فتاوى
وأحكام
س : ما قولكم في ركعتي الطواف هل يصح أداؤهما
بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وبعد صلاة العصر قبل غروب الشمس أفتنا
ولك الأجر .
ج : نعم إن طاف في هذين الوقتين لأنها صلاة ذات سبب ولا مانع من
الصلاة ذات السبب في هذين الوقتين والله أعلم .
س : هل الأفضل على المقيم بمكة إلى يوم التروية أن يصلي جمعاً أم
قصراً وهل الحاج ملزم بالصلاة في المسجد الحرام من حيث الفضل ولو
كان مقامه بعيداً من الحرم ؟
ج : ليست صلاة الحاج واجبة أن تكون في المسجد الحرام ولكن في ذلك
مضاعفة الثواب والله أعلم .
س : هل يجوز الاستحمام أو تبديل ملابس الإحرام بعد النية للذهاب
إلى منى وعرفة وقبل النحر ؟
ج : نعم ذلك جائز مع اجتناب ممنوعات الإحرام والله أعلم .
س : متى يخرج الحاج من مكة إلى منى ، صباح يوم ثامن أم بعد الزوال
من ذلك اليوم ؟ افتنا ولك الأجر .
ج : يصح لمن أحرم بالحج أن يخرج إلى منى في يوم التروية صباحاً أو
بعد الزوال لا حرج عليه في ذلك كله وإنما يسن له أن يصلي جميع الصلوات
الخمس بمنى.
س : ما المقصود بعد الخروج من عرفة قبل غروب الشمس ، هل المقصود
عدم الخروج من عرفة أم عدم مغادرة المكان الذي أقام فيه الحاج حال
وقوفه؟
ج : تمنع الإفاضة قبل غروب الشمس من عرفات وشدد علماؤنا في الانتقال
من مكانه إلى غيره للإضافة قبل الغروب وجعلوه من الإفاضة والله أعلم
.
س : متى يغادر الحاج مزدلفة ؟ وهل من رخصة في المغادرة قبل الفجر
والرمي ليلاً سواء لذوي الأعذار أو لغيرهم ؟
ج : يغادر المزدلفة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس ويباح للنساء
والضعفاء الإفاضة من المزدلفة بعد غروب القمر وفي رميهم قبل طلوع
الشمس جمرة العقبة خلاف والأولى أن لا يرموا إلا بعد الطلوع والله
أعلم .
س : عند دفع الناس من عرفة إلى مزدلفة بعض الناس لا يبيتون بالمزدلفة
وإنما يبيتون بمنى ويصلون بها الفجر فهل ذلك جائز ؟ وماذا على من
يفعل ذلك ؟
ج : إن كانوا ضعفاء أو مصطحبين لنساء فلا مانع من إفاضتهم من المزدلفة
إلى منى بعد غروب القمر كما جاء في حديث أسماء وغيره والله أعلم
.
س : ما قولكم في العُمانيين الذين لم يقفوا في مخيمهم بعرفة في اليوم
التاسع ووقفوا في مكان آخر من عرفات وذلك لكثرة الزحام ؟
ج : قال النبي صلى الله عليه وسلم (وقفتُ ها هنا وعرفه كلها موقف)
فمن وقف في أي مكان من عرفات فقد أدى ما عليه من الوقوف والله يتقبل
منه ولا يختص بجزء من أرض عرفات دون آخر والله أعلم .
س : متى يمكن للحاج أن يغادر المزدلفة ؟ وماذا عليه أن يفعل هناك
قبل أن يغادر ؟
ج : يغادر المزدلفة بعد صلاة الفجر ويؤمر هناك بجمع المغرب والعشاء
تأخيراً وأن يصلي هناك الفجر ويذكر الله عند المشعر الحرام والله
أعلم .
س : في رجل أصابته نجاسة في مبيته بالمزدلفة ولم يدرك الماء ليغتسل
هل يصح له التيمم لصلاته ودعائه حول المشعر الحرام ؟
ج : من أصابته النجاسة ولم يجد الماء فعليه أن يزيلها بما تمكن به
إزالتها والتيمم بعد ذلك لصلاته ولا يمنع في هذه الحالة من ذكر الله
بالمشعر الحرام أو بأي مكان آخر فإن الذكر لا تشترط له الطهارة التامة
بل لو كان المسلم جنباً فإنه يباح له الذكر والله أعلم .
س : ماذا يفعل المريض إن لم يتمكن من الوقوف بعرفه ؟
ج : الحج عرفه فمن لم يتمكن من الوقوف بعرفة يوم عرفة ولا ليلة النحر
فعليه أن يعيد حجه أما إذا تمكن من الوقوف فوقف عشية يوم عرفة بعد
الزوال وفي الليل قبل الفجر ولو بمقدار ما يأتي بالباقيات الصالحات
فقد تم حجه مع الإتيان بسائر المناسك والله أعلم .
س : رجل حاج غادر مزدلفة ليلاً قاصداً منى هل هو مخالف للسنة أم
لا وإذا كان مخالف للسنة ماذا يجب عليه ؟
ج : نعم خالف السنة وعليه دم إلا إن كانت عنده ظعينة وأفاض بعد غروب
القمر لحديث أسماء رضي الله عنها عندما أفاضت بعد غروب القمر (أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح للظعن) والله أعلم .
س : ما قولكم فيمن نزل من عرفات قبل غروب الشمس ؟ .
ج : من أفاض من عرفات قبل غروب الشمس قيل فسد حجه إلا إن رجع إلى
عرفات ووقف بها قبل غروب الشمس ولو بمقدار ما يأتي بالباقيات الصالحات
وقيل بعدم فساد حجه ولكن عليه دم والله أعلم .
س : بما أن الوقوف بعرفه هو الركن العظيم من أركان الحج وفيه قال
الرسول صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) فهل للحاج الإفاضة من عرفات
قبل غروب الشمس بقليل ليتخلص الحاج من شدة الزحام وهل يوجد استثناء
للضعفاء ؟
ج : لا تجوز الإفاضة ولا الشروع فيها حتى تغرب الشمس والله أعلم
.
س : عند الدفع من عرفة بعض الحجاج يقدمون النساء فهل ذلك جائز؟
ج : الرجال والنساء في الإفاضة من عرفات سواء والله أعلم
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيح احمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
ألفاظ القرآن ومعانيه من أسرار الإعجاز البياني
ـ ترتيب حروف القرآن وتناسق كلماته من أسرار إعجازه البياني
ـ الوحي إلى النبيين بطريقة خفية لا يشعر من حولهم بما أوحي إليهم
ـ على دارسي العلوم التطبيقية جعل القرآن محور دراستهم
لعلك إذا قلبت النظر بين ألفاظ القرآن ومعانيه تجد إعجازه يشع عليك
منهما معا، فتترتب حروفه بمالها من صفات وإيحاءات وتناسق كلماته
بما لها من شعاع يتألق من رصفها وترتيبها وتساوق المعاني التي تسابق
إلى النفس وقع ألفاظها في السمع كل ذلك من أسرار الإعجاز البياني
في القرآن فقد قدر في ترتيب حروفه مخارجها ونبراتها وصفاتها وما
يوحي به كل حرف من أثر في النفس كما قدر في ترتيب الكلمات التناسق
العجيب بحيث تكون كل كلمة منها لقف أختها فلا تجد ما بينها ما ينبو
عنه السمع أو ينفر منه الطبع، وما أجمل وصف الأستاذ الرافعي لحروف
القرآن إذ وصف كل حرف منها بأنه يمسك الكلمة ليمسك بها الجملة، وما
أروع المثل الذي ضربه للقرآن حيث جعل مثله مثل نظام الكون في ترتيبه
الدقيق وتناسقه العجيب بكل ما فيه من الذرة إلى المجرة، وإذا كان
الأستاذ الرافعي يراعي في هذا المثل الشبه بين نظام القرآن ونظام
الكون في تناسقهما فإن هناك وجها آخر للشبه بينهما وهو ما يستجلي
بين حين وآخر من أسرار آيات الله الكونية وآياته القرآنية سواء ما
يتعلق ببيان القرآن المعجز أو معانيه الباهرة ولنعد إلى ذكر بعض
الأمثلة لما ذكرنا....
من مميزات التعبير القرآني:
يقول تعالى مصورا عاقبة نوح وما أصابهم من الغرق (وَقِيلَ يَا أَرْضُ
ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ
الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ) (هود/44) إن كل من أوتي نصيبا من الذوق والحس يشعر
بتلاوة هذه الآية إن تلاها أو تليت عليه بهاجس نفسي يستوقفه عند
كل كلمة بل عند كل حرف منها وما ذلك إلا لما فيها من دقة الترتيب
وجمال التنسيق بين الحروف وبين الكلمات وما يصحب ذلك من ترتب المعاني
وتساوقها فكان كل حرف منها لـه إشعاعة الخاص ويبدأ تجلي ما فيها
من جمال وجلال بتصدير الآية بالقول مبنيا للمجهول : (وقيل) وما ولي
ذلك من نداء الأرض باسمها الصريح بنا من أحرف النداء دون غيرها وأمرها
بأن تبلع الماء وإضافة الماء إليها وإتباع نداء الأرض بنداء السماء
بنفس الأداة وأمرها بالإقلاع وإظهار النتيجة وهي غيض الماء وقضاء
الأمر بصياغة فعل مبني للمجهول من كل منهما واستواء السفينة على
الجودي وإعلان النهاية وهي بعد القوم الظالمين، ولو أن حرفا من هذه
الحروف انتزع من مكانه لم يسد غيره مسده وبهذا يظهر أن البلاغة كما
تكون في الجمل تكون في المفردات أيضا مع الترتيب وإن كانت الكلمات
المفردة لا يتجلى جمالها ولا يسطع ضياؤها إلا إذا قرنت بما يناسبها
بحيث تكون كل واحدة منها آخذة بحجزة أختها بحسب ترتب المعاني في
النفس، وإن شئت فانظر في قوله تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)
(التكوير/18) تجد من الروعة والجمال باجتماع كلمتي الصبح والتنفس
ما لا تجده لو جيء بأي كلمة لتوضع مكان إحدى الكلمتين بهذا التأثر
فإن كلمة الفجر إذا تنفس لم تخالط نفسك هذه الروعة ولم تحس بهذا
التأثر فإن كلمة الفجر وإن كانت رديفة لكلمة الصبح فهي تختلف معها
في الاشتقاق لأنها مشتقة من الانفجار وهذا يعني أن الفجر أول سطوع
ينشق عنه ظلام الليل والصبح مأخوذ من الإصباح وهو سريان الضوء لتمزق
رداء الظلام الذي يجلل الفضاء ولذلك كانت كلمة الصبح هنا أليق وأنسب
من كلمة الفجر لاقترانها بذكر التنفس والتنفس دليل الحياة لأنه عبارة
عن جذب الأنفاس إلى داخل الجسم وإخراجها منه وبدخول الأنفاس في الجسم
تعطي الجسم مادة الحياة وخروجها استمرار للحياة وهذا لا يناسب ذكر
الفجر كما يناسب ذكر الصبح لما تصوره جملة (والصبح إذا تنفس) من
ذلك المشهد الذي ينساب فيه ضوء الصباح في الفضاء فيطوي رداء الظلام
وتسري الحياة في عالم الأرض فتغني الطيور وتحيا الحركة إذ ترى الناس
بين آت وذاهب يغدون إلى أعمالهم والحيوانات تنطلق من مرابضها ساعية
وراء رزق الله، والأشجار تستقبل أزهارها وأوراقها هذا الضياء استقبال
العاشق لمعشوقه، ومثل ذلك قل في تناسب جميع الكلمات وتآخيها انظر
إلى قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا
مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ
نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورٍُ)
(الشورى/52، 53) تجد هاتين الآيتين مسبوقتين بذكر الوحي وكيفيته
في قوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء
حجاب....الآية) وهنا وجه الخطاب بأسلوب الالتفات إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم في قوله (وكذلك أوحينا إليك) يعني أنه سبحانه أوحى
إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم بنفس الطريقة التي كان يوحي بها
إلى النبيين من قبل ولم يقل عز من قائل وكذلك أرسلنا بدلا من أوحينا
لما في الإيحاء من معنى لطيف فهو يدل على الخفاء الذي لا يدل عليه
الإرسال.
والوحي إلى النبيين يكون بطريقة خفية بحيث لا يشعر من حولهم بما
أوحي إليهم به وبين سبحانه أن الموحى به روح من أمره والروح أنسب
بالوحي لما في الروح من اللطف والخفاء ويظهر أن الأرجح تفسير الروح
هنا بالقرآن لا جبريل فإن الموحى به هو القرآن وحمله على جبريل-
كما يقول كثير من المفسرين- لا يتأتى إلا إذا فسر أوحينا بأرسلنا
وبين- سبحانه- في الآية أن الروح الموحى به من أمره فلا دخل لأهواء
الناس ونزعاتهم فيما أوحي به ولا تأثير لشيء عليه وفي التعبير بالروح
أيضا ما يشعر بأن الموحى به سبب للحياة، كما أن الروح التي تنفخ
في الجسم سبب لحياته، وإنما حياة الناس بالروح الموحى به حياة معنوية
فهي حياة العقول والأفكار وحياة المشاعر والأحاسيس ثم أتبع ذلك قوله
(ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) لإظهار المنة على النبي صلى
الله عليه وسلم الذي أكرمه الله بالوحي وهداه به ولم يكن يقرأ قبله
من كتاب ولا يعرف تفاصيل الإيمان وإن وقر مجمل الإيمان في قلبه،
إذ لم تؤثر حياة الجاهلية على عقله ولا سلوكه ثم تلا ذلك قوله (نهدي
به من نشاء من عبادنا) لبيان أثر القرآن فهو نور من الله يشرق على
العقول فيهديها ويطوي من النفس ظلمات الطبع ثم بين - تعالى - تشريفه
لرسوله صلى الله عليه وسلم بجعله هاديا إلى صراط مستقيم يهدي ببيان
ما أنزل إليه من الكتاب يفصل مجملاته ويوضح مبهماته وينشر طواياه
فانظر إلى هذا التناسق بين الكلمات والتساوق في المعاني وما تجده
من لذة وقع الكلمات في سمعك وأثر معانيها في نفسك، وتجد التآلف بين
الحروف كالتآلف بين الكلمات وخذ مثلا قوله تعالى عن أخوة يوسف (قَالُوا
تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ
تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ) (يوسف/85) تجد تصدير المحكى عنهم بالقسم
ولم يكن القسم بالباء أو الواو وإنما كان بالتاء وهي مقرونة بما
يضاهيها من الحروف والكلمات في الشدة والندره، منها كلمة (تفتأ)
التي تكررت فيها التاء وتلتها الهمزة وهي من الحروف الشديدة أيضا،
وجردت تفتأ من لا النافية لتخلص الشدة في التركيب ثم جاءت كلمة (تذكر
يوسف) وتذكر فيها حرفان من حروف الشدة وهي التاء والكاف، ثم جاءت
جملة (حتى تكون حرضا) في هذا الموضع لتتم ندرة التعبير فإنها مع
ثقلها نادرة الوقوع، وهذا التعبير القرآني يعكس الحالة النفسية التي
كان عليها المحكى عنهم فإنهم كانوا يشعرون كلما طرق ذكر يوسف مسامعهم
أو خطر على قلوبهم ببشاعة جريمتهم فتتصور لهم في سويداء قلوبهم وتتمثل
لهم أمام سواد أعينهم وتجرد لهم ضمائرهم سياطا من الملامة تلذعهم
بوقعها في نفوسهم، فقد جنوا على أبيهم الشيخ الكبير الحاني وعلى
أخيهم الناشئ الصغير الضعيف وهم يرغبون في التخلص من الإحراج الذي
يواجهونه كلما دار اسم يوسف على لسان لا سيما لسان أبيهم الذي لا
ينفك عن ذكره ولا تبارح نفسه ذكراه.
فلا غرو إذ جئ بمثل هذه الكلمات الشديدة النادرة في الحكاية عنهم،
وقل مثل ذلك فيما حكي عنهم من قولهم (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ
مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) (يوسف/73)
فإن الحكاية قسمهم بالتاء تعكس انفعالهم وكذلك ما ذكر عن إبراهيم
عليه السلام من قوله (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ
أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (الأنبياء/57) فإن المقام مقام غضب
وانفعال من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بسبب تعنت قومه في
الكفر وإصرارهم عليه واتخاذهم الأنداد لله سبحانه.
سر ميزة التعبير القرآني
وقد يتساءل بعض الناس كيف تكون هذه الميزة للتعبير القرآني؟ وكيف
يعجز العرب عن الإتيان بمثله؟ مع أنه لم يأت بجديد من الحروف والكلمات
فحروفه هي حروفهم التي ألفوها وكلماته هي كلماتهم التي عرفوها وأرى
أن ترك الإجابة هنا للباحث الكبير الدكتور محمد دراز الذي أجاب عن
مثله في كتاب (النبأ العظيم) بأن صنعة البيان كصنعة البنيان، فالمهندس
الماهر لا يأتي بمادة جديدة في البنيان ولكن يظهر تفوقه بحسن التصميم
وباختيار النوع الجيد من مادة البناء وترتيبه للغرف والأبهاء حتى
تتسع المساحة الصغيرة من الأرض لكثير من الحجر التي لم تكن لتتسع
لها لولا حسن الترتيب وحتى يتخللها الضوء والهواء إلى غير ذلك من
نحو خفة السقف ومتانة الأسس، فكذلك يكون التفاوت في صنعة البنيان
في جودة المعاني وترتيب الكلمات وإلا فالحروف هي الحروف والكلمات
هي الكلمات، وأريد أن أضيف إلى ما يقوله العلامة دراز شيئا آخر وهو
أن التفاوت بين صنعة- تفاوت لا تمكن معه المقارنة فالناس يصنعون
من مادة التراب أنواع الأوعية الخزفية والآجر وسائر المصنوعات المألوفة
وهي كلها من أنواع الجمادات الميتة والله تعالى صنع من التراب نفسه
الإنسان وجميع عناصر التراب موجودة في جسمه وقد نفخ الله فيه من
روحه فسرت الحياة إلى كل خلية من خلاياه وجعل فيه من الغرائز والطبائع
والأحاسيس والأفكار ما يؤهله لأن يكون خليفة في الأرض، وجعل فيه
من عجائب التكوين ما يبهر الباحثين فجسمه يشتمل على ملايين الملايين
من الخلايا ولكل خلية وظيفتها ولكل خلية مطالبها التي هيأها الله
تعالى لها، وهكذا مثل الفارق بين كلام الله وكلام الناس فالحروف
هي الحروف والكلمات هي الكلمات ولكن لكلام الله روح تميزه ليست في
كلام الناس، وبسبب هذه الروح كان هذا القرآن يسري في نفس أي إنسان
سريان الروح في الجسم والضوء في الفضاء والماء في الشجر.
ويتميز القرآن عن كل كلام بأنك لا ترى فيه أثرا للسأم ولا تجد فيه
ما يشير إلى الملل ولذلك لا تستطيع أن تفاصل بين عبارة وأخرى منه
فهو كنهر من النور كل حرف منه لمعة نورانية ساطعة بينما كلام الخلق
تظهر فيه بـأحدهم جواد البيان فترى في كلامه الإسفاف الذي لا يقارن
ببليغ كلامه فهذا امرؤ القيس من نوابغ شعراء الجاهلية تجد له كبوات
في شعره ومثله المتنبي من كبار شعراء المولدين وقل مثل ذلك في جميع
الشعراء والخطباء والكتاب بدون استثناء.
عجز العرب عن الطعن في القرآن أو معارضته
وقد ترصد العرب للقرآن وأمعنوا النظر في حروفه حرفا حرفا علهم يجدون
ما يأملون من مطعن، ولكن وجدوا كل جملة تبهرهم بتركيب كلماتها وتناسق
حروفها وتآخي معانيها وجمال تصويرها وسعة مدلولها بحيث لا تبقى خاطرة
تخطر بالنفس إلا وقد استوفتها في الدلالة، والناس مهما أوتوا من
ملكة البيان فبيانهم لا يفي بما في نفوسهم من التصورات فقد تتناسق
في نفس أحدهم المعاني الكثيرة فإذا جاء يعبر عنها أخفق في التعبير
وجاء بيانه دون ما يرمي إليه وهذا لأن فنية التصوير تكون دائما وأبدا
أقل من عمق التصور وهذا أمر مشترك بين جميع البلغاء لا فرق فيه بين
العرب وغيرهم، وقد قسم أحد الكاتبين الكلام إلى ثلاثة أقسام (صوت
النفس وصوت العقل وصوت الحس).
فصوت النفس هو الكلمة التي تخرج حاملة معها نبرات حروفها مع ما توحيه
تلك الحروف باختلاف مخارجها وتعدد صفاتها من إيحاءات خاصة فهذه الكلمة
هي خطوة من خطوات المعاني تتقدم بها إلى النفس.
وصوت العقل هو ما يشد الإنسان ويثير انتباهه من معان تؤدي بالعبارات
البليغة التي تصل إلى موضع الإقناع من العقل والوجدان من القلب.
وصوت الحس هو أعمق أثر وأقوى تأثيرا من ذلك كله وهو أن يستولي الكلام
على حس الإنسان استيلاء يجعل النفس تشعر أنها منساقة إلى هذا التعبير
انسياقا لا تملك دفعه وتنجذب إليه انجذابا لا تستطيع تصوره ولا تصور
أسبابه، ذلك لما في الكلام من روح غيبية فوق مدارك الأفهام وهذا
الصوت إن وجد في كلام الناس فهو نادر الوقوع ولا يكون إلا في كلمات
معدودة أما أن يكون في جميع الكلام أوله وآخره فهو لم يعهد إلا في
القرآن وحده، فكل حرف من حروفه تسري فيه هذه الروح الغيبية فتجعله
نابضا بحياة لا توجد فيه لو أزيل من موضعه ووضع في أي موضع من كلام
بلغاء البشر، وبهذه الروح التي يتميز بها القرآن ملأ قلوب العرب
سر إعجازه فكان هذا الإعجاز راسخا في قرارة كل نفس من نفوسهم وإن
أنكروه بأطراف ألسنتهم وكان هذا الإحساس لا ينفك عنهم فلو حاولوا
أن يأتوا بأي كلام آخر ليعارضوه به لشعروا بذلك الإحساس يسد عليهم
مسالك التعبير ولو استطاعوا ترتيب المعاني الذهنية في نفوسهم بعمق
تصورهم وسعة خيالهم لخانتهم ألسنتهم وتعثرت في نهج البيان وإذ عجز
العرب- الذين كان البيان سجية من سجاياهم - عن معارضته فمن بعدهم
من المولدين أوغل في العجز وإن تعمقوا في دراسة سر البيان واستجلوا
لطائف التعبير إذ ليس التطبع كالطبع (ليس التكحل في العينين كالكحل).
ولو حاول ذلك لبدا لهم عجزهم من حيث يتخيلون قدرتهم فلو اشتغلوا
بالحروف ينظمونها مع رعاية مخارجها ونبراتها وإيحاءاتها لفاتتهم
المعاني وجاءوا بكلام لا يجدون له معنى، ولو اشتغلوا بالمعاني وتحرروا
من التقيد بأسلوب القرآن لوجدوا الطباع نافرة عن تقبل ما يقولون
مع العلم أن الكلام البليغ لا يوجد في فقرات قصيرة إلا في بعض الأمثلة
التي تضرب وتأثير هذه الأمثلة في النفس موقوف على شرحها وبيان المناسبات
التي قيلت فيها وأين ذلك كله من كلام الله الذي تجد الفقرة منه تغوص
في أعماق النفس فتمتلك لبها بمجرد وصول حروفها إلى السمع.
ولم أكن أظن أحدا من الناس وإن غلظ طبعه لا يحس بالفارق بين القرآن
وغيره إذا تليت آية منه في وسط أي كلام مهما بلغ من شأو في حسن التركيب
وجزالة المعنى وقد سمعت أن امرأة أوروبية لا تتفقه العربية أصغت
إلى خطيب عربي كانت تتخلل خطبته آيات من القرآن فأخبرت الخطيب أنها
شعرت بكلام من غير جنس كلامه يتخلل عباراته فأخبرها أن ذلك هو القرآن،
وما أعجب إلا من حال الذين حرموا من هذا الذوق فلا يحسون بالفرق
بين القرآن وغيره مع معرفتهم باللسان العربي وانطلاق ألسنتهم به.
من دلائل الإعجاز في التعبير القرآني
سومن دلائل الإعجاز في عبارة القرآن تميزه عن غيره من الكلام البليغ
بكثرة الاحتمالات فإن كلام البشر كلما كان أبلغ كان أدل على المطلوب
وأبعد عن الاحتمالات ولكن القرآن بما أنه صوت الغيب الموجه إلى مسامع
الدهر يعي كل زمن من أزمنة الدهر من معانيه بقدر ما يكون فيه من
مقاييس الفكر وتطورات العلم ومن ثم تجد الإنسان في كل عصر يشعر إذا
تلا القرآن أن حقائقه تتجلى أكثر ما تتجلى في العصر الذي هو فيه
فتجد الأعرابي البدائي الذي ما كان يتخيل المراصد الجوية ولا درس
شيئا من الهيئة الكونية إذ تلا قول الله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ
نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُون وَالشَّمْسُ
تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يسن/37، 39)
يتصور منه المعاني التي تنطبق على فكره ، ويتسع لها أفقه العلمي
، كما تجد عالم الفلك الذي يستعين بالآلات المستحدثة المتنوعة على
مهمته العلمية يتصور أن هذه الآيات ما جاءت إلا لتخاطب عقله وعقول
نظرائه من العلماء الباحثين ومثل هذه الآيات قول الله تعالى (تبارك
الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وَهُوَ الَّذِي
جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان/62) وقوله تعالى (يُغْشِي اللَّيْلَ
النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) (الأعراف/54) وقوله (يُكَوِّرُ
اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ)
(الزمر/5) بل تجد صاحب كل تخصص علمي في كل عصر يستخرج من القرآن
الحقائق العلمية بحسب ما أوتي من فهم وما وصل إليه من اكتشاف ولا
تجد ما يدل على التصادم بين نصوص القرآن ومدلولات العلم وإن اختلفت
أطوار العلماء وتباينت مذاهبهم العلمية فكيف وسع هذا القرآن الدهر
كله وجاءت عباراته - مع بلاغتها التي تنحط دونها بلاغة البلغاء -
منسجمة مع إفهام الناس المختلفة باختلاف الأطوار الثقافية.
ما تمتاز به بلاغة القرآن
ومما يميز بلاغة القرآن أنك تجد آياته تتناول الموضوعات المتعددة
من غير تبويب وترتيب فبينما تجدها تأمر وتنهي تجدها تعد وتتوعد أو
تعظ وتذكر أو تكشف عن طبيعة الكون أو تكوين الإنسان أو تقص أنباء
الأمم السالفة وأخبار الأنبياء إلى خلخلة في البلاغة ولكن تجده طبقة
واحدة في قوة التعبير وجزالة المعاني وانسجام الألفاظ وحسن التركيب
بحيث لا يمكنك أن تفضل بيانه في جانب عليه في جانب آخر، بينما كلام
نبغاء البشر لا يتيسر له قدرها من البلاغة في كل شيء ولذلك يتفاضل
الشعراء والخطباء والكتاب باختلاف الموضوعات التي يطرقونها فقد يفضل
شاعر غيره في الوعظ أو الرثاء أو الحماس أو الغزل أو الفخر ولا تجد
شاعرا واحدا بعينه يتفوق على الشعراء في جميع أغراض الشعر ومثلهم
الخطباء والكتاب وبالجملة فإن وجوه الإعجاز في بيان القرآن أكثر
من أن تحصى وما قصدت بهذا النموذج اليسير الذي ذكرته إلا تحريك الهمم
وبعث العزائم في نفوس شبابنا خصوصا إلى دراسة الأدب منهم، علهم يصرفون
همتهم إلى القرآن الكريم فإنهم- ولا ريب- سيجدون منه النبع الذي
لا ينقطع والنور الذي لا يأفل والكنز الذي لا يفنى وفي هذا ما يغنيهم
عن المستنقعات الآسنة من الأدب الساقط كغزليات عمر بن أبي ربيعة،
وخمريات أبي نواس، وغيرها من الأدب المكشوف الداعر الذي تقذفه سموما
قرائح الفساق الحاقدين على الإسلام والمناوئين لأهله وما أكثر هؤلاء
في كل عصر خصوصا في عصرنا الذي تميعت فيه الأخلاق وانحدرت فيه القيم
وحورب فيه الإسلام بأنواع الشعارات التي ظاهرها الرحمة وباطنها شر
أنواع العذاب ولا يفوتني أن أهيب بشبابنا الذين يدرسون الطب والعلوم
والاجتماع والاقتصاد وغيرها من فنون العلم أن يجعلوا محور دراستهم
القرآن الكريم حتى يكشفوا عن أسرار إعجازه التي لا تزال في الخفاء
وأسأل الله لي ولهم ولكل المسلمين التوفيق والعون والتسديد.
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
أعلى
من وجوه الإعجاز القرآني
زيت الزيتون
يقول الله تعالى في سورة النور :
(اللّهُ نُورُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ
فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزّجَاجَةُ كَأَنّهَا
كَوْكَبٌ دُرّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاّ
شَرْقِيّةٍ وَلاَ غَرْبِيّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئ وَلَوْ لَمْ
تَمْسَسْهُ نَارٌ نّورٌ عَلَىَ نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ وَاللّهُ بِكُلّ
شَيْءٍ عَلَيِمٌ) وفي سورة المؤمنون (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ
سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِالدّهْنِ وَصِبْغٍ لّلاَكِلِيِنَ)، ويقول تعالى
في سورة التين: (وَالتّينِ وَالزّيْتُونِ).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ائتدموا بالزيت و ادهنوا به
فإنَّه من شجرة مباركة) رواه ابن ماجة (3319) ، و الحاكم (4/122)
، والمصنف (19568) و الجامع (4374).
روى الترمذي في سننه عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم: كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ
مُبَارَكَةٍ ، وعند ابن ماجة عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ائْتَدِمُوا
بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ
. وفي رواية عن عَبْد اللَّهِ بْن سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ ، وفي مسند
أحمد عَنْ عَطَاءٍ الشَّامِيِّ عَنْ أَبِي أَسِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ
فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ، وفي سنن الدارمي عَنْ أَبِي
أَسِيدٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم: كُلُوا الزَّيْتَ وَائْتَدِمُوا بِهِ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ
يَخْرُجُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ.
الإعجاز العلمي و المواد الفعالة :
يحتوي على الأحماض الدهنية غير المشبعة ، وحيدة الرابطة المزدوجة
، وهو ما يميزه عن بقية الزيوت . وقد ورد في الكتاب الأميركي الصادر
في 1997 بعنوان (8 أسابيع للوصول إلى الصحة المناسبة) Week to optimum
health 8 للمؤلف أندرياويل ـ أنه يجب استبدال كل أنواع الدهون التي
يتناولها الإنسان ، و خاصة بعد سن الأربعين بزيت طازج ، حيث إنه
:
زيت الزيتون يعالج أمراض الكبد :
يذيب الدهون و يساعد في تقوية الكبد ، و علاج الكبد الدهني ، و بذلك
يزيد من النشاط و من ناحية أخرى فقد ذكر الكتاب ان الدواء المعروف
في الأسواق باسم Essential Fort يحتوي على نسبة عاليةٍ من زيت الزيتون
، و هو الذي يوصف أساسياً لمرضى الكبد ، كما أنه يحسن من وظائف الكبد
،و خاصة أنه مضاد للسموم ، و من هنا فهو يزيد من قدرة الكبد على
القيام إزالة السُّمِّية Detoxication.
القلب والسرطــــان
توصل بحث علمي أجري في اسبانيا ونشرته مجلة - جت - المختصة بأمراض
الجهاز الهضمي إلى أن استخدام زيت الزيتون في طهو الطعام قد يمنع
سرطان الأمعاء.
ويقول الفريق الطبي الذي أجرى التجربة إن النتائج أظهرت أن لزيت
الزيتون فوائد وقائية، الأمر الذي يفسر سبب كون الغذاء المتوسطي
غذاء صحيا .
وقد أجري البحث على عدد من الفئران المختبرية التي أطعم بعضها غذاء
غنيا بزيت الزيتون والبعض الآخر بزيت السمك ومجموعة ثالثة بزيت زهرة
العصفر.
ثم قسم الباحثون كل مجموعة إلى قسمين أعطي إحداها مواد تسبب السرطان.
وبعد أربعة أشهر وجدوا أن الحيوانات التي أطعمت زيت الزيتون كانت
أقلها من حيث الإصابة بأورام سرطانية الزيتون والسمك.
ويقول رئيس الفريق البروفيسور ميجيل جاسول إن هذه الدراسة تقدم دليلا
على أن غذاء يحتوي على خمسة بالمائة من زيت الزيتون يقي من الإصابة
بالسرطان مقارنة بزيت زهرة العصفر.
ويفسر الفريق العلمي دور زيت الزيتون بأنه يعرقل تكون مادة يطلق
عليها آركيدونات المسؤولة، عند اتحادها مع مادة أخرى هي بوستجلاندين
- إي، عن تحريض الخلايا على الانقسام السرطاني .
ويعتقد الباحثون أن بدائل زيت الزيتون قد تؤدي العمل نفسه. لكن العلماء
يؤكدون ان الأمر لا ينتهي عند هذا الحد بل يحتاج إلى مزيد من التجارب
لمعرفة الآلية الدقيقة لتأثير زيت الزيتون في منع تكون السرطان .
زيت الزيتون يقي من سرطان الجلد:
واكتشف علماء يابانيون أن تعريض الجلد لزيت الزيتون ذي النوعية الجيدة
بعد التعرض الشمسي يقلص من احتمالات الإصابة بسرطان الجلد ، وقد
اختبرت الطريقة الجديدة بنجاح على الفئران المعدلة وراثيا والتي
لا تحمل الشعر .
وكشف الباحثون عن أن زيت الزيتون ذا الدرجة العالية يساعد على إبطاء
ظهور آثار السرطان على الجلد ويقلل من حجم الأورام السرطانية إذا
ما نُشر على الجلد .
وقد وضع الباحثون، بقيادة الدكتور ماسماميتسو إتشيهاشي من كلية الطب
في جامعة كوبي، الفئران تحت ضوء الشمس ثلاث مرات في الأسبوع.
وبعد خمس دقائق من تعريضها لأشعة الشمس، قاموا بدهن مجموعة من الفئران
بزيت الزيتون العادي وأخرى بزيت الزيتون الجديد ذي الدرجة العالية،
وثالثة لم تُعرَّض إلى نوع من زيت الزيتون .وبعد ثمانية عشر أسبوعا
بدأت أورام سرطانية بالظهور على مجموعة الفئران التي لم تعرض إلى
زيت الزيتون، أما الفئران التي عُرِّضت لزيت الزيتون العادي فكانت
أفضل حالا قليلا .
غير أن مجموعة الفئران التي عُرِّضت لزيت الزيتون الجديد ذي الدرجة
العالية لم تظهر عليها أي آثار لسرطان الجلد إلا بعد أربعة وعشرين
أسبوعا.
كذلك فإن الأورام التي ظهرت على فئة الفئران الأخيرة كانت أصغر وأقل
كثافة، بل انها ألحقت ضررا أقل بتركيبة مادة (دي أن أي) في الجلد.
ويعتبر زيت الزيتون غنيا بالمواد المانعة للتأكسد التي يُعتقد أنها
تمتص التأثيرات الضارة للإشعاعات فوق البنفسجية، لكنه لا يمنع الأشعة
فوق البنفسجية من اختراق الجلد.
زيت الزيتون يعالج سرطان الأمعاء
وتوصل علماء بريطانيون إلى أدلة جديدة تثبت المنافع الوقائية لزيت
الزيتون في علاج سرطان الأمعاء الذي يذهب ضحيته حوالي 20 ألف شخص
سنويا في بريطانيا وحدها .
ووجد باحثون وأطباء في جامعة اوكسفورد الإنكليزية أن زيت الزيتون
يتفاعل في المعدة مع حامض معوي ويمنع الإصابة بمرض سرطان الأمعاء
والمستقيم.
والجدير بالإشارة الى أن سرطان الأمعاء هو من أكثر أمراض السرطان
شيوعا في بريطانيا بعد سرطان الرئة، لكن معالجته ممكنة إذا اكتشف
في وقت مبكر.
وبحثت الدراسة في نسبة الإصابة بمرض سرطان الأمعاء في ثمانية وعشرين
بلدا في العالم، يقع معظمها في أوربا، إضافة إلى الولايات المتحدة
والبرازيل وكولومبيا وكندا والصين .
ووجد الباحثون ان عوامل غذائية تلعب دورا هاما في إصابة الشخص، وأن
الأشخاص الذين يأكلون كميات كبيرة من اللحم والسمك أكثر عرضة للإصابة
بالمرض من الأشخاص الذين يأكلون الخضراوات والحبوب .
ووجد العلماء أيضا أن خطر الإصابة بمرض سرطان الأمعاء تقل مع تناول
وجبات غذائية غنية بزيت الزيتون .
ويعزو العلماء ذلك إلى أن الوجبات الغذائية التي تحتوي على كميات
كبيرة من اللحم يمكنها أن تزيد من إفراز حامض الصفراء أو حامض ديأوكسيسيكليك،
الذي بدوره يقلل من فعالية أنزيم خاص يعتقد بأنه يلعب دورا هاما
في تجدد خلايا الأنسجة المبطنة للأمعاء .ويعتقد العلماء أن انخفاض
الأنزيم الخاص، الذي يسمى ديامين أوكسيداس، قد يكون سبب تزايد الخلايا
السرطانية في الأمعاء .
وهنا وجد العلماء الدور المهم الذي يقوم به زيت الزيتون في خفض المادة
الحامضية الضارة الناتجة عن تناول كميات كبيرة من اللحم وزيادة إفراز
الأنزيم الذي يقي من تكاثر الخلايا غير العادية والسرطانية.
وقال أحد الباحثين إن الدراسة الجديدة تؤكد أن البلدان التي تستهلك
فيها كميات كبيرة من زيت الزيتون لديها حالات سرطان أمعاء ومستقيم
أقل نسبيا عما كان يعتقد، اخذين بنظر الاعتبار جوانب أخرى من العادات
الغذائية لتلك البلدان.
وقالت متحدثة باسم مؤسسة التغذية البريطانية إنه في السابق كانت
فوائد زيت الزيتون تقتصر على أمراض القلب، ولكن منذ شيوع فوائده
في محاربة الأمراض الأخرى ازداد وعي الناس بأهميته وازداد استخدامه
في الطعام .
زيت الزيتون يقي من سرطان الثدي
اثبتت دراسة اجريت فى اليابان ان النساء اللاتى يتناولن زيت الزيتون
اكثر من مرة باليوم يقللن من خطر اصابتهن بسرطان الثدى بنسبة 25%
بالمقارنة مع النساء اللاتى لا يتناولنه بانتظام وفى هذا الصدد يقول
الدكتور ديميتريوس استاذ الصحة العامة بكلية هارفارد والذى اسهم
باجراء الدراسة ان الدراسات قد اشارت الى ان تناول زيت الزيتون لا
يساعد على تفاقم الاصابة بأورام الثدى الذى تنشطها الكيماويات مثلما
تفعل بعض الانواع الاخرى من الدهون واثبتت دراسة اخرى اجريت على
خمسة الاف شخص ان هناك صلة بين زيت الزيتون وانخفاض كوليسترول الدم
والضغط والسكر فضلا عن فعاليته فى علاج التهاب المفاصل والامساك
المزمن وآثار الشيخوخة ويقلل من اخطار امراض القلب وتصلب الشرايين
كما ثبت ايضا انه يساعد فى تعدين العظام
ويقول الباحثون ان زيت الزيتون عنصر اساسى خلال فترة النمو ثم بعد
بلوغ سن الرشد فى تجنب نقص الكالسيوم الذى يمكن ان يؤدى الى تخلخل
العظام فى سن الشيخوخة كما ثبت انه يحمى ضد حصى المرارة لانه ينشط
التدفق اللازم من الصفراء ويزيد نسبة كوليسترول (HDL)
اى الكوليسترول الجيد اللازم لاستمرار وظيفة المرارة .
زيت الزيتون يقي من أمراض القلب
لبعض أنواع الدهون أهمية كبيرة للجسم ولها العديد من المنافع. انها
مجموعة الدهون التي تعرف بالأحماض الدهنية الأساسية Essential Fatty
Acids (EFAs) وعلى العكس تماما من الدهون الحيوانية ودهون منتجات
الحليب فان الأحماض الدهنية الأساسية قد تكون ضرورية لتقليل مخاطر
بعض الحالات المرضية مثل الإصابة بأمراض القلب والجلطة .ويحتل زيت
الزيتون مرتبة مهمة ضمن هذه المجموعة من الدهون فشعوب حوض البحر
الأبيض المتوسط تستخدم الكثير منه وهذا قد يكون السبب في كثير من
الأحيان في أن شعوب هذه البلدان مثل سكان جنوب إيطاليا واليونان
لا تعاني من زيادة ملحوظة في أمراض القلب وتصلب الشرايين. وماذا
بعد؟ بين التقرير الذي نشر مؤخرا في المجلة الطبية البريطانية لا
نسيت أن الكثير من الزيوت النباتية لها نفس التأثير إن لم يكن افضل
من زيت الزيتون وعلى المدى البعيد مثل زيت اللفت rapeseed. فهل ان
زيت الزيتون في واقع الأمر له ما له من مواصفات فريدة في الحد من
الإصابة ببعض الأمراض أم أن العملية لا تعدو أن تكون ما حظي به زيت
الزيتون من أعلام كبير في الآونة الأخيرة؟
تعرف الزيوت والشحوم في المصطلح العلمي بانها تقع ضمن مجموعة الليبيدات
حيث تقسم الى ثلاثة اقسام رئيسية: المشبعة Saturated وغير المشبعة
المتعددة Polyunsaturated وغير المشبعة الاحادية monounsaturated
. وتتواجد المشبعة منها في اللحوم والبيض ومنتجات الحليب والمرتبطة
طبيا باحتمالات الاصابة بامراض القلب. أما غير المشبعة المتعددة
والاحادية من الدهون فانها تقي الجسم من الأمراض وتقلل من احتمالات
الاصابة بها. وفيما يتعلق بزيت الزيتون فان معظم خصائصه الصحية تعزى
الى انه يحوي على الكثير من الدهون غير المشبعة الاحادية التي تعرف
بحامض الاوليك.
تم دراسة حالة مجموعة من الأشخاص الذين بدلوا غذاءهم المعتاد إلى
نمط الغذاء الذي يتبعه سكان حوض البحر المتوسط وتبين أن السبب في
أن مثل هؤلاء الأشخاص قد تقلصت عندهم فرصة الإصابة بنوبة قلبية ثانية
ليس بسبب زيت الزيتون بل بسبب زيت المارجارين الموجود في زيت اللفت
rapeseed. ومهما كان من أمر، تبقى الحقيقة الماثلة للعيان أن سكان
حوض البحر المتوسط اقل فرصة للإصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين
من غيرهم وان زيت الزيتون هو الزيت الأكثر استخداما ضمن الغذاء اليومي
لهؤلاء من زيت اللفت.
ومن أهم فوائد زيت الزيتون هو انه يقلل من كمية الكوليستيرول في
مجرى الدم رغم أن كاتب المقالة التي نشرتها مجلة لانسيت يبين ان
الكثير من الزيوت النباتية التي تحوي على الدهون غير المشبعة الأحادية
لها تأثير اكبر من زيت الزيتون في تقليل كمية الكوليستيرول في الدم.
ولكن هل ان العامل الرئيسي في تقليل فرصة الإصابة بأمراض القلب مرتبط
دائما بنقصان كمية الكوليستيرول في الدم فحسب؟ . بينت الدراسات التي
أجريت على الحيوانات المختبرية أن الكوليستيرول يكون خطرا عند تفاعله
مع الأكسيجين ( أي تأكسده).يحوي زيت الزيتون على العديد من المكونات
الاخرى بما في ذلك مكونات مثل الاوليوروبين والسوالين التي قد تحمي
الكوليستيرول من الأكسدة . كما أن هذه المركبات قد تساعد أيضا في
تقليل مخاطر أخرى لها علاقة بالأكسدة مثل السرطان. وقد بينت دراسة
نشرت مؤخرا تناولت النساء اللائي يتناولن زيت الزيتون بكثرة أن فرصة
إصابتهن بسرطان الثدي اقل بكثير من غيرهن.
الحكم النهائي ومع كل ما تناولته مقالة مجلة لانسيت الطبية يبقى
زيت الزيتون ذا كفة راجحة تماما في الاستخدام اليومي سواء في السلاطة
او في الطبخ فان له فوائد جمة للصحة العامة على المديين القريب والبعيد.
ومن افضل أنواعه بالتأكيد هو ما قلت معاملته والذي يحضر بالطرق الباردة
ودون الاستعانة بالحرارة وما يدعى بزيت الزيتون العذري Virgin Olive
oil . أ.هـ.
زيت الزيتون و الصبغيات :
قال تعالى : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ
وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ (20) سورة المؤمنون
يقول الدكتور نظمي خليل أبو العطا في كتابه (إعجاز النبات في القرآن
الكريم : وقد كشفت في لسان العرب لابن منظور عن معنى كلمة صبغ فوجد
: (الصبغ والصباغ والصبغة : ما يصبغ به الثياب والصبغ المصدر والجمع
أصباغ وأصبغة والصبغ في كلام العرب التغيير ومنه صبغ الثوب إذ غير
لونه وأزيل عن حاله إلى حالة سواد أو حمرة أو صفرة).
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على أمور عظيمة .
وإذا كان ربنا سبحانه و تعالى قال لنا ان شجرة الزيتون تعطي الدهن
فهذا معلوم ولكن (وصبغ للآكلين) وقد قرأتُ التفاسير وعلمت إنهم يقصدون
الغمس للطعام في الزيت ، وبالكشف في لسان العرب وجدت أن هذا صحيح
ولكن عندما قالت الآية (صبغ للآكلين) هنا ذكر الدهن ، وعطف عليه
الصبغ وقد فهمت أن ثمار هذه الشجرة تحتوي الدهن المكون من الأحماض
الدهنية ومركبات أخرى ...
وهي تحتوي على الأحماض الدهنية الأمينية ومنها الفنيل والإنين الذي
يعطي التيروزين (وهو مشتق من الألانين) وهو من الأحماض العطرية الأساسية
و(الفنيل الأنين يعطي التيروزين) وهو من الأحماض الميلاينين في الجلد
وهذه الصبغة (الميلانين) هي التي تصبغ البشر حسب كميتها في الجلد
فإذا كانت صبغة كثيفة أعطت الجلد الأسود ، وإذا خفت أعطت اللون الأصفر
وإذا غابت تماماً (شذوذ ومرض) أعطت اللون الأبيض للشعر والجلد والرموش
ولهذا الصبغة (الميلانين) أهمية كبيرة للإنسان فالسودان والنوبي
، والأفريقي يعيشون في منطقة شديدة الحرارة ساطعة الشمس وهذا يتطلب
حماية للناس ، هذه الحماية تتوفر بتوفر اللون الأسود (الميلانين)
، وهذا ملحوظ في الشخص القمحي اللون عندما يقف في الشمس طويلاً فإنه
يسمر ، لآن الاستمرار ووسيلة دفاع عن الجلد ضد الشمس.
وهذا سبق علمي خطير ، حيث ان شجرة الزيتون تعطي الزيت والأحماض الأمينية
، ومنها الأحماض المسؤلةعن إعطاء اللون الأسود (الصبغ الجلدي) أ.هـ
(1).
المصدر : موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة
أعلى
العولمة.. التحدي المعاصر
من القواعد المسلم بها ان الحكم على الشي فرع
من تصوره وقبل الحديث عن العولمة ومعطياتها ولاثارها يتحتم علينا
تعريف العولمة، فالعولمة ترجمة للأصل اللاتيني لها Globalization
وتعني باللغة العربية تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله
او جعل العالم يمشي في محك واحد واصطلاحا :هو العمل على تعميم نمط
حضاري يخص بلدا بعينه هو الولايات المتحدة الاميركية على بلدان العالم
بأسره، وقد عرفه بعض العلماء على انه بمعنى الكونية، اي تحول العالم
الى قرية واحدة تتحكم فيها الولايات المتحدة الاميركية ومن شايعها
من الدول الغربية بغرض احكام السيطرة على الكرة الارضية ومنع قيام
اي دولة مناوئة لهذه الدول. وحقيقته هو سيادة النمط الغربي الرأسمالي
على كافة مناشط الحياة بما يخدم ويحقق اهداف ومصالح دوله ويعوق اي
تقدم مخالف لها في اي مكان في العالم
ومكونات العولمة كما يرى البعض هي ما يلي:
اولا: توسع التجارة الدولية ويقوم بهذا الدور (منظمة التجارة الدولية)
التي تسعى الى فتح اسواق العالم امام حركة الاموال والاستثمارات
والبضائع والخدمات وتكريس مبدأ التنافس.
ثانيا: الانفجار المعلوماتي ويعني ذلك وفرة المعلومات وتراكمها بشكل
سريع واتاحتها للاستعمال عبر أوعية المعلومات واهمها الحاسب الآلي
والانترنت
ثالثا : ثورة الاتصالات ويشهد هذا الجانب تطورا تقنيا مذهلا فأصبح
الانسان اليوم يستطيع التواصل عبر تقنية الاتصالات المختلفة كالهاتف
والفاكس والبيجر واهمها جميعا الانترنت فهو يؤدي الوظائف السابقة
كلها ويتوقع المستطلعون ان هذه العناصر الثلاثة ستؤثر على جوانب
الحياة الانسانية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وستعمل على ايجاد
هوية للانسان هي (الانسان العالمي) وستختفي الهوية الوطنية.
والعولمة تظهر خطورتها بوضوح في المجال الاقتصادي وعلى هذا فالعولمة
الاقتصادية يمكن ان نعرفها بأنها (اندماج اسواق العالم في حقول التجارة
الدولية والاستثمارات المباشرة وانتقال الاموال والقوى العاملة والثقافات
والتكنولوجيا في اطار رأسمالية حرية الاسواق وتاليا خضوع العالم
لقوى السوق العالمية مما يؤدي ذلك في المستقبل الى اختراق الحدود
القومية وبالتالي الانحسار في سيادة الدولة لنفسها.
ويرى كثير من الباحثين ان العولمة لا تقتصر على المجال الاقتصادي
فهي تشتمل على قطاع كبير من المجالات ومنها ما ذهب اليه العالم الهندي
ابادوراي الاستاذ بجامعة شيكاغو الى ان العولمة تواصلية او بنائية
وذكر فيها بعض تلك المجالات المشاركة على شكل مشاهد:
1 ـ المشهد الانثني: او عالم الاشخاص الذين يشكلون الكون المتغير
الذي نعيش فيه
2 ـ المشهد التقني : الوضع العالمي للتكنولوجيا المتنقلة بسرعة هائلة
عبر حدود كانت مقفلة
3 ـ المشهد المالي : انتقال رؤوس الاموال من بلد الى اخر والمضاربات
في العملة
4 ـ المشهد الايديولوجي : أو الايدلوجيا المضادة التي تقوم كل دولة
باضافة بنيانها السياسي عليها
ويرى كثير من الباحثين والمفكرين الاسلاميين ان العولمة في عصرها
الراهن وما تلوح به في الافق ليس الا صورة معاصرة لعملية التمدد
الجغرافي والسياسي والاقتصادي الذي مارسته الدول الاوروبية منذ القرن
الخامس عشر وذلك باحتلال الدول العربية والاسلامية اذن العولمة في
نظر هؤلاء ليست الا ثوبا جديدا للاستعمار يلائم العصر ويواكبه، ثوبا
تشكله المصالح الاقتصادية والسياسية بالدرجة الاولى لتلك الدول ويحمل
اسم تدعيم انتشار تلك المصالح والله المستعان
متى ظهرت العولمة
مصطلح العولمة مصطلح حديث ومعناه وفكرته جديدة ففي نهاية الثمانينات
من القرن العشرين الميلادي بدأ يلوح في الافق مفهوم العولمة ثم اخذ
بعد ذلك يتبلور شيئا فشيئا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في اوائل التسعينيات.
وقد اختلفوا في اعطاء تعريف محدد وموحد للعولمة لكون حداثته، واختلاف
النظرات حول ماهيته واشكاليته فمنهم من يقول (ان العولمة هي هيمنة
النظام الرأسمالي الاميركي اولا والاوروبي ثانيا على العالم بأسره)
واخر يقول انها (حرية حركة السلع والخدمات والايدي العاملة ورأس
المال والمعلومات عبر الحدود) وثالث يصفها بقوله (انها قوى السوق
والشركات العابرة للقومية التي لا يمكن السيطرة عليها) والحقيقة
ان هذه التعابير والتعريفات تصب في مصب واحد وان اختلفت الجداول
والمصادر الاتية منها وهي سيطرة النظام الرأسمالي على العالم في
المجال الاقتصادي بل والسياسي والفكري والثقافي والتربوي والحضاري
وغيرها من المجالات.
على ان كثيرا من المفكرين من العرب والمسلمين يرون ان العولمة بمفهومها
الواسع ما هي الا جريمة من اجل تذويب الاصالة وكما قلنا ونوع اخر
وجديد للاستعمار ويرون بأن العولمة في حقيقتها ليست حديثة وانما
الحداثة في المصطلح فقط، فهي نتاج طبيعي لوجود الفكر الرأسمالي نفسه
والذي لا يعترف بحدود جغرافية او حواجز ثقافية واسباب ذلك تكمن فيما
يلي:
اولا ان العالم يعيش منذ عقد من الزمان حالة صراع المفاهيم حول هوية
العصر الذي دخلته الانسانية بعد الحرب الباردة بين القطبين الرئيسي
للعالم في القرن العشرين انتهت بهزيمة المعسكر الشيوعي الاشتراكي
الغربي وانهياره وذلك مقابل ارتفاع قدرات المعسكر الغربي الرأسمالي
بقيادة الولايات المتحدة الاميركية وتعزيزه
فقد كانت الهوية السائدة سابقا في صراع الشرق والغرب او الصراع بين
المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي ولم يكن مطروحا الصراع على اساس
ديني او قومي والدليل على ذلك ان الشيوعية التقت حول مبادئ ومناهج
وفلسفات مادية بحتة لا تنطلق من خصوصيات قومية او دينية وبالتالي
لا تعير اهتماما للقيم الدينية، كذلك اشتركت هاتان الدولتان في التعامل
مع المسألة الاقتصادية كأولوية تتجاوز حدود الدول والامم وتتسم بطابع
العالمية لأفكارها او ساحة عملها وبسقوط النظام الاشتراكي في مطلع
التسعينات بقيت الرأسمالية المهيمنة والوحيدة في طرحها لنموذج سياسي
واقتصادي متكامل من اجل (المجتمع الرأسمالي الحر..
ثانيا لان المنافسة الحرة هي اساس في النظرة الرأسمالية وذلك لأن
من مبادئ الرأسمالية يجب ان تسقط حواجز الحدود والثقافات امام رواد
الرأسمالية من مفكرين واقتصاديين وسياسيين وبذلك ظهرت فكرة ما تسمى
بالعولمة او الحضارة الإنسانية الواحدة او النظام العالمي الجديد.
ان العالم الواحد يقوم على حضارات انسانية متميزة بعضها عن بعض تشترك
فيها أشياء وتختلف فيها اخرى ، كما ان كل حضارة تقوم على ثقافات
قومية متميزة عن بعضها بخصائص تختلف عن الأخرى.
لذلك هناك فرق بين العولمة والعالمية فالأخيرة تنفتح على العالم
وعلى الثقافات الأخرى مع الاحتفاظ على الاختلاف الثقافي وبالخلاف
الأيدلوجي اما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال الاختراق الثقافي محل
الصراع الأيدلوجي والعولمة تعني إرادة الهيمنة وبالتالي قمع واقصاء
خصوصية البلدان وهو خطر يجب الاستعداد له من كل الشعوب وما يعنينا
كيفية استعداد العالم العربي والإسلامي لهذا الخطر الذي بدأ يلوح
في الأفق.
وخلاصة الكلام في النشأة ان العولمة لم تأت من فراغ لكن كانت على
تعاون وثيق بين مستويات عدة الاقتصادي منها والسياسي والثقافي وهذه
الأوجه متداخلة ومتكاملة في تضامنها لبناء العولمة فعلى المستوى
السياسي تعتبر العولمة محصلة لتحولات السياسة العالمية الحالية فبعد
انتهاء الحرب الباردة وانهيار القطب الشيوعي الاشتراكي والقضاء عليه
انتصبت اميركا لتخطط لنظام عالمي جديد وقد اعتمدت الأخيرة على تفوقها
العلمي والاقتصادي والعسكري وبهذا كانت وحدها ولا زالت على الساحة
السياسية بلا منافس.
اما على المستوى الاقتصادي جاءت العولمة كنتيجة لظهور اساليب جديدة
في التعامل بين بلدان العالم من قبل ما يسمى اليوم بحرية التجارة
وحرية الأسواق التجارية والسوق المفتوح والتي سهلت على الشركات العالمية
والعابرة للقارات والمتعددة الجنسيات ، سهلت لها الحصول على الامتيازات
والحريات غير المحدودة على مستوى العالم اما على المستوى الثقافي
فالعولمة تعتبر وليدة التقدم الهائل الذي حققته ووسائل الاعلام والاعلاميات
حتى صارت المعلومات تتناقل بكثرة وبسرعة مذهلة عبر العالم وبدون
حواجز أو مراقبة فالأقمار الصناعية قد اختصرت المسافات واقتحمت البيوت
بل وغزت الأفراد في عقر دارهم وحدث ولا حرج عن شبكة الانترنت. والله
المستعان
خالد بن عبدالله الخروصي
أعلى
قصة أصحاب السبت
يقول الله تبارك وتعالى: (واسئلهم عن القرية
التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم
سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون
) الاية 163 الاعراف
يذكر الله تعالى لنا هذه القصة لتبين لنا عاقبة المكر والخداع والتحايل
على امر الله عز وجل ـ فمن الصفات المرذولة في بني اسرائيل صفة المكر
والخداع والتضليل ـ والتحايل لتحليل ما حرم الله وتحريم ما احل الله
ـ وقصة اصحاب السبت تحذرنا من الوقوع فيما وقع فيه بنو اسرائيل من
التحايل والمكر والخداع.
وقعت احداث هذه القصة في قرية تقع على شاطئ بحر القلزم قال عبدالله
بن عباس رضي الله عنهما ـ ان قوما من بني اسرائيل في زمن داود عليه
السلام سكنوا قرية على شاطئ البحر بين مصر وحطين يقال لها (ايلة)
وقال ايضا : ان الله انما فرض على بني اسرائيل اليوم الذي افترض
عليكم في عيدكم (يوم الجمعة) فخالفوا الى يوم السبت فعظموه وتركوا
ما أمروا به ـ فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه ـ فحرم
عليهم ما أحل لهم في غيره ـ فحرم عليهم في السبت الحيتان ـ صيدها
واكلها ـ فاذا كان يوم السبت اقبلت الحيتان اليهم شرعا الى ساحل
بحرهم فاذا ذهب السبت ذهبت فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا حتى طال
عليهم الامد ـ فعمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت فحزمه بخيط
ثم ارسله في الماء واوتر له وترا في الساحل فأوثقه ثم تركه، حتى
اذا كان الغد جاء فأخذه واكله حتى اذا كان يوم السبت الاخر عاد لمثل
ذلك ووجد الناس ريح الحيتان فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح
الحيتان ـ ثم عثروا على صنع ذلك الرجل قال: ففعلوا كما فعل وجعلوا
ذلك سرا مدة من الزمن فلم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية
وباعوها الاسواق قال ابن عباس رضي الله عنهما فقالت طائفة منهم:
ويحكم اتقوا الله ونهوهم عما كانوا يضعون وقالت طائفة اخرى لم تأكلون
الحيتان ولم تنه القوم عما صنعوا وذكر القرآن الكريم ذلك: (واذ قالت
طائفة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا قالوا
معذرة الى ربكم لعلهم يتقون)
فبينما هم على ذلك اصبحت تلك البقية في انديتهم ومساجدهم ففقدوا
الناس فلم يروهم ـ وروى ان الطائفة الآمرة الناهية ـ بنت لنفسها
جدارا ليحجز بينهم وبين العصاة ـ وقال بعضهم لبعض ان للناس شأنا
فانظروا ما هو؟
فذهبوا ينظرون في دورهم فوجدوها مغلقة عليهم ـ وقد دخلوها ليلا فغلقوها
على انفسهم ـ فأصبحوا قردة، وانهم ليعرفون الرجل بعينه وانه لقرد
والمرأة بعينها وانها لقردة
قال الامام القرطبي فجعل الرجل يأتي قريبه فيشم ثيابه فيبكي ويقول
ألم انهك ـ فيقول برأسه بلى ـ معنى هذا انهم كانوا في اجساد القرود
بعقول البشر ـ وفي هذا حقا عذاب بئيس قال الامام الحسن: أكلوا والله
اكلة او ضم أكله اكلها اهلها ـ اثقلها خزيا في الدنيا ـ واطولها
عذابا في الاخرة ـ وهكذا اخي المسلم تفعل شهوة البطن بأهلها وعبادها
ـ فكم من أكلة افسدت دنيا العبد واوبقت اخراه
قال ابن كثير رحمه الله ـ فلما فعلوا ذلك مسخهم الله الى صورة القردة
وهي اشبه بالاناس في الشكل الظاهري وليست بانسان حقيقة فكذلك اعمال
هؤلاء وحيلتهم ـ لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن
كان جزاؤهم من جنس عملهم
ومكثوا ثلاثة ايام على حالتهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون
ثم اماتهم الله تعالى وابادهم ـ قال تعالى في كتابه العزيز: ( ولقد
علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ـ
فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين)
ونستفيد من هذه القصة اخي المسلم ان الله يهلك الظالمين وينجي المؤمنين
وأن الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ـ ينجيه الله ساعة وقوع
العذاب (فلما نسوا ما ذكروا به انجينا الذين ينهون عن السوء واخذنا
الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) والله اعلم
ابراهيم العربي
أعلى
ظاهرة التقليد عند الشباب
أسبابها . آثارها . علاجها
الآثار
لنتطرق قليلا إلى بعض ما نلمسه من آثار لهذه الظاهرة في حياتنا ،
حياة المقلد ، حياة أسرته ، مجتمعه ، في عقيدته ، وإذا ما أمعنا
التأمل والنظر حولنا لظهر ما يلي :
أولا : الإخلال بعقيدة الإسلام ، وإلا فماذا تقول عن هذا النوع من
التقليد الذي يدل على حب المقلد للذي يقلده ؟
أو لبس أي شعار من الشعارات المناقضة لعقيدة الإسلام ؟
فالمسألة إذن مسألة ولاء وبراء ، تتعلق بمبادئ ، بقيم ، بثوابت ،
وهذا النوع من التقليد إنما هو ضربة لتلك المبادئ ، واجتثاث للقيم
، وانسلاخ من سائر ما يحفظ شخصيتنا ، ويحمي ذاتنا .
ثانيا : الإخلال بالنظام والأمن وإلحاق الضرر بالآخرين وإزعاجهم
، وهذا ما نلمسه من أولئك الحثالة الغوغاء الذين يتسكعون هنا وهناك
ويثيرون المشكلات التي لا طائل من ورائها لأتفه الأسباب ، كالاعتداء
على الأشخاص وممتلكاتهم إضافة إلى الممتلكات العامة التي وضعت من
أجل مصلحة المجتمع وأهله ، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
ثالثا : الخسائر المادية من خلال توفير الدولة لكل ما يسهم في القضاء
على آثار التقليد ، كرجال الأمن والشرطة والمستشفيات ومن فيها وما
فيها وغير ذلك مما تعاني منه الكثير من الدول بل معظم الدول إن لم
نقل جميعها عندما تبتلى بمثل تلك النماذج من الشباب .
رابعا : تشويه سمعة الشاب المقلد وازدراء الناس لـه ، وتشويه سمعة
أسرته معه ، فلا تجد لـه عند العقلاء وزنا ، كما لا يُحسب لـه حساب
، وهذا يرجع إلى فداحة العمل ، فكلما أوغل المقلد في انحرافه زادت
صفحته سوادا .
ومن المعروف أن الإنسان السوي يحفظ كرامته من كل قادح ، ولا يرضى
أن يشار إليه بأدنى عيب ، يمنعه إباؤه من أن يوصف بما يسيء إلى مروءته
. . .
أما عن هذا الصنف من المقلدين فلا ندري ماذا نقول ؟!!.
العلاج
كل مشكلة ولابد لها من حل ، كبرت أم صغرت ، طال زمنها أم قصر ، ولكن
هذا الحل لا يأتي وحده دون أن يسعى ساع ، أو يجتهد مجتهد ، ونحن
إذا أحسسنا فعلا أن هذه مشكله - وهو الواقع - وأدركنا جيدا مدى خطورتها
، نوقن أن حلها لا يمكن أن تصنعه يد واحدة بمفردها ، بل لا بد من
تعاضد العديد من الأيادي أفرادا وجهات ومؤسسات ، ليرى المكلوم بلسم
جراحه ، ويرى الظلام خيوط الفجر لائحة مؤذنة بحدث جلل . . .
هذا الحل سهل وبسيط وفي أيدينا جميعا إذا اجتمعا صفا واحدا وراء
ما يلي :
1ـ العمل لإعادة الشباب إلى واحة الإيمان ، فهو الذي يجلو القلوب
، وينقيها ويطهرها من كل ما علق بها ، إنه السر الذي يدفع النفس
إلى التحلي بكل فضيلة ، والتخلي عن كل رذيلة . .
فإذا كان نوره قويا وساطعا في القلب فبالله عليك قل لي كيف يمكن
للظلام أن يجد له مكانا فيه ؟!
إنه السلاح الواقف على بوابة القلب الحي النابض بمحبة الله عز وجل
، فكل فكرة سامة تحاول أن تدخله فرأسها مقطوع لا محالة .
وهنا يبرز دور أهل العلم ورجال الوعظ والإرشاد والدعوة ، بل وكل
مسلم غيور ، مهما كان مستواه وموقعه ، في السعي الحثيث لغرس العقيدة
الصحيحة ، وتهذيب النفوس وتزكيتها وتطهيرها ، وتربيتها على الإيمان
، وتحسين صلتها بالمعبود الحق سبحانه .
2ـ بث الوعي يجعلنا نسير بخطى حثيثة نحو التقدم والرفعة ، أو على
أقل تقدير لا نرى شيئا من التخبط والعشوائية والذوبان في الغير أفكارا
وسلوكا . .
أضف إلى هذا الباب الدعوة إلى التفكر وإعمال العقل قبل القيام بأي
عمل .
وأضف إليه كذلك توعية الشباب بمعاني تلكم الحركات والأفعال التي
شاع استخدامها تقليدا أعمى للآخرين ، فالكثير منهم كأنهم عناهم من
قال : جهلت ولم تعلم بأنك جاهل !!
وإذا ما علم الشاب المقلد بمعاني تلك الحركات أو سائر ما يفعله تقليدا
أعمى لغيره لو علم معانيها لربما استحيا وحال الخجل بينه وبين القيام
بها .
3ـ بيان عظمة الإسلام ودوره الحضاري ، لأن الكثير من المغفلين يظنون
أن الإسلام دين تخلف ورجعية ، انبهارا بما توصل إليه الغير ، وجريا
وراء سراب خادع ، فإذا ما تم توضيح عظمة الإسلام التي هي أصلا واضحة
لكل ذي عينين ، أما إذا كان هناك من به عمى من نوع آخر فهذه مشكلته
. .
نقول إذا ما تم بيان ذلك بمختلف الطرق والأساليب ، وبوسائل مبتكرة
ومتجددة لتغيرت نظرة هؤلاء إلى دينهم وقيمهم وتراثهم .
وكذلك إبراز يده البيضاء التي قدمها للإنسانية قديما وحديثا . .
وإعطاء لمحات عن الأسرار والكنوز التي اكتشفت والتي لم تكتشف بعد
، والتي تؤكد قوته وشموخه وتصدره وسبقه لكل سابق . .
4ـ حل مشكلة الفراغ ، فالفراغ هو الذي يجلب كل مشكلة ، والشباب بحاجة
إلى ملء أوقاتهم بما ينفعهم ، ويبعدهم عن تتبع ما يجر عليهم الضرر
. .
ومن بين طرق حل هذه المشكلة :
أـ توفير العمل الملائم بالأجر المناسب
ب ـ وشغل ساعات ما بعد العمل بشيء من الترفيه الهادف
ج ـ وإيجاد الوسائل الترويحية المنسجمة مع قيمنا ، القائمة على مبادئنا
، المحققة لأهداف حسنة ، ومقاصد سامية .
إذن ما نريده لهؤلاء ليس فقط الترويح الشاغل ، بل الترويح الهادف
، ذلك لأن الكثير مما طرح من وسائل ترويحية أو ترفيهية هي في حقيقتها
لا تقصد إلا مجرد شغل الناس وإلهائهم أو امتصاص ما في جيوبهم ، لصالح
بعض الطامعين على حساب المجتمع وعقيدته ومبادئه وقيمه وتراثه . .
فالمستثمر الذي لا تنظر عينه إلى أبعد من مصلحته وما يملأ جيبه ،
لا يمكن أن يلتفت إلى عقيدة أو قيم ، خصوصا إذا وقفت في طريق المصلحة
، فهنا وبسهولة - إلا عند من رحم الله -يماط أي شيء عن هذا الطريق
.
5ـ دور وسائل الإعلام لا يمكن أن يخفى على أحد ، فهو متسع الرقعة
، ممتد الآفاق فرديا وجماهيريا ، لـه أثره البعيد في نقل الأفكار
بسرعة وسهولة . .
فإذا كان الإعلام مسلكيا موضوعيا منهجيا هادفا مسؤولا نقيا متنوعا
وجذابا في أساليبه وعرضه أخذ بيد الأمة إلى ما يقيم شؤونها ، وينير
سبلها ، ويرعى مصالحها ، ويبين ما لها وما عليها ، ويحافظ على كيانها
، ويصون قيمها ، ويحسن رعاية ناشئتها تربويا ووطنيا وفكريا وصحيا
واجتماعيا ولغويا . . .
يربطها بماضيها المجيد ويعدها لمستقبل مشرق سعيد . .
أضف إلى كل ذلك أنه أيضا ينبه هذه الأمة بمختلف فئاتها إلى مكائد
أعدائها ودسائسهم ، وتعرية أساليبهم ، وكشف كل محاولاتهم .
هكذا يجب أن تكون سائر وسائل الإعلام في مجتمعاتنا ، وبهذا تسهم
في تكوين جيل قوي ، نقي الأفكار ، سوي السلوك ، بَنَّـاء منتج ،
واع راشد ، وبهذا وما قبله وبعده لا يمكن أن نرى لهذه الظاهرة أثرا
مخيفا يستحق أن يذكر .
6ـ تفعيل دور الأسرة ، ولا يكون لها أي دور إذا كانت خالية من أواصر
المحبة والود والتراحم المتبادلة بين أفرادها ، كبارا وصغارا ، ذكورا
وإناثا ، وهذه الأواصر لن تقوم لها قائمة إلا إذا عرف أفراد الأسرة
حقوق بعضهم البعض ، وأدوها كما يجب أن تؤدى ، وقاموا بها على أكمل
وجوهها .
إن الأسرة المتماسكة المترابطة التي تدرعت بإيمانها ، وتضلعت من
معينه الصافي ، لا يمكن أن يمر عليها شذوذ أو انحراف أحد أفرادها
بتقليده الأعمى مرورا عابرا ، دون وقفة محاسبة ، وبحث عن وسيلة ناجحة
، وأدوية ناجعة لهذه الحالة .
ولهذا ندرك أهمية حرص الإسلام على ضرورة الظفر بذات الدين عندما
يبحث الواحد منا عن شريكة لحياته ، ثم قيام الأسرة على قاعدتي المودة
والرحمة ، ثم أمره بوقاية الإنسان أفراد أسرته مع نفسه نار جهنم
والعياذ بالله ، وبيانه لقواعد وآداب وفنون تربية الأبناء . .
7ـ حسن انتقاء القرين ، فإنك إن صاحبت أحدا فلا بد من أن يصيبك شيء
منه ، تأكد أنك تتأثر به في جانب أو جوانب من حياتك ، وهذا يرجع
إلى مقدار ارتياحك له ، وجلوسك معه .
فقد يكون المرء قويا لا تزعزعه العواصف والتيارات مهما اشتدت وعتت
، ولكنه إذا ابتعد عن أصحابه الأوفياء ، ولازم صحبة هائمة في دياجير
الدنيا ، واتخذهم أخلاء دون غيرهم ، سرعان ما نراه كالخيط الذي لا
يعرف له ثبات أمام أدنى مهب .
والواقع يرينا كيف يتأثر الخليل بخليله فكرا وسلوكا . .
ولهذا نبه الإسلام إلى ضرورة النظر إلى من يقارن الإنسان ، وحذر
من رفيق السوء ، وشبهه بنافخ الكير ، الذي لا يجد منه مصاحبه إلا
ريحا منتنة أو أنه يحرق ثيابه . .
وبين الإسلام كذلك أن جميع الصداقات يوم القيامة تتقطع ، إلا تلكم
القائمة على تقوى الله تعالى . .
كما أوضح الإسلام كيف يندم الإنسان ويدعو بالويل يوم القيامة على
اتخاذه خليلا كان واجبا عليه ألا يقربه . .
وقد يقول قائل : هل تأمرنا بالعزلة عن الناس وعدم مخالطتهم بحجة
أنهم لا يحملون المواصفات المثالية للصحبة ؟ !!
ونقول : لا ، وألف لا ، بالطبع لا غنى للإنسان عن مخالطة الناس ،
ولكن المخالطة الطبيعية شيء ، والصحبة المؤثرة شيء آخر . .
وحتى لا يتلقف هذا الكلام من كان الفهم السقيم آفته نقول :
إن كون الإنسان يحمل صفة أو صفتين مثلا من الصفات الذميمة ، لا يعني
أنه أصبح في عداد الذين يجب البعد عنهم . . لا .
إن مقاطعة الناس والانزواء عنهم أمر يجب أن نبعده عن منهجنا في الحياة
، لأننا حملة رسالة ، وهذه الرسالة لا يمكن أن تصل بهذه الصورة المشوهة
. .
بل الواجب علينا أن نحسن فن التعامل مع الناس حولنا ، قريبهم وبعيدهم
، مثقفهم وجاهلهم ، متعلمهم وأميهم ، مسلمهم وكافرهم ، مستقيمهم
ومنحرفهم ، صغيرهم وكبيرهم . . .
فالقرآن الكريم مثلا يأمرنا أن نقول للناس حسنا ، ولم يخصص أحدا
منهم ، فإحسان التعامل مع الآخرين مطلب شرعي مهما كانوا .
8ـ دور المؤسسات التربوية والتعليمية لا ينبغي أن نغفله ، أو نتجاهله
، فإذا أخذت هذه المؤسسات على عاتقها مسؤولية الحفاظ على من تقوم
بتربيتهم وتعليمهم ، وحماية أفكارهم ، وغرس المبادئ والقيم الدينية
والوطنية في نفوسهم ، وإعدادهم فكريا وعقليا وبدنيا وتربويا وعلميا
، لخرجت فيها أفواج علم وعمل ، تفخر بهم الأمة ، ويسعد المجتمع .
وهذه المؤسسات الموجودة في عالمنا الإسلامي أو غالبها مع الأسف تحتاج
إلى إعادة نظر في مناهجها وأساليبها وسائر مفرداتها ، والحاجة ماسة
وملحة إلى تطوير وتحديث في معظم جوانبها .
يؤسفنا أن نجد فرقا شاسعا بين وضع هذه المؤسسات في العالم الإسلامي
، وبين ما عليه الغرب في هذا الجانب .
ولكن رغم كل ذلك نقول : إن المؤسسات التعليمية والتربوية لها دورها
الكبير في علاج ظاهرة التقليد الأعمى ، من خلال تخصيص درس أو أكثر
في كل مرحلة تعليمية حول هذا الشأن ، إضافة إلى توضيح المعلمين والمربين
لخطورة هذه الظاهرة ، وحشد ما يستطاع من الوسائل والإمكانات لتنفير
المستهدفين منها ، كاستخدام المسابقات المتنوعة واللوحات الإرشادية
والمشاهد المسرحية وغيرها ، وكذلك من خلال وجود قوانين واضحة ، وعقوبات
صارمة لمكافحة هذه الظاهرة ، وسد كافة منافذها .
9ـ دور التجار ورجال الأعمال ، لماذا يلهث الكثير منهم وراء ما يكاد
يفتك بنا رغم وجود البدائل ؟
سبحان الله ، هل الأطماع تعميهم عن النظر في الشيء الذي يقدم لأبناء
المجتمع ؟
لماذا لا تتم مقاطعة كل ما يسيء إلى عقيدتنا وقيمنا وتقاليدنا ؟
بجولة سريعة في سوق واحدة من أسواقنا تمتلئ فيها عيناك بأدوات وملابس
وصور وغيرها مما يمس صميم عقيدتنا ، ويخدش قيمنا ومبادئنا .
بل وصل الأمر إلى انتشار أنواع من الأدوات الدراسية كالدفاتر والحقائب
وأدوات حفظ الأقلام وغيرها مما يحتوي على ما نستحي من ذكره !!
وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نحيي المعنيين في وزارة التربية
والتعليم في بلادنا العزيزة عمان الذين وضعوا حدا لهذه المهزلة في
مدارسنا بمنع استخدام الطالب أمثال هذه الأدوات ، وتوحيد جميع دفاتر
الطلاب على الوضع الطيب ، والصورة الجيدة التي تطبق الآن في جميع
مدارسنا .
ونقول لكم معشر التجار : عجبا ثم عجبا لأعينكم!! أين هي عن كل ما
يحدث ؟
وقبل التجار أين الرقابة التي تمنع دخول مثل هذه الأدوات وغزوها
لأسواقنا ؟
وبعد التجار أين عين رب الأسرة عن كل ذلك ؟
نحن فعلا نعيش مشكلة ، وعليكم معشر التجار المساهمة الجادة والصادقة
لحلها والقضاء عليها .
كما لا ننسى الجانب الترفيهي أو الترويحي ، فيجب أن يوفر المستثمرون
ورجال الأعمال الوسائل الهادفة والمشروعة ، التي تنفع ممارسيها ،
وتسليهم ، وترفه عن نفوسهم ، بجانب كونها تدر ربحا طيبا لأصحابها
.
أما استقدام كل ما ينتجه الآخرون دون نظر إلا للمصلحة الشخصية فحسب
بغض النظر عن السلبيات التي قد يحدثها فهذا لا ينبغي أن يرى من رجل
الأعمال الوفي لدينه وأمته ووطنه .
رسالة الأمة
قبل أن أختم جولتي معك أخي القارئ حول ظاهرة
التقليد الأعمى ، وبعد أن طفنا معا مستعرضين خطرها وأسبابها وآثارها
وصولا إلى محاولة تقديم علاج لها ، بعد هذا كله :
أحب أن أذكر أن أمتنا يجب أن تضطلع برسالتها الحقيقية ، المتمثلة
في تقديم كنوزها للبشرية بالوسائل الشرعية المتاحة ، والمساهمة في
بناء الحضارة الإنسانية ، وتقديم الحلول لسائر أزمات الحضارة المعاصرة
.
كما يجب علي وعليك وعلى كل مسلم أن يعي ويدرك خطورة الضلال عن الأهداف
والمقاصد الحسنة ، ووسائلها الصحيحة التي يجب أن تستخدم ، وأساليبها
المشروعة التي يجب أن تتبع ، خشية أن نضيع أو نتيه وسط ركام من الثقافات
المنهالة علينا من كل حدب وصوب في عالم العولمة .
ولهذا فالظروف الراهنة تحتم علينا التوجه إلى المنهل العذب والمورد
الصافي ، إلى القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، لنتضلع منهما قوة
تنهض بنا من غفوتنا ، وتدفعنا إلى بناء حضارة مجيدة .
هذا التوجه لا يقتصر على شحن الأذهان بما فيهما من نصوص وأحكام وفقه
ودلالات . . ، بل يتعداه إلى عملية تنموية نهضوية شاملة ومساهمة
بل وسبَّاقة في مختلف معطيات وإنجازات الحضارة المعاصرة.
وهكذا وبعون الله وتوفيقه نصل إلى المستوى المطلوب ، والمكان الحقيقي
للأمة .
حمد بن سليمان بن ناصر المعولي
أعلى
ضيق الأفق وقصر النظر
ضيق الأفق لغة: يعني: انحسار، أو انكماش جهة
أو ناحية النظر والتأمل، وكذلك قصر النظر يعني: ضعف، أو اختلال البصر
أو البصيرة، أو هما معًا.
ضيق الأفق في الاصطلاح الشرعي والدعوي: هو ضعف أو خلل في البصيرة؛
يؤدي إلى حصر التفكير، أو الرؤية في حدود ضيقة لا تتجاوز المكان
والزمان، أو بعبارة أخرى: هو ضعف، أو خلل في البصيرة؛ يؤدي إلى رؤية
القريب وما تحت القدمين فقط، دون النظر إلى البعيد، ودون تقدير الآثار
والعواقب، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ
لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ
الَّتِي فِي الصُّدُورِ[46]( "سورة الحج".
أسبابه:
1- النشأة الأولى: فقد ينشأ الإنسان في بيئة لا تهتم بتنمية الذكاء
الفطري، أو المواهب لدى أفرادها، وتكون العاقبة انحسار دائرة التفكير،
أو النظر والتأمل إلا من رحم الله .
2- صحبة نفر من ذوي الأفق الضيق والنظر القصير:وقد يحيط بالإنسان
صحبة ذات أفق ضيق، ونظر قصير، فتسري آثار ذلك إلى هذا الإنسان، فإذا
به يواجه كل المواقف بنفس النمط، وعلى هذا المنوال، إذ:"الْمَرْءُ
عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ" رواه أبوداود والترمذي وأحمد .
3- الانزواء أو العزلة:وقد يؤثر الإنسان الانزواء أو العزلة، إما
لعدم القدرة على التوفيق بين الفردية والجماعية، وإما إيثارًا للعافية
والسلامة، ومثل هذا وإن جنى كثيرًا من ثمار العزلة أو التفرد، فإنه
يخسر أول ما يخسر الخبرة أو التجربة، تلك التي تستفاد من ملازمة
الجماعة والارتماء في أحضانها، والتي تساعد على اتساع الأفق، وبعد
النظر، وحين يخسر الإنسان الخبرة أو التجربة، فإنه يظل ذا أفق ضيق،
ونظر قصير محدود.
4- عدم الفهم لدور أو لرسالة الإنسان في الأرض:وقد لا يفهم الإنسان
دوره، أو رسالته في الأرض، من أنه خليفة فيها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[30]( "سورة
البقرة" وأن هذه الخلافة إنما هي سيادة:( هُوَ أَنْشَأَكُمْ
مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[61]( "سورة هود"
وعبودية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[56](
"سورة الذاريات" وإن تحقيق هذا الدور، أو الرسالة يقتضي
التبصر والتدبر: (وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ[20]وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ[21]" (سورة الذاريات"
والعمل الدائم بالليل والنهار:(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ[ 105] ( "سورة التوبة"
وقد لايفهم الإنسان ذلك كله، فيقعد وينام، أوينطلق على غير هدى وبصيرة،
وأنى لهذا أن يكون واسع الأفق، أو بعيد النظر؟!
5- عدم الفهم لحقيقة ومضمون الإسلام:قد لا يفهم المسلم حقيقة ومضمون
الإسلام، من أنه دين شامل للحياة جميعًا، وإلى قيام الساعة: (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[3] (سورة المائدة) وأن الدعوة
إليه والتمكين له في الأرض يقتضي الحكمة التي من لوازمها اتساع الأفق،
وبعد النظر، كما قال سبحانه وتعالى:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي[108] ("سورة
يوسف" قد لايفهم المسلم ذلك، فيدعو إلى هذا الإسلام، ويعمل
على التمكين له دون أن يجهد نفسه في تحصيل الحكمة، وأنى لمن حرم
الحكمة أن يكون واسع الأفق بعيد النظر؟!
6- عدم الإلمام بواقع الأعداء وأسلوبهم في العمل: وقد يكون المسلم
غير ملمّ بواقع الأعداء، وأسلوبهم في العمل، من أنهم كثرة، وأن لديهم
العتاد والعدد، وأن أسلوبهم في العمل يقوم على الدهاء والمكر والخديعة،
قد لايلمّ المسلم بذلك كله، فتضيع عليه فرصة اكتساب الخبرة والدراية
والتجربة، وأنى لمن لم يكتسب خبرة ولا دراية، ولا تجربة، أن يكون
واسع الأفق بعيد النظر؟!
7- الإعجاب بالنفس بل الغرور والتكبر: وقد يكون الإنسان معجبًا بنفسه،
مغرورًا، متكبرًا، فيحمله ذلك على الترفع، والاستعلاء ، أن يكتسب
من غيره خبرة، أو مهارة، أو تجربة، فيبقى طول حياته محدود الأفق،
قصير النظر.
8- الغفلة عن العواقب والآثار المترتبة على ضيق الأفق وقصر النظر:وقد
يكون المسلم غافلاً عن العواقب، أو الآثار المترتبة على ضيق الأفق،
أو قصر النظر، فيقنع بما هو عليه دون أن يجهد نفسه، أو أن يعمل فكره
في تلاشي هذه العواقب، أو تلك، ومثل هذا يظل طول حياته ضيق الأفق،
محدود النظر.
9- الجهل بأخبار وحوادث الماضي: وقد يكون المسلم جاهلاً بأخبار وحوادث
الماضي، وكيف كانوا يتصرفون بإزاء المواقف المباغتة أو المفاجئة،
ومثل هذا يعيش محرومًا من الخبرة والدراية، والتجربة، التي هي أساس
اتساع الأفق، وبعد النظر، وصدق الله سبحانه وتعالى الذي يقول عن
أخبار وحوادث الماضي :(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي
الأَلْبَابِ[111]( "سورة يوسف" وقال تعالى:(فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[176]( "سورة الأعراف).
10- ضعف الصلة بالله:وقد يكون المسلم ضعيف الصلة بالله عز وجل بأن
يكون غير محترز من المعاصي والسيئات، لاسيما الصغائر منها، أو أن
يكون مفرطًا في عمل اليوم والليلة، أو أن يكون مهملاًلجانب فعل الخيرات،
فيعاقب على ذلك كله بالحرمان من الحكمة التي هي أساس سعة الأفق،
وبعد النظر، ولعل ذلك هو المفهوم من قوله تعالى في كتابه الحكيم:(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ
فُرْقَانًا[29]( "سورة الأنفال". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ
بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ
مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ
إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ
سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ
وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا
وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ
وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ
نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ]
رواه البخاري.
مظاهر أو سمات ضيق الأفق وقصر النظر:
1- التبرم الشديد بالمنهج الدعوي للحركة الإسلامية: ووصف هذا المنهج
بالتخلف، وعدم القدرة على مواكبة ظروف ومستجدات العصر، بل وصف القائمين
عليه بالركون إلى الدنيا إيثارًا للعافية والسلامة.
2- حصر الجهد في جوانب ثانوية: تستهلك طاقة كبيرة ووقتًا طويلاً،
مثل العمل على بناء مسجد، أو إنشاء جمعية خيرية أو إلقاء موعظة،
أو تأليف كتاب، أو قراءة ومطالعة، أو عيادة مريض، أو محاولة جمع
الناس على رأي واحد في مسائل الفروع، أو المسائل المختلف فيها، وهكذا
دواليك.
3- الصلابة أو الشدة عند التقصير في أمر مستحب أو مسنون وعدم تمعر
الوجه عند تضييع الواجبات والفرائض:فتراه مثلاً: يقيم الدنيا، ولايقعدها
على من لايهتم بتقصير ثيابه، أو لا يحافظ على السواك، أو لا يلبس
الساعة في اليد اليمنى، ولا يتحرك فيه شعرة عندما يرى حكم الله معطلاً
في الأرض، وأهل الباطل يصدون عن سبيل الله، ويسومون أولياء الله
سوء العذاب.
4- علاج المشكلات عن طريق المسكنات دون البحث عن الداء ثم علاجه:فمثلاً:
نسمع ونرى علاج مشكلة الحانات والبارات، ومراكز الفيديو الداعرة،
إنما يكون بالتكسير، وإشعال الحرائق، وحقيقة العلاج يجب أن ينصرف
إلى إيجاد السلطان الذي يقيم شرع الله في الأرض، فإن الله يزع بالسلطان
مالا يزع بالقرآن، ثم إحداث وعي في الأمة يغير العرف العام، ويجعلها
تحمل مسئولية أو أمانة تطبيق شرعة الله بنفسها.
5- استعجال النتائج أو قطف الثمار قبل أوانها: وقد قيل:' من استعجل
الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه'.
علاج ضيق الأفق:
1- التعويد على حمل المسئولية في الصغر: فإن ذلك يكسب الإنسان كثيرًا
من الخبرات والتجارب، وينمّي لديه مواهبه أو ذكاءه الفطري، فإذا
شب بعد ذلك، كان واسع التصور بعيد الرؤية. ولنا في أنبياء الله ورسله،
لاسيما محمد صلى الله عليه وسلم الأسوة، والقدوة، إذ حملوا بأنفسهم
مسئولية الحياة في الصغر، ومنذ نعومة أظفارهم، الأمر الذي ساعدهم
على تنمية مواهبهم، وقدرتهم على سياسة النفوس وإصلاحها بعد الرسالة،
وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى هذا الأسلوب التربوي
حين قال: [ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ]
فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ فَقَالَ: [ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا
عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ] رواه البخاري.
2- إخراج النفس عن ذوي الأفق الضيق وإلحاقهم بأصحاب الخبرات والتجارب:
الذين اتسموا بسمة التصور الواسع، والرؤية البعيدة، وملازمة هؤلاء
دومًا، مع التواضع وخفض الجناح لهم، فإن ذلك يؤدي بمرور الزمن إلى
تنمية المواهب الفطرية، وتعلم الحكمة التي يعدّ اتساع الأفق، أو
بعد النظر أمارة من أماراتها ، وسمة من سماتها.
3- الفقه الدقيق لرسالة الإنسان: وسبيل القيام بهذا الدور، وهذه
الرسالة.
4- الإلمام التام بواقع الأعداء وسبيلهم أو مناهجهم في العمل: فإن
هذا الإلمام كثيرًا ما يحمل صاحبه على قدح زناد الفكر، والاحتيال
من أجل إبطال هذه السبيل، أو هذا المنهج، وذلك هو ما نعنيه بسعة
الأفق، وبعد النظر.
5- الفهم الدقيق لحقيقة ومضمون الإسلام: وسبيل العمل، أو التمكين
له في الأرض، فإن هذا الفهم كثيرًا ما يحمل على جمع الهمّة من أجل
التطبيق والتنفيذ، الأمر الذي يساعد على سعة الأفق، وبعد النظر.
6- معايشة الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته: فإنها حافلة بالكثرة
من المواقف التي تساعد على سعة الأفق، وبعد النظر، وحسبنا من هذه
المواقف:
ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم من أنه لم يحطم الأصنام الموجودة
في جوف الكعبة وعلى سطحها إلا في العام الثامن من الهجرة يوم فتح
مكة، لأنه كان يرى أن البدء بتحطيم هذه الأصنام قبل تحطيم الأصنام
الموجودة بداخل النفوس، تلك التي توجه وتدعو إلى الشرك والإثم والرذيلة،
سيساعد على إعادة بناء هذه الأصنام من الذهب، بدلاً من الحجارة،
بل سيضاعف من عددها، لذا تركها، وعمد إلى إصلاح النفوس من داخلها،
تطبيقًا لقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[11] ( "سورة الرعد"
حتى إذا صلحت هذه النفوس، واستقامت على منهج الله، وترابطت فيما
بينها قادها صلى الله عليه وسلم وفتح بها مكة، وحطم بها هذه الأصنام.
وكذلك ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، إذ قبل هذا
الصلح، رغم القسوة التي انطوت عليها شروطه، حتى ضايق ذلك كثيرًا
من الصحابة وعلى رأسهم عمر رضي الله عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم
كان ينظر بعين النبوة، وكان يرى أن هذه الشروط، وإن بدا أنها قاسية،
فإنها ستسفر عن خير كثير للمسلمين، وذلك هو ما أكّده الواقع، فقد
زاد عدد المسلمين بعد الحديبية إلى أضعاف أضعاف ما كانوا قبله، حسبنا
أن عدد المقاتلين في غزوة الخندق وهي التي كانت في السنة الخامسة
من الهجرة، كان ثلاثة آلاف، وإذا به يصل يوم فتح مكة إلى عشرة آلاف،
وما حدث هذا إلا بسبب الاختلاط بين الفريقين، واطّلاع المشركين على
أخلاق المسلمين، وأحوالهم، نتيجة الهدنة، ووضع الحرب بين الفريقين
لعشر سنوات. وكذلك جاء المشركون بعد فترة من إبرام هذا الصلح يطالبون
بإلغاء شرط: 'ومن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا، رده
إلى المشركين ' بعد ما أذاقهم أبو بصير ورفاقه الأمرّين، وبعد ما
قطعوا طريق تجارتهم حتى اضطروهم إلى أكل الجيف والميتة، وأوراق الشجر
من شدة الجوع، هذه المواقف، وغيرها، تعلّم كيف تكون سعة الأفق، وبعد
النظر.
7- حسن الصلة بالله بترك المعاصي والمواظبة على عمل اليوم والليلة:
ومن التفاني في فعل الخيرات، فإن ذلك يورث الحكمة التي عنوانها :
سعة الأفق، وبعد النظر.
8- دوام الاطلاع على خبرات وتجارب الآخرين: فإنها مشحونة بالكثير
والكثير الذي يكسب الخبرات، والتجارب، وينمّي المواهب، والقدرات
.
9- النظر في عواقب قصر النظر أو ضيق الأفق: سواء على العاملين، أو
على العمل الإسلامي على النحو الذي شرحنا آنفًا، فلعل ذلك يشحذ الهمم،
أو يحرك العزائم، فتسعى إلى سعة الأفق، ونفاذ البصيرة.
المرجع : آفات على الطريق - السيد نوح
عبدالله اليعربي
أعلى