باختصار
الصراع الذي لاينتهي
لا ينتهي الصراع العربي الاسرائيلي وتحديدا
الفلسطيني الاسرائيلي بمجرد حلحلة واحدة من قضاياها الطارئة او من
مشكلاتها او من احد مسائلها كما ان الصراع العراقي ضد الاحتلال الاميركي
لن تكتب له النهاية الا اذا خرج الاميركيون من العراق. وهذا لايعني
ان حل قضية اسرى او تبادل جثث او رفات ستجعل الطرفين في زهوة علاقة
او في بداية تقارب مثمر.
كما ان وجود حكم انتقالي عراقي او تأليف وزارة عراقية سوف لايعني
في كل ابعاده ان الحل بات قائما في العراق في وقت هنالك من قرر حربا
طويلة الامد وبلا هوادة ضد الوجود الاميركي. الصراع استراتيجيا شيء
والتفاصيل التي تصدر عن الميدان شيء آخر.
ذكرتني احدى النسوة اللبنانيات التي استقبلت رفات ابنها بقول صارخ
لها: ليس لان ولدي استشهد في معركة انا ضد اسرائيل منذ ان قامت وسيكون
كل اولادي ضدها وكذلك احفادي ومن سياتي من ذريتي.. اختصرت تلك المرأة
حالا من الاحساس المسيطر على العقول وعلى الاحاسيس وعلى الاعصاب
وعلى الضمير وغيره. قالت كلاما مهما في حضرة رفات ولدها الذي غاب
عن عينها دون ان يعني ذلك ان تغيب قضية الصراع عن عقلها ووجدانها.
وحتى في مصر على سبيل المثال التي تحكمها علاقة باسرائيل من خلال
اتفاقية كامب ديفيد فان شعبها باكمله توارث النظرة القائلة بان اسرائيل
تبقى عدوا حتى ولو عقدت الدولة معها اتفاقا ملزما مدى الدهر او لزمن
محدد.
اما العراقيون فقد استعدوا للتفاهم مع واقعهم، هم يريدون بلدا خاليا
من الديكتاتورية ومن التسلط ومن سياسة حكم الحزب الواحد لكن ذلك
لايعني قبولهم بتسلط من نوع آخر ادهى واصعب واكثر مرارة او ديكتاتورية
لها مفهوم خاص غير حكم الفرد.. انهم يحتاجون الى زمن انتقالي كي
يتفهموا حاجتهم الى الديمقراطية لكن الاحتلال الاميركي سوف يمنع
التحول الذي يبحث عنه الشعب العراقي.. ان وجود عسكري غريب على ارض
ليست له من شأنه ان يؤجل كل التطلعات الاصلاحية الى يوم الاستقلال
الفعلي وهو هم عراقي سيبقى جاثما على الصدور.
في حجم الصراعات الكبرى التي تكسر النظرة الى الزمن باعتباره صراعا
مفتوحا لازمن له ولا نهاية ملحوظة، فان افضل علاج، غيرانسحاب القوى
الفاعلة منه، ان يكون خط الصراع واضحا بالنسبة لاصحاب الحقوق وللذين
لمطالبهم عدالة القضية. ان الوضوح ومن ثم استثماره في كل صغيرة وكبيرة
من هذا الصراع يجب ان يستمر بلا توقف وحتى لحظة سقوط الصراع او تغير
مساره.
في مثل الصراع العربي الاسرائيلي هنالك حالة الشهادة عند الفلسطينيين
مقابل حب الدنيا عند الاسرائيليين كما يقول احد قادة المقاومة الفلسطينية
وهذا المعنى في الصراع يختصر ابعاد القضية كلها الى اليوم الذي تعلن
فيه اسرائيل (انسحابها) من معركة بدت فيها المعركة غير متكافئة،
أي لصالح الجسد الفلسطيني مقابل الالة العسكرية الاسرائيلية وكذلك
الحال مع العراقيين.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
في الموضوع
ساكن البيت الأبيض
نشرت صحيفة (يديعوت احرونوت) الاسرائيلية موضوعات
اكدت فيها ان عددا كبيرا من المرشحين لمنصب الرئاسة في الولايات
المتحدة الاميركية ـ عن الحزب الديمقراطي، ينحدرون من اصل يهودي،
او انهم لهم ارتباطات قوية مع جماعات صهيونية، وعندما برز ـ من بين
هؤلاء المرشحين ـ السيناتور جون كيري، سارعت وكالة انباء يهودية
في واشنطن، الى التنويه بأنه ينحدر من جد يهودي ولد في جمهورية التشيك،
وكان اسم الاسرة هناك في القرن التاسع عشر هو (فرتيز كون)، لكنه
تغير الى كيري عام 1902، وبعد ذلك هاجر الجد الى العالم الجديد عام
1905، وانتحر عام 1921 في احد فنادق مدينة بوسطن عام 1921.
وقبل ذلك تحدثت اجهزة الاعلام الصهيونية ـ وتلك الموالية لها، عن
الهوية اليهودية لوزيرة الخارجية السابقة مادلين اولبرايت، وعن انحدار
الجنرال ويسلي كلارك ـ وهو مرشح ديمقراطي اخر، كان قائدا اعلى لقوات
حلف الاطلنطي في اوروبا ـ من اصول يهودية وقالت انه (ابن لعدد من
الاجداد الذين كانوا حاخامات في بلادهم الاصلية بالقارة الاوروبية).
ولم تتردد في الحديث عن ان حاكم ولاية فيرمونت هوارد دين ـ وهو مرشح
ديمقراطي اخر، انحسرت احتمالات فوزه لصالح كيري في الانتخابات الفرعية
الاخيرة، بعد ان سلطت عليه الاضواء، باعتباره متفوقا على غيره في
السابق ـ متزوج من امرأة يهودية، ولان القاعدة هي ان ابن المرأة
اليهودية يكون يهوديا، فإن دين يربي ابناءه باعتبارهم يهودا، وتردد
اجهزة الاعلام الصهيونية ذلك بفخر شديد.
ورغم ان السيناتور جون كيري يعتبر من الكاثوليك المتدينين، ويذهب
الى الكنيسة في مدينة بوسطن ـ عاصمة ولاية ماساتشوسيتس التي يمثلها
في مجلس الشيوخ الا ان الصهاينة ركزوا على تاريخ اسرته اليهودي ورأوا
في ذلك نقطة لصالحه في الانتخابات الرئاسية القادمة اواخر العام
الجاري، واشارت مصادر الى ان القاء الضوء على هذه الحقيقة التاريخية،
يمكن ان يساعد في حشد اصوات الجماعات اليهودية القوية، ودفعها لدعم
كيري للفوز على منافسيه الاخرين، وفي الوقت نفسه كسب تأييده للسياسات
التي تروجها جماعات الضغط الصهيونية، وعلى رأسها اعتبار متطلبات
استمرار اسرائيل واحتياجات امنها، جزءا لا يتجزأ من السياسة الاميركية
في منطقة الشرق الاوسط.
وهنا تجدر الاشارة الى حقيقتين، اولاهما: داخلية تتعلق بآليات السياسة
الاميركية، وهي ان الصهاينة يحاولون استقطاب كل زعيم سياسي يبرز
على الساحة، وتظهر احتمالات توليه منصبا مهما، يمكن ان يلعب دورا
رئيسيا في توجيه السياسة الاميركية، ومن ثم فإنهم في بداية الانتخابات
الفرعية للتصفية، واختيار مرشح الرئاسة عن حزب معين ـ وهو الحزب
الديمقراطي في هذه الحالة يجرون دراسة في تاريخ وخلفية كل مرشح،
للبحث عن نقاط قوة يستطيعون اجتذابه منها اليهم، او نقاط ضعف للضغط
عليه منها، من اجل منعه عن معاداتهم، وتهديده بعواقب ذلك، ثم تتركز
حملة الاجتذاب والردع مع تفوق هذا المرشح او ذاك على غيره، ومن هنا
فإنهم يركزون الآن على كيري، ويعملون على حشد التأييد له، ويأتي
ذلك على الرغم من تأييد جماعات يهودية اخرى ـ في اطار عملية توزيع
للادوار، تسمح بها طبيعة التعددية في النظام السياسي الاميركي ـ
تؤيد الرئيس جورج بوش (الابن) في عملية اعادة انتخابه، حتى يضمن
الصهاينة ولاء (ساكن البيت الابيض) لهم، مهما كانت هويته في كافة
الاحوال.
اما الحقيقة الثانية: فهي ذات علاقة بالسياسة الخارجية، وموجهة الى
العرب اصلا.
وتذكرهم بمدى تغلغل جماعات الضغط الصهيونية في النظام السياسي الاميركي،
وقدرتها على تجنيد القيادات السياسية للعمل من اجل اهدافها، وبطبيعة
الحال، فإن عمل جماعات الضغط الصهيونية يتخطى ذلك، ليصل الى درجة
العمل للاحتفاظ بالساحة السياسية الاميركية لحسابها وحدها، ومحاصرة
اي جهد لتنمية وتأسيس جماعات عربية تزاحمها في تلك الساحة، او تنافسها
في استقطاب تأييد الزعماء السياسيين الاميركيين والتأثير عليهم،
ومن ثم يعمل الصهاينة على تجريم جماعات الضغط العربية الوليدة، واتهامها
بدعم الارهاب والتحريض عليه.
وبعيدا عن هذه (الألاعيب) الصهيونية، ذات الطبيعة الاجتماعية ـ السياسية،
للسيطرة على القرار السياسي في الدولة العظمى في عالم اليوم، فإنه
من الضروري الاشارة الى طبيعة المجتمع الاميركي، الذي يقوم على مهاجرين
من مختلف انحاء العالم، فإن (المدخلات) فيه تتسم بالتعقيد والغموض،
ويتيح ذلك للصهاينة فرصة التلاعب على النحو الذي يريدون، كما ان
كثيرا من المسيحيين ـ في القديم والحديث ـ كانوا يهودا في وقت ما،
وكذلك كثير من المسلمين ايضا، لكن معركة (النفوذ) و(الهيمنة) الصهيونية
تحدد اهدافها لاستقطاب المسيحيين واستبعاد المسلمين، ويحتاج الامر
الى عمل (اجتماعي ـ سياسي) ايضا داخل المجتمع الاميركي، تكون له
ابعاد اقتصادية قادرة على استخدام سلاح المال، اضافة الى استعمال
سلاح الصوت الانتخابي، وكذلك المهارة في توجيه الاعلام بأي شكل ممكن،
حتى يصبح ممكنا الحد من النفوذ الصهيوني، وطرح الصورة العربية الاسلامية
بشكل مقبول، والتركيز على المكون المسيحي في المجتمع العربي بقدر
من التسامح والقبول، حتى نستطيع مواجهة الهجمة الضارية ضد وجودنا
ومصالحنا هناك.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
كل يوم 
أين هي مساعي السلام؟
انضمت بريطانيا الى الولايات المتحدة ودول
أوروبية اخرى تعارض مناقشة محكمة العدل الدولية في لاهاي مسألة الجدار
الأمني الاسرائيلي العازل الذي تقيمه حكومة شارون بين فلسطين المحتلة
عام 1948 والاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 (الضفة وغزة).
ومن الواضح ان الموقف البريطاني جاء تعزيزا للدعم الاميركي لاسرائيل،
على الرغم من أن بريطانيا كانت تعارض ـ من حيث المبدأ ـ بناء هذا
الجدار !!
والموقف البريطاني المثير للاستغراب كنظيره الاميركي، لا يمكن اخذه
او تفسيره، بمعزل عن السياسة البريطانية التقليدية في دعم اسرائيل
والدفاع عنها، وحمايتها وعدم معارضة اي سياسة تتخذها ضد الشعب الفلسطيني
وفي الاراضي المحتلة كافة، حتى ولو كانت هي الارهاب بعينه متمثلا
في (دولة) ! واذا كنا تعودنا على مثل هذه المواقف من بريطانيا وأميركا
باعتبارهما حاضنتي إسرائيل وحاميتيها الدائمتين، فإننا نتوقف عند
التناقض بين الموقف البريطاني الرافض لإقامة الجدار باعتباره (يعيق
عملية السلام) وبين المعارضة البريطانية لبحث الموضوع في محكمة العدل
الدولية بلاهاي وان كنا قد اعتدنا على التناقضات في السياسات البريطانية
والاميركية عندما يتعلق الأمر باسرائيل !
ومما يثير الاستغراب ان لندن ـ مثل واشنطن ـ تفسر موقفها هذا بأنه
محاولة (لمنع تسييس) الحكمة الدولية، ونحن لا نعتقد ان مثل هذا الادعاء
يمكن ان يصمد امام المنطق والمحاكمة العقلية اذ ان سائر النزاعات
التي تبحثها المحكمة هي بين دول ذات سيادة، وبالتالي ليس هناك قضايا
سياسية واخرى غير سياسية فيما يعرض عليها من مسائل للتحكيم، ألم
تناقش المحكمة مسألة النزاع القطري البحريني على بعض الجزر ومنها
جزيرة حوار وفشت الدبل ؟ ألم تبحث المحكمة مسألة جزر الفوكلاند بين
بريطانيا والارجنتين ؟ ألم تقبل دولة الامارات فكرة التحكيم الدولي،
من المحكمة نفسها، في نزاعها مع ايران على الجزر الثلاث المحتلة
؟! فلماذا يتحول الامر الى (سياسة) عندما يتعلق باسرائيل وحدها ؟!
لا خيار أمام الفلسطينيين الا عرض موضوع الجدار العازل على المحكمة
الدولية !! ولا يوجد ما يدعو أميركا وبريطانيا الى الوقوف بالضد
من الدعوى الفلسطينية المدعومة عربيا وإسلاميا الا هذا الالتزام
الدائم والانحياز المستمر الى الجانب الاسرائيلي ! ولا ندري كيف
يمكن ان يصدق احد دعاوى واشنطن ولندن بدعم تطبيق خارطة الطريق او
القرارات الدولية الاخرى بشأن السلام العادل والشامل في المنطقة،
وادعاءاتهما الجديدة برفض (تسييس) محكمة العدل الدولية في لاهاي،
ومزاعمها عن ان ذلك (يعرقل مساعي السلام) ! بل ان السؤال المثار
هنا بقوة: اين هي مساعي السلام ؟ وكيف يكون المنحاز وسيطا مقبولا
؟! ومن الذي يعرقل هذا السلام المزعوم حقا ؟!
محمد ناجي عمايره
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
3 أبعاد
العلم اللاوندي
خلفت الحرب في العراق ضحايا من بينهم الصحافة
النزيهة. في الولايات المتحدة وضع صحفيون أميركيون العلم الأميركي
شارة على سترة البذلة وهم يظهرون على التلفاز، وخلطوا بذلك بين حبهم
لبلادهم وحبهم للحقيقة. ووصف صحفي تليفزيوني لهيب القصف الأميركي
على بغداد بأنه مشهد مثير. وتردد صحفي آخر إزاء سماع الرأي الآخر
مشيرا الى أن المناخ السياسي لا يجعل قول الحقيقة أمرا مقبولا. وفيما
استمرت صحف أميركية محترمة في نشر الحقيقة تحولت شاشات التلفاز الى
منبر للرأي الواحد. لكن معاناة الصحافة النزيهة هي الأكبر فيما تعرضت
له (بي بي سي) البريطانية. في يوم واحد وبخ خبير الأسلحة الأميركي
الدكتور ديفيد كاي الحكومة الأميركية بعد أن اكتشف عدم وجود اسلحة
الدمار الشامل في العراق، وهو السبب الرئيسي الذي ذكره الرئيس بوش
لحربه في العراق، وانضم اليه في ذلك رئيس الوزراء البريطاني توني
بلير. وفي اليوم نفسه وبخ قاض بريطاني إذاعة بي بي سي لأنها اتهمت
الحكومة البريطانية بالمبالغة في وصف التهديد الذي شكلته أسلحة الدمار
الشامل في العراق. في مايو الماضي قال مراسل الإذاعة البريطانية
اندرو غيليغان إن الحكومة البريطانية بالغت في تصويرها للتهديد لكي
تبرر قرارها دخول الحرب. واستند اندرو في تقريره على مصدر موثوق
به هو خبير الأسلحة في وزارة الدفاع البريطانية الدكتورديفيد كيلي
(لاحظ الفارق بين اسم ديفيد كاي وديفيد كيلي)، الذي وجد قتيلا في
وقت لاحق بعد أن كشفت الوزارة عن أنه المصدر الذي زود اندرو بالمعلومات.
برأ القاضي البريطاني لورد هاتون حكومة بلير من اي خطأ وصب كل توبيخه
على الـ(بي بي سي) في يوم كشف فيه الدكتور كاي في واشنطن أنه لم
تكن هناك اسلحة غير مشروعة في العراق قبل الحرب. هذه النتيجة التي
توصل اليها كاي جاءت بعد بحث دام ثمانية أشهر على رأس فريق تألف
من الف واربعمائة خبير. أدى حكم القاضي هاتون الى استقالة رئيس ثم
مدير عام إذاعة (بي بي سي) ثم الصحفي اندرو غيليغان نفسه. ورغم احترامنا
للقاضي لورد هاتون فإن الحقائق على الأرض تبرهن على أن الحكومتين
الأميركية والبريطانية بالغتا عن عمد أو غير عمد أو اخطاء في تقديرهما
لوجود الأسلحة وبالتالي لضرورة شن الحرب في العراق. المخابرات البريطانية
قالت إن الرئيس العراقي السابق صدام حسين لديه المقدرة على شن ضربة
كيميائية أو بيولوجية في غضون خمس وأربعين دقيقة إذا تعرض لهجوم
عسكري. ولكن الحكومة البريطانية حذفت عبارة (إذا تعرض لهجوم عسكري)
من تقريرها الذي نشرته قبل الحرب. إن قرار لورد هاتون تبرئة حكومة
(مستر) بلير وتجريم (بي بي سي) بصورة مطلقة هو حكم غير متوازن على
ضوء الحقائق. ولكن الأخطر هو أنه قد يسلب الحافز أمام الصحفيين على
قول الحقيقة. وقد يدفع مزيدا منهم الى وضع العلم الأميركي أو البريطاني
أو اللاوندي شارة على البذلة وهم يؤدون عملهم.
عاطف عبد الجواد
agawad@aol.com
أعلى
أضواء كاشفة
هنيئا.. مدينة نزوى
منذ أن تولى مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان
قابوس بن سعيد المعظم مقاليد الحكم في البلاد عام 1970 وجلالته يحرص
على ان يلتقي بأبناء شعبه الاوفياء في مناسبتي عيد الفطر وعيد الاضحى..
يلتقى معهم ويحدثهم ويستمع اليهم ويشاركهم فرحة هذه المناسبة في
جو تسوده المودة والمحبة التي تربط بين القيادة الرشيدة والمواطنين
المخلصين.. انها المشاركة الفاعلة والواسعة للمواطن العماني في صنع
الحاضر وصياغة المستقبل في مختلف المجالات.
يحرص جلالة السلطان المعظم على استمرار واحدة من أهم السمات المتميزة
لنهج جلالته الحكيم وهي الالتقاء المباشر مع المواطنين في مناسباتهم
السعيدة والانتقال اليهم حيث يقيمون في القرى والسفوح والوديان والتجمعات
الصغيرة المنتشرة على امتداد ارض عمان الطيبة ومعايشتهم والحديث
اليهم والاستماع منهم في لقاءات مفتوحة يشارك فيها الجميع وتطرح
خلالها مختلف القضايا والموضوعات التي تهم الوطن والمواطنين دون
حواجز او بروتوكولات.
ينتهز المواطنون هذه الفرصة السعيدة ليعبروا عن عمق ولائهم ووفائهم
وامتنانهم لباني مسيرتهم وصانع امجاد نهضتهم مولانا حضرة صاحب الجلالة
السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ .
وفي هذا العام تتشرف بيضة الاسلام وموطن العلماء مدينة نزوى بالالتقاء
بمولانا جلالة السلطان المعظم ليؤدي شعائر عيد الاضحى المبارك معهم
ويشارك ابناءه الاوفياء فرحتهم بهذه المناسبة الكريمة.. فهنيئا للمدينة
بهذا التشريف السامي وهنيئا للمنطقة الداخلية بهذا اللقاء الميمون.
إن من أبرز السمات التي تميز مسيرة العطاء العمانية منذ بداية انطلاقتها
في عام 1970 هي قدرتها الدائمة والمتواصلة على التفاعل الايجابي
مع مختلف التطورات الاقليمية والدولية مع الحرص دوما على وضوح الرؤية
وتحديد الهدف والحفاظ على القيم الاصيلة والمبادئ الراسخة.
إن ما يتحقق على أرض السلطنة من انجازات سياسية وتنظيمية واقتصادية
واجتماعية يهدف اساسا الى بناء وخدمة الانسان العماني الذي ظل باستمرار
محور اهتمام الحكومة بالضمانات الفاعلة والمقومات الثابتة للنظام
الاساسي للدولة من اجل حاضر مشرق مفعم بالبذل والعطاء ومستقبل واعد
مبني على ارضية من التخطيط السليم والمنهجية الواضحة المعالم.
ندعو الله سبحانه وتعالى ان يعيد هذه المناسبة الكريمة على الامتين
العربية والاسلامية وعلى الشعب العماني وقيادته الرشيدة بالخير واليمن
والبركات.. وكل عام وأنتم بخير.
***
عيد الأضحى والأمل المنتظر
هل يحق لنا القول ان كلمة العيد أصبحت غريبة على مسامعنا نحن المسلمين
في مشارق الارض ومغاربها وخاصة في هذه الفترة الكئيبة التي نتجرع
مرارتها.. نظن ان ذلك جائز بل مؤكد.
فما تشهده بلاد العرب والمسلمين من تمزق لراياتها وتفرق لكلمتها
وتشتت في صفوفها .. هذا كله اضافة الى الدرك الأسفل الذي وصلت اليه
مجتمعاتنا بين أمم الارض قاطبة.. يجعلنا نحكم بذلك.
العراق ترزح تحت نير الاحتلال وفلسطين تذوق من العذاب ألوانا كل
يوم بل كل لحظة .. وأبواب الامل محكمة الاغلاق أمام مآقينا التي
تتسربل الدموع منها حزنا وكمدا على الواقع المر الذي نعيشه.
فمتي تحين ساعة الرحيل لهذه الايام السود التي تمر بأبناء أمتنا
؟.
متى تتحول اعيادنا التي شرعها الاسلام الى مناسبات للفرحة والطاعة
؟.
لقد ذاقت هذه الامة الويلات يوم ان تخلت عن كتاب ربها وتشريعه وأخذت
تتخبط بين دهاليز الشرق والغرب تبحث عن دساتير لها تنظم بها حياتها.
ذاقت هذه الامة الويل والثبور يوم ان نبذ بعض افرادها القرآن وراء
ظهورهم ونسوا أخلاقهم الاسلامية الاصيلة وركضوا وراء كل ناعق من
الغرب والشرق.
وها هو عيد الاضحى المبارك يحل على الامة الاسلامية حيث الآمال عرضة
والاكف تتضرع الى الله رب العالمين ان يعيد للمسلمين تميزهم ووهجهم
الحضاري.. واسهامهم الانساني المشهود في مسيرة التاريخ.
ان هناك الكثير من الامور تستدعي التوقف ونحن نحتفي بهذه المناسبة
الكريمة.. ولعل أبرزها الحالة التي آلت اليها اوضاع المسلمين الى
الدرجة التي شجعت الآخرين على استهداف هذا الدين القويم.. ممن كانوا
يتحينون ظهور اي علامة للوهن في جسد هذه الامة لضربها.
ان من المحتم ونحن امام هذا الواقع المؤلم ان يهرع المسلمون في مختلف
بقاع الارض الى تحسس مواقع القوة فيهم وبلورة سماحة دينهم من اجل
ان يتصدوا لهؤلاء الذين يستهدفون وجودهم.. والحل دائما قريب ويتلخص
في ان يعود المسلمون الى منابع دينهم ويتمسكوا بتعاليمه.. ويتمعنوا
في مبادئه من اجل العمل بها.. فالقرب من الدين والالتصاق به وتمثله
في جميع مناحي وشئون الحياة يهدي الى سبيل النجاة ويزيل الحواجز
بين ابناء الامة.. ويعيد اليهم وحدتهم وتماسكهم.. حيث ان هذه العودة
تطيح بالمعوقات الكثيرة التي نشأت خلال تشرذم المسلمين خلف مبادئ
وافكار لا تمت الى حقيقة الدين بصلة.. لكنها أفكار ومبادئ تعمل على
تغييب المجتمعات الاسلامية عن جادة الصواب.. وتوجد منها مسخا مشوها
للمجتمعات التي تتأثر بها ومن ثم تصبح بلا هوية لا تنتمي الى اصولها
كما لا تتسم بالكامل بصفات المجتمعات التي تحاول عبثا الذوبان فيها.
ان التماسك والتعاضد والتعاون يكفي وحده لاظهار المسلمين في موقف
قوي.. وهي تعني ايضا اطلاق امكانات التعاون الهائلة في المجالات
الاقتصادية والعلمية بما يعزز من قدرات كل بلد اسلامي من خلال الاستغلال
الامثل لما فيه من ثروات وامكانات .. ومن قوى بشرية تستطيع ان تنهض
بكل دولة لتخلص في النهاية الى عالم اسلامي يشكل كتلة قوية تستطيع
ان تقف ندا للكتل المناوئة التي تميز عالم اليوم.. تلك حالتنا ..
وهذه آمالنا.. وعلى الله نتوكل.. واليه المشتكى والمآب.. حفظ الله
امتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.. وندعو الله العلي القدير ان
يعيد هذه المناسبة الكريمة على عماننا وعلى امتنا العربية والاسلامية
بالخير واليمن والبركات.. وكل عام والجميع بخير.
***
وقفة
اللباس الابيض الجديد الذي ترتديه عند كل عيد لا يكفي لأن تكون سعيدا
ما دامت دواخلك سوداء بلون الفحم.. ملطخة بصباغ الكراهية والانانية.
العيد .. يوم ان يتفتح قلبك لمن حولك من المعوزين.. حتى ولو كان
ذلك اليوم يوما عاديا كأي يوم من أيام السنة.
***
من بوح الكلمات ..
تقول غادة المديهش في قصيدة تحت عنوان (بياض)
اوهمونا ان دما بلون دمك كان.. مسرطنا.. !!
وخمنوا ان رئتين بنقاء رئتيك استوطنهما .. (الخبيث) !!
وحين تساقطت خصلات شعرك الفاحم في احضانك
وغدوت بلا رمش.. ولا حاجب ..!!
دثروك بالبياض.. وتهامسوا: لا أمل ..!!
فطوبي لنقائك من بياض الى بياض الى بياض.
وقفة تأمل..
تمر بنا ـ نحن البشر ـ مواقف نتفاعل مع غيرنا.. ممن يحيطون بنا..
مع انفسنا ايضا.. لحظات آلم وحزن يعاني فيها كل منا احباطات هذا
الزمن وترسباته ونظل نتفاعل ونتعامل مع الاشياء التي تحيط بنا بأسلوب
عاطفي غير منطقي !!
ان حكمة المولى سبحانه وتعالى عندما اوجد في نفوسنا مدخلا للحزن
اوجد العديد من المداخل للفرح والسعادة وانه هو اضحك وابكى.
فكم من موقف حزن وألم جعل الكثيرين يقفون وقفة تأمل ومحاسبة مع أنفسهم
ليعاودوا خلط أوراقهم الحياتية مرة أخرى ومراجعة حساباتهم السابقة
واللاحقة.
لا اجد باقيا في هذه البسيطة مهما طالت به مدة الانتظار.. وهذه الدنيا
مجرد محطة نتزود فيها بالاعمال الصالحة والعلاقات الانسانية التي
تولد لدى الانسان ذكرى طيبة ومحببة لدى من يحيطون به.
لا يوجد ولن يوجد في هذه الدنيا من لم يذق طعم السعادة ايضا.. ولكننا
للأسف نتعامل مع لحظات السعادة بتغافل وتجاهل غير مقصود.. بيد اننا
نقف طويلا امام كل لحظة او موقف من مواقف الحزن.. وشتان بين هذا
وذاك ..؟!!
ان تعاملنا مع المواقف الحياتية بشكل منطقي وواقعى ومتوازن يزيل
عنا كثيرا من دقائق الحزن وساعاته وتتحول الاحاسيس فيها الى مراحل
الامتناع عن التصويب بانتظار محطة سعادة جميلة !!
حروف جريئة
هل صحيح ان الصمت يكون احيانا أبلغ من أي كلام ؟ او ان الكلام والثرثرة
تبقى مدعاة للملل وسبيلا للاعتذار والانصراف ؟
وهل صحيح ان عبارات الاستعراض والوعود الفقاعية تبقى مجرد سراب لا
يلبث ان يزول ؟.
وهل صحيح ان افراغ ما بالداخل من صدق يعتبر نفاقا او تقربا اجباريا
غير مرغوب فيه؟
***
الذئاب البشرية أخدع وأخطر على ضحاياها من الذئاب البرية.. ذلك أنه
ليس لصوتها عواء وليس لعقرها دواء.
***
يجب ان لا نستصغر النجاح اذا ما جاء صغيرا انه البداية لنجاح آخر..
سوف يولد ويوجد اكبر واكبر.. ما دامت روح العمل لدينا على قدر طموحاتها
الكبيرة.
هكذا نحن صغارا جئنا.. نحبو.. نكبو.. نتعثر .. نمشي .. نهرول ..
ثم نركض.. تماما كما هي عليه طموحات الرجال ونجاحاتهم.
***
مسك الختام
قال تعالى : (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها
ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الامثال
للناس لعلهم يتذكرون).
ناصر اليحمدي
أعلى
شراع
كــل عام وأنتم أطيب
* أقولها لكل الذين اختاروا الغربة فأبعدتهم الطرق عن الوطن ، ليعودوا
أكثر عطاء ، أقولها لهيام تلك الصغيرة التي اختارت تلك البلد الباردة
البعيدة لتعود بشهادة علمية كبيرة ، أقولها والقلب معهم
* أقولها لكل الثكالى ..بصادق إحساس أن ثمة ما ينزف داخلهن ، عزيزاتي
عساهم طيوراً في الجنة ،إنه العيد أبتسموا لنا .
* أقولها لشعب العراق وفلسطين وأفغانستان ولكل أطفال الحروب ..أتمنى
أن يطرق الأمان بابكم مع هذا العيد .
* أقولها لتلك المدينة الإيرانية التي فجعت اخر العام الماضي بتلك
المصيبة ، أقولها وأعلم أن الحزن يسكنهم هذا العيد ،وادعو لهم بالصبر
والسلوى وأن تغشاهم رحمة الله .
* أقولها لأيتام بلادي ، الذين فقدوا دفء الأسرة ، عساها تصل القلوب
وتدفئ إحساسهم ،وعساه عيداً سعيداً بكثير من الفرح .
* أقولها لمن طرق المرض بابهم ،فاستكانوا على فراش المرض وحرموا
فرحة العيد ، مع دعوة صادقة لهم بالشفاء العاجل دون ألم أو تعب .
* أقولها للمساجين ..الذين طرقت التوبة قلوبهم ، وعرفوا أن الله
حق وأن العدل يجب أن يأخذ مجراه وعاهدوا أنفسهم على الطريق المستقيم
والمشاركة الحقيقية في بناء الوطن .
* أقولها لكل الراحلين عنا ، فالقلب مازال يذكرهم ونور ذكراهم تنير
الدروب ، وموعدنا الجنة إن شاء الله .
* أقولها لكل الفقراء ،مع همسة حب ( العيد ليس أثواباً جديدة وأطعمة
لذيذة أنه فرحة اللقاء وشكر المولى على الصحة ، فاشكروه واحمدوه،
فلم شملكم وتمام صحتكم نعمة لا يعرفها إلا من فقدها).
* أقولها لكل أفراد أسرة الوطن من البستاني الذي يعتني بحديقة الوطن
كل صباح ،إلى رئيس التحرير الذي يهتم بكل أمورنا الصغيرة قبل الكبيرة
..إلى كل اخوتي في هذه الجريدة الرائعة .
* أقولها لأسرتي ..لأبي رجل الحكمة والوقار تاج عزي وفخري ،إلى أمي
صديقتي وأختي وملاذي الدافئ ..لاخوتي وأخواتي ..يرعاكم ربي .
* لكل حجاج بيت الله الحرام ،ولي فيهم أختان شدتا الرحال إلى البيت
الطاهر فلتحرسهم عناية ربي .
* أقولها لمولانا وقائدنا وفخرنا ، تحية شكر وتقدير على كل هذا العطاء
الذي لا يعرف حدود ..ولكل الوطن.
* أقولها لمن نثر السعادة في دربي حين عز العطاء وعلمني معنى الكلمة
.
عيدكم سعيد
وعامكم زاخر بإذن الله
عبير محمد العموري
أعلى
مناسبة أخرى تدعونا إلى التغيير والإصلاح
مناسبة عزيزة أخرى أشرقت علينا بأنوارها الربانية
, وهلت علينا مع أهدافها السامية , واتحفتنا ببركاتها النورانية
رحمة ومحبة وسلاما , مناسبة مترعة بالنفحات الروحانية والمشاعر الإسلامية
النبيلة التي تتجسد في قلوب ملايين المسلمين الذين يلبون النداء
الإلهي والمتواجدين داخل العتبات المقدسة , مناسبة مليئة بالدروس
والعبر غنية بالطقوس والعبادات والأعمال التي تدعونا إلى التدبر
والتفكر , ليس التدبر فقط في عظمة الخالق جل جلاله ولا في المعجزات
الكونية المحيطة بنا والتي تملأنا إعجابا وثقة وإيمانا , وإنما التفكر
كذلك في أهداف وعظمة هذه المناسبة , وفي قراءة الحالة التاريخية
الراهنة التي وصلت إليها الأمة والأوضاع غير السارة التي تعيشها
, والمخاطر التي تحيق بها والغموض الذي يكتنف مستقبل أبنائها , والتدبر
في تلك الأسئلة المحورية التي مازالت تطرح على مدى أكثر من نصف قرن
حول الأسباب والعوامل التي أدت بنا إلى السقوط في هذا الجب السحيق
الذي يزداد عمقا واتساعا يوما بعد آخر ليبتلع جزءا جديدا من أجزاء
هذه الأمة مع أجزاء سابقة ضمها في قعره البهيم.
ملايين المسلمين من أصقاع الأرض يمثلون شعوبا وأمما وأقطارا وقارات
مختلفة يزحفون في صعيد واحد تجمعهم كلمة واحدة أوجدهم في هذا الموقف
العظيم هدف واحد يرفعون أكفهم إلى خالق هذا الكون رب العزة والجلال
الرحمن الرحيم بدعاء واحد وصوت واحد , بأن يعيد إلى هذه الأمة الإسلامية
رشدها ويجمع شملها ويحفظ لها إسلامها ويحرر أرضها ومقدساتها وينير
دربها وأن يرفع من شأنها كما كانت عليه في عز وعظمة حضارتها وأن
ترتفع رايتها خفاقة لكي تعيد إلى هذا العالم كلمة التوحيد , التي
خرجت من هذه الأرض المباركة لتنير ظلام العالم الدامس في تلك المرحلة
التاريخية , بالعلم والمعرفة وعلى أساس مبادئ سامية تعتمد العدل
والمساواة والحرية والإخاء ... ولكي تعيد الرشد والهداية والسمو
إلى الإنسان الذي أغرقته النزعة المادية التي تكتسح العالم بسلوكياتها
الفاسدة ومناهجها العفنة .
وملايين غيرهم في جميع أرجاء الأرض يشاركونهم الدعاء والعبادة وفرحة
العيد رغم ما يشوب تلك السعادة من مشاعر وأحاسيس تلفها الكآبة ويعلوها
الحزن بسبب الظلم والقهر والأذى الذي يعانيه ملايين المسلمين في
فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال ... وفي سجون أوروبا وأميركا
وغيرها من البقاع , الحزن على الحالة التي وصلت إليها الأمة الإسلامية
في هذه المرحلة التاريخية المتسمة بالجهل والتخلف والتراجع اليومي
على كافة الأصعدة التعليمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ...
, إذ لم تتمكن الأمة برغم ما تمتلكه من مقومات وثروات تاريخية وجغرافية
وبشرية ومادية , وبرغم ما قدمته من دعم غير محدود لقطاعها العسكري
طوال عقود من الزمن والذي جاء على حساب القطاعات التنموية الأخرى
, من استرداد جزء من أراضيها المسلوبة ومقدساتها المغتصبة , وبرغم
المحاولات والتصريحات والاجتماعات والشعارات والمطالبات بشأن إجراء
تقييم شامل والقيام بإصلاحات جوهرية لأوضاع المؤسسات والأنظمة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والبحثية إلا أن جميع تلك المحاولات ينتهي
بها الحال إلى الفشل , وبرغم ما تمر به الأمة من نكبات ومآسي , وما
تتعرض له من امتحانات وتحديات عسيرة ومن توجهات تهدف إلى النيل من
العقيدة والثقافة والتاريخ والقيم والأخلاق ... وباستخدام كل الوسائل
والسبل الممكنة إعلاميا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا إلا أنها ما زالت
لا تملك قرار مستقبلها ولم تتمكن من تحويل الشعارات البراقة والوعود
الشفهية إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع , ومازال الصوت العربي
مغلوبا على أمره مغيبا عن الخارطة وما زالت الأنظمة السياسية تعيش
حالة صمت قاتل مبررة عجزها وضعفها أمام شعوبها .
مناسبة جديدة نعيش في ظل رحابها العطر , والأنفس مليئة بالإيمان،
والمسلم برغم ما يحيط به من تحديات وما يمر به من أحداث مؤلمة إلا
أن قلبه وروحه مفعمان بالثقة ولديه الإيمان في عقيدته ولديه الحرص
على حماية ثقافته ويمتلك الوعي والأدوات لمواجهة التحديات التي تحيط
بأمته وعنده الأسباب والعوامل والقدرة لينهض من كبوته نافضا عنه
غبار الكسل والجهل والتخلف ليبدأ في إجراءات تصحيحية وإصلاحية تغير
من واقعه وتبدل من أوضاعه , وهذه المناسبة وغيرها هي السراج الذي
ينير للأمة طريقها وهي التي تمنح الأمة لحظات صفاء للتفكير ولاستلهام
الدروس وتقييم الحال , فعساها أن تكون كذلك .
سعود بن علي الحارثي
كاتب عماني
Saud2002h@hotmail.com
أعلى
من يضع جدول الأعمال؟
لا شك أن عودة الأسرى والشهداء العرب إلى ذويهم
وتراب بلدهم الذي قاتلوا وقضى البعض منهم من أجله تُضيء مشعلاً هاماً
في لحظة تعاني فيه هذه الأمة من حلكة وتشويش ووهن. وعلّ أهم درس
يجب استخلاصه هو الحاجة إلى معايير جديدة وأساليب جديدة في العمل
والتقييم لأنّ الأساليب القديمة لم تعد تلبي احتياجات عصر مختلف
وأوقات مختلفة ومعطيات لم يحسن الكثيرون التعاطي معها. وأول فقرة
في هذا الدرس هي الوصل بين المقاومة الجسدية للاحتلال وبين التفاوض
المقاوم الذي لا يقلّ بسالة وتمسكاً بالحقوق والثوابت والكرامة.
وثاني فقرة في هذا الدرس أيضاً تعيد الاعتبار لعروبة العرب التي
تمّ استهدافها في كل المخططات التي تُرسم لتفتيت أبناء هذه الأمة
تحت مسميّات وأعذار مختلفة وتؤكد للأخر أن الثقافة العربية الأصيلة
لا تفرّق بين لبناني وسوري وفلسطيني لأنهم جميعاً أبناء هذه الأمة
يدافعون عن ترابها وعن ثقافتها وعن مستقبل أبنائها. وتكتسب هذه النقطة
أهمية أكبر في الوقت الذي عجزت بلدان عربية كبرى عن امتثال هذا النهج
ورفض منطق القطرية على الأقل في القضايا الاستراتيجية الكبرى التي
تلامس أمن العرب ووجودهم ومصيرهم. والفقرة الثالثة في هذا الدرس
تري البون الشاسع بين الحقيقة وبين ما يروّج له في وسائل الإعلام
العربية منها قبل الأجنبية. لقد أثبتت المقاومة في لبنان سواء بعد
تحرير الأرض في مايو 2000 أو خلال العملية الأخيرة أن القيم الإسلامية
في التعامل مع الأسرى وحتى مع المتخاذلين والمتعاونين هي قيم حضارية
سامية تحترم إنسانية الإنسان ولا تحاول إذلاله أو التنكيل به بينما
يتعرض الأسرى العرب في سجون الاحتلال إلى أقسى أنواع التعذيب والمهانة
وتظهر هذه المفارقة مدى التقصير الإعلامي العربي الذي لا يسلّط الأضواء
عليها كي يظهر للعالم عنصرية العدو وحقده وقدرة العرب والمسلمين
على التعايش والتسامح والتعامل الأخلاقي مع الجميع في أوقات الحرب
والسلم. والفقرة الأهم والأثمن في هذا الدرس هي الحرص على من ضحى
وقاوم وبذل في سبيل كرامة هذه الأمة والتأكيد له أن كرامته لن تهدر
وأن العمل الدؤوب مستمر كي ينال الحرية التي يتوق لتحقيقها أو التي
قضى من أجلها فأعيد رفاته الطاهر ليحتضنه التراب الذي قاوم واستشهد
كي لا يدنسه محتل ولا يهنأ عليه عدو. والتجربة في مجملها تؤشر بشكل
مباشر أو غير مباشر إلى مكامن الخطأ و الصواب في هذه الأمة ويمكن
الاستفادة منها بشكل حقيقي لتصحيح بعض مسارات العمل والتفكير التي
تقود إلى الاحباط أو الشعور بالهزيمة.
إن أول ما يستوجبه هذا الحدث الهام بتحرير الأسرى والشهداء هو التساؤل
عمّن يضع جدول الأعمال لكلّ الشؤون المتعلقة بهذه الأمة، سواء أكانت
فكرية أم سياسية أم ثقافية أم تعليمية وما هو الدور الذي يلعبه الحريصون
عليها والصادقون معها بكلّ الأحداث التي تشهدها؟ ويكتسب هذا السؤال
أهمية أكبر إذا ما أعدنا إلى الذاكرة أن معظم الحوارات والنقاشات
التي تجري تنطلق إما من أرضية الضعف العربي أو التسليم بمنطق القوّة
والهيمنة الصهيونية أو انسداد الأفق أمام أي إمكانية لتغيير الواقع
العربي بالأدوات المتاحة. ومن هنا يتركز الحوار الإسلامي ـ الأميركي
في الدوحة مثلاً على مناقشة إصلاح الوضع العربي بعيداً عن مسؤولية
الولايات المتحدة عن غطرسة إسرائيل وإجهازها على الحقوق الفلسطينية
واستمرارها بسياسة الفصل العنصري والاحتلال ومن هنا أيضاً يختفي
الحديث عن حق العودة من معظم محاولات (جسر الهوة) كما يسمونها بذريعة
أنه أمر صعب وغير واقعي، ومن هنا أيضاً يحضّ زعيم عربي بعد مجزرة
دامية لمدنيين فلسطينيين الإسرائيليين والفلسطينيين على إيقاف العنف
المتبادل بينهما!. ومن هنا أيضاً تتخذ بعض الدول العربية موقف الحياد
في شؤون عربية مصيرية كي تبرهن للآخرين أنها موضوعية وتثبت حسن النوايا!!
إن أهم ما أثبته تفاهم ابريل الذي فاوض من أجله بصلابة واقتدار الرئيس
السوري الراحل حافظ الأسد رحمه الله، وكان الاعتراف العملي الأول
بالمقاومة، وما أثبته تحرير الأرض عام 2000 وحرية الأسرى والشهداء
عام 2004 هو أن الطريق الوحيد للحرية والكرامة هو التمسك بالكرامة
مهما اختلفت موازين القوة والضعف فإن الحفاظ على الكرامة أمر شّرعت
له الديانات والقوانين والأخلاق وكل ما هو خلاف ذلك وما يندرج تحت
(مبادرات حسن النوايا) أو (إجراءات بناء الثقة) أو محاولة (طمأنة
الأعداء) أو مدّ الجسور التطبيعية أولاً قبل حسم القضايا الجوهرية
والأساسية فإن كل هذا لن يجدي نفعاً ولن يعيد حقوقاً ولن يصون بلداناً
أو شعوباً. ولكنّ المعركة صعبة ومتداخلة والاختراقات تستهدف كل يوم
الهوية والثقافة والإعلام ولابدّ للجميع أن يستنفر لإعادة الأمور
أولاً وقبل كل شيء إلى نصابها الصحيح.
ففي غمرة الأفراح بانتصار عربي وسط هيمنة وغطرسة إسرائيلية تستبيح
الأرض والشجر والمياه جنّدت فضائيات عربية حواراتها وبرامجها للتشكيك
بالدوافع والنتائج وللتعتيم على ضعف العدو وانكساره أمام صمود المقاومة
وللتقليل من شأن هذا الإنجاز العظيم في الوقت الذي اعتبر الإعلام
الإسرائيلي والعالمي هذا الحدث إنجازاً هائلاً لحزب الله وللبنان
وللعرب والمسلمين. وباسم الحيادية والموضوعية لم نعد نرى على هذه
الفضائيات صور شهداء فلسطين فبعد الشهيد محمد الدّرة قتل الإسرائيليون
ما يزيد على مائتي طفل فلسطيني تحجم الفضائيات عن إظهار صورهم أو
حتى أسمائهم في بعض الأحيان لأن إسرائيل تعلمت درساً من الضجة التي
أثيرت حول استشهاد محمد الدّرة وقامت بالأعمال المناسبة كي لا يتكرر
ذلك ثانية، فما هو مبرّر تجاهل التعريف الكامل بشهداء هذه الأمة
وخاصة من الأطفال على الفضائيات العربية؟ إن هذا بحد ذاته لو حصل
لكان إسهاماً في دعم الحق العربي وإن غياب صور الشهداء العرب والتعتيم
على ظروف استشهادهم وتجاهل الحديث مع أسرهم أمر غريب بالفعل إعلامياً
ولكن دوافعه السياسية معروفة.
في هذا الأسبوع بالذات الذي حققّ فيه لبنان نصراً للأمة العربية
عقد في استوكهولم مؤتمر حول الإبادة حضره الأمين العام للأمم المتحدة
ورغم أن الشعب الفلسطيني يعاني من إبادة جماعية ومنظمة فقد حضرت
إسرائيل هذا المؤتمر ولم يحضره أي فلسطيني أو عربي! وفي الأسبوع
ذاته عقد في مدريد مؤتمر ضحايا الإرهاب وأيضاً حضرته إسرائيل وغابت
عنه فلسطين كما غاب عنه جميع العرب رغم أن الفلسطينيين اليوم هم
ضحايا أسوأ أنواع إرهاب الدولة. إن تجربة حزب الله الناجحة في تحرير
الأرض والإنسان تؤكد مرة أخرى أن الأداء التفاوضي العالي لا يقلّ
أهمية عن المقاومة المسلحة وأنّ الصدق والشفافية والإخلاص كفيل بإحراز
النصر، كما أن هذه التجربة تثبت أن المهمّ في الأمر هو من يضع جدول
الأعمال فكرياً وثقافياً وإعلامياً وسياسياً وأن استعادة الحقوق
تتطلب أول ما تتطلب الشعور بالفخر والانتماء وعدم تسخير وسائل إعلامنا
لمن يتهمنا ويتهم ديننا وثقافتنا لكي نبرهن لهم موضوعية وحسن النوايا
، بل علينا أن ننطلق من مرجعياتنا وأن نبرهن لهم أننا جديرون بالاحترام
وحسب . في كثير من الأحيان لم يعد الغياب مجدياً ، بل أصبح الحضور
ضرورةً.
د. بثينة شعبان
وزيرة شؤون المغتربين ـ سوريا
أعلى
ما هو أبعد وأخطر من التحريض العنصري على العرب والمسلمين!
اعتدنا بين الفترة
والاخرى ان يقوم احدهم في الغرب بتفجير قنبلة اعلامية في الهجوم
على العرب والمسلمين بدوافع تحريضية وعنصرية بحتة. واخيرا وليس آخرا
كتب مقدم برنامج في تليفزيون هيئة الاذاعة البريطانية دوبرت كيلروي
سيلك مقالة نشرها في صحيفة صنداي اكسبرس اليمينية (نحن لا ندين للعرب
بأي شيء) يقول فيها عن العرب والمسلمين بانهم مفجرون انتحاريون وقاطعوا
اوصال البشر وقاتلون للنساء ويوغل في الاهانة حد اعتبار (العرب عالة
على البشرية) اذ يتهمهم بعدم المساهمة في خير وسعادة البشرية وبانهم
لم يقدموا للحضارة أي شيء!
هو يقول ايضا ان العرب يهددون المدنيين الغربيين باسلحة كيماوية
وبيولوجية ويعدون باطلاق انتحاريين في المدن الغربية والاميركية
ويستطرد في حين ان العراقيين والفلسطينيين والجزائريين واليمنيين
يرغمون اطفالهم على التضحية بانفسهم في تفجيرات انتحارية تقتل اطفالا
آخرين ومدنيين فان الاميركيين يخاطرون بارواحهم لانقاذ جندية واحدة
هي جيسكالينش.
وهو يقول ايضا ان العالم العربي لم يكسب احترامنا فإيران نظام كريه
يساند الارهاب وهو جزء من محور الشر وكذلك سوريا المؤيدة لصدام حسين
وكذلك ليبيا الواقع ان معظمهم يعلنون تأييدهم لصدام!.
الواقع ليست مهمة هذا المقال الدفاع عن العرب والمسلمين فما قدموه
للبشرية هو اعظم من ان يتناوله عنصري صهيوني حاقد من اتهامات ضدهم
ولكن من الضروري التطرق لبعض النقاط ومنها: ان صاحب المقال كان قد
نشره في نفس الصحيفة وفي 6 ابريل تحديدا من عام 2003 وكان تحت عنوان
(نحن كريهون؟ عار عليهم) وهذا يدلل على نية مقصودة ومبرمجة ومخطط
لها من اوساط تقف خلف الكاتب من اجل التحريض على العرب والمسلمين
وبرغم ان سيلك نائب عمالي بريطاني سابق ومقدم برنامج حواري فهو يخلط
الحابل بالنابل مما يدلل على جهله بابسط الحقائق فايران دولة مسلمة
وليست عربية وسوريا وليبيا لم تقف مع صدام حسين وجيسكالينش تمت اعادتها
الى الاميركيين بعد معالجتها وفقا لما تم نشره من تقارير.
والعرب لا يرسلون اطفالهم في عمليات انتحارية فهم اهل مثل باقي البشر
ويحبون ابناءهم ويحزنون لفقدهم والكاتب يحاول تصوير العرب والمسلمين
(بالوحوش الآدمية) هذه الاتهامات تستند في اساسها الى ايمان عنصري
ـ نازي يقبع في تلافيف دماغ الكاتب ليس الا!! فالعرب هم من يعانون
من الاحتلال الصهيوني لفلسطين والاميركي القائم في العراق وفي افغانستان
يعاني المسلمون (من غير العرب) من نفس الاحتلال الاميركي وليشاهد
الكاتب تليفزيون هيئة اذاعته وما تبثه من مناظر قمع صهيونية في فلسطين
واميركية اذلالية للناس في العراق من جراء الاحتلالين.
لا نلوم كل الغربيين اذا ظهر في اوساطهم عنصريون حاقدون من امثال
سيلك بالعكس من ذلك فالتأييد للقضية الفلسطينية ولعموم القضايا العربية
في الغرب في تصاعد مستمر والشاهد على ذلك مظاهرات الملايين من الغربيين
التي تدين الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والاميركي للعراق في لندن
والعواصم الغربية وآخرها مظاهرة لندن ابان زيارة الرئيس بوش للعاصمة
البريطانية.. بالتالي فمن الخطأ التعميم في التحليل فان يقوم نفر
من العرب والمسلمين بتفجير انفسهم في نيويورك لا يعني موافقة العرب
والمسلمين على ذلك وادانتهم كجنس بشري ما يقوم به سيلك هو في نتيجته
مواز لتلك التفجيرات التي قام بها ذلك النفر.
نريد القول: ان وراء اكمة سيلك ما وراءها فبالامس القريب قال الجنرال
بويكين مساعد وزير الدفاع الاميركي لشؤون المخابرات بان الحرب ضد
الارهاب تشبه نضال المسيحية ضد الاسلام ومن قبله صرح بعض القساوسة
الاميركيين بتصريحات معادية للاسلام والعرب والمسلمين مما يؤكد ان
الاوساط الاسرائيلية والصهيونية والصهيو مسيحية المؤيدة لها تمتلك
برامج معدة مسبقا لتشويه صورة العرب والمسلمين في العالم وايجاد
نمطية (متوحشة ولا انسانية وبعيدة عن القيم الحضارية) للعربي والمسلم
في الذهنية الغربية لقد تعرضت هيئة الاذاعة البريطانية وتليفزيونها
لاقسى حملة من تلك الاوساط في الصحف البريطانية وما تزال تتعرض لانها
اوقفت سيلك عن العمل مؤقتا لحين اجراء تحقيق معه بعد ان طالبت بذلك
لجنة المساواة بين الاعراق في بريطانيا بناء على طلب من الجمعيات
العربية والاسلامية في العاصمة البريطانية.
اللافت للنظر عدم تدخل سفراء البلدان العربية والاسلامية في الرد
على هذه الحادثة والحوادث الاخرى الشبيهة وكذلك مكتب جامعة الدول
العربية في لندن بالطبع لا نستصغر مهمات هؤلاء السفراء.. ولكن مجرد
مسلسل تليفزيوني بعنوان (الشتات) عرضه تليفزيون المنار في رمضان
الماضي ومن قبل مسلسل بعنوان (فارس بلا جواد) تم عرضه من قبل بعض
التليفزيونات العربية اثارا حفيظة وزارة الخارجية الاميركية وجعلت
الناطق باسمها ريتشارد باوتشر يقدم مذكرات احتجاج لدى حكومات مصر
وسوريا ولبنان على عرض المسلسلين بدعوى اتهامهما (بالعداء للسامية)
اعتمادا على بروتوكولات حكماء صهيون رغم انهما لم يتطرقا لشتم اليهود
كيهود لا من قريب او من بعيد!
وفي استوكهولم قام السفير الاسرائيلي زيفي مازيل بتحطيم صورة الاستشهادية
الفلسطينية هنادي جرادات من متحف الآثار الوطني بمناسبة اسبوع ثقافي
ينظمه كما كاد يتسبب في تعريض من حضروا الافتتاح من الضيوف لخطر
الموت بعد ان رمى بمصباح كهربائي في بركة للماء! مجرد صورة استفزت
(جناب) السفير!
الحملة الاعلامية التي يتعرض لها العرب والمسلمون في الغرب بحاجة
الى حملة اعلامية مضادة من الدول العربية والدول الاسلامية فالتحريض
القائم في الغرب على العرب والمسلمين ليس مصادفة وانما هو خطة منظمة
وممنهجة.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى
إلـى كـوفـي أنـان مع الاحترام
يثير دور الأمم المتحدة في العراق الكثير
من الشجون والهواجس. وقد كان انسحابها الفوري والسريع من العراق
إثر التفجير الذي استهدف مكاتبها ببغداد قد شكل خيبة أمل كبيرة بالنسبة
للمواطنين العراقيين الذين كانوا يأملون بدور أكثر فاعلية للمنظمة
الدولية في وقت الأزمات. ويتبادر إلى الذهن الآن سؤال واحد مهم للغاية،
هو: إذا كانت الأمم المتحدة تلوذ بـ (الفرار) بمجرد حدوث تفجير في
بلد مضطرب تتلاطمه الفوضى، إذاً، ما هو دورها المطلوب ومتى يكون
؟ هل يتوقع ( كوفي أنان أن يكون دور الأمم المتحدة محصوراً في الدول
المستقرة حيث تتناغم الفنادق الفاخرة والمشاهد الطبيعية الجميلة
مع ما يجنيه موظفوها من مرتبات عالية تقع خارج حدود جميع الأزمات
الاقتصادية العالمية وبمعزل عن التضخمات والاختناقات المالية ؟ إن
عملية الانسحاب من العراق بهذه السرعة الملفتة للنظر تدعو للاستغراب
وللتندر، حيث يتوجب على هذه المنظمة الدولية أن تصر على العمل في
مثل هذا البلد الصعب والمنكوب كجزء من وظائفها وواجباتها في حل المشاكل
العالمية والأزمات الصعبة، إلاّ إذا كان هذا الانسحاب مخططا له سراً
بالتنسيق مع قوات الاحتلال.
وعلى الرغم من حقيقة أن الأمم المتحدة تمثل إرادات حكومات العالم
مجتمعة، فأن قيادتها وإداراتها في العراق قد قدمت أداءً بائساً ومثيراً
للريبة ، ليس الآن فقط، وإنما عبر السنوات الماضية كذلك، منذ أن
وقع هذا البلد تحت الحصار وتحت مجهر فرق التفتيش والتحقق وسواها
من الهيئات الدولية المبتكرة التي كانت تنصاع بتعامٍ مذهل لإرادات
الحكومات التي أطلقت الهجوم ضد العراق فيما بعد والتي انتهت إلى
احتلاله بتناغم بالغ مع النظام (القومي التحرري) الذي كان يحكم العراق
ويخطط لتحرير فلسطين ! والحق، فان دور الأمم المتحدة في تمهيد الطريق
لقوات الاحتلال يثير العديد من الأسئلة: فمن ناحية أولى لعبت تصرفات
فرق التفتيش دوراً (رائداً) على هذا المضمار في سبيل إطلاق خيول
الاحتلال نحو العراق، ومن ناحية ثانية، حاول الأمين العام وكبار
مستشاريه ومساعديه الإيحاء (وعلى نحو متواصل ودؤوب) بأن الأمم المتحدة
لم تكن مع فكرة العمل العسكري بدليل أنها لم تقدم للإدارة الأميركية
تفويضاً أو تخويلاً صريحاً بمثل هذا العمل. ولكنها من ناحية أخرى
كانت عملياً (عبر فرق التفتيش والمسرحيات الإبداعية التي اضطلع بأدائها
رجال متخصصون من أمثال هانز بليكس ومحمد البرادعي وسكوت ريتر) تقدم
كل التبريرات والذرائع لاحتلال العراق من خلال ما جرى وما اصطنعه
خبراؤها من شد وجذب، وخروج ودخول وسواها من المسرحيات المتقنة الإخراج
التي آلت في نهاية المطاف إلى ما جرى من احتلال لدولة كبيرة نسبياً
كانت من الدول المؤسسة لهيئة الأمم المتحدة منذ يومها الأول.
وإذ أن المرء لا يرمي إلى اتهام المنظمة الدولية بالانحياز والذيلية
لسياسات الدول المهيمنة عليها وعلى مجلس الأمن (احتراماً لإرادات
حكومات دول العالم المؤتلفة تحت اللافتة الأممية)، فان علينا أن
نلاحظ (سياسات) الأمم المتحدة في العراق عبر الفترة المنصرمة التي
سبقت سقوط النظام السابق. لقد حدث تغير مثير للاهتمام بعد حرب الخليج
الثانية في هذه السياسات: فبعد أن كانت الأمم المتحدة في العراق
تتمثل في مجرد منزل صغير مستأجر يطل على نهر دجلة، تحولت هذه الهيئة
العالمية حال بداية الحصار إلى شيء أقرب ما يكون إلى (حكومة ثانية)،
أشبه ما تكون بشبكة جهنمية تعمل باستقلال وتتقاسم السلطة والنفوذ
مع الحكومة العراقية التي كانت قائمة وقتذاك. وكانت قنوات (السلطة
الأممية) في الظل لا تحتاج إلى الكثير من الفطنة والذكاء لتحقيق
سطوتها، ذلك أن الحصار المحكم الذي ضُرب على العراق قد أدى إلى المجاعة
والفقر والعوز بدرجة أن الدولار الواحد صار يعادل ثلاثة آلاف دينار
عراقي (بعد أن كان الدينار الواحد يعادل أكثر من ثلاثة دولارات).
وكانت المرتبات بالدولار هي التقنية أو الآلية التي وظفتها إدارة
الأمم المتحدة في العراق لممارسة نفوذ هذه (السلطة الثانية)، إذ
أن مجرد التوظيف في مكاتب الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة (التي
أخذت تتبرعم على حين غرة في بغداد والمحافظات الأخرى بشكل سريع وغريب)
إنما يعني إحالة الموظف المحظي (حتى وأن كان سكرتيراً بسيطاً أو
حارساً ليلياً أو عامل تنظيف) إلى مليونير خلال أشهر ! وهذا ما أدى
إلى ظهور فئة من الموظفين المحليين الذين تحولوا إلى (ديناصورات)
مال وثروة بين ليلة وضحاها. وكانت المنظمة الدولية تغدق بهذه الأموال
ليس من جيبها، ولكن من جيوب العراقيين المساكين الذين كانوا يتضورون
جوعاً ويموت أولادهم في المستشفيات بلا دواء، برغم الجهود (الإعجازية)
التي كانت تبذلها الـ (يونيسيف) لإنقاذ عباد الله من صغار السن !
وبهذه الطريقة الغريبة والملتوية تم تحقيق شيء من الاتساق والتنسيق
مع الحكومة العراقية آنذاك، ذلك أن الموظفين المعينين من الكادر
المحلي في هذه المنظمة الدولية المحايدة ما كانوا ليحصلوا على هذا
(التميّز) الكبير بذكائهم أو بكفاءاتهم الفردية بقدر ما كانوا يحصلون
عليه من خلال أجهزة الحكومة (المتخصصة) كالمخابرات، كي يقدموا خدمات
مزدوجة. وهكذا صار الحصول على عمل من هذا النوع الذي يحيل الفرد
البسيط إلى (مليونير) يمر عن طريق الأجهزة (الخاصة). ولا ريب في
أن موظفي الأمم المتحدة (الدوليين) الذين يديرونها ويديرون منظماتها
المتخصصة في العراق كانوا على دراية مكتومة بهذه الحال الوطنية العراقية،
ولكنهم كانوا يغضون الطرف عنها باعتبار الخوف من شمولية النظام وبسبب
حماسهم المنقطع النظير (لإنقاذ) أطفال وشيوخ ونساء هذا البلد المبتلى.
لقد كان ( كوفي أنان وزملاؤه من كبار المسؤولين الدوليين يعلمون
بدقة بأن الحصار والمجاعة والهلاك في العراق إنما كان يؤذي الشعب
وليس النخبة الحاكمة، وإنه كان يرتهن بتقاريرهم وخلاصاتهم التي دأبت،
من الناحية العملية، بصب الزيت على النار في سبيل إطالة الحصار الذي
أزهق مئات الآلاف من الأرواح. ولكن إدارة الأمم المتحدة في بغداد
واظبت على اتفاقيات (الجنتلمان) مع الحكومة العراقية غير آبهة بمعاناة
الجمهور. والآن وقد تبين عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، إذا(،
ما الذي كان يفعله المفتشون عبر اثني عشر عاماً من التفتيشات المفاجئة
والمداهمات الاستفزازية التي طالت حتى الجوامع والكنائس ورياض الأطفال
؟ إن ما كانت تفعله الأمم المتحدة في العراق هو: التمهيد للاحتلال
بدون أن تلطخ أيديها بدماء قتلى المعارك؛ ومن ناحية أخرى، كانت هذه
الإدارة الأممية في بغداد تطيل أمد الحصار في سبيل حلب أموال العراق
المجمدة في البنوك الغربية وعبر صيغة النفط مقابل الغذاء والدواء
على نحو منظم لتحيل أموالنا المغتصبة إلى مرتبات لموظفيها وإلى تلبية
متطلبات الرفاه لعملها (الإنساني الخلاّق). لنلاحظ على سبيل المثال،
أن بعض خبراء فرق التفتيش (المشكورة على ضبابية اكتشافاتها وخلاصاتها)
كانوا يستلمون مرتبات أعلى من مرتبات رؤساء الجمهوريات في بعض دول
العالم. وهذه المرتبات التي كان يتم (امتصاصها) من دماء أطفال العراق
ونفطهم كانت تدفع لهؤلاء الخبراء إذا كانوا يعملون أو لا يعملون،
وإذا كانوا في العراق أو في البحرين أو في نيقوسيا أو في نيويورك.
إذاً، هل كان من مصلحة (الخبير) المتخصص الذي لا يحلم بمثل هذا المرتب
والذي ينتقل بين أرقى الفنادق والمطارات العالمية، هل كان من مصلحته
أن يعلن بأن العراق كان خالياً من أسلحة الدمار الشامل، أو أن يعلن
بأن (برامج) العراق التسليحية لم تكن بالمستوى الذي يهدد لندن أو
واشنطن؛ أم أن مصلحته كانت ترتهن بإطالة الحصار وإدامة فتح هذا الكنز
العراقي من الأموال على سبيل ضمان مستقبل الخبير وسد عجز المنظمة
الدولية المالي. لقد عاش آلاف الموظفين الأممين أولاً، والمحليين
ثانياً، لأكثر من عقد من الزمان كطفيليين على أموال شعب كان هو الضحية
النهائية لجميع الأطراف، الوطنية والدولية. والآن، وبعد تفجير واحد،
ينفض ( كوفي أنان ايديه من العراق خشية على سلامة موظفيه وأمنهم،
بينما هو لم يفعل ذلك قط عندما كان الأمن مصاناً وعندما كانت الحكومة
المركزية بالقوة الكافية لأن يتمتع موظف الأمم المتحدة بأرقى مواصفات
الحياة المرفهة عالمياً في العراق أو خارجه. اليوم يوجد المئات (إن
لم نقل الآلاف) من الموظفين الدوليين والمحليين الذين يتقاضون مرتباتهم
من المنظمة الدولية وهم جالسون في بيوتهم لقراءة الصحف ومتابعة المسلسلات
العربية والأجنبية. فهل هذا هو الدور المرجو من منظمة دولية في حال
كحال العراق ؟ وهل تحتاج الأمم المتحدة لدعوات عراقيين كي تضطلع
بمهماتها الطبيعية في الإعلان بأن الانتخابات (ممكنة) أم (غير ممكنة)
؟ إنه لسؤال محيّر يستحق المعاينة من قبلنا ومن قبل ( كوفي أنان
ومساعديه الذين لابد أن أصابهم شيء من ثروات العراق المغتصبة بفنية
(أممية).
أ.د. محمد الدعمي
باحث عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
الدبلوماسية الشعبية من جديد
في منتصف يناير الماضي قام الرئيس بوش بزيارة
مفاجئة الى ضريح داعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كنغ. وفي اليوم
ذاته اعلن بوش قراره المثير للجدل بتعيين قاض فيدرالي والذي واجه
معارضة شديدة من قبل دعاة حقوق الانسان الذين ابدوا تخوفهم من سجل
القاضي الطويل المناهض لقضايا الحقوق المدنية.
وبينما حاول بعض المحللين السياسيين تفسير الزيارة الى ضريح كنغ
محاولة من بوش لمغازلة الاميركيين من اصول افريقية الا ان قرار التعيين
دفع العديد من المحللين الى التشكيك بالنوايا التي ساقها البيت الابيض.
فهل كان الهدف مغازلة الاميركيين من اصول افريقية من جانب ومنح مؤيدي
بوش المحافظين امتيازات كبيرة من خلال تعيين القاضي من جانب آخر.
على أي حال لم يجن البيت الابيض من الحادثتين اي شيء فقد أسر بوش
مؤيديه لكنه لم يحصل على اصدقاء جدد.
اسوق هاتين الحادثتين مقدمة لمناقشة الجدل المتزايد في الولايات
المتحدة حول الحاجة لتحسين وضع الديمقراطية في العالم العربي.
ومن جديد سنرى امامنا القائلين بان مشكلة الولايات المتحدة في الشرق
الاوسط تكمن في فشلها في التواصل مع العالم العربي ان معظم هذه الاصوات
جدية ومخلصة في رغبتها تطوير العلاقات الا انها (أي الاصوات) عديمة
القيمة او الفائدة لانها تخطئ هدفها.
ان المشكلة بين الولايات المتحدة والعالم العربي لا تكمن في تبادل
القيم، انما تكمن في اننا فشلنا في ابراز تلك القيم في سياساتنا
الموجهة صوب العالم العربي.
قبل حوالي سنة كتبت في مقالة عنوانها (انها السياسة الغبية) انه
في استطلاعات العالم العربي وجدنا ان العرب يحبون كل ما هو اميركي
(القيم والديمقراطية والحرية والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والمنتجات
والناس) لكن ما يثير العرب كثيرا السياسة الاميركية خاصة بالنسبة
للقضية الفلسطينية.
ان النقد العربي لسياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها الولايات المتحدة
حقيقة واقعة والعرب يعيشونها يوميا ويرونها ماثلة امام اعينهم.
وكي نكون منصفين فان دعاة المبادرات الدبلوماسية الاميركية الشعبية
يدركون ذلك الا انهم يقرون بان تغير السياسة الاميركية تتجاوز حدود
تلك المبادرات قد يكون ذلك صحيحا الا ان ذلك لا يلغي اهمية التناقض.
ان الافعال دائما تلغي الاقوال.
فعلى سبيل المثال بذل الرئيس بوش مساعي حثيثة لاقناع العرب والاميركيين
بان حرب الولايات المتحدة على الارهاب ليست حربا موجهة ضد الاسلام
لكن اجراءات وزارة العدل الاميركية ضد المهاجرين المسلمين والتعليقات
القوية التي اطلقها بعض مسئولي الحكومة ورجال الدين المحافظين المقربين
من البيت الابيض قد جاءت مناقضة لاقوال الرئيس بوش.
وفي الاتجاه ذاته فان رؤية الرئيس بوش للدولة الفلسطينية لم تتجاوز
الرؤية التي ناقضتها التصرفات الاسرائيلية اليومية والتي يعتقد غالبية
العرب بانها تمت بموافقة الادارة الاميركية ان لم يكن بدعم منها
وان الالتزام الاميركي بالتحول الديمقراطي في الوطن العربي لا يبدو
جادا اذا اخذنا بنظر الاعتبار بالسياسة الاميركية في فلسطين والوضع
المتأزم في العراق.
من المؤسف ان نرى في آخر استطلاعلاتنا بان مواقف العرب من الولايات
المتحدة قد ساءت اكثر بسبب السياسة الاميركية.
ان المواقف الاميركية خلال السنتين الماضيتين في الشرق الاوسط قد
ادت الى تدن شعبية الولايات المتحدة كثيرا في العالم العربي وفي
الوقت ذاته ادى ذلك الى تدني في المشاعر ازاء كل ما هو اميركي سواء
كان قيما او حرية او منتجات.. او غيرها. وان هذه المواقف لن يصلح
حالها شبكات التليفزيون والمجلات وبرامج التبادل الجديدة (مهما كانت
مفيدة).
ان الحل الامثل المتوفر امام الرئيس بوش ان يطلب من شارون ازالة
المستعمرات الصهيونية الاستعمارية ووقف بناء الجدار واذا ما اصر
الاخير على موقفه فعلى بوش ان يطلب منه ان يبنيها داخل اراضيه ان
مثل هذا الموقف سيجعل الرئيس بوش يخسر حتما بعضا من انصاره وسيثير
جدلا داخل اسرائيل قد يحقق نتائج جيدة.
ان ما سيحققه هذا الاجراء بالتأكيد هو تحسين صورة الولايات المتحدة
بين العرب وسيفتح الباب امام العرب لتقبل المحاولات الديمقراطية
الجادة المطروحة على الساحة حاليا ان استعادة جانب من مصداقية الولايات
المتحدة سيجعل من العرب اكثر استعدادا لفهم وتقييم دور الولايات
المتحدة وستكون تلك احسن صورة للدبلوماسية الشعبية. وفي النهاية
اعتقد ان ذلك سيكون انجع الخيارات.
جيمس زغبي
رئيس المعهد العربي الاميركي
jsalan@arab-aai.org
www.aaiusa.org
أعلى
السيستاني ومستقبل العراق
الصراع الجاري بالعراق اليوم يتجه إلى بناء
أسس مستقبل العراق بعد كل ما حصل لحاضره، وتعكس طبيعته المؤشرات
الاساسية لما يجري اليوم على الارض، واضعا الخطط الاستعمارية على
المحك، كما يكشف الشعارات الكبيرة التي تتقدم بها الإدارة الأميركية
والحكومة البريطانية خاصة بشأن الديمقراطية وتطبيقاتها فعليا ونموذجها
للمنطقة وآفاق التحولات والتغييرات التي يمكن أن تحدث، مع نموذج
الاحتلال والتدمير العسكري للدول والحكومات. هذا الأمر جعل القوى
الفعلية التي تساهم او ترسم مستقبل العراق بين فكي رحى، أو في مواجهة
حقيقية أمام الاستحقاقات الواقعية والتهديدات باستمرار حكم الاحتلال
العسكري أو التعاقد معه بحكم مدني مرصع بالقواعد العسكرية، أو التقسيم
والتفتيت إذا لم يحصل أي منهما، من جانب، بينما المطلوب هو غير ذلك
بكل تفرعاته الرئيسي. كما يقدم ما يحصل بالعراق إلى المنطقة صورة
لما تعلنه تلك الإدارات وما تنفذه أو تسعى إليه، وبين المكشوف من
مخططاتها والمستور الذي تحفره في الواقع العملي من رؤى الإمبراطورية
الصهيو أميركية.
في مجرى التطورات اليومية بالعراق تتقدم أهمية صيحات آية الله العظمى
علي السيستاني كجرس إنذار وتحذير من المخططات الاستعمارية المقدمة
بقفازات من حرير، وأهمية وضع استحقاقات السيادة والديمقراطية واقعيا
وتغيير صورة العراق من الدكتاتورية البغيضة إلى ما تريده الإرادة
الوطنية العراقية. ولكن كي تمرر المخططات المبيتة، كما نقلت وسائل
الاعلام الأميركية عن المسؤولين الأميركان ومؤسسات القرار السياسي
والعسكري، يجري الحديث عن الاستجابة ولو جزئياً لمطالب السيستاني،
او التلويح بتعديلات مفروضة. ويشار إعلاميا إلى أن الإدارة الأميركية
تختار بين المطالب والتحديات وبين الاستجابة والالتفاف أو الكسر
والجبر، وقد مارست فعلا تبديل تعيين الأميركي (من الديانة اليهودية)
مشرفا على وضع مسودة الدستور العراقي، والحديث عن وضع الدستور من
قبل العراقيين، والتظاهر الإعلامي بالحفاظ على هوية العراق الحضارية
العربية الإسلامية واحترام مكوناته المعززة لوحدة شعبه وارضه. بينما
طرح الواقع العراقي على الإمام السيستاني وكل القوى السياسية الفاعلة
ضرورة متابعة التطورات الكبيرة، ومنها في ما قدمه في فتواه حول قضية
الانتخابات العامة لاختيار ممثلي الشعب وتشكيل العراق حسب إرادة
شعبه وإنهاء الاحتلال فعليا ووضع مستقبل العراق وثرواته وسيادته
بيد أبنائه المخلصين لبنائه وإعادته دولة مستقلة ديمقراطية فاعلة
في المنطقة والعالم. وفي الوقت نفسه وكعادتها أثارت قوات الاحتلال
ومستشاروها وخبراؤها مخاوف فئات اجتماعية وشرائح سياسية عراقية من
تلك الفتاوى لتعقيد الأوضاع والتعليق عليها باستحالة الظروف المحيطة
بها وصعوبتها أو تفسيرها بوجود الاحتلال نفسه، مما يؤول إلى فرض
وقائع متغيرة وحالات تؤثر على معنى تلك الصيحات التحذيرية وأثرها
التعبوي للمستقبل.
فبموجب الاتفاق الموقع في 15 نوفمبر 2003 بين الحاكم الأميركي المدني
و(مجلس الحكم العراقي المؤقت) المعين بتوقيعه، سيتألف (المجلس الوطني
الانتقالي) من أعضاء تختارهم لجنة مؤلفة من 15 شخصاً، يعين مجلس
الحكم خمسة منهم، أما الآخرون فتعينهم المجالس المحلية المعينة هي
أيضا من قبل جهات الاحتلال أو المجلس المعين. وهذا الاجراء كما يظهر
لا علاقة له بأي مفهوم ديمقراطي، فالتعيين بقرار سلطات الاحتلال،
ومن قبلها يعني رسميا تكريس الاحتلال أو تغيير جلده بالأسماء فقط،
وفرض إرادته ومشروعه ومصالحه على حساب مصالح الشعب الوطنية، وتغييب
ابسط مفاهيم الديمقراطية في احترام الإرادة الشعبية الوطنية، عبر
الانتخابات المباشرة، وتغيير النموذج الدكتاتوري السائد أو المعروف
سابقا. ومن جهة أخرى كشف الاتفاق وبنوده مأزق سلطات الاحتلال بعد
كل تلك الفترة من إدارتها وتمكنها من اعتقال رئيس النظام الدكتاتوري
السابق ومساهمة قوات أجنبية جديدة من دول أخرى إضافية معها، في فشلها
في حفظ الأمن العام واستعادة الخدمات الأساسية إلى وضعها الطبيعي
وتوفير الاستقرار والعمل والسلم الاجتماعي وضماناتها المتفق عليها
حسب القرارات الدولية والاتفاقيات المعروفة في ظل الاحتلال العسكري.
بينما طالب السيستاني في هذا الشأن خصوصا بالانتخابات العامة لتحويل
السلطة حقا للشعب العراقي وإنهاء الاحتلال عمليا، وانتخاب عام لمجلس
وطني عراقي وحكومة وطنية، الأمر الذي وضع مخططات الاحتلال أمام مأزق
كبير وورطة امتداد المقاومة الوطنية المسلحة والسلمية، وانتشار التظاهرات
الجماهيرية، والخوف من تصادم مع أكثرية منظمة وموجهة، تلعب تحذيرات
السيستاني دورا فيها.
ويبدو أن اللجوء إلى الأمم المتحدة لتلعب دورا ما في رسم مستقبل
العراق بعد تجاوزها وخرق ميثاقها وانتهاك مبادئ عملها واتفاقياتها
الدولية ورقة أخرى للخروج بحل ما يخفف على الإدارة الأميركية العسكرية
والمدنية صعوباتها المتراكمة والواسعة، ويبعد ولو مؤقتا شبح التصادم
المباشر مع الإرادة الشعبية الوطنية العراقية، كما نبهت صحيفة (الفاينانشال
تايمز) في تقريرين لها عن العراق يوم 20/1/ 2004 مشيرة إلى أهمية
دور للأمم المتحدة وقرار امينها العام بإرسال وفد لتقصي الحقائق،
ومركزة على ما كانت تعتبره الولايات المتحدة أعظم إنجازات سياستها
في عراق ما بعد الحرب، وإذا خسرته أو تطور الأمر إلى صراع مفتوح
بين الجانبين، فسيكون لهذا تأثير مدمر على السياسة الأميركية في
العراق. إلا أن الأمم المتحدة وما حصل لها من تهميش أثناء الحرب
وتدمير لمكاتبها ببغداد وضعها رهينة قرارات الإدارة الأميركية بواشنطن
وقد يواصلها بأزمة سياسة الاحتلال وخسارة أخرى لموقعها الدولي بالعراق.
وبالرغم مما تحاوله وسائل الاعلام والمخططات الغربية والأميركية
من تشويه أوضاع وتكوينات المجتمع العراقي والضرب على أوتار معينة
لتعقيد صورة العراق بعد الاحتلال والرهان على تعميق حدة التناقضات
والاختلافات وحساسيتها في الواقع العملي وتأثيراتها اللاحقة على
طبيعة ما يرسم للعراق، إلا أن الواقع الجديد يضع الاحتلال أساسا،
والاستراتيجية الأميركية أمام اختبار قوة وصلابة مطالب آية الله
العظمى علي السيستاني وفتاويه المتصاعدة مع استمرار قسوة الاحتلال
وتطور عمق ورطته في وضع العراق الذي أريد له أن يكون نموذجا للسياسة
الإمبراطورية الجديدة، وما تعنيه تلك الفتاوى لمستقبل العراق.
المؤشرات التي صاحبت صدور الفتاوى من إعلان ممانعة ورفض لأطراف لا
مصلحة لها باستمرار الاحتلال تعكس قدرته على اللعب على المناورات
القديمة في سياسة الاستعمار المشهورة، (فرق تسد)، وهي القضية التي
قد تجد لها متطوعين مدفوعين أو متنافسين مع المعنيين بها أو المكلفين
بها أساسا. وفي كل الأحوال ان مستقبل العراق أمانة بيد قوى الشعب
العراقي الحية والفاعلة والتي تريد أن يحفظ التاريخ والشعب لها مكانا
مرموقا، مثلما حصل لأبطال ثورة العشرين واستقلال العراق في الصفحات
المشرفة في التاريخ العراقي المعاصر.
كاظم الموسوي
كاتب صحفي ـ لندن
k_almousawi@hotmail.com
أعلى