رأي الوطن
تطوير التعليم ضرورة حضارية
ثمة شعور عام في الوطن العربي بأن إصلاح
التعليم امر ضروري لإصلاح مسيرة العرب الحضارية، وهذا الشعور ليس
وليد الحاضر ولا هو ناتج عن ضغوط خارجية آنية، بل ان هذا الاصلاح
هو بمثابة مطلب عربي مستمر وملح، ينبغي المضى فيه قدما بغض النظر
عن شعور الحرج الذى قد يكتنف بعض الاوساط العربية لتزامن جهود إصلاح
التعليم مع مطالب غربية طارئة تمليها ضرورات ومخاوف لحظية ، ومن
ثم فلا ينبغي ان يعترى الباحثون في إصلاح التعليم بالوطن العربي
اي شعور بالرضوخ لطلبات خارجية مفروضة وبخاصة اولئك الذين يبحثون
سبل تطوير المناهج التربوية والتعليمية في بيروت حيث يلتئم الملتقى
العربي الذى يضم ممثلى 21 بلدا عربيا لهذا الغرض النبيل.
ان الولايات المتحدة تنظر الى اصلاح مناهج التعليم في الشرق الأوسط
والعالم الاسلامي عموما انه شكل من اشكال مكافحة الارهاب وهذا توجه
تآمرى مقدوح في مصداقيته ويشكل شكلا من اشكال هروب المسؤولين الاميركيين
من معالجة جذور ازمة الارهاب العالمي بالارتكان الى نسبتها الى اتجاهات
اسلامية تغذيها المناهج الحالية حسب زعمهم.
لكن الحقيقة المؤكدة تقول انه لا أميركا ولا الغرب عموما يرغب على
نحو جدي في التركيز على العلوم التطبيقية في المناهج العربية وقد
ثبت ذلك من خلال رفض عواصم غربية على رأسها واشنطن استقبال طلاب
عرب لدراسة تلك العلوم وألزموهم بالتحول الى دراسة العلوم الانسانية
واللسانيات بدلا من الفيزياء النووية والرياضيات والطب والهندسة،
وهو ما ادى الى تحويل قطاعات عريضة من البعثات الدراسية العربية
الى جهات اخرى بحثا عن حرية وديمقراطية الحصول على العلم، كذلك تحظر
تلك العواصم على العرب عقد أبحاث ودراسات وبرامج متقدمة بذريعة أن
هذه البرامج المدنية والسلمية يمكن استخدامها في اغراض عسكرية.
العرب يدركون هذه الحيل تمام الإدراك، فكيف يصدقون رغبة تلك العواصم
في ان يتحول الدارسون العرب الى العلوم التطبيقية بدلا من العلوم
الدينية ؟ ومن ثم فإن توجهات تطوير التعليم العربي والاسلامي ينبغي
ان يهدف في الأساس الى الحفاظ على ميراثنا الحضاري وحقنا في تطوير
عالمنا واللحاق بركب التحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، فلطالما
كان العرب سباقين الى تدويل العلم والمعرفة ورفض احتكارهما أو البخل
بنقل تلك العلوم الى الامم الأخرى، الى أن جاءت اميركا لتطلب لكل
شئ ثمنا بذريعة محاربة الإرهاب.
فليمض العاملون على إصلاح مناهج التعليم العربي في سبيلهم غير آبهين
بمحاولات تلويث المسيرة الناصعة لنظل امتدادا لسلفنا الصالح الذين
حافظوا على حرية العلم وأعادوا تصديره بعد انقشاع العصور الوسطى
المظلمة في أوروبا ومازالوا على عهدهم باقون، فالحضارة ليست حكرا
على أحد وكلما حاصرت العواصم الغربية حق التعلم كلما اكتشفت فشل
مسعاها مهما كانت المسميات والذرائع.
أعلى