
الشراع الأخر
بين الانسانية والوحشية السياسية (2)
الطيار الاميركي الهارب من وحشية السياسة والعسكرية
الى الانسانية الصارخة بداخله (سيلفيان كوانتو جيرمس) يستحق ان تقف
الانسانية له احتراما ، لانه احترم ذاته كانسان وسخر من ذاته كجندي
في جيش ظالم حسب تعبيره، ادرك انه اميركي معزول ومكروه تؤلمة نظرة
العراقيين الساخرة وقوة ارادتهم امام عنفوان الهجمة الاستعمارية
التي يشنها جيش بلاده تحت تأثير توجيه اعلامي مضلل بينما هو يؤكد
ان معظم زملائه كانوا يرغبون في الفرار مثله تماما غير مكترثين باغراء
قادتهم الذين حدثوهم عن العيون السود للفتيات العربيات وهذا اغراء
رخيص، حيث شجعوهم على غزو العراق والتمتع بالعربيات سوداوات العيون
حسب اعتراف الطيار الاميركي نفسه، وهذا يخالف ما زعمته الادارة الاميركية
ان هناك توجها لاحترام الشعب العراقي وعدم انتهاك حرماته، وشهادة
هذا الطيار الشهم تستحق ان تكون وثيقة تقدم لمحاكم جرائم الحرب حين
تعتدل الاوضاع ويتم ملاحقة قادة الجيش الاميركي الذين اغروا، جنودهم
باغتصاب نساء العراق ليشجعوهم على غزو ذلك البلد العربي العريق.
نعرف ان واشنطن احتفظت لنفسها بحق منع جنودها من المثول امام محاكم
جرائم الحرب الدولية التي اقامتها هي نفسها لقادة غير اميركيين،
ولكن حين تعتدل الامور سيكون هناك مزيد من اليقظة في الضمير الانساني
على نحو يلزم العقول الجديدة التي ستتسلم مقاليد ادارة المنظومة
الدولية ان تصلح ما افسده جشع الرجعيين والارهابيين المقنعين في
العصر الراهن، وتبسط قوانين العدالة على كافة البشر دون استثناء.
هنالك سيكون لشهادة الطيار الاميركي سيلفيان كوانتو جيرمس مكانها
على منضدة القضاء والمحلفين . لقد صرخ الطيار وهو يدلي بحديثه لصحفي
التركي : أنا الطرف المعتدي لكن العراقي يدافع عن اهله ووطنه.فعلنا
كل شيء لتعذيب الاسرى واستخدمنا كل الاساليب التي تشعرهم بالذل والهوان
ويقول انه جرب القيود التي كانوا يكبلون الاسرى فلم يتحملها لحظة،
لانها كانت تسبب الحروق والحكة الشديدة والجروح العميقة . وقال سيلفيان
: بلدي اميركا تطبق كل الاساليب للامعان في تعذيب الاسرى وايلامهم
وكنا نرميهم من الشاحنة ونبصق عليهم ونبول عليهم، وهذه الافعال اثرت
في معنويات سيلفيان فأدمن وزملاؤه على المخدرات، ويقول انه لاينسى
منظر الرجال وهم يشاهدون الجنود الاميركيين داخل غرف النوم مع النساء
العراقيات ويقول سيلفيان ان هنا المشهد كان يحول الرجال العراقيين
الى أسود جريحة، ويكمل سيلفيان بالقول: أقول لكم بكل صراحة وانا
ارتجف ان الفلسطينيين على حق عند ما يتحولون الى قنابل حيه.. لقد
تعلمنا من العراقيين الحضارة ولقد رأيت بعيني كيف ان المسلمين عادلون
ومنصفون، فالبلد الذي جئت لأدمره ساعدني على الهرب من الجحيم، وعلمني
الانسانية والحضارة، ويؤكد سيلفيان ان (900) جندي فروا من العراق
مثله ويقول: اننا خدم للشيطان ولا أتصور مطلقا اننا نمثل العدالة،
فالعدالة لاتكون ممثلة باليورانيوم المستخدم في الصواريخ .. ان جيشنا
يشبه عصابة المافيا..
لقد تعلمت من العراق شيئين اساسيين : الاول هو سوداوية المصالح الاميركية،
والثاني هو شعوري بالعار لأنني أميركي.. لقد كنت اعتقد ان محمد على
كلاي خائن لانه لم يحارب في فيتنام.. والان أدركت انه كان على حق
لانه كان يقول (هذه ليست حربي) والآن اقول لو ذهبت الى العراق فسأحارب
مع العراقيين ضد اميركا لقد أعطى كلام سيلفيان شقيقنا في الانسانية
صورة أمينة لمرحلة الانتقال من وحشية السياسة الى رحابة المشاعر
الانسانية، نقرأها بوضوح في ثنايا سطور المقابلة.
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى
أضواء كاشفة
بوش يعيش في جلباب تشرشل
بين الانسان العربي اليوم والانسان العربي
في صدر الاسلام مسافة شاسعة كالمسافة التي بين السماء والارض.
نحن لا ننكر ان انسان اليوم افخر ملبسا او ادسم مطعما وارقى مركبا
ولكنه من حيث الخصائص الروحية والعقلية تافه ضائع بالنسبة الى أبيه
الاول وسلفه العظيم.
العرب في الزمن القديم كانت أمة تقود ولا تقاد أما العرب في هذا
الزمن المعتل فهم أمة تقاد ولا تقود لا يتخذون قراراتهم من أعماق
أنفسهم ولا بمحض ارادتهم.
المسلمون في هذا العصر يواجهون حقيقتين مرتين الاولى ان خلافاتهم
صارخة ووحدتهم الكبرى معتلة وشرائعهم معطلة وأخطاءهم القديمة باقية
وأمانيهم في المستقبل مشوشة والقوى التي هزمتهم من الخارج لا تزال
مكشرة الانياب والجراثيم التي هدمتهم من الداخل لا تزال تسرح في
كيانهم دون خوف.
انني في هذا الصدد أتساءل.. لماذا لا تكون لنا بصمة واضحة في هذا
الكون الفسيح ولماذا لا ندرس أخطاءنا ببصيرة وأناة وشجاعة ؟؟
هل نحن اليوم مقصرون.. حيث نعجز عن اداء الواجب مع قدرتنا على الاداء
.. أم أننا نعجز عن الاداء لا فتقارنا فعلا الى وسائل الاداء ؟؟
هذا يدفعنا الى ان نقولها صراحة.. ان ما نحن عليه من الوهن والضمور
يعود الى أننا نعيش بين دائرتين قصور وتقصير.
الواقع اننا نعاني من التقصير معاناة شديدة فهذا عدونا يجوس خلال
ديارنا وأنفسنا ويمرح ويرتع في أفئدة شبابنا.. ويعبث بأي ايجابية
حاضرة وأية حسنة أنية مستقبلة.. وفي نفس الوقت تجدنا قد وضعنا ايدينا
على امكانيات عظيمة الا ان هذه الامكانيات لا تشكل أي خطر على عدونا
لسبب بسيط جدا وهو ان ما بيننا من روابط قد هوت وقربت على الاندثار.
فأين الرابطة بين القلوب واين الجامعة بين الارواح والافئدة ؟ وأين
الطريق الواحد الذي نسير فيه ؟ وأين الراية الواحدة التي نرفعها
؟ بينما نجد العدو يتفنن في ايذائنا ويجد في التوحيد ضدنا ويحاول
جاهدا ومستمرا وباصرار عجيب ان يأكلنا فرادى.
وهنا يثور في الوجدان سؤال : لو تجمعنا قلبا واحدا. هل يستطيع عدونا
ان يمس حقوقنا او يعبث في ارضنا.. ويقض مضاجعنا.. ويسفه طموحاتنا
وينغص حياتنا.. ويزدري قرارنا.. ويحرم حلالنا ويحلل حرامنا ؟ هل
يستطيع ان يلوي اعناقنا.. ويفتت عظامنا؟؟ هل .. هل..هل ..
ويأتى الرد سريعا رغم ان السؤال طويل ولكنه ليس أطول من همومنا وآلامنا..
رد فيه التجسيد للجرح الخطير الذي نشكو منه ويعلمه العدو قبل الصديق..
بل قبل أنفسنا.. لو تجمعنا ما كان ذلك.. ولما استطاع العدو الاقتراب
لا من الارض ولا من العرض.. ولو كنا نعجز عن مواجهة المواقف لحق
لنا ان نعذر أنفسنا ولكن للأسف الشديد فنحن نعيش في هذه الدنيا مهمشين
لا وزن لنا ولا قيمة.
والحقيقة ان الانسان ليطيل النظر في الواقع الاليم الذي تعيشه امتنا..
اين المسلمون في غزوة بدر الكبرى الذين حققوا انتصارا مذهلا على
قوى الشرك والطغيان رغم قلة عددهم ؟
نعم هم صدقوا في اتجاههم الى الله ولم ينافقوا ولم يقولوا ما لا
يفعلون ولم يرفعوا شعارات ولم تخرم حناجرهم من الخطب ولم تخرج ألسنتهم
لهثا وتعبا من القاء القصائد والخواطر !! ولم تتعب اجسامهم من كثرة
مؤتمراتهم واجتماعاتهم ولم تتخمهم الموائد المستديرة منها والمستطيلة
نعم اكتفوا بالصدق مع أنفسهم وبالصدق في نصرتهم لرسولهم صلى الله
عليه وسلم.. نعم آمنوا بشئ واحد وهو ان النصر من عند الله .. لأنه
وحده سبحانه وتعالى الذي يقدر ويقول للشئ كن فيكون.. حال المسلمين
اليوم واضح جلي لا يحتاج الى شرح او تفصيل.. هنا فرقة.. وهنا شراذم
وهنا زمر وهناك كم مهمل لا يخيف العدو ولا يأخذ من الطامع الاهتمام.
حال المسلمين كحال او هو اقرب لحال المنافقين في المدينة منا الى
اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.
للأسف .. قد دب الوهن في نفوسنا وما الوهن الا حب الدنيا وكراهية
الاستشهاد وهذا هو السر.. سر سوء حالنا اليوم.. حيث هان علينا العرض
وهانت علينا الارض.. ولابد قبل فوات الاوان من يقظة تجعلنا في منزلة
الذين كانوا سادة الدنيا واذا سألك سائل كيف كانوا سادة الدنيا أقول
له ببساطة شئا واحدا وهو ان الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم كانوا
أحب اليهم مما سواهما.. لابد من الاخلاص في الحب.. حب الوطن وحب
العقيدة.. ومن ثم يتضح لنا طريق النجاة.
كفانا خزيا وعارا.. وكفانا ذلا وهوانا.. وكفانا ضعفا ووهنا.. ولو
اردنا العزة والكرامة والقوة والثبات والنصر في كل ميادين الحياة..
فينبغي ان نقف متدبرين قول الله سبحانه وتعالى (إن اللّه لا يظلم
الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون).
أمة تقاد ولا تقود
الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش نجح بشهادة المحللين السياسيين في
ان يعيش في جلباب ونستون تشر شل خاصة بعد النصر الذي حققه في الحرب
الانجلو اميركية ضد العراق. يصور بوش نفسه على انه هو وبلير وريثان
روحيان للزعيم البريطاني ونستون تشرشل ووصف حرب العراق على انها
تحويل ديمقراطي حر في منطقة الشرق الاوسط بأسرها.
التاريخ لا يمكن ان يعطي هذا الحق لبوش الذي وضع نفسه مع تشرشل كوجهين
لعملة واحدة لأن الفرق بين بوش وتشرشل كما يراه المؤرخون والسياسيون
كالفرق بين السماء والارض.
هذه الصورة التي أعطى الرئيس الاميركي لنفسه الحق في اطلاقها امام
العالم لا اساس لها من الصدق.
بوش وبلير احتلا العراق بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل
وقد اثبتت الايام بعد انتهاء الحرب بان العراق بريئة من هذا السلاح
براءة الذئب من دم ابن يعقوب اذن هذان القائدان بكل المقاييس كاذبان
امام العالم ولا يستحقان سوى التنحي من مسئولية قيادة كل هذه الملايين.
في المقابل فان تشرشل لم يكن ظالما عندما شن حربا ضد خصمه ولم يبادر
الى احتلال بلد آخر بهدف تحريره او بحجة تخليصه من ديكتاتور كصدام
حسين بل كان مدافعا عن بلاده التي تعرضت لقصف وحشي من الجانب الآخر..
فكان صوتا داعيا من اجل الحق ومواجهة العدوان.
كان تشرشل يواجه احتلالا بمعنى الكلمة ويواجه عدوانا صارخا ولهذا
السبب فانه نجح في استقطاب شعبه وكل دول اوروبا بل وكل دول العالم
من اجل مقاومة الاحتلال والغزو.. ولم يعلن كما اعلن بوش ان البلد
الذي احتله قد تنفس حريته بعد الغزو الجديد.
هل بعد كل ذلك يحق لبوش ان يشبه نفسه بتشرشل ذلك الزعيم البريطاني
العظيم الذي دافع من اجل الحق وعاش من اجل بلاده الذي اراد لها ان
تكون بعيدة عن أعين الغزاة والمحتلين؟.
فليقل بوش ما يريد وعلى التاريخ ان يقول كلمته في حق هذا او في شأن
ذاك.
***
من سينقذه من ورطته ؟!!
الشارع الاميركي بل والمجتمع الدولي تأكد له الآن ان الرئيس الاميركي
جورج دبليو بوش كاذب فيما اتهم به العراق من امتلاكها أسلحة الدمار
الشامل التي بررت له احتلال هذا القطر الشقيق من المنظومة العربية.
هذا الجدل القائم بين بوش وشعبه لن ينتهي الا بخروج الرئيس الاميركي
وادارته من البيت الابيض وهذا فيما اعتقد ضريبة يجب ان يدفعها كل
الذين يتاجرون بمشاعر الجماهير من أجل تشويه الحقائق وتضليل الرأي
العام.
الرئيس الاميركي بوش يعض اصابع الندم على ما اقترفه من احتلال شعب
ليس له في العير او النفير.
سهام النقد التي وجهها الشارع الاميركي الى الرئيس بوش بسبب غزوه
للعراق بناء على معلومات مضللة جعلت الرئيس الاميركي يبحث عن طوق
النجاة الذي يمكن ان يخرجه من هذه الورطة التي ستكون بمثابة القشة
التي سوف تقصم ظهره في الانتخابات القادمة.
لم يجد بوش للخروج من هذا المستنقع سوى ان يشكل لجنة للتحقيق في
معلومات الاستخبارات الاميركية حول اسلحة العراق.
اصر بوش على ان تصدر هذه اللجنة تقريرها في الحادي والثلاثين من
مارس عام 2005م ومعنى هذا ان اللجنة سوف تعلن تقريرها بعد انتهاء
الانتخابات الاميركية مما جعل الديمقراطيين يشككون في نوايا بوش..حيث
ان تقرير اللجنة سوف يظهر بعد المعركة الانتخابية التي ستسفر نتائجها
عن امرين اما ان يفوز بفترة رئاسية ثانية واما ان يخرج من البيت
الأبيض صاغرا وفي كلتا الحالتين سوف تتوه الأمور وتضيع المسئولية.
بوش لم يفكر في تشكيل هذه اللجنة الا انه فشل في الدفاع عن نفسه
امام النتائج التي خرجت بها فرق التفتيش الدولي من عدم امتلاك العراق
اسلحة الدمار الشامل قبل الغزو الأنجلو اميركي له بالاضافة الى تصريحات
وزير الدفاع الأميركي ووزير الخارجية ومدير المخابرات المركزية والتي
تؤكد جميعها عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.
وهذه التصريحات قد ازمت الوضع امام الرئيس بوش وجعلته شخصا يفتقد
عنصر الصدق والأمانة للمهمة التي أولاها له شعبه.
ولم تخرج هذه التصريحات الى النور إلا بعد فشلها الذريع في اثبات
تهمة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل خاصة امام الحزب الديمقراطي..وهذا
ما أثار نوعا من الشكوك حول النوايا الحقيقية للإدارة الأميركية
الحالية.
الرئيس الاميركي بوش وجد ان شعبيته تتضاءل شيئا فشيئا وتشير التقارير
الى ان هذه الشعبية قد تدهورت بنسبة 50% الأمر الذي حدا به لتشكيل
هذه اللجنة لتكون بمثابة الغمامة التي تحول دون ابداء الحقيقة كاملة
امام الرأي العام الأميركي.
الرئيس بوش يواجه الآن انتكاسة كبرى فهو امام شعبه كاذب وهو امام
شعبه ليس وطنيا لأنه تهرب من الخدمة العسكرية ايام الحرب الأميركية
في فيتنام وهو امام شعبه بهلوان يتلاعب بمخططاته ليتنصل من المسئولية
امام المجتمع الاميركي ولعله بهذا التلاعب السياسي يمكن ان يحقق
مكسبا في الانتخابات الاميركية القادمة ويفوز بفترة ثانية في البيت
الأبيض.
العالم كله ينتظر ما سوف تسفر عنه الانتخابات القادمة في اميركا..هل
سينتصر بوش على منافسيه ويحظى بفترة رئاسية ثانية ام انه سوف يدفع
الثمن باهظا في الخروج من سدة الحكم لأنه قام بدور الرجل الذي يظهر
خلاف ما يبطن؟..عموما فلننتظر وان غدا لناظره لقريب .
حروف جريئة
مشهد التقطته عيناي من احدى الشاشات الفضائية..مسئول اجنبي كبير
يلتقي مع مسئول عربي أكبر..الأول يجلس واضعا رجلا على رجل والثاني
يجلس على استحياء..ولنا ان نسأل: هل هذا السلوك أدب زائد من الجانب
العربي ام قلة أدب من جانب المسئول الأجنبي؟
المقاومة العراقية اكدت بما لا يدع مجالا للشك ان دولة القطب الأوحد
يمكن ان تسيطر على سياسة البلد المحتل أو تقدم له حكومة من عندياتها
لكن مستحيل ان تسيطر على إرادة اي شعب مهما وصل الى درجة من اليأس
والقنوط.
خارطة الطريق صناعة اميركية والجدار العازل صناعة اسرائيلية والصمت
الرهيب صناعة عربية.
مسك الختام
قال تعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون).
صدق الله العظيم
ناصر اليحمدي
أعلى

يحدث سنويا في المشاعر المقدسة
عندما تسنح الفرصة
للمرء لاداء مشاعر الحج او الالتقاء بالعائدين من اداء هذه الشعيرة
المقدسة، فأن ثمة صورة مشتركة تتوحد كل عام، وتكون القاسم المشترك
في احاديث الحجاج العائدين، والهم المتداول عاما بعد آخر، هذه القواسم
والهموم او لنقل بصيغة تقريبية اكثر هذه المعاناة ستستمر لأعوام
طويلة طالما فهمنا ان رحلة الحج هي مجرد رحلة اداء مناسك مفروضة
حسب شروط واحكام وطرق محددة، لا تنازل فيها ولا مناقشة، اذ ان مناسك
فريضة الحج تمثل بالنسبة للاغلبية ـ والاغلبية التي تهمنا هنا الحجاج
العمانيون ـ اعمالا وسلوكا محددة في اطر ثابتة لا خروج عنها او عدول
لاجل اعمال اخرى يراها البعض انها ليست من شروط وواجبات الحج، هذه
الاعمال والسلوك لا بد من اتيانها بذات الطريقة والكيفية التي اقرت
او تنقلت عبر عشرات السنين.. وحتى لا يقودنا الفهم الخاطئ الى اعتبار
هذه المناسك المقدسة اعمالا متوارثة، وحتى لا يفهم القصد ويخرج عن
اطاره المراد، اوضح ان الانسان الذي يود اداء هذه الفريضة المقدسة
لا بد ان يتمتع باخلاق وسلوكيات ويكون على صفات محمودة هي مقدمة
لاداء الشعائر المقدسة، هذه الاخلاق والسلوكيات في حال انعدامها
تصبح الشعيرة عندها بالنسبة لهؤلاء مجرد رحلة عابرة لا طائل منها
سوى المشقة والتعب.
فعلى الرغم من كثرة الندوات والمحاضرات والارشادات التي تقوم بها
الجهات المسئولة والمعنية بسلامة الحجاج العمانيين،فان النظافة الشخصية
بما فيها نظافة الجسد و السكن والمأكل والمشرب واماطة الاذى عن الطريق
والحفاظ على النظافة والمظهر العام تصبح امورا ثانوية لا اهمية لها
بمقابل البحث عن المقاول الارخص سعرا، والاكثر دراية بالاسواق والمشتريات
والهدايا التي يحرص الحجاج العمانيون على حملها بعد عودتهم من رحلتهم
المقدسة.
فالنظافة الشخصية لا اهمية لها طالما تستنزف مبالغ يمكن صرفها لمشتريات
وهدايا او توفيرها من النفقة التي يتطلبها الحج، وللعلم هنا فقط
فان تكلفة الحج واجمالي النفقات التي يصرفها الحاج العماني تعتبر
الاقل بين الحجاج الاخرين، فالحاج العماني لا يشترط على المقاول
توفير سكن ملائم صحي مناسب ولا يشترط وسيلة نقل مريحة تتضمن كافة
اجراءات السلامة التي تتطلبها الرحلة وتتزود بالارشادات والتعليمات
الصحية التي يتوجب على الحاج اتباعها لاجل سلامته وتسيير امور اداء
مناسكه.
فالحاج العماني لا يصرف اكثر من مائتي ريال عماني في اغلب الاحوال،
وان تجاوز هذا المبلغ فانما يكون على مشتريات لا تمت بصلة لمناسك
الحج وشعائره ولاتمت بصلة ايضا لراحة الحاج ومتطلبات سلامته ورفاهيته.
وبخلاف بعض الحملات التي تعلن عن نفسها بتقديم وسائل الراحة والرفاهية
للحاج ـ وهنا الرفاهية لا يقصد بها الترفيه بالمعنى المفهوم للكلمة
انما التيسير والتسهيل في ممارسة واداء الشعائر المقدسة ـ، اذ تقدم
بعض الحملات وسائل نقل مكيفة وسكنا صحيا مريحا واكلات متنوعة ووفدا
صحيا يتابع ويشرف مباشرة على سلامة وصحة الحاج اضافة الى بعض المميزات
الاخرى التي يشعر بها الحاج خلال تنقله بين الديار المقدسة، وحتى
وصوله الى بلده، فان الحاج لا يشعر مع هذه الحملات بالارهاق الجسدي
والصحي الذي كثيرا ما يعاني منه بعض الحجاج في الحملات الرخيصة والذين
يعتبرون ذلك الاجهاد والامراض التي تصيبهم اثناء تواجدهم وحتى عودتهم
من الديار المقدسة نوعا من الجهاد والتضحية التي تتطلبها مناسك الحج،
وعلى هذا تصبح اجراءات السلامة والحرص الشديد على نظافة المسكن وملاءمته
وسلامة الطعام ونظافته نوعا من الاعتراض على مشيئة الخالق عز وجل،
فالعبارة التي اسمعها كثيرا ـ دون دراية من الذين يرددونها بمعناها
ومغزاها ـ {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا}،
آية كريمة لها مكانتها ومقامها ولكن لا يقصد بها اعماء البصر وغض
الطرف عن المسببات والاسباب التي تقود الى المهالك والقاء النفس
في التهلكة واعتبار ان ذلك قدرا مكتوبا ومشيئة من الخالق عز وجل..
طالما انعدم الاخذ بالاسباب واتباع المحاذير.
ولنبدأ في تتبع رحلة الحاج منذ البداية، فالذي يسجل في حملات رخيصة
ـ لا تتعدى اسعارها المائتي ريال شاملة ما يسمى السكن والمأكل وايجار
الاقامة في مخيم منى ـ، يجد الحرص الشديد على الوصول الى مكة المكرمة
مبكرا ليس لاجل اكتساب الأجر المضاعف في الديار المقدسة بقدر ما
هو الحصول على مكان في بيت الرباط وهو مبنيان متقاربان تفصلهما امتار
معدودة موقوفان للفقراء والمحتاجين من الحجاج العمانيين، غير ان
بيت الرباط الاول والثاني يتحولان الى مأوى وسكن للحجاج المحتاجين
وغير المحتاجين حيث تكون الفئة القادرة هي الاكثر استحواذا على السكن
فيبيت الرباط نظرا لرمزية الرسوم المدفوعة نظير الاقامة في بيت الرباط
والتي لا تتعدى نصف ريال عماني، ولذا لا غرابة ان تجد في الغرفة
الواحدة اكثر من عشرين الى ثلاثين حاجا يتزاحمون في مساحة ضيقة،
دون اعطاء أي اهمية للصحة الشخصية والوقاية من الامراض المعدية والافات
التي قد تصيب الانسان في مثل هذه الظروف المعيشية الصعبة التي يكون
عليها بيت الرباط في موسم الحج وايام الذروة، واعتبار ذلك جزءا من
الجهاد والمشقة المأجور والمثاب عليها الحاج.
اما من يضيق به بيت الرباط، ولا يجد مكانا لقدمه فيه، فأن حي الملاوي
هو المكان المفضل بالنسبة له، والتفضيل هنا يأتي ليس من اتساع المباني
وتعددها وكثرة الحجاج العمانيين الذين يقطنون هذا الحي في موسم الحج،
وانما من رخص اسعار الايجار وتقليد دأب عليه مقاولي الحج العمانيين
في الاقامة في هذا الحي من اصحاب الحملات الرخيصة، اذ ومع استغلال
اصحاب هذه الدور لموسم الحج، ومع المغالاة الشديدة في اسعار الايجار
ورفعها في الموسم الى اضعاف الاضعاف، الا انها تعتبر مثالية بالنسبة
لمنزل سيقطنه اكثر من خمسين شخصا موزعين على ثلاث الى اربع غرف،
لا يتعدى نصيب الفرد فيه من الايجار خمسة ريالات عمانية.
حي الملاوي يبعد عن البيت الحرام حوالي ثلاثة كيلومترات او اقل من
ذلك اذا تم اختصار المسافة من خلال نفق يصل الحي بمنطقة البيت الحرام،
هذا النفق مخصص للمركبات ويكون غالبا ملئ بعوادم السيارات واكاسيد
الكربون، او عبر تلة جبلية شاقة، وهو افقر احياء مكة واشدها تلوثا،
وتكثر القوارض في منازله بطريقة عجيبة نظرا لعدم وجود اماكن مخصصة
لرمي الفضلات، او لفيضان مياه المجاري في المنازل والطرقات، وتخلو
المطاعم في هذا الحي من ابسط اشتراطات السلامة الصحية.
ومع ذلك فان حي الملاوي هو المكان المفضل للحجاج العمانيين، وهنا
دهشة تصيب المرء، حيث يتحول الملاوي في موسم الحج الى حي عماني خالص،
لكن هذه الدهشة تتبدد حينما يلوح في قلب الحي علم السلطنة على مبنى
بعثة الحج العمانية، فمقر بعثة الحج العمانية المستأجر منذ عشر سنوات
تقريبا يرتفع لخمسة ادوار خصص لمكاتب وسكن اعضاء البعثة من الوفود
المختلفة التي تمثل مختلف القطاعات التي تهم الحاج العماني، لكن
القطاع الاهم المتمثل في الاشراف والمتابعة لاحوال السكن والمعيشة
تبقى غائبة تماما رغم ان المسئولين من بعثة الحج العمانية يقومون
بزيارات ميدانية الى سكنات الحجاج ولا يبدون اعتراضا على الحالة
المزرية والظروف المعيشية الصعبة في السكن، طالما ان الحاج بذاته
قد وافق على هذه الحالة فلم الاعتراض، ثم ان مجرد مطالبة الحاج بسكن
افضل يعني مزيدا من التكاليف والمصاريف، وهذا ما لا يستطيع عليه
الكثير من الحجاج، وهنا تغيب نقطة مهمة ـ سنأتي الى ذكرها كثيرا
ـ فاداء فريضة الحاج لم يكلف بها الله سبحانه وتعالى الا المستطيع
والقادر بدنيا وماديا وصحيا، وكانت الاستطاعة والقدرة شرطين اساسيين
من شروط الفريضة، لكنهما للآسف اسيء فهمهما، واستغلت بطريقة خاطئة،
فاصبح الفقير وغير القادر بدنيا ولا ماديا هو الذي يقوم باداء المناسك،
ودخلت التجارة الى هذه الشعيرة المقدسة، واصبح القادر ينوب عنه غير
القادر بعد ان يدفع له مبلغا من المال يصل الى ألف ريال عماني، لا
ينفق منهما سوى مائتين او ثلاثمائه، ولا يعلم المرء بأهلية المستأجر
وتمكنه من اداء الشعائر على اكمل وجه وافضل صورة.
وبذا فحين يطلب الحاج السكن الملائم ويشترط الغذاء الصحي ويشترط
ويشترط، فأن المقاول يرفع السعر فورا، وتتوقف عندئذ طلبات الحاج
ويرضى باقل القليل، واقل القليل تعنى عند مقاولي الحج العمانيين
بيت الرباط او حي الملاوي، اما احياء مكة الاخرى فهي للذين يطلبون
الراحة ويغضون عن الاجر الوفير والثواب العظيم لمن يواجه المعاناة
والمشقة والتعب ويقاسي في سكنه ومأكله ومشربه.. وهذه احدى الصور
المغلوطة المغروسة في اذهان الكثير من الناس.
وما يؤسف له ان يتحول برنامج الحاج في حي الملاوي الى اوقات للفسحة
وزيارات المجاملة والتندر مع المعارف الذين وفدوا على الحج، والخروج
للشراء وتبضع الهدايا والاطلاع على سكن هذه المجموعة وسكن تلك، ويغيب
ثواب اداء الصلوات في المسجد الحرام او في أي مسجد آخر، حتى ان مجلس
مقر بعثة الحج العمانية يتحول هو الاخر الى مسجد للكثير من القادرين
على اداء الصلوات في المسجد الحرام او المساجد المجاورة.
ولا يلتمس المرء دورا لبعثة الحج العمانية الا عند توزيع المخيمات،
او عند فقدان شخص ما وتوهانه، حيث تتعاظم هنا مسئولية ودور وفد الهيئة
القومية للكشافة والمرشدات، الذين يقومون باعمال متميزة، تغطي على
بعض جوانب القصور الذي يصاحب الدور المنوط ببعثة الحج العمانية في
خدمة حجاج وسلامتهم، مع عدم اغفال دور الوفد الطبي، حيث تتواجد في
حي الملاوي العيادة الطبية المرفقة ضمن بعثة الحج العمانية، والتي
تمتلئ بالمراجعين الذين يصل متوسط عددهم في اليوم الى الف شخص، معظمهم
ان لم يكن جميعهم يعاني من تبعات سوء المعيشة التي ارتضاها لنفسه،
وامراض لم يسع الى وقاية نفسه منها بالطرق السليمة الصحيحة، ويحصل
المراجع على كّم الادوية التي لن يكون نصيبها سوى الاهمال وعدم الاكتراث،
لتتكرر المأساة ويعاود الحاج زياراته الى العيادة كل حين، رغم ان
العلاج متوفر بيديه، لكنه لا يرتضيه، ويتغاضى عنه بدعوى انه يبدد
ثواب المشقة واجر التعب في سبيل اداء فريضة الحج المقدسة.
ومن حي الملاوي الى مخيم الحجاج العمانيين في منى حيث تظهر المأساة
اكثر واكثر، وتتكرر المعاناة التي تلاحق الحجاج العمانيين كل عام،
فقبل يوم او يومين من التوجه الى مخيم منى ـ حسبما تقتضيه مناسك
الحج وذلك في اليوم الثامن من ذي الحجة ـ يشهد مقر بعثة الحج العمانية
في حي الملاوي تعالي اصوات المقاولين، وارتفاع صيحاتهم المطالبة
باعداد اكبر من الخيام المخصصة، وتبدأ العملية المألوفة سنويا في
الشد والجذب بين المقاولين ومسئولي بعثة الحج العمانية، تصل في نهاية
المطاف الى اعلان استهجان وانزعاج جميع الاطراف من اعمال الطرف الاخر
ومطالبهم غير العادلة.
في مخيم منى يدفع كل حاج ما يقارب 28 ريالا عمانيا نظير اقامته في
المخيم، لكن هذه الاقامة لن تكون من فئة الخمس نجوم او أي نجمة يتيمة،
بل تتكدس اعداد الحجاج على أي مكان في الخيمة المخصصة، لدرجة ان
الخيمة تستوعب اضعاف اضعاف القدرة الاستيعابية المقررة لها، وكمثال
اسوقه يتزاحم حوالي اربعين حاجا في مساحة لا تتعدى 25 مترا مربعا،
وعلى هذا فلا غرابة ان يفترش بعض الحجاج العمانيين ممرات المخيم
وطرقاته كسكن لهم اثناء اقامتهم في منى، وتكتمل الصورة المشينة التي
يكون عليها مخيم الحجاج العمانيين عندما تصطف طوابير طويلة امام
دورات المياه، حيث تتقارب دورات المياه المخصصة للرجال بدورات المياه
المخصصة للنساء.
اضف الى كم المعاناة التي تلحق بالحجاج نظير عدم امتثال البعض للاشتراطات
الصحية والسلامة واتباع الوقاية والحرص على نظافة المكان، فالاغذية
التي يحملها الحجاج معهم الى المخيم تكون مكشوفة، اضافة الى ان بقايا
الاكل التي ترمى امام فتحات الخيم وفي الممرات تعطي الفرصة لتجمع
الحشرات الضارة والناقلة للامراض، وللاشارة فقط فقد تواجدت هذا العام
في خيمة بها ما يقارب من 36 شخصا كان احدهم مزكوما، وفي اليوم التالي
اصيب الجميع بالزكام وعدوى المرض، وكان التبرير الذي ساقه احدهم
انه ذكر من الله سبحانه وتعالى في هذا المكان المبارك.
نعم لا اعتراض على مشيئة الله تعالى، ولكن هل يعني ذلك القاء النفس
وايرادها الى التهلكة، الم يتذكر هؤلاء وهم في هذا المكان المبارك
ان الاسلام دين نظافة وطهارة ويحرص على وقاية افراده وسلامتهم وصحتهم؟،
ألم يتذكروا ان من شروط الايمان واعمدته الطهارة والنظافة والحرص
على اتباع الوقاية من كل ما يهدد صحة الجسد وسلامته؟، وان اماطة
الاذى عن الطريق صدقة ومن شعب الايمان، فكيف بالذي يلقي الاذى في
الطريق وفي نفسه، وهو في مكان مقدس، هل هذا هو الايمان الحق؟؟.
حتى عند يقدم الحجاج على التحلل ـ والتحلل هنا يكتمل بحلق شعر الرأس
او تقصيره ـ، نجد ان الشعر المحلوق يتناثر في كل ارجاء المخيم، وفي
الممرات بين الخيم، يجلس احدهم فيقوم الاخر بحلق شعر رأسه، ثم يأتي
الثاني والثالث وهكذا دواليك، ويذهب الجميع لتهنئة بعضهم البعض باكتمال
التحلل وحلول العيد المبارك، نجد ان ذلك يحدث دون اعطاء اكتراث او
اهمية لبقايا الاوساخ والفضلات او القذورات المتناثرة هنا وهناك..
ولن ترى احدهم يقوم بمهمة نظافة المخيم، فلذلك اناس مخصصون ولا ينبغي
للحاج ـ في العرف السائد ـ ان يلتفت الى هذه الاعمال ويضيع وقته
فيما لا يفيد.. وهنا مربط الفرس الثاني، فالفهم السائد ان اركان
الحج واعمدته تقوم على اتيان المناسك المنصوص عليها، اما نظافة الجسد
والمظهر العام، واتباع ارشادات الوقاية والسلامة فهي ليست من اركان
الحج ولا من شروطه المنصوص عليها، وعلى هذا يمكن للمرء ان يتلمس
هذا الفهم الخاطئ من خلال اكوام المخلفات التي تمتلئ بها طرقات وممرات
مخيم منى.
ان المشكلة التي يعاني منها اغلب الحجاج العمانيين هي قلة الوعي
والادراك بالصورة الصحيحة لاداء المناسك، ويعتبر البعض ان اداء هذه
المناسك على الكيفية المنصوص عليها في كتب الفقه والعبادات هي الاساس
والركيزة الهامة ويغفلون عن امور اخرى، وعلى هذا فلا غرابة ان تكون
السمة التي تلازم والصفة التي تجمعهم بعد عودتهم من الديار المقدسة
هي الانهاك الصوتي والزكام الشديد وما يصاحبه من ارتفاع الحرارة
والالتهابات واعراض اخرى.
ان المطلوب لاتقاء هذه السمة الملازمة للكثير من حجاج بيت الله الحرام
ومعالجة الصورة السلبية التي يفهمها البعض عن شعيرة الحج، ايجاد
شروط وضوابط مشددة في مجال سلامة وصحة الحاج منذ خروجه وحتى عودته
الى دياره، وتقنين الحج المتكرر للعجزة والضعاف والمرضى الذين أدوا
فروضهم واتخذوا الحج تجارة قد لا يتمكنون من اداء مناسكها بحرفية
واقتدار.
خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى

التاريخ يكرر نفسه
مهما تغيرت الامور ، فإنها تظل على حالها.
وتتشابه وتيرة العلاقات الاسرائيلية الفلسطينية والاميركية اليوم
على نحو مزعج مع العلاقة الصهيونية الفلسطينية البريطانية في فترة
العشرينيات.
في ذلك الوقت لم يخف الصهاينة نواياهم للاستفادة من فترة الانتداب
لاعداد العدة لدولتهم المستقبلية. وهكذا استجلبوا الى فلسطين عشرات
الالاف من المستعمرين اليهود واستولوا على اراض عربية وبنوا مستعمرات
وانشأوا بنية تحتية لدولة ناشئة داخل الانتداب.
في الوقت نفسه لم يكن لدى عرب فلسطين استجابة متناغمة للتهديد المتنامي.
يقينا عقدوا المؤتمرات واصدروا قرارات بأن الانتداب لا شرعية له
وان وعد بلفور لا سند شرعيا له. ومع تنامي الضغط الناشئ عن الهجرة
الصهيونية والاستيلاء على الاراضي تظاهر العرب وشاغبوا وجوبهوا بقوة
كاسحة وانهزموا.
من جانبهم ايجاد البريطانيون هذه المشكلة وسمحوا لها بالتطور والاستقواء
ووقفوا حكاما لما اسموه (المطالب المتنازعة). احيانا كانوا يحسون
بوطأة العبء لكن دون ان يعترفوا بأنهم السبب في ذلك. على ان تصرفاتهم
وعجزهم وفر المجال للمغامرة الصهيونية لتنجح.
وما اشبه الليلة بالبارحة هذه الايام. فقد ظلت المغامرة الاستعمارية
الاسرائيلية في الضفة الغربية دون انقطاع منذ اواخر الستينيات. وخلال
حقبة التسعينيات ـ سنوات اوسلو- اتبعت الحكومة الاسرائيلية ، ليكودية
وعمالية ، ما لا يمكن وصفه الا بالاستيلاء الضخم على الارض. وتضاعف
عدد المستعمرين في الاراضي الفلسطينية المحتلة وتكاثرت بشكل هائل
الكتل الاستعمارية على طول الخط الاخضر في اصابع استراتيجية تتوغل
داخل الضفة الغربية وفي قطاع كبير من الارض حول القدس.
ما ينذر بشؤم اكبر انه في الوقت الذي يلتقي فيه المفاوضون يجري بناء
شبكة طرق سريعة اسرائيلية تربط هذه المستعمرات باراضي اسرائيل مما
يكشف النقاب عن خطة استراتيجية للسيطرة على التجمعات اليهودية الاستعمارية.
في تلك الاثناء فقد الفلسطينيون السيطرة على المزيد من الاراضي ورأوا
حلمهم في دولة فلسطينية قابلة للحياة في الضفة وغزة يتبخر.
وبعد ان اصبح الفلسطينيون محاصرين بين مستعمرات عديدة وتقطعهم طرق
امنية تظاهروا وقاوموا ولجأوا في النهاية الى اعمال عنف فظيعة. ورد
الاسرائيليون بمزيد من تعزيز السيطرة على المستعمرات ببناء جدار
وسور عازل استولى على المزيد من الاراضي الفلسطينية وحرم المزيد
من الفلسطينيين من ارزاقهم وامالهم.
كان الرد الرسمي الفلسطيني على كل ذلك اصدار مناشدات بتطبيق العدل
وذهبوا الى الامم المتحدة واصدروا قرارات ولجأوا اخيرا الى محكمة
العدل الدولية املا في صدور حكم.
الولايات المتحدة مثل البريطانيين من قبل اكثر من مجرد وسيط. وكما
فعل البريطانيون في الثلاثينيات القينا اللوم على الفلسطينيين وقمنا
بتحييد القيادة الفلسطينية وغضضنا الطرف عن التحول المادي الحقيقي
الذي يحدث على الارض.
كذلك وضع البريطانيون نموذجا اخر يتكرر اليوم. عندما اندلع العنف
في فلسطين تحت الانتداب عقدوا لجانا تعهدت بالاصلاح ووضعت قيودا
على الجهد الصهيوني. لكن في كل مرة يقابلو فيها بضغوط سياسية في
الداخل كان البريطانيون يتراجعون ويسمحون بالهجرة مجددا واستيلاء
الصهاينة على الاراضي.
من جانبها فعلت الولايات المتحدة الشيء نفسه. وللمرء ان يتذكر فقط
التوصيات التي لم تتم لتقرير ميتشل وخارطة الطريق.
وهكذا حين يلتقي مسئولو الادارة بالزعماء الاسرائيليين في الايام
القادمة سوف يوافقون ، حسبما نما الى علمنا ، على خطة شارون غزة
اولا. واذا استمعنا لما تقوله حكومة شارون فسنرى استمرار انشاء المستعمرات
وتعزيز التجمعات الاستعمارية لتسكين المزيد من الاسرائيليين في اراض
الضفة الغربية المضمومة بفعل الواقع.
خلال معظم فترات القرن الحالي لم يكن خافيا الجهد الصهيوني الاسرائيلي
ومن ثم لا ينبغي ان يندهش احد من اتجاه جهدهم الطويل. فمن البداية
، كان قبولهم لفكرة الوطن القومي لليهود مجرد قناع يخفي اقامة دولة.
ومع استعدادهم للتقسيم في عام 1948 رفضوا قبول وضع حدود لتوسيع تخوم
دولتهم كي تشمل كامل اراضي الانتداب. وبرهنت خطة التسوية في السبعينيات
والتي طرحت في وثيقة عامة (هي خطة دوبلز التي وضعتها المنظمة الصهيونية
الدولية) على نية واضحة لتعزيز قبضتهم على كامل اراضي الضفة الغربية.
بالمثل ، صدرت خطة نتنياهو بالتنسيق مع المحافظين الجدد في اميركا
في شكل وثيقة منشورة وتفصل نوايا حزب الليكود لتشويه السلطة الفلسطينية
وتفكيكها بحيث تتعزز سيطرة اسرائيل على (يهودا والسامرا).
الامر المزعج ، بطبيعة الحال ، هو انه ازاء كل هذا عجزت الولايات
المتحدة التي حيدتها السياسات المحلية عن ممارسة اي ضغط فعال. والقيادة
الفلسطينية وكذلك العالم العربي اليوم ليسوا اقل عجزا من نظرائهم
في الاجيال الماضية عن الرد بشكل فعال او تقديم خطة بناء دولة.
وهكذا ، في الوقت الذي تضع فيه اسرائيل مخططات مؤثرة يرد العرب بشكل
غير مؤثر. وتلك قصة محزنة ما زالت فصولها تدور اليوم.
جيمس زغبي
رئيس المعهد العربي الأميركي
www.aaiusa.org
أعلى

واقع متكرر وكتابة مغايرة!
قرأت باهتمام ردّ الدكتور أحمد بشارة في صفحة
(الرأي) بصحيفة (الشرق الأوسط) على كتاباتي واعتراضه أنها تتمحور
حول الشأن العربي والغرب دون أن أوجّه بعضاً من مهاراتي لتحليل الشأن
السوري الداخلي أو أن أكتب عن الأرض السورية المحتلة والتي تضاهي
الضفة الغربية مساحة! ولا أعلم ما إذا كان الدكتور بشارة قد قرأ
ما أكتبه على صفحات الجريدة أم قرأ العناوين والبداية والختام لأنه
لو قرأ ما أكتبه لما قال (مواضيع متكررة) إلا إذا كان يقصد أن الحديث
دائماً في السياسة يعني التكرار أو تناول الصراع العربي- الإسرائيلي
من أوجه وزوايا وآفاق مختلفة يعني التكرار. ولكن حتى وإن كان قد
قرأ كل ما كتبته من الواضح أن هناك اختلافاً أساسياً بين رؤيتي ورؤيته
لما يجري وبين تحليلي وتحليله.
ففي الوقت الذي يريدني أن أركز على تحليل الشأن السوري أو الكتابة
عن الجولان فإني مقتنعة أن الشأن السوري هو جزء لا يتجزأ من الشأن
العربي وأن ما يجري في فلسطين والعراق وما يجري للسعودية والسودان
واليمن وما تتعرض له هذه الأمة من شرقها إلى غربها هي تفاصيل ضمن
عملية واسعة تستهدف تغيير هوية هذه الأمة وتغيير لغتها وموقفها الحضاري
بين الأمم. وهو محق بأنني لا أعتبر نفسي سورية بقدر ما أعتبر نفسي
عربية فأنا أنتمي إلى ذلك الجيل الذي يؤمن أن العروبة تتضمن الحلول
للجميع وأننا جميعاً في قارب واحد ومن يحاول النجاة بنفسه كمن يتجاهل
ثقباً في القارب ويطمئن نفسه بأن المياه لم تتدفق باتجاهه بعد ولو
كان عاقلاً لأدرك أن النجاة الفردية هي بنجاة القارب وأنه في هذه
الحال لا يوجد خلاص فردي على الإطلاق لأن الجميع مستهدفون والخطط
لا تفرّق بين سوري وسوداني ومغربي إلاّ في الزمن والسيناريو ولذلك
فإن الحلول تتمثل أول ما تتمثل بإدراك ماهية الخطط وأهدافها ومن
ثم إثارة الوعي لوضع آليات العمل الجديرة بمواجهة هذه الخطط وإحباطها
وما تلك الشعارات والتوجهات التي أطلقت لتسمية هذا البلد أولاً أو
الاقتصار على الشأن القطري من أجل الخلاص من امتداد هذا المخطط إلى
عقر الدار سوى وهم كان جزءاً أساسياً من المخطط الذي يستهدفنا جميعاً
لأنّ هذا الوهم يشكل سلاحاً هاماً في تثبيط الهمم وذر الرماد في
العيون لإخفاء معالم الطريق السليم الذي علينا جميعاً أن نسلكه وللتدليل
على ما أقوله سوف أذكر أنني ومنذ بدء الانتفاضة الفلسطينية وأنا
أقول إن الفلسطينيين يقفون في خطّ الدفاع الأول وأنهم مستهدفون كهوية
وحضارة نمثل جميعاً جزءاً منها وأن الإخراج المسرحي لمحاولة إبادتهم
وإعادة توطينهم واغتصاب أرضهم ومياههم وتاريخهم هو إحدى السيناريوهات
التي تمّ اختيارها لأسباب عملية ولذلك لا تعنينا كثيراً تفاصيل الصورة
التي يعملون على الترويج لها بل يعنينا سبر أعماق المخطط ومحاولة
إيجاد الصيغ الكفيلة بالرّد عليه إقليمياً ودولياً، سياسياً وإعلامياً.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تضمن المخطط نقطتين جوهريتين هما
تغييب حقيقة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وربط مقاومة الاحتلال
بالإرهاب واعتبار هذه المقاومة جزءاً من الإرهاب الدولي وبعد أن
انكشفت حقيقة ذريعة أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت للحرب على
العرب لا أعتقد أن خبيراً عاقلاً لا يشكّ بأن احتلال العراق ونهب
تراثه ومتاحفه وآثاره وثروته والمحاولات الجارية لتفتيت هويته وكيانه
هو جزء من ذاك المخطط الأساسي الذي يستهدف تغيير الهوية العربية
والقضاء على أي مظهر أو وجود للقومية العربية. أما اليوم فقد تحرك
المخطط بعد السير قدماً في الحرب وفي بناء جدار الفصل العنصري وبعد
المجازر التي ارتكبها شارون ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع
ليلغي معادلة الصراع العربي - الإسرائيلي من المعادلة وليركز على
(الديمقراطية في الشرق الأوسط) وهو شعار كالشعارات الأميركية المتكررة
مثل (حقوق الإنسان) و(مكافحة الإرهاب) و(دول الشر) الخ، التي تستخدم
كرمز عملياتي لانطلاق سيناريو سياسي إعلامي وربما عسكري لإنجاز هدف
محدد ضمن أهداف السياسة الاستراتيجية الأميركية والتي تعبأ لها الموارد
المالية والتي يقوم الإعلام الأميركي بتعبئة شعبه وشعوب العالم لتنفيذها.
إن المشكلة حسب ما يصورونها للعالم اليوم ليست الاحتلال والاستيطان
وليس ما ترتكبه إسرائيل من جرائم وليس الحرب ضد الشعب العراقي بل
هو غياب (الديمقراطية) عن معظم أنظمة الحكم في البلدان العربية وضرورة
إحلال هذه (الديمقراطية) أولاً. إن إحجام الولايات المتحدة عن استئناف
عملية السلام في الشرق الأوسط هو نتاج الترويج لهذا المخطط الذي
يريد تسليط الضوء على الأمور الداخلية في البلدان العربية ليس من
أجل نشر (الديمقراطية) وتحقيق الازدهار وهاهو العراق مثال على التهرب
الأميركي من إحلال الديمقراطية الانتخابية وإنما من أجل إخراج الاحتلال
الإسرائيلي للأراضي العربية واستحقاقات السلام والأمن في المنطقة
من المعادلة برمتها. وهنا تتساوى دون شك الجولان مع الضفة الغربية
والقدس ومزارع شبعا وتصبح هذه الأجزاء من الأمة أجراء من جسد واحد
والحقيقة أنني لم أرَ هذه الأرض الطيبة إلا أجزاء من جسد واحد، لا
بل أعتقد أن الخلاص الوحيد لكل فرد وكل أسرة وكل قطر عربي يكمن في
هذه الرؤية العربية الشاملة والتي تفرز بالنهاية حلولاً عربية وهي
الحلول الوحيدة الحقيقية.
وكون الأمة في حال تشرذم وانقسام لا يعني على الإطلاق أن الرؤية
والتحليل يجب أن يكونا كذلك وكون البعض قد اعتبروا أن الخلاص القطري
أو الفردي هو الأساس لا يعني أنهم محقون، لا بل إن انتقال هذا المخطط
من قطر إلى قطر وبصيغ وذرائع مختلفة دليل أكيد على أن المواجهة الحقيقية
لهذا المخطط يجب أن تكون من منظور عربي ومن منظور الهوية الواحدة
والقدر الواحد والمستقبل الواحد، كما أن توجيه هذا المخطط من خلال
الإذاعات والقنوات الفضائية والبرامج المدرسية التي تروّج له بلغتنا
العربية بعد أن يسلبوا هذه اللغة أي قدر من الانتماء والهوية لدليلٌ
آخر أن من يستهدفنا لا يعترف بحدود بيننا، تلك الحدود التي رسمها
المستعمر لنا ليفرّق جهودنا فقط ويتجاهلها في أي مخطط استعماري يستهدفنا
جميعاً بينما، ويا للغرابة، نتشبث نحن بها ونلقي باللوم على من يرفض
أن يتأطّر ضمن إطارها المناقض لمصلحة كل واحد فينا والمناقض حتماً
لمصلحة كل قطر وكل فرد في هذه الأمة.
أما المشكلة الأساسية الأخرى والعقبة الكأداء في وجه فعل شيء حقيقي
فهي تتمثل في المنظور الذي عبر عنه د. بشارة أن لفلسطين عشرين جبهة
معنية بتحريرها لأن مثل هذا الطرح يريح من يؤمن به ويدفعه للنوم
قرير العين بعد أن تنصّل من مسؤوليته بينما يذبح أبناء بلده، وفي
هذه الحالة - فلسطين- حيث تهدم منازلهم فوق رؤوسهم كل يوم ويذبح
أطفالهم، ولو حدث هذا لأي شعب في العالم لقامت الدنيا ولم تقعد والسبب
في قدرة إسرائيل على الاستمرار في إجرامها هو شعور البعض بأن الآخرين
مسؤولون بالإضافة طبعاً لتفتت الجهود على عشرين (جبهة معنية)، وأنا
أحاول جاهدة أن أقول لكل مواطن عربي إنه شخصياً مسؤول وأننا جميعاً
مسؤولون عن فلسطين ولبنان وسوريا والمغرب والسودان والعراق والسعودية
وكل بلد عربي.. وما لم نشعر أننا مسؤولون ونتصرف بأننا مسؤولون وما
لم نقتنع أن كلّ ذرة تراب عربية غالية على قلوبنا تماماً كالأرض
التي نقف عليه لن نتمكن من مقاومة هذا المخطط الخطير وإحباطه.
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين ـ سوريا
أعلى

الثابت والمتغير بين بيـروت وتونس
أخذت ملامح مؤتمر القمة العربي القادم تتبلور
بعد شد وجذب، وجدل وخلاف، طال حتى موضوع مكان انعقاده. ويبدو أن
المؤتمر المنتظر سيكون لقاءً قيادياً ساخناً، كالعادة، ولكن (بعد
تحذير الدولة المضيفة، تونس) سيحاول البعض من الزعماء العرب تجنب
الملاسنات والمهاترات على طريق إيجاد حد أدنى من التفاهم أو الاتساق
حيال عدد مهم من القضايا الحساسة والمستجدة، خاصة بعد انهيار النظام
العراقي وتسليمه العراق، وهو الحدث الأسخن الذي ليس له سابقة تاريخية
منذ الاستقلال السياسي الذي حققته الدول العربية في العصر الحديث.
ولا ريب في أن هذا الموضوع سيكون على رأس القائمة المزدحمة بالموضوعات
التي تستحق ملاحظة الزعماء العرب.
وإذا كان موضوع احتلال العراق يشكل منعطفاً ومحكاً من نوع لم يسبق
للعرب أن واجهوا مثله، فإنه بطبيعة الحال، يتطلب قراراً قومياً شجاعاً
لم يسبق لهم أن اتخذوا مثله تناغماً مع هول الحدث وجدته. إن هذا
البلد العربي الكبير في محنة عصيبة تحاصره من كل جانب وتهدد كينونته
كواحد من الدول العربية المحورية التي يرتهن بها النظام العربي المشترك.
وعليه، فأن عدم تحريك هذا النظام العربي نفسه على سبيل الحفاظ على
العراق ووحدته إنما سيضع هذا النظام عامة، والأنظمة العربية منفردة،
على المحك وفي قفص الاتهام بالتخاذل وعدم الارتقاء بالنفس إلى مستوى
المسؤولية التاريخية القومية. إن ما فعلته الدول العربية حيال العراق،
مجتمعة وفرادى، لم يكن بالمستوى المطلوب بكل تأكيد: فزيادة على (تصريحات)
بعض الملوك والرؤساء العرب المجردة إزاء القلق على وحدة تراب العراق
وتعبيراً عن تعاطفهم معه، لم تتمكن الدول العربية، كنظام عربي (مفترض)،
أن تفعل شيئاً عملياً ومادياً يذكر، باستثناء تبادل الزيارات الثنائية
وإطلاق مثل هذه التصريحات (الفقاعية)، وإرسال بعض المعلبات والأدوية،
تبرعاً، كما ترسل مثيلاتها إلى أية دولة أفريقية عندما تتعرض لوباء
أو لزلزال قوي. ولا ريب في أن هذه (إدانة) ضمنية للنظام العربي المشترك
أو المفترض، كما أنها (إهانة) لمؤسسة القمة العربية إذا لم تتمكن
من أن تفعل شيئاً هذه المرة على طريق مساعدة العراق للوقوف على أقدامه
من جديد. ويبدو للمرء بأن أهم ما يمكن للمؤتمر أن يباشره هو توجيه
رسالة إلى الإدارة الأميركية تفيد بأن العراق، برغم وقوعه بين أيديها،
إنما هو قطر يهم الدول العربية كافة بمعايير المصير المشترك؛ وإن
استقلاله غير المنقوص هو المطلب الأكثر أهمية بالنسبة للزعامات العربية
مجتمعة ومنفردة. أما بالنسبة للمساعدات المادية الضرورية لحقنها
في جسد العراق المخذول، فإنها ينبغي أن تنظم وتوزع على نحو عادل
وسريع وبإشراف هيئات أو أجهزة مستقلة موثوق بها، منبثقة من جامعة
الدول العربية أو من مؤسسة القمة ذاتها. وبعكسه فإنها ستذهب أدراج
الرياح بسبب عدم وجود جهة يمكن الارتكان إليها على سبيل التصرف بالمنح
والمساعدات العربية على نحو راشد ورشيد. وعليه، فأن هذا الموضوع
يكون أكثر أهمية من حجم المساعدات نفسها.
ومن المواضيع المهمة الأخرى التي تتطلب موقفاً قيادياً عربياً مسؤولاً
وموحداً واضح المعالم هو موضوع مبادرة سمو ولي العهد السعودي، الأمير
عبد الله، التي طُرحت في قمة بيروت على طريق تحقيق تسوية شاملة للصراع
الفلسطيني الإسرائيلي ومن ثم العربي الإسرائيلي. وإذا كانت المبادرة
قد حظيت بتقدير وتأييد الكثيرين، عرباً وغير عرب، فأنها ينبغي أن
تُطرح من جديد ولكن بضمن المتغيرات السياسية الجديدة التي طرأت ضمن
السقف الزمني بين قمتي بيروت وتونس. وأهم هذه المتغيرات التي تهدد
المشروع / الفكرة هو الجدار العازل الذي تقيمه إسرائيل على حساب
الامتداد الجغرافي والسكاني الطبيعي للأراضي الفلسطينية. ويبدو أن
الملاحظة الملفتة للنظر في هذا السياق تتجسد في تعمّد الحكومة الإسرائيلية
دس العصي في عجلات مسيرة السلام: فكلما أقدم العرب على مبادرة حسنة
النية، واجهتها هذه الحكومة الصهيونية بالعراقيل والتعقيدات المبتكرة
التي تؤول إلى إبقاء حالة الحرب واللاإستقرار داخل فلسطين والأراضي
المحتلة وعبر دول الجوار. ويمكن أن يكون هذا هو جزء من (نظرية البقاء)
الصهيونية القائمة على وجود أو اصطناع عدو دائم يضمن للإسرائيليين
حالة العسكرة والتعبئة إلى ما لا نهاية. وعليه، ينبغي أن يكون الطرح
الثاني أو الجديد للمبادرة واقعاً بضمن هذه المستجدات التي تدعمها
خطة خارطة الطريق الأميركية الداعية إلى إقامة دولتين، فلسطينية
وإسرائيلية، تتعايشان بسلام ووئام.
كما لا ينبغي أن يدرس موضوع المبادرة السعودية بمعزل عن أهم موضوع
يؤرق الغرب والعالم اليوم، وهو موضوع انتشار أسلحة الدمار الشامل
وإمكانيات تسربه إلى أيادي المنظمات الإرهابية أو ما يسمى بـ(الدول
المارقة). فإذا ما كان قد تم تسليم العراق للأجنبي بهذه الذريعة
(الفنية) المبتكرة، فـإن هذه التجربة المريرة ينبغي أن تأخذ مداها
في تلقين العرب دروساً في خطورة وجود أسلحة دمار شامل وتقنيات نووية
في إسرائيل منذ وقت طويل. لقد عمدت الإدارة الأميركية إلى هذه الورقة
الرابحة والخطيرة على سبيل استلاب العراق واستنزاف الدول العربية
والإسلامية الأخرى، بيد أنها دائماً ما كانت تتحاشى جوهر الموضوع:
وهو المصادر التي تسربت منها الأسرار والتقنيات النووية والكتلوية
إلى دول مثل كوريا وإيران وسواهما. لقد كانت الإدارة الأميركية دائمة
الحذر والخشية من الكشف عن هذه المصادر ومن مواجهة أصحاب الشأن الحقيقيين
الذين يمثلون الخطر الداهم، وهم: روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي
السابق وإسرائيل. لقد كانت هذه الدول هي (المجهز) الرئيس للعلماء
وللتقنيات وللأدوات التي ساعدت بعض الدول (المارقة) على تكوين وتطوير
قواعد لصناعة السلاح الكتلوي. ويبدو أن قصة العالم النووي الباكستاني،
عبد القدير خان، هي غيض من فيض مقارنة بسواه من (العلماء) الذين
باعوا معارفهم ومهاراتهم لكل من دفع لهم. ولدي ثمة شك قوي بأن للإسرائيليين
يداً (سرية) طولى في هذا المجال على طريق استغفال واستدراج العديد
من الدول (التي لا تعرف شيئاً) والمتشبثة بأحلام بناء ترسانات تسليحية
خطيرة. لهذا ولغيره من الأسباب ينبغي المطالبة العربية الموحدة والقوية
بنزع أسلحة إسرائيل كشرط مسبق لبناء شرق أوسط تسوده الحريات ويسوده
السلام.
أما موضوع الإرهاب الذي ألصق بالدول العربية على نحو قوي ومتعمد،
فإنه كذلك يتطلب من الزعامات العربية مواجهة جادة تضع النقاط على
الحروف وتقود إلى تنزيه الإسلام والأنظمة والشعوب العربية المسالمة
مما لحق بها وبسمعتها من وصمات ودعاوى الميل لسفك الدماء وللتفجيرات
وللشحنات المتفجرة. ويبدو أن موضوع تسلل مثل هؤلاء الإرهابيين إلى
العراق قد صار جوهر قضية تهديد الكيان العراقي واستقراره ووحدته.
وعليه، ينبغي التركيز الشديد على قضايا ضبط الحدود ومراقبتها من
أجل شل الأنشطة التي يمكن أن تحيق خطراً بالأنظمة العربية نفسها،
حيال إدارة أميركية متوثبة لكيل التهم لأي كان، حتى وأن كان من أصدقاء
أميركا القدماء. وهذا الإجراء يتطلب كذلك الضغط الجماعي المتسق على
الخلايا الإرهابية ومصادر تمويلها وتغذيتها. وهنا يتوجب التفريق
أو التمييز بين ما تستهدفه الإدارة الأميركية، وبين ما هو حقاً من
مصادر الخطر. ومن هذه المواضيع المهمة هو موضوع المناهج الدراسية
والتربوية التي يدعي الأميركان بأنها تغذي الإرهاب وتقوي دافعيته،
ربما جهلاً من هذه الإدارة بها. إن الأنظمة التربوية والمعرفية العربية،
الموحدة والمتشابهة أحياناً، كانت دائماً من مصادر الاستنارة والتوجيه
الصحيح، ليس فقط لأنها كُتبت بأيدي تربويين عرب ومسلمين رواد من
الطراز الإنساني الأول، بل كذلك لأنها خدمت في تخريج أجيال عديدة
من المستنيرين والمثـقفين الذين خدموا ثـقافتنا ومجتمعاتنا دون الانزلاق
نحو العصبية الدينية أو الإرهاب الفكري.
إن قائمة القضايا التي تنتظر الزعماء العرب في تونس هي قائمة طويلة
ومعقدة، قائمة لا يمكن الاكتفاء بمباشرتها بعدد من (التوصيات) والإحالات
إلى لجان متخصصة، نبقى في انتظار نتائج أعمالها لسنوات. إنها قائمة
تدعو القادة العرب إلى الذهاب إلى تونس، ليس كإسقاط فرض، وإنما كعمل
جماعي جاد وخطير للغاية لا يمكن إنهاؤه أو حل عقده بمجرد البقاء
ليلة أو ليلة ونصف.
أ.د. محمد الدعمي
باحث عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
كم من العراقيين الأبرياء...؟
كم من العراقيين المدنيين الأبرياء قتلوا وسيقتلون
ثمنا لإطفاء حقد ولإرضاء الإدارة التي قررت احتلال العراق لحفظ أمنها
وتنفيذ مذاهبها وتحقيق مشاريعها ومخططاتها وتحويل العراق، كما يعلن
جورج بوش الثاني، إلى ساحة صراع بين الخير والشر أو إلى مصد دفاعي
استباقي وقائي لحماية مواطنيها بأميركا وأوروبا ومصالحها الإمبراطورية
على حساب المواطنين المدنيين بالعراق؟.
حسب وقائع الأمر الواقع المؤلمة بالعراق، تتزايد اعداد المدنيين
الأبرياء، الذين يقتلون من قبل قوات الاحتلال الأجنبية، وتمر أخبارهم
مرورا سريعا، دون لفت الانتباه وكأنهم مخلوقات أخرى من عالم آخر
لا تشملهم قوانين حقوق الإنسان ولا قرارات القانون الدولي واتفاقيات
جنيف ولا الضمير الإنساني. وتثار أسئلة كثيرة أخرى حول تنوع تلك
العمليات أسماء وأفعالا، من تسمية الاستئصال إلى القصف والرمي العشوائي
وغيرها!.
وصل الحال إلى حد أن يؤنب هذا الأمر ضمائر أجنبية ويدفعها إلى تذكر
واجباتها بالرغم من كل الأوضاع والضغوط، ولكن مثل كل الأخبار التي
لم يجر لها اهتمام أعلامي كبير مرت مطالبة نائبين بريطانيين للبرلمان
الأوروبي بفتح تحقيق حول العدد المتزايد من المدنيين الذين يقتلهم
جنود أوروبيون استخدموا خطوطا دفاعية أمامية لقوات الاحتلال الأميركي
والبريطاني الرئيسية ومشاريع الاحتلال الصهيو أميركية. كما أكد النائبان،
النائبة الأوروبية جيل ايفانز والنائب في مجلس العموم البريطاني
آدم برايس، ضلوع قوات أوروبية في قتل العراقيين المدنيين. بل وأضاف
النائبان إلى انعكاسات أوسع على السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي،
وأشار برايس من جهة إلى أن الحكومة البريطانية عرضت تعويضات على
ثلاث عائلات عراقية وان هيئة الأركان البريطانية تحقق في مقتل 13
مدنيا لضلوع قوات بريطانية فيه. واعتبر التحقيقات غير موضوعية بتاتا.
كان الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك، قد نشر قصص بعض الجرائم
التي ارتكبتها القوات البريطانية بحق المواطنين العراقيين المدنيين،
وأجرى تحقيقات صحفية مع عائلات الضحايا وكشف وقائع تلك الجرائم.
فتحت عنوان الجنود البريطانيون يركلون سجينا عراقيا حتى الموت..(
الاندبندن اون صنداي 4/1/2004) نشر فيسك تقريرا عن اعتقال ثمانية
شباب عراقيين بالبصرة وتعرضهم للركل والاعتداء عليهم من قبل الجنود
البريطانيين، وموت أحدهم أثناء وجوده قيد الاعتقال، نقلا عما جاء
في التقارير العسكرية والطبية التي نشرت الصحيفة صورا لها. والقتيل
ابن عقيد شرطة عراقي. ولخصت الصحيفة تقريرها بعنوان أخر من إجابة
والد القتيل : قال لي البريطانيون سيطلق سراح ابنك قريبا. وبعد ثلاثة
أيام استلمت جثته.
وأصبحت قراءة بعض ما تورده بعض وكالات الأنباء عن قتل العراقيين
المدنيين شيئا عاديا لا يحرك ضميرا ولا يثير جدلا ولا يغضب من يهتم
بالإنسان وحقوقه الطبيعية. هذا في حالة نشرها أو إبرازها، إذ تحولت
في كثير من الأحيان إلى مسالة تبرير ومقارنات تؤشر إلى حجم التضليل
الإعلامي وغسيل المخ الذي تمكنت منه وسائل الدمار الإعلامي الشامل
الصهيو أميركية حتى من عراقيين لم يكونوا من التابعين لحملات (الأنفال)
الجديدة. فضلا عن محاولات حجب أو تقليل أو إبعاد الضوء عنها واشغال
المتابع أو المهتم بأمور أخرى أو وقائع مؤلمة أيضا، مثل اللجوء إلى
أحداث التاريخ القديم أو الحديث مثلا، وكلها تؤدي بالنهاية أو تصل
حد الخديعة والتهرب من تحمل المسئولية أو تشخيصها والحد من الجرائم
وإعادة إنتاج الضحية دائما وشلالات الدم، والاستمرار في اغتيال روح
الاحتجاج عليها.
هناك عدد من الكتاب الاجانب يتعاطف مع المواطنين العراقيين المدنيين
الأبرياء خصوصا، وينشر عنهم، ومن بينهم كما ذكر سابقا روبرت فيسك
الذي كتب في مقالة له (الاندبندنت 2/1/2004): ... فان العراق سيُحكم
وفقا للخطوط الاثنية والطائفية. لذلك، وباستمرار المقاومة، وباقتراب
موعد الحملة الانتخابية للرئيس بوش، فان الأشهر القادمة ستشهد تلهف
الإدارة الأميركية لتحقيق أمرين في العراق هما تثبيت السـيطرة الأميركية
والخروج بأسرع ما يمكن. ولتحقيق هذين الأمرين فســيتم تجنيد المزيد
من الشرطة، واستخدام المليشيات المسلحة، والاعتماد على المزيد من
الأعضاء السـابقين في الأجهزة الأمنية الصدامية، ليكونوا أكياس رمل
تحول دون وصول المقاومين العراقيين إلى القوات الأميركية، وهذا ما
بدأ يظهر فعليا في ارتفاع أعداد الخسائر بين أفراد الشرطة العراقية.
إن المسرح العراقي ينقسم الآن إلى مقاومين ومتعاونين .. مع ارتفاع
حاد في أعداد الجثث لعراقيين أبرياء: جثث أطفال كانوا يلعبون قرب
عبوات مزروعة على جوانب الطرق، جثث أطفال قتلوا بأسلحة الأمريكان
خلال اقتحام المنازل أو خلال الاحتجاجات، جثث عراقيين أبرياء يحاصرون
بين نيران المقاومة ونيران القوات الأميركية.
وبقدر ما يتطلع الرئيس بوش إلى محاكمة اسـتعراضية لصدام، ليستثمرها
في حملته الانتخابية، هذه المحاكمة التي ستصمم لتبرير الاحتلال الرهيب
للعراق أكثر منها لإقرار العدالة على صدام جراء الجرائم الوحشية
التي اقترفها...
أمام ما تنشره يوميا وسائل الاعلام العالمية عن أعداد الخسائر اليومية
للعراقيين المدنيين يظهر التساؤل عن دور الولايات المتحدة الأميركية
وبريطانيا كسلطات احتلال وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، وعن مسئولية
قواتهما خاصة بالعراق قانونيا عن أمن وحياة سكان المناطق المحتلة
حسب الاتفاقيات الدولية الموقع عليها والمتفق عليها عالميا، ومسئولية
الحكومة البريطانية خصوصا، بحكم توقيعها على إنشاء المحكمة الدولية
لجرائم الحرب، عن ما اقترفته قواتها من جرائم بحق المدنيين العراقيين
ومشاركتها في الحرب ضد العراق على ذرائع لم تستطع إثباتها والتحقق
منها لحد الآن.
ورغم ما ذكر فان المشهد المتعلق بالموضوع يفتقد إلى الإحصائيات والمتابعة
والأرقام والتسجيل وقد يكون الآن من بين مهمات المنظمات الدولية
لحقوق الإنسان ومراقبة الاحتلال والمؤسسات المهتمة بالمجتمع المدني
بالعراق وخارجه الاهتمام بالموضوع ورصده وتوثيقه وتسجيل أسماء القيادات
العسكرية والمدنية التي احتلت العراق وتشارك بالأعمال العسكرية وقتل
العراقيين. إن مهمة التوثيق تنفع في وضع الحقائق أمام البصر دائما
لتكون درسا وحسابا لكل الغزاة وقيادات الحرب وجرائم القتل اليومية
للمدنيين الأبرياء.. بكل الأساليب والأشكال والأسلحة وغيرها.
كما تعتبر البيانات العسكرية لقوات الاحتلال وثائق رسمية لمحاكمتها
عن أرقام القتلى العراقيين المدنيين وكذلك أسماء العمليات المرعبة
وقصف البيوت وحصار الأحياء وحرق المزارع وترويع العوائل باستخدام
أساليب وحشية تؤدي إلى الموت أو الإعاقة الدائمة فضلا عن السجن والاعتقال
العشوائي وغيرها من الممارسات غير الإنسانية المشابهة لما تقوم به
قوات الاحتلال الصهيوني بفلسطين المحتلة، وهي شواهد تضاف إلى جرائم
قتل العراقيين المدنيين الأبرياء.
إن عدم توازن القوى وغياب العدالة والقانون واستفراد قوات الاحتلال
وتصرفها بحياة شعب كامل بهذه الطرق الإرهابية، يتوجب المواجهة بكل
الأساليب والمجابهة المشروعة ولا يمكن الصمت على مثل هذه الأساليب
والاحتلال أساسا. وهنا يصبح السؤال صارخا: كم من العراقيين....؟.
كاظم الموسوي
kalmousawi@hotmail.com
أعلى
البنتاغون ومحاولات نفض اليد من فوضى العراق
عام واحد يمكن ان يحدث فرقا ، واذا كنتم لا
تصدقون فاسألوا بول وولفريتز نائب وزير الدفاع الاميركي.
قبل عام وفي شهادته امام الكونغرس تكهن وولفريتز بأن تأمين العراق
بعد الحرب سيكون مهمة اسهل مما واجهته الولايات المتحدة وحلفاؤها
في البوسنة او افغانستان. في النهاية ، لا توجد توترات عرقية في
العراق على حد قوله.
هذا ما ادهش كلا من له معرفة عابرة بالعراق وتوتراته وقمعه وحمامات
الدم والثارات بين الاكراد والتركمان في الشمال والسنة في الوسط
والشيعة في الجنوب.
لقد زار وولفريتز العراق مطلع الشهر الجاري وعقد اجتماعا في كركوك
وسمع كثيرا عن موضوع التوتر والخوف بين المجموعات العرقية في العراق.
فالسنة يشتكون من انتهاك حقوقهم وسوء معاملتهم على ايدي الاكراد
والشيعة اوضحوا ان الشيء الوحيد الذي يرضيهم هو انتخابات حرة مفتوحة
سيفوزون بها طبعا. وعراقيون اخرون اشتكوا من ان الميليشيات المحلية
التي لا تدين بولاء للحكومة المركزية ترهب وتهدد الناس.
وكتب مسئولو وكالة الاستخبارات المركزية في بغداد تقارير عن مخاوفهم
من ان العراق على طريق منزلق نحو الحرب الاهلية.
وبحلول الربيع ستخفض وزارة الدفاع عدد القوات الاميركية في العراق
من اكثر من 130 الف جندي الى 105 الآف عند نهاية نوبة القوات الحالية.
فكم من الجنود ومشاة البحرية سيقعون في وابل نيران حرب اهلية بينما
في الوقت نفسه يركض رامسفيلد وكبار معاونيه بحثا عن ساتر.
في احد اللقاءات عالية المستوى مؤخرا نظر رامسفيلد الى كولن باول
وزير الخارجية قائلا: الا يعمل بول بريمر في العراق من اجلك؟
نظر باول مشدوها كما لو انه صعق. فإن بريمر وكل مسئول اميركي اخر
في العراق يقدم تقاريره مباشرة الى رامسفيلد والبنتاغون. وطالب رامسفيلد
وحصل على سلطة كاملة على الجيش والسلطة المدنية المسئولة عن اعمار
العراق وعلى ميزانية الادارة المخصصة للعراق والمقدرة بـ87 مليار
دولار وعلى كل عقد يجري تأجيره. وفجأة نسي ان بريمر يعمل من اجله؟
في نفس الاسبوع ، استدعي وولفريتز وريتشارد ارميتاج نائب وزير الخارجية
الى جلسة مغلقة للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ لمناقشة عمل نظام
العقود الاميركية في العراق.
في رده على سؤال صعب عن الخلافات المحيطة بجهود العقود الاميركية
في العراق اتجه وولفريتز الى ارميتاج قائلا: ايمكنك الرد على السؤال؟
اجاب ارميتاج بالاشارة الى ان وزارة الدفاع ومكتب وزير الدفاع يسيطرون
على كل عقد اميركي في العراق وان وزارة الخارجية لا تملك سلطة على
هذه العقود.
مسئول رفيع المستوى بالادارة الاميركية قال ان العراق بات بيئة ملوثة
وان رامسفيلد ومعاونيه يريدون الخروج منه ولا يستطعيون الانتظار
حتى الاول من يوليو عندما تتحول سلطة التحالف المؤقتة التي يرأسها
بريمر الى سفارة اميركية وتصبح الفوضى التي صنعوها مسئولية كولن
باول.
السؤال الوحيد هو هل يستطيع رامسفيلد وزمرته ابقاء الغطاء على كل
القدور التي تغلي الى ان يلقوا بسلطة التحالف المؤقتة وعملية الاعمار
برمتها بين ايدي وزارة الخارجية؟
وما التحقيقات والمراجعات في فضيحة عقود هاليبرتون وفروعها وعلاقتها
غير المريحة بنائب الرئيس ديك تشيني ، الرئيس السابق لهاليبرتون
، الا قمة جبل الجليد.
التحرك الحقيقي حسب قول مصادر اميركية عليمة هو في العقود المحلية
التي يتم تأجيرها تحت سلطة مجلس الحكم العراقي. فالمسئولون الاميركيون
يقولون ان بعض اعضاء المجلس يطلبون رشاوى من بعض العقود املا في
استثمار تلك الاموال المحصول عليها بطريق غير مشروع في شراء او ثني
مجموعة من المجالس المحلية والاقليمية التي ستساعد في اختيار حكومة
جديدة وتعزز امالهم البعيدة في السيطرة على السلطة.
جوزيف غالاوي
مراسل حربي لصحف نايت ريدر ومؤلف كتاب (كنا جنودا ذات يوم..وشبابا)
خدمة كي ار تي ـ خاص بـ(الوطن).
أعلى