطلي) إنما لب الامر هو المعنى الذي يتركه الجدار من اصرار اسرائيلي
على الفصل بين اليهود والفلسطينيين وهي الدولة التي تزعم انها رائدة
الديمقراطية ومعلمها الوحيد في الشرق الاوسط وايضا من كونه اداة
لسرقة الارض الفلسطينية بذريعة تحقيق أمن اسرائيل.
وفي لغة القانون يعتبر المجرم الذي يحاول اخفاء معالم جريمته لتضليل
العدالة يستحق عقوبة أكبر، الا ان اسرائيل ـ مدعومة بمساندة اميركية
متواصلة وتخاذل اوروبي متنام ـ تؤكد في كل تحركاتها أنها فوق القانون
أما الفصل الثانى في المسرحية فهو الاعلان عن نظر محكمة اسرائيلية
في طلب استئناف تقدمت به منظمتان حقوقيتان لتغيير مسار الجدار، والجزء
التمثيلى في هذا التحرك يتبدى في كون اسرائيل تصر على جعل القضية
قضية داخلية لا علاقة لمجمة العدل الدولية بها، رغم أن الجمعية العامة
للامم المتحدة طلبت من محكمة العدل الدولية في لاهاي النظر في النتائج
القانونية للجدار ككل وليس لمساره او شكله وتأثيره على أعين الناظرين،
فالجريمة لا تحمل أى معنى من معاني الجمال، ومن توابع الصورة المثيرة
للسخرية أن هناك رسالة من وراء حكاية نظر المحكمة الاسرائيلية في
(المسار) حيث ان اسرائيل ادركت ان بناء الجدار على أرض فلسطينية
سيضعف جهودها لأحباط او افساد القضية في محكمة العدل الدولية ومن
ثم لجأت الى الادعاء بأن النظر في تغيير المسار جاء تلبية لمطلب
داخلي وليس نتيجة واقع يضر بصورة اسرائيل وبموقفها القانونى أمام
القانون الدولى ولو كانت اسرائيل تعتزم حقا حماية أمنها ضد الهجمات
ببناء الجدار لما أقامته على اراض فلسطينية، لكن الواقع وتسلسل الاحداث
التى تلت الشروع في بناء الجدار العنصرى العازل اثبتا ان هدف اقامة
الجدار هو صنع حدود جديد لاسرائيل تقوم على ضم أراض جديدة والتوسع
على حساب ممتلكات الفلسطينيين وعزل 350 ألف فلسطيني في القرى التي
يخترقها او يلتهما الجدار بالكامل وبالطبع ستلجأ اسرائيل في ظل ترهل
الموقف الدولي والعربي الى طرح الامر على أنه امر واقع تقبله كل
الاطراف شيئا فشيئا تحت الضغط والتهديد والتلويح بعقوبات اميركية
لا تتردد واشنطن في طرحها لمساعدة شارون على تنفيذ خطته بعزل الشعب
الفلسطيني وفك الارتباط معه وفرض حلول احادية الجانب بعيدا عن أى
تنسيق او تفاوض مع الفلسطينيين وكذلك دون اى وساطة دولية.
أعلى