الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 



فتاوى وأحكام

س : ما معنى الوقوف بعرفة ؟ وكيف يجب أن يكون ؟ وإلى أي وقت ؟
ج : الوقوف بعرفات هو الوجود بها للدعاء والذكر وبدايته من بعد الزوال وأداء فرضي الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم ونهايته غروب الشمس كل ذلك في اليوم التاسع من ذي الحجة ومن أدرك قبل غروب الشمس الوقوف فيمن أدرك بعرفات قدر ما يأتي بالباقيات الصالحات فقد أدرك عرفات إجماعاً وأختلف فيمن أدرك ذلك ليلاًً وفي ليلة النحر والصحيح ان من أدرك ثم صلاة الغداة فقد أدرك الحج لحديث عروة بن مضرس المشهور والله أعلم .
س : ما قولكم في الحاج إذا خرج من عرفة قبل الغروب ولم يجاوزها ولكن في حدودها وما رأي المذاهب الأخرى ؟
ج : ذهب أصحابنا والمالكية إلى أن الإفاضة قبل غروب الشمس تبطل الحج وذهب غيرهم إلى أنه يترتب على ذلك دم ونص علماؤنا على أن الشروع في الإفاضة ولو لم يخرج من حدود عرفات تعد إفاضة له حكمها والله أعلم.
س : إذا أردت التأخير وأنا حاج ففي أي يوم أخرج من منى ومتى ؟
ج : إن كنت لم تتعجل في يومين فابق بمنى إلى اليوم الثالث عشر بعد زوال الشمس ورمي الجمار والله أعلم
س : في الحاج الذي ذهب لرمي الجمرات الثلاث في اليوم الحادي عشر وحمل معه إحدى وعشرين حصاة ولما وقف عند الجمرة الأولى رمى جميع حصياته ناسياً ثم رجع في نفس الوقت بالطريق الذي جاء منه حتى وصل تحت الجبل وأخذ من تحته إحدى وعشرين حصاه ورجع وأعاد الرمي هل عليه شيء بسبب نسيانه وبسبب الحصى الذي أخذه من مسافة كيلو مترين من مكان الرمي ؟
ج : ليس عليه في ذلك حرج والله أعلم .
س :رجل ذهب للحج مستأجراً وعند رمي الجمرات أخذ معه جمرات ليرمي عن رجل آخر وهو ناو أن يرمي عن الاثنين ، وعندما وصل إلى الجمرة الأولى رمى أربع عشرة حصاة ولكنه ذكر أسم واحد منهما ونسى الآخر أو أنه أخطأ في وسط الزحام ثم أكمل رمي الجمرة الوسطى والكبرى وبعد انتهائه تذكر فعاد ليرمي الحصى عن الرجل الذي نساه في الجمرة الأولى رغم أنه رمى أربع عشرة حصاة في الجمرة الأولى فهل يلزمه شيء ؟
ج : لا يلزمه شيء وليعد الرمي عمن نسي والله أعلم .
س : إذا وصل الحاج إلى الحاجز الذي على النقصة التي يرمى عليها الجمار هل من اللازم وصول الحجر إلى محل النقصة أو يرميه سواء أصاب المكان أم لم يصيبه ؟
ج : لا بد من إصابة الجمرة في الرمي ومن لم يصبها فكمن لم يرمها .
س : هل يجوز رمي الجمار في الصباح في يومي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ؟
ج : رمي الجمار في أيام التشريق أوله منذ زوال الشمس كما حدد فعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا هو الذي عليه الجمهور والرمي قبل الزوال رخصة قال بها بعض العلماء والسنة تدل على ما تقدم والله أعلم.
س : هل يوجد من رخصة للحاج أن يرمي الجمرات قبل الزوال وكذلك إذا لم يجد فرصة في النهار فهل يصح له الرمي بعد صلاة العشاء من الليل ؟
ج : إذا رمى بالليل فلا حرج عليه وأما قبل الزوال فلا يخلو من حرج والله أعلم .
س : هل يجوز رمي الجمرات قبل زوال اليوم الثاني عشر وما الحكم في ذلك لباقي الأيام ؟
ج : الرمي في أيام التشريق يبدأ بزوال الشمس والله أعلم .
س : هل من مانع على الحاج إذا صلى الظهر أو العصر معاً في بمكة في اليوم العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر من ذي الحجة إذا دعته الظروف لترك منى خلال النهار كطواف الإفاضة مثلاً أو قضاء بعض المصالح ؟
ج : لا مانع من ذلك والله أعلم .
س : هل يجوز رمي الجمرات بالليل وكذلك طواف الإفاضة ؟
ج : طواف الإفاضة لا بأس به إن كان بليل وأما رمي الجمار فيجوز بالليل لمن كان خائفاً أو كان من الرعاة والله أعلم .
س : ما هو الوقت المحدد لرمي الجمار ؟
ج : رمي جمرة العقبة في أول يوم وهو يوم النحر من بعد طلوع الشمس فصاعداً ورمى الجمار الثلاث في أيام التشريق من الزوال فصاعداً والله أعلم.
س : هل يجوز رمي الجمار قبل الزوال خلال أيام التشريق ؟
ج : لا ترمى الجمار أيام التشريق قبل الزوال عند الجمهور وإنما رخص في ذلك بعض العلماء وهو من الشواذ والله أعلم .
س : رجل استأجر الرمي عن خمسة أفراد فلما أشتد عليه الزحام عمد إلى صرّ صرر في كل صرة خمس جمرات بعدد من أستأجر عنهم ثم رمى الجمرة بسبع صرر من صرره تلك فهل يكفيه ذلك ؟ أم لا بد من رمي الجمرة فجمرة؟
ج : لا يجزي ذلك ولا بد من رمي كل حصاة على حدة والله أعلم .
س : هل التحقق من وصول الجمرة والنظر إليها حين رمي الجمار شرط في تمام الرمي أم لا ؟ وإذا لم يتحقق الحاج من ذلك فهل رميه تام أم غير تام وماذا عليه؟
ج : لا بد من تحقق وصول حصى الرمي إلى الجمرة وإلا كان في حكم من لم يرم والله أعلم .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
الفتي العام للسلطنة

أعلى





الإعجاز التشريعي

ـ الإسلام منهج حياة تناول كل القضايا الماضية والمعاصرة
ـ كل التشريعات البشرية يعتريها النقص والخلل
ـ رفعت الأم بحكم الإسلام إلى مقام لا يرقى إليه غيرها
ـ يأمر الإسلام برعاية الفقراء و يحض على رعاية اليتامى

التشريع القرآني لم ينتج عن فكرة أو تجربة
لقد أنزل الله القرآن على محمد بن عبدالله النبي العربي الأمي صلوات الله وسلامه عليه في بيئة أمية وعلى جزء من جزيرة العرب لم يمتد إليه شعاع الحضارة ولم تقم على ترابه دولة، ولم يخضع لسلطة خارجية فكانت هذه البقعة بالذات أبعد بقاع جزيرة العرب عن معرفة نظام الحكم ومناهج التشريع والنبي صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه الله باصطفائه لهذا الأمر العظيم لم يكن يخطر بباله البحث عن الشئون السياسية ولا المناهج الاقتصادية ولا دراسة علم النفس، ولا أي ناحية من النواحي التي تتصل بحياة الناس وإنما كانت نشأته كنشأة عامة شباب قريش من هذه الناحية وقد كان منطويا على نفسه لا يطمح إلى الظهور ولا يتطلع إلى منصب ولذلك لم يكن يشارك فصحاء العرب من الشعراء والخطباء في مجامعهم بسوق عكاظ أو غيره ليتألق كوكبه في أفق البيان شعرا أو نثرا ولم يكن مهتما بالمنافسة في الوسط الذي يعيش فيه، فلذلك لم يكن يشترك في مجالس الشورى التي كانت تعقد في دار الندوة بمكة إلا بالحضور والإنصات اللهم إلا ما كان منه صلى الله عليه وسلم من مشاركته في حلف الفضول الذي كان يعتز به في الإسلام ويصفه بأنه أحب إليه من حمر النعم ويعلن أنه لو دُعي إليه لأجاب كل هذه النواحي تثبت لنا استحالة كون التشريع القرآني ناتجا عن فكره أو صادرا عن تجربته فإنه من المعروف في تاريخ التشريع البشري أنه يحتاج إلى سلسلة من التجارب والدراسات في أحوال الناس النفسية والاجتماعية كما يحتاج إلى أن تتضافر عليه جهود ذوي الخبرات المتنوعة.
فالتشريع الروماني مثلا هو وليد تجربة دامت زهاء ثلاثة عشر قرنا وقد تضافرت على صياغته وإخراجه جهود كثير من النبغاء والمفكرين منهم (سولون) الذي وضع قانون أثينا (وليكورغ) الذي وضع نظام أسبرطه فأنى لعربي نشأ في أرض الحجاز بين الأميين أن يضع في ظرف عقد من السنين نظاما تقوم عليه حياة الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مع أن كل التشريعات البشرية لا تكاد تمر عليها فترة من الزمن حتى تتكشف عن ضروب من الخلل فتفتقر دائما إلى التبديل والتعديل ولو أخذنا نقيس بالتشريعات التي سبقت في الوضع نزول القرآن أو التي أحدثت بعد نزوله بالتشريع القرآني لرأينا تعذر المقارنة بينه وبينها ولو جازت المقارنة بين الذبالة بالتشريع القرآني لرأينا تعذر المقارنة بينه وبينها ولو جازت المقارنة بين الذبالة والغزالة أو بين الضريح والضراح وكيف تمكن المقارنة بين ما كان من قبل الله الذي يعلم خفايا الطبائع كما يعلم ظواهرها وبين ما يكون من مخلوق عاجز لا يحيط علما بضرورات نفسه وما سيحدث من أطوار حياته فضلا عن الإحاطة بضرورات جميع البشر وأطوار حياتهم، ولعمري إن نظرة يلقيها العاقل على البيئة التي نشأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعود إليه باليقين القاطع بتعذر أن يضع الإنسان الناشئ فيها نظاما من الأنظمة البشرية سواءا كان إجتماعيا أو سياسيا أو إقتصاديا فكيف بتشريع محكم دقيق يتناول هذه الجوانب كلها بل يتناول المشاكل الإنسانية المعاصرة وغير المعاصرة مما تفرزه التطورات المتتالية إلى أن تقوم الساعة بحلول شاملة عميقة الأثر لا تقف عند ظواهر الأمور فحسب بل تأتي على كل مشكلة من أصلها لأنها تغوص إلى أعماق فطرة الإنسان مراعية جميع خصائصها كما تراعي طبيعة الكون الذي جعل الله فيه مباءة للإنسان والعلاقة التي بين طبيعة الكون وفطرة الإنسان الذي هو محور التشريع ومن مراعاة هذه الفطرة إعطاء كل نوع من الجنس البشري أحكامه التي تلبي ضروراته وتنسجم مع خصائص تكوينه فإن حكمة الله قد قضت أن يتنوع الجنس الإنساني كغيره إلى نوعين ذكر وأنثى ولكل منهما خصائص تكوينية ومطالب ضرورية لا يصح تجاهلها في بناء الحياة المدنية التي خص الله بها النوع الإنساني إذ لو أعطيت المرأة أحكام الرجل في كل شيء لفاتت حكمة التنويع في الخلق، وكذلك لو أعطي الرجل أحكام المرأة ومن الجهل المركب والتعسف الظاهر ما ينادي به المفتونون بالنظريات المستوردة من المساواة بين الرجل والمرأة لما في ذلك من التجاهل لخصائص الفطرة في كل منهما فالرجل خلق ليكون ذكرا وطبع بطابع الذكورة والمرأة خلقت أنثى وطبعت بطابع الأنوثة وهذا التنويع ليس محصورا في الجنس البشري ولكنه مشترك بين الإنسان والحيوان والجمادات والنباتات بدليل قول الله (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) (الذاريات/49) وقوله سُبْحَانَ (الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس/36) وفي طي هذا التنويع حكمة بالغة فإن كل واحد من النوعين يكمل النوع الآخر.
والذين نظروا نظرة واقعية إلى طبيعة البشر أدركوا سر التفرقة بين الذكر والأنثى في التشريع الإسلامي رغم نشأتهم في بيئة ترفض هذا المنطق وقد نعى هؤلاء على قومهم جهلهم أو تجاهلهم لما تتميز به كل واحدة من طبيعة الذكورة أو الأنوثة في الرجل والمرأة ومن هؤلاء الكاتب الفرنسي الأميركي الدكتور ألكسيس كاريل صاحب كتاب (الإنسان ذلك المجهول) الذي بين الفوارق التكوينية بين الرجل والمرأة وقال إن المرأة لا تختلف عن الرجل باختلاف الأعضاء التناسلية وبالولادة والرحم فحسب، بل الفارق بينهما جد عميق، فإن كل حجيرة في جسمها تحمل طابع جنسها وأضاف إلى ذلك أن الرجل والمرأة يختلفان في العواطف والمشاعر والأفكار كما أنه انتقد تسوية المرأة بالرجل في الثقافة منبها على وجوب مراعاة خصائص الأنثى في المناهج الدراسية لتعليم الفتيات وقد ذكرت باحثة اجتماعية فرنسية أن المرأة تتميز بقوة العاطفة فلذلك تستولي العاطفة على كلا جانبي دماغها بخلاف الرجل فإنه وإن التهبت عاطفته لا تشغل إلا جانبا منه والجانب الآخر يبقى فارغا للتفكير وهنا يظهر سر التشريع الإلهي في شهادة النساء إذ اعتبرت المرأتان عن رجل وجاء تعليل ذلك في قوله تعالى (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) (البقرة/282) وقد أوضح علماء التشريح عمق الاختلاف بين المرأة والرجل في تكوين الجسم...ومما قالوه أن جسم كل منهما يشتمل على ستين مليون مليون خلية وكل خلية من خلايا الرجل عليها طابع الذكورة بخلاف خلايا المرأة فعلى كل خلية منها طابه الأنوثة، والاختلاف غير مقصور على الطبع بل هو حتى في الشكل كما شاهدناه في الصور المكبرة ولا يقف الفرق بين الجنسين عند هذا الحد بل هو أعمق وأدق فهناك طبقة دهنية تغطي هذه الخلايا وهي الكروموسومات وتسمى الأصباغ والجسيمات اللونية وهي من الدقة بحيث تقاس بالواحد على بليون من الملليمتر ومع هذه الدقة في الجسيمات فهي تختلف في المرأة شكلا وطبعا عنها في الرجل والقرآن الكريم يوضح لنا هذا الاختلاف بين طبيعة المرأة وطبيعة الرجل فيما حكاه عن امرأة صالحة من بني إسرائيل من قولها (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) (آل عمران/36) هذا ومن درس تاريخ الأمم وحضاراتها وعقائدها وأفكارها يرى أن المرأة لم تتبوأ مكانها الطبيعي إلا في ظل نظام الإسلام فاليونان والرومان وغيرهم من الأمم المتحضرة دخلوا التاريخ وهم ينظرون إلى المرأة نظرة تقزز واستهجان فقد كانوا يشكون في إنسانيتها ويعتبرونها رجسا من عمل الشيطان ويقيسون نزاهة النفس بالبعد عنها ولا يولونها شيئا من الحقوق الاجتماعية التي تفتقر إليها ثم أخذت نظرتهم إليها تتطور شيئا فشيئا بتطور الفكر ونمو الوعي ولكنها لم تكد تقف عند نقطة الاعتدال حتى هوت بهم إلى الجانب الآخر فإذا بهم يغالون في تمجيد المرأة ويكلون إليها من الواجبات الاجتماعية والسياسية ما لا تتحمله طبيعتها وبلغ بهم الحال أن المومسات أصبحن عندهم يدرن سياسة الأمة، وأصبحت بيوت الدعارة هي مقر السياسة مما أدى بهم إلى تفكك روابطهم وانحلال مجدهم وتقلص عزهم وما العالم المتحضر في العصر الحديث من ذلك ببعيد أما إذا عدنا إلى التشريع القرآني فإنا نجد المرأة قد بوئت مكانها اللائق وأعطيت حقوقها التي تقتضيها طبيعتها من غير إفراط ولا تفريط ونجد هذه الرعاية من شريعة الله في القرآن تصحب المرأة منذ ولادتها إلى موتها بل تبقى لها حتى بعد الموت.
فلإسلام كرم المرأة وهي وليدة وكرمها وهي ناشئة بين أبويها وكرمها وهي شابة يافعة وكرمها وهي زوج وكرمها وهي أم، فنجد القرآن الكريم يؤنب ذوي النفوس الجاهلية الذين يكرهون البنات ويمتعصون إذا بشروا بهن في قوله (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (النحل/58، 59) وفي هذا التأنيب البالغ ما يدل على أن الإسلام يوصي أن تستقبل الأنثى بما يستقبل به الذكر من الفرحة والإستبشار فالأنثى والذكر هبة من الله (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) (الشورى/49) وفي تصدير ذكر الإناث في الآية على ذكر الذكور يخفى من لطف الإشارة إلى واجب رعاية جانبهن واستقبالهن بالبشرى والفرحة لا بالأسف والامتعاص فإن ذلك من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام ليستأصلها وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من رزق بنات فرباهن وأحسن تربيتهن كن له يوم القيامة حجابا من النار، وكرمت المرأة في شبابها في ظل نظام الإسلام إذ منع تزويجها بمن تكره، كما جاء في الحديث (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها) وإنما اشترط الولي في عقد زواجها حذر أن تندفع وراء عاطفتها فتربط نفسها بمن لا تحمد أمره من بعد، وفي هذا أيضا رعاية لجانب المرأة ومحافظة على حقوقها وجاء في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام من الوصية بالمرأة وهي زوج ما لو حافظ عليه الناس لغمرت البيوت السعادة، وملأ قلوب العائلات الاطمئنان والاستقرار فقد أمر الله تعالى الرجل بأن يعاشر أهله بالمعروف سواء أحبها أو كرهها إذ لا يقف كرهه لها أمام حقوقها الزوجية، يقول تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء/19) وكما أمر الله تعالى أن تعاشر المرأة بالمعروف أمر أيضا أن يكون تسريحها بإحسان حيث قال (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة/229) وحذر من مضايقتها حتى تلجأ إلى الافتداء من الرجل ولو بقسط مما آتاها من الصدق في قوله (وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء/20، 21) وفي قوله? وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا) (النساء/19) .
أما الأم فهي التي رفعت بحكم الإسلام إلى مقام لا يرقى إليه غيرها حتى الأب فالله تعالى يقول (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) (الأحقاف/15) فانظر كيف وصى الإنسان بكلا والديه ثم أوضح ما كان من تضحيات من قبل الأم لإيقاظ المشاعر النائمة في نفس الولد وتحريك العواطف الساكنة نحو أمه التي قدمت تلك التضحيات الجسيمة لأجله، فقد تحملت مشقة الحمل وهو جنين وعانت من حضانته ورضاعه وهو طفل، فما أجدرها ببذل الوسع واستنفاذ الطاقة في برها، وإذا كانت دلالة الآية على تفوقها على الأب في الحقوق غير صريحة فإن السنة النبوية قد جاءت بما يستأصل الشك وينفي اللبس، فقد أخرج الشيخان أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أي الناس أحق مني يحسن الصحبة؟ قال له: (أمك قال له: ثم من؟ قال له: (أمك ،قال له: ثم من؟ قال له: (أمك)، قال له: ثم من؟ قال له: (أبوك ثم الأقرب فالأقرب).
فانظر كيف أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على حق الأم ثلاث مرات ولم يذكر حق الأب إلا مرة واحدة معطوفا على حق الأم التي تقتضي المهلة والترتيب، ونجد الإسلام لا ينسى المرأة من رعايتها بعد موتها والنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل الحي في ذلك فقد كان يرعى السيدة خديجة رضي الله عنها بعد موتها، فإذا ذبحت شاة في بيته يقول: (أرسلوا منها لأصدقاء خديجة) فتقول لـه عائشة رضي الله عنها: ولم ذلك يا رسول الله؟ فيجيبها (إني لأحب حبيبها) وقد صادف أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته بالمدينة صوت أختها هالى وكان يشبه صوت خديجة فأخذته الأريحية وقال: (اللهم هالة) فأخذت الغيرة من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وقالت له: يا رسول الله ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين أبدلك الله خير منها؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (والله ما أبدلني الله خيرا منها، والله ما أنت بخير منها، صدقتني إذ كذبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء فجزاها الله عني خير جزاء اللهم اجز عني خديجة بنت خويلد).
ونرى الإسلام الحنيف يحوط الحياة الزوجية بسياج من الأحكام يضمن لها الهدوء والاستقرار والاطمئنان ويبدأ بالحض على الزواج تلبية لنداء الفطرة لما يترتب على معاكستها من أمراض نفسية وعصبية وحذرا من انفجار الغريزة الذي يتبعه تحطم الأخلاق وتلاشي الفضائل والقضاء على حياة المجتمع بانتشار الفساد وشيوع الرذيلة ونجد في كتاب الله الامتنان على الناس بالحياة الزوجية في قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء/1) وقوله (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم/21) وجاء فيه ما يشير إلى الأمر بالزواج ويصرح بوجوب تيسيره في قوله تعالى (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور/32) وجاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مصرحة بالترغيب في الزواج حيث يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). ومن مراعاة الإسلام للطبيعة البشرية وضروراتها أباح الطلاق وهو مع إباحته أبغض الحلال إلى الله، ولكن أبيح لما فيه من رفع المشقة عن الزوجين فقد تتنافر طبائعهما ويؤدي بقاؤهما مرتبطين بحبل الزوجية إلى معاناة حياة أشبه بالجحيم فجعل في الطلاق فكاكا للرجل والمرأة من حياة العذاب الذي لا يطاق وإباحة الطلاق مقيدة بقيود تدل على أنه لم يبح إلا لرفع الحرج فالله تعالى يقول (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (الطلاق/1) .
ولقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إيضاح ما انبهم من مدلول الآية وذلك عندما طلق ابن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض وجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حدث، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (مرة فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء) وهذا يعني أن الطلاق المباح هو في الطهر الذي لم يباشرها فيه الرجل، أما في الحيض أو الطهر الذي باشرها فيه فهو حرام، وقد استظهر العلماء علة ذلك فقالوا: "إن الرجل لا ينتفع بشيء من المرأة في حالى الحيض وقد يتقزز منها فلا يبالي بتطليقها في هذه الحالة لأتفه الأسباب، وعندما يباشرها بعد الطهر ويقضي منها شهوته قد يزهد فيها أما في الطهر الذي لم يباشرها فيه فإن نفسه تكون إليها أميل وفيها أرغب، لطول عهده بها، وإمكان قضاء نهمته منها، فلن يطلقها في هذه الحالة إلا لضرورة لا محيص عنها، ومن دقة الإسلام في رعاية الحقوق الزوجية ولو بعد انحلال عقد الزواج ما شرعه من تربص المرأة بعد الطلاق ليتم استبراء الرحم فلا تختلط المياه فتختلط بالتالي الأنساب ولإعطاء الرجل فرصة لمراجعة المرأة إذا ما أحس بالندم ولم يصبر عنها وبعد انتهاء أمد التربص يكون كواحد من الخطاب تحل له بعقد جديد وشهادة شاهدين ولم يعط الإسلام الرجل فرصة لمضايقة المرأة فيتلاعب بحياتها الزوجية يطلق ثم يراجع كما يشاء بل جعل أقصى حد للطلاق الذي تصح بعد المراجعة مرتين فإن طلقها بعدهما لم تحل له أبدا حتى تنكح رجلا غيره نكاحا صحيحا لا يشوبه تدليس فلا يصح أن يتفق المطلق مع رجل آخر أو تتفق هي مع رجل على أن يتزوجها فيحللها للزوج الأول وإنما يجب أن يكون قصد المرأة والرجل الذي يتزوجها بناء حياة زوجية جديدة ويشترط مع ذلك أن يدخل بها الزوج الثاني ويقضي منها رغبته من الاستمتاع كما أصاب منها من قبله وفي هذا تأديب للمسيء من الرجل أو المرأة فإن كانت الإساءة منه فبحسبه أدبا أن يرى المرأة التي كانت شريكة حياته في حضن غيره من الرجال، وإن كانت هي مبعث الشقاق فإنها بانتقالها إلى الزوج الآخر وتذوقها لونا جديدا من الحياة عنده قد يكسبها ذلك مرونة وعقلا فإذا ما طلقها الأخير وعادت إلى الأول رجعت وقد انكسرت حدتها بما مر بها من تجربة الحياة فهذه نماذج من الأحكام التي يحوط بها الإسلام الأسرة المسلمة.
وهناك العديد من الأحكام التي لا يمكنني الآن استعراضها وإنما أرجو إن وفقني الله أن أتحدث عنها عندما أصل إلى محلها من الآيات التي جاءت بها وحسب العاقل ما أشرنا إليه دليلا على عمق التشريع الإسلامي الذي نزل به القرآن وتعذر كونه ناتجا عن فكر بشر لا سيما من كان في مثل المحيط المكي الذي نزل فيه القرآن.
وإذا ألقينا نظرة إلى النظام المالي في الإسلام وجدناه أرقى نظام عرفته الإنسانية في جميع أدوار تأريخها لما يتجلى فيه من العدل ويتميز به من الاعتدال فهو بعيد عن عيوب الرأسمالية والشيوعية ليس فيه ما في الرأسمالية من إعطاء الفرد حقه وإذابة ذاتيته في بوتقة المجتمع ولكنه نظام وسط لا إفراط فيه ولا تفريط يعطي الفرد من الحرية بقدر مصالحه ومصالح أمته فله أن ينمي ثروته ما لم تكن هذه التنمية على حساب الأمة أو المجتمع وذلك واضح في تعليل قسمة الفيء التي جاءت في سورة الحشر حيث قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) (الحشر/7) وفي نفس الوقت هو مطالب برعاية عدة حقوق منها حقوق الأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل والمكاتبين ومطالب بالإنفاق في سبيل الله وتأتي هذه الحقوق كلها مبينة في آية من كتاب الله مع ما تشتمل عليه تلك الآية من العقيدة والأخلاق والعبادات والتربية العسكرية وهي قول الحق تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ) (البقرة/177) وفي عطف (أقام الصلاة وآتي الزكاة) على (آتى المال على حبه ذوي القربى...الخ) دلالة على أن الإنفاق في الإسلام ينقسم إلى قسمين إنفاق منظم وإنفاق غير منظم فالأول هو الزكاة التي تجب في أصناف مخصوصة من المال مع بلوغه حدا معينا لأصناف مخصوصة من الناس، والثاني هو سد حاجة المحتاجين من أموال الأغنياء بقدر سداد عوزهم من غير التفات إلى مقادير مخصوصة في الإتيان ولا نظر إلى جنس ما يدفع ولا إلى حد ما يبلغ إليه المال مضطرا بعد أن دفع زكاته وجب عليه أن يعطيه من بقية ماله بقدر ما يستعين به على دفع ضرورته حتى قال بعض العلماء (من كان لا يملك إلا رغيفا ووجد جائعا مضطرا إليه وكان في غنى عنه وجب عليه أن يعطيه الرغيف...وقد جاء في بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن في المال حقا سوى الزكاة) وإذا كانت الرواية مطعونا في إسنادها فإنها تعتضد بما دلت عليه هذه الآية فأين هذه النظام من النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي أما النظام الرأسمالي فإن الفرد يجد فيه حريته المطلقة في تنمية ثروته ولو على حساب غيره ولذلك يجتمع في هذا النظام الغني المفحش والفقر المدقع ولا ينبض قلب الغني بشيء من الرحمة على الفقير.
وبمثل هذه الأسباب تتأجج الأحقاد في الصدور وتتولد السخائم في القلوب وتعشش البغضاء والكراهية في النفوس فتؤدي إلى الانفجار عن النظام المعاكس وهو النظام الشيوعي ولا يقل هذا النظام شرا وخطورة عن الذي قبله فهو يأتي على الأخضر واليابس بناره الحمراء التي لا تبقى ولا تذر، ويبتلع الطارف والتليد من ثروات الأمة في جوفه المنهوم فيقهر الغني ويزيد الفقير فقرا ويسلب الإنسان الحرية والاختيار ويحط قيمته بحيث لا تزيد عن الإنتاج لم يبال بمصيره الذي يرى فيه والإسلام لا يختلف عن الرأسمالية في تقييده حرية الفرد في التصرف في الثروة فحسب بل هو يختلف معها بما يفرضه من القيود على طرق اكتساب المال فيمنع كل استغلال يضر بالآخرين ومن هذا الباب تحريم الغش والرشوة والربا والاحتيال كتحريم السرقة والاختلاس فالله تعالى يقول: (ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة/188) ويقول سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء/29) ويقول سبحانه: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خيرا لكم إن كنتم تعلمون) (البقرة/278، 280) هذه الآيات كلها تأتي لتقييد حرية الفرد في إكتساب المال فليس له أن ينمي ثروته من طريق الباطل والباطل في الإسلام هو كل مالا يقره فيدخل في ذلك الغش والخداع والإختلاس وكل ما كان من شأنه أن يحس من أخذ منه المال بالضيم، وأباحت آية النساء التجارة بشرط أن تكون عن تراض بين المتبايعين وحرمت آية البقرة الربا تحريما لا هوادة فيه حيث جعلته حربا بين الناس وربهم وفي هذا ما يضمن للفقراء والمحتاجين حياة الاستقرار والطمأنينة بحيث لا يهدد ثرواتهم القليلة جشع المكثرين من المال.
وكما يأمر الإسلام برعاية الفقراء يحض على رعاية اليتامى الذين فقدوا الكفيل الذي يقوم بتربيتهم ورعاية مصالحهم لئلا يتولد في نفوسهم الشعور بالحرمان كما يأمر برعاية الأرقاء ومساعدتهم على فكاكهم من ربقة الرق ليتساووا مع الآخرين في حياة الحرية ويوصي برعاية ابن السبيل وعونه وهو المنقطع عن أهله في سفر لا يريد به معصية، وإن كانت أمواله طائلة في بلده يوصي برعاية حق الجوار ولو بين مسلم ومشرك، ويوصي بعون كل مستضعف حتى البهائم العجماء ففي الحديث (في كل ذي كبد رطبة أجر) وهناك كثير من الدقائق في نظام الإسلام المالي لا يتسع لها المقام أرجو أو أوفق للتعرض لها في مواضعها من آي الكتاب.
نظام العقوبات في الإسلام
أما نظام العقوبات على الجنايات فنجده في الإسلام هو النظام الوحيد الذي يضمن الأمن ويحافظ على استقرار الحياة ولم تشرع العقوبات المتنوعة في الإسلام إلا لردع الذين يشذون عن منهج الحياة إسلامية السليم، وهؤلاء هم الذين لم يجد فيهم الإصلاح التربوي بسبب شذوذ طبائعهم عن الفطرة الإنسانية السليمة والعقوبات في نظام الإسلام متنوعة منها ما رسمت له حدود لا يصح تجاوزها ومنها ما وكل إلى نظر الحكام واجتهادهم والحدود المشروعة منها ما شرع لصون الأنفس ومنها ما شرع لصون الأعراض ومنا ما شرع لصون الأموال فقد شرع لصون الأنفس حد الحرابة الذي نطق به قول الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ) (المائدة/33) واختلاف أنواع العقاب باختلاف أنواع الجرائم التي يرتكبونها كما سيأتي في محله إن شاء الله شرع لأجل ذلك أيضا القصاص وعلة مشروعيته ظاهرة في قوله سبحانه: (ولكم في القصاص حياة) ومع أن القصاص حق ثابت لولي الدم يحبب إليه التنازل عنه بعد أن يمكن منه إما إلى العفو المطلق أو إلى الدية وفي هذا ما يعطي دليلا على تفوق الإسلام على كل الأنظمة الأخرى فهو يجيب إلى ولي الدم العفو لما فيه من شعور إنساني ولكنه لا يفرضه عليه لئلا يشعر بحرمان من هو له ولئلا يجد أيضا المجرمون الباب مفتوحا أمامهم للعبث في الأرض وسفك دماء الأبرياء.
حــد الزنــا
وشرع لأجل صون الأعراض حد الزنا وحد القذف أما حد الزنا فمنه ما نص عليه القرآن وهو الجلد الذي جاء في سورة النور في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (النور/2) وقد بينت السنة أن هذا الحد مخصوص بالبكر من الزناة دون المحصن ومنه ما ثبت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية وهو الرجم للزاني المحصن وهذا التشديد في الزنا لما فيه من الخطورة والفحش فهو من أسباب وأد النسل وانقراض كما أنه سبب لتفكك الأسر وتصدع المجتمع واضمحلال المدنية، فهو يعود بالإنسان إلى حالة يكون فيها أشبه بالبهيمة العجماء ومن هنا لم يكتف الإسلام بما فرضه من عقوبة على الزنا نفسه أن يعمل كعملهم والتشديد على المحصن لفحش جريمته، وليس الحد الذي يعاقب به الزاني من الأمور الهينة، فلا يقام إلا بصحة شرعية إما باعتراف الزاني على نفسه بالزنا مرارا أمام الحاكم الشرعي مع ثبوت سلامة عقله وهدوء باله بحيث لا يحوم حول قراره ريب وإما بشهادة أربعة عدول يشهدون أمام الحاكم الشرعي بأنهم رأوا عملية الزنا بين المتزانيين في منتهى الوضوح والانكشاف بحيث رأوا دخول الآلة في الآلة كدخول الميل في المكحلة وإن قصرت الشهادة عن هذا العدد أو هذا الوصف اعتبر الشهود قذفة يستحقون حد القاذف.
حد القذف
وأما حد القذف فهو ثمانون جلدة نص عليها القرآن في قذف المحصنات في قوله عز وجل :
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُون إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور/4، 5) وفي رفض قبول شهادة الذين يقذفون المحصنات عقاب أدبي لهم بجانب العقاب الحسي ليكون في هذا ردع لذوي النفوس الدنيئة والألسنة البذيئة عن هتك أعراض الناس والتلذذ بذكر مساوئهم أو نسبة المساوئ إليهم وقد جاء النص في قذف المحصنات لأن الجرائم الخلقية في النساء أفحش، ولأن السفهاء كثيرا ما يتطاولون على أعراض النساء غير مبالين بما يعود من عار ذلك عليهن وعلى أسرهن وفي هذا ما يدل على محافظة الإسلام على كرامة المرأة وشرفها وقد حمل المحصنون على المحصنات في الحكم بالسنة والإجماع.
حد السرقة
وشرع حد السرقة لصون أموال الناس عن أيدي العابثين الذين يؤثرون الدعة والكسل ما داموا تواتيهم الفرصة لسلب الناس ما جمعوه من المال بكد اليمين وعرق الجبين وهذا الحد مما نص عليه أيضا الكتاب في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة/38) وقد قيدت السنة هذا الإطلاق في الآية فبينت نصابا للسرقة يجب معه الحد ولا يحد فيما دونه كما بينت أن الحد مشروط بأن تكون السرقة من حرز كل ذلك من دلائل عمق الإسلام في التشريع.
حـــد الخــمر
ومن حيث الخمر هي أم المعاصي وجماع الإثم فقد جاء في السنة عقوبة شاربها بجلد أربعين ثم لما تفشى شرب الخمر في أوساط الناس في عهد عمر رضي الله عنه استشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يعاقب الشارب بأقل الحدود وهو ثمانون جلدة لما يترتب على شاربها من الهذيان الذي يؤدي إلى القذف وهتك الأعراض واستقر على ذلك العمل.
عدالة التشريع الإسلامي
هذا ويراعى في إقامة الحدود ألا تكون هنالك شبه ولو كانت ضعيفة فالشبه تسقط الحدود كما جاء في حديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) كما تراعى فيها العدالة فلا تقام على الضعاف دون الأقوياء بل يساوى بين القوي والضعيف فيها، ولربما كانت العقوبة على القوي أشد منها على الضعيف كما هو الشأن في عقوبة الزنا في الأحرار والمماليك وقد سرقت امرأة مخزومية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها وقد كبر ذلك على قومها فاستشفعوا إلى رسول الله بأسامة بن زيد- وكان حِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم- فلم يكد يدلي بشفاعته إليه حتى غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم القوي تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) ثم قال عليه أفضل الصلاة والسلام (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وفي هذا ما يؤكد العدالة الجزائية في الإسلام فلا تفرقة ولا محاباة ولكن عدالة ومساواة لا يلتفت معهما إلى قرب وبعد ولا إلى قوة وضعف ولا إلى غنى وفقر ولا إلى محبة وبغضاء ولا إلى جنس وآخر بل يلتقي الجميع في ظل العدالة السماوية التي يرفع شعارها قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة/8) وقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء/135) وليست هذه العدالة في الإسلام شعارا يردد أو شارة ترفع، وإنما حقيقة يجدها كل من يتلمسها، وإذا كانت العدالة في سائر الأنظمة هي مجرد نظرية تذكر ولا تبصر فإن الاٌسلام قد أثبت صدق هذه العدالة بمنهجه الحق الذي كان عليه الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم وخلفاؤه الراشدون وكل من كان على هديهم ولا أدل على ذلك مما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الانفعال بمجرد ما سمع شفاعة في حد من حدود الله أدلى بها من هو أحب الناس إليه وأحظاهم عنده، وقد اتفق أن سرقت درع بالمدينة وألقيت في بيت يهودي لأجل المكر به حتى يغضب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فما لبث أن نزل قرآن من الله يفضح المؤامرة ويبريء اليهودي مما نسب إليه، هذا مع العلم بأن اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وقد روي أن رسولا وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أكثم بن صفي - وهو أحد حكماء العرب - ليسأله عما يدعوا إليه فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم آية من سورة النحل وهي قوله جل جلاله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل/90) فلما رجع الرسول إلى أكثم تلا عليه الآية التي سمعها فقال أكثم إن هذا إن لم يكن دينا فهو أخلاق وحض قومه على المسابقة إلى الإسلام ذلك لما رآه من العدالة ولمسه من المثل والقيم في هذه الآية الكريمة.
من آثار التشريع الإسلامي في العقوبات
وقد حققت عدالة الإسلام الماثلة في تشريعه الحكيم أمن الإنسانية واستقرارها في كل البقاع التي امتد إليها نفوذ الدولة الإسلامية في وقت لم تكن فيه أجهزة للأمن ولم تعرف فيه مباحث أمن الدولة ولا مباحث التحقيقات الجنائية ولا أجهزة المخابرات ولا عدة عسكرية هائلة ولا وسائل للكشف والاستخبار وإنما كانت الشريعة الإسلامية وحدها تضفي على تلك الأنحاء المترامية من الأرض الأمن والاطمئنان اللذين نعم بهما المسلم وغيره من مواطني الدولة الإسلامية وذلك كله من إعجاز هذا التشريع وهو دليل على أنه من عند الله تعالى إذ ليست فيه المفارقات والتناقضات التي في الأنظمة البشرية وليس هو مجرد سياط لاذعة وسيف صارم كما يحلو للبعض وإنما هو تربية للضمير الإنساني وربط للفرد بمجتمعه ووصل للإنسان بخالقه ومن هنا كان كل فرد من الأمة يشعر بمسئوليته في حفظ النظام والمحافظة على تنفيذ جميع بنود تشريعه وكانت النفوس سرعان ما تتفاعل مع ما يقتضيه هذا التشريع ولا تتردد في تقبله وتطبيقه عمليا ولو اقتضى ترك أحب شيء إلى النفوس.
فالعرب كانت الخمر عندهم من أحب الأشياء إلى قلوبهم والإنفاق فيها من أحسن السخاء عندهم كما دل على ذلك أشعارهم التي يفتخرون فيها بمعاقرة الخمر والقضاء على الطارف والتليد فيها ولكن لم يكد يقرع مسامعهم قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونََ) (المائدة/90، 91) حتى نزعوا الأقداح من الشفاه وأراقوا ما فيها من شراب كانت تصدى إليه أكبادهم، وتتشوق إليه قلوبهم ولم يكتفوا بذلك حتى قاموا إلى الدنان فحطموها فكانت الخمر التي هي من أعز الأشياء عندهم تجري أنهارا في زقاق المدينة ولم يكن شيء من ذلك خشية من صوت لاذع أو سيف صارم أو سجن رهيب وإنما كان ذلك لما وقر في قلوبهم من الإيمان واستقر فيها من حب الله وخوفه ورجائه وإن شئت فقس ذلك إلى ما ذكره بعض الكاتبين أن الولايات المتحدة الأميركية حاولت لمدة أربعة عشر عاما أن تحرم الخمر فلم تبق وسيلة من وسائل المدينة الحديثة كالصحافة والأفلام إلا استعملتها للكشف عن مضار الخمر وتنفير الناس عنها، كما استعملت كل قسوة وشدة في العقوبة عليها وكان ما نشرته من الصحف عشرة ملايين صحيفة وتكلفت في تفنيد هذا القانون ربع مليون جنيه ،وصادرت من الأموال أربعمائة وأربعة ملايين من الجنيهات وعاقبت بالإعدام ثلاثمائة شخص وبالسجن خمسمائة ألف واثنين وثلاثين ألفا وثلاثمائة وخمسة وثلاثين ومع ذلك فإن الناس ازدادوا إقبالا على الخمر وتفننا في الاحتيال على حصولها مما اضطر الحكومة الأميركية إلى إلغاء قرارها وفي هذا ما يكفي دليلا على فشل الأنظمة البشرية وتعذر مقارنتها بنظام القرآن الذي يصلح النفوس ويحيي الضمائر، ويصقل الفطر ويغرس في القلوب مراقبة الله تعالى وفيما يحدث في زماننا هذا من الجرائم التي تقاس بالثواني في أكبر دولة في العالم ترهب الدنيا بقوتها وتسع الأرض بمخابراتها وتتفوق في التقنية والإنتاج على غيرها، دليل واضح على أن القوة المادية لا تضفي على الناس الهدوء والاستقرار ولا تكفي لإصلاح النفوس الفاسدة وتقويم السلوك المنحرف.
هذه نبذة عن الإعجاز التشريعي في القرآن وأرجوا إن شاء الله أن أوفق لتفصيل ما أجملته هنا عندما آتي بعون الله وتوفيقه إلى آيات الأحكام في القرآن الكريم والله ولي التوفيق.

سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي


أعلى






وسائل الدعوة من خلال سورة إبراهيم

لا شك أن رسالة التوحيد رغم بساطتها وموافقتها للفطرة السليمة تحتاج إلى مراعاة أحوال المخاطبين وما تولد لديهم من شكوك وحجب مانعة من قبول الدعوة، ولهذا تجد التعدد الأسلوبي في خطاب المكلفين سمةًَ بارزةً في القرآن والكريم، والسورة التي بين أيدينا تلتزم بهذا المنهج بطبيعة الحال لا سيما وأنها من السور المكية التي عنيت بتقرير مسائل العقيدة، وفيما يلي استعراض لأهم الوسائل والأساليب الدعوية الواردة في هذه السورة سردتها على الترتيب الوارد في السورة:
أولاً: التنبيه بالتوحيد
لقد جاءت عدة آيات في هذه السورة منبهةً على ذلك، ففي قوله تعالى: (الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) حيث جاء بصيغة العموم (ما) ليدل على إفراده تعالى بكل ما في السماوات والأرض (أي ملكاً وعبيداً واختراعاً وخلقاً) ، وهذا مثل قوله تعالى: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) وهو (استفهام معناه الإنكار) ، وقوله تعالى: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلق جديد) وفيه التنبيه على أن هذا الخلق ليس خلقا عابثاٍ ولا لاعبا تعالى الله عن ذلك، ولكن (ليستدل بها على قدرته) ، وقوله تعالى : (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخَّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخَّر لكم الأنهار. وسخَّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخَّر لكم الليل والنهار) حيث فصلت هذه الآية في مظاهر ربوبية الله تعالى من حيث الخلق والتدبير ، وحذار أن تتوهم التكرار المحض في هذه الآيات، بل كل آية منها تأتي في موضعها لتنبه على أمر أو مسألة مستقلة ولا يمنع استعمال نفس الشاهد من تعدد المشهود عليه، فالآية الأولى استدل بها على انفراده تعالى بالملك،والآية الثانية دلت على انفراده تعالى بالخلق، والآية الثالثة دلت على انتفاء العبثية في أفعال الله تعالى، والآية الرابعة دلت على انفراده تعالى بالأمر والتدبير؛ فإذا جمعت ما تقدم وصلت إلى تقرير توحيد الربوبية الذي هو (إفراد الله سبحانه وتعالى في أمور ثلاثة؛ في الخلق والملك والتدبير).
وهذا التقرير من الأساليب القرآنية المعهودة التي تستثمر البدهية المطلقة المستقرة في قلوب وعقول الناس وهي أن الله تعالى هو وحده الخالق والصانع فتنطلق من هذه البدهية إلى تقرير لازمها وهو إفراد من تفرد بالربوبية بالألوهية، تأمل مرةً أخرى قوله تعالى: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) تجد أن الآية وجهت إلى توحيد الألوهية - بعد تقرير إفراده تعالى بالخلق والربوبية - ببيان أن الله تعالى وحده هو الذي يغفر الذنوب - وهذا من خصائص الألوهية بلا ريب كما جاء في الحديث القدسي : (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) فهذا صريح في كون المغفرة متعلقة بالألوهية.
ومن جهة أخرى فلقد جاءت إحدى الآيات في هذا المقام - مقام التذكير بربوبية الله تعالى وحده - لتنبه على قضية عقدية أساسية هي قضية البعث، وذلك في قوله تعالى : (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك علىالله بعزيز) فهذا إخبار من الله تعالى بقدرته على معاد الأبدان (بأنه خلق السماوات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس) وهذا من قبيل التنبيه بالأعلى على الأدنى، وهذا من الأساليب القرآنية المعهودة كما في قوله تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير).
ثانياً: التذكير بنعم الله تعالى
وهذا الأسلوب قريب من الأسلوب السابق لأن نعم الله تعالى وعطاياه ومنحه من آثار ربوبيته سبحانه وتعالى، بل هو أسلوب أقرب إلى الحس والمشاهدة بحيث يصعب إنكاره إلا من جاحد للنعمة كافرٍ بها، ونحن نجد فيضاً من الآيات المذكرة بنعما لله تعالى على اختلاف في هذه النعم في هذه السورة الكريمة، من ذلك قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرِج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)، وأيام الله (أياديه ونعمه عليهم) ، قلت : ولقد جاء هذا المعنى في حديث أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنه بينما موسى عليه السلام في قومه يُذكرهم بأيام الله وأيام الله نعماؤه وبلاؤه..) الحديث، وقد فسرته بذلك أيضاً الآية التالية حيث قال تعالى: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذَبِّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) فهذه الآية صريحة في بيان أيام الله وأنها ما امتن الله تعالى به على بني إسرائيل من نعمة النجاة من عذاب فرعون وبأسه ما هو حري بهم أن يذعنوا بالطاعة والانقياد لله تعالى والإخلاص له بالعبادة، ولقد جاء مثل هذا التنبيه في خطاب مشركي قريش حيث قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار.جهنم يصلونها وبئس القرار)، حيث ذكر ابن كثير عن ابن عباس أن هؤلاء هم كفار أهل مكة، جاءتهم نعمة الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا النعمة وجحدوا بها وأهلكوا أنفسهم وقومهم في الدنيا يوم بدر وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعياذ بالله.قلت: وأي نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد، وأي خسارة أعظم من الإعراض عن هذه النعمة.
ثم جاءت آية أخرى في هذه السورة وهي عامة غير مختصة بمناسبة حيث قال تعالى: (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلومٌ كفَّار) وقد اختتمت الآية بوصف الإنسان بالظلم والكفر بصيغة المبالغة، ولا شك أن وصف الظلم وصف ٌ محتمل - أعني للكفر ولما هو دونه من (وضع الشيء في غير موضعه) - وكذلك لفظ الكفر أيضاً محتمل فيحتمل المعنى الاصطلاحي بمعنى ما يناقض الإيمان كما يحتمل المعنى اللغوي بمعنى الكفران أي ( ستر نعمة المُنعِم بالجحود) ، ويقارن الدكتور عبد الرحمن الميداني بين ختم هذه الآية بما سبق وبين ختم نظيرها في سورة النحل بأن الله غفور رحيم حيث قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) فيقول ما حاصله أن تجاهل الناس عن بعض نعم الله تعالى وعدم مقابلتها بالشكر والعرفان يتسبب في رذيلتين هما استخدام النعمة في غير موضعها وهذا ظلم، وجحود النعم كلها أو بعضها مع تفاوت في نسبة هذا الجحود، فالمؤمنون العصاة من الناس يتصفون بمقدار من هاتين الرذيلتين لا يتعارض مع صحة الإيمان وأما الكافرون يجاوزون بتلبسهم بهاتين الرذيلتين إلى دركات سفلى تتنافى مع صحة الإيمان والإسلام. فتكون آية النحل قد راعت ظلم عصاة المؤمنين وكفران النعمة فختمت بوصف المغفرة والرحمة ترغيباً وتكون الآية في إبراهيم قد تناولت ظلم الكافرين وكفرانهم للنعمة كفراً أعظم حيث يستفاد من صيغة المبالغة تجاوز هذا الظلم والكفران حدود استبقاء وصف الإيمان معها. قلت: ولعل سياق السورة - أعني سورة إبراهيم - يقترب بالوصفين ( الظلم والكفران) من معنى الكفر المخرج من الملة وهو المناسب للمقام والله تعالى أعلم، وأياً ما كان فلا شك أن وضع نعمة الله في غير موضعها وجحود هذه النعمة طريق موصلٌ إلى الكفر والهلاك ويتفاوت الناس في التردي في دركات هذا الطريق فوجب الحذر.
وحاصل هذا الأسلوب أنه يهدف إلى استثمار ما جُبلت عليه الأنفس من العرفان والشكر إلى من أسدى إليها جميلاً فما بال المرء مع ربه ومولاه الذي أورد عليه من النعم ما تتقاصر الأعمار عن تعداده ناهيك عن الوفاء به، فحري بهذا الأسلوب أن يستنقذ من في قلبه بذرة صلاح من مورد الهلاك وطريق الكفر والجحيم.
ثالثاً: أسلوب الترغيب والترهيب
وهذا أسلوب من الأساليب القرآنية يُراعي فيه طبيعة النفس البشريه المجبولة على محبة ما فيه نفعها ومصلحتها والإقبال عليه وكره ما يضرها ويؤذيها ويفسد عليها أمرها والنفور منه، فتجد القرآن يرغب الناس في اتباع الهدى من خلال الوعد بالخير المترتب على ذلك، ويُرهبهم من اتباع الباطل من خلال الوعيد المترتب على ذلك أيضاً، ولا شك أن الجمع بين الترغيب والترهيب مراعاة للتوازن النفسي عند الإنسان فهو في بعض الحالات أشد استجابة لدواعي المصلحة فينفعه الترغيب وفي حالات أخرى يكون أشد انسياقاً وراء الهوى والشهوات فلا يرعوي إلا بالترهيب، وكان من كرم الله تعالى أن كان الوعد لازماً والوعيد بخلافه.
ولقد أوفت سورة إبراهيم هذا الأسلوب القرآني حقه، ولقد استفتحت السورة بالترهيب في قوله تعالى : (وويل للكافرين من عذاب شديد) وهو استفتاح مناسب حيث جاءت السورة لتعالج واقع الكفر والشرك فكان مناسباً أن يتجه الخطاب إلى التخلية وذلك بالترهيب والتنفير من مآل ما هم عليه، ثم تكرر مثل هذا الترهيب والتهديد في قوله تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) وهو تهديد بزوال النعمة أي (إن كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها إن عذابي شديد (وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها) قلت: وهذا ينال بلا شك أعظم النعم وهي نعمة الإسلام والهداية إليه أعني هداية الإرشاد، فمن كفر هذه النعمة وجحدها ولم يكن محلاً قابلاً لها عاقبه الله تعالى بالحرمان منها فيحرمه الاهتداء بها - أعني هداية التوفيق - ويختم على قلبه والعياذ بالله وذلك هو الخسران المبين. ثم جاء التهديد بالاستبدال في الدنيا والآخرة؛ أما استبدال الدنيا فقوله تعالى : (ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد. واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) وهو خطاب للموحدين يهدد فيه بإحلالهم مكان المعارضين من الكفار، وتكرر ذلك صريحاً في قوله تعالى: (إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلقٍ جديد) وأما الاستبدال في الآخرة فهو بأن يبدلهم تعالى بمقاعدهم في الجنة مقاعد في جهنم يصلونها وبئس المصير كما قال تعالى: (من ورائه جهنم ويُسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ) ويشهد لمعنى الاستبدال هذا ما ورد في حديث أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول هذا فكاكك من النار)، ثم يأتي ترهيب آخر من حبوط الأعمال يوم القيامة مهما عظمت ومهما حسنت في ذاتها فهي ليست بشيء إذا ما أتى العبد ربَّه كافراً، قال تعالى : (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد) وأي ترهيب أشد من هذا حين ينتظر الكفار ثواب أعمالهم فإذا (طلبوا ثوابها من الله تعالى لأنهم كانوا يحسبون أنهم على شيء فلم يجدوا شيئاً ولا ألفوا حاصلاً إلا كما يتحصل الرماد إذا اشتدت به الريح العاصف) ، ثم تأمل بعد ذلك ما أعد الله تعالى من العذاب المقيم لمن أعرض عن صراطه المستقيم قال تعالى: (جهنم يصلونها وبئس القرار. وجعلوا لله أنداداً ليُضلوا عن سبيله قل تمتعوا قليلاً فإن مصيركم إلى النار)، وذكر الأنداد هنا مناسب جداً لينبه سبحانه وتعالى إلى أن هذه المعبودات بالباطل لم تكن لتغني عن عابديها شيئاً وإنما حالها معهم كما قال تعالى في سورة أخرى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)، ثم جاءت هذه الآية في مقام الترهيب حيث قال تعالى: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)، فمهما كان مكر هؤلاء فإن الله تعالى (محيط به علماً وقدرةً) وهذا ترهيب بما عند الله تعالى من القدرة والمكر الذي هو في مقابلة مكرهم السيئ، والله تعالى هو خير الماكرين. وأنت ترى أن آيات الترهيب هذه فيها نوع من التدرج الذي وصل بنا رويداً رويداً إلى هذه الآية الجامعة فمهما يبذل المعاندون من جهد ومهما يمكرون من مكر فإن الله تعالى محيط بهم وهم لا يعجزونه، ولعذابه تعالى في الآخرة أشد وأبقى لو كانت لهم قلوب تفقه أو آذانٌ تسمع أو أعين تبصر.
أما جانب الترغيب فنجد الآيات قد حشدت جملةً من الوعود الجميلة التي يمكن تقسيمها إلى وعود معجلة في الدنيا وأخرى مؤجلة في الآخرة؛ أما الأولى فمنها الوعد بالزيادة لمن شكر نعمه حيث قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم)، والنعمة الواجب شهودها في هذا السياق هي نعمة الإسلام والهداية إلى كلمة التوحيد بحيث يكون ثواب من أقبل على هذه النعمة بالانقياد والشكر مزيد تثبيت وهداية وتوفيق وقد جاء هذا صريحاً في قوله تعالى : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) وهذا في العاجل (وفي الآخرة) وهذا في الآجل كما سيأتي إن شاء الله، ومن هذه النعم العاجلة مغفرة الذنوب وعدم إهلاكهم بها في الدنيا حيث قال تعالى: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) يعني (الموت، فلا يعذبكم في الدنيا) ، ومن وعد الله تعالى لمن استجاب الله في الدنيا أن يستبدل بهم من أعرض عن ذكره ويخلفهم في الأرض، قال تعالى: (ولنسكننكم الأرض من بعدهم) فهذا صريح أنه في العاجل حيث وعد (بالعاقبة الحسنة التي جعلها الله للرسل ومن تبعهم جزاء) لمن خاف مقامي (عليه في الدنيا) ، أما الوعود الحسنة والرغائب الآجلة فما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تأمل معي قوله تعالى: (وأُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام) وقد جاء هذا الوعد الحسن ترغيباً بعد بيان (مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال وأن خطيبهم إبليس (كما سيأتي) عطف بمآل السعداء وأنهم يدخلون يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأنى ساروا ماكثين أبداً لا يحولون ولا يزولون) ، قلت : وقبل هذا المآل السعيد جاءت الآية تطمئن المؤمنين أتباع كلمة التوحيد بالثبات في البرزخ حيث فتنة القبر والسؤال كما سيأتي معنا في فقرة لاحقة إن شاء الله.
والحاصل مما تقدم أن السورة الكريمة قد اعتنت أيما اعتناء بهذا الأسلوب المؤثر أعني أسلوب الترغيب والترهيب، ويمكن التأكيد مما سبق على ما يلي :
1ـ الاعتناء بأسلوب الترهيب عند دعوة من شط به هواه فانحرف عن جادة الحق لأنه أحرى بأن يوقظه من غفلته ويعيده إلى الجادة إن لم يكن خُتم على قلبه بعد.
2ـ الاعتناء بأسلوب الترغيب عند من أظهر استعداده للإقبال على الدعوة والانقياد لكلمة التوحيد وذلك تثبيتاً لهذا التوجه وتعهداً لهذا الميل نحو الحق.
رابعاً: أسلوب ضرب المثل
وهذا أيضاً من الأساليب القرآنية المعهودة والتي تعمل على تقريب المعنى من خلال ضرب الأمثلة المعروفة، ولقد جاء في هذه السورة مثلان من أروع ما ضرب من الأمثال القرآنية دقةَ بيان وروعة أسلوب ووضوح معنى، أحدهما يتعلق بما توهمه الكفار من أعمال لهم يرجون ثوابها في الآخرة، والاخر ينطوي في الحقيقة على مثالين أحدهما للكلمة الطيبة والآخر للكلمة الخبيثة، فلنتدبر:
المثل الأول : كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف
ضرب الله تعالى مثلاً لمن عبد مع الله غيرَه سبحانه وتعالى كيف يكون مآل أعمالهم، فيقول تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد)؛ فهؤلاء يأتون بأعمال ظاهرها حَسن في دنيا أو هكذا يتوهمون فيرجون ويطلبون ثوابها يوم القيامة، وما شعر هؤلاء أن أعمالهم هذه ليست بشيء وأن ما يجدونه منها يوم القيامة مشابه لما يجده من طلب ذرات الرماد التي بعثرتها ريح عاصفة شديدة، فلا يجد هؤلاء شيئاً لأنهم بنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، وهذا مثل قوله تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريحٍ فيها صِرٌّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته)، قلت: ولكن الآية في سورة إبراهيم عامة في كل الأعمال والآية في آل عمران خاصة في الإنفاق وهو من باب التنويع البياني في القرآن الكريم حيث يذكر العام في موضع ويذكر بعض أفراده في موضع آخر ليتحقق التكامل البياني على مدى سور القرآن الكريم.
المثل الثاني: كشجرة طيبة أو خبيثة
تنوعت أساليب القرآن الكريم في توصيل رسالة التوحيد للناس، وما ذلك إلا لأنها - أعني رسالة التوحيد - أعظم حقيقة في الكون وحري بها أن تكون محط عناية القرآن الكريم، والمتدبر في هذه الصورة القرآنية يدرك مدى ثقل هذه الكلمة واهتمام القرآن بها حتى جاء ترسيخها في عقول وقلوب الناس بهذه الصورة الرائعة والمثل البديع، قال تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار)، فهذا مثل قد ضربه الله تعالى للكلمة الطيبة (شهادة أن لا إله إلا الله) فشبهها بالشجرة الطيبة ذات الجذور الراسخة الضاربة في الأرض ثباتاً والفروع المتشعبة عن أصلها الطيب فإذا بها يانعة الثمار صالحة النتاج، (فكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علماً واعتقاداً، وفرعها من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية والآداب الحسنة) قلت: وهذا في غاية الحسن من حيث ضرب المثل للمعاني المعقولة بالأشياء المحسوسة المستقرة في بداهة العقول والتي تتراءى للناس في معايشهم كل يوم، وإن منتهى الحسن في نتاج هذه الشجرة ذلك التثبيت عند سؤال الملكين في القبر ثم نوال رضا الله تعالى وثوابه يوم القيامة، كما قال تعالى بعد ضرب هذا المثل: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)، فلقد ثبت هذا المعنى من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فذلك قوله : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)، ويأتي تكامل المشهد في عرض الصورة المناقضة، فبضدها تتميز الأشياء؛ ففي مقابل كلمة التوحيد وشجرة الإيمان - التي شبهتها بعض الأحاديث بالنخلة - تأتي الكلمة الخبيثة كلمة الكفر كالشجرة الخبيثة شجرة الحنظل (لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ولا يصعد للكافر عمل ولا يتقبل منه شيء)
والحقيقة أن التفصيل في عناصر وحيثيات هذين المثالين يحتاج بحثاً مفرداً وإنما أردت التنويه بهذا العرض الموجز إلى ورود هذا الأسلوب في الخطاب الدعوي للسورة المباركة وتسخيره تسخيراً ناجحاً في رسم المعنى المنشود وتوضيحه أيما إيضاح، كيف لا وهو كلام الحق تبارك وتعالى. فحري بالداعية إذاً أن يتعلم كيفية تطبيق واستعمال هذه الأمثلة التي ضربها الله تعالى للناس (لعلهم يتذكرون).
خامساً: أسلوب القصص
لقد أخذ القصص القرآني بُعده وتبوأ مكانه كأسلوب خطابي دعوي في سور متعددة من القرآن الكريم بعضها قصير وبعضها طويل، وبعضها - أي القصص - تعرضت له سور في آيات قلائل وبعضها الآخر استغرقت سوراً بأسرها، ولا شك أن لهذا العرض المتنوع أهدافه التي منها استدعاء السياق معنى من معاني القصة أو جانباً من جوانبها فيقتصر على موضع الشاهد منه مع إبراز ما يستدعيه السياق، وهكذا كان الحال في سورة إبراهيم حيث وردت جوانب من قصة موسى عليه السلام مع قومه في سياق استعراض أسلوب الدعوة بالتذكير بالنعم، حيث قال تعالى: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذَبِّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، ثم جاءت إشارة خاطفة سريعة تذكر بمصائر المكذبين في قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أُرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) وقد جاءت الإشارة بأسلوب قصصي مقتضب جداً بعيد عن الاستطراد الذي قد يبعد بالمخاطب عن التركيز المطلوب في هذا الخطاب الدعوي أعني خطاب الدعوة إلى التوحيد، ثم جاءت الإشارة القصصية الأخيرة من صفحة الواقع حين ذكَّرت بما أورده مشركو قريش قومهم من موارد الهلاك في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار. جهنم يصلونها وبئس القرار) وقد تقدم أنها في مشركي قريش ومن هلك منهم يوم بدر. فهذه الإشارات القصصية الثلاث يراد منها التنبيه على مآل من كذب الرسل، ثم جاءت الإشارة إلى قصة إبراهيم عليه السلام لتقرير معنى آخر نتعرض له في فقرة لاحقة إن شاء الله تتعلق بالتربية والتنشئة فنرجئ الكلام عليه إلى حينه إن شاء الله تعالى.
وحاصل ما تقدم أن يتسلح الداعية برصيد كافٍ من القصص الصحيح ذي المغزى المعين على تقرير مسائل الدعوة، لا سيما وأن أسلوب القصة أسلوب قريب من الناس يشد انتباههم ويؤثر فيهم أكثر مما تؤثر أساليب دعوية أخرى.


محمد بن عامر الحارثي


المراجع
أساليب التربية والدعوة والتوجيه
من خلال سورة إبراهيم - د . وسيم فتح الله

 

أعلى





تضامن وتآزر المسلمين أثناء الأزمات (1ـ2)

تحقيق السعادة والرقي للبشرية هدف كل إنسان على وجه هذه البسيطة فكل ما يفيد الجماعة الإسلامية من عمل دنيوي أو أخروي في شتى المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية...يغرس في النفس البشرية الأمن والسلام فكل ذلك سبيل لتقدم الإنسانية ورقي حضارتها مهما اختلفت الأبعاد الزمانية والمكانية فقد تمر بالناس محن ومصائب مريرة وعصيبة فهل يا ترى تركت الإسلام سدى دون تخطيط لحلها والعمل على تقليصها بشتى الطرق السلمية فالمتطلع إلى سير العظماء من الرجال الأفذاذ يجد انهم في عصورهم الغابرة قد عانوا من أزمات وأحداث كثيرة عصفت بوقتهم ونكلت بمواريثهم الفكرية والمعرفية فكم قرأ القارئ وسمع السامع عن سيرة الصحابة الأطهار فكانوا متلاحمين يشد بعضهم بعضا في الأزمات التي انتابتهم في تلك العصور الخالية فهذه الأزمات كثيرة منها الفتوحات السلمية كفتح مكة والمعارك والغزوات التي خاضوها مع أعداء الإسلام وجاء التابعون فساروا على نفس المنهج وهكذا.. فكل ذي عقل حكيم وجسد قوى وسليم يقدم ما عنده من المعونة المادية والمعنوية سواء كان ذلك بعقله وجسده مهما اختلفت السنتهم وأجناسهم وألوانهم.
وصدق الله العظيم عندما حث عباده المؤمنين على التعاون والتضامن في قوله جل وعلا (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) المائدة: {3 } قال: ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية (إن واجبكم أن تتعاونوا بينكم على فعل البر والتقوى،.. لأن التعاون عليها يكسب محبة تحصيلها، فيصير تحصيلها رغبة لهم،فلا جرم أن يعينوا عليها كل ساع إليها،..ولو كان عدوا...فأعينوا عليه وعلى التقوى،فهم وإن كانوا كفارا يعانون على ما هو بر:لأن البر يهدي للتقوى،فلعل تكرر فعله يقربهم من الإسلام.. تعاونوا للمسلمين، أي ليعن بعضكم بعضا على البر والتقوى.وفائدة التعاون تيسير العمل، وتوفير المصالح، وإظهار الاتّحاد والتناصر، حتى يصبح ذلك خلقاً للأمّة) ففي هذا التضامن والتآزر تنتعش روح الحضارة بين الأمة الإسلامية وغيرها ويكون هذا التكافل اكبر وأوسع نظاما لتطور الحضارة الإنسانية نحو الأكمل والأفضل والأسعد والامثل في جلب السعادة والاطمئنان الروحي والجسدي للبشرية جمعا وقد قال نبي الهدى صلى الله عليه وسلم (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه انفعهم لعياله) ويبين لنا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أن المسلمين كالجسد الواحد مترابط الأعضاء متشاد الخيوط يشدّ بعضه بعضا في جميع الأحوال ففي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من طريق النعمان بن بشير.قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم،مثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فقوة الجماعة تفوق قوة الفرد الواحد فلا بد من الالتمام والالتحام عند صعوبة الأمر في الأزمات.
إن الأمة الإسلامية تمر اليوم بمرحلة حرجة بمنعطف ضيق خطير للغاية فها هي الرياح العاتية تعصف بها من كل حدب وصوب والمسلمون متفرقين في المبادئ والأحكام الفرعية متشتتين في أفكارهم والعدو مستغل هذه الأحداث ويكيد لها التهم ارجاء الأرض المتفرقة فما أجدرنا نحن الخلف أن ننهج منهج السلف فنسير على ما ساروا عليه، فالتضامن بين المسلمين في حل الازمات الراهنة سبيل لإحياء روح المودة بين الشعوب فيصبح كل واحد منهم يحب الآخر ويدعو له بالخير والفلاح إلى ما يصبو إليه فتتحقق السعادة للجميع فالمسلمون اليوم يتوزعون على أرجاء شتى من الأرض فتراهم ينحصرون في وسط العالم من جزيرة آريان في جمهورية إندونيسيا في الشرق إلى الرأس الأخضر من جمهورية السنغال من جهة الغرب ومن جهة الشمال جمهورية تركستان الغربية إلى جمهورية موزمبيق في الجنوب، كل هؤلاء المسلمين تجمعهم كلمة التوحيد للواحد الأحد فمنهم الغني والفقير والقوي والضعيف العالم والجاهل وقد أمر الله تعالى هؤلاء الاعتصام بحبله المتين وصراطه المستقيم (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) آل عمران: {103} ويوضح لنا الشهيد سيد قطب الآية بقوله ( هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما. وهو هنا يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء وما كان عليه الأوس والخزرج في المدينة احد.وهما الحيان العربيان في يثرب يجاورهم خصومهم الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا...فألف الله بين الحيين من العرب بالإسلام وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية.ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال.. ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها، إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله ـ الركيزة الأولى وبالتأليف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا) هذا ويصف لنا المفكر والداعية الشيخ محمد الغزالي عن الخصائص التي يمتاز بها مجتمع المسلمين رجال بقوله: (إن المجتمع الزكي يقوم على رجال يعرفون حق الله تعالى، وحق الجماعة عليهم، ويوم ينشغل هذا وذاك بأداء ما عليهما من واجب، فإن الثمرة الدانية في المجتمع أن يصل إلى كل امرئ حقه الطبيعي دون ضجر أو جدل يذكر، والأنانيون عندما يسلطون أفكارهم الضيقة على الدين يمسخون نصوصه، ويحرفون الكلم عن مواضعه، فهم يفهمونه ثوبا بلا عمل، وثمرة بلا غرس، أو عقابا يقع على الآخرين وحدهم، هيهات أن يمسهم منه لفح، أجل، فإن المحصورين في حدود أنفسهم وأثرتهم ومنافعهم الذاتية تنعكس نصوص الدين مشوهة في أفكارهم، فهم لا يفهمون من الدين إلا ما يشتهون لأنفسهم) علينا أن نسترشد بأهل العلم والفضل فهم أطباء القلوب ومرايا المحاسن والعيوب وهم ارفع الناس قدرا وأسلمهم فكرا وأمكنهم نظرا فلا تهلك الأمم إلا بسبب المعاصي والآثام ولا ترفع إلا بتوبة صادقة نصوح، ولتجنب هذه المخاطر التي فتكت بأمم كثيرة، فأصبحت تتصارع حتى لاقت حتفها بسبب تجاذب الصراعات الداخلية والخارجية، فلا مخلص إذا من هذه الآفة المريرة إلا بالاعتصام بالله تعالى وتطبيق مبدأ التكافل والتضامن والتآزر في الأزمات في الخير والشر، فبهذه الطرق والوسائل نستطيع أن نحمى السفينة من الغرق فتتوطد الأواصر والمحبة وفي النهاية ترسو السفينة على بر الأمان. هذا وللحديث بقية....

إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي



أعلى





الدكتورة سعاد صالح لـ (الوطن):
لا نريد منصب المفتي ويكفينا لجنة في دار الإفتاء

القاهرة ـ من فاطمة علي:
الكثير من المفكرين الإسلاميين وغير الإسلاميين حملوا شعار تجديد الفكر الإسلامي وجعلوه ضرورة حتمية لهذا الزمن ولم يقولوا لنا كيف يكون هذا التجديد وما هي آلياته؟.. ولم يقولوا هل التجديد يستدعي تجديدا في الفقه أو إعادة تفسير القرآن الكريم أو حتي إعادة النظر في التاريخ الإسلامي.. في هذا الحوار تضع الفقيهة الدكتورة سعاد صالح رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية إجابات عن هذه الأسئلة.
* تجديد الفكر الإسلامي قضية تتصدر قائمة اهتمامات المفكرين الإسلاميين بل والعديد من المؤتمرات الإسلامية.. فهل الحاجة إلى هذا التجديد ضرورة حتمية الآن؟.
** لابد أن نحدد أولا مصطلح التجديد هل المقصود به هو إعادة فهم النصوص إلى أصولها وكما أرادها الله تعالى وأرادتها سنة نبيه إذا كان هكذا فنحن مع التجديد أما إذا كان التجديد هو هدم النصوص والابتعاد عنها كلية والاعتراف بالعرف والمستحدث فقط فنحن نرفضه لأن الله تعالى احترم العقل وأطلق له العنان في التفكير والاجتهاد والتقدير في كل شيء بشرط ألا يؤدي إلى مخالفة الثوابت يقول تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون) وهذا القول يفيد الاستمرارية التي لا تنقطع فطالما الإنسان يعيش في الحياة، فالإنسان خليفة الله في الأرض والأصل في وجود الإنسان هو إعمار الأرض، أي التعايش مع الجديد.
* وما آليات تحقيق هذا التجديد؟.
** أولا: الابتعاد في التجديد عن الثوابت الدينية، ثانيا: تنقية التراث من التفسيرات التي بعدت عن حقيقة النصوص والأسس التي قامت عليها الشريعة الإسلامية من الاعتدال والتوسط والتيسير ورفع الحرج.
ثالثا: تحديث الخطاب الديني بحيث يكون ميسرا وبعيدا عن التشدد والإغلاق وأن يكون مسايرا للعصر وألا يعتمد علي الترهيب والتنفير وأن يمتثل الداعية لأسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالي: (ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).
* تحديث الخطاب الديني دعوة نطالب بها جميعا. ولكن كيف يمكن تحقيقها في ظل شخصية تربت على مناهج جامدة وكتب تحتاج إلى إعادة النظر في محتوياتها ثم أطالب هذه الشخصية بتحديث خطابها؟.
** نحن لا نستطيع أن نلغي هذه الكتب لأنها تراثنا وهي الأصل الذي يجب أن نعتمد عليه مع وجودها يجب أن نبني فكرة بأخرى مستحدثة تعالج قضايا حديثة فرضت نفسها على الساحة وتحتاج إلى الدراسة، فالفقهاء السابقون نظروا في قضايا عصرهم ونحن نريد أن يكون لنا اجتهاد في قضايا عصرنا.
* ذكرت يا دكتورة أنه من آليات التجديد تنقية التراث فمن تقع عليه هذه المسئولية ومن يستطع أن يقوم بالتنقية واختيار ما يتناسب مع عصرنا، ومع أصل الشريعة والسنة الشريفة؟.
** مسئولية العالم المتخصص الذي تتوافر فيه شروط المجتهد من حيث فهم النص وفهم حكمته وأسراره ولغته فقد يكون هناك لفظ قرآني يحتمل فيه أكثر من معنى ولهذا لابد من وجود المتخصصين المشهود لهم بالكفاءة العلمية لأن النص يجب أن يتناوله عالم اللغة وعالم التفسير وعالم النفس وكذلك الاجتماع.
* وما ضرورة وجود عالم النفس والاجتماع؟.
** حتى تكون هناك مواءمة بين التفسير والأحداث المستجدة وبهذا نقيم ربطا بين الواقع والنص.
معنى هذا أن الذي يقوم بتنقية التراث أو الاجتهاد ليس فردا وإنما هي مؤسسة لكي تجمع التخصصات التي ذكرتيها.
** نعم وأرى أن هذه مهمة مجمع البحوث الإسلامية وهو بالفعل يضم علماء من الطب والاقتصاد والفقه والشريعة والتفسير وغيرهم.. كل هؤلاء لابد أن يكون اجتهادهم أو تنقيتهم متعلقة بكل التخصصات.
* هل التجديد في الفكر الإسلامي يتطلب في المقابل تجديد الفقه الإسلامي؟.
** لابد أولا أن نفرق بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، فالشريعة هي الأصول والثوابت وهذه لا يحدث فيها اجتهاد أو اختلاف ووردت بأدلة قطعية الدلالة والثبوت مثل قوله تعالي: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) ومثل آيات المواريث.. وغيرها أما الفقه فهو استنباط الفقهاء الأحكام من الأدلة الشرعية فيؤدي إلى الاختلاف في المذاهب الفقهية وهذه المذاهب نشأت في عصر التابعين، أي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاة الصحابة رضوان الله عليهم، وجاء الفقه في عصر التابعين حينما انتشر الإسلام ودخل الإسلام أناس لهم مستجداتهم واستفساراتهم عن أحكام الدين فانفتح باب الاجتهاد ونشأ مذهب أبي حنيفة ثم جاء مذهب مالك وبعده مذهب الشافعي، فهذه المذاهب هي تيسير للأمة لمعرفة الأحكام الشرعية ومع هذا فهي تخضع للتعبير كفهم وليس كحكم من النص.
أعني أن ما فهمه أبوحنيفة من نص يختلف عما فهمه الشافعي من نفس النص مثلا في قوله تعالي (وامسحوا برؤسكم) اختلف الفقهاء في قدر المسح بسبب حرف الجر ففهمه البعض على أنه يفيد التبعيض وفهمه آخرون على أنه صرف زائد ففُهمت على أنها مسح لكل الرأس، والمسلم ليس لزاما عليه أن يعتنق أي مذهب، وله أن يأخذ بأي منها وحتى لو كان فيه تيسير، لأن بعض المسلمين يبتعدون عن التيسيرات خشية أن يكون ذلك فيه تقصير مع أن القاعدة الأساسية في الشريعة هي التيسير ورفع الحرج لقوله تعالي: (يريد الله أن يخفف عنكم) و(خُلق الإنسان ضعيفا).
* لكن بعض الفقهاء حرموا على المسلم أن يأخذ من كل مذهب ما تيسر خاصة في القضية الواحدة.
** لم يرد دليل يحرم ذلك، ولكن تتبع التيسيرات في المذاهب الفقهية من باب التيسير وهو ما يسمي بالتلفيق والذين تعصبوا لمذاهبهم وقالوا بحرمة ذلك هم تلاميذ المذاهب الفقهية فأرادوا أن يحملوا الناس علما أن يتمسكوا بمذهبهم وابتعدوا عن الأخذ في حكم واحد من مجموعة مذاهب.
وهناك فرق بين التيسير والتقصير، فالتيسير هو ما قام على دليل، أما التقصير فهو لم يقم على دليل.. بمعنى ما أباحه الله تعالي الجمع في الصلاة للمريض والمسافر والوقوف بعرفة، فليس من حق المسلم أن يقوم بالجمع في أي وقت وإذا فعل فهو مقصر وليس ميسرا.
* هناك ما يسمى بالفقه الافتراضي والبعض يرى أن هذا الفقه الافتراضي قد أغلق باب الاجتهاد فهل يمكن القياس على الفقه الافتراضي.. القائم على التخيل؟.
** الفقه الافتراضي الذي أخذ به هو المذهب الحنفي وهم يفترضون أحكاما لمسائل لم تقع حتى إذا وقعت فإنه يوجد لها الحكم وهم يقصدون بذلك التوسيع في مجال الاجتهاد والتخفيف على الناس خاصة في المستحدثات، فالفقه الافتراضي أساسه يقوم على الاجتهاد ويقوم على القياس الذي اعتبره الله تعالى مصدرا من مصادر الأدلة الشرعية حينما قال: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) أي قيسوا حالكم على حالهم، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يستخدم القياس في كثير من الأحكام حينما ذهب إليه أحد الصحابة ينكر بنوة ابنه له حيث ادعى أن ابنه أسود وأن هذا الابن لا ينسب له ولأن الإسلام حريص علي الأعراض لم يقل له الرسول صلى الله عليه وسلم طلق زوجتك لمجرد الشك.
* لماذا نقيس فكرا على فكر.. لماذا لا نأخذ من القرآن والسنة مباشرة؟.
** من باب التبسيط الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبسط هذه الأحكام عن طريق قياس ما يعيشونه في بيئتهم.
** وهل عدم الاجتهاد بالعقول لكي نقيس واقعا وقضية مستحدثة على فقه افتراضي قائم على تخيل الفقهاء؟.
مع الاجتهاد ممكن.
* ورد في الفقه الافتراضي يا دكتورة أن الفقهاء تخيلوا أن امرأة حاملا وسقط منها جنينها فالتقطته سيدة أخرى ووضعته في رحمها وتساءل من أيهما أم هذا الجنين وافتوا على هذا الافتراض أو التخيل فهل يمكن أن أقيس عليه قضية مستحدثة مثل تأجير الأرحام مثلا؟.
** ليس كل ما يفترض هو مقبول شرعا لا يجب أن يؤخذ للهوى ويجب أن يحقق مصلحة ولا يترتب عليه مفسدة لأنه توجد قاعدة فقهية درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وبناء على هذه القاعدة نحن ستخدمها في المستحدثات الجديدة مثل تأجير الأرحام وتأجيرها قد يحقق مصلحة للأم التي حرمت من الانجاب ولكن المفاسد المترتبة على مثل هذا الحكم تفوق هذه المصلحة وأولى هذه المفاسد قد تلحق بالمستأجرة نفسها والابن ثمرة التأجير فنحن نستفيد من هذه الأحكام المفترضة بما لا يتعارض مع مصلحة شرعية ولا يترتب عليها مفسدة أخلاقية.
* هناك فتوى أو اجتهاد ما يتنافى مع مصالح المسلم في العصر الحديث وهو قد اجتهد فيه من قبل فهل يأخذ بمثل هذا الفقه دون المصلحة؟.
** توجد قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان إن كانت فتوى في السابق تتصادم مع مصلحة عامة في الحال وليست مصلحة خاصة فإنه من حق المجتهدين إعادة الاجتهاد في مثل هذه الفتوى لأن ابن القيم وضع جزءا من كتابه عن تغيير الفتوى بتغيير الزمان والمكان وهذه تعطينا كعلماء ومجتهدين بابا واسعا للتعايش مع الواقع وبوضع فتاوى لكل المستجدات طالما لدينا قواعد فقهية مثل الضرورات تبيح المحظورات وقاعدة (لا ضَرر ولا ضِرار).
* إذا كانت هناك فتوى أجمع عليها العلماء السابقون وتتعارض الآن مع مصلحة المسلم فهل يمكن الخروج عليها ويعاد الاجتهاد فيها؟.
** نحكم فيه القواعد الفقهية ونرى فيه المصلحة والمفسدة أيهما أرجح.. وبناء على ذلك اجتهد فيه.
* يعني هذا أنه يمكن الخروج على إجماع العلماء السابقين؟.
** نعم إذا كان سيحقق مصلحة عامة ولا يتعارض مع ثوابت إسلامية وفتح باب الاجتهاد فيه لأنه سيتحول من إجماع سابق إلى إجماع حال.
* رغم موافقة مفتي مصر السابق على عمل المرأة كمفتية إلا أنها لم تتحقق هذه الرغبة حتى الآن؟.
** السبب هو عدم الاقتناع بوجود من تصلح من وجهة نظرهم وأيضا خشية الهجوم من الرأي العام الإسلامي داخل وخارج مصر على تعيين امرأة في هذا المنصب الديني لكن نقول: نحن لا نريد منصبا رسميا يصدر فيه قرار من رئيس الدولة أو من وزير العدل، نحن نريد أن يخصص للمرأة لجنة للإفتاء تخضع للمفتي الموجود حاليا لجنة من لجان الافتاء وتكون فيها امرأة تفتي على أسئلة النساء وهذه اللجنة لا تكون في مقابلها أحد وتخضع لإشراف المفتي.
* هل هذا تراجع أم تحايل؟.
** لا نريد مفتية للقضاء حتى لا يكون هناك تصارع بين مفتية النساء ومفتي الرجال أو حتى لا يكون هناك انقسام في الفتوى، لأن المفتي يصلح للرجال والنساء والمفتية تصلح أيضا للرجال والنساء، والسيدة عائشة كان يذهب إليها الصحابة يسألونها في أحكام كثيرة وكان لها اجتهادها ومدرستها في الاجتهاد لكنننا لا نريد صراعا بين الرجال والنساء.
* هل هذا نوع من التراجع في طلب المرأة؟.
** فلتكن خطوة خطوة ودعينا نتدرج.
* نستطيع أن نقول إنها حيلة على الأقل حتي يتقبل المجتمع وجود المرأة في دار الافتاء.
** نعم فلا شرع الله ولا سُنة رسوله يمنع ان المرأة من أن تتولى الافتاء أو تكون مفتية للجميع رجال ونساء وشرط الذكورة ليس بشرط للمفتي وإنما الشرط هو العلم والتخصص والأمانة والعدالة.
* الرفض حتى الآن له أسباب لدي الرافضين سأفندها ولك أن تعلقي عليها منها العادة محكمة وأن العرف والعادات ترفض عمل المرأة مفتية.
** العادة محكمة عند عدم وجود النص وتوجد نصوص كثيرة التي تعطي المرأة الحق في العمل كمفتية ويكفي نص واحد وهو قوله تعالى في سورة التوبة (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) والافتاء من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* فلماذا تحرم المرأة من حقها في الإفتاء.. أنا أريد من هؤلاء المانعين أن يستدلوا بنص واحد من كتاب الله أو سنة رسوله؟.
** هم يستدلون من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث (النساء ناقصات عقل ودين).
* الحديث معلل وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم نقص الدين بأن الأيام التي تعتري المرأة فلا تصلي فيها ولا تصوم وهو نقص فطري.
** نقص العقل هو انشغال المرأة بأولادها وبيتها فقد تنسى جزءا من الشهادة فتأتي أختها لتكمل الجزء الآخر وهذا التكريم للمرأة لم يجعله الله تعالى للرجل حيث إن الرجل إذا نقص جزء من شهادته تبطل شهادته ولا يأتي برجل آخر يكلمه.
* من الآراء الرافضة قولهم بأن المرأة تحيض وهو سبب يمنعها من تلاوة القرآن والمفتي يستشهد دائما بالقرآن؟.
** الافتاء ليس قراءة للقرآن الكريم حتى تحرم منه المرأة ولكنها تستشهد به وهناك فرق بين الاستشهاد أثناء العلم ودروسه بآيات من القرآن الكريم وفرق بين قراءة القرآن الكريم للتعبد، فالقراءة للتعبد يشترط لها الطهارة الكبرى والصغرى أما الاستشهاد من قبل العلم بآيات من القرآن الكريم فلا يشترط فيها الطهارة لأنها ليست من قبيل التعبد، والمذهب الحنبلي وهو مذهب معروف بالتشدد أباح وأجاز للمرأة أثناء الحيض أن تراجع القرآن وتحفظه خشية أن تنساه نتيجة طول مدة الحيض وكذلك مذهب المالكية أباحوا للحائض والنفساء المتعلمة والمعلمة قراءة القرآن من المصحف لمصلحة التعليم.
* إذن للمرأة أن تقرأ القرآن الكريم وهي حائض؟.
** نعم.. من حقها.


أعلى





علماء الدين :
يوم عرفة .. أعلن فيه الرسول حقوق الإنسان وتكريم المرأة
الحـج فرصـة حقيقية للتعارف الإنساني والإخـاء البشـري
هذه الأيام المباركة فرصة عظيمة .. لتجارة المسلمين مع الله

القاهرة ـ من محمد عمر :
أكد علماء الدين أن يوم عرفة من الأيام المميزة في العشرة الأول من ذي الحجة والتي هي فرصة عظيمة لكل مسلم ومسلمة للتجارة مع الله .. حيث يكون فيها ثواب العبادة مباركا ومتقبلا مصداقا لقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله منه في هذه العشر) قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله .. قال : (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لا يرجع بشيء من ذلك)
كما أنه في هذا اليوم - يوم عرفة - يقف الحجيج في وقت واحد يذكرون الله تعالى فيباهي بهم المولى أهل السماء فيقول : (انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة).
يقول د. محمد أبو ليلة أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنكليزية بجامعة الأزهر إن الأيام العشر الأول من ذي الحجة هي أيام خير كثير وبركة وفضل عميمين .. وفيها تفكير بالله ورسله واليوم الآخر .. وقد أقسم الله تعالى في القرآن الكريم بهذه الأيام فقال : (والفجر وليال عشر) .. وهي أفضل الأيام على الإطلاق مثل العشر الأواخر من رمضان.
أضاف أنه إذا كان الله تعالى قد ميز الليالي العشر من رمضان بليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم فإنه تعالى ميز العشر الأول من ذي الحجة بيوم عرفة حيث يقف الحجيج في وقت واحد يذكرون الله تعالى .. وقد وردت الأحاديث في فضل هذه الأيام والوقوف بعرفة .. منها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير) .. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة .. وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر) رواه الترمذي وابن ماجة.
قال إنه في يوم عرفة يصغر شأن إبليس اللعين ويحقر لأنه يرى هذا الكم الغفير من حجاج بيت الله وكأنه جيش عظيم جاء ليشن الحرب عليه .. فيقف الحجاج كالأمواج المتلاطمة أو كاللبن في صفاء الفطرة يقفون على عرفات ثم يفيضون منه إلى المزدلفة ومنى ليجمعوا الحصوات استعدادا لرجم الشيطان الذي ظل يكيد لهم ويغررهم ويمنيهم .. يقول صلى الله عليه وسلم : (ما رؤي الشيطان يوما هو أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر فإنه رأى جبريل عليه السلام يزع - يدفع - الملائكة) رواه مالك والبيهقي.
أشار د. أبو ليلة إلى ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال : وقف النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب - ترجع - فقال : يا بلال أنصت لي الناس فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصت الناس فقال : يا معشر الناس أتاني جبريل عليه السلام انفا فأقرأني من ربي السلام وقال : إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات - كل ما عليهم - .. فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله هذا لنا خاصة ؟.. قال : هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة .. فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب .. وقال صلى الله عليه وسلم : لو يعلم أهل الجمع بمن حلوا واستبشروا بالفضل بعد المغفرة .رواه الطبراني والبيهقي.
ثواب عظيم
يقول د. عبد الحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر إنه من فضل الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية أن جعل البركة والخير في كثير من أوقاتها مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (ألا وإن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة لا يشقى بعدها أبدا).. ومن هذه الأيام الفاضلة والأوقات المباركة الأيام العشرة من شهر ذي الحجة حيث يبارك الله سبحانه وتعالى فيها فيجعل ثواب العمل ذاكيا مباركا متقبلا.
فالأعمال الصالحة في هذه الأيام عظيمة الثواب كالصيام والصدقة والذكر وتلاوة القرآن الكريم .. ومما يستحب أيضا في هذه الأيام إحياء لياليها في القيام .. فقيام الليلة منها يعدل قيام ليلة القدر .. وصيام يوم منها يعدل صيام سنة كما وردت بذلك الأخبار والآثار.
وحينما نلقي نظرة سريعة على هذه الجموع الغفيرة التي توافدت إلى رحاب بيت الله العتيق استجابة لنداء أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام عند استجابته لقول الله (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) .. فإننا نجد تجمعا حاشدا وحافلا إلى أن تكتمل عدة الحجيج في يوم عرفة فيقفون جميعا ضارعين خاشعين لله في هذا الصعيد المبارك تتنزل عليهم رحمات الله وتغشاهم السكينة فيغفر الله للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويحط الخطايا والذنوب عن المذنبين حتى إن هذا المنظر ليهون ويروع إبليس اللعين فما يكون منه إلا أن يحسو التراب على رأسه ويصرخ فيجتمع إليه شياطين ويقولون مالك مالك فيقول : قوم فتنتهم منذ كذا وكذا سنة غفر الله لهم في طرفة عين .
إن هذا التجمع في هذا المؤتمر الإسلامي السنوي الكبير لمنظر يجل عن الوصف حيث تتجلى عنه عظمة الله وقدرته وإنه أيضا ليذكرنا بذلك اليوم العظيم يوم الحشر والنشور يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أكد أنه واجب على الأمة الإسلامية أن تغتنم هذا اليوم وتجعل منه فرصة حقيقية للتعارف الإنساني والإخاء البشري مستعلية بذلك على كل عوامل الضعف والفرقة نابذة أسباب كل خلاف متذكرة قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : (أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه لم ييأس من التحريش والوقيعة فيما بينهم) وإننا بهذا لنرجو الله سبحانه وتعالى أن يمن على عباده المؤمنين في هذا اليوم العظيم فيجبر كسرهم ويرحم ضعفهم ويقوي شوكتهم على أعدائهم حتى يعود للأمة الإسلامية وجهها الصبيح وأن تحتل مكانتها الريادية والقيادية في دنيا الناس كما أرادها الله بذلك وما ذلك على الله بعزيز.
منح إلهية
يقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف الأسبق إن العشر الأوائل من شهر ذي الحجة أيام كلها خير وعطاء من الله لعباده ومنح إلهية تتوالى على الإنسانية من الخالق الكريم ويجب علينا في هذه الأيام أن نصل الرحم ونعمل على إزالة الخصومات ونرد المظالم إلى أصحابها ونجتهد في الطاعة والعبادة ونكثر من الصيام الذي يدربنا على قوة العزيمة والصبر على المشاق.
كذلك علينا أن نحسن إلى جيراننا لأن العمل الصالح له أجر كبير وثواب عظيم في هذه الأيام حيث أقسم الله بها في القرآن ليبين لنا منزلتها وكثرة الخير الإلهي فيها فقال تعالى : (والفجر وليال عشر والشفع والوتر) .. قال العلماء: الفجر هو أول فجر في الأيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة وليال عشر أي الأيام الأول والشفع هو يوم عيد الأضحى والوتر هو يوم عرفة لأن يوم عرفة قرة في جبين الزمن فهو خير يوم طلعت فيه الشمس وما رؤي الشيطان أصغر وأحقر وأذل من هذا اليوم لما يراه من فضل الله على الإنسانية ومنحه وعطاياه لبني آدم فيغفر الذنوب ويتجلى على العباد بالرحمات ويشملهم بالعطف والمغفرة .. ولمزيد عطاء الله فيه كان صيام يوم عرفة يكفر سنة ماضية وسنة مقبلة .. ثم إن ليلة عيد الأضحى من أحياها أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب.
أضاف أن يوم عرفة هو اليوم الذي أعلن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوق الإنسان كما بين حقوق المرأة وعلاقة الحاكم بالمحكوم ووضع الأسس الشاملة لبناء المجتمع الإنساني الذي تسوده العدالة ويعمه الإحسان ويشمله التعاون .. لهذا نحن نهب بالمسلمين أن يعتبروا هذه الأيام من أفضل أيام التجارة مع الله .. وهي تجارة رابحة لكل من طهر قلبه وصفى نفسه ودعم علاقات المودة بإخوانه وأحب للناس ما يحب لنفسه وعاش على المروءة والشجاعة والصدق والأمانة والوفاء مع إخوانه من بني البشر .
لذلك (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).
فضل عظيم
يقول د. عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر إن هذه الأيام لها فضل عظيم عند الله وعند الناس لأن في هذه الأيام تتوافد الأفئدة من كل صوب على أم القرى مكة المكرمة التي عظمها الله بوجود بيته الحرام الذي هو أول بيت وضع للناس مباركا وهدىً للعالمين .. وسمي هذا الشهر بهذا الاسم لأن معنى كلمة (ذي) أي صاحب وفي إضافتها إلى (الحجة) إيحاء بأن هذا الشهر هو صاحب أعمال الحج إلى بيت الله الحرام وكفى بذلك تشريفا وتكريما لهذا الشهر العظيم.
ولقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمضاعفة الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشرة وهذا الترغيب يشمل كل الناس سواء منهم من كان يؤدي فريضة الحج في الأراضي المقدسة أو كانوا مقيمين في أوطانهم فإن عبادة الله والتقرب بالأعمال الصالحة لا يختص بمكان دون مكان فصحيح أن من يؤدون الفريضة تتاح لهم فرص التقرب بتأدية المشاعر والوقوف بعرفات ومع هذا فإن للمقيمين في أوطانهم نصيبا عظيما من فضل هذه الأيام لذا اخلصوا النية لله وخالقوا الناس بخلق حسن وأكثروا من أعمال الخير منها التصدق على المحتاجين وزيارات التواد وعيادة المرضى وكثرة الصيام وصلوات النفل وكف الأذى عن الناس.
أضاف أن صيام يوم عرفة من السنن التي يتقرب بها المكلف إلى الله عز وجل إلا من كان حاجا فإن اشتغاله بتأدية المناسك يغنيه عن الصيام في هذا اليوم .

أعلى





الحج

عن عائشة رضى الله عنها قالت: (قلت يا رسول الله نرى الجهاد افضل الاعمال افلا نجاهد؟ قال: لا لكن افضل الجهاد حج مبرور) رواه البخارى
هذا الحديث اخي المسلم يبين لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الجهاد لم يفرض على المرأة وان افضل الجهاد حج مبرور فدل ذلك على اهمية الحج في الاسلام ومكانته.
اولا: تعريف الحج لغة: قصد مكة للنسك واصطلاحا قصد البيت الحرام في زمن مخصوص بينه لاداء المناسك من طواف وسعى ووقوف بعرفة وغيرها والحج اخي المسلم هو احد اركان الاسلام الخمسة وهو فرض على المكلف المستطيع مرة واحدة في العمر.
قال تعالى:(ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بنى الاسلام على خمس: شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا.
شروط وجوب الحج هي: الاسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة وفضائل الحج: عن ابي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه) ومن فضائل الحج ان الحجاج والعمار وفد الله ان سألوه اعطاهم وان دعوه اجابهم وان استغفروا غفر لهم ونفقتهم في سبيل الله هي مخلوقة عليهم وهم معانون في اداء المناسك والله تعالى يباهى بهم ملائكته في صعيد عرفات ويتجلى لهم يقول:(انصرفوا مغفورا لكم) والله انه لفضل عظيم ونعمة كبرى ان ينصرف الحجاج من هذا الموقف وقد غفر الله تعالى لهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
آداب الحج
الآداب قبل السفر
1ـ يستحب لمن اراد الحج ان يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه هذا:
2ـ يستحب ان يستخير الله تعالى وهذه الاستخارة لا تعود الى الحج نفسه فانه خير لا شك فيه وانما تعود الى الوقت والرفيق والراحلة.
3ـ ينبغي لمن اراد الحج ان يتعلم ما يحتاجه من احكام السفر والحج فان لم يتيسر له ذلك حرص على رفقة فيهم عالم او طالب علم فان لم يتيسر له اخذ من كتب العلم ما يفيده في هذا المجال.
4ـ يوصى اهله واصحابه قبل السفر بتقوى الله ولزوم طاعته
5ـ ويكتب وصيته وماله وما عليه من الدين ويشهد على ذلك
6ـ يجب عليه المبادرة الى التوبة النصوح من جميع الذنوب
7ـ رد المظالم الى اهلها او تحلله منها سواء كانت مظالم من نفس او مال او عرض
8ـ ان يكون حجه من مال حلال
9ـ ان يقصد من حجه وعمرته وجه الله تعالى والتقرب إليه سبحانه وتعالى ومن آداب الحج ايضا
10ـ اذا ركب راحلته او دابة او سيارة او طائرة او باخرة ينبغي له ان يسمى الله ويحمده ويدعو بدعاء السفر ثم يكثر من الذكر والدعاء والاستغفار والتكبير والتسبيح والتهليل
11ـ يحفظ لسانه من القيل والقال ومن كثرة المزاح واللعب
12ـ كف الاذى عن رفقائه واصحابه وبذل النصيحة لهم والامر بالمعروف والنهى عن المنكر والحرص على الاستفادة من الوقت
13ـ اداء الصلاة المكتوبة والحرص عليها
14ـ التحلى بحسن الخلق والصبر واحتمال الاذى رجاء الثواب من الله
15ـ وينبغى على المرأة الا تسافر الا مع احد محارمها والتساهل في هذا معصية كبيرة
16ـ ينبغي على الحاج القادر ان يعين الضعفاء ويأخذ بيد العجزة.
مواقيت الحج
هناك ميقات زماني للحج وهو الثلاثة اشهر. شوال وذو القعدة وذو الحجة واما الميقات الزماني للعمرة فهو طوال العام في اي وقت شاء اعتمر.
والمواقيت المكانية فهي الاماكن التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم لمن اراد الحج والعمرة بأن يحرم منها ولا يتجاوز ما بغير احرام ومن يتجاوزها فعليه العود اليها ويحرم والا فعليه دم يذبحه، ويوزعه على فقراء الحرم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المدينة: ذا الخليفة ولاهل الشام الجحفة ولاهل نجد قرن المنازل ولاهل اليمن يلملم قال: فهن لهن ولمن اتي عليهن من غير اهلهن لمن اراد الحج والعمرة
فاذا وصل من نوى الحج والعمرة الى الميقات وجب عليه ان يحرم منه وذلك بأن يخلع ثيابه التي يلبسها ويرتدي ثياب الاحرام من رداء وازار ثم يعلن التلبية واما المرأة فتحرم بلباسها وتعلن التلبية بالحج والعمرة ويستحب عند الميقات:
1ـ الغسل
2ـ التطيب
3ـ أن يكون الرداء والازار أبيض بالنسبة للرجال أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب المباحة غير ثياب الزينة اركان الحج:
1ـ النية
2ـ الوقوف بعرفه
3ـ المبيت بمزدلفة حتى مطلع الفجر
4ـ طواف الافاضة
5ـ السعى بين الصف والمروة
واجبات الحج
1ـ الاحرام من الميقات
2ـ المبيت بمنى في ليالي التشريق
3ـ رمى الجمار مرتبا
4ـ طواف الوداع
5ـ الحلق او التقصير
محظورات الاحرام
1ـ ازالة الشعر من الرأس وسائر الجسد
2ـ تقليم الاظافر
3ـ استعمال الطيب بعد الاحرام
4ـ الجماع ودواعيه ولبس القفازين وقتل الصيد في الحرم وتغطية الرأس بالنسبة للرجال
فوائد الحج في الدنيا والآخرة
عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليتعجل فانه قد يمرض المريض وتضل الضالة ويعرض الحاجة) رواه ابن ماجه وابو داود في سننهما
في الحديث النبوي الشريف هذا يدعونا النبي صلى الله عليه وسلم ويوصينا باغتنام الوقت ويحذرنا من التسويف فان الانسان لا يدري ما يعرض له (كل يوم هو في شأن).
وعجيب امر الانسان يبدد شبابه في طلب الدنيا فاذا انهزمت عافيته ومالت شمس عمره للمغيب يفكر في شد الرحال الي بيت الله الحرام بعد ان أضاع زهرة شبابه في اللهو واللعب.
عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: ان عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضى عليه خمسة اعوام لا يفد الى لمحروم).
فالعاقل اخي المسلم من اغتنم شبابه قبل هرمه وغناه قبل فقرة وصحته قبل سقمه وبنى قبره قبل ان يدخله وترك الدنيا قبل ان تتركه واحب لقاء الله تعالى ونذكر هنا بعض منافع الحج العظيمة.
اولا قال الله تعالى:(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير).
وعن ابن عباس ليشهدوا منافع لهم اي منافع الدنيا والآخرة اما منافع الآخرة فرضو ان الله تعالى واما منافع الدنيا فما يصيبون منافع البدن والذبائح والتجارات
كما قال تعالى:(ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم) معنى هذه الآية الكريمة انه ليس على الحاج اثم ولا حرج اذا ابتغى ربحا بتجارة في ايام الحج ان كان ذلك لا يشغله عن شيء من اداء مناسكه ولما فرغ الخليل ابراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له (اذن في الناس بالحج) قال رب ما يبلغ صوتى؟ قال:اذن ولى الابلاغ فصعد ابراهيم خليل الرحمن جبل ابي قبيس وصاح: يا ايها الناس ان الله قد امركم ـ بالحج البيت ليثيبكم بالجنة ويجيركم من النار فحجوا فأجابه من كان في اصلاب الرجال وارحام النساء لبيك اللهم لبيك.
فمن اجاب يومئذ حج على قدر الاجابة ان اجاب مرة فمرة وان اجاب مرتين فمرتين وجرت التلبية على ذلك.
منافع الحج في الدنيا
اعلم أخي المسلم ان الحج له منافع دنيوية كثيرة منها:
1ـ التعارف بين المسلمين الوافدين من بلادهم على اختلاف السنتهم والوانهم حيث تأتى القبائل من كل فج عميق
2ـ الوحدة الاسلامية وبالفعل فالحج هو الفرصة الوحيدة التي نرى فيها وحدة المسلمين عامة وبدون الحج لا يمكن ان يتسنى لهم ذلك
3ـ من فوائد الحج الدنيوية ايضا ترابط القلوب
4ـ اعانة الفقراء وذلك بإطعامهم من الذبائح قال تعالى:(فكلوا منها واطعموا البائس الفقير).
5ـ الاستفادة من التجارة
منافع الحج في الآخرة
1ـ تكفير السيئات فالحج المبرور يغسل الذنوب ويكفر السيئات ويهدم ما كان قبله من سيئات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).
2ـ الحج افضل الجهاد والاعمال بعد الايمان فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اي الاعمال افضل؟ قال ايمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال جهاد في سبيل الله قيل: ثم ماذا؟ قال حج مبرور.
3ـ الحج المبرور جزاؤه الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة الى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة.
4ـ كسب ثواب الصلاة في الحرمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدى هذا افضل من الف صلاة فيما سواه الا مسجد الكعبة).
5ـ مباهاه الله تعالى لأهل عرفة الملائكة ـ قال رسول الله صلى الله عليكم وسلم
وفي حديث آخر قال فيه صلى الله عليه وسلم:(صلاة في مسجدى افضل من الف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام افضل من مائة الف صلاة فيما سواه).
ان الله يباهى بأهل عرفات اهل السماء فيقول لهم انظروا الى عبادى جاءوني شعثا غبرا.
6ـ فضل الدعاء يوم عرفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افضل الدعاء يوم عرفة ما قلته انا والنبيون من قبلى لا اله الا الله وحده لا شريك له فعلى المسلم ان يكثر من قول هذه الكلمة الطيبة وان يكثر من الدعاء يوم عرفة.
7ـ يستحب للحاج رفع الصوت بالتلبية واراقة دم الذبائح
اخي المسلم: قبل الختام اذكر بشروط الحج المبرور
1ـ التوبة النصوح
2ـ رد المظالم واعادة الحقوق الى اصحابها
3ـ الحج بمال حلال فان حج بنفقة خبيثة لا يقبل حجه
4ـ اداء المناسك على الوجه الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:( خذوا عن مناسككم)
5ـ حفظ اللسان وصيانته عن اللغو والرفث والفسوق
6ـ الاستقامة بعد العودة من حجه فان من حج وعاد وجراثيم المعصية ما تزال تجرى في دمه فهذا يخرج بذنوبه ويعود بها كما خرج بها نسأل الله العافية
وندعوه ان يتقبل منا ويرزقنا توبة صادقة خالصة انه تواب حكيم والحمد لله رب العالمين.

ابراهيم السيد العربي

 

أعلى






أحكــام الأضحيــة

هي ما يذبحه المسلم غير الحاج من الأنعام في يوم عيد الأضحى أو أيام التشريق تقربا إلى الله عز وجل ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة الدم). رواه الترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه.
سنة مؤكدة يكره تركها مع القدرة عليها، ويدل عليه ما رواه مسلم بسنده عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره). فقوله {أراد أن يضحي} دليل على السنة لا على الوجوب.
ما يشترط لصحة الأضحية:
سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة مثل: العوراء البيِّن عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها.
أن تكون من النعم (الإبل والبقر والغنم والضأن).
أن تذبح بعد صلاة العيد بدليل حديث البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من الُنسُكِ في شيء). رواه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم.
مسائل:
إذا ضحى الإنسان بشاة من الضأن أو المعز فقد أجزأت عنه وعن أهل بيته، ويدل عليه حديث عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري، كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كان الرجل يُضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى. رواه الترمذي وقال : حديث صحيح ومالك وابن ماجه، إلا إنه يشترط في الماعز أن تكون قد انهت السنتين ودخلت في الثالثة والضأن ما أكمل السنة ودخل في الثانية.
تجزئ البقرة أو الجمل عن سبعة أشخاص، والبقرة المجزية عن سبعة هي التي أكملت السنة الرابعة، ومن الإبل ما أكمل ست سنوات ودخل في السابعة، فعن جابر قال: (نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة أو البقرة عن سبعة). رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
يستحب الأكل من الأضحية والتصدق والادخار للحديث: (كلوا وأطعموا وادخروا) رواه مسلم.
يُسن لمن يُحسن الذبح أن يذبح أضحيته بيده، ويقول : بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن فلان - ويُسمي نفسه - فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح كبشاً وقال (بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني، وعن من لم يضح من أمتي) رواه الترمذي وأبو داود.
يؤمر من أراد أن يضحي أن لا يمس شيئا من شعره ولا بشره ولا أظفاره إذا دخلت العشر الأولى من ذي الحجة حتى يضحي، ويدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يُضحي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره حتى يُضحي) رواه مسلم وفي رواية (ولا من بشرته) يعني بحلق عانته أو إبطه.
جلد الأضحية لا يُباع، ويجوز أن يتصدق به.
لا يُعطى الجزار من لحمها كأجر، للحديث (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها ... ولا أعطى الجازر منها شيئاً) رواه البخاري. ويجوز أن يعطى من لحمها هدية، وللمضحي أن يكافئه نظير عمله بأجرة معينة.
الأضحية التي أصابها عيب بعد الشراء يجعلها غير مجزية، فإن كان صاحبها قادراً على شراء غيرها فليبدلها، وإن كان لا يستطيع فليذبحها، وله أجره.
لا يتصدق بثمن الأضحية بدلاً منها لأنه مخالف للشرع. قال تعالى "فصل لربك وانحر).

قسم البحث العلمي - مكتب الافتاء
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية


أعلى





أحكــام العيـــد

في الإسلام عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال:َ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ قَالُوا كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ. رواه أبو داود وأحمد.
وللعيدين أحكام عامة لكل منهما، وأحكام تخص عيد الفطر، وأخرى تخص عيد الأضحى.
الأحكـام العـامة لهمـا
حرمة صومهما: للحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر. رواه مسلم.
الاغتسال: فيؤمر المسلم قبل الذهاب إلى المصلى أن يغتسل كغسل الجنابة، لما روي عن ابن عمر وعلي أنهما كانا يغتسلان قبل أن يغدوا إلى المصلى.
التجمل بأحسن اللباس، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان له بردة حبرة يلبسها في العيدين رواه الشافعي والطبراني، ونحوه عن ابن خزيمة، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلبسون ذكورهم الصغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحلي والمصبغات من الثياب.
التطيب بما حضر من الطيب، فعن مالك بن أنس قال: سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد. وهذا بالنسبة للذكور، أما النساء فلا تتطيب إذا أرادت الخروج لصلاة العيد.
الخروج إلى مصلى العيد ماشيا: فعن علي قال: (من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا) رواه الترمذي وابن ماجه والبزار.
التكبير أثناء الخروج إلى أن يحضر الإمام، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا غدا إلى المصلى كبر فرفع صوته بالتكبير. رواه الشافعي والبيهقي.
صلاة العيد : قيل: سنة مؤكدة وقيل واجبة، ولا ينبغي للرجل أن يتركها بحال اللهم إلا لعذر، وصلاة العيدين ركعتان تؤديان جماعة، ووقتها بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب الإمام.
الرجوع من طريق غير الطريق الذي ذهب فيه إلى المصلى، فعن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه). رواه مسلم.
التهنئة: وتكون بالألفاظ الحسنة الطيبة مثل قولهم: تقبل الله منا ومنكم، أو عيدكم مبارك وما شابهها من العبارات المباحة، فعن جبير بن نفير قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك)، قال ابن حجر : روينا في المحامليات بإسناد حسن وذكر الحديث.
وكل هذه الأشياء من الأمور المستحبة. ما عدا صلاة العيد -وقد تقدم حكمها - فينبغي ملازمتها حتى ينال المسلم من ورائها الأجر العظيم.
الأحكام الخاصة بعيد الفطر
زكاة الفطر - وقد أفردنا لها مطوية خاصة.
الأحكام الخاصة بعيد الأضحى:
الأضاحي - وقد أفردنا لها مطوية خاصة.
مســـائــل
يستحب الأكل قبل الخروج في يوم عيد الفطر، وتأخير الأكل حتى يرجع من المصلى في يوم عيد الأضحى، فعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدوا يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع فيأكل من أضحيته. رواه الترمذي وأحمد.
من السنة أن تخرج النساء لصلاة العيد، فعن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. رواه البخاري ومسلم، وذلك مشروط بأن لا يختلطن بالرجال أو يلبسن ملابس فيها زينة أو طيب.وكذلك يؤمر بإخراج الصبيان حتى يتعرفوا على شرائع الإسلام وليقتدوا بأهل الخير.
من السنة الخروج إلى الصحراء لأداء صلاة العيد، فلا تصلى في المسجد إلا لعذر وهذا في غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
فضل العشر الأوائل من ذي الحجة
قال تعالى : (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ)، قال ابن عباس: هي أيام العشر. رواه ابن جرير.
عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال : (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) . رواه البخاري.
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد). رواه أحمد. فيستحب للمسلم أن يكثر من العمل الصالح في هذه الأيام العشر من صيام وصدقة وصلاة وذكر وغيرها، خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج.
فضل أيام التشريق
قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَات)، قال ابن عباس: هي أيام التشريق. رواه ابن جرير والبيهقي وابن المنذر.
عن نبيشة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل). رواه مسلم.
فينبغي الإكثار من ذكر الله ومن التكبير في أيام التشريق خاصة أدبار الصلوات الخمس، ويبدأ التكبير بعد صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكره صيامها.

قسم البحث العلمي - مكتب الافتاء

 

أعلى






الإعجاز في السنة النبوية
السواك بين الطب والإسلام

الهدي النبوي في السواك :
عن أبي هريرة رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ـ وفي رواية ـ عند كل وضوء) رواه الشيخان . وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم ومرضات للرب : رواه البيهقي ورواه البخاري عن عائشة بلفظ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) ورواه ابن ماجة عن أبي أمامة رضي الله عنه .
فقه السواك :
قال النووي : السواك سنة و ليس بواجب في حال من الأحوال بإجماع من يعتد به في الإجماع .
قال ابن القيم : يستحب السواك للمفطر والصائم و في كل وقت لعموم الأحاديث الواردة فيه و لحاجة الصائم إليه ، ولأنه مرضاة للرب ، ومرضاته مطلوبة في الصوم أشدّ من طلبها في الفطر ولأنه مطهرة للرب والطهور للصائم من أفضل أعماله.
الاستياك ونظافة الفم وأثرها على الصحة العامة :
إن الفم بحكم موقعه كمدخل للطعام والشراب ، وباتصاله بالعالم الخارجي ، يصبح مضيفة لكثير من الجراثيم ، والتي نسميها (الزمرة الجرثومية الفموية) ومنها المكورات العنقوية والعقدية والرئوية ، والعصيات اللبنية والعصيات الخناقة الكاذبة ، والملتويات الفوهية والفنسانية وغيرها .
هذه الجراثيم تكون بحالة عاطلة عند الشخص السليم ومتعايشة معه ، لكنها تنقلب ممرضة مؤذية إذا بقيت ضمن الفم ، وبين الأسنان ، فضلات الطعام والشرب . فإن هذه الجراثيم تعمل على تفسخها وتخمرها ، وتنشأ عنها روائح كريهة ، وهذه المواد تؤذي الأسنان كذلك محدثة فيها النخور أو إلى تراكم الأملاح حول الأسنان محدثة فيها (القلح) أو إلى التهاب اللثة وتقيحها . كما يمكن لهذه الجراثيم أن تنتقل بعيداً في أرجاء البدن محدثة التهابات مختلفة كالتهاب المعدة أو الجيوب أو القصبات ، وقد تحدث خراجات في مناطق مختلفة من الجسم وقد تؤدي إلى انسمام الدم أو تجرثمه وما ينجم عن ذلك من أمراض حمَّوية عامة.
وأهم ما يجب العناية به الفم الأسنان . فللأسنان وظائفها الهامة ، ولأمراضها أثر كبير على الصحة العامة ، هنا يأتي دور السِّواك ، الذي له أهميته القصوى في تخفيف البلاء الناجم عنها . فاللعاب الراكد يحتوي على أملاح بصورة مركزة ، فإذا وجد سطحاً بعيداً عن حركات التنظيف الطبيعية كحركة اللسان ، أو الاصطناعية كالسواك ، فإن هذه الأملاح تترسب ، وخاصة في الشق اللثوي شيئاً فشيئاً مكونة ما يسمى باللويحات السنية .
وعندئذ تفعل الجراثيم فعلها متفاعلة مع بقايا الطعام وخاصة السكرية الموجودة في الفم مكونة أحماضاً عضوية تقوم بإذابة المينا ثم العاج ويتسع النخر مع استمرار إهمال نظافة الفم .
المسواك :
أصح ما ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم استاك بسواك من أراك . وشجرة الأراك من الفصيلة الأركية و هي شجرة دائمة الخضرة تنمو في المناطق الحارة في عسير وجيزان من الراضي السعودية وفي مصر والسودان وفي غور الساعاد (قرب القدس) وفي اليمن وجنوب أفريقيا والهند. لها ثمر عند تمام نضجه ، حلو الطعم ، حاذق ، يمكن أن يؤكل ، يؤخذ السواك من جذورها ومن أغصانها الصغيرة.
إعجاز السنة النبوية في السواك :
وقد أوردت مجلة المجلة الألمانية الشرقية في عددها الرابع (1961) مقالاً للعالم رودات ـ مدير معهد الجراثيم في جامعة روستوك ـ يقول فيه : قرأت عن السِّواك الذي يستعمله العرب كفرشاة للأسنان في كتاب لرحّالة زار بلادهم ، وقد عرض للأمر بشكل ساخر ، اتخذه دليلاً على تأخر هؤلاء القوم الذين ينظفون أسنانهم بقطعة من الخشب في القرن العشرين . وفكرت ! لماذا لا يكون وراء هذه القطعة الخشبية حقيقة علمية ؟
وجاءت الفرصة سانحة عندما أحضر زميل لي من العاملين في حقل الجراثيم في السودان عدداً من تلك الأعواد الخشبية .
وفوراً بدأت أبحاثي عليها ، فسحقتها وبللتها ، ووضعت المسحوق المبلل على مزارع الجراثيم ، فظهرت على المزارع آثار كتلك التي يقوم بها البنسلين .... وإذا كان الناس قد استعملوا فرشاة الأسنان من مائتي عام فلقد استخدم المسلمون السواك منذ أكثر من 14 قرناً
ولعل إلقاء نظرة على التركيب الكيميائي لمسواك الأراك يجعلنا ندرك أسباب الاختيار النبوي الكريم ، والذي هو في أصله ،وحي يوحى :
وتؤكد الأبحاث المخبرية الحديثة أن المسواك المخضر من عود الأراك يحتوي على العفص بنسبة كبيرة وهي مادة مضادة للعفونة ، مطهرة قابضة تعمل على قطع نزيف اللثة وتقويتها ، كما تؤكد وجود مادة خردلية هي السنجرين Sinnigrin ذات رائحة حادة وطعم حراق تساعد على الفتك بالجراثيم .
وأكد الفحص المجهري لمقاطع المسواك وجود بلورات السيليكا وحماضات الكلس والتي تفيد في تنظيف الأسنان كمادة تزلق الأوساخ والقلح عن الأسنان . وأكد د. طارق الخوري وجود الكلورايد مع السيليكا وهي مواد تزيد بياض الأسنان ، وعلى وجود مادة صمغية تغطي الميناء وتحمي الأسنان من التسوس ، إن وجود الفيتامين ج وثري ميتيل أمين يعمل على التئام جروح اللثة وعلى نموها السليم ، كما تبين وجود مادة كبريتية تمنع التسوس.

المصدر : موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة



أعلى





صهيب بن سنان
ربح البيع يا أبا يحيى!!

ولد في أحضان النعيم..
فقد اكن أبوه حاكم الأبلّة ووليا عليها لكسرى.. وكان من العرب الذين نزحوا الى العراق قبل الاسلام بعهد طويل، وفي قصره القائم على شاطئ الفرات، مما يلي الجزيرة والموصل، عاش الطفل ناعما سعيدا..
وذات يوم تعرضت بلاده لهجوم الروم.. وأسر المغيرون أعدادا كثيرة وسبوا ذلك الغلام (صهيب بن سنان)..
ويقتنصه تجار الرقيق، وينتهي طوافه الى مكة، حيث بيع لعبد الله بن جدعان، بعد أن قضى طفولته وشبابه في بلاد الروم، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم.
ويعجب سيده بذكائه ونشاطه واخلاصه، فيعتقه ويحرره، ويهيئ له فرصة الاتجار معه.
وذات يوم.. ولندع صديقه عمار بن ياسر يحدثنا عن ذلك اليوم:
(لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها..
فقلت له: ماذا تريد..؟
فأجابني وما تريد أنت..؟
قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول.
قال: وأنا اريد ذلك..
فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الاسلام فأسلمنا.
ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا..
ثم خرجنا ونحن مستخفيان).!!
عرف صهيب طريقه اذن الى دار الأرقم..
عرف طريقه الى الهدى والنور، وأيضا الى التضحية الشاقة والفداء العظيم.
فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرّد تخطي عتبة.. بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره..!
عالم قديم بكل ما يمثله من دين وخلق، ونظام وحياة.
وتخطي عتبة دار الأرقم، التي لم يكن عرضها ليزيد عن قدم واحدة كان يعني في حقيقة الأمر وواقعه عبور خضمّ من الأهوال، واسع، وعريض.
واقتحام تلك العتبة، كان ايذانا بعهد زاخر بالمسؤليات الجسام..!
وبالنسبة للفقراء، والغرباء، والرقيق، كان اقتحام عقبة دار الأرقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر.
وان صاحبنا صهيبا لرجل غريب.. وصديقه الذي لقيه على باب الدار، عمّار بن ياسر رجل فقير.. فما بالهما يستقبلان الهول ويشمّران سواعدهما لملاقاته..؟؟
انه نداء الايمان الذي لا يقاوم.
وانها شمائل محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يملأ عبيرها أفئدة الأبرار هدى وحبا.
وانها روعة الجديد المشرق. تبهر عقولا سئمت عفونة القديم، وضلاله وافلاسه.
وانها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء.. وهداه يهدي اليه من ينيب.
أخذ صهيب مكانه في قافلة المؤمنين.
وأخذ مكانا فسيحا وعاليا بين صفوف المضطهدين والمعذبين.!!
ومكانا عاليا كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين.
وانه ليتحدث صادقا عن ولائه العظيم لمسؤولياته كمسلم بايع الرسول، وسار تحت راية الاسلام فيقول:
(لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط الا كنت حاضره..
ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضرها.
ولا يسر سرية قط. الا كنت حاضرها.
ولا غزا غزوة قط، أوّل الزمان وآخره، الا كنت فيها عن يمينه أو شمال.
وما خاف المسلمون أمامهم قط، الا كنت أمامهم.
ولا خافوا وراءهم الا كنت وراءهم.
وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدوّ أبدا حتى لقي ربه)..!!
هذه صورة باهرة، لايمان فذ وولاء عظيم..
ولقد كان صهيب رضي الله عنه وعن اخوانه أجمعين، أهلا لهذا الايمان المتفوق من أول يوم استقبل فيه نور الله، ووضع يمينه في يمين الرسول.
يومئذ أخذت علاقاته بالناس، وبالدنيا، بل وبنفسه، طابعا جديدا. يومئذ. امتشق نفسا صلبة، زاهدة متفانية. وراح يستقبل بها الأحداث فيطوّعها. والأهوال فيروّعها.
ولقد مضى يواجه تبعاته في اقدام وجسور. فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر.. منصرفا ولعه وشغفه عن الغنائم الى المغارم.. وعن شهوة الحياة، الى عشق الخطر وحب الموت.
ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته، ففي ذلك اليوم تخلى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته عليه تجارته الرابحة خلال سنوات كثيرة قضاها في مكة.. تخلى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم يشب جلالها تردد ولا نكوص.
فعندما همّ الرسول بالهجرة، علم صهيب بها، وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة، هم الرسول.. وأبو بكر.. وصهيب.
بيد أن القرشيين كانوا قد بيتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول.
ووقع صهيب في بعض فخاخهم، فعوّق عن الهجرة بعض الوقت بينما كان الرسول وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله.
وحاور صهيب وداور، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه، وامتطى ظهر ناقته، وانطلق بها الصحراء وثبا.
بيد أن قريشا أرسلت في أثره قناصتها فأدركوه.. ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلا:
(يا معشر قريش..
لقد علمتم أني من أرماكم رجلا.. وأيم الله لا تصلون اليّ حتى ارمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا ان شئتم.
وان شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشأني)..
ولقد استاموا لأنفسهم، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له:
أتيتنا صعلوكا فقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك..؟؟
فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته، وتركوه وشأنه، وقفلوا الى مكة راجعين.
والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك، وفي غير حذر، فلم يسألوه بيّنة.. بل ولم يستحلفوه على صدقه..!! وهذا موقف يضفي على صهيب كثيرا من العظمة يستحقها كونه صادق وأمين.!!
واستأنف صهيب هجرته وحيدا سعيدا، حتى أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء.
كان الرسول جالسا وحوله بعض أصحابه حين أهل عليهم صهيب ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهللا:
ربح البيع أبا يحيى.!!
ربح البيع أبا يحيى..!!
وآنئذ نزلت الآية الكريمة:
(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد).
أجل لقد اشترى صهيب نفسه المؤمنة ابتغاء مرضات الله بكل ثروته التي أنفق شبابه في جمعها، ولم يحس قط أنه المغبون.
فما المال، وما الذهب وما الدنيا كلها، اذا بقي له ايمانه، واذا بقيت لضميره سيادته.. ولمصيره ارادته..؟؟
كان الرسول يحبه كثيرا.. وكان صهيب الى جانب ورعه وتقواه، خفيف الروح، حاضر النكتة.
رآه الرسول يأكل رطبا، وكان باحدى عينيه رمد..
فقال له الرسول ضاحكا: (أتأكل الرطب وفي عينيك رمد)..؟
فأجاب قائلا: وأي بأس..؟ اني آكله بعيني الآخرى.!!
وكان جوّادا معطاء.. ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله، يعين محتاجا.. يغيث مكروبا.. ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.
حتى لقد أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر فقال له: أراك تطعم كثيرا حتى انك لتسرف..؟
فأجابه صهيب لقد سمعت رسول الله يقول:
(خياركم من أطعم الطعام).
**
ولئن كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم، فان اختيار عمر بن الخطاب اياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة.
فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر.
وعندما احس نهاية الأجل، فراح يلقي على اصحابه وصيته وكلماته الأخيرة قال:
(وليصلّ بالناس صهيب).
لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل اليهم أمر الخليفة الجديد.
وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة، ففي الأيام الشاغرة بين وفاة أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، من يؤم المسلمين في الصلاة..؟
ان عمر وخاصة في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها الى الله ليستأني ألف مرة قبل أن يختار.. فاذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظا ممن يقع عليه الاختيار.
ولقد اختار عمر صهيبا.
اختاره ليكون امام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد. بأعباء مهمته.
اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح صهيب بن سنان.

رجال حول الرسول - خالد محمد خالد



أعلى




بعد إساءته للعرب والمسلمين واتهامهم بأنهم جهلة وبلا إسهام حضاري

علماء الدين والتاريخ بمصر:
كيلروي شخص عنصري متعصب .. تدعمه الصهيونية لتشويه صورة العرب
الغرب تعلم من العرب حب العلم وتقدير المعرفة وإنشاء المدارس والجامعات
وجود تمثالي ابن سينا والرازي بجامعة باريس .. خير دليل على حضـارتنا
الإسـلام لم يمتهن كـرامة المـرأة .. بل وضعهـا في مكانـة لائقـة بهـا

القاهرة ـ من محمد عمر :
أكد علماء وأساتذة التاريخ أن الهجمة العنصرية للكاتب البريطاني (روبرت كيلروي) على الحضارة العربية الإسلامية تأتي في إطار الحملة العنصرية الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين بسبب الحقد الأجنبي.
كان كيلروي وهو نائب عمالي سابق في مجلس العموم البريطاني قد زعم في مقاله بصحيفة (صنداي اكسبرس) البريطانية أن العرب بلا إسهام حضاري وأن الغرب ليس مدينا لهم بشيء وأنهم يمتهنون المرأة .. وانتقد كل من يحاول إنصاف العرب وقال هل نكون مغرمين بمن قتلوا أكثر من 3 آلاف منا في أحداث 11 سبتمبر ثم راحوا يرقصون فرحا في شوارعهم الضيقة التي يملؤها التراب .. نحن لسنا مدينين لهم حتى النفط نحن الذين اكتشفناه في بلادهم ونحن الذين ندفع ثمنه.
قال العلماء في تفنيدهم لمزاعم وافتراءات كيلروي إنه حاقد أعمى يريد قلب حقائق التاريخ باتهامه للعرب بأنهم بلا حضارة ولم يسهموا بشيء في الحضارة الإنسانية .. بينما العرب والمسلمون هم الذين وضعوا اللبنة الأولى للعلوم وظلوا يعلمون العالم على مدى 8 قرون في الوقت الذي كانت فيه أوروبا ترزح تحت الجهل والظلام ، وكانت ولاية قرطبة بالأندلس تحت الحكم العربي الإسلامي هي المنطقة الوحيدة المضيئة في القارة الأوروبية كلها ويفد إليها أبناء أغنياء أوروبا لتلقي العلوم والمعرفة.
في البداية يرى د. محمد أبو ليلة أستاذ ورئيس قسمي الدراسات الإسلامية والأدب الإنكليزي بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر إن مثل هذه الأصوات المعادية للإسلام ترتبط بالحملة الشرسة التي تقودها قوى اليمين المتطرفة والقوى الصهيونية التي ترى بقاءها في العداء للمسلمين والتحريض ضدهم في محاولة منها لزحزحة الإسلام وإضعاف أهله وإخضاعهم لهيمنتها ويقول : وقد أجمع أقطاب التبشير السياسي مثل (صمويل هنتنغتون) و(فرنسيس فوكومايا) و(ريتشارد نيكسون) على أن الوقت قد حان للانقضاض على الإسلام ولم تتردد الولايات المتحدة الأميركية في أخذ زمام المبادرة في ذلك الشأن
ولاشك أن ادعاء (روبرت كيلروي) بأن الغرب غير مدين للإسلام والعرب بأي شيء إنما هو صوت في جوقة موسيقية صاخبة هدفها الأكبر التشويش على الإسلام والمسلمين لأن كلامه يدل على يأسه وشعوره بالإحباط التام وهو تصريح يعتبر شهادة لدخول مستشفى الأمراض العقلية.
يضيف د. أبو ليلة أن علماء الغرب أنفسهم يعترفون بفضل الحضارة العربية عليهم وقد ظهر اعترافهم هذا في كتابات كثيرة منها ما كتبه (جورج سارتون) في كتابه (مقدمة لتاريخ العلوم) في مجلدين حيث أفرد عشرات الصفحات عن عطاء الإسلام السخي للحضارة الغربية .. وكذلك ما كتبه الإنكليزي (دانلوب) عن العلوم العربية في كتاب أصدره عام 1958 عبارة عن محاضرات ألقاها في جامعة كمبريدج عام 1953 عن علوم العرب.
يؤكد د.أبو ليلة أن تأثير العرب والمسلمين في الغرب كان شاملا وغامرا وعميقا في الفلسفة والآداب والشعر والفنون والعلوم والثقافة والموسيقى وأدب المائدة وأصول التعامل .. ويدلل على ذلك ما قالته الألمانية (زيجرد هونكة) لقد اعترف الأوروبيون بدور العرب في التاريخ حين قالوا إن العرب قد نقلوا كنوز القدامى إلى بلاد الغرب ولكنني أرى في هذا الاعتراف نقصا بل النقص ما ارتكبه الغرب ضد العرب والمسلمين إذ جعلوهم ساعي بريد والأمر غير ذلك لأن علماء العرب كانوا على أعلى درجات الإبداع والتطوير للعلوم لذا أتمنى أن يتحرر الغرب من قيود المعتقدات الدينية السابقة وأن يطل على المجتمعات الأخرى بعين التسامح وعدم التعصب وأن يترك للعدالة طريقها في رد حقوق شعب سبق أن حرمه التعصب الديني من كل تقدير موضوعي وحط من قدر أعماله الفائقة وحجب النور عما قدمه لحضارتنا.
يضيف د. أبو ليلة ولقد تعلم الغرب أول ما تعلم من العرب حب العلم وتقدير المعرفة والعناية بالبحث وتعلم أيضا إنشاء المدارس والجامعات وتأسيس المكتبات والأرقام التي قامت على أساسها علوم كثيرة ومن أجل النعم العربية على الغرب (الصفر) والخانات الحسابية والمثلثات وعلم الجبر وقد ظلت قاعدة الخوارزمي في الحساب تحمل اسمه حتى الآن وكان البابا سلفس تروس الثاني (999ميلادية) يحسب بالعربية وكانوا يقولون عنه إنه يجاري المسلمين في معتقداتهم ، لذا لا يوجد عاقل يستطيع إنكار فضل العرب والمسلمين على العالم في شتى العلوم والمعارف.
افتراءات ظالمة
يؤكد د. محمود حافظ رئيس المجمع العلمي المصري والجمعية المصرية لتاريخ العلوم ونائب رئيس مجمع اللغة العربية أن ما قال به البريطاني (كيلروي) هو افتئات على العلماء العرب والحضارة الإسلامية وأنه مغرض مثله مثل كثير من المستشرقين الذين ظلموا الحضارة العربية بينما الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها هي أن العرب والمسلمين ظلوا يعلمون العالم على مدى أكثر من 8 قرون متواصلة وقد حققوا تقدما هائلا في مختلف فروع المعرفة واستفاد العالم شرقه وغربه من هذا العطاء.
يشير د. حافظ إلى ما قام به العرب من نقل وهضم للتراث الإنساني ثم نقلت عنهم ذلك أوروبا ففي الوقت الذي كانت تعيش في دياجير الظلام والجهالة كانت لدينا دار الحكمة في بغداد والأزهر في مصر والزيتونة في تونس ومنارات العلم في قرطبة وأشبيلية والعديد من العلماء وما كان للعلم هذا التقدم لولا ما أضافه له علماء المسلمين فالطبيب المسلم ابن سينا قدم وحده للعلوم 230 كتابا.
يوضح د. حافظ أن خير دليل على اعتراف الغرب نفسه بدور العرب والمسلمين هو وجود تمثالي ابن سينا والرازي في كلية الطب بجامعة باريس .. كذلك فإن الحسن بن الهيثم بشهادة العالم هو أول من وضع التجربة المنضبطة وأسس العلم التجريبي قبل فرانسيس بيكون وأيضا ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى قبل وليم هارفي ولذا فالعرب والمسلمون هم الذين وضعوا اللبنة الأولى للعلوم على نطاق واسع.
جهل بالحقائق
من جانبه يقول د. عبد الشافي عبد اللطيف أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر إن هجوم (كيلروي) على الحضارة العربية الإسلامية وعلى العرب والمسلمين هو نتاج الجهل بالحقائق الواضحة وفي البداية نحيل كيلروي إلى ما كتبه أبناء جلدته عن حضارتنا من أمثال الإنكليزي توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) وإلى المجلد الخاص بالحضارة الإسلامية لـ (وول ديورانت) حتى يعرف أن الحضارة العربية الإسلامية قدمت العلم والقيم والأخلاق والعمران في كل البلاد التي فتحتها فالأندلس التي فتحها المسلمون كانت المنارة الوحيدة في كل أوروبا وكان دخلها القومي يفوق دخل كل البلدان الأوروبية مجتمعة وكانت مكتبة قصر قرطبة تضم 600 ألف كتاب في شتى العلوم والمعارف أما عندما ننظر إلى ما تفعله الحضارة الغربية الآن بالمعالم وبكل بلد تصل إليه فهو الخراب والدمار والفساد.
يضيف أن على (كيلروي) أن يقرأ تاريخ بلاده وعصورها الوسطى المظلمة باعترافهم أنفسهم في الغرب قبل أن يتحدث عن العرب وإسهامهم في الحضارة الإنسانية.
ويرجع د. عبد اللطيف مثل هذا الهجوم على العرب والمسلمين إلى حالة الضعف والهوان التي نعيش فيها في الوقت الراهن .. ويقول هذا الحال المهين هو الذي جعل مثل ذلك الكاتب يتجرأ على المسلمين والعرب وتاريخهم.
ثقافة متعصبة
يؤكد د. عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي أن (كيلروي) هاجم العرب والمسلمين لأنه (موتور) لا يرى الحقيقة إلا بعين ثقافته الإنكليزية المتعصبة ويقول إنه يتحرك ويغلق فكره على الثقافة الإنكليزية التي تعتمد على مبدأ الإثنية التي تقوم على (أنا ثم أنا من بعدي الطوفان) .. فهذا الهمجي لا يريد أن يعرف ماذا صنع أهله بمستعمراتهم وماذا فعل المسلمون في فتوحاتهم يوم أن فتح المسلمون الدنيا وأثارهم الحضارية قائمة إلى الآن رغم انحسار مدهم في الوقت نفسه أين المد الحضاري للإنكليز أصحاب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس والتي أصبحت الآن جزرا تبكي على الأطلال .. لقد دمر الغرب كل الدول التي دخلها وما أفريقيا السوداء إلا حصاد مر للسياسة الأوروبية بشكل عام والسياسة الإنكليزية بشكل خاص.
وحول افتراءات (كيلروي) عن وضع المرأة في العالم العربي والإسلامي يقول د. عبد المقصود باشا في الوقت الذي كان العرب يحترمون المرأة ويضعونها في أعلى منزلة كان الرجل في أوروبا يبيع زوجته ويتاجر بها وبأمه وبابنته إذا مر بضائقة مالية وكانوا يضعون المرأة في أحط منزلة.



أعلى






القراءة القراءة يا أبناء الأمة

(المقاهي والأندية مزدحمة بالناس في الصباح والمساء، والوقت فيها ضائع بين لاعب ولاه ومتحدث حديثا فارغا. كم يضيع الناس من أوقات وأعمار، لا عرف قيمتها إلا عاقل ولا الجاني ثمرتها إلا حكيم. ولست أريد من المحافظة على الزمن أن يملأ كله بالعمل، وأن تكون الحياة كلها جدا لا هزل فيها، فقد كان هذا هو المثل الأعلى في القرون الوسطى، وكان خير الناس من كان عبوسا غير مفراح، ميالا للوقار، حذر الدعابة، عليما بأصول الحشمة، إنما أريد أن تكون أوقات الفراغ خاضعة لحكم العقل كأوقات العمل فلا تكون الغاية منها قتل الوقت، وإنما نصرفها إما لفائدة صحية كالألعاب الرياضية، وإما لفائدة نفسية كالمطالعة العلمية أو الأدبية..).
إنها سطور خطها الكاتب أحد أمين لنخلص من خلالها إلى ضرورة ملء الفراغ بشيء مفيد كالقراءة مثلا. فالقراءة القراءة يا أبناء الأمة أوسع الأبواب للعلم والمعرفة، فلا تبخلوا عليها لا بالوقت ولا بالمال. وما تخلفت المعارف إلا عندما لم يعد الانسان مغرما بالقراءة لتبقى الثروات العلمية محفوظة وغير مستغلة، وليقل من ثمة المفكرون وتقل الرغبة في البحث والتنقيب عن الحقائق. والجدير بالذكر ان القراءة أداة تطور ورقي الأفراد والمجتمعات على حد سواء، بل أكثر من هذا فإنها معيار تقدم الأمم أو تأخرها لما لها من تأثير إيجابي على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والحضارية. وحول هذا المحور، وعن الكاتب أحمد حسن الزيات جاء: (القراءة الحقة هي الكاشف الصحيح عن مكانة الأمة من التربية القويمة والسليمة والرقي الصحيح، فنعم الهواية القراءة. وما دمنا لا نرى الكتاب ضرورة للروح كما نرى الرغيف ضرورة للبدن، فنحن مع الخليفة الدنيا على هامش العيش أو على سطح الوجود).
إن هذا الخطاب موجه للجميع عامة صغارا كانوا أم كبارا، وللشباب خاصة لأنهم هم الذين يشكلون نسبة هامة تتسم بكونها متنوعة القدرات والكفاءات، ومن ناحية أخرى تبقى هي الفئة القادرة حسب كل المقاييس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والديموغرافية على التفاعل مع مجتمعها، وعلى تنميته خير تنمية إذا ما توفرت لها الشروط المساعدة على ذلك. لذا وجب تحفيز هذه الشريحة المجتمعية على القراءة الواعية المستديمة والهادفة الى التزود بالمهارات والخبرات التي يحتاج اليها الفرد في حياته اليومية، فضلا عما تيسره له من تكوين مستمر يواكب ويساير التقدم العلمي. ولهذه الاعتبارات كلها، فإن القراءة تعتبر بمثابة موجه ومرشد علمي وعملي مفيد، والاهتمام بها استثمار يعطي عائدا اقتصاديا ويوفر للأمة الراغبة في التقدم أموالا قد يضطر الى إنفاقها في مكافحة الجهل والمرض والانحراف. ان الله عز وجل قد يسر للبشر من أسباب الإدراك ووسائل التعليم ومنها القراءة ما يجعله يزداد علما، فطلب العلم والازدياد من المعرفة هو مفتاح خشيته سبحانه وتعالى، لأن الانسان إذا اتسع علمه أدرك الكثير من سنن الكون ونظم الحياة، وأدرك أكثر من غيره ما في خلق السماوات والأرض من عظمة الخالق الباهرة، فيدفعه ذلك الى الايمان العميق والخضوع الصادق لجلال الله. فقد صدق سبحانه حين قال في سورة العلق، الآيات من 1 الى 5: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم). لذا فخير ما نشير به على الناشئة لترسيخ فن القراءة في نفوسهم، المداومة على تلاوة القرآن الكريم لنيل منفعة الدنيا وأجر الآخرة، علما بأن للقرآن في عنق المسلم خمسة حقوق هي: أن يتلوه ويتدبره ويعمل به ويحفظه ويدعو به وإليه.

د. خنساء محمد اسموني

أعلى






احذروا المهلكات
الجدال والمراء واللدد

قال الله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد). ومما يذم من الألفاظ: المراء والجدال، والخصومة. قال الإمام الغزالي: المرء: طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه. وقال: وأما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها. قال: وأما الخصومة فلجاج في الكلام ليستوفي به مقصودا من مال أو غيره وتارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضا والمراء لا يكون إلا اعتراضا. وقال النووي: اعلم ان الجدال قد يكون بحق وقد يكون بباطل، قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). وقال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن). وقال تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا). فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودا، وإن كان في مدافعة الحق أو جدالا بغير علم كان مذموما. قال بعضهم: ما رأيت شيئا اذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أشغل للقلب من الخصومة. وأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء، ففعل هذا ليس حراما ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا، لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر ويحزن لمسرته ويطلق لسانه في عرضه. فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات، وأقل ما فيها اشتغال القلب حتى أن يكون في صلاته، وخاطره متعلق بالمحاججة والخصومة فلا تبقى حاله على الإستقامة، والخصومة مبدأ الشر وكذا الجدال والمراء فينبغي للإنسان ألا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بك إثما ألا تزال مخاصما). وجاء عن علي كرم الله وجهه قال: إن الخصومة لها قحم. قلت القحم بضم القاف وفتح الحاء المهملة هي: المهالك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط حتى ينزع). وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون المتفيهقون. قالوا يا رسول الله: قد علمنا الثرثارون والمشتدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون). والثرثار هو كثير الكلام، والمتشدق من يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم. واعلم أنه لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب والمواغظ إذا لم يكن فيها افراط وأغراب، إلا أن المقصود منها تهييج القلوب الى طاعة الله تعالى ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر، والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم.


علي بن عوض الشيباني

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept