الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 



فتاوى وأحكام

س : سئل أبو عبيده - رحمة الله - عمن طاف للحج أو العمرة فشك هل طاف أربعة أشواط أو خمسة أو ستة أو سبعة فإنه يبني على الأقل ويكمل الطواف ويصلي ركعتين ويعيد الطواف ولا يجزئه ذلك حتى يتيقن أنه طاف سبعة أشواط وليس كالصلاة إذا دخله الوهم هل صلى ثلاث ركعات أو أربعاً أنه يبني على الأقل ويزيد الركعة ويسجد للسهو . فإذا كان كذلك فما الحكمة من ذلك وما الفرق بين الصلاة والطواف في الشك ؟
ج : قيل لا فرق بينهما بل يبنى على الأقل في كليهما وهو الأظهر وقيل بالتفرقة التي ذكرها أبو عبيدة - رحمه الله - وهي مبنية على الاحتياط ولم أجد دليلاً يدل عليها والله أعلم .
س : هل للحاج والمعتمر أن يطوف بالبيت وبه حذاء ؟
ج : إن كان الحذاء طاهراً فلا حرج والله أعلم .
س : ما قولكم في صحة عمرة من طاف بطهارة وسعى بدون طهارة ؟
ج : لا تشترط الطهارة في السعي وإنما تشترط في الطواف وعليه فعمرته صحيحة والله أعلم .
س : ما قولكم في الحاج أو المعتمر إذا طافا بالبيت وسعيا هل لهما الارتياح خلالهما لكبر السن أو مرض ؟
ج : ليس عليه في ذلك حرج وإن طال الفاصل بين الطواف والسعي والله أعلم .
س : ما قولكم في الطواف بالطابق الثاني ؟
ج : لا يطٌاف في الطابق الثاني إلا مع تعذره في الطابق الأرضي والله أعلم .
س : هل يجوز تأخير ركعتي الطواف إذا كان ذلك الوقت لا تجوز فيه الصلاة ؟
ج : لا مانع من تأخير ركعتي الطواف بل هو الواجب إن لم يكن الوقت تباح فيه الصلاة والله أعلم .
س : ما حكم الإسلام فيمن ترك السعي أثناء تأدية الحج ؟
ج : اختلف في حكم السعي قيل هو فرض وقيل سنة واجبة وقيل نفل وعلى الأول فمن تركه فسد حجه وعلى الثاني فعليه دم وهو رأي أكثر علماء المذهب وعلى الثالث لا شيء والله أعلم .
س : هل يجوز السعي بين الصفا والمروة بدون وضوء ؟
ج : نعم يجوز ذلك لعدم اشتراط الوضوء في السعي والله أعلم .
س : من طاف ثلاثة أشواط ولم يستطع إكمال الأشواط السبعة من طواف الوداع بسبب الزحام ماذا عليه ؟
ج : عليه أن يتم ما بقي ويبني على ما تقدم إن لم يفسد وضوءه فإن فسد أعاد الطواف والله أعلم .
س : ما رأيكم فيمن طاف أربعة أشواط من طواف الوداع ثم خرج خارج المسجد ليستريح ثم عاد ليتم الأشواط الباقية ولم يستطع لشدة الزحام في صحن الطواف وطاف في المسجد فهل عليه شيء ؟.
ج : لا حرج عليه كما تقدم والله أعلم .
س : ما معنى الرمل ؟ وهل يجب على الحاج أن يرمل وكيف ؟
ج : الرمل هو المشي بقوة وإسراع وهو من السنن الثابتة في السعي بين العلمين الأخضرين وثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأولى وأختلف في بقاء حكمه فقيل به وقيل بعدمه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليرى المشركين القوة والنشاط والله أعلم .
س : ما هي الأوقات التي لا تصح فيها الصلاة إطلاقاً حتى سنة الطواف؟
ج : هي الطلوع والغروب والاستواء في الحر الشديد والله أعلم .
س : قيل عند الإحرام بالحج أو العمرة وأثناء الطواف يكشف المحرم عن كتفه الأيمن وبعد الطواف يغط كتفه وقيل بل يظل الكتف مكشوفاً ؟ فبحثت في جوهر النظام فلم أجد هذا التفصيل فما رأي فضيلتكم ؟
ج : الاضطباع المسنون هو في الثلاثة الأشواط الأولى لا في الأشواط الأخرى والله أعلم .
س : إذا طاف طائف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة وزاد شوطاً أو شوطين خطأ لا عمداً هل في ذلك بأس ؟
ج : إن كانت الزيادة خطأ فلا حرج عليه وإنما استحسنت الإعادة احتياطاً والله أعلم .
س : وقع في يد زميلي كتيب أثار فيه مؤلفه شبهات حول الحجر الأسود وردت أحاديث تحث على استلامه زاعماً أن هذه الأحاديث تنافي دعوة الإسلام للتوحيد ونبذ الأوثان فما رأيكم في هذا الموضوع ؟
ج : تقبيل الحجر الأسود واستلامه أمران ثابتان بالسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم نعرف الإسلام إلا عن طريقه ولذلك فرض الله تعالى علينا اتباعه وجعله من مقتضيات الإيمان حيث قال سبحانه { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبيناً } وقال { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً } وقد انعقد إجماع الأمة على مشروعية تقبيل الحجر ولمسه وعليه فدعواه أن ذلك ينافي دعوة الإسلام لنبذ الأوثان - ضلالٌ وكفر فشتان بين من يأتي ذلك بطاعة لله ورسوله معتقداً أن الحجر لا ينفع ولا يضر وبين من يقدس الأوثان التي نهى الله عن الاقتراب منها والفارق بين الوثنية والإسلام أن المسلم لا يفعل شيئاً إلا بقصد الطاعة لله انطلاقا من أوامره فطوافنا بالكعبة المشرفة وصلاتنا إليها إنما هما عبادة لله لا لها فالله هو الآمر بذلك وأما الوثني فيأتي ما يأتيه من غير شرع من الله ولا لقصد عبادته بل لعبادة الوثن الذي يعتقد المشرك أنه بإمكانه أن يضره أو أن ينفعه أو أن يقربه إلى الله والله أعلم .
س : هل يجب على من أراد الطواف بالبيت العتيق خلع نعليه وأن يطوف حافياً ويمنع من حملها في يده أو تحت إبطه في حال الطواف ؟
ج : لا يلزم الطائف بالبيت أن يخلع نعليه ولا يمنع من حملهما في يده أو تحت إبطه والله أعلم .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيح احمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة


أعلى





الإعجاز الخبري
ـ القرآن الكريم حافل بالأخبار الغيبية
ـ خبر المستقبل في القرآن كثير جدا
ـ أنجز الله سبحانه وعده لعباده في الكتاب العزيز بالنصر

إن القرآن الكريم حافل بالأخبار الغيبية، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: خبر عما مضى، وخبر عن حاضر، وخبر عن مستقبل، أما خبر عن الماضي فهو الإخبار عن النبيين وما كان يلقاه المرسلون من عنت قومهم، والأمم الماضية وأحداثها المتنوعة مع أن هذه الأخبار لم تكن معروفة في المحيط الأمي الذي نشأ وعاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه أفضل الصلاة والسلام لم يكن على اتصال بأهل الكتاب اتصالا يمكنه من معرفة ما في الكتاب من أخبار الأمم وتواريخها وأحداث النبيين مع قومهم، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتلو قبل القرآن من كتاب ولا يخطه بيمينه، وقومه كانوا بعيدى العهد بالنبوات وأخبارها، وأهل الكتاب المنبثون في جزيرة العرب كانوا أشبه بالأميين في الوصف، إذ جلهم كانوا معدودين في عوام أهل الكتاب، وقليل منهم كان يعنى بقراءة الكتاب كما أوضح ذلك ابن خلدون في (العبر)، ومع هذا كله فقد جاء القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار النبيين والأمم التي لا مجال لتكذيبها، ولا مكان لتقيدها لوضوحها وضوح الشمس في رابعة النهار، فضلا عما جاء فيه من بيان كثير مما يخفيه أهل الكتاب وتفنيد كثير من مزاعمهم وضلالاتهم وتبيين أحوال أحبارهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، وفي القرآن نفسه ما يدل دلالة قاطعة على أن هذه الأخبار لم تكن معلومة في المحيط الذي نشأ فيه عليه أفضل الصلاة والسلام، ففي سورة آل عمران نجد بعد قصة مريم ما يثبت أنها من الغيبيات التي لم تكن معلومة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (آل عمران /44) وفي سورة هود عليه السلام بعد ذكر قصة نوح يأتى قول الله سبحانه (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (49/ سورة هود)
مع العلم أن سورة هود من السور المكية، فلو كانت هذه الأنباء أو بعضها مما تعلمه قريش لبادرت إ لى تكذيب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ورد ما جاء به بإثبات أنها على علم بهذه الأخبار أو ببعضها، وفي سورة يوسف ما يؤكد أن قصة يوسف عليه السلام مع إخوته لم تكن معلومة لدى قريش، وذلك قول الحق تعالى (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) (سورة يوسف/102) ونحو ذلك ما جاء في سورة القصص بعد ذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون لعنه الله ومع بنى إسرائيل، فهل يبقى مع ذلك شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم موحى إليه بهذه الأخبار لما أدخله أحبارهم ورهبانهم من التحريف والتبديل في الكتاب.
وقد حاول المشركون أن يجدوا ما يتشبثون به في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم زاعمين تارة أن النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام يهذى بهذه الأخبار التي في القرآن من قبل نفسه، وتارة أنه يستند إلى من يلقنه إياها، والله تعالى يرد عليهم هذه الدعوى بقوله (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل/16) فأنى للأعجمي أن يستطيع صياغة هذه القصص والأخبار والمواعظ والأمثال إلى ما وراء ذلك مما في القرآن هذا الصوغ العجيب الذي تلاشت بين يديه بلاغة بلغاء العرب، مع أن الرجل الأعجمي الذي زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستمد منه القرآن لم يكن يعرف من اللغة العربية إلا ما يدور من حديث المجاملات فحسب، وقد اختلف المفسرون في اسمه ووصفه، منهم من قال اسمه (يعيش)، ومنهم من قال اسمه (جبر) ومنهم من قال اسمه (بالعام) وقيل كان أعجميا بياعا بمكة وقيل كان قينا روميا وهذا الاختلاف لا يضير الاتفاق أنه لم يكن يحسن العربية كما يدل على ذلك القرآن نفسه، وإذا كان أولئك المكذبون يتشبثون بهذه الدعوى الواهية في تلك العصور فإن ملاحدة اليوم يعيدونها في صورة أخرى، فنجد في مقررات الروس الشيوعيين زعما بأن مسيلمة الكذاب - لعنه الله - كان من أساتذة الرسول(عليه السلام) وأن كثيرا من سور القرآن من وضع مسيلمة، وإنما استأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر دونه وزعموا أن القرآن الكريم تضافرت عليه جهود كثير من الناس لفوا بالكرة الأرضية وأحاطوا بما فيها من العجائب واستظهروا ما أمكنهم من الأخبار وكانت حصيلة ما جمعوه هي مصدر ما في هذا القرآن من عجائب يتعذر على الفرد أن يحيط بها وهذا كله إنما هو ناجم عن مكابرة الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وإلا فكيف يمكن لأبناء جزيرة العرب - في الوقت الذي تتعذر فيه وسائل النقل التي تمكن من الدوران بالكرة الأرضية - أن يحيطوا علما بأخبار الأرض وعجائبها مع أنهم قليلا ما كانوا يخرجون من جزيرتهم ولم يكونوا على علم بما يدور في العالم من حولهم.
وأحفظ أنني قرأت لمستشرق نصراني دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن على علم بأخبار النبيين كإبراهيم وموسى وعيسى قبل هجرته إلى المدينة المنورة وإنما بدأ يقتبس بعد الهجرة أخبارهم من أهل الكتاب في المدينة وقد فات هذا المستشرق أن أكثر سور القرآن خبرا عن النبيين هي السور المكية لا المدنية كسورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم والإسراء والأنبياء والقصص وغيرها.
وأما خبر الحاضر فهو الإخبار عن الشئون المعاصرة للرسول صلى الله عليه وسلم مما لا يمكن لبشر أن يجزم فيه بشئ كقوله تعالى: (غُلِبَتْ الرُّوم فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم/2، 3) فقد كان نزول هذه الآيات في حال ما اشتد الصدام بين الإمبراطوريتين الكبيرتين آنذاك: الإمبراطورية الرومانية التي كان على رأسها قيصر، واندحرت جموع بني الأصفر أمام الزحف الساساني وسر العرب المشركون لكون الروم يشاركون المسلمين في الوثنية بينما الفرس كانوا مجوسا يجامعون مشركي العرب في الإيمان بكتاب بعقيدة سماوية وساء المسلمين هذا الانتصار الوثني على قوم من أهل الكتاب فأنزل الله تعالى هذه الآيات تحمل بشرى إلى المؤمنين بأن المنتصرين لا يلبثون أن يندحروا وأن الروم المغلوبين سوف يظهرون على عدوهم في بضع سنين ولم يكن ذلك يدور بخلد أحد من الناس فمن الذي يستطيع أن يجزم بأن المغلوب سيصبح غالبا وأن الغالب سينقلب مغلوبا؟ وقد كانت ثقة المؤمنين بالوحي ثقة لا تعادلها ثقة وهذا الذي دفع أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) إلى مراهنة المشركين على ما وعد الله به وذلك قبل حرمة الرهان في الإسلام فقد راهنهم على أربع قلائص لمدة سبع سنين فمضت السبع ولم ينتصر الروم على الفرس فشق ذلك على المسلمين فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزايدهم في الرهان وأن يستزيدهم سنتين فلم تمض السنتان حتى جاءت الأخبار بانتصار الروم على مجوس فارس وثبت ما وعد الله به المؤمنين من هذا الانتصار الذي يفرحون به فلو أن هذا الوعد كان ناتجا عن تفكير إنسان يعتمد على مقاييس الناس في تجاربهم لكان ذلك معدودا من الأوهام التي لا يعتمد عليها عاقل، فإن الحرب وإن كانت سجالا ينتصر فيها المغلوب ويهزم فيها الغالب فقد يكون الانتصار في بعض المواقف لعدو على عدوه مفتاحا لنصر طويل حتى يتمكن الغالب من القضاء على المغلوب وقد حدث ذلك كثيرا في تاريخ الحروب القديمة والحديثة فلا يمكن الجزم بظهور المغلوب على الغالب، وخصوصا مع تحديد الزمن ببضع سنين إلا بوحي ممن يعلم السر وأخفى، وتصديق الواقع للخبر في الزمن المحدد دليل جازم على أن هذا القرآن جاء بالخبر هو من عند الله تعالى فإن ذلك من معالم إعجازه البارزة.
أما خبر المستقبل فهو في القرآن كثير جدا ونكتفي بالإشارة إلى بعض المواضع راجين من الله سبحانه أن يمن علينا بالتوفيق للإطالة في شرح هذا الإعجاز عندما نصل إلى هذه المواضع في التفسير فمن ذلك ما في سورة الفتح من بشائر متعددة وأخبار متنوعة وكان نزول السورة على الرسول صلى الله عليه وسلم في جو عابس مكفهر بعد ما كان المسلمون يكاد يستحكم في نفوسهم اليأس ويستولي على قلوبهم الشعور بالهزيمة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُريَ في منامه أنه داخل مع أصحابه المسجد الحرام وهو محلقون رءوسهم ومقصرون بعد تأدية الشعائر - ورؤيا النبيين حق - لأن الشيطان لا يتمثل لهم، فاستنفر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين ليذهبوا معه محرمين إلى البيت العتيق الذي تحدوهم إليه لواعج الشوق بعد طول عهدهم به لحيلولة المشركين بينهم وبينه وكان ذلك في العام السادس الهجري فاستبشر مرضى القلوب من أهل المدينة بهذه المبادرة من المسلمين التي كانوا يتصورونها مغامرة جنونية ستؤدي بهم إلى الفناء، وكانت ألسنتهم تجري بما تفيض به قلوبهم المريضة من ظنون، فتردد أن قريشا قد غزت النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - في عقر داره ورزأته في كثير من أصحابه فكيف وهو يذهب بأصحابه إلى دارهم فهل ترضى الأنفة القريشية والحمية العربية التي تتأجج نارها في صدورهم أن يمر بهم خصومهم ويطأوا ترابهم من غير أن يبيدوهم عن بكرة أبيهم؟ هذه الخواطر كانت تعتمل في نفوس المنافقين في المدينة ويتحدثون بها فيما بينهم هذا ولم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يستنشقون عبير البيت الحرام ويشمون العرف الذكي من التربة الحرمية المقدسة حتى وقف بين أيديهم المشركون سدا منيعا يحولون بينهم وبين ما يطمحون إليه، وبركت ناقته صلى الله عليه وسلم مكانها بالحديبية ولم تتقدم خطوة إلى الأمام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها حبسها حابس الفيل ووافق (عليه أفضل الصلاة والسلام) على أي خطة تسألها منه قريش فتمت بينه وبينهم المعاهدة المعروفة بصلح الحديبية وكان ظاهر هذا الصلح استعلاء المشركين على المسلمين إذ كان من بنوده، أن كان هارب من جانب المسلمين إلى المشركين فللمشركين أن يلجئوه وإن كانت هذه مصيبة نزلت كالصاعقة على رؤوس المسلمين وقد كبر عليهم الأمر حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم ثلاث مرات أن ينحروا هديهم ويحلوا إحرامهم بالحلق أو التقصير فتلكأوا في امتثال أمره مع ما عرفوا به من المبادرة إلى طاعته صلى الله عليه وسلم فدخل مهموما على زوجه (أم سلمة) فأشارت إليه أن يخرج ولا يكلم أحدا وينحر هديه ويدعو بحالقه فيحلق له، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أشارت به عليه، فتبادر أصحابه إلى بدنهم ينحرونها ثم أحلوا إحرامهم بالحلق والتقصير وكاد بعضهم يقتل بعضا من الغم، وفي هذا الجو العابس نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل بشائر المستقبل الباسم وحسبك بفاتحتها (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) (الفتح/1، 2، 3).
وكان الصحابة رضي الله عنهم في منتهى التشاؤم فجاء أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له:أو فتح هو يا رسول الله؟ فقال له(أي وربي فتح وأي فتح) ولقد صدق الله وعد به رسوله (عليه أفضل الصلاة والسلام) إذ لم يمض شهران من صلح الحديبية حتى فتح الله عليه خيبر وغنم المسلمون غنائم كثيرة وقضوا على الخطر اليهودي الذي يهددهم في قلب جزيرة العرب وأخذ الناس يدخلون في دين الله فوجا بعد فوج، ولم يمض عامان من تاريخ هذا الصلح حتى دخل في الإسلام أضعاف عدد المسلمين من قبل ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في عمرة الحديبية بألف وأربعمائة ودخل صلى الله عليه وسلم مكة بعد سنتين ومعه عشرة آلاف مقاتل.
وقد أخذت الدعوة الإسلامية بعد هذا الصلح تتدفق في أنحاء الجزيرة كالسيل الآتي وقد تخطت حدود الجزيرة حتى قرعت مسامع كسرى وقيصر عندما أوفد النبي صلى الله عليه وسلم وفوده حاملين كتبه إلى كثير من ملوك الأرض من بينهم الإمبراطوران الكبيران كسرى وقيصر وقد أقلقت هذه الدعوة قلب قيصر حتى شعر بعرشه يتزلزل من تحته، وبالأرض تميد به وبسلطانه وقال قولته المشهورة أمام أبي سفيان بعد أن سأله عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال دعوته : (لإن كنت صادقا فيما تقول ليمكن موضع قدمي هاتين ولو كنت أعلم أنني أخلص إليه لتجشمت إليه حتى أغسل عن قدميه) أما جزيرة العرب فقد ملأت سمعها هذه الدعوة وبلغت أقصى مكان منها وهو عُمان لبعدها عن مكة المكرمة، وقد أسلم أهلها عن بكرة أبيهم عندما وصلهم عمرو بن العاص رسول النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا كله هو الفتح الذي وعد الله به رسوله الأمين وقد أنجزه الله له في أقل من سنتين من نزول السورة وفي نفس هذه السورة كثير من الأخبار عن المغيبات منها ما أخبره الله به عما سيقوله المخلفون في قوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (الفتح/11) ، وهؤلاء هم أسلم وغفار وغيرهم من الأعراب حول المدينة وكانوا قد تلكأوا في الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لما يتوقعونه من عدم انفلاتهم من قبضة قريش إذا وطئوا تراب مكة وقد أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يدور في أدمغتهم من ظنون في قوله كما أخبره - سبحانه - عما سيطمع فيه المخلفون من اللحاق بالمؤمنين لإحراز المغانم التي تفيئ إليهم بعد ذلك وما يجب أن يجابوا به حيث قال (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا) (الفتح/15) وهذه المغيبات التي لا يدركها إلا الله (سبحانه) وفي نفس السورة إنذار المخلفين بأنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد يقاتلونهم أو يسلمون وذلك مما وقع في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - في حروب الردة مع بني حنيفة وغيرهم، وفي سائر الحروب التي تلاحقت بعد ذلك حتى ظهر دين الله في الأرض ومن ضمن ما في السورة من المغيبات هذه البشارة التي يحملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى المؤمنين قول الحق تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح/27) ،ولم يمض عام واحد حتى أقر الله عيون المؤمنين بدخولهم المسجد الحرام محرمين بعمرة القضية وهم آمنون مطمئنون محلقون رؤوسهم ومقصرون بعدما أحلوا الإحرام وقد اشترك في هذه العمرة جميع المؤمنين الذي صدوا عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية وفي السورة نفسها وعد من الله للمؤمنين بغنائم متتابعة وقد تحقق ذلك وكانت غنائم خيبر في مقدمتها كما وعد الله فيها رسوله صلى الله عليه وسلم بظهور دينه على كل دين في قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (الفتح/28) وقد أنجز الله هذا الوعد فعلت كلمة الله في الأرض وأشرق نور دينه الحق فمزق ظلمات الأديان الباطلة وبجانب هذه الأخبار الغيبية في السورة وعود وبشائر أخرى في سائر القرآن، منها ما في قول الحق تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) (النور/55) والآية نزلت بشارة للمؤمنين في ظرف حرج ووقت عصيب إذ كانت جزيرة العرب ترميهم بأفلاذ كبدها والدولة الإسلامية وليدة مهددة بالقضاء عليها في مهدها ولكن هذا الوعد وأمثاله مما كان ينزل به القرآن ينزل في قلوب المؤمنين السكينة ويبعث فيها الطمأنينة ويستثير العزائم ويوقظ الهمم وكما أن المسلمين كانوا بمكة المكرمة مهددين من قبل رؤوس الكفر في نفوسهم ظلوا كذلك في المدينة المنورة مهددين في دولتهم الفتية ونظامهم الناشئ وكانوا لا يكادون يضعون أسلحتهم خشية أن تستباح بيضتهم، وتداس كرامتهم لا سيما والعرب تتناوشهم وقريش تؤلب عليهم، ويذكر أنه في هذا الظرف القاسي جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله متى يأمنون فيضعون أسلحتهم؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيعيش حتى يرى الملأ الكثير من الناس ليست بينهم حديدة، ونزلت الآية تصديقا لما بشر به النبي عليه افضل الصلاة والسلام والآية مسبوقة بآيات مبشرات نزلت بمكة المكرمة، منها قول الحق سبحانه (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) (غافر/ 51) والمؤمنون لثقتهم بوعد الله كانوا لا يخفون هذه البشائر عن أعدائهم المشركين، وقد اتخذ منها المشركون مادة للسخرية والاستخفاف والهزء بالمؤمنين، فإذا رأوهم مقبلين قالوا: جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدا ملك كسرى وقيصر، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر بهذا الوعد حتى في أحرج المواقف التي تضيق منها الصدور، ويضطرب فيها البال، فعندما خرج صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة ومعه الصديق (رضي الله عنه) وكان المشركون يكادون يأخذون عليهما جميع المسالك بالرصد والتتبع، إذ كانوا يعدون من يأتيهم به حيا أو ميتا بمائة قلوص، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظات الحاسمة ينظر إلى وعد الله القاطع بالنصر والتمكين وظهور هذا الدين على كل دين، حتى كأنه من ثقته بهذا الوعد ينظر إلى الموعود به أمام ناظريه، وعندما لحق به سراقه وصده الله تعالى عنه وطلب منه كتاب الأمان قال النبي صلى الله عليه وسلم (كيف بك إذا لبست سوار كسرى؟) إن كل لبيب ليدرك بأدنى تأمل أن هذا المنطق ليس منطقا بشريا عاديا وإنما هو منطق النبوة الخالدة والرسالة الصادقة، فالبشر العادي في مثل هذه الساعات الحرجة تضيق به الأرض بما رحبت، وتتبخر آماله، وتتصدع عزائمه، وتتلاشى هممه، كيف وهو (عليه أفضل الصلاة والسلام) تلفظه أرضه التي هي مسقط رأسه ومنبت آبائه، ومسرح خيالاته، ويخرج منها مع أحد أصحابه يقطعان رحلة الصحراء تزيد عن أربعمائة وخمسين كيلومترا، ويكاد يكون على كل تلعة أو هضبة رصد من المشركين، فضلا عن الأفواج التي خرجت من ورائهما آملة اللحاق بهما، لتشفي قريش غيظها منهما، فكيف يداعب خياله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة آمل أن تفتح لأصحابه ممالك كسرى، حتى يلبس رجل عادي لا يزال في ذلك الوقت على ملة الجاهلية سواري كسرى ؟ وإنما ذلك تعبير منه صلى الله عليه وسلم عن وعد الله الذي لا تبديل لكلماته ولا اختلاف لميعاده.
ولقد أنجز الله تعالى هذا الوعد، فانطلق المسلمون في أرجاء الأرض حاملين معهم لواء دعوة الحق، وأطاحوا بالإمبراطورية الأولى في العالم آنذاك، كما قضوا على السلطة القيصرية في أكثر مستعمراتها، وكادوا يأتون عليها في كل مكان، وأذاقوا الشعوب المقهورة المحرومة التي كانت تئن تحت مطاة الظلمة وسياط العسف والجور نعمة العدل والحرية والكرامة، وعندما جئ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بخزائن كسرى وتاجه وسواريه دعا بسراقة وألبسه السوارين وتحقيقا لما وعد به الرسول (عليه أفضل الصلاة والسلام)، فمن الذي يصدق أن هذه الشراذم القليلة سوف تواجه في آن واحد أكبر دولتين في ذلك الوقت ـ مثلهما كمثل روسيا وأميركا في عالم اليوم - وتتغلب عليهما، لولا أن الأمر أمر إلهي والوعد وعد رباني؟ ولو قال قائل (إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستدل بقرائن الأحوال لما يقوله شأن الأذكياء النابهين فإن ذلك يرده أن موازين العقل ومقاييس التجارب تقضي باستحالة أو شبه استحالة تحقق تلك الوعود، كيف لهذه الأعداد القليلة من المؤمنين أن تواجه الدول الكبرى من غير أن تسند ظهرها إلى دولة ذات قوة كقوتها؟ فمن يصدق في عصرنا هذا أن جزيرة العرب مع ما يفيض فيها من الثراء ويتفجر منها من الطاقة تستطيع أن تتحرش بإحدى الدولتين الكبريين في هذا العصر بغزوها في عقر دارها اعتمادا على قوتها فضلا عن التحرش بهما معا؟ مع إن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين رفعوا لواء الجهاد لم يجمعوا قواهم لغزو دولة واحدة فحسب حتى يتغلبوا عليها ثم ينقلبوا إلى غيرها، بل انقسموا لتواجه طائفة منهم هذه القوة وتواجه الطائفة الأخرى القوة الأخرى، والعرب وإن عرفوا بالبأس وقوة المراس فإن ذلك لا يعني قدرتهم من قبل أنفسهم لمواجهة القوى العالمية لا سيما أن العرب لم تكن حروبهم حروبا منظمة وإنما كانت حروبا قبلية ضيقة، والروم والفرس قد مارسوا الحروب وخبروها لمدة ثلاثة قرون واعتادت جيوشهم الانضباط العسكري وأبدى كل جيش من هذين الجيشين الكبيرين في المعارك التي دامت بينهما هذه المدة من مهارة الحرب وفنون القتال ما لم تكن قبائل العرب على خبرة به فأنى للجيش العربي أن يسحق جموع بني ساسان وبني الأصفر وهو يتكون من القبائل المتفرقة التي دأبت على التنافر والتناحر وعرفت بالأنفة والإباء بحيث ترفض كل قبيلة إمرة القبيل الآخر؟!.
وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - لو كان يستمد وعوده من مقاييس عقله - يثق في اجتماع كلمة العرب وتخلصهم من عاداتهم التي طبعوا عليها واستعلائهم على أنانيتهم التي عرفوا بها حتى يكونوا قوة تتحدى العالم بأسره؟ فلو كان هذا المنطق منطقا بشريا لعد من أول الأمر فاشلا نظرا إلى حالات القوم مع العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج بالجماعة المؤمنة معه ليخوض بها معركة خارج الجزيرة العربية حتى يقيس بها ما يمكن إحرازه على يد هذه الجماعة من نصر، اللهم إلا ما كان من معركة (مؤتة) التي كانت بين المسلمين والروم في آخر عهده صلى الله عليه وسلم وقد أكلت هذه المعركة قادة الجيش الإسلامي قائدا بعد آخر ولم يحقق المسلمون فيها نصرا ماديا وإن بعثت في نفوسهم العزائم وأججت أشواقهم إلى الاستشهاد في سبيل الله، ولعمري إن نظرة يلقيها العاقل إلى حال العرب وإلى ما وصلوا إليه من نصر على القوى العالمية لتعود إليه باليقين القاطع أنهم لم ينتصروا بقوتهم البشرية وإنما انتصروا بما وقر في قلوبهم من الإيمان، والثقة بوعد الله (سبحانه). فقد كان هؤلاء الأعراب الذين لم يتجاوزوا جزيرتهم القاحلة من قبل ولم يتعرفوا على ما عند الأمم من أنظمة السلم والحرب كانوا كأنما زويت لهم الأرض من أطرافها تحت أقدامهم، فلا يمدون أيديهم إلى جزء منها حتى يستسلم ولا يشيرون بسيوفهم ورماحهم إلى أي مملكة من هذه الأرض الفسيحة حتى تتساقط أباطرتها من عليائهم فيخروا على وجوههم وهو إنجاز واضح لما وعد الله - سبحانه - به عباده المؤمنين الذين كانوا يستضعفون في الأرض من النصر والقوة والظهور على أعدائهم والاستخلاف في الأرض وإنجاز الله هذا - الوعد لأولئك المؤمنين في تلك العصور الغابرة لا يعني أنه لن تكون دورة ظاهرة نستجليها من نفس عبارات وعود الله. فالله تعالى يقول: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم/47) ويقول: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلأةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ) (الحج/40- 41) ويقول عز من قائل: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ) (غافر/51) فالإيمان الراسخ في القلب المسيطر على الوجدان والجنان الموجه للجوارح هو السبب الأقوى في النصر والتمكين وهذا الإيمان يعني رفض جميع الآلهة المختلفة التي تعبد من دون الله سواء كانت من البشر أم من الهواة أم من المطامع، وذلك واضح من قوله سبحانه: (يَعْبُدُونَنِي لايُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور/55) والسلف الصالح عندما فتحوا الأرض فتحوها بعزائم الإيمان وبسلاح اليقين ولم يكونوا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا وإنما كل همهم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك لم يكونوا يفتحون أعينهم على شيء من متاع الحياة الدنيا فلم يكن همهم جمع الغنائم بل تساوي التبر والتراب في ميزانهم وبمثل هذه المبادئ استحقوا النصر من الله فأصبحت الأرض ترتجف من هيبتهم فقد صدقوا الله فصدقهم الله ونصروه فنصرهم وكانت قلوب أعدائهم ترتجف من سماع أخبارهم وألسنتهم تلذ بذكر محاسنهم فسارت بأخبارهم الركبان وبهرت فتوحاتهم عظماء التاريخ من بعدهم حتى إن كبار القادة في العصر الحديث وقفوا حيارى مشدوهين أمام عظمة تايخهم وسعة فتحهم ومن هؤلاء القائد الفرنسي نابليون القائل لقد افتتح العرب نصف الكرة الأرضية في نصف قرن من الزمان ، مع أنه من المعلوم بدهية عدم تطور وسائل النقل في ذلك الوقت وعدم وجود وسائل إعلام تمكنهم من بث دعوتهم في أوساط الشعوب والأمم إلا الكلمة وحدها التي تخرج من لسان أحدهم فلا تلبث أن تغزو العقول وتستوي على القلوب لأنها تستمد قوتها من صدقها فلا تخرج الكلمة من أفواههم إلا وقد صدقتها أعمالهم فتخرج نورا يسطع يضيء شعاعه القلوب المظلمة ويفتح العقول المغلقة فلا تلبث العقول والقلوب أن تتفاعل معها وتستجيب لندائها وقد اتصف أولئك المؤمنون فيما اتصفوا به بالصبر والحلم والأناة والحكمة وكانت هذه الصفات مفاتيح المغاليق المستعصية ، ومن ثم لم يمض وقت طويل من انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى صاروا يطرقون أبواب الصين في الشرق وأبواب فرنسا في الغرب ولولا ما نكب به المسلمون من انحراف قادتهم السياسيين عن الحق وتنكبهم عن الصراط السوي بإخلادهم إلى الدنيا وانغماسهم في الترف لخفقت رايات الإسلام في هضاب أوروا كلها ولنعمت الإنسانية بحضارة الإسلام التي تنضح بالرحمة وتفيض بالخير ويجد الإنسان البائس في ظله الوارف راحة الضمير وطمأنينة النفس وهدوء البال.
هذا وثم الكثير في القرآن من الأخبار الغيبية التي فسرها الزمن تفسيرا واضحا لا غموض فيه يؤكد إعجاز هذا الكتاب.
ولعل بعض الناس يتوهمون أن بإمكان البشر التنبؤ عن المستقبل اغترارا بما يقوله الدجالون من الفرى، والواقع أن الغيب لله فليس بإمكان المخلوق الحكم على المستقبل إلا استنادا على إخبار الله تعالى وكثيرا ما باء الدجالون بالفشل عندما يكشف المستقبل عن إفكهم ويتضح بهذا البون الشاسع بين خبرهم وخبر القرآن الكريم الذي لا يمكن إلا أن يأتي المستقبل شاهدا على صدقه وإن وافقوا الحقيقة في خبرهم فذلك من الشاذ الذي لا حكم له وما هي إلا مصادفة لم يحيطوا بها علما وقد سبق أن قال المنجمون إن عمورية لن تفتتح في عهد المعتصم إلا عند نضج التين والعنب واقترحوا على جيوش المسلمين أن ينتظروا إلى ذلك الوقت المحدد فلم يصغوا إليهم وتم الفتح قبل نضج التين والعنب وقد حمل على هؤلاء الدجالين الشاعر أبو تمام في قصيدته التي افتتحها بقوله:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
وفيها قال-
سبعون ألفا كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
والتاريخ في العصر يعتمد على الفلسفة العلمية التي لم تكن معلومة من قبل لدى المؤرخين القدامى ويستدل بالحفريات والآثار على إثبات ما يثبته وإنكار ما ينكره، وقد جاء هذا المسلك في البحث من شواهد الإعجاز القرآني في قصصه ولسنا بحاجة إلى ما يثبت صدق القرآن فإن إيماننا القاطع بأنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد لا يدع مجالا للشك في كل ما يخبر به وإنما نريد بذلك إقامة الحجة على الجاحدين الذين لا يصدقون بالدليل إلا إذا كان ماديا ملموسا وفي هذا أيضا طمأنينة لقلوب المؤمنين كما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام قوله (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ) (البقرة/260) .

سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي

أعلى





من وجوه الإعجاز القرآني
البرزخ المائي بين البحرين

قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان ِ(19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ22) (الرحمن:19-22). وقال تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) (النمل:61).
التحقيق العلمي :
لقد توصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر، إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخاً يفصل بين كل بحرين ،ويتحرك بينهما ويسميه علماء البحار الجبهة تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين جيشين.وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على خصائصه التي قدرها الله له، ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة.ومع وجود هذا البرزخ فإن البحرين المتجاورين يختلطان اختلاطاً بطيئاً،يجعل القدر الذي يعبر من بحر إلى بحر آخر يكتسب خصائص البحر الذي ينتقل إليه عن طريق البرزخ الذي يقوم بعملية التقليب للمياة العابرة من بحرٍ إلى بحر؛ليبقى كل بحرٍ محافظاً على خصائصه تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينها من حواجز :
* اكتشف علماء البحار أن هناك اختلافاً بين عينات مائية أخذت من البحار المختلفة في عام 1284هـ- 1873م على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة تشالنجر، فعرف الإنسان أن المياه في البحار تختلف في تركيبها عن بعضها البعض من حيث درجة الملوحة، ودرجة الحرارة ، ومقادير الكثافة ، وأنواع الأحياء المائية، ولقد كان اكتشاف هذه المعلومة بعد رحلة علمية استمرت ثلاثة أعوام، جابت جميع بحار العالم. وقد جمعت الرحلة معلومات من 362 محطة مخصصة لدراسة خصائص المحيطات. وملأت تقارير الرحلة 29.500 صفحة في خمسين مجلداً استغرق إكمالها 23 عاماً. وإضافة إلى كون الرحلة أحد أعظم منجزات الاستكشاف العلمي فإنها أظهرت كذلك ضآلة ما كان يعرفه الإنسان عن البحر.
* بعد عام 1933م قامت رحلة علمية أخرى أميركية في خليج المكسيك، ونشرت مئات المحطات البحرية، لدراسة خصائص البحار، فوجدت أن عدداً كبيراً من هذه المحطات تعطي معلومات موحدة عن خصائص الماء في تلك المنطقة ، من حيث الملوحة والكثافة والحرارة والأحياء المائية وقابلية ذوبان الأكسيجين في الماء، بينما أعطت بقية المحطات معلومات موحدة أخرى عن مناطق أخرى، مما جعل علماء البحار يستنبطون وجود بحرين متمايزين في الصفات لا مجرد عينات محدودة كما علم من رحلة تشالنجر.
* وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يميز مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض ، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب ، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام مثل الموجات السطحية والداخلية والتيارات المائية والبحرية؟ ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام1361هـ-1942م. فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية ، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة ، والأحياء المائية ، والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسيجين في الماء. وبعد عام 1962م عرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر فيحدث الاختلاط بين البحار الملحة ، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز. ويبين الشكل التالي حدود مياه البحر الأبيض المتوسط الساخنة والملحة، عند دخولها في المحيط الأطلسي ذي المياه الباردة والأقل ملوحة منها.
* وأخيراً تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار الملحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية ، والتي تبين أن مياه البحار وإن بدت جسماً واحداً ، إلا أن هناك فروقاً كبيرة بين الكتل المائية للبحار المختلفة ، تظهر بألوان مختلفة تبعاً لاختلافها في درجة الحرارة .وفي دراسة ميدانية للمقارنة بين مياه خليج عمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيميائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما ووجود البرزخ الحاجز بينهما. وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية ، وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة ، اشترك فيها المئات من الباحثين، واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة . بينما جلى القرآن الكريم هذه الحقيقة قبل أربعة عشر قرناً ، قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان ِ19بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ20فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ21يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ22) (الرحمن:19-22). وقال تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) (النمل:61).

المعاني اللغوية وأقوال المفسرين :
مرج : قال ابن فارس : مرج : الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهابٍ واضطراب، ومرج الخاتم في الإصبع : قلق ، وقياس الباب كله منه ومرجت أمانات القوم وعهودهم : اضطربت واختلطت، والمَرْج : أصله أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب البحرين: قال ابن فارس: الباء والحاء والراء، قال الخليل: سمي البحر بحراً لاستبحاره وهو انبساطه وسعته... ويقال للماء إذا غلظ بعد عذوبته استبحر، وماء بحري أي مالح وقال الأصفهاني: وقال بعضهم : البحر يقال في الأصل للماء المالح دون العذب وقال ابن منظور: وقد غلب على المالح حتى قلّ في العذب. فإذا أطلق البحر دل على البحر المالح، وإذا قيد دل على ما قيد به. والقرآن يستعمل لفظ الأنهار للدلالة على المياه العذبة الكثيرة الجارية.ويستعمل لفظ البحر ليدل على البحر المالح قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ) (إبراهيم:32). وكذلك يستعمل لفظ البحر في الحديث للدلالة على الماء الملح، فقد سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ (فَقَالَ:يا رسول الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟فقال رسول الله) (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ).
البرزخ : هو الحاجز : وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنه لا يرى. البغي : قال ابن منظور: وأصل البغي مجاوزة الحد ، وبمثله قال الجوهري والأصفهاني. المرجان : قال ابن الجوزي: وحكى القاضي أبو يعلي أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان وروي عن الزجاج قوله: المرجان أبيض شديد البياض. وقال ابن مسعود : المرجان الخرز الأحمر . ونقل أبو حيان عن بعضهم أن المرجان هو الحجر الأحمر. وقال القرطبي: وقيل المرجان عظام اللؤلؤ وكباره ، قاله علي وابن عباس رضي الله عنهما، واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضاً بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره وقاله الضحاك وقتادة. وقال الألوسي: وأظن أنه إن اعتبر في اللؤلؤ معنى التلألؤ واللمعان ، وفي المرجان معنى المرج والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانياً فيهم. أي أن اللؤلؤ ما عظم منه والمرجان اللؤلؤ الصغار . والحاصل أن المرجان نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة بيضاء وحمراء، ويكون كبيراً وصغيراً، وهو حجر يكون كالقضبان، وقد يكون صغيراً كاللؤلؤ أو الخرز ، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينها يقتضي المغايرة . هذا والمرجان لا يوجد إلا في البحار الملحة. والآيات ترينا دقائق الأسرار التي كشف عنها اليوم علم البحار ، فهي تصف اللقاء بين البحار الملحة ودليل ذلك مايلي:
أولاً : لقد أطلقت الآية لفظ البحرين بدون قيد ، فدل ذلك على أن البحرين ملحان .
ثانياً : بينت الآيات في سورة الرحمن أن البحرين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وقد تبين أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين، قال تعالى : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَان) أي يخرج من كل منهما. فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها رغم اتحادها في الأوصاف الظاهرة التي تدركها الأبصار والحواس، فكلها ملحة ، زرقاء ، ذات أمواج ، وفيها الأسماك وغيرها وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها؟ والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست، فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر وأمواج وتيارات وأعاصير ؟ والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين يختلف كل منهما عن الآخر، إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر لكانا بحراً واحداً ، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلافٍ بينهما مع كونهما ملحين . و(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان)ِ أي أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب في منطقة الالتقاء، كما تدل اللغة على ذلك بلفظ مرج، وهذا ما كشفه العلم من وصف لحال البرزخ الذي يكون متعرجاً ومتنقلاً في الفصول المختلفة بسبب المد والجزر والرياح . ومن يسمع هذه الآية فقط ، يتصور أن امتزاجاً واختلاطاً كبيراً يحدث بين هذه البحار يفقدها خصائصها المميزة لها، ولكن العليم الخبير يقرر في الآية بعدها (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) أي ومع حالة الاختلاط والاضطراب هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزاً يحجز بينهما يمنع كلاً منهما أن يطغى ويتجاوز حده . وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدم في علومه وأجهزته ، فقد وجد ماء ثالثاً حاجزاً بين البحرين يختلف في خصائصه عن خصائص كل منهما . ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر بخصائصه؛ لأن البرزخ منطقة تقلب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر لتكتسب المياه المنتقلة بالتدريج صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاءت منه وبهذا لا يبغي بحر على بحر آخر بخصائصه، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء، وصدق الله القائل (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ19بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ20) (الرحمن:19-20). ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين هو حاجز من قدرة الله لا يرى(21). وقد أشكل على بعض المفسرين الجمع بين اختلاط مياه البحار مع وجود البرزخ، إذ أن وجود البرزخ الحاجز يقتضي منع الاختلاط، وذكر الاختلاط مرج يقتضي عدم وجود البرزخ ، وقد زال الإشكال اليوم باكتشاف أسرار البحر على حقائقها .
أوجه الإعجاز في الآيات السابقة :
مما سبق يتبين :
1ـ أن القرآن الكريم الذي أنزل قبل أكثر من 1400سنة قد تضمن معلومات دقيقة عن ظواهر بحرية لم تكتشف إلا حديثاً بواسطة الأجهزة المتطورة، ومن هذه المعلومات وجود حواجز مائية بين البحار، قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ19بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ20) (الرحمن:19-20).
2ـ يشهد التطور التاريخي في سير علوم البحار بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار وبخاصة قبل رحلة تشالنجر عام 1873م فضلاً عن وقت نزول القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة الذي نزل على نبيٍ أمي عاش في بيئة صحراوية ولم يركب البحر.
3ـ كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين. وقبل ذلك كان البحر مجهولاً مخيفاً تكثر عنه الأساطير والخرافات ، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة ، وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينيات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار ، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة ، ونسبة الملوحة ، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسيجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذٍ أن البحار الملحة متنوعة.
4ـ وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة، إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها ، وبعد أن قضى وقتاً طويلاً في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام.
5ـ وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق.
6ـ وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض .
* فهل كان يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المحطات البحرية ، وأجهزة تحليل كتل المياه ، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة ؟ .
* وهل قام بعملية مسح شاملة ، وهو الذي لم يركب البحر قط ، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان وخاصة في ميدان البحار ؟
* وهل تيسر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر لعلماء البحار في عصرنا الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة ؟
* إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدق الأسرار في زمنٍ يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدلُ على مصدره الإلهي، كما قال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان:6).
* كما يدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحى إليه وصدق الله القائل (سَنُرِيهِمْ ءآيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53).

المصدر:
بحوث جامعة الإيمان - الشيخ عبد المجيد الزنداني . .

 

أعلى





الاعجاز في السنة النبوية
الاضطجاع على الشق الأيمن

عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ لا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ [ البخاري : 293].
إن الاستلقاء أو الاضطجاع على الفراش يمكن أن يكون على البطن أو على الظهر أو على أحد الشقين الأيمن أو الأيسر فما هي الوضعية الأمثل من أجل عمل الأعضاء ؟
فحين ينام الشخص على بطنه كما يقول د.ظافر العطار يشعر بعد مدة بضيق في التنفس لأن ثقل كتلة الظهر العظمية تثقل الصدر من التمدد و التقلص عند الشهيق و الزفير كما أن هذه الوضعية تؤدي إلى انثناء اضطراري في الفقرات الرقبية و إلى احتكاك الأعضاء التناسلية بالفراش مما يدفع إلى ممارسة العادة السرية . كما أن الأزمة التنفسية الناجمة تتعب القلب و الدماغ .
و لاحظ باحث أسترالي* ارتفاع نسبة موت الأطفال المفاجئ إلى ثلاثة أضعاف عندما ينامون على بطونهم نسبة إلى الأطفال الذين ينامون على أحد الجانبين .كما نشرت مجلة التايم دراسة بريطانية مشابهة تؤكد ارتفاع نسبة الموت المفاجئ عند الأطفال الذين ينامون على بطونهم . ومن المعجز حقاً توافق هذه الدراسات الحديثة مع ما نهى عنه معلم الخير سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : (رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً مضطجعاً على بطنه فقال إن هذه ضجعة يبغضها الله و رسوله). رواه الترمذي بسنده .
و ما رواه أبو أمامه رضي الله عنه قال : (مر النبي صلى الله عليه و سلم على رجل نائم في المسجد منبطح على وجهه فضربه برجله و قال : قم واقعد فإنها نومة جهنمية) رواه بن ماجة .
أما النوم على الظهر فإنها تسبب كما يرى الدكتور العطار التنفس الفموي لأن الفم ينفتح عند الاستلقاء على الظهر لاسترخاء الفك السفلي.
لكن الأنف هو المهيأ للتنفس لما فيه من أشعر ومخاط لتنقية الهواء الداخل ، ولغزارة أوعيته الدموية المهيأة لتسخين الهواء .
وهكذا فالتنفس من الفم يعرض صاحبه لكثرة الإصابة بنزلات البرد والزكام في الشتاء ، كما يسبب جفاف اللثة ومن ثم إلى التهابها الجفافي ، كما أنه يثير حالات كامنة من فرط التصنع أو الضخامة اللثوية . وفي هذه الوضعية أيضاً فإن شراع الحنك واللهاة يعارضان فرجان الخيشوم ويعيقان مجرى التنفس فيكثر الغطيط والشخير ... كما يستيقظ المتنفس من فمه ولسانه مغطى بطبقة بيضاء غير اعتيادية إلى جانب رائحة فم كريهة . كما أنها تضغط على ما دونها عند الإناث فتكون مزعجة كذلك وهذه الوضعية غير مناسبة للعمود الفقري لأنه ليس مستقيماً وإما يحوي على انثناءين رقبي وقطني كما تؤدي عند الأطفال إلى تفلطح الرأس إذا اعتادها لفترة طويلة .
أما النوم على الشق الأيسر فهو غير مقبول أيضاً لأن القلب حينئذ يقع تحت ضغط الرئة اليمنى ، والتي هي أكبر من اليسرى مما يؤثر في وظيفته ويقلل نشاطه وخاصة عند المسنين. كما تضغط المعدة الممتلئة عليه فتزيد الضغط على القلب والكبد الذي هو أثقل الأحشاء لا يمكن ثابتاً بل معلقاً بأربطة وهو موجود على الجانب الأيمن فيضغط على القلب وعلى المعدة مما يؤخر إفراغها .
فقد أثبتت التجارب التي أجراها غالتيه و بوتسيه * إن مرور الطعام من المعدة إلى الأمعاء يتم في فترة تتراوح بين 2,5 ـ4,5 ساعة إذا كان النائم على الجانب الأيمن ولا يتم ذلك إلا في 5 ـ 8 ساعات إذا كان على جنبه الأيسر .
فالنوم على الشق الأيمن هو الوضع الصحيح لأن الرئة اليسرى أصغر من اليمنى فيكون القلب أخف حملاً وتكون الكبد مستقرة لا معلقة والمعدة جاثمة فوقها بكل راحتها وهذا كما رأينا أسهل لإفراغ ما بداخلها من طعام بعد هضمه ... كما يعتبر النوم على الجانب الأيمن من أروع الإجراءات الطبية التي تسهل وظيفة القصبات الرئوية اليسرى في سرعة طرحها لإفرازاتها المخاطية هكذا ينقل الدكتور الراوي و يضيف قائلاً : إن سبب حصول توسع القصبات للرئة اليسرى دون اليمنى هو لآن قصبات الرئة اليمنى تتدرج في الارتفاع إلى الأعلى حيث أنها مائلة قليلاً مما يسهل طرحها لمفرزاتها بواسطة الأهداب القصبية أما قصبات الرئة اليسرى فإنها عمودية مما يصعب معه طرح المفرزات إلى الأعلى فتتراكم تلك المفرزات في الفص السفلي مؤدية إلى توسع القصبات فيه و الذي من أعراضها كثرة طرح البلغم صباحاً هذا المرض قد يترقى مؤدياً إلى نتائج وخيمة كالإصابة بخراج الرئة و الداء الكلوي وإن من أحدث علاجات هؤلاء المرضى هو النوم على الشق الأيمن .

موسوعة : الإعجاز في القرآن و السنة

أعلى






احذروا المهلكات (46)
تصديق الكاهن والمنجم

قال الله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا). قال الواحدي في تفسير قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) قال الكلبي: لا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم. والمعنى: لا تقولن في شيء بما لا تعلم (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) قال الوالبي عن ابن عباس: يسأل الله العباد فيم استعملوها، وفي هذا زجر عن النظر الى ما لايحل، والاستماع الى ما يحرم، وإرادة ما لا يجوز. وقال الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول..) عالم الغيب هو الله عزوجل وحده لا شريك له في ملكه (فلا يظهر) أي فلا يطلع على غيبه الذي لا يعلمه أحد من الناس إلا من ارتضى من رسول، لأن الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب. والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من الغيب. وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة تنزل في العنان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضي في السماء، فيسترق الشيطان السمع فيسمعه، فيوحيه الى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم). وعن فبيصة بن أبي المخارق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (العيافة والطيرة والطرق من الجبت). الطرق: الزجر، أي زجر الطير، وهو ان يتيامن او يتشاءم بطيرانه، فإن طار الى جهة اليمين تيمن، وان طار الى جهة اليسار تشاءم. والعيافة: الخط. قال الجوهري: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الكاهن ساحر والساحر كافر. فنسأل الله العافية والعصمة في الدين والدنيا والآخرة.
من رآنا فليحدث نفسه
وصروف الدهر لا يبقى لها
رب ركب قد أناخوا حولنا
والأباريق عليهم قدمت
عمروا دهرا بعيش ناعم
ثم أضحوا لعب الدهر بهم
ـــ
أنه وقف على قرب زوال
ولما تأت به صم الجبال
يشربون الخمر بالماء الزلال
وعتاق الخيل تردي بالجلال
أبيض دهرهم غير محال
وكذاك الدهر يودي بالرجال

علي بن عوض الشيباني


أعلى





كيف يتم تحديد جنس الجنين ؟ (2)

قال تعالى في الآيات 17و18و19 من سورة عبس:
(قتل الانسان ما أكفره * من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره).
الخلق هو البداية الحقيقية لوجود الكائن الانساني. فبعد التلقيح، يساهم كل من الحيوان المنوي والبويضة إثر اختلاط ومشج نواتيهما، بنصيب مماثل في تكون نواة الخلية الأمشاج أو الزيجوت (zygote)، إذ تعتبر كل من نطفة الرجل ونطفة المرأة نصف خلية فقط من ناحية عدد الجسيمات الملونة (Chromosomes) الحاملة للصفات الوراثية، والتي تسمى أيضا الصبغيات أوالكروموسومات، مع العلم أن الخلية الانسانية الجسدية تحتوي على 23 زوجا من الحاملات للصفات الوراثية منها 22 زوجا من الكروموسومات الجسدية وزوجا واحدا من الصبغيات الجنسية س س أي XX عند الأنثى أو س ص أي XY عند الذكر، في حين لا تملك الخلايا الجنسية إلا (23) كروموسوما فقط: 22 جسديا وواحدا جنسيا هو س أي X بالنسبة للبويضة، وبالنسبة للحيوان المنوي نجد 22 كرموسوما جسديا وواحدا جنسيا إما س أي X أو ص أي Y، وهذا الأخير أي الصبغي الجنسي ص أي Y هو الذي يحدد الذكورة. فعند تكون النطفة الأمشاج. يكتمل عدد الكروموسومات ليصل إلى (23 زوجا): كل نصف منها يأتي من أحد الوالدين، فيتقرر حينئذ خلق إنسان جديد بوجود خلية بشرية كاملة تحمل العدد من الصبغيات المساوي للخلية الانسانية وهو (46)، ويتحقق بذلك الوجود الانساني. إنها بدون شك الخطوة الاولى والاساسية لوجود المخلوق الجديد والتي سوف ترتكز عليها وتنبثق منها جميع الخطوات التالية.
فقد صدق سبحانه حين قال في الآية 19 من سورة عبس: (من نطفة خلقه فقدره)، بحيث يتبين بأن الخلق والتقدير عمليتان متعاقبتان. فالتقدير او البرمجة الجنينية، الذي يتم بعد التخصيب مباشرة، يتقرر لحظة تجمع صبغيات الأب والأم، لأنه باندماج كرموسومات الوالدين تتحدد من جهة صفات الجنين الوراثية التي يمكن ان تكون إما سائدة فتظهر على هذا المخلوق نفسه، وإما متنحية فلا تظهر عليه بل ربما في خلفه. ومن جهة أخرى، يتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة أو الأنوثة، وهكذا فإذا لقحت البويضة بحيوان منوي حامل للصبغي الجنسي س أي X كان الجنين أنثى، وإذا كانت نطقة الرجل تحمل الصبغي الجنسي ص أي Y، كانت النتيجة ذكرا بإذن الله وذلك حسب المعادلة الآتية:
نطفة الرجل س أي X + نطفة المرأة س أي X = س س أي XX = أنثى.
حيوان منوي ص أي Y + بويضة المرأة س أي X = س ص أي XY = ذكر.
وهذا يعني أن نطفة الرجل هي التي يتم عن طريقها تحديد نوعية الجنس، وقد أشار القرآن الكريم الى ان هاته العملية تتم في طور النطفة، وهنا يكمن مرة أخرى الإعجاز مصداقا لقول الله تعالى في سورة النجم، الآيات 45 و46: (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى).
فحسب ما ورد في القرآن والسنة، هناك ثلاث مراحل يتحدد من خلالها جنس الجنين، وما سبق ذكره إشارة إلى المرحلة الأولى التي يتم فيها تحديد الجنس على مستوى الكروموسومات، لتكون المرحلة الثانية والثالية على مستوى الأنسجة بتمايز الغدد التناسلية على شكل خصيتين عند الذكر أو مبيضين عند الأنثى، وذلك مع بداية طور الكساء باللحم، إذ ثبت علميا أن الخصية والمبيض يتشابهان تماما في مرحلة مبكرة من نموهما، ولا يمكن التمييز بينهما قبل انتهاء الأسبوع السابع في اليوم التاسع والأربعين وبداية الأسبوع الثامن في اليوم الخمسين بعد التلقيح. فقد صدق الخالق عز وجل حين قال في سورة القيامة، الآيات 36 و37 و38 و39: (أيحسب الانسان ان يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى).
أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي تمييز الأعضاء التناسلية الخارجية للجنين خلال طور الخلق الآخر والتي يتم بها التحديد النهائي للذكورة أو الأنوثة، وبالضبط في الأسبوع الثاني عشر بعد الإخصاب أي في الشهر الثالث من الحمل لتكتمل بذلك مراحل تحديد الجنس.
فقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم في قوله: (إذا مر بالنطفة ثتنان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك) (صحيح مسلم).

د. خنساء محمد أسموني



أعلى





مفاهيم حضارية
الخطاب ولغة الحوار

ممّا يوحي بعظمة الخالق ، وعظيم نعمه على الانسان ، هو تمكينه من اختراع الكلمة المعبِّرة عن المعنى . المختزن صوراً وأحاسيس في نفسه .. والتعبير عن تلك الصّور بألفاظ كان بداية النقلة النوعية في وجود الانسان الحضاري .. إنّه لفتح انساني فريد ، منح الانسان أبرز معالم انسانيّته .. وهيّأ له فرص العيش الاجتماعي والتكامل المعرفي ..
فعن طريق الكلمة يتفاهم الناس ، ويُعبِّر كلّ منهم عمّا يريد إيصاله إلى الآخرين ، أو الحصول عليه منهم ، لا سيّما اكتساب المعرفة .. ولذا نجد القرآن الكريم يذكِّر الانسـان بهذه النعمة العظيمة التي لا يدرك الكثيرون قيمتها .. نعمة (البيان) .. والإفصاح عمّا يريد بكلمات يفهمها الآخرون :
(الرّحمن * عَلَّمَ القُرْآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمهُ البَيان).
(الرّحمن / 1 ـ 4)
وعن طريق العقل والكلمة ، خاطب الله سبحانه الانسان وحاوره، وثبّت منهج الخطاب والتفاهم على أسس عقليّة وعلميّة ..
وبذا ارتقى بالإنسان إلى مستوى إنسانيّته باستخدام العقل والحوار ..
لذا عرّف القرآن بهذا المنهج الحواري حتى عندما تحدّث عن أعتى طاغوت ومستكبِر في الأرض، وهو فرعون ليوحي من خلال عرض هذه المفردة بتطبيقات المنهج ، وليكون منهجـاً علميّاً في التعـامل مع الرأي الآخر ، ومع مَن يختلف معهم في الفكر والعقيدة ، حتى وإن كان فرعون ، لإقامة الحجّة ، ولئلاّ يكون للنّاس حجّة على الله بعد البيان ، قال تعالى مصوِّراً ذلك من خلال مخاطبته لموسى وأخيه هارون (عليهما السلام):
(إذْهَبا إلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). (طه/43 ـ 44)
فالقرآن يتحدّث عن الأمر الإلهي الذي وُجِّه إلى موسى وهارون (عليهما السلام) ، ليذهبا إلى فرعون مع ما به من تكبّر وطغيان ، وأمرهما أن يحاورا فرعون بلين ، أملاً في أن يتقبّل دعوة العقل والمنطق ، واستطاع النبيّان (عليهما السلام) أن يسحبا فرعون إلى الحوار ، غير أنّ فرعون صُعِقَ أمام المعجزة فأخذته العزّة بالإثم ، وأصرّ على كبريائه الأجوف فكان ضحيّة خطئه ، وبرئ منهج الدعوة من تحمّل المسؤوليّة .
ويُثبِّت القرآن الخطوط العامّة لمنهج الحوار مع المختلفين مع دعوته وعقيدته ، إذ يُبيِّن اُسس الحوار العقلي والأخلاقي في الخطاب الموجّه للنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتي هِيَ أَحْسَن).(النّحل/125)
ونسكتشف من هذه المنهجيّة أنّ الهدف من الحوار هو الوصول إلى الحقيقة ، واكتشاف الحق . وإيصال الطّرف الآخر إليها ، وليس الهدف هو التغلّب عليه ، أو تدميره ، أو إظهاره بمظهر العاجز المهزوم لذا حمل المنهج القرآني الجانب العلمي الذي يسعى لاكتشاف الحقيقة
العلمية ، والجانب الأخلاقي الذي يسعى لاحترام الطرف الآخر، وإشـعاره باحترام الطـرف المحاوِر له ، وحرصه على مصلحته ، وإيصاله إلى الصّواب .
وكما يفسح هذا المنهج المجال أمام العقل والمنطق لينطلقا في البحث والتحرِّي والإقتناع الرّاسخ ، فانّه يهيِّئ الأجواء النفسية ، ويزيل الحواجز المسبقة بين الطّرفين . فيمهِّد الطّريق أمام البحث العقلي دونما حواجز نفسيّة .
وإذاً فنحن نملك الآن منهجاً حضاريّاً للحوار والتفاهيم مع الرأي الآخر سواء في الدائرة الاسلامية ، أو في خارج هذه المساحة .
نبدأ الحوار من منطلقات ومسلّمات يؤمن بها الطّرفان ، وأوّل تلك الجوامع هي مسلّمات العقل ، أو ما تسالم عليه المتحاوران خارج تلك الدائرة .
ولذلك دعا القرآن الانسان إلى استعمال العقل والتفكّر ، بقوله :
(أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصَاحِبِهِم مِن جِنَّة ). ( الأعراف / 184)
وبقوله :
(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُها ). ( محمّد / 24)
وبقوله :
(قُلْ يا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَة سَوَآءِ بَيْنَنا وَبَيْنَكُم أَ لاّ نَعْبُدَ إلاّ اللهَ وَلاَنُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَيَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله).
(آل عمران / 64)
وبقوله :
(قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُم إنْ كُنْتُم صَادِقِين ). (البقرة / 111)
وفي مورد آخر نشاهد القرآن يصطحب الطّرف الآخر للبحث عن الحقيقة كما في خطابه للنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(وَإنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدَىً أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين*قُلْ لا تُسْأَ لُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون*قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا بِالحَقِّ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا وَهُوَ الفَتّاحُ العَلِيم). (سبأ/24 ـ 26)
وهكذا يثبِّت القرآن منهجاً للحوار على أساس البرهان والعقل والتدبُّر والتفكُّر والمسلّمات الثابتة لدى الطرفـين ، بعيداً عن العصـبيّة والتحجّر الانتمائي الذي لا يملك دليلاً ، ولا يقوم على أساس الوعي .
وكما دعا الطّرف الآخر إلى ذلك ، دعا الانسان المسلم أن ينطلق في هدفه الرسالي على بصيرة ووعي علمي ، وفهم اجتماعي رصين .
جاءت هذه الدعوة بقوله تعالى :
(قُلْ هذِهِ سَبيلِي أَدْعُو إلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَة أَنا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنا مِنَ المُشْرِكِين ). (يوسف / 108)
كما دعا القرآن إلى مخاطبة الآخرين بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بأفضـل الوسـائل وأجدى الطّرق المقبولة :
(ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتي هِيَ أَحْسَن).(النّحل/125)
وكما ينطلق منهج الحوار القرآني من العقل، ومراعاة الجانب النفسي والعاطفي عند الانسان، فإنّه يُراعي مستوى التلقِّي، والتقبّل عند الانسان المخاطَب ليوفِّر الأجواء اللازمة للتدبّر والتعقّل . جاء ذلك في قول الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(أمرنا معاشر الأنبياء أنْ نُكَلِّم النّاس على قَدَرِ عُقُولِهِم).
وإذاً فالقرآن يضع بين أيدينا منهجاً علميّاً وحضاريّاً لحمل الدعوة، يقوم على أسس عقليّة ونفسيّة وأخلاقيّة سامية .
وذلك من أبرز الأدلّة على متانة هذه المبادئ وعلميّتها . فالداعي إلى الحوار مطمئن إلى ما بيده من حجج وأدلّة ، وواثق من أفكاره ، وذلك يفتح الاُفق لحوار الحضارات، والتعارف المعرفي، والتبادل الثقافي المُلتَزِم ، وتعميم منجزات الفكر الانساني ، وتصحيح المسار الفكري ، ويحول دون العزلة والانطواء .
وجدير ذكره فانّ العالَم المحيط بنا اليوم عالَم مُنفتح الأطراف والحدود والمسافات والزّمن، كما أنّ الحواجز السياسية والقانونية وسلطة البوليس لم تعد تمنع من الاطِّلاع على الرّأي الآخر ، سلبيّاً كان ذلك الرّأي أو ايجابيّاً . فعالَم الانترنيت والبثّ التليفزيوني العالمي والمذياع والفاكس ، يصل إلى كلِّ انسان في بيته ، ومن مختلف أنحاء العالَم خلال جزء الثانية لذا فان الانغلاق الثقافي لم يَعد مسألة ممكنة .
ومع انفتاح هذا الأفق التقني لنقل المعلومات،نجد الانفتاح المنهجي المُبَرْمَج في المبادئ الاسلامية الذي يقوم على أساس الحوار،والنقد العلمي البنّاء،واحترام عقل الانسان المخاطَب.
وذلك يعني أنّ الحركة الفكرية الاسلامية قد فتحت أمامها أبواب واسعة للتبشير بمبادئها والدعوة إليها ، والتفاعل الفكري الحضاري مع العالَم.
لقد كان الانسان الغربي مثلاً تضلِّله وسائل الاعلام الرسمية في بلاده ، وترسم أمامه صورة مشوّهة للإسلام والمسلمين . وتتبنّى تلك الدول هذه المعلومات كمادّة دراسية في المناهج المدرسية ، وليس لدى المسلمين من وسائل متكافئة ، أو حتّى متقاربة للردّ والتعريف إلاّ في حدود ضيِّقة .
أمّا بعد تلك الثورة التقنيّة الواسـعة في نقل المعلومات ، واعتماد الاسلوب الاسلامي ، اسلوب الحوار والدليل العلمي والمنهج العقلي . فسيحقِّق الفكر الاسلامي إنجازات عظيمة ، إذا ما أحسن استخدامها .
وتلك التحوّلات تلقي مسؤوليّة كبرى على الكتّاب والمفكِّرين الاسلاميين في وضع الفكر الاسلامي موضع التناول للجميع .
وكما يتحمّلون مسؤولية التعريف بالفكر الاسلامي والدفاع عنه يتحمّلون مسـؤولية نقد الحضارات الأخرى والفكر الآخر وغربلـته والاستفادة منه . فإنّ طبيعة الحضارات طبيعة أخذ وعطاء . ونحن كما نعطي نأخذ من الآخرين ما نجده متّسقاً مع الاُسس والمبادئ الاسلامية ، أو غير متعارض معها. وذلك الشّرط منطلِق من الإيمان بعلميّة المبادئ الاسلامية وواقعيّتها ، فهي كلمة الحق التي أوحى بها الرّحمن لهداية الانسان ، وذلك ما يثبته الحوار والدّليل العلمي .

المصدر : مفاهيم حضارية - مؤسسة البلاغ ( بتصرف)
محمد بن عبدالله الحارثي


أعلى







حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشهداء

كانت مكة تغطّ في نومها، بعد يوم ملئ بالسعي، وبالكدّ، وبالعبادة وباللهو والقرشيون يتقلبون في مضاجعهم هاجعين.. غير واحد هناك يتجافى عن المضجع جنباه، يأوي الى فراشه مبركا، ويستريح ساعات قليلة، ثم ينهض في شوق عظيم، لأنه مع الله على موعد، فيعمد الى مصلاه في حجرته، ويظل يناجي ربه ويدعوه.. وكلما استيقظت زوجته على أزير صدره الضارع وابتهالاته الحارة الملحة، وأخذتها الشفقة عليه، ودعته أن يرفق بنفسه ويأخذ حظه من النوم، يجيبها ودموع عينيه تسابق كلماته:
(لقد انقضى عهد النوم يا خديجة)..!!
لم يكن أمره قد أرّق قريش بعد، وان كان قد بدأ يشغلا انتباهها، فلقد كان حديث عهد بدعوته، وكان يقول كلمته سرا وهمسا.
كان الذين آمنوا به يومئذ قليلين جدا..
وكان هناك من غير المؤمنين به من يحمل له كل الحب والاجلال، ويطوي جوانحه على شوق عظيم الى الايمان به والسير في قافلته المباركة، لا يمنعه سوى مواضعات العرف والبيئة، وضغوط التقاليد والوراثة، والتردد بين نداء الغروب، ونداء الشروق.
من هؤلاء كان حمزة بن عبد المطلب.. عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة.
**
كان حمزة يعرف عظمة ابن أخيه وكماله.. وكان على بيّنة من حقيقة أمره، وجوهر خصاله..
فهو لا يعرف معرفة العم بابن أخيه فحسب، بل معرفة الأخ بالأخ، والصديق بالصديق.. ذلك أن رسول الله وحمزة من جيل واحد، وسن متقاربة. نشأ معا وتآخيا معا، وسارا معا على الدرب من أوله خطوة خطوة..
ولئن كان شباب كل منهما قد مضى في طريق، فأخذ حمزة يزاحم أنداده في نيل طيبات الحياة، وافساح مكان لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش.. في حين عكف محمد على اضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق الى الله وعلى حديث قلبه الذي نأى به من ضوضاء الحياة الى التأمل العميق، والى التهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه.
نقول: لئن كان شباب كل منهما قد اتخذ وجهة مغايرة، فان حمزة لم تغب عن وعيه لحظة من نهار فضائل تربه وابن أخيه.. تلك الفضائل والمكارم التي كانت تحلّ لصاحبها مكانا عليّا في أفئدة الناس كافة، وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم.
في صبيحة ذلك اليوم، خرج حمزة كعادته.
وعند الكعبة وجد نفرا من أشراف قريش وساداتها فجلس معهم، يستمع لما يقولون..
وكانوا يتحدثون عن محمد..
ولأول مرّة رآهم حمزة يستحوذ عليهم القلق من دعوة ابن أخيه.. وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد، والغيظ والمرارة.
لقد كانوا من قبل لا يبالون، أو هم يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة.
أما اليوم، فوجوههم تموج موجا بالقلق، والهمّ، والرغبة في الافتراس.
وضحك حمزة من أحاديثهم طويلا.. ورماهم بالمبالغة، وسوء التقدير..
وعقب أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الانس علما بخطر ما يدعو اليه محمد ولكنه يريد أن يهوّن الأمر حتى تنام قريش، ثم تصبح يوما وقد ساء صاحبها، وظهر أمر ابن أخيه عليها.
ومضوا في حديثهم يزمجرون، ويتوعدون.. وحمزة يبتسم تارّة، ويمتعض أخرى، وحين انفض الجميع وذهب كل الى سبيله، كان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة، وخواطر جديدة. راح يستقبل بها أمر ابن أخيه، ويناقشه مع نفسه من جديد...!!!
**
ومضت الأيام، ينادي بعضها بعضا ومع كل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة الرسول..
ثم تتحوّل همهمة قريش الى تحرّش. وحمزة يرقب الموقف من بعيد..
ان ثبات ابن أخيه ليبهره.. وان تفانيه في سبيل ايمانه ودعوته لهو شيء جديد على قريش كلها، برغم ما عرفت من تفان وصمود..!!
ولو استطاع الشك يومئذ أن يخدع أحدا عن نفسه في صدق الرسول وعظمة سجاياه، فما كان هذا الشك بقادر على أن يجد الى وعي حمزة منفا أو سبيلا.
فحمزة خير من عرف محمدا، من طفولته الباكرة، الى شباب الطاهر، الى رجولته الأمينة السامقة.
انه يعرفه تماما كما يعرف نفسه، بل أكثر مما يعرف نفسه، ومنذ جاءا الى الحياة معا، وترعرعا معا، وبلغا أشدّهما معا، وحياة محمد كلها نقية كأشعة الشمس..!! لا يذكر حمزة شبهة واحدة ألمّت بهذه الحياة، لا يذكر أنه رآه يوما غاضبا، أو قانطا، أو طامعا،أو لاهيا، أو مهزوزا...
وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب، بل وبرجاحة العقل، وقوة الارادة أيضا..
ومن ثم لم يكن من الطبيعي أن يتخلف عن متابعة انسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة.. وهكذا طوى صدره الى حين على أمر سيتكشّف في يوم قريب..
**
وجاء اليوم الموعود..
وخرج حمزة من داره،متوشحا قوسه، ميمّما وجهه شطر الفلاة ليمارس هوايته المحببة، ورياضته الأثيرة، الصيد.. وكان صاحب مهارة فائقة فيه..
وقضى هناك بعض يومه، ولما عاد من قنصه، ذهب كعادته الى الكعبة ليطوف بها قبل أن يقفل راجعا الى داره.
وقريبا من الكعبة، لقيته خادم لعبدالله بن جدعان..
ولم تكد تبصره حتى قالت له:
(يا أبا عمارة.. لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا، من أبي الحكم بن هشام.. وجده جالسا هناك ، فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره)..
ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله..
واستمع حمزة جيدا لقولها، ثم أطرق لحظة، ثم مد يمينه الى قوسه فثبتها فوق كتفه.. ثم انطلق في خطى سريعة حازمة صوب الكعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل.. فان هو لم يجده هناك، فسيتابع البحث عنه في كل مكان حتى يلاقيه..
ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش..
وفي هدوء رهيب، تقدّم حمزة من أبي جهل، ثم استلّ قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل:
(أتشتم محمدا، وأنا على دينه أقول ما يقول..؟! الا فردّ ذلك عليّ ان استطعت)..
وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل والدم الذي ينزف من رأسه، وشغلتهم تلك الكلمة التي حاقت بهم كالصاعقة.. الكلمة التي أعلن بها حمزة أنه على دين محمد يرى ما يراه، ويقول ما يقوله..
أحمزة يسلم..؟
أعزّ فتيان قريش وأقواهم شكيمة..؟؟
انها الطامّة التي لن تملك قريش لها دفعا.. فاسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام، وسيجد محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ويشدّ ازره، وتصحو قريش ذات يوم على هدير المعاول تحطم أصنامها وآلهتها..!!
أجل أسلم حمزة، وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره، وترك الجمع الذاهل يجترّ خيبة أمله، وأبا جهل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج.. ومدّ حمزة يمينه مرّة أخرى الى قوسه فثبتها فوق كتفه، واستقبل الطريق الى داره في خطواته الثابتة، وبأسه الشديد..!
**
كان حمزة يحمل عقلا نافذا، وضميرا مستقيما..
وحين عاد الى بيته ونضا عنه متاعب يومه. جلس يفكر، ويدير خواطره على هذا الذي حدث له من قريب..
كيف أعلن اسلامه ومتى..؟
لقد أعلنه في لحظات الحميّة، والغضب، والانفعال..
لقد ساءه أن يساء الى ابن اخيه، ويظلم دون أن يجد له ناصرا، فيغضب له، وأخذته الحميّة لشرف بني هاشم، فشجّ رأس أبي جهل وصرخ في وجهه باسلامه...
ولكن هل هذا هو الطريق الأمثل لك يغادر الانسان دين آبائه وقومه... دين الدهور والعصور.. ثم يستقبل دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه، ولا يعرف عن حقيقته الا قليلا..
صحيح أنه لا يشك لحظة في صدق محمد ونزاهة قصده..
ولكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا، بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات، في لحظة غضب، مثلما صنع حمزة الآن..؟؟؟
وشرع يفكّر.. وقضى أياما، لا يهدأ له خاطر.. وليالي لا يرقأ له فيها جفن..
وحين ننشد الحقيقة بواسطة العقل، يفرض الشك نفسه كوسيلة الى المعرفة.
وهكذا، لم يكد حمزة يستعمل في بحث قضية الاسلام، ويوازن بين الدين القديم، والدين الجديد، حتى ثارت في نفسه شكوك أرجاها الحنين الفطري الموروث الى دين آبائه.. والتهيّب الفطري الموروث من كل جيد.
واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة، وآلهاها وأصنامها... وعن الأمجاد الدينية التى أفاءتها هذه الآلهة المنحوتة على قريش كلها، وعلى مكة بأسرها.
لقد كان يطوي صدره على احترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءها.
ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أحد أتباع هذه الدعوة، المؤمنين بها، والذين يذورون عنها.. فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين..؟
لحظة غضب وحميّة..؟ أم أوقات تفكير ورويّة..؟
وهكذا فرضت عليه استقامة ضميره، ونزاهة تفكيره أن يخضع المسألة كلها من جديد لتفكر صارم ودقيق.
وبدأ الانسلاخ من هذا التاريخ كله.. وهذا الدين القديم العريق، هوّة تتعاظم مجتازها..
وعجب حمزة كيف يتسنى لانسان أن يغادر دين آبائه بهذه السهولة وهذه السرعة.. وندم على ما فعل.. ولكنه واصل رحلة العقل.. ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ الى الغيب بكل اخلاصه وصدقه..
وعند الكعبة، كان يستقبل السماء ضارعا، مبتهلا، مستنجدا بكل ما في الكون من قدرة ونور، كي يهتدي الى الحق والى الطريق المستقيم..
ولنضع اليه وهو يروي بقية النبأ فيقول:
ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم..
ثم أتيت الكعبة، وتضرّعت الى الله أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا..
وغدوت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري، فدع الله أن يثبت قلبي على دينه.
وهكذا أسلم حمزة اسلام اليقين..
**
أعز الله الاسلام بحمزة.. ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله، وعن المستضعفين من أصحابه..
ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين، فأدرك أنها الحرب لا محالة، وراح يحرّض قريشا على انزال الأذى بالرسول وصحبه، ومضى يهيء لحرب أهليّة يشفي عن طرقها مغايظته وأحقاده..
ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن اسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا.. كما كان اغراء ناجحا لكثير من القبائل التي قادها اسلام حمزة أولا. ثم اسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك الى الاسلام فدخلت فيه أفواجا..!!
ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته، وبأسه، وحياته، لله ولدينه حتى خلع النبي عليه هذا اللقب العظيم:
(أسد الله، وأسد رسوله)..
وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء عدو، كان أميرها حمزة..
وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة..
ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر، كان أسد الله ورسوله هناك يصنع الأعاجيب..!!
**
وعادت فلول قريش من بدر الى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها... ورجع أبو سفيان مخلوع القلب، مطأطئ الرأس. وقد خلّف على أرض المعركة جثث سادة قريش، من أمثال أبي جهل.. وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف. وعقبة بن أبي معيط.. والأسود بن عبدالله المخزومي، والوليد بن عتبة.. والنضر بن الحارث.. والعاص بن سعيد.. وطعمة ابن عديّ.. وعشرات مثلهم من رجال قريش وصناديدها.
وما كانت قريش لتتجرّع هذه الهزيمة المنكرة في سلام... فراحت تعدّ عدّتها وتحشد بأسها، لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها.. وصمّمت قريش على الحرب..
**
وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها، ومعها حلفاؤها من قبائل العرب، وبقيادة أبي سفيان مرة أخرى.
وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه الى رجلين اثنين: الرسول صلى الله عليه وسلم، وحمزة رضي الله عنه وأرضاه..
أجل والذي كان يسمع أحاديثهم ومؤامراتهم قبل الخروج للحرب، يرى كيف كان حمزة بعد الرسول بيت القصيد وهدف المعركة..
ولقد اختاروا قبل الخروج، الرجل الذي وكلوا اليه أمر حمزة، وهو عبد حبشي، كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة، جعلوا كل دوره في المعركة أن يتصيّد حمزة ويصوّب اليه ضربة قاتلة من رمحه، وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء آخر، مهما يكن مصير المعركة واتجاه القتال.
ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريّته.. فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم.. وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير (اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق)..!!
ثم أحالوه الى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا الى الهدف الذي يريدون..
وكانت هند قد فقدت في معركة بدر أباها، وعمها، وأخاها، وابنها.. وقيل لها ان حمزة هو الذي قتل بعض هؤلاء، وأجهز على البعض الآخر..
من أجل هذا كانت أكثر القرشيين والقرشيّات تحريضا على الخروج للحرب، لا لشيء الا لتظفر برأس حمزة مهما يكن الثمن الذي تتطلبه المغامرة..!!
ولقد لبثت أياما قبل الخروج للحرب، ولا عمل لها الا افراغ كل حقدها في صدر وحشي ورسم الدور الذي عليه أن يقوم به..
ولقد وعدته ان هو نجح في قتل حمزة بأثمن ما تملك المرأة من متاع وزينة، فلقد أمسكت بأناملها الحاقدة قرطها اللؤلؤي الثمين وقلائدها الذهبية التي تزدحم حول عنقها، ثم قالت وعيناها تحدّقان في وحشي:
(كل هذا لك، ان قتلت حمزة)..!!
وسال لعاب وحشي، وطارت خواطره توّاقة مشتاقة الى المعركة التي سيربح فيها حريّته، فلا يصير بعد عبدا أو رقيقا، والتي سيخرج منها بكل هذا الحلي الذي يزيّن عنق زعيمة نساء قريش، وزوجة زعيمها، وابنة سيّدها..!!
كانت المؤمرة اذن.. وكانت الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم..
**
وجاءت غزوة أحد...
والتقى الجيشان. وتوسط حمزة أرض الموت والقتال، مرتديا لباس الحرب، وعلى صدره ريشة النعام التي تعوّد أن يزيّن بها صدره في القتال..
وراح يصول ويجول، لا يريد رأسا الا قطعه بسيفه، ومضى يضرب في المشركين، وكأن المنايا طوع أمره، يقف بها من يشاء فتصيبه في صميمه.!!
وصال المسلمون جميعا حتى قاربوا النصر الحاسم.. وحتى أخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة.. ولولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل، ونزلوا الى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم.. لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها، رجالها، ونسائها بل وخيلها وابلها..!!
لقد دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة، واعملوا فيهم سيوفهم الظامئة المجنونة.. وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديد ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار.. ولكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة.
ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلائه.
وأخذ يضرب عن يمينه وشماله.. وبين يديه ومن خلفه.. ووحشيّ هناك يراقبه، ويتحيّن الفرصة الغادرة ليوجه نحوه ضربته..
ولندع وحشا يصف لنا المشهد بكلماته:
وكنت رجلا حبشيا، أقذف بالحربة قذف لحبشة، فقلما أخطئ بها شيئا.. فلما التقى الانس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. يهدّ الناس بسيفه هدّا، ما يقف امامه شيء، فوالله اني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، اذ تقدّمني اليه سباع بن عبد العزى. فلما رآه حمزة صاح به: هلمّ اليّ يا بن مقطّعة البظرو. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه..
عندئذ هززت حربتي حتى اذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه.. ونهض نحوي فغلب على امره ثم مات..
وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت الى المعسكر فقعدت فيه، اذ لم يكن لي فيه حاجة، فقد قتلته لأعتق.
ولا بأس في أن ندع وحشيا يكمل حديثه:
فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فهربت الى الطائف..
فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم تعيّت عليّ المذاهب. وقلت : الحق بالشام أو اليمن أو سواها..
فوالله اني لفي ذلك من همي اذ قال لي رجل: ويحك..! ان رسول الله، والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه..
فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرني الا قائما أمامه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: أوحشيّ أنت..؟ قلت: نعم يا رسول الله.. قال: فحدّثني كيف قتلت حمزة، فحدّثته.. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجهك.. فكنت أتنكّب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله اليه..
فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة.. فلما التقى الانس رأيت مسيلمة الكذاب قائما، في يده السيف، فتهيأت له، وهززت حربتي، حتى اذا رضيته منها دفعتها عليه فوقعت فيه..
فان كنت قد قتلت بحربتي هذه خير الناس وهو حمزة.. فاني لأرجو أن يغفر الله لي اذ قتلت بها شرّ الناس مسيلمة.
**
هكذا سقط أسد الله ورسوله، شهيدا مجيدا..!!
وكما كانت حياته مدوّية، كانت موتته مدوّية كذلك..
فلم يكتف أعداؤه بمقتله.. وكيف يكتفون أو يقتنعون، وهم الذين جنّدوا كل أموال قريش وكل رجالها في هذه المعركة التي لم يريدوا بها سوى الرسول وعمّه حمزة..
لقد أمرت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.. أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة.. واستجاب الحبشي لهذه الرغبة المسعورة.. وعندما عاد بها الى هند كان يناولها الكبد بيمناه، ويتلقى منها قرطها وقلائدها بيسراه، مكافأة له على انجاز مهمته..
ومضغت هند بنت عتبة الذي صرعه المسلمون ببدر، وزوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك الوثنية،مضغت كبد حمزة، راجية أن تشفي تلك الحماقة حقدها وغلها. ولكن الكبد استعصت على أنيابها، وأعجزتها أن تسيغها، فأخرجتها من فمها، ثم علت صخرة مرتفعة، وراحت تصرخ قائلة:
نحن جزيناكم بيوم بدر
والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
ولا أخي وعمّه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري
أزاح وحشي غليل صدري
وانتهت المعركة، وامتطى المشركون ابلهم، وساقوا خيلهم قافلين الى مكة..
ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شهداءها..
وهناك في بطن الوادي. وهو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم، وقدّموها قرابين مبرورة لربهم الكبير. وقف فجأة.. ونظر. فوجم.. وضغط على أسنانه.. وأسبل جفنيه..
فما كان يتصوّر قط أن يهبط الخلق العربي على هذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشهداء..
وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كومض القدر وقال وعيناه على جثمان عمّه:
(لن اصاب بمصلك أبدا..
وما وقفت موقفا قط أغيظ اليّ من موقفي هذا..).
ثم التفت الى أصحابه وقال:
(لولا أن تحزن صفيّة _أخت حمزة_ ويكون سنة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير.. ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلا منهم..)
فصاح أصحاب الرسول:
(والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم، مثلة لم يمثلها أحد من العرب..!!)
ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة، يكرّمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة الى الأبد، ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا..
وهكذا لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ من القاء وعيده السالف حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة:
(ادع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين.
وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك الا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون. ان الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون.)
وكان نزول هذه الآيات، في هذا الموطن، خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله..
**
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب، فهو كما ذكرنا من قبل لم يكن عمّه الحبيب فحسب..
بل كان اخاه من الرضاعة..
وتربه في الطفولة..
وصديق العمر كله..
وفي لحظات الوداع هذه، لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية يودّعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد الشهداء المعركة جميعا..
وهكذا حمل جثمان حمزة الى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه، واحتضنت دماءه، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم جئ بشهيد آخر، فصلى عليه الرسول.. ثم رفع وترك حمزة مكانه، وجئ بشهيد ثالث فوضع الى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول..
وهكذا جئ بالشهداء.. شهيد بعد شهيد.. والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معه حتى صلى على عمّه يومئذ سبعين صلاة.
**
وينصرف الرسول من المعركة الى بيته، فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن، فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه:
(لكنّ حمزة لا بواكي له)..!!
ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه، فيسرع الى نساء بني عبد الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن... ولا يكاد الرسول يسمع بكاءهن حتى يخرج اليهن، ويقول
(ما الى هذا قصدت، ارجعن يرحمكن الله، فلا بكاء بعد اليوم)
ولقد ذهب أصحاب رسول الله يتبارون في رثاء حمزة وتمجيد مناقبه العظيمة.
فقال حسان بن ثابت:
دع عنك دارا قد عفا رسمها
وابك على حمزة ذي النائل
اللابس الخيل اذا أحجمت
كالليث في غابته الباسل
أبيض في الذروة من بني هاشم
لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم
شلت يدا وحشي من قاتل
وقال عبد الله بن رواحة:
بكت عيني وحق لها بكاها
وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الاله غداة قالوا:
أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا
هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى، لك الأركان هدّت
وأنت الماجد البرّ الوصول
وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة:
دعاه اله الحق ذو العرش دعوة
الى جنة يحيا بها وسرور
فذاك ما كنا نرجي ونرتجي
لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله ما أنساك ما هبّت الصبا
بكاء وحزنا محضري وميسري
على أسد الله الذي كان مدرها
يذود عن الاسلام كل كفور
أقول وقد أعلى النعي عشيرتي
جزى الله خيرا من أخ ونصير
على أن خير رثاء عطّر ذكراه كانت كلمات رسول الله له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال:
(رحمة الله عليك، فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات)..
**
لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا. وكان العزاء فيه مهمة صعبة.. بيد أن الأقدر كانت تدّخر لرسول الله أجمل عزاء.
ففي طريقه من أحد الى داره مرّ عليه الصلاة والسلام بالمرأة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها وزوجها، وأخوها..
وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو، سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة..
فنعوا اليها الزوج..والأب ..والأخ..
واذا بها تسألهم في لهفة:
(وماذا فعل رسول الله)..؟؟
قالوا:
(خيرا.. هو بحمد الله كما تحبين)..!!
قالت:
(أرونيه، حتىأنظر اليه)..!!
ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رأته أقبلت نحوه تقول:
(كل مصيبة بعدك، أمرها يهون)..!!
**
أجل..
لقد كان هذا أجمل عزاء وأبقاه..
ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لهذا المشهد الفذّ الفريد، فليس في دنيا البذل، والولاء، والفداء لهذا نظير..
المرأة ضعيفة، مسكينة، تفقد في ساعة واحدة أباها وزوجها وأخاها.. ثم يكون ردّها على الناعي لحظة سمعها الخبر الذي يهدّ الجبال:
(وماذا فعل رسول الله)..؟؟!!
لقد كان مشهد أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء.. في أسد الله، وسيّد الشهداء..!!

رجال حول الرسول - خالد محمد خالد


أعلى

 






الشيخ علي يحيى معمر والدعوة إلى وحدة المسلمين
ـ كان الشيخ علي نشيطا في الحقل الديني والأدبي والاجتماعي
ـ حاجة المسلمين إلى التقارب اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى
ـ عمل كبير يجب القيام به للوقوف أمام الادعاءات المغرضة
ـ دعا إلى جمع الشمل ورأب الصدع بين المسلمين جميعا

الشيخ علي يحيى معمر شخصية إسلامية وأدبية واجتماعية، امتازت بالبحث الجاد، والعمل الدؤوب المتواصل الذي لا يعرف الملل والكلل، في سبيل نشر المعرفة، وكشف الحقائق لمن يجهلها أو يتجاهلها.
لقد كان طول حياته الرجّل الصادق مع ربه ونفسه، المحب لوطنه وأمته، الغيور على دينه، الداعي لوحدة المسلمين، المجاهد في سبيل جمع شملهم. المحارب للبدع والخرافات، كان في كل ذلك محكما كتاب الله، و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
علي بن يحيى معمر، من مواليد مدينة (نالوت) (ليبيا) سنة 1919م، تلقى دراسته بمسقط رأسه، ثم في جزيرة جربة التونسية، فمعهد الحياة بالقرارة (الجزائر). درس في جربة، ومعهد الحياة، وأخيرا في بلده ليبيا حين رجع إليها سنة 1945م.
في هذا الأخير تدرج في أروقة التعليم، من مدرس، إلى مدير مدرسة، إلى موجه تربوي (مفتش)، إلى موثق تربوي، إلى أن استقربه المقام في طرابلس الغرب في وظيفية مرموقة بأمانة التربية والتعليم (الوزارة)، وبقي فيه إلى أن وافته المنية، رحمه الله.
كان نشيطا في الحقل الديني والأدبي والاجتماعي، شارك في جميع مجالات النشاط في معهد الحياة: من دروس وجمعيات أدبية وفرق فنية ورياضية ومسرحية، وذلك لما كان طالبا، وكان ناشطا في إلقاء الدروس والمواعظ في المساجد، وفي صفوف العامة والطلبة، عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كان ينشر مقالاته الدينية والاجتماعية والتاريخية في مختلف الجرائد والمجلات، خاصة: الشباب (معهد الحياة) المسلمون، الأزهر، الرسالة، الأسبوع السياسي، المعلم وغيرها....
أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات عديدة، تزيد على سبعة عشر مؤلفا (17) عدا التعليقات والردود والمقالات والقصائد والأناشيد والفتاوى.
هكذا بقي المرحوم يناضل ويجاهد إلى الرمق الأخير في حياته، وبذلك أدى ما عليه، فذهب إلى ربه قرير العين حين قيل له: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وأدخلي جنتي) وكان ذلك يوم الثلاثاء 27 صفر 1400هـ الموافق لـ (15 جانفي 1980م) رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.
مما يمتاز به الشيخ على يحيى معمر في كتاباته:
المناقشة العلمية الهادئة، والجدل المقنع اللذان مصدرهما الكفاية العلمية والأصالة والتفكير، والاقتناع بالمبادئ التي يعتنقها، والاستجابة لقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن).
كما تمتاز مؤلفاته باللغة البسيطة والأسلوب الممتع، كما عرف عنه التواضع للعمل، والاحترام للعلماء، والتقدير للآراء المعروضة، لأنها تمثل قبل كل اعتبار وجهات نظر مجتهدين، قد يصيبون ، وقد يخطئون.
لكل ذلك نال في قلوب كبار النفوس والمنصفين مكانة عالية، وحظي بالتقدير والاحترام وقال أبو اليقظان، إبراهيم: (تسلمت شطرا من كتابك الأباضية في موكب التاريخ فتصفحت مقدمته، وشطرا منه فوجدته كتابا بديعا في فنه، وديعا في أسلوبه، ينساب كالماء في الأغصان وقت الربيع، وكالنسيم فيه، يأخذ من يانع الزهر، ولا يكاد يشعر به الإنسان إلا وقد بلغ الغايتين تجاويف القلوب، ولفائف النفوس، توخيت في أسلوبه الوداعة والبساطة، لا حدة ولا عنصرية، ولا إجحاف بحق الأمة في تاريخ أسلافها، هكذا ذهبت كالسهم رأسا إلى اللب، فاقتنصته بلباقة، وطعمت به في لفائفه، وأغشيته كالطبيب، حتى ركزته في بؤرة مرض من المريض بدون أن يشعر بمرارة الدواء، حتى يجد راحة الشفاء، هكذا فليكن الدعاة، أسلوب متواضع رصين، يأخذ طريقه إلى القلوب بدون استئذان، فبارك الله لك في قلمك السيال، وفكرك المنتج، وضميرك اليقظ).
بهذا الأسلوب استطاع المرحوم أن يعالج كثيرا من قضايا المسلمين، ويناقش بعضا من اهتماماتهم وانشغالاتهم، من هذه القضايا (وحدتهم وتضامنهم).
إن حاجة المسلمين إلى التقارب والتفاهم، هي اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، بعد المآسي التي تعرضوا لها في العصور السابقة التي اتسمت بالجهل والتعصب والتسلط والقهر والاضطهاد، وكبت الحريات، وتمرير المؤتمرات، واختلاف أساليب التمويه، واتباع سياسة التشويه والتزييف والتحريف، مما نتج عنه مجتمع إسلامي ممزق الأواصر، مشتت الأفكار، متضارب الأهواء والمشارب، خائر القوى، مذبذب المواقف كسولا لا يتحرى نقل الحقائق، ولا يسعى إليها بنفسه، بل يترك غيره يمليها عليه كما يشاء، وتبلد فكر أبنائه، فلم يعودوا قادرين على استقراء الأحداث، ولا استنطاق المواقف، فانطلت عليهم الحيل، وخفيت عنهم الدسائس، فراحوا يكتبون ويرددون ما يملي عليهم من بعض الفرق الإسلامية وأعلامها وآرائها، دون تمحيص وتدقيق، وينسبون إليها أقوالا وأمورا، جهلا أو تعصبا، أو لسبب ودافع آخر غابت عنا حقيقته وفحواه.
كانت هذه الكتابات كافية لاخراج من كتب عنهم وزحزحتهم من زمرة المسلمين، ولذلك فهم يستحقون لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقد كان لكتاب المقالات دور كبير في هذا المسار، لأن ما كتبوه كان المصدر وكان الأصل في كل ما يجب معرفته عن المذاهب الإسلامية، ومعتقداتهم ومبادئهم. وقد أساءوا كثيرا إلي الإسلام حين لم يوفقوا في كتاباتهم وتاريخهم لمسيرة الفكر الإسلامي.
جئنا نحن فزدنا الطين بله، حين اعتبرنا أقوالهم أمورا مسلمة، لا يمكن مناقشتها، لأنهم معصومون من الخطأ، وأصررنا على ذلك، رغم توفر أسباب المعرفة، وطرق التمحيص والتدقيق، وموازين التمييز والتثبيت، فجمدنا عقولنا، وضيقنا قلوبنا، وحددنا أفق معارفنا، ووضعنا على أعيننا أقنعة، وقصرنا مواطن نظرنا، لأننا لم نكن في مستوى الكلمة المسؤولة، والموقف التاريخي الملتزم، وحقيقة التصور الموضوعي النزيه، والنظرة المستقبلية الشاملة والرؤية الواضحة الواعية، فازدادت صفوفنا تصدعا، ومواقفنا تباينا.
لقد حاول شيخنا علي يحيى معمر تدراك هذا الخطأ، ومعالجة مسألة الوحدة الإسلامية بكتاباته ومواقفه وتوجيهاته، وذلك بتقرير بعض الأسس التي يجب إن ينطلق منها كل من يعترض أو يتصدى للكتابة، أو الحديث عن اهتمامات المسلمين مهما تكن هذه المحاولات، ومهما تكن هذه الموضوعات، إذا يجب معالجتها بما يعين على جمع كلمة المسلمين لا بما يؤدي إلى تفرقها.
يرى الأستاذ أن المسلمين متساوون فيما بينهم، لا فرق بين مسلم وآخر، ولا أفضلية لفرقة على أخرى، وهو ما يجب أن يعتقده كل مؤمن، قال تحت عنوان: (يا أخي في الله): (وأن تضع في اعتبارك أنني أرى جميع الفرق و المذاهب الإسلامية تقف متساوية على صعيد واحد، فليس فيها-بصفتها الجماعية-فرقة أفضل من فرقة، ولا مذهب خيرا من مذهب، وأن من المنتمين إلى كل فرقة أو مذهب أتقياء بررة، وأشقياء فجرة، وسادا أعظم، وهو وسط بين ذلك).
فهو يعيب على المسلمين حين تعتقد كل فئة أنها خير من الأخرى، وأنها صاحبة الأفضال، وأن غيرها لا وزن لها و لا قيمة، فتضفي على نفسها ألقابا وتتسمى بأسماء تحرم غيرها منها: (سبق إلى أذهان الناس، بسبب ما يقوله كل أصحاب مذهب عن أنفسهم بأنهم أصحاب الحق وأهل العدل، وأهل الصواب وأهل السنة، وأهل الاستقامة ، وبما يقولونه عن غيرهم من أنهم أهل الزيغ، وأهل الضلالة، وأهل البدعة وأهل الأهواء، وبأنهم فعلا أهل الحق، وبأنهم في الجنة، وبأن غيرهم فعلا أهل الباطل، وأنهم في النار، هذه المفاهيم المبنية على أنانية مذهبية يجب أن تختفي، وأن يقوم بدلها مفهوم، هو أنه ليس هناك في الإسلام إلا أمة واحدة هي الأمة الإسلامية التي وعدها الله تبارك وتعالى بكل خير، وليس فيها مجموعات أو طوائف أو فرق تدفع هكذا بوصفها الجماعي إلى الهاوية).
ان أشد ما كان يحز في نفسه أنه يرى المسلمين يتناحرون فيما بينهم، خاصة حين يحدث هذا في مستوى علماء الأمة الموجهين لها، وكان الشيخ يرى أن سبب هذا التناحر، هو التهم التي يوجهها البعض إلى الآخر، نتيجة الجهل، وفقد الوعي.
لهذا عني بإظهار الحق، والدفاع عن المظلوم، وتصحيح المفاهيم، والكشف عن الأغاليط، وقد نشر دراسات اجتماعية وتاريخية قيمة، وكتب بحوثا وفصولا مطولة عن الاباضية بخاصة، ولم يكن هذا منه تعصبا لمذهبه، لكن تحقيقا لمبدئه، وتنفيذا لخطته، وهو إظهار الحقائق، ودفع الضيم عن طائفة طالما ظلمها التاريخ أم تعصبا أو جهلا، قال الشيخ: (أن أقلاما لم تستقص البحث، ولم تتعرف الحقيقة قد تناولت هذه الفرقة بشيء من الخطأ في فهم أصول العقيدة والخطأ في فهم البواعث على العمل والخطأ في مضمون الأسباب التي نتجت عنها أحداث تاريخية، حملت هذه الفرقة أوزارها، وبريء منها أولئك الذين تسببوا فيها، والذي يهمني في هذا الكتاب أن أوضح بعض اللبس الذي نتج عن آثار الأقلام الخطاءة.....).
ثم يبين أن هذا المسلك يندرج في إطار تسهيل وسائل الاتصال والتقارب بين المسلمين بالتعريف بهم، لأن الإنسان عدو ما جهل، ويؤكد على أن الاعتزاز لا يكون إلا بالأمة الإسلامية ككل، ولا اعتراف بها متشتتة متفرقة: (وأنني وأنا أقدم للقارئ الكريم هذا الكتاب عن فرقة من فرق الإسلام في جزء من وطن الأمة المسلمة الكبير، يسرني جدا أن أعلن هنا، كما أعلنت من قبل أنني لا أعتز إلا بالأمة المسلمة أمة واحدة، ولا أعتز إلا بالوطن المسلم وطنا واحدا، وأن ما قدمته وأقدمه من أبحاث عن طوائف صغيرة، أو بلدان ضيقة، فإنما أكشف عن صورة من حياة هذه الأمة العظيمة، في جانب من جوانبها، أو قسم من أقسامها، فإذا بدأ للقارئ الكريم في أثناء قراءته ما يشعر بغير هذه الحقيقة الثابتة، أو أحس أن عبارة من العبارات تشعر بغير هذا المعنى، أو تدعوا إلى عنصرية أو تفرقة فليضرب بذلك عرض الحائط. فان كيان الأمة المسلمة والوطن المسلم أكرم على الله، وعلى الملائكة، وعلى المؤمنين، وأعز من جميع الكتاب والدعاة، وإنني أحسب أن إيماني بهذه الحقيقة من وحدة الأمة في مذاهبها وأجناسها وأوطائها قربة أتوسل بها إلى الله تعالى.)
كيف لا يلتزم بهذه الطريقة ولا يسير على هذه السنن، ولا يعمل على تطبيق تعاليم الإسلام، وتجسيد روحه في سلوكه، وهو موجه وناصح: (والكاتب المسلم حين يكتب عن طائفة أو عن بلد، يجب أن يحرص على الرباط المتين الذي يربط بين الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها وديارها، وأن يبعد عن قلبه وعن أحاسيسه، وعن شعوره معاني التفرقة والعنصرية، العصبية، تلك المعاني المنتة التي استغلتها المصلحة الخاصة غير المؤمنة، وقامت بها في أحداث الزمن مطامع فردية، و سجلتها في التاريخ أقلام مأجورة، أو مغرورة أو مخدوعة، على حساب العناصر أو الأجناس أو المذاهب.)
يرى الشيخ علي يحيى معمر أن هناك عملا كبيرا متواصلا يجب القيام به، ليكفل لنا الوقوف أمام الادعاءات المغرضة، والمكايد المدسوسة ، والضرب على الأيدي العابثة، أنه العمل على إزاحة ما ران على التاريخ الإسلامي من آثار كتابات المغرضين، وترهات الجاهلين والحاقدين، وأكاذيب الأفاكين، وهو ما يعين على تصحيح المفاهيم، ورد الشبه، وإجلاء الحقائق، بذلك يتسنى للمسلمين إن يرجعوا إلى بعضهم البعض، وتتم وحدتهم ويتعاونوا على البر والتقوى، يقول الشيخ: (فإننا في أشد الحاجة إلى أن نزيح من تاريخ الأمة الذي رمتها به أقلام مغرضة أو مخطئة، حتى إذا استقام تاريخ الأمة الإسلامية على حقيقته، وبرئت الفرق المختلفة مما قيل عنها بسوء نية أو بحسن نية، مما لا يتلاءم مع أصولها وقواعدها ومصادر تاريخها وتشريعها. إذا استقام التاريخ على ذلك، سقط عن الأمة كثير مما دسته الأيدي العابثة والآراء المخطئة، والأقلام المغرضة، سواء كان ذلك من كيد خارجي اندس في التراث الإسلامي، فآزرته عقول سطحية، لم تنتبه لما يحمله من عدوان، أو من كيد داخلي، دعت إليه ألسنة لم يهذبها النطق بالشهادة، فتقولت الأقاويل من أجل غرض دنيوي قريب أو متاع فيها قليل.)
لهذا يرى الشيخ على أن المعرفة التي تتوفر للمسلمين عن كل مذهب، والتعارف الذي يتم بين معتنقي المذاهب، والاعتراف الذي يكون شعار كل فرد في كل مذهب، كل ذلك يشعر الجميع أنهم يسيرون في خط واحد، ويهدفون إلى غاية واحدة، وهي خدمة الإسلام، ورفع كلمة الله، وبالتالي يؤمنون بضرورة الترفع عن سفاسف الأمور، وعدم البقاء في الأمور الهامشية، والارتفاع إلى مستوى عظمة الرسالة.
هذا المثلث (المعرفة، الاعتراف، التعارف) كفيل بتحطيم المذهبية المبنية على التعصب المقيت، والمؤسسة على فكرة انحصار الحق عند طائفة معينة وإنكار ما عند الآخرين، والرامية إلى التشنيع بمن لا يقول بما تقول به فئة من المسلمين:
(وأنا على يقين-في نفسي-أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة، ولا تتحطم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون، فان هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب، وقوة في رد الفعل. وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والآداء الجماعي للعبادات، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر يرضى، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب، أو اجتهد فأخطأ)، وفي ظل الأخوة والسماح تغيب التحديات، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وفهمها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت مذهبا.)
بهذه الروح عالج الشيخ كثيرا من القضايا الإسلامية، وبها يتمنى أن تزول الثقة بين المسلمين، وتذهب أسباب التباعد عن بعضهم البعض، و يحل محلها التفاهم الذي يؤدي إلى التعاون والعمل المشترك، هذا ما جعل الأستاذ علي مصطفى المصراتي يقول: (كانت ولا تزال وستظل دراسات علي معمر- رغم اختلافات الرأي- أو في لون من ألوان التقريب بين المذاهب الإسلامية في الكتاب والسنة والشريعة.)
بهذا العرض المقتضب لاراء علي يحيى معمر في مسألة الوحدة الإسلامية وكيفية تحقيقها، يتضح لنا دورة في التقريب بين المسلمين، بمحاولة إزالة ما يعكر صور العلاقات بينهم، والعمل على إخراج الرين الذي أحاط بالقلوب ونبذه.
والوسيلة الوحيدة للوصول إلى الغاية المنشودة، وبلوغ الهدف المرسوم، وتحقيق الأمل الكبير وهو (الوحدة) لا تتم إلا بتطبيق الشعار المقترح (المعرفة، التعاون، الاعتراف).
إننا في أمس الحاجة إلى الوحدة، فالأعداء قد تكالبوا علينا، واستغلوا فينا وصمة التشتت والافتراق، فأصابونا في ديننا، وفي علاقاتنا، وألهونا بمسائل هامشية على حساب الجوهر، وهو العمل على تطوير مسيرتنا الفكرية، بما يعود علينا بالخير العميم، قال الشيخ علي يحيى معمر:
(ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم، ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد، لا مزيد لأحدهم على الآخرون، إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص لله.)
وفي ختام هذه الكلمة أسجل ملاحظتين اثنتين:
كان الشيخ علي يحيى معمر يناقش هذه القضايا بهدوء المؤمن الذي يسعى إلى إظهار الحقيقة، رغبة منه في توحيد صف المسلمين، وبعدة الباحث الذي يملك الحجة، والبرهان على تقرير الحقائق، والذي يتحلى بالكفاية في الكتابة والإفهام والتبليغ، وبأخلاق العالم الذي يتواضع بعلمه الواسع، ويعترف بالفضل لأصحابه، وللعلماء العالمين، ويلتمس أعذارا لمن كتب وينزهه عن القصد إلى الإساءة، يقول: (أخي في الله أرجو أن تقرأ هذه الفصول المعروضة بين يديك في هذا الكتاب، محتسبا أجرك على الله، وأن تأخذ منها ما استبان لك أنه الحق بحفاوة، وأن تنبذ ما استبان لك أنه الباطل على طول يدك، وأن تزن كل ذلك بالميزان الدقيق الذي لا يخطئ من قوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.)
كشفت كتاباته عن الأخطاء التاريخية الفادحة التي ارتكبت في حق المذهب الأباضي، كنموذج للافتراء على الفكر الإسلامي، ويبين كيف تبرعمت تلك الأخطاء وأورقت، فأنتجت ثمارا خبيثة أسهمت في توسيع شقة الخلاف بين المسلمين، كما أماطت اللثام عن البيئات التي ترعرعت فيها الشطحات التاريخية فرقص على أنغامها الكذابون والمشنعون والمغرضون، والأفاكون الذين يحبون أن تشيع الفتنة والفرقة بين أبناء الملة الواحدة. فلننتبه إلى ما يحاك ضدنا، ولنتأكد مما نقرأ، ولنتأمل فيما يملى علينا، ولنربط كل قول بالعوامل التي دفعت إلى الجهر به، حتى لا نخسر أنفسنا. وهو ما يدعونا إلى مراجعة كثير من الآراء التي قررت في حق بعض المذاهب الإسلامية، وإعادة النظر في طريقة التعامل مع الفكر الإسلامي. والتعريف به والكتابة حوله، بما يعمل على التقريب بين المسلمين، بدل التفريق بينهم.
هذه الآن شهادة اعتراف وتقدير للشيخ علي يحيى معمر يقدمها له أستاذه الشيخ سليمان عون الله (.... وإن كان ما تناولته الأيدي في هذه المؤلفات (أي مؤلفات الشيخ علي) حتى الآن هو شيء قليل بالنسبة لما تبقى، إلا أنه رغم قلته أحدث أصداء واسعة في الأوساط العلمية والأدبية، وأزاح عمن أعشى ظلام التعصب أعينهم، وران الجهل والحقد على قلوبهم، أزاح عنهم الغشاوة السوداء فأرى لهم حقيقة الإسلام بيضاء ناصعة، بأدلة وبراهين تظهر في المنهج الذي سلكه أبو الشعثاء جابر بن زيد، وأتباعه من بعده. كان رحمه الله نبراسا يستضئ به في دياجير الجهل المدلهمة وسيفا بتارا يقطع به حجج أهل الزيغ والضلال، ورحمة ضيقت الخلاف بين المسلمين).

د. محمد ناصر بو حجام


أعلى






آفاق تربوية
الأساس في بناء الأسرة المسلمة

إن الأسرة المسلمة الصالحة، هي التي يتربى أفرادها تربية إسلامية، تثمر في نفوسهم الأمن والاطمئنان والسكينة والحب، ولا سبيل إلى ذلك إلا بوجود زوجين صالحين تربى كل منهما على العلم النافع، والعمل الصالح..
ولهذا كان الواجب الأول عند إرادة الزواج، أن يبحث الزوج الصالح عن المرأة الصالحة ذات الدين الحق، وأن يختار ولي الأمر للمرأة الصالحة الزوج الصالح، حتى يسكن كل منهما إلى الآخر، وتتحقق بينهما المودة والرحمة، وتنشأ ذريتهما على التقوى والخلق الحسن، تحقيقا لقول الله عز وجل: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (سورة الروم: 21).
وإذا كانت هذه المعاني قد توجد بين زوجين مسلمين أو غير مسلمين، لالتقائهما على الفطرة التي اقتضتها حكمة الله في الذكر والأنثى، فإنها لا توجد بحدها الأعلى إلا في الزوجين المسلمين الصالحين، لاجتماع الفطرة الغريزية، والتوجيه الشرعي الرباني فيهما.
ومن أعظم صفات المرأة المسلمة الصلاح وما يشمله، من عبادة الله، وحفظ حقوق الزوج، وحقوق الأولاد، قال تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) (سورة النساء:34)
وقد أجمل الله تعالى صفات المرأة الصالحة في أعلى صورها في هذه الآيات التي وجه إليها نساء نبيه صلى الله عليه وسلم، وهن قدوة نساء المؤمنين، قال تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما. يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقا كريما. يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن، فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا. وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجز أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، إن الله كان لطيفا خبيرا. إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) (سورة الأحزاب: 28-35)
إن صفات الخير التي وجه الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات، هي مطلوبة من نساء المؤمنين كلهن، وإن كان لنساء الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصية في مضاعفة الثواب لهن على طاعتهن، ومضاعفة العقاب لهن على معصيتهن، لمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ينزل عليه الوحي في بيوتهن وفي جوارهن، وهو يعلمهن ويزكيهن مباشرة، بما يوحيه الله تعالى عليه من الآيات والحكمة، كما أن ما يؤمرن به من الطاعة آكد من أمر غيرهن، وما ينهين عنه من المعصية، آكد من نهي غيرهن، ولكنهن قدوة لبقية نساء المؤمنين في فعل صفات الخير، وترك فعل الشر.
وإن الآية الأخيرة قد جمعت الصفات الأساسية لجميع المسلمين، رجالا ونساء، وهي تبين أصول الصلاح المطلوب في الفرد المسلم والأسرة المسلمة، وكذا المجتمع المسلم.
ومما يدل على هذا الأساس نهي الله تعالى المسلمَ أن ينكح المشركة، ونهي المسلمة أن تنكح المشرك، حرصا على بناء الأسرة المسلمة الصالحة، لأن المشركين من أهل النار ويدعون إليها صدا عن سبيل الله، والمسلمين من أهل الجنة ويدعون إليها، تحقيقا لدعوة الله.
وأباح سبحانه وتعالى عند الضرورة - أو الحاجة القريبة منها - أن يتزوج المسلمُ الحرُ أمةً مؤمنةً، وإن كان في ذلك رقُّ أولاده منها، فهي مفسدة تهون في جانب مفسدة الزواج بمشركة، لأن رق الأولاد -بسبب الزواج بأمة مؤمنة-هو رق حسي، لأنهم في عبوديتهم الحقة لربهم أحرار من عبودية غيره، بخلاف أولاد المشركة، فقد يكونون أحرارا حسا، أرقاء في واقع الأمر رقا مذلا لغير الله تعالى، إذا ما هي أفسدتهم بالشرك بالله.
كما أباح سبحانه زواج المرأة المسلمة الحرة بالعبد المؤمن، إذا لم تجد مؤمنا حرا، قال تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) (سورة البقرة: 221)
ولهذا رجح بعض الفقهاء والمفسرين عدم جواز نكاح المسلم العفيف المسلمة الزانية، إلا إذا أظهرت توبتها من ذلك، مستدلين بقوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين) (سورة النور: 30) وهذا هو الراجح من مذهب الحنابلة. (راجع المغني لابن قدامة 7/140-142)
ويرى الأئمة الثلاثة - أبو حنيفة ومالك والشافعي - رحمهم الله جواز نكاح الزانية قبل التوبة، وحملوا النكاح المنهي عنه في الآية على أن المراد به الوطء بزنا... (المرجع السابق 7/141، والتفسير الكبير للرازي 23/151 ورجح ذلك ابن جرير الطبري في تفسيره: 18/75
والذي يظهر من قواعد الشريعة ونصوصها، أنه لا يجوز نكاح الزانية قبل التوبة من الفاحشة لأنها إذا كانت مقيمة على الزنا، لم يؤمن أن تلحق به ولد غيره وتفسد فراشه. (المغني: 7/141)
ومهما يكن الخلاف في هذه المسألة، فإن السنة قد أكدت اختيار المرأة الصالحة، وهي ذات الدين، وإذا أطلق هذا اللفظ: (الدين) في الشرع، فالمراد به التقوى والصلاح والورع والإحسان الذي يجعل صاحبه يعبد ربه كأنه يراه.
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) (البخاري ) 6/123) ومسلم (2/1086.
وجعل صلى الله عليه وسلم المرأة الصالحة خير متاع الدنيا، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) (مسلم (2/1090).
وأهل الفطر السليمة والعفة لا يرغبون في نكاح الزواني الفاسقات، ويتركون الصالحات (راجع التفسير الكبير للرازي 23/150
والمرأة الصالحة خير كنز للمرء، لما فيها من صفات الخير العائدة عليه بالبركة في حياته، كما في حديث عمر رضي الله عنه، وفيه: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة: إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) (أبو داود 2/305-306.
ثلاث صفات في المرأة الصالحة جمعت خصال الخير التي تدوم بها المودة وحسن العشرة بين الزوج وامرأته، وهي خير ما يكنز في حياته:
الخصلة الأولى: تجملها له وتزينها وظهورها أمامه بمنظر حسن يسره النظر إليها، وهي خصلة تدل على شدة حرصها على إدخال السرور عليه والعناية به، وقد لا تكون مفرطة في الجمال، ولكن تزينها له وحسن هندامها يجعلها أمامه خيراً من المفرطات في الجمال اللاتي لا يعتنين بأزواجهن مثلها.
الخصلة الثانية: المسارعة في طاعة زوجها وتنفيذ رغباته المشروعة، والمؤمن الصالح لا يأمر زوجته بما فيه معصية لله تعالى، ولا شك أن المرأة التي تطيع زوجها ولا تعصيه كنزٌ ثمين غال لا يحصل عليه إلا من أسعده الله به.
الخصلة الثالثة: حفظ حقوقه في غيبته: في نفسها وأولادها وماله وغيرها، وهذه الخصلة أهم الخصال وأفضلها، لأنها لا توجد إلا في ذات الدين التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالظفر بها.
فهي المرأة الأمينة على نفسها التي يطمئن الزوج عليها في تربية أولاده، فلا تربيهم إلا على طاعة الله وطاعة الوالدين في غير معصية الله، وتربيتهم على الصدق والأمانة وحَسَن الأخلاق، كما يأمنها على نفسها، فلا ترتكب محرماً في غيبته عنها ولا تفتح بابه لمن يكره، ولا تدخل في نسبه من ليس منه، ويأمنها على ماله فلا تنفقه فيما حرم الله ولا تبذر بشيء منه.
أي كنز يوازي هذا الكنز من متاع الدنيا، وأي أمن يوازي هذا الأمن لمصاحب للإنسان في حياته كلها في منزله الذي لا يفارقه إلا ليعود إليه؟ (إنه خير ما يكنز) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن قدامة رحمه الله: (ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) متفق عليه. ويختار الجميلة، لأنه أسكن لنفسه، وأغض لبصره، وأدوم لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح.. (الكافي (2/659).
وإذا اجتمع الرجل الصالح بالمرأة الصالحة على سنة الله ورسوله وطاعة الله ورسوله، بدأ بهما تَكَوُّن الأسرة الصالحة التي هي نواة المجتمع الصالح، حيث ينجب الأولاد ويعنى بتربيتهم جسمياً وعقلياً وروحياً، على هدى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقدوة التي ينشأ فيها الطفل هي التي تحدد نشاطه وتصرفاته واتجاهاته في مستقبل حياته في الأعم الأغلب، لأن ما ينبت في نفسه وهو صغير، وينمو معه في منزله من أبويه، يصبح عادة متمكنة يصعب تغييرها بعد كبره.
لهذا كان الواجب على الولدين أن تكون تصرفاتهما كلها قدوة حسنة لأولادهما، مع التوجيه النظري والتعليم، فإن التعليم لا ينفع إذا كانت القدوة سيئة، فإن الفعل يتمكن في النفس أكثر من القول، لاسيما إذا كان الفعل عادة يشاهدها الطفل في أبويه باستمرار، وتتعاون القدوة السيئة في المنزل، مع الأفعال السيئة التي شاهدها الولد في خارج المنزل، فينشأ محباً للشر مبغضاً للخير.
وقد ذكّر الله المسلمين بأهمية القدوة الحسنة بنبيهم صلى الله عليه وسلم فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً..) (الأحزاب: 21).
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه أن يقتدوا بأفعاله في أهم الأعمال وأفضلها، كقوله لهم في الصلاة: (صلوا كما رأيتموني أصلي..) (البخاري (1/155) وكان يعلّمهم الصلاة بالفعل مع القول. وقال لهم في الحج: (لتأخذوا عني مناسككم) (مسلم 2/943.
وعندما أمرهم بالإحلال في الحديبية، إذ صدهم المشركون عن الطواف بالبيت، لم تطب نفوسهم حتى أحلّ هو صلى الله عليه وسلم فتبعوه (البخاري 3/182)
وإذا كانت القدوة مؤثرة في الكبار، فإنها في الصغار أشد تأثيراً، ومن هنا كان واجب الوالدين عظيماً في أن يهتما بأن تكون تصرفاتهما إسلامية ينشأ عليها ولدهما، وإلا كانا سبباً رئيسيا انحرافه بانحرافهما أو انحراف أحدهما، وبخاصة الأم التي لا يفارقها الطفل في أغلب أحيانه.
قال محمد قطب وفقهه الله: (ومرة واحدة من القدوة السيئة تكفي، مرة واحدة يجد أمه تكذب على أبيه، وأباه يكذب على أمه، أو أحدهما يكذب على الجيران.. مرة واحدة تكفي في تدمّر قيمة الصدق في نفسه، ولو أخذ كل يوم وساعة يرددان على سمعه النصائح والمواعظ والتوصيات بالصدق، مرة واحدة يجد أمه وأباه يغش أحدهما الآخر، أو يغشان الناس في قول أو فعل..
مرة واحدة كفيلة بأن تدمر قيمة الاستقامة في نفسه، ولو انهالت على سمعه التعليمات، مرة واحدة يجد في هؤلاء المقربين إليه نموذجاً من السرقة كفيلة بأن تدمر في نفسه قيمة الأمانة، وهكذا في كل القيم والمبادئ التي تقوم عليها الحياة الإنسانية السوية.
وقد يغفر الطفل للآخرين أن يكذبوا ويخدعوا ويسرقوا ويغشوا ويخونوا... أو لا يتأثر به كثيراً، أو لا يتأثر به على الإطلاق، إذا كان يأوي إلى ركن ركين من القيم والمبادئ متمثلة في أبويه، وخاصة حين يبيّن له أبواه بالقدر الكافي من الإبانة والتوضيح أن تلك نماذج سيئة لا ينبغي له أن يحاكيها، مستندين إلى النموذج الطيب الذي يقدمانه هما لطفلهما.
ولكنه لا يغفر لأبويه أبداً شيئاً من ذلك، ولا يمكن أن يمر شيء منه بغير تأثر عميق في نفسه، وقد يبقى بقية العمر كله لا يتغير.
ومن هنا كان حرص الإسلام الشديد على أن يكون الأبوان في ذاتهما مسلمين، أي ممارسين لحقائق الإسلام وقيمه ومبادئه، وحرصه على تربية الناس على منهج الإسلام، لكي يكونوا هم القدوة المباشرة لأبنائهما في الفترة التي ينحصر عالم الطفل بهم، فتتكون في نفوس الأطفال - بالالتقاط والمحاكاة - تلك القيم والمبادئ الإسلامية بغير جهد يذكر، وتنشأ في نفوسهم منذ الصغر، فتكون عميقة الجذور، ثم يزيدها التعليم رسوخاً، ويزيدها المجتمع الإسلامي قوة، حتى يكبر الطفل، فيتلقى التعليم، ثم يكبر أكثر فيحتك بالمجتمع، ويأخذ منه ويعطي.
ومن هنا كذلك كان حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على توصية الرجل وهو يتزوج أن يظفر بذات الدين، فيقول له: (تنكح المرأة لأربع...) (الحديث) قد سبق تخريجه. فذات الدين هي الركن الركين في إقامة لبيت المسلم والأسرة المسلمة، وفي تنشئة الأطفال بالقدوة قبل التلقين على قيم الإسلام ومبادئه منذ نعومة أظفارهم، فتصبح عادة لهم وطبيعة، وتصبح جزءا كيانهم، ليس من السهل أن يحيدوا عنه، حين تحاول أن تلويهم الأعاصير، وحين توجد القدوة الحسنة متمثلة في الأب المسلم والأم ذات الدين.
فإن كثيراً من الجهد الذي يبذل في تنشئة الطفل على الإسلام، يكون جهداً ميسراً وقريب الثمرة في ذات الوقت، لأن الطفل سيتشرب القيم الإسلامية من الجو المحيط به تشرباً تلقائياً، وستكون تصرفات الأم والأب أمامه في مختلف المواقف مع بعضهما البعض ومع الآخرين، نماذج يحتذيها ويتصرف على منوالها... (منهاج التربية الإسلامية لمحمد قطب (2/118). إن هذا هو أساس الأسرة المسلمة: الزوجان المسلمان.
المصدر : أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي - د . عبدالله قادري الأهدل.

محمد بن عامر الحارثي


أعلى






ظاهرة التقليد عند الشباب
أسبابها. آثارها. علاجها.. 1ـ2

إننا في زمن نحتاج فيه إلى جلسات ننظر فيها بعين الغيور إلى واقعنا وما يحيط به من مخاطر لنخرج بمحاولات مستنيرة لإبعاد الأمة عن هذه المخاطر أو إبعاد المخاطر عن الأمة .
نعم نحن نحتاج إلى هذه العين ولسنا بحاجة إلى عين الرضا التي يعميها رضاها عن كل عيب ، ولا نحن بحاجة إلى عين السخط التي يعميها سخطها عن كل حسن .
البناء الشامخ
وأراني أنظر إلى هذه الأمة وكأنها بناء شامخ ضخم . .
وأرى معاول الهدم المختلفة تدكه دكا . .
وأرى بعض أجزائه قد سقط !!
وبعضها أراه آيلا للسقوط !!
وبعضها لا يزال متماسكا ومعاول الهدم تشتغل ليل نهار ولسان حاله يقول : لا شك في سقوطي إن لم يهب أحد لإنقاذي. .
ولكن أين المنقذ ؟
من البدهي في مثل هذه الحالة أن يسارع كل الذين هم داخل البناء من أجل إنقاذه خشية السقوط ، لأن سقوطه يعني نهايتهم ، وإنقاذه معناه إنقاذهم . .
ومن الطبيعي أن يقوموا بإيقاف جميع معاول الهدم بل وردها على نحور حامليها .
ولكن ماذا نقول للذي يصفق لمعاول الهدم أثناء مباشرتها عملها ؟!!
وماذا نقول للذي يحيي حاملي هذه المعاول الهدامة ؟!!
وماذا نقول للذي يحمل أحد هذه المعاول ويشارك أصحابها في هدمهم للبناء الذي يستظل بظله ؟!!
بل ماذا نقول للذي يعتقد أن هذه المعاول إنما هي للبناء وليست للهدم ؟!!
هذا جزء بسيط جدا مما نعاني منه عندما نتأمل واقعنا . .
لا تيأس
وحتى لا نرمي بالأخ القارئ في مهاوي اليأس نقول إن هذا الواقع أيضا يضم من يستحق أن نفخر بهم علما وسلوكا ووعيا وعملا وحكمة وثباتا وهمة أوعية للعلم ، ومنارة في السلوك ، ووعي بالواقع ومجريات الأحداث ، وعمل جاد وفق خطة مرسومة ومنهج مستنير ووسائل فعالة وفي ضوء أهداف ومقاصد حسنة ، وحكمة في التعامل مع الأحداث بسائر تقلباتها والأشخاص بمختلف توجهاتهم ، وثبات على الدرب رغم التيارات والعواصف ، وهمة متوقدة من أجل الحفاظ على البناء الشامخ.
مرض
مما مُنيَ به الكثير منا من الأمراض ، الافتتان بكل ما هو غربي ، صحيحه وسقيمه ، والتعلق به دون غيره ، وتفضيله على سواه ، وجعله دليلا على التطور والتقدم دون دليل ، وجعل الترك لـه أو معارضته برهانا على التخلف ، حتى انطفأ لهيب الغيرة في القلوب ، وانعدمت الثقة بالنفس ، والثقة بما لدينا ، مما لم نحسن أخذه أو عرضه أو تسويقه . .
ألا ترون أن هذا مرض خطير ، وداء عضال . .
ألا ترون أنه يجب علينا نحن أبناء هذه الأمة أن نقف صفا واحدا وحصنا منيعا في مواجهة هذا الشر الداهم . .
بين المفروض والمرفوض
من المفترض أن يكون لأمتنا شخصيتها المستقلة ، وسماتها المميزة ، وهذا ما نلمسه في العديد من النصوص الشرعية . .
ومن المفترض أن يحافظ كل من ينتمي لهذه الأمة على استقلال شخصيته وتميز سماته . .
ومن المفترض أن لا يسمح أي واحد من أفراد هذه الأمة لشيء يريد القضاء على ذلك التميز ، أو يذيبه في الآخرين . .
ولكن . .
كيف بنا ونحن نرى من لا يفرق بين المفروض والمرفوض ؟!!
ولا بين المشروع والممنوع ؟!!
بل كيف بنا ونحن نرى أولئك الذين يحاولون طمس عين (الشرع) ؟!!
وأظن أن اللبيب في غنى عن ذكر عاقبة ذهاب عينه !!!
لطالما استوقفتني مظاهر لشباب هم مع الأسف من أبناء هذه الأمة
ولكن ما أخف عقولهم !!!!
وما أسوأ حالتهم !!!!
ملابسهم تثير العجب . . قميص عليه صور . . . أو كتابات . . . وبنطلون ضيق وممزق من بعض الجوانب !!!!
شعر يوعو تدعو للسخرية من طوله . . في طريقة قصها . .وصفها . . في ألوانها. .
وأنواع من الحالات التي نراها هنا وهناك تدعو للضحك !! وللبكاء !!
والغريب أنهم يتحملون في سبيل (الموضة) كل أنواع الضغط الاجتماعي من حولهم ، ويتفننون في ميوعتهم ضاربين بالأعراف عرض الحائط..
ويتمسكون بالانفلات من القيم تمسكا يدع اللبيب في حيرة . .
والأعجب أنك إذا دعوت أحدهم للتمسك بسنة من سنن النبي الهادي عليه الصلاة والسلام أو تطبيق أمر من أوامره الشريفة تجده يروغ عنك كما يروغ الثعلب ، ويقدم لك واهي أعذاره لترك تلك السنة أو مخالفة ذلك الأمر . .
ومنهم من يقول لك بأن الناس إذا رأوه يمشي وعليه سمات الصالحين فلن يتركوه !!
ولن يسلم من السخرية في كل لحظة ومن كل لسان . .
ولهذا فتطبيق السنة في هذا الزمان في حد زعمه أمر صعب !!!
يا سبحان الله !!!
وليت هذا الكلام يخرج ممن لم يبلغ مبلغا عجيبا ومضحكا من التفنن في التقليد الأعمى !!
أترضى لنفسك أن تخرج على الناس بصورة مقززة بدعوى (الموضة) ، وتخجل أن تخرج بسمات المسلم الطيبة بحجة صعوبة التطبيق ؟!!!
تقليد محمود
وتقليد محموم
الإسلام دين التدبر والتفكر والتأمل ، ينبذ التقليد ، ويحارب المقلدين ، ولا أدل على اهتمامه بالعقل من ورود عشرات الآيات الممجدة للعقل ، الداعية للتدبر ، المقدرة لأولي الألباب . .
ويكفيك أن تعلم مثلا أن (تعقلون) (ويعقلون) وردت في القرآن الكريم 46 مرة . .
وتوقن بمدى حرص ديننا الحنيف على ضرورة إعمال الفكر فيما نأتيه وما نذره في تنديد القرآن العظيم بأولئك الذين يحرصون على تقليد غيرهم (آباءهم) حتى ولو كان هؤلاء الآباء (لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) ، وفي الكتاب العزيز أكثر من عشر آيات تتحدث بالذم عن المقلدين لآبائهم أو لسادتهم وكبرائهم . .
إذن يا معشر الشباب : حذار من امتهان العقل ، حذار من إهمال الفكر . . حذار من ترك التدبر والتأمل . .
فلنقل معشر الشباب : لا للتقليد المحموم المذموم .
ويا حبذا الاقتداء بسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام . .
لماذ نترك أخلاقه العالية ؟!!!
لماذا نهجر صفاته السامية ؟!!!
لماذا ننفر من هديه القويم ؟!!!
اعلم أخي القارئ أن ما لا نريده هو محاكاة أفعال الغير بلا فهم لمعناها ، ودون معرفة بدليلها .
واعلم أن الاقتداء لا يذم إذا كان العمل مشروعا والنية خالصة ، كالاقتداء والتأسي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وأهل الصلاح والإصلاح . .
أو حتى الاقتداء بالعدو في الكثير من الأعمال الحسنة والجيدة الدافعة للتقدم والتطور ، لكن لا بهدف اتباعه والسير في ركبه وإضمار محبته .
فالمسلم ضالته الحقيقة ، يأخذها ولو كانت عند عدوه ، وما يضادها فهو مردود على وجوه أربابها ولو كانوا أخلاء مقربين .
يزن الرجال بميزان الحق ، لا يزن الحق بميزان الرجال .
المحبة تدفع إلى الاقتداء
الإقتداء دائما يكون من الصغير بالكبير ، من الضعيف بالقوي ، من المفضول بالأفضل ، وهكذا ،والمقتدي يضمر للمقتدى به المحبة والتقدير ، ويشيد لـه في قلبه منازل إجلال وإكبار .
فأنت لا تقتدي بأحد إلا وتظن بأنه أفضل منك أو أقوى منك ، ولا تقتدي بأحد إلا وقد أسرت محبته فؤادك .
وقديما قيل : إن المحب لمن يهواه متبع
ولعل هذا هو سبب اقتداء الكثير من شباب المسلمين بالغرب في لباسهم وقصاتهم وحركاتهم وكلامهم . . . ، بينما لا تجد من يقتدي من شباب الغرب بالمسلمين في تلك الأمور إلا باعتناق الإسلام .
فشباب المسلمين أو الكثير منهم ينظر للغرب بأنهم السادة ، الكبراء ، الأقوياء . . . ، لذا فهو يفتخر بتقليدهم . .
ونحن نسلِّم بأن الغرب بلغوا مبلغا عظيما في القوة والتقدم العلمي والحضارة المادية ، ولكن في ماذا يكون تقليدنا لهم ؟
في الرقصات والتميع والخروج للناس بأشكال وصور عجيبة !!!
وأنت عندما ترجع تأريخيا إلى ما كان عليه المسلمون في الأندلس التي باهت بقاع الدنيا في حضارتها المادية وولوع الكثير من أهلها بمختلف فنون العلم ، وبجوارهم أوروبا في ظلمات الجهل والتخلف ، ثم كانت بعثات طلابية من قبل الأوربيين لبلاد الأندلس ، وكان هؤلاء الطلاب عندما يرجعون إلى بلادهم يفتخرون على غيرهم من بني جلدتهم بسبب معرفتهم لبعض الكلام العربي فضلا عن غيره .
لأنهم كانوا ينظرون إلى الأندلسيين بنظرة شبابنا اليوم نفسها ، ولكن ويا للأسف الاختلاف الشاسع أن شبابنا ولعوا بسفاسف الأمور ، بينما واصل الأوربيون مسيرة العلم وفتحت لهم تلك الفترة آفاقا واسعة في مجالاته كما رأينا ونرى .
الأسباب
نحاول وفي عجالة ذكر بعض الأسباب التي قادت هؤلاء المقلدين إلى هذه الحالة ، فمعرفة الأسباب تسهل الوصول إلى حل وعلاج لهذه الظاهرة بعون الله تعالى :
1ـ السبب الأول : ضعف الإيمان ، وهذا داء ابتليت به شريحة كبيرة منا معشر المسلمين ، فالإيمان إن كان قويا في النفس راسخا في القلب ، كان حصانة وسورا واقيا ، وحارسا أمينا ، وحاجزا منيعا لا يمكن أن يخترق . . .
إن قوة الإيمان بالله تجعل المرء متعلقا به ، محبا له ، ساعيا لأجله ، إن قال فله ، وإن سكت كذلك ، وإن تحرك فله ، وإن سكن كذلك . . . .
فقل لي بربك كيف يمكن لمثل هذا أن يقلد أحدا في سلوك لا يرضاه الله؟
2ـ السبب الثاني : الجهل وقلة الوعي وعدم إدراك المقلد لخطورة الحركات والأفعال التي يقوم بها تقليدا للآخرين ، وعدم إعمال الفكر والعقل فيما يعتنق ويمارس ، فقلة وعينا أو عدمه بما يهمنا ويحيط بنا وما نأخذه وما نذره وما يأتينا ويُصدَّر إلينا وما ينفعنا وما يضرنا وما يدس لنا يجعلنا نسلك المنهج المتخبط ، يستهوينا كل ما يلمع ، وما لا يلمع أيضا ، ونتبع كل من هب ودب ، نجري وراء سراب بظمئنا حتى نهلك ، وهذا واقع الكثير والكثير ممن رأيناهم وسمعنا عنهم وسمعناهم.
فهناك من يحمل الصليب على صدره !!
وهناك من يرسم شعار النازية على جسمه أو على الجدر !!
وهناك من يلبس لبسة كتب عليها شيء من الكلام البذيء حول الدين ، بل وبعض منها تحمل سبا فاحشا للذي يلبسها ، وتراه يطوف بها هنا وهناك !!!!
هذا فضلا عمن يقوم ببعض الحركات والرقصات وغيرها من الأمور التي لا تحصى ولا تعد .
فهل دروا وعلموا بشناعة ما يلبسون ؟
ويا ترى هل يدركون خطورة ما يقومون به ؟
وهل يفهمون معاني ومغازي كل ذلك ؟
والأسئلة نفسها توجه لمن كان رب أسرة ، وفيها من أصيب بمثل ذلك .
إن كانوا لا يعلمون فتلك مصيبة ، أما إن كانوا يعلمون ويفهمون ويدركون فالمصيبة أشد وأعظم .
3ـ السبب الثالث : شعور المقلد بالنقص وأن الذي يقلده بلغ الذروة ، ولهذا فالكثير منهم لو سئل عن أمنيته مستقبلا يجيب بأنه يأمل أن يكون مثل فلان الذي اشتهر بكذا وكذا من الأعمال التي لا تستهوي سوى الفارغين .
4ـ السبب الرابع : ظاهرة الفراغ ، والفراغ ركن من أركان المفسدة ، وأسباب البلاء من الفراغ كما قيل ، ووجود الفراغ في أوقات الشباب يدفعهم إلى الوقوع في المهاوي التي ابتلوا وابتلينا بها .
وفراغ القلب الروحي أيضا لـه أثره البالغ الذي لا يمكن إغفاله في انحرافهم وتقليدهم الأعمى للأفكار والسلوك .
5ـ السبب الخامس : وسائل الإعلام ، ربما يكون لها النصيب الأوفر في حدوث هذه المشكلة وتطورها وتضخمها ، لما لوسائل الإعلام من تأثير كبير بمختلف أنواعها (قنوات فضائية ، مجلات ، جرائد ، إنترنت . . .)
ولا عجب إن جعلناها المتهم الرئيس في تفشي هذه الظاهرة وشيوعها ، فهي في كل بيت ، ولا محيص لنا عن متابعتها والجلوس إليها يوميا ، صغارا وكبارا ، ذكورا وإناثا .
فإلى متى تمجد وسائل الإعلام من لا مجد له ؟ فيعشقه الشباب عشقا لا حدود له . .
وإلى متى تظهر من لا قيمة لـه بصورة البطل ؟ فيقلد شبابنا كل حركاته . .
فالدراسات والبحوث لا تزال تؤكد لنا مدى التأثير الخطير والرهيب لوسائل الإعلام في الناس خصوصا فئة الصغار والمراهقين ، ونخص الشاشة هنا بالذكر لأنها أكبر جاذب للناس من هذه الوسائل جميعها ، وتستطيع حتى مخاطبة الأميين بأيسر ما يكون .
6ـ السبب السادس : غياب دور الأسرة ، ورغم بقاء الكثير من الأسر على قواعدها الصلبة المتماسكة ، إلا أن الأسر التي لا قواعد لها كثيرة أيضا ، فهناك من لا يعنيه رأي الأسرة أو اعتراضها شيئا إن قام بهذا السلوك أو ذاك ، فأسرته أصلا لا تسأل عنه ، ولربما غاب يوما أو يومين أو أكثر دون أن يُعرف عنه شيء من قبل أفراد أسرته ، بل دون أن يهتم أحد بغيابه .
ورب الأسرة غير منتبه لمثل هذه الأمور البسيطة التي تصدر من ولده ، وإذا نبهته أجابك : شبابية ، أي لا مشكلة في هذا الموضوع ، فالمجال مفتوح إذن ما داموا شبابا لأن يفعلوا ما يشتهون !!
7ـ السبب السابع : القرين ، والقرين بالقرين يقتدي ، والطبع مكتسب من كل مصحوب ، كم من أناس يحملون أنقى الأفكار ، وأبهى الصفات ، ما لبثت الصحبة أن كدرتها ، ونأت بأصحابها عن كل ما يمت إليها بصلة .
والواقع يثبت لنا أهمية الصديق ودوره في تحبيب التقليد الأعمى لصديقه .
8ـ السبب الثامن : المؤسسات التجارية ، حيث أن رغبة الكثير من التجار في الحصول على المال الوفير جرتهم إلى إغراق أسواقنا بما لا يحصى من سلع لها دورها وأثرها في تفشي هذه الظاهرة وشيوعها ، إضافة إلى انتشار وسائل الترفيه التي لا تراعى فيها قيم المجتمع فتكون بذلك مساعدة أيضا على وجود ظاهرة التقليد الأعمى وافتتان الشباب بها .

حمد بن سليمان بن ناصر المعولي


أعلى

 





وقفات مع وصايا لقمان الحكيم

يقول الله تبارك وتعالى:(ولقد اتينا لقمان الحكمة ان اشكر لله) لقد حدثنا القرآن الكريم عن لقمان وحكمته ويكفى ان نعلم ان في القرآن سورة باسمه وهي سورة لقمان فمن هو لقمان هذا
اهتم القرآن الكريم ببيان حكمه الغراء لعظيم نفعها ولم يهتم كثيرا بشخصيته لانه لو كان في معرفة شخصه فائدة كبيرة لذكرها لنا القرآن الكريم ولكن واضح من كلام كثير من المفسرين اجماعهم على انه كان حكيما لا نبيا قال ابن كثير والمشهور عن الجمهور انه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا.
وكان رجلا ذا عبادة وعبارة وحكمة عظيمة ويقال كان قاضيا في زمن داود عليه السلام فالله اعلم من البداية والنهاية فنعيش مع آيات القرآن الكريم ونحاول ان نستفيد منها ونعتبر وندعو الله تعالى ان يتقبل منا خالص اعمالنا رب العالمين يقول (ولقد اتينا لقمان الحكمة ان اشكر لله) وهذا فضل عظيم (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) وقد كان لقمان حكيما ومجاهدا للنفس وقد وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: انت لقمان؟ قال: نعم قال: فأنت راعى الغنم الاسود؟ قال: اما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من امري؟ قال: وطء الناس بساطك وغشيهم بابك ورضاهم بقولك قال: يا ابن اخي ان صغت ما اقول لك كنت كذلك قال وما هو؟
قال لقمان غضي بصري وكفي لساني وعفة مطعمي وحفظي فرجى وقيامي من بعدتي ووفائي بعهدي وتكرمتي ضيفي وحفظي جاري وتركي مالا يعنيني فذلك الذي صيرني كما ترى.
اخي المسلم لو فكرنا في هذه الاقوال والتي قالها لقمان الحكيم لوقفنا مع انفسنا وقفة تأمل ورأينا فعلا انه لوقام كل مسلم ومسلمة بتنفيذ هذه الحكم وتطبيقها عمليا لصرنا جميعا من الحكماء ولكن هذا يحتاج منا الى مجاهدة كبيرة والى عمل دائم فغض البصر امرنا الله تعالى به في سورة النور قال تعالى:( قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم) وايضا كف اللسان عن التكلم في اعراض الآخرين وايضا الحرص على طلب الحلال في المطعم والمشرب لان المسلم اذا كان طعامه وشرابه من حلال كان مستجاب الدعوة.
ثم القيام بالاعمال الواجب على كل مسلم عملها وكذلك الوفاء بالعهد قال تعالى:(واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا) ويقول لقمان ايضا وتكرمتي ضيفي فإكرام الضيف من الصفات الحميدة التي يجب ان تتوفر في المسلم ثم بعد ذلك. حفظ حق الجار لان الجار له حقوق كثيرة يكفي ان نذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه) ويختم لقمان الحكيم قوله لهذا الرجل الذي جاء يسأله عن نفسه وعن السبب الذي جعل الناس يأتون مجلسه ويستمعون الى حكمه قال وتركى مالا يعنيني ما احوج المسلمين في تعاملاتهم وكل حركات حياتهم ان يقوموا بهذا العمل العظيم ولقد قال لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه) بهذه الصفات الحميدة التي ذكرها لقمان يا ليت كل مسلم يحرص على القيام بها واذا لم يستطع القيام بها كاملة فليجاهد نفسه ليقوم ولو بخصلة واحدة منها حتى يكون من الحكماء وقد حدثنا القرآن الكريم عن مواعظ كريمة اوصى بها لقمان ابنه وهي ايضا وصايا لكل المسلمين اول هذه الوصايا.
(يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم).
وقد شق ذلك على الصحابة لما نزل قوله الله تعالى:(الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) فقالوا يا رسول الله اينا لم يلبس ايمانه بظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انه ليس بذلك الم تسمع الى قول لقمان يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم).
وصايا لقمان لابنه
فبعد ان وصى ابنه بالبعد عن الشرك لان الله تعالى يغفر الذنب العظيم ولكن هناك ذنب لا يغفره الله لصاحبه كما جاء في القرآن الكريم قال تعالى (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فالانسان اذا اشرك بالله تعالى يكون قد ظلم نفسه.
فكأن الله عز وجل ينهانا عن ظلم انفسنا او ينهى المشرك عن ظلم نفسه ثم بعد ذلك تأتي وصية لقمان لابنه بالبعد عن ظلم الغير فنجيئ الآية الكريمة توصي بالآباء خيرا قال تعالى ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن) فالله عز وجل يأمرنا بالاحسان الى الوالدين وتأتي الآية التالية ( يا بنى انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في السماوات او في الارض يأتي بها الله ان الله لطيف خبير).
ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فان الله تعالى يسأل عنها ويضعها في الميزان واخبره ان هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة ولو كان في جوف صخرة صماء لا باب لها ولا اي فتحة اخرى ولو كانت ساقطة في ظلمات الارض او السماوات في اتساعها وامتداد ارجائها لعلم مكانها قال تعالى (وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين) قال تعالى (ان الله لطيف خبير) اى علمه دقيق فلا يخفى عليه مثقال ذرة ثم تأتى الوصية العظيمة التي نذكر بها كل مسلم ومسلمة بأن يحافظوا عليها.
(يا بني اقم الصلاة) اي ادها بجميع واجباتها من حدودها واوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها حتى نكون ممن صدق فيهم قول الله تبارك وتعالى (قد افلح المؤمنون الذي هم في صلاتهم خاشعون)
(وامر بالمعروف وانه عن المنكر) اي اجتهد بكل طاقتك في ان تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بقدر استطاعتك باليد او باللسان فان لم تستطع فبقلبك وهذا ما ينبغي ان يتوفر في المسلم الذي يحرص على اداء الصلاة بخشوع ان صلاها بخشوع ستجده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر اما عندما تجد مصليا لا يأمر بمعروف او لا يأتمر او لا ينهى عن منكر فنذكره.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) ثم لو فكرنا في وصية لقمان الحكيم بعد ان قال:( وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك) معنى هذا كأن الذي يقوم بهذه الواجبات هو في حاجة ماسة الى التحلي بالصبر الصبر على الطاعة الصبر في البعد عن المعصية الصبر على ما يصيبه من اذى الناس.
لاننا نعرف ما من نبي دعا الى طاعة الله تعالى الا وكان له اعداء والعلماء ورثة الانبياء فيوم ان يدعو العالم الناس للفضائل ويأمرهم بالبعد عن الرذائل لا بد انه سيؤذى ومن هنا كان واجب عليه ان يصبر على ما يصيبه وكل هذا من عزائم الامور قال تعالى:(واصبر ما اصابك ان ذلك من عزم الامور) ثم يقول:(ولا تصعر خدك للناس) اي لا تتكبر على الناس وتميل خدك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبر والاحتقار لهم قال اهل اللغة واصل الصعر داء يأخذ الابل في اعناقها فتلتوي رؤوسها فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه اذا كلم الناس او كلموه على وجه التعظيم عليهم) قال تعالى:(ولا تمش في الارض مرحا) فينهاه عن التبختر في المشي على وجه التعظيم والفخر على الناس (واقصد في مشيك) اي لا تتباطأ مفرطا ولا تسرع اسراعا مفرطا ولكن بين ذلك قواما.
(واغضض من صوتك) يعنى اذا تكلمت لا ترفع صوتك تكلفا فإن ارفع الاصوات وانكرها صوت الحمير وبعد اخي المسلم هذه بعض الوصايا العظيمة التي ذكرها لنا رب العالمين على لسان لقمان الحكيم فندعو الله ان يوفقنا للعمل بها اجمعين اللهم آمين.

ابراهيم السيد العربي


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept