الانسحاب من غزة والقنبلة الموقوتة !
جاء عرض شارون رئيس وزراء اسرائيل بالانسحاب
من قطاع غزة من جانب واحد ليمثل فخا كبيرا للعرب ومخرجا يراهن عليه
شارون للخروج منه هو وحكومته من الورطة التي اوقع نفسه فيها !
فالانسحاب من غزة لعبة سياسية كبيرة جدا اقدم عليها شارون من مبدأ
الغريق لا يخشى البلل !!
وبما ان شارون وحكومته غرقى في مشاكل لا تعد ولا تحصى فإن الانسحاب
من غزة هي القشة التي لعل وعسى تخرجهم من الاوحال السياسية اللزجة
!
فهذا المقترح يهدف منه شارون الى تهدئة جبهات عديدة فالناخب الاسرائيلي
يجب ان تعود الثقة اليه في ان شارون مثلما هو رجل حرب فإن السلام
مسعاه ايضا !! كما ان القضاء الاسرائيلي يجب ان يتم اشغاله بقضايا
سياسية تهم اسرائيل بأكمله ومستقبلها حتى على أسوأ تقدير تتأخر تحقيقات
الفساد الذي تورط فيه شارون وابناه !! اما الحكومة الاسرائيلية نفسها
فشارون يحاول اشغالها بقضية الانسحاب حتى لا تتداعى اركانها خاصة
من يقال إنهم ضد سياسة العنف الشاروني !
اما الرأي العام الاسرائيلي فلابد من مجاملته وتخديره ان لزم الامر
بمبادرة كهذه خاصة بعد مبادرة جنيف وتحذيرات رؤساء المخابرات الاسرائيلية
الاربعة من سياسة العنف التي يتبعها شارون !
اما بالنسبة الى الجبهة الخارجية فإن الانسحاب من غزة هو من قبيل
ذر الرماد على العيون وللتغطية على بناء جدار الفصل الذي وصل الى
مراحل متقدمة وقضم الكثير من الاراضي الفلسطينية!
كما ان الانسحاب من غزة نوع من الالتفاف والتفريغ لما جاء في خارطة
الطريق التي احالها الاسرائيليون الى ذكرى لاتفاقية اطارية عصية
على التطبيق !!
اما اهم نقطة في مبادرة الانسحاب من غزة هو التشويش على جلسة محكمة
العدل الدولية حول شرعية جدار الفصل العنصري حيث تحاول اسرائيل الهروب
من الادانة الدولية عبر مبادرة سلام مبتورة !!
وبطرح هذه المبادرة فإن المبادرة باتجاه الفلسطينيين ولكن على عكس
ما يزعم فإن عيون اسرائيل على الولايات المتحدة لا فلسطين! فالمبادرة
اساسا موجهة للولايات المتحدة وزيارة شارون للولايات المتحدة تؤكد
ذلك !!
فالرسالة الاسرائيلية للولايات المتحدة باتت واضحة ومفهومة !!
فشارون يريد معرفة وجهة النظر الاميركية حول موضوع المبادرة المزعومة
فلا يغيب على بال احد ان في الولايات المتحدة الآن لاحديث فوق الانتخابات
القادمة وتطوراتها وبورصة المرشحين في صعود وهبوط وهو ما يعلمه شارون
جيدا وسيسعى لاستغلاله خير استغلال ولو عن طريق وكلائه اللوبي الصهيوني
في الولايات المتحدة !! ويريد شارون ايضا التمويل الاميركي سواء
في نزع المستعمرات العشوائية في الاراضي الفلسطينية وفي تغيير مسار
جدار الفصل !
ان شارون في زيارته للولايات المتحدة سيحاول الظهور بمظهر المنقذ
للرئيس بوش الابن وذلك بنقله الاضواء من العراق الملتهب الى فلسطين
بواسطة مبادرته للانسحاب من غزة من جانب واحد !!
ان هذه المبادرة تمثل طعما ساما للعرب والفلسطينيين خاصة والحذر
واليقظة مطلوبان دائما وللابد في المواجهة مع اسرائيل !!
سعيد بن علي الهنائي
كاتب عماني
أعلى
محاولات تحسين صورة أميركا تصطدم بسياساتها
أحد الاسئلة الكثيرة التي تم طرحها في الولايات
المتحدة بالنسبة للعالمين العربي والاسلامي بعد احداث 11 سبتمبر
2001، تمثل في: لماذا يكرهوننا؟ وفي محاولات الاجابة على هذا السؤال
تفتق ذهن الادارة الاميركية واذهان المختصين الاميركيين عن ضرروة
تحسين صورة اميركا في المنطقتين العربية والاسلامية من خلال مقترحات
عديدة ابرزها: تشجيع الديموقراطية في الشرق الاوسط باعتبارها صنوا
للحرية ولذلك فهي حجر الزاوية في مقاومة الارهاب. ومن اجل ذلك قرر
الرئيس الاميركي مضاعفة موازنة نشر الديمقراطية في العالم العربي
من 40 الى 80 مليون دولار ! ومن اجل ذلك تجتهد مراكز الدراسات الاميركية
في صياغة المقترحات العديدة: تغيير المناهج التعليمية تدريس الاسس
الديمقراطية في الدول العربية تشجيع الهيئات والمنظمات العربية غير
الحكومية وتمويلها وبخاصة تلك التي تعني بالديمقراطية وحقوق الانسان
وغيرها من المقترحات.
ومن اجل تجميل الوجه القبيح للسياسات الاميركية في المنطقة العربية،
انشأت الولايات المتحدة اذاعة (سوا) وافتتحت مؤخرا فضائية (الحرة)
لمخاطبة العرب بلغتهم.. ضمن سياسة اميركية منظمة ومدروسة في محاولة
تغيير نمط التفكير العربي وبخاصة لدى الشباب.
واذا كان التصور الاميركي للديمقراطية في العالم العربي ينطلق في
جوهره من حرص دوله على المصالح الاميركية باعتبار ذلك هو الاساس
في التقييم الاميركي لديمقراطية الدول.. وذلك يحتاج الى مقال بل
الى بحث منفصل فاننا سنركز في هذا المقال على موضوع جوهري لعله غاب
او جرى تغييبه عمدا في سلسلة المقترحات الاميركية لتحسين صورتها
في المنطقة وهو السياسات الاميركية المتبعة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي
وتبني المواقف الاسرائيلية جملة وتفصيلا، بابتعاد تام عن مقاييس
العدالة والتوازن وقرارات الشرعية الدولية والحياد في صراع تاريخي،
وكذلك شن الحرب واحتلال العراق والسيطرة على مقدراته وثرواته وسط
رفض دولي لهذه الحرب ولهذا الاحتلال.
لا اظن ان هذا السبب يغيب عن اذهان مخططي السياسات الاستراتيجية
للولايات المتحدة، ولا عن عقول خبرائها ولكن رغم ادراك ذلك تستمر
الادارة الاميركية في سياساتها المعادية للعرب والمسلمين مما يجعل
كافة المقترحات الاميركية لتحسين صورتها العربية في دائرة الشك ومحاولات
الهيمنة على المنطقة بعيدا عن الرغبة الحقيقية في ايجاد تطور ديمقراطي
واقتصادي حقيقي لدى دولها.
بالطبع الامثلة كثيرة على هذه السياسات ولعل اخرها: ما كادت محكمة
العدل الدولية تبدأ جلساتها في موضوع الجدار الاسرائيلي العنصري
العازل الذي يذكر العالم بنظام الفصل العنصري الكريه في جنوب افريقيا
.. حتى كتب المستشار القانوني لوزارة الخارجية الاميركية وليام تافت
مذكرة باسم الولايات المتحدة، خطية وموجهة الى المحكمة تدعى فيها
(ان واشنطن تعتقد ان اصدار رأي حول المسألة يهدد بتقويض عملية السلام
وتسييس المحكمة)!
لا يمكن فهم الموقف الاميركي الا ضمن محاولات الضغط على محكمة دولية
جاء تشكيلها بقرار من الهيئات الدولية المعنية والموضوع الذي تبنت
فيه احيل اليها بقرار من الامم المتحدة اتخذته غالبية دول العالم،
كما سبق للمحكمة الدولية ان اصدرت قرارات واراء استشارية في مواضيع
سياسية عديدة: قرية طابا المختلف عليها بين مصر واسرائيل وكان قرار
المحكمة بأنها ارض مصرية وبالفعل تمت اعادتها الى مصر بعد ان ثبت
زيف ادعاءات اسرائيل بأنها ارض تابعة لها. وكذلك بحثت المحكمة ولا
تزال في الجرائم التي اقترفها المسئولون الصربيون بحق المسلمين في
صربيا، وكذلك بحثت في نزاعات سياسية عديدة. ولماذا حين يتعلق الامر
باسرائيل يصبح حق المحكمة مصادرا ضمن المفهوم الاميركي للحق وللحقوق؟
لم تستمع الولايات المتحدة للتقرير الذي اعده مكتب الامم المتحدة
لتنسيق الشئون الانسانية ولا لتقرير اللجنة الدولية للصليب الاحمر
حول الجدار العنصري وانعكاساته السلبية على الفلسطينيين.
الادارة الاميركية كذلك لم تأخذ بعين الاعتبار الوثيقة التي اعدتها
المنظمة الاميركية للدفاع عن حقوق الانسان (هيومن رايتس ووتش) حول
الجدار وفيه تقول ( ان بناء ومسار وعمل حاجز الفصل الاسرائيلي في
الضفة الغربية ينتهك حقوق الانسان والقوانين الاساسية) كما اكد جوستورك
المسئول عن قسم الشرق الاوسط وشمال افريقيا في المنظمة ان الجدار
يفرض قيودا تعسفية على المواطنين الفلسطينيين وينتهك الواجب المترتب
على اسرائيل بموجب اتفاقيات جنيف حول السكان تحت الاحتلال.
الولايات المتحدة كذلك لم تستمع الى وجهات نظر بعض المنظمات الاسرائيلية
لحقوق الانسان ولبعض المفكرين الاسرائيليين من ذوي الضمائر الحية
مثل: ناعوم شومسكي وباروخ كيمولنغ الذي يقول عن الجدار الاسرائيلي
: (بأنه يحول التجمعات الفلسطينية الى معازل تبدو معها كانتونات
جنوب افريقيا رموزا للحرية والسيادة وتقرير المصير) !
الادارة الاميركية وبخاصة الصقور فيها تتبنى وجهة نظر اسرائيل في
موضوع الجدار وانتقاداتها لبنائه كانت خجولة وحريصة على عدم الوقوف
في موقف الازعاج البسيط للحليف الاستراتيجي بغض النظر عن المواقف
الاعلانية المعلنة حول رفض العنصرية والموقف المؤيد للديمقراطية
والحرية وحقوق الإنسان !
تحاول الولايات المتحدة تجميل صورة سياساتها القبيحة في العالم الغربي،
ولكن لا اذاعة (سوا) ولا فضائية (الحرة) ولا كل وسائلها الاخرى قادرة
على ذلك، مادامت تقف في موقف العداء لمصالح الشعوب العربية وتتبنى
سياسات اسرائيل وتحتل العراق.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى
تصدير الوهم: جدار للأمن من الإرهاب لا للفصل والعنصرية
من السهل ربط فكرة الجدار بالأمن، فبالرجوع
إلى الفكر الوظيفي نرى أن البيت بجدر يؤمن الطمأنينة والسكون لقاطنيه،
فهو يقيم حداً فاصلاً بين رقعة خاصة تهدف إلى تأمين كيان يقوم على
قوانين خاصة، وبين عالمٍ خارجي مفتوح على كل الاحتمالات للخطر، وبالتجريد
يظهر الجدار كمفهوم يحمل معنى إقامة حد بين ما هو خاص وما هو عام،
وبالتالي توفير الأمن للخاص من العام، وللعام من الخاص.
ولكن في ظل وجود عالم يتجه بالوعي إلى إزالة الحدود، والانفتاح على
الآخر، وبالنظر إلى الموضوع من زاوية احتياجات الدول لا الأفراد،
فإن المسألة تختلف اختلافاً جذرياً، حيث إن احتياج الفرد لممارسة
خصوصيته وأمنه، يقوده بالضرورة إلى جدران البيت بتوافقٍ كاملٍ مع
المجتمع، أما الدول فإنها ترسم حدودها، لا بالجدران، بل بالاتفاقات
والمعاهدات والمواثيق، وهو ما يسود العالم.
وبالتالي فإن ربط مسألة الأمن بإقامة الجدار الفاصل الإسرائيلي،
ما هو إلا مسألة تصدير للوهم، تقوم على تغيير مسار النقاش من شرعية
إقامة الجدار إلى الأمن والإجراءات التي تحق للدولة أن تمارسها في
سبيل وقفه.
وقد التفت الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنييع إلى هذه المسألة في مقالته
الموسومة بـ(بدء الصراع في لاهاي)، حين قال: لقد فهمت إسرائيل الرسمية،
عملياً، أنها لا تملك فرصة الإقناع بعدالة الجدار... وبدل ذلك، تسعى
إسرائيل إلى جعل النقاش يدور هنا حول مسألة مريحة أكثر بالنسبة لها:
حول الإرهاب.
وفي الوقت الذي يحضر فيه الفلسطينيون ادعاءاتهم القضائية ضد الجدار،
ترد عليهم إسرائيل بعرض صور ملونة للشبان والفتيات الذين سقطوا في
عملية الدولفيناريوم.
وإذا كان أحد الكتاب الإسرائيليين استطاع أن يدرك هذه المسألة الخطرة،
فإن إسرائيل الرسمية، وقطاعا واسعا من الشارع الإسرائيلي، يعملون
على تسويق هذه الخدعة الكبيرة: (الجدار الأمني)، حيث قامت وزارة
الخارجية الإسرائيلية بنقل بلاغات إلى وزارات خارجية لدول مختلفة،
تشير فيها إلى أن تمرير مشروع القرار الفلسطيني، الذي ينص على تحويل
ملف الجدار الفاصل إلى محكمة العدل الدولية، قد يمس بكل دولة، مهما
كانت، لأنه سيشكل سابقة لتحويل أي قضية تثار حولها خلافات سياسية
إلى أرفع هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، مما قد يؤدي إلى تسييسها.
وفي وقتٍ سابق قدم رئيس ( حركة الحركة من أجل الانفصال)، درور هليفي،
التماساً لمحكمة العدل العليا في إسرائيل، يقضي بأن عدم وجود جدار
أمني بين إسرائيل والفلسطينيين، يهدد حياة الناس بالخطر، لذلك فهو
مناقض لقانون أساس احترام الإنسان وحريته.
لقد أشار كافكا، في قصته الجميلة (بناء السور الصيني)، إلى أن الأسوار
لا تبنى بهدف توفير الأمن من العدو، وإنما لتوحيد الشعب في مهمة
قومية كبري، وهو ما يحدث، قياساً، في كيان مثل البيت، حيث يقول:
القيادة تعرفنا، إنها تتولى تنفيذ المهام الضخمة، لكنها تعرف الأمور
الصغيرة التي تشغلنا. كم هم سذج أعداؤنا، الشعوب الشمالية، الذين
يعتقدون أنهم تسببوا لنا ببناء السور، وكم هو ساذج القيصر المحبوب،
الذي يعتقد أنه هو الذي أمر ببناء السور.
وإذا استندنا إلى كافكا، فإننا نستطيع أن نرى بوضوح أن مسألة أخرى
تدور في خلد قيادات الحكومة الإسرائيلية.
ويرى بعض من تناول موضوع الجدار، وأحقية إسرائيل ببنائه، أن بناء
الجدار لو جاء على حدوده المعترف بها دولياً، وهي حدود الهدنة عام
1948- 1949، أي الخط الأخضر، لكان أمرأ مفروغاً منه، ولما أثار كل
هذا الجدل، ولما استدعى الأمر الوصول إلى لاهاي، إذ تتحول المسألة
إلى تصرف مالك البيت في حدود ملكيته.
ويقول نعوم تشومسكي في مقالته (الجدار والسياسات الإسرائيلية الأميركية):
لو كان الأمن هو الهاجس الحقيقي والوحيد بالنسبة لإسرائيل, فإن من
الواجب أن يقام جدارها الأمني داخل حدودها السياسية والجغرافية المعترف
بها دولياً, والمعنى هنا ( الخط الأخضر) الذي تم ترسيمه بعد حرب
عام 48-1949.
ولكن ألا يعد هذا نقاشاً لأمرٍ واقع ليس إلا، بمعنى نقاش فكرة طرحت
ونفذت وأصبحت حاضرة تجبر الآخرين على نقاشها كما هي، والأجدر أن
تناقش المسألة كمفهوم أساسي، أي طرح الموضوع برؤية استهجانية كأن
يسأل: هل من المنطقي، في عصر التواصل والانفتاح على الآخر، أن يكون
هناك أسوار؟ أو بمنطقٍ سياسي واسع، هل من المقبول أن تكون حدود الدول
جدرانا؟
إن المبررات التي تسوقها إسرائيل لوجود مثل هذا الجدار، من أمنٍ
ومحاربةٍ (للإرهاب)، لا تقود، منطقياً، لوجود هذه المنشأة العنصرية،
فمحاربة الظواهر المقلقة لدولةٍ ما، في إطار الفكر السياسي والعسكري
المعاصر، لا يتم بصورة فردية بحتة، خصوصاً في ظل اتفاقات وقوانين
دولية، تنظم علاقات الدول فيما بينها، حتى لو كانت في حالة استثنائية،
كحالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هكذا المشهد إذن: ثورة علمية كبرى، تحول العالم إلى قرية صغيرة،
عصر التواصل وإزالة الحدود، قيام كيانات كبرى، تكريس حقوق الإنسان
ومحاولة إنهاء المجاعات، وفي المقابل الإسرائيلي: احتلال، عمليات
اغتيال وتوغل، هدم بيوت، قتل أطفال، انتهاكات كبرى لحقوق الإنسان،
وأخيراً إقامة جدار عنصري فاصل، يعزز هيمنة مطلقة بالمعنى الاقتصادي
والسياسي، وأعني السيطرة على الموارد الطبيعية وأهمها منابع المياه،
إضافة إلى خنق الكيان الفلسطيني الوليد، وتحديد معالمه قبل وجوده
الفعلي.
هذه المتقابلات المطروحة، والظاهرة بجلاء للعالم أجمع، إذا تم تجاوزها
والذهاب من فوقها إلى مناقشة موضوعات أخرى: كالأحقية، الأمن، الإرهاب،
حدود خط الهدنة، تكون إسرائيل نجحت نجاحاً مبهراً في تصدير الوهم
للعالم أجمع، خاصة وأنها صرحت بأن قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي،
سيكون بمثابة توصية، ولن يكون ملزماً.
في هذه الحالة يجب النظر إلى طرفي المسألة، وأعني المتقابلات المطروحة
سابقاً، بشكلً دقيق، إذ أن هذه المسألة ستحدد مصداقية العالم كمفهوم،
فإما أن يكون الفكر المعاصر والانفتاح و......و، مجرد وهم يصدر للعالم
بغرضٍ آخر، أو يؤكد مصداقيته، وإما أن تكون الإجراءات الإسرائيلية
عنصرية وغير شرعية، ويجب إزالتها من هذا العالم لعدم توافقها مع
توجهاته الثقافية الرئيسية، وإما أن تكون واقعاً حقيقياً للسلوك
الفردي المبني على حيازة القوة والهيمنة.
إن ما يحدث في هذه الأيام، في أرفع هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة،
يجب أن يكون سلوكاً استدراكياً من المنظمات التي تقوم على صياغة
الحقوق والقوانين الدولية. والاستدراك هنا يعني محاولة التعويض عن
سياسات الانحياز والخضوع لمعايير القوة والمصلحة، وتغييراً لصورة
هذه الهيئات في نظر مواطني الدول المتضررة، من عدم تطبيق القرارات
الدولية المتعلقة بقضاياها العادلة.
القول هنا أن الفرد في هذا العالم، أصبح تائها بين الوهم وتقنيات
الإعلام العالية، وبين ما يبتغيه من محاولةٍ للفهم، ولأن السياسات
الكبرى تصاغ بعيداً، في أروقةٍ لا يعرفها المواطن، تبقى المعادلات
خفية وغير معروفة، ويلجأ الفرد إلى التكهن والقياس ومحاولات الفهم
والتحليل.
ويقول كافكا في نفس القصة: في تلك الأيام، تبنى الكثير من الناس
المبدأ السري القائل: حاولْ فهم أوامر القيادة إلى حد معين، توقفْ
بعده عن التفكير. كنْ كالنهر في الربيع: يتعاظم جريانه فيروي الأراضي
ويجعلها خصبة. وهذا هو الحد الذي يسمح فيه للإنسان بالتفكير بأوامر
القيادة. إذ بعد ذلك يفيض النهر على ضفتيه، ويلحق الأضرار بالحقول،
وفي الموسم التالي، الشديد الحرارة، يجف ويتقلص، وهذه هي المرحلة
التي يمنع فيها التفكير بأوامر القيادة.
د. عبد القادر إبراهيم حماد
كاتب وصحافي فلسطيني
مراسل (الوطن) في قطاع غزة
أعلى
تحليل الوطن الأخباري
التهمة..بحرف الضاد
كل العالم العربي مطلوب لـ(العدالة) والمثول
أمام جهابذة القانون الدولي...ولم ينفع في تبرئتهم آلاف المحامين
الذين هبوا للدفاع عنهم والوقوف على الجرم الذي اقترفه الثلاثمائة
مليون عربي بعد تحول الغرب لشرطة دولية (إنتربول) ليقيد العرب اينما
كانوا: في اوطانهم ام في الخارج..انهم كحمل الشاعر الفرنسي، لافونتين،
مذنبون امام الذئب الكاسر، الذي يهددهم دائماً بالإبادة وتشريدهم
في الصحاري والبراري..وزرعهم في الغابات مع الوحوش..
والوحش لا يعيش الا مع وحش من صنفه، ألم (يصنفهم( الفوهرر بآخر المخلوقات
فجاء ترتيبهم (الشعب الثاني والثلاثين) وهذا يعني ان كل الأصناف
التي يتكون منها عالم الحيوان قد سبقتهم.
الغرب كان ينظر الينا منذ مئات السنين وبدءاً من الحروب الصليبية
التي عانينا منها الكثير نظرة عداء وكراهية تزايدت بعد حرب فلسطين،
وقام بإتهام العرب من خليجهم الى محيطهم، بشنها ضد (شعب مسالم يناضل
من أجل البقاء)..ولذلك وجب قتلنا فنحن الذئاب المفترسة وهم الحملان
الوديعة..هذه واحدة من حيثيات الحكم الجائر الذي اصدره الغرب ضدنا
وبموجبه يلاحقوننا حيثما كنا..حتى في اوطاننا حيث شكلوا مجموعات
من جواسيسهم لمراقبتنا ويبدو ان ذلك لم يفِ بالغرض فاستعاضوا عنه
بآلاف الاقمار الصناعية تحلق في سمائنا وتصور ادنى حركة نقوم بها
ولو كان ذلك في غرف نومنا ومراحيضنا وحماماتنا..
لكل عربي ملف خاص في دوائر الاستخبارات الاميركية ومثلها في عواصم
اوروبا الكبرى..وكلها ملفات تحشى بالاتهامات الكاذبة والمزورة..وفي
اعلى كل ملف وامام كل اسم عربي، ولو كان طفلاً اكثر من تهمة: ارهابي،
معاد للسامية، يكره اسرائيل ويعمل ذات يوم على طرحها في البحر..وتتزايد
الكراهية وتبلغ الذروة كلما فجر شهيد فلسطيني نفسه في ارضه وتملأ
صوره الاعلام الغربي ويثور (دعاة الحرية والديمقراطية المزيفة) فيتوافدون
على اسرائيل بالعشرات يكفكفون دموع تماسيحها ويمسحونها بملايين الدولارات،
فيبتسم التمساح وكأن شيئاً لم يكن.
منذ مطلع القرن الماضي والغرب غارق حتى قمة رأسه في مستنقع الابتزاز
الاسرائيلي..وحتى الامم المتحدة تتعرض لذلك الابتزاز القذر و(تكافئها)
اسرائيل بتجاهل كل القرارات الدولية ووصفها دائماً بـ(منظمة الجسد
بدون روح).
الغشاوة باقية على نظر الانسان الغربي طالما انه يرى بعين واحدة
ويسمع باذن واحدة ويكيل بمكيال مزدوج..اذا ما حلا له ان يكيل.
شعبان في العالم لا يقران بالجميل ولا يكافئان عليه..الاميركيون
والاسرائيليون وهما يعترفان بذلك في قراءة انفسهما ولا يعلنانه او
يبوحان به انهما لا يقرأن من تاريخهما سوى الصفحات الكاذبة..او المزورة
انهما مدينان للعرب بالكثير وان كانا يرفضان الاعتراف بجميلنا عليهما.
العرب ليسوا، بالمقابل، مدينين لأحد وخاصة لاسرائيل عدوهم الاول..بل
حفظ العرب اليهود منذ النبوة واحسنوا معاملتهم ودافعوا عنهم..وانظروا
اليوم كيف تكافىء اسرائيل من احسن اليها وحماها؟!.
اسرائيل تأخذ ولا تعطي، فماذا قدمت للولايات المتحدة؟ لا شيء ايجابي.
كل السلبيات فقط وتابعت ابتزازها لكل شيء..مستغلة العالم من خلال
(تبني( اميركا لها، وفرضها كعقبة كأداء على العالم..شاء العرب ام
أبوا!.
ولكن العرب اعطوا اميركا كل شيء ولم يبخلوا..فمنذ هجرتهم الى العالم
الجديد..قبل اكثر من قرن ونصف قرن وهم يساهمون في بناء المجتمع الاميركي
على مختلف الصعد..وما تتمتع به الولايات المتحدة من تفوق تكنولوجي
واعلامي واقتصادي الا وكان فيه للعرب اثر ايجابي بالغ..فدخل العرب
من اوسع الابواب الى المجتمع الاميركي وعمل بجد واخلاص لتنميته وترك
بصماته على كل ما تنعم به اميركا من سؤدد ورخاء.
فتح العرب ابوابهم على وسعها امام اميركا ورحبوا بها ولو عن طريق
الاعتراف بالجميل..وان كانوا غير مجبرين على ذلك الا ما يتمتعون
به من تسامح وكرم اخلاق قضى بذلك..واذا بالعالم العربي الذي افلت
من الشيوعية يقع بأسره في القبضة الاميركية وتوكل مستقبله الى اسرائيل
وتتولى واشنطن استغلال ثرواته وجعلت اسرائيل (بعبعاً) او سيفاً مسلطاً
فوق رأس كل من نطق بالضاد ودان بالاسلام..وربما كانت هذه اكبر (تهمة)
توجهها اميركا للعالم العربي.
الشعب العربي برئ من كل التهم الملفقة التي تحاك ضده..ولا يحتاج
الى (صكوك) بذلك توقع في واشنطن..أو تل ابيب.
احمد الاسعد
مراسل (الوطن) في لبنان
Email:beirut50@hotmail.com
beirut100@yahoo.com
أعلى
معركة الهدم القانوني للجدار الشاروني!
في داخل أراضي الضفة الغربية المحتلة منذ حرب
يونيو 1967، تبني إسرائيل التي هي في هذا المكان (قوة احتلال)( جدارا
أمنيا)، فهل في بناء مثل هذا الجدار وفي عواقبه ما يُعدّ مخالفة
أو انتهاكا للقانون الدولي حتى يحق لمحكمة العدل الدولية في لاهاي
النظر فيه، وإبداء رأي استشاري (غير ملزم) في هذه القضية المثيرة
للجدل؟
الجمعية العمومية للأمم المتحدة، التي عارضت (سياسيا) الجدار، هي
التي دعت محكمة لاهاي إلى إبداء رأيها في مدى قانونيته وشرعيته،
بعدما استخدمت الولايات المتحدة (الفيتو) لمنع مجلس الأمن الدولي
من اتخاذ قرار ضد الجدار.
إنّ السؤال الأول، الذي ينبغي لمحكمة لاهاي أنْ تجيب عنه قبل ومن
أجل أنْ تصدر (رأيا استشاريا) في الموضوع، هو: أين تبني إسرائيل
الجدار؟
هذه المحكمة الدولية لا تستطيع تجاوز الحقيقة القانونية الأولى وهي
أنّ الضفة الغربية أرض فلسطينية تخضع منذ حرب 1967 لاحتلال أجنبي
(إسرائيلي) وأنّها مشمولة ببند(الانسحاب) الوارد في قرار مجلس الأمن
الرقم 242.
ولكن يكفي أنْ تشرع المحكمة في إجابة سؤال (أين يُبنى الجدار؟) حتى
تجد نفسها ملزمة بحل مشكلة حرف التعريف (أل) في بند (الانسحاب) ذاك
في طريقة تؤكد أنّ (الخط الأخضر (خط الرابع من يونيو 1967 الفاصل
بين إسرائيل والضفة الغربية هو الخط الذي ينبغي لإسرائيل، بموجب
القانون الدولي، الانسحاب إليه، فلو أنّ مسار الجدار كان مطابقا
للخط الأخضر لانتفت الحاجة إلى أنْ تبدي محكمة لاهاي (رأيا استشاريا)
في مدى قانونية وشرعية الجدار.
الجدار يُبنى داخل أرض فلسطينية محتلة تقع شرق الخط الأخضر، ولا
يمكن النظر إليه في مساره هذا إلا على أنّه مخالف للقانون الدولي
مهما كانت المبررات والحجج الأمنية الإسرائيلية، فالخط الفاصل (بين
إسرائيل والضفة الغربية) أكان أمنيا أم سياسيا لن يكون شرعيا متفقا
والقانون الدولي إلا إذا كان في مساره مطابقا للخط الأخضر مطابقة
تؤكد أنّ الانسحاب الإسرائيلي قد استوفى شرطه القانوني المبدئي وهو
عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.
لقد أثارت حكومة شارون هذه المشكلة وهذا الجدل (القانوني والسياسي)
في شأنها فهيأت لمحكمة العدل الدولية فرصة لإظهار وتأكيد أنّ الخط
الأخضر هو وحده الخط الشرعي، وأنّ أي خط أمني أو سياسي لا يطابقه
هو خط غير شرعي بموجب القانون الدولي.
وما بين خط الجدار والخط الأخضر يقع مزيد من الانتهاك الإسرائيلي
للقانون الدولي، ففي هذه المنطقة الواسعة المقتطعة من الضفة الغربية
يتركز الاستيطان الإسرائيلي الذي هو غير شرعي بموجب القانون الدولي،
فالجدار الأمني هو غير شرعي، أيضا، لأنّه يحمي وجودا استيطانيا غير
شرعي، فقوة الاحتلال الأجنبي تنتهك القانون الدولي عندما تسمح لمواطنيها
باستيطان الأرض التي تحتلها، وتنتهكه أكثر عندما تقيم جدارا أمنيا
لحماية هذا الاستيطان.
والمتأمل لمسار الجدار يرى، في وضوح، أنّ هذا الجدار قد أقيم ويقام
حول تلك المناطق من الضفة الغربية التي تعتزم إسرائيل الاحتفاظ بسيطرة
دائمة عليها وضمّها إليها حتى في إطار تسوية دائمة مع الفلسطينيين،
فالدولة اليهودية تنظر إلى هذه المناطق على أنّها بؤرة لمصالحها
الحيوية الاستيطانية والأمنية والثقافية والمائية والاقتصادية.
وإقامة الجدار حول هذه المناطق تؤدي، حتما، إلى فصل قسم كبير من
الفلسطينيين مع أراضيهم عن بقية الضفة الغربية وفلسطينييها، لعلّ
هذا الوضع (المفعم بمعاني الاضطهاد العنصري) وعواقبه يضطرهم، مستقبلا،
إلى النزوح شرقا.
والجدار هو جزء لا يتجزأ من عملية أوسع تؤكد عبرها إسرائيل وجهها
العنصري وحاجتها الدائمة إلى العيش عبر انتهاك القانون الدولي، فهي
تعتزم إخلاء قطاع غزة ومناطق الضفة الغربية الواقعة شرق الجدار (المدن)
من مستوطنيها وجنودها حتى يقوم سجن فلسطيني كبير مقام دولة فلسطينية
متصلة إقليميا وقابلة للحياة. ولن يؤدي النقل المنظم لمستعمرات كاملة
أو مجموعات استيطانية من قطاع غزة إلا إلى تكثيف الكتل الاستيطانية
في الضفة الغربية.
وتأكيدا لمسعاها لإقامة مثل هذا السجن، ستُبقي إسرائيل المعابر والحدود
الدولية (في قطاع غزة والضفة الغربية) خاضعة لسيطرتها العسكرية والأمنية،
وستشرع، مستقبلا، في بناء الجدار الشرقي (توأم الجدار الغربي) الذي
سيفصل بين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وغور الأردن.
وتتوقع حكومة شارون إبطال المفعول العسكري للمقاومة الفلسطينية بعد
اكتمال بناء الجدار (في مساريه الغربي والشرقي) واكتمال عملية إخراج
المستوطنين والجنود، فالفلسطينيون، بعد ذلك، وبفضله، لن يجدوا هدفا
إسرائيليا يضربونه. وتقول حكومة شارون الآن: حيث لم يبنَ السياج
الأمني يستمر الرعب، وحيث بُني يختفي الرعب.
وتسعى هذه الحكومة، بدعم من إدارة الرئيس بوش، إلى إرغام المجتمع
الدولي على أنْ ينظر إلى الجدار، الذي تسميه سياجا أمنيا أو سياج
الوقاية من الإرهاب، على أنّه إجراء أمني صرف لا أثر فيه للسياسة.
وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم: يريد
المجتمع الدولي أنْ نبني السياج على طول الخط الأخضر وهذا ليس مقبولا
لأنّ هذا السياج سيكون عندئذٍ سياسيا بينما هو لغرض أمني بحت!
إنّ قضية الجدار هي من تلك القضايا التي لا يمكن فصل القانوني من
جوانبها عن السياسي والإنساني، ففيها تجتمع وتتحد عضويا كل تلك الجوانب
والأبعاد، فبناء الجدار يطرح مشكلة قانونية كما يطرح مشكلة سياسية
وإنسانية.
لقد تحفّظت إدارة الرئيس بوش عن مسار الجدار، معتبرة أنّ صدور رأي
عن محكمة العدل الدولية قد يعيق الجهود الهادفة إلى إحراز تقدم (سياسي)
يسمح بالتوصل إلى تسوية من طريق التفاوض. إنّها لم تقل شيئا يمكن
أنْ يُستنتج منه أنّها تعتبر الجدار مخالفة أو انتهاكا للقانون الدولي،
فالجدار، بحسب وجهة نظرها، يستمد شرعية من كونه إجراء لمكافحة الإرهاب،
ويمكن تعديل مساره تلبية لحاجات إنسانية فلسطينية.
أمّا قولها بالحرص على حماية جهود السلام من التخريب فهو أقرب إلى
النكتة منه إلى أي شيء آخر، فالجهود التي تبذلها إدارة الرئيس بوش،
الآنْ، لا هدف لها سوى تمكين شارون من مسخ خريطة الطريق، والبدء
بتنفيذ خطته للفصل، التي وعد بتنسيق كل ما تتضمنه من إجراءات وتدابير
مع الولايات المتحدة.
وفي موقف لا يمكن فهمه إلا على أنّه ثمرة استخذاء أوروبي للضغوط
الأميركية والإسرائيلية، رفضت فرنسا وبريطانيا ودول أخرى في الاتحاد
الأوروبي إحالة قضية الجدار إلى محكمة لاهاي بدعوى أنّ المشكلة يجب
أنْ تُحلّ في إطار سياسي، وأنّ إبداء المحكمة رأيا في شأن شرعية
الجدار لن يساهم في إحياء الحوار السياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ولم يرَ الأوروبيون أي تناقض منطقي بين اتخاذهم هذا الموقف وتأكيدهم
أنّ الجدار ينتهك القانون الدولي، فالانتهاك للقانون هو مسألة قانونية
يمكن ويجب أنْ تُعالَج في إطار قانوني هو محكمة العدل الدولية.
لقد أكدوا وقوع هذا الانتهاك القانوني، الذي يكمن في المسار الحالي
للجدار، فأوروبا لا تعارض، من حيث المبدأ، بناء الجدار؛ ولكنها تأمل
أنْ تقرر الحكومة الإسرائيلية إدخال تغيير كبير على مساره.
وعلى رغم تأكيدهم أنّ إسرائيل تنتهك القانون الدولي بإصرارها على
المسار الحالي للجدار فقد اعتبروا أنّ من حق إسرائيل وواجبها اتخاذ
كل ما تراه مناسبا من إجراءات وتدابير لمكافحة الإرهاب، الذي غدت
مكافحته شرعية لا تعلوها شرعية، فكل إجراء أو تدبير لمكافحة الإرهاب
إنما هو عمل شرعي ولو كان مخالفا أو منتهكا للقانون الدولي!
كان ينبغي لأوروبا أنْ تقتنع وأنْ تقنعنا، من ثم، بوجود وفاعلية
ذلك الإطار السياسي، الذي يمكن فيه حل مشكلة الجدار قبل أنْ تعلن
رفضها لحل هذه المشكلة في (إطار قانوني) هو محكمة العدل الدولية،
التي من الحماقة أنْ يُنظر إلى إحالة القضية إليها أو إلى إصدارها
رأيا استشاريا فيها على أنّه إعاقة لجهود ومساعي السلام التي لا
وجود لها إلا في أضاليل وأكاذيب إدارة الرئيس بوش.
وكان ممكنا الإصغاء إلى وجهة نظر الأوروبيين لو أنّهم جاءوا بدليل
واحد على أنّ كلامهم عن ضرورة إدخال تغيير كبير على مسار الجدار
قد وقع عند شارون على أسماع تشبه أسماعهم، فأين هو البديل من محكمة
لاهاي إذا كانت تحفّظات الولايات المتحدة عن مسار الجدار واعتراضات
أوروبا عليه لم تلقَ آذانا صاغية في إسرائيل؟!
إننا نعلم أنّ ( الرأي الاستشاري) لمحكمة لاهاي لن يكون له من التأثير
إلا ما يماثل تأثير صلوات كاهن بصاعقة توشك أنْ تنقض على صومعته.
ومع ذلك، لا بد للفلسطينيين من السعي في نيل مزيد من دعم الشرعية
الدولية لمطالبهم، والتي لن تغدو سلاحا حقيقيا في معركتهم القومية
إلا بعد امتلاكهم لمزيد من أسباب القوة الحقيقية.
جواد البشيتي
كاتب فلسطيني
أعلى
هل أميركا مخطئة في موقفها من باكستان؟
أثارت عملية الكشف عن ان عالما نوويا باكستانيا
بارزا ، (وهو عبدالقدير خان)، كان يدير عملية تهريب نووي وفرت تصميمات
عسكرية نووية الى ايران وليبيا وكوريا الشمالية ، صيحات للصدمة في
واشنطن.
وعلى أي حال ، فان عبدالقدير خان ، مؤسس البرنامج النووي الباكستاني
هو بطل قومي في بلد وصفه الرئيس بوش بأنه (حليف) رئيسي للولايات
المتحدة في الحرب على مايسمى بالإرهاب والحملة لمنع انتشار اسلحة
الدمار الشامل ، وكان خان صديقا مقربا للرئيس برويز مشرف.
المتلقى لكميات ضخمة من المساعدات الأميركية العسكرية والاقتصادية.
ومع الفشل في اكتشاف اسلحة دمار شامل في العراق واعتراف البيت الابيض
بانه ليس هناك دليل على صلة بين (القاعدة) وصدام حسين ، يريد الآن
المسئولون وصانعوا القوانين والصحفيون الأميركيون ان يفحصوا ويعرفوا
لماذا لم تكن الاستخبارات الأميركية قادرة على اكتشاف وتحديد ما
الذي يجري في العراق وباكستان.
ولكن المشاكل التي واجهها الأميركيون في باكستان ، مثل تلك في العراق
، ليس لها صلة أو لها صلة قليلة بقدرتنا على الحصول على معلومات
دقيقة كانت ستسمح لنا بتطوير السياسات الضرورية ، وفي كلتا الحالتين
، اتخذت ادارة بوش قرارها بعد 11 سبتمبر بالسعي نحو سياسات معينة.
دعم مشرف والإطاحة بصدام ـ عكس أطرا معينة مشوهة للحقيقة: عراق نووي
، له صلات بإرهابيي 11 سبتمبر ، كان في قلب شبكة ما يسمى بالإرهاب
الراديكالي المعادي لأميركا ، بينما كانت باكستان ملتزمة بتخليص
العالم من تلك التهديدات نفسها ، كان العراق هو الشرير ، وباكستان
(الطيب)، وأي انباء لايمكن تكاملها في هذه الرواية للمحافظين الجدد
كان يتم التقليل من شأنها.
ولكن لست مضطرا الى ان تكون عميلا استخباراتيا سريا اميركيا لتجد
معلومات شاملة وذات مصداقية عن كثير مما كان يحدث في باكستان والعراق
، وبعض منافذ وسائل الاعلام والجماعات الفكرية قد دفعت بأنه بينما
كان الاميركيون يبحثون ـ سدى ـ عن اسلحة الدمار الشامل وعن عملاء
(القاعدة) في العراق.
كان يمكنهم اكتشاف تلك التهديدات نفسها في باكستان ، مع اتباع اسامة
بن لادن ، وكثير من الصلات بين مسئولي الحكومة والإرهابيين والأسلحة
النووية التي كان يمكن ان تقع في أيدي الإرهابيين المعادين لأميركا.
وقد تنبأت نفس تلك المؤسسات التي تجمع المعلومات والخاصة بالأبحاث
ان القوات الأميركية لن تفشل فقط في تحديد مكان اسلحة الدمار الشامل
أو (القاعدة) في العراق ، ولكن ايضا ان غزو العراق سيوجد فوضى سياسية
ويحدث موجة جديدة من الإرهاب المعادي للأميركيين ، وفي نفس الوقت
، حذر ايضا هؤلاء الخبراء من ان باكستان في ظل مشرف.
الذي أفادت خدماته العسكرية والأمنية قبل 11 سبتمبر كداعم رئيسي
لمسلحي طالبان ، كانت تلعب دورا فعالا في انتشار الأسلحة النووية.
وهذا النوع من المعلومات كان سيؤدي الى استخلاص ان باكستان ـ وليسس
العراق ـ كانت مرحلة مركزية في حملة مكافحة الإرهاب الأميركية المستمرة
، وان بتجنب تبدد موارد عسكرية واقتصادية لخوض حرب غير ضرورية في
العراق ، كان يمكن لواشنطن ان تقوي قدرتها على احتواء اولئك الذين
ارتكبوا هجمات 11 سبتمبر الإرهابية والرعاة لهم.
ليون هادار
ليون هادار زميل أبحاث في دراسات السياسة الخارجية بمعهد (كاتو).
خدمة (كي آر تي) ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى
في المسألة الكورية الشمالية
قد تستطيع قيادة طرفين الى مائدة التفاوض لكنك
لا تستطيع اجبارهما على التوصل الى تسوية. لهذا تجد الولايات المتحدة
وكوريا أنفسهما محصورتين في زاوية دبلوماسية. واغلب الظن ان المواقف
المتصلبة تجعل الوصول الى صفقة امرا عسيرا حتى لو كانت هذه الصفقة
في صالح الطرفين على المدى الطويل.
اشكالية كوريا الشمالية تكمن في برنامجها النووي. من ناحية ، تشكل
اسلحتها النووية ـ سواء كانت موجودة حقيقة ام لا- رادعا لهجوم كالذي
تعرضت له العراق. لكن من ناحية اخرى ، هذا البرنامج النووي هو ايضا
ورقة المساومة الحقيقية الوحيدة التي تجلب كوريا الشمالية الى مائدة
التفاوض. حافظ على الرادع ولن يكون هناك اتفاق. قايض الورقة بحزمة
مساعدات اقتصادية وستفقد الرادع.
اما ادارة بوش فهي ملتزمة بلهجتها اذ وضعت كوريا الشمالية في محور
الشر، وحسب تصريحات تشيني الاخيرة: لن نتفاوض مع الشر وسنهزمه. هذا
الكلام لا يترك مجالا للدبلوماسية.
لقد جنى مسئولو الادارة ازدراء بسبب الصفقة الاخيرة مع كوريا الشمالية
ـ اتفاق الاطار. فالتفاوض على اي شيء دون الانصياع الكامل من كوريا
الشمالية خلال عام الانتخابات الحالية من شأنه تعريض الادارة لاتهامات
بالتلطف من جانب المحافظين الجدد وصقور الديمقراطيين.
مع ذلك فإن عام الانتخابات هو ما يحتم على ادارة بوش التدليل على
انها لا تدفن رأسها في الرمال بسبب هذه القضية. ثمة اقاويل تدور
في واشنطن عن اتفاق مع كوريا الشمالية. وحسب هذا السيناريو ستقوم
الولايات المتحدة بمبادلة مبادرات اقتصادية اكبر واعتراف دبلوماسي
في حال اوقفت كوريا الشمالية برنامجها النووي وكذلك خفضت اعداد قواتها
التقليدية وسارعت الاصلاح الاقتصادي وخاطبت مسألة حقوق الانسان.
على الورق ، قد يكون هذا معقولا. لكن من غير المرجح ان تروق الضجة
الكبرى لكوريا الشمالية بالنظر الى ندرة الثقة في العلاقات بين البلدين.
وكلما اضيفت عناصر الى المفاوضات ، تلبدت اجواؤها وقلت احتمالات
نجاحها.
زاد الطين بلة ان ادارة بوش شددت على ضرورة ان تتم المفاوضات مع
كوريا الشمالية في شكل تعددي يضم اليابان والصين وكوريا الجنوبية
وروسيا. هذا على الرغم من اعتراف كثير من الخبراء في شئون كوريا
الشمالية ، بل وداخل الحكومة الاميركية ، بأن المفاوضات المباشرة
فقط هي التي يمكن أن تحسم المسألة الحالية. هذا النوع من المفاوضات
الثنائية ، بعيدا عن التصلب في المواقف ، هو الذي احدث الاختراق
الاخير في العلاقات الاميركية الليبية وانهى البرنامج النووي الليبي.
المقاربة الافضل في شرق شمال آسيا هي (القليل مقابل القليل) بمعنى
استئناف مبيعات الوقود مقابل تجميد معالجة البلوتونيوم. قد لا تتخلى
كوريا الشمالية عن رادعها او ورقة المساومة الوحيدة. وبوسع ادارة
بوش ادعاء تحقيق نصر دبلوماسي ، لكن ليس بتكلفة (الابتزاز) ، طالما
ان الولايات المتحدة كانت ترسل الوقود الى كوريا الشمالية طيلة عقد
تقريبا.
من هذه الخطوة المتواضعة يمكن للطرفين بناء الثقة بغية التحرك قدما
تجاه معالجة مسائل اخرى مثل وضع برنامج تخصيب اليورانيوم.
ولن تنتج المفاوضات اتفاقا ما لم تكن ادارة بوش راغبة في التحرك
للامام مع كوريا الشمالية. وتجنب حرب مروعة في المنطقة يحتم على
الطرفين الابتعاد للخروج من تقوقعهما.
جون فيفر
مؤلف كتاب (كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية: السياسة الاميركية في
وقت الازمة)
خدمة كي ار تي ـ خاص بـ(الوطن).
أعلى
محنة هايتي
يحاصر الافاقون والقتلة هايتي التي تعتبر افقر
دولة في النصف الغربي من العالم وتفصلها خمسمائة ميل من مياه البحر
عن ولاية فلوريدا. والادارة الاميركية التي انتهجت سياسات ادت الى
اشعال نار الازمة في هايتي تتردد حاليا في التدخل لاطفائها. وكما
قيل في الماضي عن المكسيك فان هايتي ايضا قريبة جدا من الولايات
المتحدة لكنها بعيدة جدا عن الله.
في الاسبوع الماضي نجحت عصابة من قطاع الطرق مجهزة بأسلحة مدمرة
ويقودها مجرمون محترفون نجحت في السيطرة على مدينة (كاب هايتن) وهي
المدينة الثانية في هايتي ويطلقوا سراح السجناء ويعيثوا فسادا بالمدينة.
ووقفت الشرطة صامتة لا حول لها ولا قوة خاصة وان عدد شرطة هايتي
لا يتجاوز خمسة آلاف شرطي، وبالمقارنة فان مدينة نيويورك التي يقارب
عدد سكانها عدد سكان هايتي الفقيرة فيها ما يقارب الاربعين الف شرطي.
وبالرغم من الاستنكار الرسمي الاميركي للعنف، الا ان الولايات المتحدة
متورطة بشكل كبير بتلك الفوضى. بدأت القضية في العام 1990 عندما
وصل ارستيد الى سدة الحكم رئيسا منتخبنا لهايتي. في اول ممارسة ديمقراطية
تشهدها تلك الدولة بعد ثلاثين سنة من حكم الدكتاتور ووفالييه المدعوم
من قبل الولايات المتحدة.
وعارضت ادارة الرئيس بوش الاب الرئيس ارستيد رجل الدين الذي قاد
حزبا لفقراء هايتي. وبعد سنة واحدة اسقط الجيش الهايتي الرئيس متوقعا
ان يحظى الانقلاب بموافقة الولايات المتحدة.
لكن القيادة في الولايات المتحدة تغيرت وارسل الرئيس كلينتون في
العام 1994 عشرين الف جندي الى هايتي لاعادة الحكم الديمقراطي ورئيسه
ارستيد على قمة الهرم هناك. وحل الجيش هناك وباشرت الولايات المتحدة
في تدريب قوة الشرطة المحلية الهايتية ونتيجة لضغط الجمهوريين على
الرئيس كلينتون بسبب مشاركة القوات الاميركية في مهام حفظ السلام
واعمار بعض الدول، اضطر كلينتون الى سحب القوات الاميركية من هايتي
التي لم تحصل على العون او اعمار بنيتها التحتية التي تمكنها من
الوقوف ثانية على قدميها.
وعادت الفرقة والعنف من جديد بين الفصائل الهايتية. وحدثت المواجهات
بين انصار حزب الرئيس ارستيد المسمى لافالاس وبين علية القوم الذين
يقودون هايتي. في العام 2000 اكتسح حزب لافالاس الانتخابات التشريعية
التي قال عنها المراقبون الدوليون: انها غير نزيهة. وكانت الادارة
الاميركية سباقة في ايقاف الدعم الدولي لهايتي. وازدادت الامور سوءا
في تلك الدولة المرهقة.
ومع اعادة انتخاب ارستيد لولاية جديدة في العام 2000 عارضت الولايات
المتحدة وذلك بشكل صريح. وقام المعهد الجمهوري الدولي بدعم معارضي
ارستيد الذين لبعض منهم علاقات مع العصابات التي تعيث فسادا بالبلد
حاليا. ولم تكتف الادارة الاميركية بقطع مساعداتها لهايتي فقط وانما
اعلنت الحاجة الى وجود قيادة جديدة في هايتي.
ومع حلول العام 2003، بدأت المعارضة في تمويل موجة من الاحتجاجات
المطالبة باستقالة ارستيد. وعاد الجنود الهاربون وقادة فرق الاعدام
من المنافي لتولى قيادة العصابات التي بدأت باكتساح القرى والمدن
انطلاقا من شمال هايتي.
في البداية لم تحرك الولايات المتحدة ساكنا معتقدة ان قيادة جديدة
ستتولى الامور في هايتي. لكن وبعد تدفق اللاجئين على فلوريدا التي
تمثل علامة بارزة في خارطة المعركة الرئاسية القادمة في نوفمبر من
هذا العام، بدأت تلك الادارة بتغيير موقفها، نافية في الوقت نفسه
اية مسئولية لها فيما يجري.
وقال وزير الخارجية كولن باول : ان الولايات المتحدة غير متحمسة
لارسال قوة لحفظ السلام الى هايتي، تاركة المسئولية لفرنسا لشحذ
همم دول العالم للتدخل. وقال باول: ان الولايات المتحدة تريد من
ارستيد النزول من سدة الحكم، وقال مسئولون في وزارة الخارجية الاميركية:
ان الولايات المتحدة لن تسمح لثلة من الافاقين بحكم هايتي. وفشلت
محاولة للتوسط بين ارستيد وقادة المعارضة الديمقراطية عندما اصر
اولئك القادة على استقالة ارستيد.
ان مشكلة الفقر في هايتي تأتي في مقدمة اسباب الصراع، فثمانون بالمائة
من سكان هايتي يعانون من الفقر وتسعون بالمائة منهم يعانون من الامية
وستون بالمائة من السكان لا يحصلون على ماء شرب صحي. لقد انهك الحكم
الديكتاتوري البنية التحتية الاساسية للدولة فلا وجود لانظمة الصرف
الصحي او الرعاية الصحية او الطرق او الكهرباء.
حاول ارستيد انتشال افقر فقراء هايتي لتولي امور البلد بدلا من العلية
الذين نهبوا ثروات هايتي لسنوات عديدة. لكن مع عدم توفر الدعم الاميركي
والدولي الكافي، لم ينجح ارستيد في قلع الفقر المتجذر وفشل ايضا
في توفير البنى التحتية الاساسية لدفع عجلة الاقتصاد.
وكانت النتيجة عنفا متواصلا ساهم ارستيد نفسه في جانب منه. فالعاصمة
محمية من قبل عصابات مسلحة تمثل انصار ارستيد بدلا من رجال الشرطة.
تفضل الادارة الاميركية تنحي ارستيد عن السلطة لتتولاها الصفوة في
هايتي. لكن الولايات المتحدة لا يمكن ان تقف مكتوفة الايدي وهي تشاهد
حكومة منتخبة ديمقراطيا في بلد مجاور، بغض النظر عن اخطاء تلك الحكومة،
يطاح بها على يد مجموعة من المجرمين والقتلة.
ان الادارة التي تعهدت باعمار العراق وزرع الديمقراطية فيه وهو بلد
يبعد آلاف الكيلومترات عن الولايات المتحدة، يمكنها (اي الادارة
الاميركية) الدفاع عن الديمقراطية والمساهمة في اعمار هايتي المسكينة.
لكن هايتي اليوم تعاني وهي قريبة جدا من الولايات المتحدة وبعيدة
جدا عن النفط.
جيسي جاكسون
ناشط في الحزب الديمقراطي من مدينة شيكاغو
خدمة كي ار تي ـ خاص بـ(الوطن)
أعلىs