
الشراع الآخر
اللهم لنا لا علينا
لست أدرى إذا كان من حقنا أن نسأل أولى الأمر
عن ماهية الهدف الذى يرمون اليه حين يقبلون ان نجد نحن آباء هذا
الجيل أنفسنا أمام موقف نضطر فيه الى تمثيل دور الأب العصري والمتحضر
والايجابي المنفتح على مخرجات الحضارة الحديثة، فنجد أنفسنا أمام
أطفال شدوا عيونهم الى قنوات فضائية بعينها تنفق عليها جهات عربية،
نعرفها أو لا نعرفها، كى تبث على النظارة أفلاما خليعة أوكلها مبالغات
ودماء وعنف ومفاجآت، وحيوانات (مسوخ) تسلك مسلك البشر حتى تتفوق
على البشر انفسهم في القدرات العقلية أو بشر يسلكون مسلك الحيوانات
حتى تفوق وحشيتهم وحشية الوحوش العجماء.
فإذا ما فرضنا حصارا مشددا على أطفالنا لنحول بينهم وبين رؤية هذا
الاسفاف المشين نجد أنفسنا مدانين ومتهمين بالرجعية والتخلف وربما
وصفنا هواة الأوصاف والنعوت بصفات تقربنا من حافة التطرف والإرهاب.
ولربما كان ضمن ما سيرد إلينا من ردود ان نجد من يقول إن هذا هو
عصر الانفتاح والاقتصاد الحر، بمعنى ان لكل مستثمر حرية ان ينفق
على إقامة قناة فضائية ويختار لها من المواد المذاعة ما يشاء ما
دام يجذب الجمهور ويجذب معه المعلنون الذين يروجون لبضاعة معظمها
يضر ولا ينفع.
والآن نحن نتوجه إلى القائمين على تنظيم المؤتمرات ذات الصلة بما
نطرح هنا من تساؤلات سواء وزراء الاعلام العرب أو خبراء التربية
أو مؤتمر وزراء الداخلية العرب الذى ينعقد في تونس ليبحث في كل مرة
ما اصطلح عليه المصطلحون (الإرهاب). لكنهم عافاهم الله لم يقولوا
لنا هل بحثوا تأثير الفضائيات على أبنائنا ببرامجها التى تقتحم علينا
بيوتنا على مدار الساعة فتقض مضجع أطفالنا ببشاعاتها وتطير النوم
من عيونهم وتضغط على ذاكرتهم فتنسيهم ما حصلوه من بطون كتب المناهج
الدراسية ـ ناهيك عن ما أضافته شبكات الانترنت وصورها القبيحة التى
تقتحم علينا المواقع التى نتصفحها، ودون استدعاء او استئذان ؟
فهل هذا هو نصيبنا من الحضارة، واذا رفضنا ما خرج به علينا البيان
الختامي لوزراء الداخلية العرب في تونس الذى انفض على (خطة مرحلية
لتنفيذ الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب) فماذا سيصيبنا؟ ثم
نود ان نعرف اذا كان المؤتمرون قد بحثوا تأثير فوضى الفضائيات الخاصة
في (لخبطة) حياتنا نحن العرب، أم أن كل صيحة تصيحها أميركا يأتمر
حولها المؤتمرون ليخرجوا بعد مؤتمرهم بما يرضي (الشقيق والصديق)
حتى لو كان ذلك على حساب مستقبل هذا الوطن الكبير وأبنائه، نحن نجدد
مع وزراء الداخلية العرب ادانتنا للإرهاب بكل اشكاله التى اشارت
اليها أميركا والتى لم تشر اليها وخاصة ذلك الشكل الوارد الينا عبر
آلية الاعلام الفضائي، لكننا قبل الإدانة وبعدها سنظل نتساءل: الى
أى مدى سيقودنا هذا الانقياد الأعمى لكل مطلب اميركي، وهل سيرضى
الأميركيون علينا اذا شجعنا أبناءنا وبناتنا على امتهان الفحش والعنف
كما هو الحال الذى سيصيرون اليه لكثرة ما يشاهدون من نماذجه على
الفضائيات .. اللهم لنا لا علينا.
ما قيمة أن تطالع عيون أطفالنا مشاهد لنساء عاريات يلتوين كالثعابين
من خلال أفلام أو (كليب) أغانى هابطة المضامين ؟ ستقولون عليكم بـ(التشفير)
ولكن الكثيرين لا يعلمون ان اطفالنا أصبحوا يأتون من المدرسة وهم
قادرون على فك اية (شفرة) اكثر من قدرتهم على فض واستيعاب معانى
آية او حديث شريف او بيت شعر من الأدب الرفيع والحكمة البالغة او
معادلة رياضية، كما انهم يحبيئون الينا حاملين قوائم طويلة لعناوين
مواقع في (الانترنت) تعرض صورا وافلاما واغنيات وحوارات اذا شاهدها
احدنا احمرت جلدة وجهه خجلا وتعمق فيه الشعور بقلة الحيلة وقصر الوسيلة
عن فعل شئ لانقاذ اخلاقيات اطفاله من هذا المصير المحزن وهو المغموس
في العمل اليومي حتى اذنيه لييسر لهم سبل العيش الكريم فاذا بهذا
المد اللئيم يكدر عليه مسعاه في عناد ويهدد مستقبل فلذات الاكباد.
والغريب ان هذا النوع من البرامج الخبيثة يتكرر باستمرار في نفس
اليوم وكأنها مقررات دراسية على الناس ان يستوعبوها حتى النخاع،
ومازلت حائرا في مغزى ان يرى الاطفال صورا لأشخاص يفكون ازرار قمصانهم
فإذا بالذى تحتها ليس جسدا بشريا بل شبكة من الاسلاك والدوائر الكهربية
والومضات الضوئية تتناقض تماما مع طبيعة تكوين الاجساد البشرية،
فهل حقا سيأتي على الانسان حين من الدهر يكون فيه نصفه انسان له
بين الضلوع دم ولحم والنصف الآخر كائن هو خليط بين الوحش وبين الآلة
الصماء ؟؟ أغثنا ادركنا يا صاحب المدد.. فقد فاقت مصائبنا قدرة العقل
على العدد.
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى

نافذة من موسكو
حرب الغاز
انتقدت روسيا مؤخرا سياسات الاتحاد الأوروبي
فيما يتعلق باستيراد الغاز الطبيعي الروسي . وجاء هذا الانتقاد على
لسان وزير الطاقة الروسي ايغور يوسوفوف الذي صرح بأن توجهات الاتحاد
الأوروبي نحو لبرلة سوق الغاز الأوروبية في عام 2004 والانتقال إلى
العقود قصيرة الأمد سيؤدي إلى تزايد عمليات إعادة بيع الغاز الروسي
بكميات كبيرة من قبل الشركات الموزعة وشركات نقل الترانزيت ، وربما
إلى انهيار أسعار الغاز. والمشكلة تكمن في أن الشركات الأوروبية
تشتري الغاز الطبيعي الروسي ، ثم تقوم بإعادة بيعه مرة أخرى لبلدان
ثالثة ، مما يؤثر على أسعاره وتكبيد الجانب الروسي خسائر غير قليلة
. وقد بدأت ظاهرة إعادة بيع الغاز الروسي منذ عشر سنوات حين استغلت
بعض البلدان أسعار الغاز المنخفضة والمثبتة بعقود دولية طويلة الأجل
و التي حصلت عليها من روسيا لأسباب سياسية. وتشير مصادر روسية إلى
أن حوالي 75% من الغاز يورد حاليا وفق هذه العقود الطويلة الأمد.
وينتج عن هذه الظاهرة أن شركات البلدان التي تمارس هذه العملية تحقق
أرباحا كبيرة وتتكبد موسكو خسائر غير هينة حيث صار الغاز الروسي
ينافس نفسه عمليا على حد تعبير وزير الطاقة الروسي . ويرى خبراء
الغاز الروس أنه من غير المفيد بيع الغاز بسعر 110-130 دولاراً للألف
متر مكعب ، في حين يدفع المستهلك النهائي في أوروبا 300 دولار مقابله
. وهذا يعني ببساطة ـ في رأي هؤلاء الخبراء ـ أن روسيا تدعم اقتصاد
بلدان الاتحاد الأوروبي والمضاربين بالغاز الروسي. وتفيد معطيات
وزارة الطاقة أن خسائر روسيا السنوية الناجمة عن هذه السياسة تفوق
700 مليون دولار ، ومن المتوقع زيادة هذه الخسائر أضعافاً مضاعفة
مع ازدياد استهلاك الغاز الطبيعي في أوروبا في السنوات المقبلة .
وتصدر روسيا حاليا أكثر من ثلث غازها أو 45 % من الحجم الكلي للتصدير
العالمي. ويؤكد وزير الطاقة الروسي أن سياسة استيراد الغاز الأوروبية
الجديدة تضرب أيضا إمكانية تنفيذ مشاريع كبرى لاستثمار حقول الشمال
وحقول سيبيريا بسبب الإخلال بخطط الاستثمارات طويلة الأمد في قطاع
الغاز والبنية التحتية لقطاع نقله . ويرى نائب رئيس الحكومة الروسية
فيكتور خريستينكو أنه من غير المفهوم كيف سيجري الاتفاق في ظل سياسة
الاتحاد الأوروبي الجديدة لاستيراد الغاز على استثمار حقل شتوكمان
أكبر حقل في أوروبا والذي يقع في بحر بارينتس ، وكيف سينتهي بناء
خط الأنابيب يامال - بيلوروسيا - أوروبا . ويؤكد الروس أن الاتحاد
الأوروبي يمارس عمليا ما يسمى بسياسة (احتكار المشتري) ، أي أن الاتحاد
الأوروبي يظهر في سوق الغاز في صورة كارتيل احتكاري لمستوردي الغاز
يرغم البلدان المصدرة على الالتزام بقوانينه لأجل مصالحه الخاصة
دون أن يراعي مصالح الآخرين . ولذلك يقترح البعض في روسيا وعلى أعلى
مستوى القيام بتأسيس كارتيل لمصدري الغاز الطبيعي على غرار منظمة
أوبك للبلدان المصدرة للنفط . ويرى هؤلاء أنه بجانب روسيا وبلدان
الاتحاد السوفيتي السابق المستخرجة والمصدرة للغاز الطبيعي ، فسوف
ترحب بهذه الفكرة دول أخرى مثل الجزائر وليبيا وقطر والعراق وإيران
والبحرين وبروناي دار السلام ، والتي تستخرج حوالي 16 % من الحجم
العالمي للغاز الطبيعي . ويعتقد أنصار فكرة تأسيس كارتيل لمصدري
الغاز أن هذا الاتحاد يمكن أن يسيطر على ثلثي سوق الغاز الطبيعي
، ومن ثم يتمكن من التأثير بفعالية على الأسعار . وهكذا يبدو أننا
أمام حرب في السوق العالمية للغاز الطبيعي لا يعرف أحد إلى أين سوف
تتجه مستقبلا .
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

أصداف
سيادة العراق تحت الانجماد
ما يقوله المسؤولون في الإدارة الأميركية،
يصعب فهمه، بل يستحيل، طالما أننا مازلنا نفهم السيادة، وفق المفاهيم
التقليدية، لأنهم يقولون يستحيل إجراء انتخابات في العراق، قبل نقل
السلطة إلى العراق، وهنا تبرز الإشكالية التي نتحدث عنها، فإذا لم
تكن هناك حكومة عراقية منتخبة من قبل الشعب العراقي، كيف يمكن القول،
بأن هذه الحكومة مستقلة.
وكيف تكون السيادة والاستقلال التام، إذا بقيت القوات الأميركية
تحكم سيطرتها على العراق، وتبقى سلطة اعتقال الناس وإيداعهم السجون،
حسب رغبة يكاردو سانشيز واستناداً إلى ما يوجه به جون أبي زيد، وربما
حسب مزاج الجندي الأميركي، الذي له حق اعتقال وقتل العراقي، ولا
يحق لأي شخص متضرر من هذا السلوك إقامة دعوى قضائية ضده.
ما هو شكل السيادة ونقل السلطة، إذا اختارت سلطات الاحتلال شخصيات
جديدة، حتى إذا وصل أعضاء المجلس إلى عدة مئات، فمن الناحية القانونية،
سيبقى الأمر مرتبطا أولاً وأخيراً بإرادة الاحتلال، ومن الناحية
الشعبية، وأقصد رأي الشارع العراقي، سينظر الناس إلى أن المسألة،
لا تتعدى في حقيقتها المرحلة السابقة، التي تلت مرحلة الاحتلال.
ما قاله الأخضر الإبراهيمي، من أن إجراء انتخابات في العراق، سيؤدي
إلى حرب طائفية لا أحد يوافقه عليه، إلا إذا كان التخوف من أن الذي
يريد إشعال الحرب ويخطط لها، هو الطرف الأميركي.
وثمة من يفسر مثل هذا القول، على أنه يحمل القصد الأميركي، ويمثل
الرغبة الدفينة لقوات الاحتلال.
ما يطرحه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان من خطة بديلة عن
الانتخابات، ويقول إنها توفيقية، أيضاً لا تخرج عن الإطار العام
للسياسة الأميركية الرامية، إلى تكريس الاحتلال من خلال إطالة أمده،
لكن هذه المرة تحت رعاية الأمم المتحدة.
أن قرار تشكيل مجلس الحكم، الذي اتخذته إدارة
الاحتلال، وتم الإعلان عنه في الثالث عشر من يوليو الماضي، لم يكن
للشارع العراقي أي رأي به.
كما أن وثيقة نقل السلطة، التي تم الاتفاق عليها بين بول بريمر وأعضاء
مجلس الحكم قبل أكثر من ثلاثة أشهر، لم يكن للشارع العراقي، أي رأي
بها، وتبين بعد ذلك، أن بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي غير راضين
عن مسألة نقل السلطة في منتصف هذا العام وفق صيغة الاختيار، التي
تريدها الإدارة الأميركية.
ثم تأتي المرحلة الجديدة، وتريد الإدارة الأميركية أن تفرض إرادتها
دون أن يكون أي رأي للشارع العراقي، وهذا الأمر، سيدخل العراق في
دوامة أخرى من الضبابية والعتمة.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

أقول لكم
فك وتركيب
هي: نحن بحاجة الى
شركة متخصصة تتولى أعمال فك ونقل وتركيب الأثاث في مسكننا الجديد
! هو (مندهشا): وهل يحتاج الأمر الى شركة متخصصة ؟ أظن أن بعض الحمالين
يستطيعون ذلك ! هى (باصرار): كلا .. الشركات المتخصصة في هذا المجال
لديها الكفاءة والخبرة لانجاز الأمر بدقة ودون احداث أى تلفيات !
هو (ساخرا): إذن عليك بشركة أميركية ! هى (صائحة): هل ستحضر شركة
من الولايات المتحدة لانجاز هذا الأمر البسيط ؟ هو (مصححا): بل سأحضر
خبراء من البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية معا ! هى (ساخرة):
وما علاقة هؤلاء بفك وتركيب الأثاث ؟
هو: العلاقة وثيقة وسأضرب لك مثالا: خزانة الملابس الضخمة هذه سيتم
تفكيكها الى خزينات صغيرة، ثم تعيين حاكم مدنى أميركي لكل منها !
هى (زاعقة): لا داعى للمسخرة يا رجل، هو: بل اتحدث بشكل جاد .. هؤلاء
الخبراء سيقومون بفك كل شئ على مزاجك .. أما اعادة التركيب فسوف
يتم على مزاجهم ! هى (بنفاد صبر): لا داعى لخلط الخاص بالعام ولا
علاقة للسياسة بهذا الشأن العائلي البحت ! هو: العلاقة قائمة شئنا
أم أبينا .. فاذا سألك سائل: لماذا الانتقال الى مسكن جديد ماذا
سيكون ردك ؟ هى: هذه مسألة شخصية خالصة وليس من حق أحد أن يستجوبني
بشأنها !
هو: غلط.. هذا فهم قاصر لما هو خاص وما هو عام في زمننا .. فبمقتضى
قانون بارتيوت، من حق (الأخ الأكبر) ان يسأل عن اى شئ يرتاب فيه،
حتى لو كانت العلاقة الخاصة جدا بين المرء وزوجه ! هي (صارخة): يا
مصيبتي .. يبدو أن براغى مخك في حاجة الى اعادة تركيب ! هو (بهدوء
شديد): حتى الآن لم يستطع خبراء الفك والتركيب الأميركان الاقتراب
من دماغي .. دونه تطير رقاب، رغم اذاعة سوا وقناة الحرة ! هي (مولولة):
يا عيني على بختي المائل .. الرجل الذي اقترنت به طلع مسكونا بالعفاريت
.. خصوصا التى تحمل جنسية أميركية !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

أسـلحة الـدمـار الشـامل .. لغـز أم (أحجيـة) ؟
أخذ موضوع أسلحة الدمار الشامل، التي يفترض
بأن الرئيس العراقي السابق كان يصنعها أو يحاول أن يطورها، يتعقد
ويتفاقم، ليس فقط لأن العراق (سوية مع العديد من دول المنطقة والعالم)
كان يتشبث بها، بل لأنها كانت الذريعة الأساس التي تأبطتها كل من
الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لتبرير شن الحرب والهيمنة
على العراق. وبهذا صار الموضوع موضوعاً (أخلاقياً) واعتبارياً بقدر
تعلق الأمر بمصداقية الإدارتين الأميركية والبريطانية أمام شعبيهما
وأمام المجتمع الدولي الممثل بهيئة الأمم المتحدة التي مهدت فرقها
التفتيشية للحرب عبر هذه الذريعة، برغم عدم إعطائها الضوء الأخضر
للائتلاف بشن هذه الحرب.
وقصة أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة الكتلوية في العراق وسواه من
دول العالم قصة قديمة تضرب بجذورها عميقاً في تربة الحرب الباردة
وفي ما رافقها من موازنات وتنسيقات بين الكتلتين. لقد كانت الحرب
الباردة وراء العديد من القنابل الذرية الموجودة الآن (في كوريا
والهند وباكستان) وتلك التي كانت في طور التطوير (في العراق وسواه
من دول الجوار). وكان الاتحاد السوفييتي السابق قد لعب دوراً سيئاً
للغاية في هذا المجال، إذ أنه كان يستعمل تقنياته المتطورة آنذاك
في بذر بذور التسليح الكتلوي في مثل هذه الدول الصغيرة نسبياً على
سبيل التوازن الكوني بين الكتلتين. بيد أن موضوع هذا النوع من الأسلحة
الخطيرة في العراق أخذ أبعاداً أكثر مما يجب لسببين، هما: أولاً،
الاستعمال الفعلي لهذا النوع من الأسلحة الكتلوية، بموافقة أميركية
ـ بريطانية ضمنية، إبان الحرب العراقية الإيرانية لضرب وإبادة الإيرانيين
والعراقيين على حد سواء؛ وثانياً، التهديد العراقي الصريح باستعمالها
ضد إسرائيل وضد كل قوة تحاول أن تلجم طموحات القيادة العراقية السابقة
على المستوى الإقليمي.
فمن منظور أول، كان دخول العراق الحرب مع إيران يستجيب تلقائياً
لعدد من الأهداف الغربية، والأميركية على نحو خاص. وعلى المرء أن
لا يتعامى عن حقيقة أن واحداً من أهم أسباب هذه الحرب كان استعمال
العراق كأداة لمعاقبة إيران بسبب ما اقترفته الأخيرة في عملية احتجاز
الرهائن في السفارة الأميركية بطهران. لقد كانت أزمة رهائن السفارة
بدرجة من القوة المهينة للولايات المتحدة، نفسياً واستراتيجياً،
أنها أدت إلى أن يقرر البيت الأبيض (معاقبة) الحكومة الإيرانية،
الفتية آنذاك، بأقسى العقوبات، وكان العراق هو العصا الأكثر غلاظة
ومناسبة لضربها، بناءً على طموحات قيادته الإقليمية كي تكون شرطي
المنطقة، من خلال (حرب خاطفة) للجم إيران ولبتر مشروعها في (تصدير
الثورة الإسلامية) إلى دول الجوار. وهكذا تورط العراق في حرب لا
مخرج منها، وهي حرب أفقدته مئات الآلاف من أبنائه وثرواته التي قُننت
في مضامير إنتاج أسلحة الدمار الشامل (الكيمياوية خاصة) على طريق
صد الهجمات البشرية المليونية بأسلوب (الحصاد الكيمياوي). ولم تزل
الإرشيفات المتلفزة والفحوصات المختبرية تؤكد بأن عملية احتواء الهجمات
الإيرانية ما كانت لتتحقق لولا توظيف مثل هذه الأسلحة الفتاكة. أما
على الجانب العراقي، فإن عمليات إبادة القرى الكردية في شمال العراق
بالأسلحة الكيمياوية لا تحتاج إلى الكثير من التمحيص للتأكد من أن
العراق كان فعلاً يمتلك ويستعمل الأسلحة الكتلوية بكل (كفاءة) عبر
الجهات الأربع، الشمال والجنوب، والشرق والغرب، بمعرفة و(تجاهل)
الإدارة الأميركية التي كانت ترسل الوفود للرئيس العراقي وتجهزه
بصور الأقمار الصناعية الضرورية لتحقيق النصر.
ومن منظور ثان، أعلن الرئيس العراقي المخلوع في مقابلة متلفزة مع
عدد من الضباط بأنه سيحرق ثلثي إسرائيل باستخدام السلاح (الكيمياوي
المزدوج) إذا ما حاولت إسرائيل تنفيذ هجمات على العراق وعلى منشآته
العسكرية أو الصناعية، كما فعلت في بداية الثمانينيات عندما قصفت
مفاعل تموز القريب من بغداد دون أن تكتشف الرادارات العراقية الغارة
إلاّ بعد عودة الطائرات الإسرائيلية إلى قواعدها سالمة. لقد مثل
هذا الإعلان الرئاسي، الانفعالي كالعادة، حجر الأساس للمشروع الغربي،
ليس فقط لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، بل كذلك لنزع الحكومة
العراقية ورئيسها بالكامل. وهذا يعني بأن الإدارة الأميركية قد شعرت
بأن إشعال الحريق في هذه المنطقة واللعب بناره أخذ يتجاوز حدود اللعبة
وأنه يمكن أن يحرق أيديها إذا ما بقي الحال على ما هو عليه. وكانت
عملية غزو الكويت هي الدليل القاطع على تجاوز هذه الحدود وبموافقة
ضمنية أميركية أيضاً، ذلك أن الحرائق أخذت تمتد من العراق إلى خارجه
ككرة نار متدحرجة ومرعبة.
وحيث أن كرة النار راحت تتشظى خارج حدود العراق نحو دول الجوار (وإسرائيل
من بينها)، فأن الخلاصات التي وصل إليها أساطين الإدارة الأميركية،
صقوراً وحمائم، كشفت حقيقة جديدة نسبياً تتلخص في الحجم الهائل لإمكانيات
العراق، الفاعلة والمختزنة. فإذا ما كان النظام العراقي السابق،
برغم ما شابه من تخلف واختلالات معروفة للقاصي والداني، قادراً على
تعبئة مثل هذه الطاقات وإطلاقها نحو جميع الاتجاهات، فأن هذا يعني
بأن العراق يكمن على قوة استراتيجية إقليمية وكونية تؤهله للعب دور
تشكيلي في المنطقة بأسرها، خاصة إذا ما تمكنت منه (سلطات) أو قيادات
أقل اختلالاً وتخلفاً من سلطته التي حكمته أكثر من ثلاثين سنة دون
ملاحظة أحد. لقد أماطت مغامرات الرئيس السابق، العسكرية والتصنيعية،
اللثام عن خزين هائل من الطاقات الكامنة من الموارد البشرية والمادية
في العراق بالدرجة الكافية لأن تدرك الإدارة الأميركية أن عملية
(ضم) العراق إلى منظومتها الكونية إنما تشكل حجر الزاوية لهيمنتها
على الشرق الأوسط وعلى النصف الشرقي من الكرة الأرضية بأسره.
من هنا جاءت المعطيات المهمة للإدارة الأميركية واضحة ومتبلورة،
وهي: أن العراق لابد وأن يكون محوراً وبؤرة للمستقبل الأميركي في
هذا الجزء من العالم؛ وإن العراق يقدم، (بنفسه وطواعية)، المبررات
لغزوه وضمه بسبب تصرفات قيادته الشمولية العدوانية في الداخل والخارج.
وهكذا وجدت الإدارة الأميركية، مدعومة بالحكومة البريطانية وبخبراتها
القديمة في العراق، جميع المؤشرات مواتية لبسط الهيمنة على العراق
وضمه إلى المنظومة الكونية الموالية للهيمنة الأميركية Pax Americana
. وتأسيساً على هذا المنظور كانت أسلحة الدمار الشامل لا تزيد عن
كونها (السبب المباشر) لشن الحرب، أما الأسباب الأخرى والأعمق والمتصلة
بالهيمنة على المنطقة بأسرها فكانت هي الأسباب الخفية والحقيقية.
لذلك، تتحدث كتب التاريخ عن مسببات الحروب كي تصنفها إلى نوعين:
الأسباب المباشرة، والأسباب غير المباشرة أو الحقيقية. وهنا يكمن
الانزعاج الذي يعاني منه كل من الرئيس بوش وصنوه رئيس الوزراء البريطاني
بلير، ذلك أن عدم الظفر بالدلائل والأدلة القاطعة على وجود أسلحة
دمار شامل في العراق إنما يعني تسفيه السبب المباشر والمعلن لشن
الحرب ولتدمير العراق بالكامل، خاصة وأن القوى السياسية المنافسة
تستثمر هذه الورقة الرابحة، ليس حباً بالعراق ولا بمصالح شعبه بطبيعة
الحال، ولكن حباً بمصالحها الخاصة (في الداخل) وعلى سبيل الوصول
إلى البيت الأبيض بواشنطن أو إلى (10 داوننغ ستريت) بلندن. وهذا
ما يدركه كل من بوش وبلير بدقة، ذلك أنهما يعتبران انفسيهما بطلين
قوميين تاريخيين، نجحا في ضم العراق وثرواته الهائلة إلى الإمبراطورية
الكونية غير المرئية، وهما يريدان إكمال المهمة حتى نهاية المطاف
كي يتم تتويجهما بأكاليل الورود والذهب (لاحظ ترقية بوش لبلير إلى
مصاف ونستون تشرشل قبل أيام).
إن أهم افتراض يمكن أن يعمل المرء على أساسه في هذا السياق هو: هل
سيقوم منتقدو بوش في واشنطن ومنتقدو بلير في لندن بالانسحاب من العراق
وتركه وشأنه لو أنهم نجحوا في إزاحتهما من السلطة ؟ إن متابعة الخطاب
التنافسي داخل أميركا وبريطانيا تؤشر شعور هؤلاء المنافسين بأن الدولتين
ارتكبتا خطأً في غزو العراق تأسيساً على معلومات غير دقيقة، وبأن
هؤلاء المنافسين سيقومون (حال إزاحة بوش وبلير) بتقديم اعتذارات
رسمية إلى الشعب العراقي بسبب الأخطاء التي ارتكبتها حكومتيهما وما
نتج عنها من دمار شامل. بيد أن هذا الحرص على العراق من المعارضة
والمنافسين داخل أميركا وبريطانيا لا يزيد عن حرص كاذب ومزيف يرنو
إلى القفز إلى السلطة وإلى إدامة الهيمنة على العراق والمنطقة بأسرها
باعتبار أن ما جرى هو أمر واقع ولابد من التعامل معه على نحو عملي
وواقعي!
أ.د. محمد الدعمي
باحث عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
رحلة كرام..في بلاد اللئام
تجهد الدبلوماسية الفلسطينية للخروج من عنق
الزجاجة التي وضعتها فيه واشنطن بعد الانتفاضة الثانية في 28 سبتمبر
2000 وعزل الرئيس عرفات في مدينة رام الله حيث ما زال هناك يناضل
بعد التهديد بنفيه وقتله اذا دعا الامر والتخلص منه بشتى الوسائل
واعتباره (أخطر رجل على السلام العالمي) كما قال الرئيس الاميركي
بوش ويؤيده في ذلك رئيس وزراء اسرائيل..اذ من سوء حظ عرفات لا بل
العالم كله ان تؤول السلطة الى اشرس رجلين ويتزامن حكمهما مع بداية
الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد ان (اقسما على تدميرها).
جهود كثيرة بذلتها القمم العربية المتلاحقة لاخراج الدبلوماسية الفلسطينية
من النفق المظلم الذي ادخلت فيه عنوة من جراء الضغوط الدولية التي
مورست ولا تزال على الدول العربية والى حد ان بعض القمم كانت تستبعد
ادراج القضية على جدول اعمالها او تعهد بها الى لجنة وزارية تمهيداً
لدفنها حية..ثم كان هناك صمت مطبق على كل ما يحدث في الاراضي المحتلة
من اعمال ارهابية ترتكب من قبل اسرائيل تحولت اليوم الى حالة دائمة
تباع عربياً بحفنة من الدولارات وبقائمة من الوعود الكاذبة تتكرر
في كل بيان سياسي عربي.
مع انطلاق الانتفاضة الثانية قرر الفلسطينيون ان يتولوا شؤونهم الدبلوماسية
بأنفسهم بعد ان يئسوا من صدور اي قرار عربي او دولي يعالج قضيتهم
في العمق ويضعها على الطريق الصحيح نحو تحقيق السلام الذي تنشده،
منذ عشرات السنين.
الانتفاضة الدبلوماسية، وان جاءت متأخرة، كان يجب ان تأتي وربما
قبل الانتفاضة العسكرية وتطرق ابواباً جديدة ليس للاستعطاء واستجداء
العطف والمسكنة بل من اجل تحرير القضية من الداخل وشرحها بعمق في
الخارج
قبل سنة تقريباً كسرت الدبلوماسية الفلسطينية القمقم وانطلقت برئاسة
قيادي فلسطيني بارز هو محمود عباس (أبو مازن)..وبموافقة اميركية
ـ اسرائيلية..فتعثر في اول الطريق بعد ان اصطدم بحائط المعارضة الداخلية
قبل جدار الفصل..فاستقال..ولكن التصميم على انطلاق المسيرة الدبلوماسية
وبكل ابعادها اتخذ هذه المرة اتجاهاً جديداً..وكلّف الرئيس ياسر
عرفات رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني احمد قريع (أبو العلاء) تشكيل
الحكومة الجديدة الذي كانت وجهة انطلاقته الاولى نحو بعض القادة
العرب، من اصحاب القرار، ولكن خابت آماله ولم يجد من الاهتمام والجدية
ما يشجع..فعاد يتجه نحو اوروبا وليس نحو الولايات المتحدة ولا الامم
المتحدة فالاولى مشغولة بانتخابات رئاسية والثانية تحاول انقاذ الاولى
من المستنقع العراقي الغارقة فيه حتى الاذنين.
عندما بدأ الحديث عن الزيارة والتحضير لها كانت اوروبا مشغولة بالدفاع
عن السامية وتتهم محكمة العدل الدولية في لاهاي الناظرة في موضوع
جدار الفصل بالتحيز والتخلي عن حقوق الانسان وان الموضوع ليس من
صلاحيتها..اضافة الى التعتيم الاعلامي الاوروبي والعربي معاً.. على
اعتبار ان هذا الاخير كانت قد تكونت لديه قناعة تامة بعدم جدوى المهمة
نظراً لمعارضة قوية اميركية لم تتوفر على الاقل لدى وزير الخارجية
الاميركي ولا لدى مستشارة الامن القومي وهما المسؤولان الاميركيان
الاقوى علاقة والاقرب الى القضية الفلسطينية.
ومرت الزيارة مرور الكرام في ارض اللئام..مرة في اميركا والآن في
اوروبا..طالما الجامع المشترك لهما هو العداء للعرب الذي يتفجر فوق
ارضهم..ساهموا هم فيها قبل ان يساهم الآخرون..
الايجابية الوحيدة التي عادت بها الزيارة هي ان الحل الذي نبحث عنه
موجود في ارضنا..الكل يراه ولا يحتاج لأفرقة وبعثات دولية..انه ليس
سلاح دمار شامل..بل سلاح سلام شامل..وحق آن له ان يسترد.
أحمد الأسعد
أعلى
قراءة في المشروع الديمقراطي الأميركي
فوجىء الحكام العرب كما مواطني بلدانهم بمشروع
قدمته الإدارة الأميركية الى مجموعة الدول الصناعية الثماني باسم
مشروع( الشرق الأوسط الكبير) وتفيد المعلومات التي تواردت مع نشر
المشروع بان الإدارة الأميركية قد باشرت نقاشا مع هذه الدول لضمها
الى (الشراكة) في إدارة وتنفيذ هذا المشروع، حيث انه من المفترض
أن تتبلور نتيجة لهذه النقاشات مواقف موحدة تعرض على قمة الدول الثماني
في اجتماعاتها القادمة التي ستعقد في يونيو القادم في سي لاند في
الولايات المتحدة الأميركية.
وفي واقع الأمر إن هذه الشراكة تقوم بدون شريك محلي، وهي من حيث
الجوهر وطبعا بدون تعجل مشروعا أميركيا لتغيير الوضع بنيوياً في
المنطقة سواء على مستوى الأنظمة السياسية أم الأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية، بما في ذلك تغيرات أساسية في البنى التشريعية، والتعليمية
والثقافية، وإقامة نظام شرق أوسطي كبير يتفق ومنظور الإدارة الأميركية
الحالية ويستجيب لمتطلباتها الحيوية والاستراتيجية في الظرف الدولي
الجديد، علاوة على انه قد يشكل من جهة أخرى ركيزة جيدة للحملة الانتخابية
للرئيس بوش الذي تعاني حملته من انتكاسات مبكرة، وقد تكون من أهم
أسبابها سياسته الخارجية وفي القلب منها سياساته الشرق أوسطية، خصوصا
بعد انكشاف زيف الادعاءات التي بررت غزو العراق واحتلاله باعتباره
يملك أسلحة دمار شامل، ويشكل تهديدا لأمن الولايات المتحدة الأميركية،
وهذه الأكذوبة طالت أيضا حليفه عبر الأطلسي توني بلير، الذي رغم
البراءة التي حصل عليها بشأن انتحار خبير الأسلحة البريطاني إلا
أن الفضيحة الأخلاقية مازالت تلاحقه.
ما ينبغي الإشارة إليه هنا أن المشروع الشرق الأوسطيالكبير، ونقول
عنه الجديد القديم لأنه مع كل تحول تشهده المنطقة تطرح مثل هكذا
مشاريع كان آخرها مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه شمعون بيريز
بعد انطلاق عملية السلام للشرق الأوسط في مدريد، وتتويجها في اوسلو،
وقد كان من نتائج هذا المشروع أن قام المؤتمر السنوي الاقتصادي للشرق
الأوسط، وعقد عدة اجتماعات في عدة عواصم عربية، ولو قيض لعملية السلام
أن تتواصل بنفس الزخم الذي بدأت به وحققت النتائج المتوقعة منها
لربما كان هذا المشروع قد مضى قدما على طريق إدماج إسرائيل في المنطقة
وحقق بعض النتائج المطروحة كأهداف بالمشروع الجديد.
كما إنه من الجدير التأكيد على حقيقة هامة أخرى أن المشروع قد استند
برمته الى جملة من الحقائق، وهي في واقع الأمر نواقص وثغرات خطيرة
كان قد كشف عنها تقرير التنمية البشرية للعالم العربي الذي يصدر
بدعم من الأمم المتحدة للأعوام 2002-2003 حيث ركز التقرير في الواقع
على ثلاثة عناوين رئيسية:
- تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح.
- بناء مجتمع معرفي.
-توسيع الفرص الاقتصادية.
وبصرف النظر عن المسؤولية التاريخية التي يتحملها الغرب عموما والولايات
المتحدة خصوصا عن حالة التدهور والتخلف الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي،
بما في ذلك تخلف النظم السياسية وتدني الديمقراطية وتغييب حقوق الإنسان
في المنطقة العربية ككل، بسبب تحالفها مع أنظمة الحكم السائدة لسنوات
طويلة، ولم تكن تعنيها هذه الأنظمة إن كانت ديمقراطية أم لا أم تقوم
بعمليات تنموية اجتماعية واقتصادية وثقافية. بل المهم كان عندها
حشد اكبر قدر ممكن من الحلفاء في مواجهة ما سمي حينها بالخطر الشيوعي.
بيد أن هذه الدعوات المتبناة الآن لا يبدو أنها تأتي في سياق مراجعة
تاريخية عن خطأ تاريخي ارتكبته الدوائر الحاكمة في التحالف الغربي
بحق شعوب المنطقة، بقدر ما هو مراجعة أملتها تطورات الوضع الدولي
ونزوع الولايات المتحدة الأميركية لقيادة العالم بشكل منفرد، وقد
وفرت لها أحداث 11 سبتمبر المأسوية هذه الفرصة لإعادة صياغة سياساتها
ليس وفق مراجعة تصحح وتصوب هذه العلاقات بقدر، ما تجري هذه المراجعة
كما اشرنا لتشديد قبضة الهيمنة والسيطرة على العالم وتعزيزا للهيمنة
أحادية القطبية.
وقبل الحديث عن مفارقات هذه الدعوة الأميركية ينبغي تأكيد بعض الملاحظات
الهامة حتى لا نفهم بأننا ضد الدعوة للإصلاح والتغيير والتجديد وإننا
من دعاة المحافظة على الوضع القائم، او إننا نرفض الإصلاح والتجديد
لأنه جاء من الولايات المتحدة الأميركية، خاصة وان موضة الإصلاح
والمبادرات والدعوات إليها صارت حديث الساعة، وكأنها فرض من الفروض
الدينية ولم يعد خافيا على احد أن هذه الدعوات قد تزايدت مع تزايد
الضغوط لتحديث أنظمة الحكم في العالم العربي والإسلامي بعد أحداث
11 سبتمبر، حيث اعتبرت هذه البلدان والأنظمة أنها مولدة للإرهاب
والتطرف والديني، طبعا دونما النظر الى سياسة الولايات المتحدة المنحازة
لإسرائيل ودعمها غير المحدود لها سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وماديا.
علاوة على سياساتها التي تكيل بمكاييل مزدوجة للشرعية الدولية اتجاه
العراق وفلسطين وإسرائيل، والكثير من القضايا الأخرى التي تهم البلدان
والشعوب العربية والإسلامية.
بل اننا بخلاف ذلك نعتقد بان الطريق الأمثل لمقاومة الهيمنة الأميركية
والعنصرية الصهيونية إنما يكون باعتماد الديمقراطية سلوكا وممارسة
لا بالتخلي عنها، ففي ظل ديمقراطية حقيقية ستكتشف واشنطن حجم الاعتراض
والرفض لسياسة أدارتها والأنظمة المرتبطة بها.
وبالعودة الى المفارقات المتصلة بالإعلان الأميركي فإننا نجد التالي:
المفارقة الأولى: فيما كانت الإدارة الأميركية تعلن عن مشروعها للإصلاح
الديمقراطي في (الشرق الأوسط الكبير) الذي ستناقشه مع دول الاتحاد
الأوروبي، بمعزل عن رأي شعوب المنطقة وتطلعاتها ومؤسساتها وأنظمتها،
يعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد حمله عشوائية على قناتين
فضائيتين عربيتين هما (الجزيرة) و(العربية) متهما إياهما بالإضرار
بالمصالح الأميركية في العراق. وهذه الحملة من قبل المسؤولين الأميركيين،
وحلفائهم، ضد بعض وسائل الإعلام العربية، ليست جديدة، فقد ترددت
وتواترت أكثر من مرة على لسان أكثر من مسؤول أميركي في العديد من
المناسبات والمواقف، كما لمسنا بعض ترجماتها العملية في القصف المركز
والمقصود لبعض مكاتب هذه الفضائيات العربية والأجنبية، واستشهاد
بعض العاملين فيها، وفي الاعتداءات والاعتقالات المتكررة على مراسلين
ومصورين عرب وأجانب في العراق يقومون بواجبهم الصحفي الذي من المفترض
انه محمي بالأنظمة والقوانين الدولية.
غير أن جوهر المفارقة هو بدأ بث برامج القناة الفضائية المسمى (الحرة)
الأميركية التصميم والتمويل والتوجيه بهدف تحسين صورة الولايات المتحدة،
وما يثير المخاوف من هذا التزامن المقصود من أن تكون الإدارة الأميركية
عازمة على تكريس سياسة أعلام الاتجاه الواحد ورفض الرأي الآخر من
محاصرته وإلغائه.
المفارقة الثانية: هي بالمحاولات الأميركية المحمومة على أكثر من
مستوى لتجاوز او إلغاء على فكرة إجراء انتخابات حرة وديمقراطية تقود
لتمثيل حقيقي للشعب العراقي وذلك باشراف جامعة الدول العربية وهيئة
الأمم المتحدة بعد إقرار جدول زمني بانسحاب قوات الاحتلال من العراق
وخصوصا بعد سقوط ذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل وإلقاء القبض على
الرئيس العراقي السابق. فالذريعة الأميركية للتهرب من هذا الاستحقاق
كما يطرحها حاكم العراق الفعلي السفير بريمر (نعم للديمقراطية ولكن
لا للانتخابات حاليا) متذرعا، كما هي حال نظام ديكتاتوري، باستحالة
إجراء الانتخابات في (الظروف الراهنة) والتهديدات الأمنية المستمرة.
وهذه الذرائع كانت هي نفسها وراء غياب الحياة الديمقراطية والعملية
الانتخابية الحرة عن العديد من بلدان المنطقة والعالم. والآن أصبح
الاستبداد مقرونا باستبداد الاحتلال، وكلاهما مناف للحرية والديمقراطية
التي تدعي الإدارة الأميركية في مشروعها إنها جاءت لتعميمها.
المفارقة الثالثة: هو الموقف الأميركي الداعم للاحتلال الإسرائيلي
للأراضي الفلسطينية والعربية، والذي يغطي على المجازر التي ترتكب
يوميا بحق الشعب الفلسطيني، علاوة على دعم وإسناد حكومة شارون في
كل ممارساتها العقابية الجماعية ضد الشعب الفلسطيني وبناء جدار الفصل
العنصري الذي تسميه سياجا امنيا، ولا تكتفي بذلك فإنها تصر على تغيير
القيادة الفلسطينية الشرعية المنتخبة وترفض التعامل معها، وتضع الشروط
على الشعب الفلسطيني إذا أراد أجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية
فعليه أن يجري انتخابات تشريعية وليس رئاسية لقناعتها التامة أن
الشعب الفلسطيني سيعيد انتخاب رئيسه المحاصر.
والسؤال المشروع هنا لأصحاب خطط نشر الديمقراطية هل نشر المشروع
الديمقراطي الأميركي يتلاقى مع نشر المجازر في فلسطين ورعايتها،
ومع تعطيل العملية الديمقراطية فيها.
وعليه يبقى التساؤل الأكبر والأخير،إذاً ماذا يبقى من هذا المشروع
(الديمقراطي ) الأميركي، الذي يبتدئ حياته بالهجوم على وسائل الأعلام،
وبالتهرب من الاستحقاقات الانتخابية في العراق، ويرفض نتائجها مسبقا
في فلسطين، إنها لمفارقة فعلا، حين يكون صاحب المشروع الديمقراطي
في المنطقة هو الأكثر استبدادا وتعسفا واقصائية في العالم كله.
د.أحمد مجدلاني
كاتب فلسطيني ـ رام الله المحتلة
أعلى
الشريعة ودستور بريمر
لم يكن غريباً أن يعلن الحاكم الاميركي للعراق
(بول بريمر) عن تدخله في عملية وضع الدستور العراقي والتي يجري التنسيق
والإعداد لها حالياً تحت مسمى قانون إدارة الدولة الانتقالي، وذلك
من خلال رفضه لأن يصبح الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع، وذلك
على عكس رغبة أعضاء مجلس الحكم وغيرهم من أبناء الشعب العراقي. وذلك
في ظل حال الوصاية الاميركية التي يعيشها العراق حالياً والتي باتت
تمتد لتشمل مختلف القضايا الوطنية والشعبية.
وينبع إصرار بريمر على ألا تنص مسودة الدستور الانتقالي على أن تصبح
الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وإنما مجرد مصدر للتشريع
لما قد يعنيه ذلك من محاولة رفض الصبغة الإسلامية للدولة العراقية
المنتظرة حسب رؤية بريمر. وكأن هذه الصبغة باتت جريمة أو تهمة يجب
التنصل منها والابتعاد عنها، وهو ما يعني ضمناً اعتبار الإسلام مصدراً
عادياً ثانويا لا يختلف في ذلك عن بقية مصادر التشريع كالعرف والعادات
والتقاليد وقوانين الطبيعة وغيرها.
ولا تخفى الدوافع التي تحكم رؤية بريمر -والتي هي في الأصل تعبير
عن رؤية بلاده- لمستقبل الأوضاع في العراق، حيث ترغب الولايات المتحدة
أولا في إبعاد العراق عن أي صبغة دينية من خلال تأكيد ذلك في الدستور
المقترح، وذلك تحت دعوى درء الفتن، بينما في الأصل فلا يعدو الأمر
كونه تعبيرا عن رغبة واشنطن في علمنة العراق وجعله نموذجاً يحتذى
به في المنطقة. من ناحية ثانية ترغب واشنطن في ضمان ألا يصبح الإسلام
إطاراً رئيسياً أو سياجاً حاكماً لمستقبل الحياة السياسية في العراق،
وذلك حتى لا يفرخ قوانين من شأنها رفع درجة العداء للغرب وللولايات
المتحدة على وجه التحديد. وثالثاً ترغب واشنطن في أن يصبح لها دور
محوري وهام في رسم الملامح المستقبلية للدولة العراقية وذلك من خلال
التدخل في عملية وضع الدستور باعتبارها اللبنة الأولى في بناء أي
مجتمع، وبحيث تصبح هناك رابطة مستقبلية بين العراق والولايات المتحدة
تدعمها لوائح الدستور الجديد، وذلك على غرار التجربة الاميركية مع
اليابان وألمانيا.
وفي حين اقترح بعض أعضاء مجلس الحكم الانتقالي أن يصبح الإسلام المصدر
الرئيسي للتشريع العراقي، وشددوا على أن الشعب العراقي هو وحده صاحب
الحق في سن دستور جديد للعراق. رفض بريمر هذا صراحة وذلك حين ذكر
أنه لن يقبل بأي دستور يجعل من الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع (في
العراق) كما يطالب بعض أعضاء مجلس الحكم. بل والأكثر من ذلك أن بريمر
قد هدد باستخدام حق الفيتو إذا أصر المجلس على اقتراحه هذا، وذلك
نتيجة للاتفاق الموقع بين المجلس وسلطة التحالف والذي يشترط موافقة
بريمر على أي قرار يتخذه المجلس. وعملياً لا تتحول المشاريع التي
يصدرها مجلس الحكم العراقي إلى قوانين ملزمة إلا إذا وقعها بريمر،
بما فيها مسودة الدستور، وهو ما يعطيه عمليا حق الفيتو (النقض) على
قرارات مجلس الحكم.
وقد لا يصبح تدخل بريمر في تحديد مواد أو بعض من مواد الدستور العراقي
غريباً في ظل حال الوصاية التي تفرضها الولايات المتحدة على العراق
منذ أن دانت لها الأمور هناك قبل أقل من عام. ولكن الغريب أن تتشدق
الولايات المتحدة في كل مناسبة برغبتها في وضع العراق على طريق الحرية
والديمقراطية، ولا يُفهم كيف يتم هذا مع التدخل السافر لبريمر في
عملية وضع الدستور، فضلاً عن اعتبار الدستور العراقي من أحد المهام
الرئيسية لحكومة الاحتلال بغض النظر عما يريده أبناء العراق. فالعراق
دولة مسلمة بشكل عام وذلك بغض النظر عن ذلك التقسيم الديني بين شيعة
وسنة، وعليه فإن اعتبار الإسلام بمثابة المصدر الرئيسي للتشريع هو
أمر بديهي انطلاقاً من شموليته لمختلف مناحي الحياة التي يمكن أن
يتضمنها الدستور، وعليه يصبح حرمان الشعب من تقرير ما هو متناغم
ومتناسب مع خلفياته الدينية والعقيدية لهو أمر مخالف لأدني مبادئ
الحرية خاصة ما يتعلق بحرية المعتقد وحرية التعبير. وعليه تظل الولايات
المتحدة غارقة حتي أذنيها في ادعاءاتها المزيفة حول فرض الحرية وإقرار
الديمقراطية في العراق، وما التدخل في قضية وضع الدستور سوى علامة
بسيطة على صدق هذه الادعاءات وثبوتها.
ومن مفارقات بريمر -وهي كثيرة- أنه وعندما تولى مهام منصبه قبل أكثر
من ثمانية أشهر قد أطلق تصريحات عديدة تؤكد على عدم تدخله في قضية
صياغة الدستور العراقي، معتبراً إياها قضية عراقية بحتة ولن تتدخل
سلطة التحالف في مناقشتها لا من قريب ولا من بعيد. بيد أن الحاصل
هو العكس فقد بدأ بريمر يمارس دور الرقيب على عملية صياغة الدستور
وذلك ضماناً لئلا تخرج نصوصه عما هو متوقع أميركياً.
وبوجه عام يسعى بريمر -ومن خلفه واشنطن- من إصراره على استخدام الفيتو
في حال إصرار أعضاء الانتقالي على جعل الشريعة الإسلامية بمثابة
المصدر الأساسي للتشريع، إلى تأكيد الحق الاميركي في رسم مستقبل
الدولة العراقية، بالشكل الذي يتناسب مع رؤية واشنطن للعراق والدور
الذي قد يقوم به في المنطقة.
ونظراً للأهمية القصوى التي تشكلها قضية وضع الدستور خاصة في بلد
مثل العراق يتسم بتعقيدات طائفية وعرقية، فقد واجهت عملية وضع الدستور
العراقي معضلات عدة يتعلق أولها بالخلاف حول مشروعية الجهة المسئولة
عن صياغة الدستور، وإذا كان مجلس الحكم قد اتفق من قبل على تشكيل
لجنة من ما يقرب من 250 شخصا للقيام بهذه المهمة فقد تخوف البعض
من سيطرة الطابع القبلي والطائفي على طبيعة أعمال اللجنة والذي قد
ينجم من سيطرة أغلبية معنية (سواء شيعية أو سنية) على تشكيل اللجنة
وتوجهاتها -كما هو الحال في مجلس الحكم- بما قد يعني الانحياز إلي
طائفة معينة دون غيرها في تحديد بنود الدستور، فضلاً عن إصرار قادة
الشيعة وعلى رأسهم آية الله علي السيستاني على أن تكون هذه اللجنة
منتخبة وليست معينة لضمان النزاهة والشفافية. والمعضلة الثانية هي
احتمالات غلبة الفوارق الاجتماعية والعرقية والدينية التي تعم المجتمع
العراقي على حساب الهم العراقي المشترك، وهو ما يحتم ضرورة مراعاتها
عند وضع الدستور، وهي ليست معضلة في حد ذاتها بقدر ما يمكن أن ينجم
عند إثارتها، ويمكن التغلب عليها إذا اعتلت المصلحة العليا للوطن
العراقي وطغت فوق هذه الفوارق. أما المعضلة الثالثة فمردها إلى طبيعة
مواد الدستور الجديد وشكل النظام السياسي للعراق الجديد وهل سيتم
اعتماد الفيدرالية كنظام للحكم، خاصة في ظل الإصرار الشديد للأكراد
على هذه المسألة، أم سيتم الإبقاء علي ملمح الدولة العراقية البسيطة،
هذا فضلاً عن الخلاف حول دور الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد
وما إذا كانت ستشكل الإطار الحاكم لتوجهات النظام الجديد في العراق
أم ستصبح مجرد واجهة اسمية فقط.
بيد أن المقلق في قضية وضع الدستور بوجه عام هو أن هناك إرهاصات
جديدة بدأت تلوح في الأفق تدل على أن احتمالات انزلاق العراق في
فخ الفتنة الداخلية باتت وشيكة وهو ما كنا نخشى حدوثه ونوهنا إليه
من قبل، وهو ليس مجرد محض افتراء بقدر ما هو تقرير لواقع فعلي في
عراق اليوم، ليس أدل على ذلك من دعوة الشيعة والأكراد إلى إجراء
انتخابات في مناطقهم فقط (الشمال والجنوب) واستثناء مناطق السنة
(الوسط) وذلك في بادرة غريبة نحو تقسيم اللُحمة العراقية ومحاولة
تقطيع أوصالها، وهو مطلب غير واقعي وغير وطني، وإذا كانت دوافع هذا
المطلب واضحة وليس أقلها النيل من الرابضين خلف صفوف المقاومة العراقية
المتمركزين في منطقة المثلث السني.
وتعكس الطبيعة الراهنة للوضع في العراق مدى التشرذم السياسي والتشتت
الذي يطغى على مختلف أطراف اللعبة السياسية هناك، يدلل على ذلك حجم
الاختلاف الملحوظ بين الشيعة والسنة والأكراد حول مستقبل العراق
خاصة فيما يتعلق بقضية الانتخابات ونقل السلطة للعراقيين، ففي الوقت
الذي يطالب فيه الشيعة بضرورة إجراء انتخابات تشريعية في أقرب فرصة
ممكنة وعدم الموافقة على طرح واشنطن بإجراء انتخابات محلية تفضي
إلى حكومة محلية، ينخرط السنة في رفض أي بديل للمقاومة ضد الاحتلال،
في حين يطالب الأكراد بالفيدرالية والاستقلال عن أي حكومة عراقية
ستحل في بغداد إن آجلاً أو عاجلاً. فضلاً عن هذا كله يتلهف أعضاء
المجلس الانتقالي إلى نقل السلطة إلى أيديهم بحلول منتصف العام الجاري،
ويعتبرون أي تأخير أو تخلف عن هذا الموعد بمثابة جرم لن يُغتفر للولايات
المتحدة، هذا في الوقت الذي تبدو هناك مساحات اختلاف ملحوظة بين
أعضاء المجلس حول العديد من القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل الحكم
في العراق.
في ظل هذا التشرذم باتت فرص تدخل بريمر لإقرار ما يشاء من سياسات
وبنود سهلة وفي متناول يده، ولذا فلن يكون مفاجئاً أن يقر مجلس الحكم
مطلب بريمر برفض الإبقاء على الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر
الرئيسي للتشريع في الدستور العراقي، ما يعني استمرار فرض الوصاية
الاميركية على العراق لعقود طويلة قادمة.
خليل العناني
كاتب ومفكر مصري
Kanany2000@yahoo.com
أعلى

حتى لا تهزَم منا الإرادة والروح
بعد الضجة المتنامية في الولايات المتحدة الأميركية
وبريطانيا حول موضوع أسلحة الدمار الشامل، وصدور تقريري اللورد هاتن
وديفيد كي، واستقالة مديري الـ( ب ب سي) بسبب تحميل إذاعتهما مسؤولية
عدم الدقة لأنها روجت قدرة العراق على استخدام أسلحة دمار شامل خلال
خمس وأربعين دقيقة؟! وتشكيل لجان للتحقيق في المعلومات الاستخبارية
الواهية، ضمن زوبعة الانتخابات، وتقديم السيئ الذكر دونالد رامسفيلد
مبررات وأسباباً لعدم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق منها
قوله:
1ـ قد لا تكون الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية موجودة أصلا
قبل بدء العمليات الحربية.
2 ـ ربما يكون العراق قد نقل أسلحة الدمار الشامل إلى دولة أخرى.
3 ـ ولربما تكون الأسلحة قد دمرت عند بدء العمليات الحربية.
4 ـ تم تفريق هذه الأسلحة وإخفاؤها في شتى أنحاء البلاد.
5 ـ قد يكون العراق قد امتلك كميات صغيرة من المواد البيولوجية أو
الكيميائية، وكانت لديه القدرة لتعزيز مخزوناته بسرعة، إلا أن اكتشاف
ذلك يستغرق قدرا أكبر من الوقت.
6 ـ (ربما) كان صدام حسين يضلّل الجميع وفي الواقع أنه لم يمتلك
أصلا أي أسلحة دمار شامل.
وقوله: إنه يعتقد بأن الأسلحة ربما لا تزال مخبأة في العراق وأن
فرق التفتيش تحتاج إلى وقت إضافي للتأكد من وجودها أو عدم وجودها؟!
وهو المطلب الذي رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا إعطاءه لمفتشي
الأمم المتحدة حينما طلب ذلك كل من بليكس والبرادعي في تقريريهما
أمام مجلس الأمن في أثناء جلسته العلنية الشهيرة قبل شن الحرب..
أجدني أمام مدرسة من المراوغة والخداع يصعب تصديق وجودها على هذا
المستوى في دول تهرف بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان واحترام الحريات،
وتقول بنبذ الكراهية وتحارب الإرهاب وهي التي تكرس الكراهية وتمارس
الإرهاب؟! واستمرار رئيسها في التوهم بأنه مكلف برسالة إلهية وأن
ما يقوم به يريده (الرب) ويباركه.. حتى ترشيحه من جديد لدورة انتخابات
مطلب من مطالب (الرب): جاكسون ليرز في نيويورك تايمز: إن الرئيس
جورج بوش يؤمن بان الأحداث تحركها يد الرب العادل الأمين، وان رئاسته
جزء من خطة إلهية، وينقل عنه قوله أعتقد أن الرب يريدني أن ادخل
المنافسة على منصب الرئاسة.؟!
بعد ذلك كله أجدني أقرب إلى استنتاج لا أطيقه ولكنه يقتحم علي كل
باب من أبواب المنطق والوقائع التاريخية البعيدة والقريبة، استنتاج
مفاده أن توني بلير وجورج بوش وسواهما من شركاء الحرب على العراق
مسكونون باعتقاد ديني أو توهم نفسي ضخم يسوغ لهم أفعالهم، وأن أحداً
منهم لا يشعر بأي تأنيب للضمير بعد اكتشاف أو كشف الأكاذيب المتعلقة
بأسلحة الدمار الشامل العراقية، ولن يشعر أي منهم بشيء من ذلك، وهم
يقررون أن تلك تكاليف ربانية ومصالح عليا لبلديهما سوف يقدرها الناس
لا حقاً؟! وهذا يشير بوضوح إلى أن قرار شن الحرب على العراق كان
قراراً سياسياً وما تبقى قشور وأقنعة وذرائع، وأن الحرب والتهديد
بتوسيع دائرتها لتشمل بلداناً عربية وإسلامية أخرى، مطلب صهيوني
ومصلحة أميركية ـ بريطانية، وتلك فيما يبدو هي الحقائق الأدق والمحركات
الدينامية للعدوان بكل أشكاله المادية والمعنوية. وأكاد أقطع بأن
هذا النوع من الحروب على بلدان عربية وإسلامية، بل على العروبة والإسلام،
سيبقى على البرنامج المستقبلي للكيان الصهيوني والحركة الصهيونية
من جهة ولتينك الدولتين من دول الغرب على الأقل، لأنها تدخل في التكليف
الرباني وفق الهوس الاعتقادي والاعتقاد التوارتي ـ التلمودي المشترك
لهم، وضمن المطالب المحققة للمشروع الصهيوني، وكذلك في المشروع الإمبريالي
الأنغلوسكسوني الذي يستعيد أنفاسه أميركياً بعد أن تراجع بريطانياً.
وكل ما تبقى ذرائع وردود سياسية على الذرائع يتداولها جمهوريون وديموقراطيون..
محافظون وعماليون.. ليكوديون وأتباع لحزب العمل، يمين ويسار في بؤرة
الشر الأولى في العالم: الكيان الصهيوني ولا صلة لأي شيء من ذلك
بالأخلاق أو ببقية القيم والحقوق والحريات الإنسانية التي تشوهها
القوى الإمبريالية الصهيونية وتحولها إلى بضائع سياسية يتم الاتجار
بها والتدخل باسمها في الشؤون الداخلية لدول وشعوب.
أما كلام الشارع السياسي البريطاني والأميركي عن الحرب والتورط أو
التوريط بها، فيندرج في اللعبة الانتخابية بين اللاعبين الذين اتفق
معظمهم ـ باستثناء بعض الشرفاء البريطانيين من الوزراء الذين استقالوا
من مناصبهم قبل الحرب ـ في ذروة النقاش الذي كان يدور حول علاقة
نظام صدام حسين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والإرهاب الدولي، وأسلحة
الدمار الشامل.. وبقية الأسباب والذرائع لشن الحرب، اتفقوا على أن
يدعموا حكومتهم في تلك الحرب بحجة أن جنودهم في الميدان.. وهي قاعدة
عمل سياسية استعمارية مستمرة مهما كانت الحرب وسخة.
ولن يغير ذلك الحوار الحاد وتغيير الشخصيات والحكومات والرئاسات
إن حصل، لن يغير من حقائق تمكّن ثقافة الكراهية والعداء للعرب والمسلمين
في نفوس الكثيرين من أولئك الذين لا يرون إلا بعيون المصالح والاستعلاء
العنصري والعدوانية التاريخية.. فقراءة الوقائع التاريخية تشير إلى
أن هناك حالة عداء مزمنة دخلت في العمق الاجتماعي والروحي والثقافي
والاعتقادي لشرائح نافذة الرأي والقرار في الولايات المتحدة الأميركية
وبريطانيا تغذيها الصهيونية من جديد ويشكل اليمين المتطرف أهم سدنتها،
ويعيش اليسار عملياً في هوامش ذلك التطرف ولا يخرج عليه مهما ادعى
العلمانية.
وعلى الرغم من المناداة بجعل المعرفة متاحة للجميع وهي حق مشروع
لهم فإن تصنيع المعرفة أو تصنيع الجهل والتجاهل من ضمن برمجيات المعرفة
السياسية أو السياسات المعرفة في تلك البلدان التي تصدر لنا الادعاءات
والدعوة العريضة لحرية وصول المعلومات، حيث يتم تعتيم إعلامي على
الناس في تلك المجتمعات عن طريق حجب المعلومات والحقائق عنهم في
الأوقات الدقيقة، ليتم جهل أو تجاهل، ثم تجري إشارات نقدية إلى شيء
من ذلك بعد إنجاز الأهداف وارتكاب الجرائم وفوات الأوان لتبييض الوجوه
والصفحات وتلميع الوجه الديموقراطي البائس وتحسين الصورة والسمعة
المشوهتين.
وحين يتعلق الأمر بنا نحن العرب فالإدانة صريحة من رؤساء الغرب الاستعماري
ومثقفيه وإعلامييه إضافة إلى الكثيرين من حلفائه وأتباعه ومن أبناء
البيت العربي ذاته بسبب غياب المعلومات وتغييب الجمهور وانتهاك الحقوق
المشروعة بضرورة وصول المعرفة إلى الناس؟! وهذا مطلب حق يجب أن يكون
للجميع وللقضايا والمواضيع كلها؟!.
الكيل بأكثر من مكيالين سياسة لا يتردد الصهاينة والإمبرياليون في
استخدامها ولا يهتز لهم جفن عندما تواجههم بها، والقول الصريح الذي
يقولونه لنا حول ذلك رداً على طلبنا بأن يغيروا هذا النهج المقيت
المناقض للعدالة والمدمر للحقيقة: متى كنا لا نكيل بمكيالين واحد
لنا وآخر لأعدائنا.. هذا منطق الأحداث وسجل الوقائع ومنطق تاريخنا..
أو منطق التاريخ، ومقتضى مصالحنا.. نحن لم نتغير ولكن نظرتكم لنا
هي التي تتغير أو تطالبنا بالتغيير.. ولكن مصالحنا أولاً..؟! وهم
يسوغون هذه السياسة ويردون على التماساتنا تلك بهجوم شامل على رأسه
الافتراء المتدفق من أعلى المستويات السياسية: كمثل قول الرئيس الأميركي
جورج بوش قبل أيام: التصدي للدعايات الحاقدة التي تملأ الأثير في
العالم الإسلامي، ومن أجل النقاش المفتوح، فإننا نقوم ببث رسالة
التسامح والحقيقة في اللغات العربية والفارسية لعشرات الملايين.
وفي بعض المدن في منطقة الشرق الأوسط الكبرى، محطات الاذاعة التابعة
لنا تحتل المرتبة الأولى في أوساط المستمعين الشباب. وقد رصد في
الميزانية الحالية ثمانين مليون دولار للتدخل في شؤون داخلية وشراء
ضمائر يطلق عليها تسميات براقة؟! .. قال الرئيس بوش إنه طلب من الكونغرس
مضاعفة الميزانية المخصصة لمؤسسة الوقفية القومية من أجل الديمقراطية،
رافعاً ميزانيتها السنوية إلى 80 مليون دولار، للتركيز على جلب انتخابات
حرة وأسواق حرة وصحافة حرة وخطاب حر ونقابات عمالية حرة إلى الشرق
الأوسط... وقال في الخامس من فبراير الحالي: إننا نسعى إلى دفع الديمقراطية
إلى الأمام لأسباب عملية جدا: لأن الديمقراطيات لا تدعم الإرهابيين
أو تهدد العالم بأسلحة القتل الشامل. وكأن الولايات المتحدة الأميركية،
الدولة الديموقراطية لا تدعم الديكتاتوريات وتقيمها وتحميها، ولا
تدعم الإرهاب الصهيوني ولا تموله وتحميه ابتداء من العلميات الإجرامية
اليومية ضد الشعب الفلسطيني إلى الاستيطان إلى إقامة السور العنصري،
وهو الإرهاب مجسداً، ولا تمول الاحتلال.. ولا تشجع الصهيوني المحتل
على الاستمرار في احتلاله وسياساته العنصرية والعدوانية، ولا تقوم
هي باحتلال أرض الآخرين ونهب ثرواتهم وتدمير أمنهم وبلدهم؟!
أما ما يتعلق بحرية الإعلام ونشر المعلومات وإيصال الحقائق، لا سيما
عن فلسطين والعراق ومنطقة الشرق الأوسط، وما يقوم به العدو الصهيوني
والاحتلال الأميركي البريطاني في العراق وما يجري من تدخل في الشؤون
الداخلية هنا وهناك فإنها أمور لا تصل إلى الشعب الأميركي، ومن يحاول
أن يوصل شيئاً من ذلك في وسائل الإعلام من البريطانيين أو الأميركيين
يتلقى ضغطاً وتعليمات لتقديم الأمور من وجهة نظر الدولة/(تصريح مدير
الإذاعة البريطانية بعد استقالته من الأدلة على ذلك) ومن كان من
أولئك خارج السيطرة الإدارية أو الجغرافية أو خارج دائرة النفوذ
فإنه يتهم بالتحريض وببث الكراهية ويعتقل أو تشوه صورته تماماً،
كما حدث لصحفيين في فلسطين والعراق وغيرهما من بلدان العالم.. وتتدفق
عليه سلسلة التهم التي يتقنها بامتياز فريق الرئيس بوش السياسي والأمني
والإعلامي والثقافي في مراكز الأبحاث التي يقودها الصهاينة؟!
عالم عجيب يبشر به الثلاثي الأعجب: بوش وبلير وشارون رأس الافتراء
في المنطقة العربية ومناطق النفوذ الصهيونية في الإدارة الأميركية
والحكومة البريطانية على السواء.
ونحن في خضم موجة ومقبلون على مرحلة جديدة أيضاً من تصدير الأكاذيب
والمتاجرة بالأوهام المؤلمة وتمويه الاستراتيجيات الفتاكة بتكتيك
براق، مرحلة خداع وتضليل ضخمة يقودها الإرهابي شارون ويوافقه عليها
الرئيس جورج بوش وفريقه، وسيتم تسويقها الأوسع والأشهر والأقوى من
واشنطن بعد أن يزورها شارون في شهر فبراير الحالي 2004، وهي مرحلة
تسويق سياسة الفصل من جانب واحد في فلسطين المحتلة حيث يبشر شارون
بالانسحاب المؤلم من سبع عشرة مستعمرة في غزة تضم سبعة آلاف وخمسمئة
مستعمر صهيوني يحتلون مواقع من غزة تغطي ثلث مساحة أرضها البالغة
ثلاثمائة كم2 ومن بعض البؤر الاستعمارية في الضفة ليأخذ بالمقابل
دعماً أميركياً جديداً يشمل وفق بعض المصادر:
موافقة أميركية على:
ـ أن يضم الجدار الفاصل جميع المستوطنات الباقية.
ـ مساعدة مالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات لتمويل عملية نقل وتعويض
المستوطنين.
ـ حرية عمل عسكرية في الضفة والقطاع بعد انتهاء عملية الإخلاء.
ـ تأييد الدول الغربية لخطة الانفصال.
ـ خطوات تتم بالتنسيق مع الإدارة الأميركية وبينها الإعلان عن ضم
معاليه أدوميم وغوش عتسيون رسمياً إلى الكيان الصهيوني
ـ مواصلة البناء في المستوطنات المركزية.
ـ اعتراف أميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل.
ـ عدم المساس بمستوطنات الضفة الأخرى حتى التسوية النهائية..
وكي يتوسع في المركز الاستعماري المتحكم بأمن منطقة غزة: دير البلح
ويركّز القوة العسكرية والاستيطان هناك، ويسيطر على مناطق حيوية
في الضفة الغربية، ويقضم المزيد من الأرض الفلسطينية، ويمرر الجدار
العنصري الذي يحاصر داخله الفلسطينيين، ويبقي على وضع التحكم الصهيوني
بالشعب الفلسطيني لعشرين سنة قادمة يستعد بعدها الكيان الصهيوني
لقضم المزيد من الأرض ولتهيئة من يوافق له من الفلسطينيين على حلول
تصفوية جذرية ونهائية تأتي على ما تبقى لهذا الشعب الصابر المناضل
من أرض وحقوق.
وعلى رأس المكاسب أن تقوم الولايات المتحدة
الأميركية بدفع العرب إلى تقديم تنازلات جديدة بالتهديد أو الإغراء
أو الابتزاز، والضغط على الفلسطيني للقبول بما يعرَض عليه من فتات
أرضه وحقوقه.. فهل نغرق من جديد في دوامة الخداع الأميركي الصهيوني،
خداع شارون ـ بوش، أم أن يقظة ما تستند إلى رؤية ونوع من التضامن
والتعاون والقوة بمستوياتها المتدنية ممكنة التحقق حتى لا يسرق العدو
المزيد والمزيد من أرضنا وحقوقنا وكرامتنا؟!
إلى الذين يقولون: لا جدوى.. ولا مخرج من قبضة الثلاثي العجيب الغريب..
نسوق تجربة المقاومة، وصمود الشعب الفلسطيني البطل رغم أنواع الحصار،
والملاحقة بالإحباط، وانقطاع النصير العربي عن المدد حتى بالصوت
في كثير من الحالات.
ونقول إن اليأس من أنفسنا هو أكبر ما ينبغي أن نواجهه حتى لا تهزم
منا الإرادة والروح.
علي عقلة عرسان
الامين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب
alorsn@net.sy
أعلى
الإعلام والسلطة ومقومات الأمة
بغض النظر عن خلفية ما نشرته صحيفة المدى العراقية
من قوائم لاسماء شخصيات وشركات حصلت على قسائمر نفطية عراقية مقابل
دعم العراق ابان فترة الحصار، فان دلالة الخطوة اوسع بكثير من مجرد
تصفية حسابات مع النظام السابق من قبل القوى التي تصدرت الساحة مع
الاحتلال الاميركي. وسواء كانت هناك وثائق (لا يصعب ايجادها في بلد
مباح) او زورها شخص حصل على اكثر من الفي دولار كما ذكرت الانباء،
فان غرض تشويه سمعة العديد من الشخصيات القومية العربية قد تحقق
بقدر او بآخر. وهذا بالتحديد هو ما قصدته الصحافة العراقية ـ وهو
ما كانت تقوم قناة الجزيرة الفضائية القطرية في بدايتها بدور مماثل
له من كسر لبعض القيم الراسخة في الامة في اطار التحديث والبزوغ
الاعلامي المتحرر. ويعتبر موضوع قسائم النفط هذا في الاعلام العراقي
مؤشرا على الدور الجديد للعراق في المنطقة خاصة في مجال الاعلام.
واذا كان الاميركيون والبريطانيون يصرون ليل نهار على انهم جعلوا
من العراق نموذجا سياسيا واقتصاديا للمنطقة كلها، فان الاعلام يتقدم
في هذا النموذج. ولهذا نجد اشد الانتقادات حاليا التي توجد بعض وسائل
الاعلام العربية، تأتي من كتاب وصحفيين عراقيين تفرد لهم المنافذ
الجديدة (الساعية في الركاب الاميركي الجديد) مساحات واسعة ليعلموا
الامة اصول الاعلام والصحافة والسياسة وغيرها.
والحقيقة ان الاعلام العراقي الان لا يختلف كثيرا عن التوجه الجديد
الذي يصبغ ما يجري في العالم الرأسمالي من موجة تسطيح متأمركة تكاد
تقضي على الاصيل التقليدي لصالح ما بعد الحداثي الفارغ من اي قيمة.
فالعراق تحت الاحتلال هو اكثر دولة في المنطقة قيدت الاعلام الاجنبي
والمحلي، ليس فقط عبر اعاقة عمل قناة الجزيرة او قناة العربية ولكن
حتى في التقييد على الصحف العراقية ذاتها كما حدث مع واحدة انتقدت
مجلس الحكم او قوات التحالف فأغلقت. وفي المقابل تسمح سلطات الاحتلال
بحرية اصدار الصحف، شرط الا تتعاطى القضايا الاساسية. وذلك هو لب
الاعلام الجديد الذي يسعى الاميركيون للترويج له وتتنافس عليه استثمارات
عربية تسابق قناة الحرة الاميركية التي تستهدف وجود الجزيرة والعربية
وال بي سي والمستقبل وحتى الفضائية السودانية.
وقد صدرت القناة الاميركية بالفعل في اول ايامها مركزة على اخبار
العراق، كانما تعوض انها في بثها على نايل سات حلت محل قناة العراق
الفضائية في التردد الذي كان مخصصا لها. لكن الاهم ان الحرة انما
تركز على اخبار البلد المثال، وما يجري فيه باعتباره نموذجا للعرب
والمسلمين غير مسموح لهم الا باتباعه واستلهامه والا فرضه المارينز
وطائرات الـ بي 52. ان الحرية الموجودة في العراق الان لا مثيل لها
على الاطلاق، فهي تكاد تكون مطلقة وبلا معنى الى حد الفوضى الوطنية.
وكما في البيزنس (حيث النخبة العراقية الجديدة كلها من ارباب الاعمال
التي كانوا يرعونها في اوروبا واسيا واميركا وشركاتهم تعمل لحساب
شركات المحتلين الان) فهكذا الاعلام: حرية بلا سقف سوى البعد عن
الحقيقة وتسفيه وتسطيح كل قيم الامة. وبعد ان كان هناك تيار كردي
(حتى بين اكراد تركيا وايران) يرى حل المسألة الكردية في اطار عربي
اسلامي، اصبح كل ما هو عربي واسلامي لدى النخبة العراقية الجديدة
مرادفا لصدام حسين واسامة بن لادن بالمفهوم الاميركي: الشر المطلق
والارهاب الظلامي.
ولا عجب الان ان تجد وسائل الاعلام التي تسعى للبقاء في الاطار الاميركي
للمنطقة توظف الكثير من العراقيين قبل غيرهم، فهم من سيعلمون الامة
مذهب السيد الجديد. ولا ينافسهم في ذلك الا فئة من اللبنانيين الذين
ينطبق عليهم وصف الفنان اللبناني زياد رحباني بان لبناني في جوازات
سفرهم في خانة المهنة وليس الجنسية.
وليس اقدر على قلب الابيض اسود والاسود ابيض الا من لايعنيه اللون
اساسا وانما يعنيه كم تحقق العملية من منفعة سريعة وانية.
الا ان ذلك لا يكفي، ويدرك الاميركيون ذلك، ولا بد من إيجاد كوادر
محلية في كل البلاد العربية والاسلامية تقوم بذات المهمة عبر وسائل
اتصال تبدو وطنية. لذا تتعرض الحكومات العربية الان لضغوط شديدة
لفتح المجال امام القطاع الخاص ليتولى عملية الاعلام والاتصال، ليس
على اساس المنافسة في اطار مقومات الامة والحفاظ على السيادة، لكن
على اساس شراكة اميركية مباشرة او غير مباشرة مع هذا القطاع الاعلامي
الجديد.
وتجد هذه الضغوط صدى مبررا لدى قطاعات واسعة من الناس الذين يشعرون
بالحرمان من الحرية ويعانون من تدهور فرص تحسين الاحوال المعيشية،
مما يشكل عبئا داخليا على السلطات التي لا تستطيع مواجهة الضغط الاميركي
اصلا. ولن يكون غريبا اذا وجدنا في مصر مثلا، او الجزائر او اليمن،
قريبا منافذ اعلامية جديدة تعزف على وتر التخلي عما صار يسمى الشعارات
الجوفاء وانتقاد المقاومة الفلسطينية التي تهدر حياة البشر بلا معنى
وتعيق طريق التسوية الاميركية السلمية للاحتلال الصهيوني للارض العربية.
وعبر جدال حول المهنية والموضوعية ـ وغيرها من المصطلحات الوهمية
ـ يستبدل وصف شهيد بوصف قتيل حتى لا نشجع على الارهاب. ولتدافع هذه
المنافذ الجديدة عن تقسيم العراق في سياق منح الجماعات المختلفة
حرية تقرير مصيرها، وكذلك تبرير انفصال كيانات صغيرة في اوطاننا
العربية تحت الشعارات الاميركية الجديدة الى حد السماح بحكم ذاتي
لحي شبرا في القاهرة المصرية لان به اغلبية قبطية!
ليس في الامر مبالغة، بل نحن بالفعل دخلنا عهدا مما بعد الحداثية
الاميركية التي يلعب الاعلام فيها دورا اساسيا ولا يكفي فيه الحرة
والجزيرة وغيرها. ولعل من اسرع التطورات الدفع باتجاه وسائل الاتصال
الفئوية والجهوية داخل كل بلد باعتبار انها الطريقة الافضل للتركيز
على قضايا جزئية مما يساعد على تخفيف حدة المقومات الوطنية والقومية.
واذا كانت الدولة في السابق كانت تلعب دور حامي الحمى لهذه القيم
والمفاهيم (للاسف في اطار قمعي بهدف حماية الانظمة) فان من الصعب
التعويل عليها الان، كما ان التيارات النضالية التقليدية غالبا ما
تكون اسرع من يسعى للاستفادة من التوجهات الجديدة بركوب الموجة والنضال
مع التيار.
د. أحمد مصطفى
كاتب عربي يقيم في لندن
amamustafa@yahoo.co.uk
أعلى